أقلام ثقافية

حركتنا الشعرية الفلسطينية إلى أين..!

shaker faredhasanالمراقب والمتابع للحركة الأدبية الفلسطينية في هذه البلاد يلحظ ثمة هبوط وتدنٍ في مستوى الكتابة الشعرية الإبداعية ، خاصة لدى الشعراء الناشئين والجدد.

وعلى الرغم من أن الصحف والمطبوعات والمواقع الالكترونية تحفل بالنصوص الشعرية إلا أننا بالكاد نعثر على قصيدة فنية جميلة تدفعنا إلى إعادة قراءتها مرة أخرى. وهذا يعود إلى انعدام التجربة الشعرية الحقيقية عند هؤلاء الشعراء الشباب، مما يفقد القصيدة مقوماتها الضرورية كقصيدة مكتملة وناضجة شكلاً ومضموناً. وكذلك غياب الرؤيا الشعرية الواضحة لدى البعض منهم ، وتكرارهم للموضوعات نفسها .علاوة على افتقارها للمضامين الجمالية الثورية الملتزمة الصادقة، وهذا نابع من ثقافتهم الضحلة ، وقلة اطلاعهم على تراثنا القديم وعلى تجارب الآخرين.

فالثقافة هي التي تغني التجربة وترفد عملية الإبداع ، وتمد الشاعر بالقوة والاستمرارية والبقاء والتواصل، والشاعر المجدد الأصيل هو الذي ينسج حروف قصيدته من المعاناة والألم والتجربة الحياتية، والشعر الحقيقي هو الذي يوقف شعر الرأس ـ على حد تعبير شاعرنا الراحل الصفوري طه محمد علي.

وفي الواقع، أن الكثير من النصوص والقصائد التي رأت النور هي قصائد ونصوص سطحية غارقة في الذاتية والرومانسية وبعيدة كل البعد عن واقعنا، ولا تعبر عن همومنا وآلامنا وآمالنا وطموحات شعبنا في الحرية والاستقلال الوطني.

فبينما شهدت حركتنا الأدبية في إرهاصاتها الأولى وبدايات تبلورها تدفقاً للشعر الكفاحي الرافض المقاوم للظلم والقهر، الذي فاضت به القرائح والأقلام الشعرية الفلسطينية التي اتخذت من الالتزام منهجاً ومسلكاً وطنياً وثورياً صادقاً، فإننا نرى انحساراً وتراجعاً في مكانة شعر الرفض والمقاومة، هذا الشعر الجميل الذي أثار إعجاب شعوبنا العربية على امتداد الوطن العربي، بكل شرائحها وقواها وتياراتها وأطيافها الثقافية والسياسية والفكرية مما جعل شاعرنا الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش يطلق صرخته المدوية" أنقذونا من هذا الحب القاسي" .

إن الأسباب الكامنة وراء هذا التدني والتراجع وهبوط المستوى الفني هو التراجع السياسي والأيديولوجي ، والحصار الثقافي ، وتلاشي الحلم ، وكذلك حالة الإحباط السائدة ،إذ أن الأدب هو تعبير عن المرحلة السائدة والواقع في صيرورته وتناقضاته وتطوره الثوري، وما دمنا نعيش ونحيا في مرحلة رديئة فأن إفرازاتها ونتائجها تجيء رديئة.

ثم فأن المشرفين على الملاحق والصفحات الأدبية ومواقع الشبكة العنكبوتية يتحملون جزءاً من المسؤولية عن تدني المستوى الإبداعي والفني للقصيدة ، فهم يشرعون الأبواب، وينشرون كل ما هب ودب من النماذج الشعرية التي لا ترقى إلى مستوى الإبداع الحقيقي وذلك من باب تشجيع المواهب والأسماء الجديدة . هذا إلى جانب غياب الناقد الأدبي المتابع والنشيط الذي يمكنه غربلة الأعمال الشعرية وتقديم المتابعة والمراجعة النقدية بروح نقدية علمية وموضوعية نزيهة.

إن حركتنا الأدبية تحتاج إلى الكتابة الشعرية الغاضبة المغايرة ذات المستوى الراقي العميق، وعليه فأن المطلوب من شعرائنا الجدد تعميق ثقافتهم وصلتهم وتفاعلهم مع قضايا الجماهير، وتقديم الأفضل من النصوص الشعرية ذات البساطة والرؤية الثورية المتفائلة ،عبر صور شعرية جديدة وغنية تستمد نسغها من عفوية الأرض بكل صدق وشفافية.

 

الزمن السائل

wadea shamekh2للزمن سطوة وقدرة وقوة على الحياة برمتها، كائن هلامي يمر دون حوار مع الكائنات والطبيعة، لا جدول لأعماله، ولا راحة له، لا يستفتي أحدا .. له صمته المهيب وسريانه الجليل.

الزمن مرآة صافية الوضوح لا مناص لنا من الوقوف عندها يوميا دون كلل ولا ملل ولاعذر ..

مرآة نقرأ فيها تاريخنا السري ونمضي ليوم آخر من عمرنا المتأكل بألته .

...........

في لوحة الزمن السائل للفنان السوريالي الكبير سيلفادور دالي، يلخص محنة الساعات وهي تتجعد وتسيل على يد الطبيعة والكائانات هي ساعات رخوة أرهقتها دقّات الزّمن المتتالية باستمرار فانصهرت وارتخت وضيّعت شكلها عمدا وسالت اعتباطا .

هكذا سيتجعد الزمن في لحظة ويطوي المائدة العامرة بالمشتهيات ..

............

كيف للكائن البشري أن يضع الزمن ليس في " ساعة يد ذهبية " بل سحابة هاربة ؟

كيف يلحق بالزمن واشتراطاته .

ذاك هو حوار الجوهر للجوهر، الزمن طريق ونحن المارة ..

الزمن ناقوس ونحن النحاس .

الزمن سبورة ونحن الكلمات

.............

في حكاية معلم الصبيان للجاحظ " أنكر فيها الحكمة لهذا المعلم الذي يقضي يومه صباحا بين الصبيان ومساءً بين النسوان."

حكاية عابرة لمن لا يقرأ تجاعيده في المرآة ..

حكاية ثاقبة لمن يكتب حروفه وآلة الزمن تلدغ برقصاها كلّ جانح للجنون

.............

ساعة الزمن ماهرة بقضم الحياة برتابة عالية

دوران لا يتصابى، ومروق لا يشيب

زمن سائل جدا .. لا يتسامى، لا يتصالب، لا يمطر

وجه واحد يتكرر في المرآة ونحن نردد ادوار إستحالته .

...................

هو في المرايا، جحود في الذات ..

كلّ يوم له مكيدة، ونحن نتفرسها بلا شهية .

...............

دالي يا سلفادور .. لقد طعنك الزمن أيضا، وها أنت شوارب معقوفة في قبر مغلق .

ظل باهت في مرايا الحياة

نزوات لم تعد على قائمة الموائد

دالي إتصل بي على رقمي الحالي

000

ستجدني رجل أطفاء

رجل اسعاف

رجل شرطة

كي أكافح اللغط الذي زرعته في حقل الزمن

شعوذات "المثقف الجديد"

nadeer almajedبجرة قلم وبنظرة حالمة ورومانسية ساذجة يحثنا "الطوباوي" بالوطنية الجاهزة والمرتهنة لخياراته ومصالحه والتي ليس لها مكان حقيقي إلا في دماغه، هذا العارف الضليع والواثق بذاته أكثر مما يجب يحسب أنه يكتشف شيئا جديدا باقتراحه هذا الحل السحري الذي تجود به عبقريته مع كل أزمة أو احتراب طائفي: كن ما تشاء ولكن كن وطنيا.. ويطيب له أن يزيد ويتابع حلوله السحرية في مواجهة الأزمات ودائما بهذه الصيغة الماورائية "كن ما تشاء" ليتابع استدراكاته التي لا تنتهي : ولكن كن متسامحا، كن سعيدا، كن مبتهجا، كن فاعلا ومشاركا، وباختصار: كن ما تشاء ولكن كن ما تشاء !. أمامك مائدة من الخيارات، وليس لك سوى أن تختار بكلمة، إنه لوغوس الكلمة يا عزيزي، شأنه أن يربط بين الحضور الأنطولوجي واللغة، بين الطوبى المشتهاة والواقع الوردي السخي بخياراته "كن ما تشاء ولكن كن ما تشاء".

أعني بالطوباوي ما نراه من سذاجة تجتر المعجزات وتبيع الوهم وتثرثر في الصحافة والكتب والأروقة الضيقة لتويتر وتقدم ذاتها على أنها نموذج "المثقف الجديد" كامتداد طبيعي للإعلام الجديد والمقصود طبعا "تويتر" وأخواته. إنه يمتلك الوصفة والحلول الأسطورية لأزمات الواقع الذي يقوم بتأبيده من حيث يفترض أنه ينفيه، خالطا بجهل "أو بعمد ربما" بين وظيفة الكاهن التبشيرية المشوبة بسذاجة الحالم النصوح ووظيفة المثقف التي تتسم جوهريا –كما أراه- بطبيعة مشاكسة يسارية ورؤية مثالية لا تخون منطلقاتها العلمية والمعرفية وتنفر نفورا أزليا من الراهن الواقعي تستدعيه تلك الرؤية المثالية.

إن "المثقف الجديد" هو الكاهن الجديد الذي "يطبطب" على رؤوسنا مبشرا بنعيمه الأرضي ووصاياه العشر الخلاصية، ضمن اللوغوس نفسه، لوغوس الكلمة الأسطوري، فإذا ما تعلق الأمر بأسئلة على هذا النحو: ما العمل مع هذا الغول الطائفي؟ كيف يمكننا النهوض من كبوتنا "التراثية"؟ كيف نقيم حياة تستحق أن تعاش؟ فبحوزة "المثقف الجديد" هذا الطوباوي الفذ "فارماكون" ضخم وثري ومتنوع ولكن من الكلمات والأدوية السحرية -حتى لا أقول الوهمية- فبكل بساطة يمكننا مواجهة معضلات من هذا النوع بالتثقيف والتوعية، بأن يكون المرء ديموقراطيا في سلوكه ومتسامحا و"خوش آدمي"!

يتكئ الطوباوي على شعوذات يحيكها ليل نهار لتمرير ترهاته السحرية، فإذا كانت ثمة علاقة أكيدة ثنائية وجدلية بين الوعي والواقع، فإن صاحبنا المعتد بوعيه يحيلها إلى علاقة أحادية ميكانيكية تبدأ من الوعي بصفته علة وسببا وتنتهي بالواقع بصفته معلولا ونتيجة.. لكي يتغير الواقع يقترح علينا هذا المثقف الألمعي تغيير الوعي، بالتثقيف، بالتوعية، ولكن أيضا وهو الأهم هنا، بنقد التراث وتشريحه.

الشعوذة رقم واحد تكمن هنا: التراث مسؤول وهو السبب الأول والأخير وراء كل ما يعتور الواقع من أزمات ومآزق، تفكيك التراث سيحيل الواقع المادي الموضوعي إلى جنة وكفى الله المؤمنين شر القتال. اتركوا كتبكم الصفراء أيها المتشبثون بأحلامكم الماضوية ليتغير واقعكم، وليس العكس.

إذا كان الوعي مصباحا سحريا أو هو "الفارماكون" المكتظ بالأدوية الناجعة لمواجهة واقعنا المأزقي، فإن التغيير، كل تغيير، يبدأ بقرار فردي، وهذه هي الشعوذة "رقم 2"، التغيير يبدأ بجرة قلم، بجملة ثقافوية تزين جداريات "تويتر" أو تدس في قصيدة تبشيرية عصماء كما يفعل الشاعر الذي نسي هواجسه الجمالية قبل أن يدرك فجأة ضرورات التنوير والنقد الديني والتحليلات المعرفية المعمقة التي ترد "الخراب" إلى عامل أوحد هو العامل الثقافوي، متخطيا جذر المشكلة الماثل في الشروط المادية للواقع نحو أعراضها الماثلة في الوعي، ليس الوعي بصفته ثقافة، وإنما فقط وعي الأفراد، بما أن المجتمع هو محصلة أفراد ليس إلا، إنه المجموع العددي لفرديات مطالبة بتغيير الوعي ليتغير واقعها الاجتماعي، هكذا وبكل بساطة.

يجب أن يتغير الفرد حتى يتغير المجموع -الذي يساويه مثقفنا الطوباوي بالمجتمع دون أن يرفق بعقولنا- هذه الشعوذة تنتج عنها شعوذة أخرى، فلكي يفعل ذلك على الفرد أن يكنس كل أثر لهويته التراثية، أن يدشن قطيعته الخاصة فتليق به الهوية المشتهاة، الهوية الجامعة التي تندرج هي الأخرى ضمن "الفارماكون" السحري: أن تصبح وطنيا.. كيف؟ بشطب الطائفة إراديا، أي على مستوى النية الطيبة! أن ننوي ذلك، أن نجعله منطوقا، خطابا معلقا في الهواء دون أي اكتراث بالواقع والممارسة وشروطهما. يكفي أن نكتب تغريدات تنويرية مناهضة فقط، ليس للطائفية وحسب، وإنما للهوية ذاتها، يكفي أن نفعل ذلك وسيكون كل شيء على خير ما يرام!

شعوذات وحلول كثيرة تضج بها صيدلية مثقفنا العتيد، تثبت كل شيء إلا السياق والحيثيات والمعطيات المادية، إنها ترطن بكل شيء وتتسم بكل شيء إلا أن تكون خطابا معرفيا نقديا، إنها سردية تائهة في أحلامها الطوباوية، سردية مرصوفة بجمل مبهمة تفتقد السياق والمعنى وتؤكد أيضا أن هذا "المثقف الجديد" نفسه، هذا التنويري الطوباوي هو أحوج الناس إلى التنوير والتثقيف.

الكِتابَةُ .. حَلاًّ (٣)

nazar haidarهلْ تُنتِجُ حريّة التّعبير وحدها حلاً عند الكتابة؟ .. بالتأكيد لا، اذ ينبغي ان ينتبهَ الكاتب الى ما يلي لتأتي كتابته حلاً؛

الف؛ ان يبذلَ قُصارى جهدِه ليأتي مُبدعا،ً فلا يُكرّر الأفكار بصياغات مُختلفة، ولا يكتب كلّ ما ورد في ذهنه، فليس المهم ان يُفرِغَ ما في عقله من افكار كلّما أراد ذلك واشتهى، انّما المهم ان يسعى لإفراغ افضل ما في عقله، فالكتابة ليست شهوة وانما حكمة.

والابداعُ المقصود هنا، هو في الفِكرةِ وفي الأسلوب، فالمبدعُ مبدعٌ في فكرته ومبدعٌ في طرحه وأسلوبه.

باء؛ ان لا يُمسكُ القلمَ قَبْلَ ان يطبخ الفكرة في ذهنه، فالتفكيرُ حال الكتابةِ سببٌ لشرودِ الذّهنِ، اما التَّفكيرُ قبل الكتابةِ فهو سببٌ لتركيز الذهن.

في الحالة الاولى لا يجد الكاتب الوقت الكافي للتفكير فيحشو كتابته بالإنشاء اما في الحالة الثانية فسيأخذ كفايته المطلوبة من الوقت.

واذا شبّهنا المقال بالبناء، فان المرء بحاجةٍ الى ان يهَيء الخارطة اولاً قبل الشروع به، التفكير في حال الكتابة، امّا الذي يُباشر البناء قبل تحضيرِ الخارطة فقد ينتهي البناء لينتبه الى انّ في منزله حمّامان وثلاثة مطابخ ولكنّه بلا غرفة نوم!.

جيم؛ ان لا يكتبَ شيئاً قبل ان يقتنعَ به بالكامل، فمنَ الخطأ ان تكونَ كتاباته مختبر تجارب لأفكاره او لتطوير الكتابة.

اتذكّر ايام كنتُ أرأس تحرير إحدى صحف المعارضة بداية الثمانينيّات من القرن الماضي، طلبتُ من زميلٍ ان يلتزم كتابة عمود أسبوعي في الصحيفة، فقال لي انّه لم يجرّب كتابة الأعمدة ولذلك فمن الصعب عليه ذلك الان، فقلت له؛ جرّب تكتب عموداً.

بالفعل انكبّ يتعلّم ويجرّب فكتبَ اكثر من (٥٠٠) مقال عمود انتهت الى المزبلة، حتى تعلّم فن كتابة العمود الصحفي، وهو اليوم أحد أشهر كتّاب الأعمدة في الصحف العربية.

دال؛ ان لا يكتُب افكارَ الاخرين، فربما سيكتب ما لا يعتقد او يؤمن به، وبذلك سيلتحق بركب النوع الاول من الكتاب، واقصد بهم كتاب السلاطين.

هاء؛ ان لا يكتب وصفاً لحالٍ فقط وانّما يبذل جهدهُ ليُضمِّن كتاباتهُ بالحلولِ اذا كان الحال الموصوف مشكلة مثلاً، او رؤية اذا كان يصف حالاً مستقبلاً وليس ماضياً او حاضراً، فالكاتب القدير هو الذي لا يسترسل بالوصف فقط فتلك مهمة الصحفيّين والاعلاميّين، فلقد عَرَّفَ البعضُ الاعلامي بأنّه مؤرّخ الّلحظة، اما الكاتب فينبغي عليه ان يضمّن كتاباته حلولاً ورؤى.

واو؛ والرؤى على نوعين:

الاول؛ هي الرؤى المثاليّة التي لا تنطلق من الواقع.

الثاني؛ هي الرؤى الواقعيّة التي تنطلق من الواقع.

وبهذا الصّدد، هنالك نوعٌ من الكتّاب ينطلق من الواقع ليبقى فيه، يدورُ حولهُ ويلامسُهُ عن قربٍ بحجة انهّ لا يريد ان يكون مثالياً وهذا خطأ كبير يقع فيه الكثير من الكتّاب.

انّ الصحيحَ هو ان يرتفع الكاتب بالواقع لا ان يهبط بهِ الواقع، والّا فما الفائدة من الكتابةِ اذن؟ انها ستكون عبثاً لا طائل من ورائهِ اذا لم تساهم في الارتفاع بالواقع، ولو بمقدارِ درجة، الى الاعلى، وهذا ما انجزه كتّاب عصر التّنوير في أوربا وفي الحقيقة كلّ الكتّاب المتميّزين الّذين مرّوا في تاريخِ البشريةّ على الرغم من عِظَمِ الثّمن الذي دفعوه من اجل تحقيق ذلك.

انّ من يريد ان يترك بصمةً في السّاحة المعرفيّة والفكريّة والثّقافية عليه ان يجتهد ليساهم في رفع مستوى الواقع لا ان يهبطَ اليه او معهُ بحجّةِ ان الناس تريد ذلك!.

انّ الكاتبَ النّاجح يرفض ان يكونَ جزء من الواقع المرّ بكلِّ تفاصيلِهِ، وفي نفس الوقت لا يتعالى عليه، انّما يسعى للنهوض به من خلال السعي لصناعة رأيٍ عامٍ وهذا هو الدّور الحقيقي للكاتب على الأقل كصاحب رأي لا يدّعي انّه صحيحٌ ولكنه على الأقل مقتنعٌ به، تاركاً الحكم للقرّاءِ والمهتمّين والمتابعين.

يتبعْ

٩ شباط ٢٠١٥

الكِتابَةُ .. حَلاًّ (٢)

nazar haidarالثّاني؛ هُمُ الذين يعبّرون عن رايهم بحريّة، عندما يأخذون بالشروط التالية؛

الف؛ القراءة بحرّية فلا يفرضون على انفسِهم او يقبلون أية وصاية، سواء في اختيار نوعيّة الكتاب او هويّة الكاتب.

باء؛ يتعاملونَ مع المعلومة بحريّة من خلال التعامل العلمي والمنطقي الذي يستند على التثبّت والتّأن، فلا يتعاملون معها بانتقائية او بتعسّف.

جيم؛ يختارون الفكرة موضوع الكتابة بحريّة فيأخذون بنظر الاعتبار الظرف الزمكاني ليتأكّدوا ما اذا كانت الكتابة ستفي بالغرض وتحقق الهدف ام انها ستذهب ادراج الرياح لم ينتبه لها احدٌ اذا ما جاءت في غير زمانها وفي غير مكانها؟.

وَمِمَّا لا شكّ فيه فانّ حريّة التّعبير صعبة في زمن الارهاب الفكري والذي منشأهُ عادة إمّا التزمّت الديني والجهل والتعصّب الأعمى، والتي تنتشر في ظلّها الجماعات الظُّلامية، او الاستبداد السياسي او عبادة الشخصية وحالات التأليه للقائد الضرورة التي تسيطر في أوقات كثيرة على المجتمع.

ويزداد التعقيد وتزداد الخطورة على حرية التعبير اذا تجاوزت أدوات الارهاب الفكري من النظرية فقط كالتهجم والاتهام والسّب واغتيال الشخصية ونشر الشائعات والطعن بالولاء والاتهام بالخلفيات، الى الأسلحة المادية والتي تقف على راسها كواتم الصوت والعبوات الناسفة وما شابهها.

ولذلك فان حرية التعبير في بلداننا هي مهمة الشهداء الأحياء الذين استرخصوا كلّ غالٍ ونفيس فعرّضوا انفسهم وحياتهم قرباناً من اجل كلمة الحق التي يبذلون كل ما في وسعهم من اجل ان يعبّروا عنها بحرية وبلا خطوط حمراء مصطنعة يخلقها القدّيسون المزيفّون او وعاظ السلاطين او أبواق السّلطان والرمز والقائد الضرورة.

وبهذه المناسبة فانا احيّي هنا شهداء حرية التعبير خاصّة في العراق الّذين اصرّوا على ان يختاروا الحرية في التفكير والتعبير على اي شيء آخر سواء كان اغراءاً من نوع ما او تهديداً من نوع معيّن.

النّقطة المهمّة التي يجب ان ننتبه لها هنا هي؛ انَّ البعض يتعامل مع حرية التعبير كمدخل من مداخل الشّهرة، عندما يتصوّر انها حرية منفلتة تسمح له بالتشهير والتسقيط ونشر الغسيل بلا مسؤولية، فترى بعضهم يبداً بتطبيق حرية التعبير اول ما يبدأ مشواره مع الله تعالى او الدين، كفرصة ذهبية لتحقيق الشهرة والنجوميّة، على قاعدة (خالِف تُعرف) وهذا خطأ كبير يقع فيه كثيرون بل قد تكون جريمة يرتكبها بعض الجهلة من الكتاب، فحريّة التّعبير مسؤولية اخلاقية ومعرفية بل هي قمّة المسؤولية، يجب ان يستعدّ من يتحمّلها ان يجيب على ايِّ سؤالٍ قد يتعرض له من قبل الرأي العام مثلا.

انَّ حرية التعبير اداة من أدوات التغيير والإصلاح وليست من أدوات التشهير لتحقيق الشّهرة والنجوميّة.

انّ حرية التّعبير لا تعني انك تتصرف بلا مسؤولية، فتتعامل مع المعلومة بلا أبالية وتحلّل الامور بلا ابالية، ابداً، انها شرف الكاتب والتعبير الحقيقي عن شخصيّته كما انها الميزان الذي يُقاس به اعتبار الكاتب في الوسط الثقافي فضلا عن المجتمع.

يتبعْ

٨ شباط ٢٠١٥

 
 

اللغة الفصيحة لا تجمع (مدير) على مدراء

faroq mawasiفي احتفاء بأحد المديرين في باقة تكررت (مدراء) كثيرًا جدًا، حتى نبهت أحدهم إلى أنها غير فصيحة، فوقف على المنصة ليلقي كلمته، وذكر لهم تنبيهي، ولكنه مع الأسف وقع في الخطأ الذي درج عليه لسانه.

.....

جمع مدير يكون جمعًا مذكرًا سالمًا (مديرون) في حالة الرفع و (مديرين) فيما عدا ذلك.

والخطأ الشائع (مدراء) الذي يتكرر في منشور تلو منشور من هذه الجهة أو تلك لا يصح في اللغة الفصيحة- إذا اعتمدناها.

...

السبب أن (مدير) صيغة اسم الفاعل نصوغها من الفعل (أدار)، تمامًا مثل أعان معين، أفاد مفيد، أجاد مجيد، وأراد مريد، وأعاد معيد، فهل جمع أحدكم معين على معناء، وهل جمعتم مفيد على مفداء، ومريد على مرداء....إلخ

فلماذا إذن نجري الجمع- مدير مدراء؟؟!!

في تقديري أن سبب الخطأ هو القياس على وزير وزراء، حكيم حكماء، بليغ بلغاء، وبالطبع لا يصح هذا القياس لأن كل صيغة هنا على وزن فَـعيل (فاء الفعل مفتوحة)، بينما وزن مدير وما شابهها هو مُفْـعِـل.

....

اجتمع مديرو مدارس باقة وقرروا تكريم زملائهم المديرين الذين تقاعدوا مؤخرًا!

سنقبل (مدراء) في لهجتنا العامية فقط، وقد نستعمل في الدارجة (مديريّـة) كذلك، أما الفصيحة فلا تجيز هذين الجمعين.

الكِتابَةُ .. حَلاًّ (١)

nazar haidarلا اقصدُ هنا بكتابةِ الهواةِ، فهؤلاء لمّا يبلغوا الحُلم بعدُ، حُلُمَ الكتابةِ، وانما اقصدُ من يظنّ انّهُ يتعامل مع القلم كمسؤوليةٍ على قاعدة قولِ الله تعالى {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}.

فهؤلاء على نوعين؛

الاوّل؛ هم المرتبطون بالسلطان بشكل او بآخر، والسلطانُ هنا قد يكونُ حاكماً او زعيماً او رمزاً او مموِّلاً، لا فرق، فهؤلاء يسيرون في خطٍّ مرسومٍ لهم سلفاً، تحدّده مصالح (السّلطان) او ما يمكن ان نطلق عليه صفة (وليّ النعمة) ولذلك فلهؤلاء خطوط حمراء كثيرة لا يقدر احدهُم على تجاوزها ابداً، والا فقد مصدر رزقه وحظوته عند السّلطان.

هذا النّوع من الكتاب عبارةً عن موظفين يكتبون فيستلمون، وما أكثرُهم، همُّهم ارضاء (السّلطان) أيّاً كانت هويته او اسمه او موقعه، ولذلك ترى مُهمّتُهم محصورةً بين واجبين؛ امّا المدحِ او القدحِ، مدحُ السّلطان والقَدْح بمعارضيه ليسَ الا.

ويذهب بعضُهم بعيداً بعض الشيء ليتحوّل الى بوق فنرى عادةً انّ [لكلّ سلطانٍ بوق] يشبهُهُ في التوجّهات ويطيعُهُ في التوجيهات ويسيرُ معهُ في نفس الاتّجاه، فهو تحت تصرّفه لا يتردد في تنفيذ اوامرِه ونواهيه.

لا يُستشاطُ غضباً اذا تعرّضت كرامةُ الوطن الى الاغتصابِ او كرامةُ المواطن الى الانتقاص، ولكنّك تراه يتصرّفُ كالمجنونِ اذا سَمِعَ اثنين يهمسانِ في اذن بعضهما في صحراء قاحلة يسألان عن معنى تصرف السلطان!.

يتصرفُ وكأنه بلا غيرةٍ اذا سمِع احدٌ يسبّ الله تعالى، ولكنه يشحذ قلمه على أشده فهو ابو الغيرة الذي ليس كمثلهِ احدٌ اذا سبَّ احدٌ السلطان.

هو متهيءٌ لاستخدام كلّ انواع الأسلحة اذا تعرّض القائد الضرورة والقائد الرمز لنقدٍ ما مهما كان بسيطاً وربما تافهاً، ولكنّه يدفن راْسه في التراب اذا تعرّض احدٌ للوطن!.

هذا النّوع لا ننتظرُ مِنْهُ ان يقدّم لنا رايهُ بحرّيةٍ او يبحث معنا عن حلٍّ لقضيةٍ من القضايا، او يقدم رؤية، ولا عتب ابداً لانهم اخذوا بنصيحة ابن المقفع الذي خاطب من يفكّر بالعمل كاتباً عند السلطان بقوله؛ [لا تكوننَّ صُحبتك للملوك الا بعدَ رياضةٍ منكَ بنفسكَ على طاعتهم في المكروه عندَك وموافقتَهم فيما خالفكَ وتقدير الامور دون هواك والتّصديق لمقالتهم والتّزيين لرأيهم، وعلى قلة الاستقباح لما فعلوا اذا أساءوا وترك الانتحال لما فعلوا اذا أحسنوا].

وربما تذهب بعض الابواق الى ابعدِ من ذلك عندما تبذل قصارى جهدها من اجل بث ثقافة (الطاعة والاستبداد) او بمعنى آخر قيم الطاعة التي تنتهي الى الاستبداد، والتي أسّس لها الامويّون اول من أسس لها من خلال نظريات من قبيل الجبر والتفويض والقضاء والقدر بمفاهيمها التخديريّة التي تنشر الرعب في المجتمع وتصوير من يرفع راْسه في حظرة الحاكم او من يضعَ عينه في عينهِ او من ينتقدهُ او حتى يسأل عن سياساته مثلاً بمن تبوّأ مقعده في الدرك الأسفل من النار!.

هذه الثقافة التي قامت على نظرية (التّقميص) والتي تقول بان (السلطة) قميصٌ يُلبسُهُ الله تعالى من يشاء من عباده، فما معنى ان يعترض احدٌ على سلطان؟ الا يعني ذلك انّه يعترض على الله تعالى؟ وكلنا نتذكّر ما سمعناهُ من بعضهم كلّما أصرّوا على موقع ما قولهم (انه الواجب الشرعي المفروض عليّ)! اي انّهُ من الله عزّ وجلّ!.

انّ هذا النّوع لا تجدْ في كتاباتهِ حلاً.

يتبع

الثقافةُ المعاصرةُ أزمة ٌ بلا حلولٍ

hamid abdulhusanhomaydiما بين اختلاف الفترات الزمنية، نجدُ أن للمثقف حضوراً - مكانياً وزمانياً - مكثفاً يغذي الحياة الأدبية بإبداعاته ونتاجاته الثقافية، فأدواته الفنية، وعدّته الأدبية، ما هي إلا وسائل تعينه على تثبيت الدعائم والأسس الصحيحة، في ترسيخ التطورات الفكرية لدى البشر، صناعة لا تقدر بثمن، صناعة دالة على المدلول، الشمولية تعطيها أجندة تموينية تضفي عليها نكهة وطابعاً متميزاً، ولا عجب في ذلك، لكن العجب يكمن أن هذه الدالة محاصرة في مكانية ضيقة، تعاني من تحجيمها واستيلاء السلبي على بنيتها التحتية، وتهميش الدلالة الفكرية ذات الأفق الرحب، مما يجعل :- إنّ هنالك أزمة حقيقية وراء مثل هذه الأمور،أزمة الثقة أولاً، وأزمة الأنا ثانياً، وأزمة الحجب الثقافي ثالثاً، أزمات وضعت الإبداعات في خانة العتمة والظلامية، مما جعل مهرب الثقافة إلى التصريح علناً، أمراً لا بدّ منه .. حفاظاً على ذلك المخزون الفكري من أن يسرق، وان يوأد، فلا ضيرَ أن يحاولَ المثقف أن يبحث عن حلول ٍ داخلية في الوقت ذاته، تعطيه شرعية الكتابة، بلا رقابة المنع،لذا نجده يحوّل كتاباته إلى ورش عمل ٍ وإبداعاتٍ غير مصطنعةٍ بل العفوية، هي الطابع الذي غلب عليها، ومهما حاولنا أن نضع أمام القارئ / المدرك، ونسرد له الحلول التي تخامر مخيلة المثقف، كمخارج آنيةٍ مما وقع عليه، نصطدم بمعوقات التطبيق المثقلة بأطنانٍ من الحمولاتِ، التي لا تنهض بما أراده الطرف الإيجابي، حتى وان كانت تلك الحلول سهلة التطبيق، فما يحتاجه المثقف على صعيد الساحة الأدبية من المتغيرات، والرسائل الخطابية، ذات المرسلات المباشرة، طلباً في الحلول الممكن تفعيلها وصولاً لتحليل الاستقراء الثقافي المعاصر في العراق .

- إذاً، ما الضيرُ في توسيع رقعة الثقافة المعاصرة، وإبعادها عن إشكاليات العصر؟ إن المعاناة الحقيقية لم تشمل الأدباء فقط، بل اتساع رقعة الثقافة تعطينا شمولية في فسح وزجّ طاقات أخرى تمتلك مقومات عالية الجوّدة، تنضوي في مسمّى (الثقافة)، أظهرت أمامنا، رقعة صغيرة / الطرف السلبي، التي تحاول دمج عناصر مشوّهة في بودقة الأدبية المعاصرة،و التي تشكل معاكسات ونقاط الضدّ :- الإقصاء/ التهميش / إبعاد الضوء عن نقط الإبداع، وتوجيهها إلى أماكن خاصّة،إذاً / التوسّع في المنظور الدلاليّ،كان بمثابة النهوض والوقوف على نقاط الضعف وتحديد مواطن الخلاف، والتعريف بها سلفاً، مسافات كانت مثقلة ً على التغيير الملموس الذي نسعى إليه، إننا نقف على مسافة محسوبة بإيضاحات نقاشيّة، نشعر بها، فتعطي قراءاتٍ دلاليةً ذات أبعادٍ متكاملةٍ، ثقافة ناطقة لا صمت فيها، ثقافة تدوّي بإرهاصات البدائل، التي إن لم تجد حلاً كانت هي الحلّ، ثقافة تتحوّل إلى قوّة إقصاء (ردّة فعل طبيعية) ضد ثقافة الإقصاء/ والتهميش التي دُسّت – خطأً- في جيوب مشروعية الخطاب الأدبي الجادّ، والميل إلى استخدام ثقافة الاستنساخ طباعياً، حلاً لإشكاليات النشر، وفرض هيمنة الإبداعية، ثقافة تمتلك مشروعية استقطاب (أدب الشباب) الذي مرّ بعصر متخمٌ بالعتمة والألوان الداكنة، نبحث عن ثقافةِ بناءٍ مركزية يكون فيها الأديب المبدع / الأداة الضاغطة، محورية إلغاء نقاط التفتيش والمراقبة الكلامية المغروزة بيننا جدلاً، وإشاعة مفهوم الثقافة المقروءة والمسموعة والمرئية، وتنشيط مفاصل الوعي الناطق بجدوى التغيير،والدعوة إلى تكثيف ثقافة الروابط الأدبية، لأشغال الحيّز المكاني في المجتمع العراقي، وتفعيل الدور الملقى على عاتقها كونها جهة ً تحظى بالدور الثقافي في النشر الذاتي، وعقد الندوات والحوارات الأدبية، وفتح قنوات اتصالية بينها وبين الروابط الأخر، وان اختلفت - مكاناً وزماناً - شريطة أن تكون الروابط تتمتع باستقلالية تامة، كي يتجه عملها الأدبي على وفق مساراتٍ مدروسةٍ ولقاءاتٍ ميدانيةٍ تحتضن الثقافة، كونها حاضنة للإبداع، واضعة أمام القارئ/ المتلقي أدباً خصباً، يختلف عما نقرأه، ونسمعه، ونراه، فيه ما نحتاجه من تحديث ٍ ومعاصرة ٍ، مستمدة ٍ سواءً من تراثنا الموروث أم من إبداعات جديدة،أدباً فيه خطابات مفتوحة، وقراءات حداثوية تحاكي نصوص الإبداع العالمي، لان النقطة الجوهرية أنه:- يجب أن نحول الأدوات التي بين أيدينا إلى مرسلات، تستمد حيوية الخطاب من الثقافة العالمية - قالباً ومضموناً - وإلا فقدنا مشروعية ما نروم الوصول إليه ِ من المتعة الأدبية، وصبغة الثقافة المعاصرة، ورخصة الولوج في طرائق الفنّ الأدبي الإبداعي، المؤلف مفردة ًوتركيباً .

أين تتوقف شبكة الإنترنت؟!

fatima almazroweiمنذ أن بدأت تُعَرف شبكة الإنترنت تقريباً في عام 1983م، وهو بالمناسبة تاريخ حديث جداً إذا تمَّت مقارنتها بكل هذا التطور الذي حدث في هذه الشبكة والتي هي نفسها أحدثته في العالم، أقول إنه منذ أن بدأت شبكة الإنترنت تغيَّرت جوانب كثيرة في مسيرة البشرية وتغيَّرت كثير من المسلَّمات وتداخلت الثقافات بشكل لافت وغير مسبوق، وقد وصلت المعارف إلى اللامتناهي من الحدود، بمعنى أنه لم تعد هناك حواجز أو موانع تعيق أو تؤخِّر تقدمها ومسيرتها وانطلاقتها، لذا باتت صناعات كثيرة مطالبة بالتطور هي أيضاً لتتواكب مع تطور الإنسان المعرفي ولتحقق له غاياته وتطلعاته.

لن أذهب بعيداً فقد شهدت الاتصالات الهاتفية قفزات قَلَّ مثيلها في تاريخ الإنسانية، فمن ثورة الهواتف المحمولة (الجوال)وصولاً لتقنيات الاتصالات الحديثة من برامج التواصل والاتصال التي باتت موجودة في أجهزتنا الهاتفية الصغيرة، ليس هذا فقط؛ بل باتت هذه الأجهزة الذكية وكأنها حواسيب كمبيوترية كاملة نؤدي من خلالها كافة المهام اليومية التي نحتاج إليها، فنتصفح الإيميل ونرد على الرسائل ونرسل ملفات وصوراً، ونلتقط صور فيديو وغيرها بجودة كبيرة؛ بل نقوم أيضاً بصنع أفلام مصحوبة بالموسيقى، هذا كله لم يكن ليتحقق لولا شبكة الإنترنت، بل هناك الكثير من التطورات الأخرى مثل الحكومات الإلكترونية وإنجاز المعاملات إلكترونياً وتسديد الالتزامات المالية وإدارة حساباتك المصرفية.

وغني عن القول أن هذه المقالة ليست بصدد تعداد أثر الإنترنت ولا فوائدها؛ لأننا بتنا اليوم نعيش وسط عالم من شبكة المعلومات بطلها الوحيد هو الإنترنت، لكن السؤال الحتمي والمنطقي في هذا السياق أين يمكن أن تصل هذه الثورة المعلوماتية، وأين يمكن أن يتوقف هذا السيل المعلوماتي الهائل الجارف؟ فالتطورات مستمرة والأجهزة الحديثة تسوق يومياً بأشكال وإمكانيات هائلة، ولن تتخيَّل حالك أو وضعك من دون أن يكون معك أحد الأجهزة الذكية الصغيرة المحمولة.

التقنيات متواصلة في التطور والتحديث ومن دون أدنى شك أن مسيرة البشرية لن تعود إلى الوراء إطلاقاً، ووسط هذه اللجة المعلوماتية وكل هذا الكم من المخترعات الملاصقة لنا في أدق تفاصيل حياتنا نفقد أحياناً جوهر الإنسان وقيمه ومبادئه، كأننا نتحوَّل لآلات خرساء من دون مشاعر أو أحاسيس و من دون اهتمام أو إصغاء، باتت حتى التهاني بمناسبات كنا نفرح فيها ونحتفل ونتجمع تتم عن طريق الأجهزة الذكية فنرسل التبريكات إلى بعضنا بعضاً، نفقد روح الصوت ودفئه ونفقد فرحة اللقاء والجَمْعَة والضحكات البريئة، وأخشى ما أخشاه أن تزداد وحدتنا وعزلتنا أكثر وأكثر فنصبح فعلاً بعيدين عن بعضنا بعضاً، همنا الأعمال والسعي من أجل المادة وتكريس يومنا وحياتنا لأمور روتينية، فما الفرق بين مثل هذا الوضع والآلات الصماء الجامدة، نحن مطالبون أكثر من أي يوم مضى بمزيد من الحضور الإنساني ومزيد من الطيبة والأخلاق ومزيد من الشعور بدفء العائلة والأسرة واجتماع الأصدقاء.

لا تعتقدوا أن مثل هذه المخاوف مبالغ فيها، فكم من الدراسات الاجتماعية والنفسية تحدثت عن هذا الجانب، وكم حذَّر المختصون من وحدة مطبقة وذاتية قاسية قد تواجه الإنسانية، والسبب كل هذا الصخب الرقمي، فلننتبه ونحذر الانغماس في أتون هذا الكم المعلوماتي.. لا أقول رفضه إنما حسن التعامل معه.

ماضي ومستقبل الإنسان مع الحقيقة

fatima almazroweiعلى الرغم من وهن هذه الكلمة وفرديتها – الحقيقة - إلا أن مفهومها ودلالاتها خطيرة بكل ما تعني الكلمة، فالحقيقة عندما يدعي احدهم التمسك بتلابيبها وعدم السماح حتى بالنقاش، هو ينطلق من مفهوم راسخ لا يتزعزع بصحة ما يملكه ووهن أو كذب ما يملكه الطرف الآخر، وبالتالي فإن الهوة بين الطرفين تتسع وتتعطل لغة الحوار تماما، وعندها يتم الانتقال للغة السلاح والخصام والتنافر والعداء. غني عن القول إن تعدد الآراء واختلافها قضية قديمة قدم التاريخ الإنساني، فهذا هو ابن عربي، يقول كلمة لها دلالة عميقة وهي :" الطريق إلى الحقيقة تتعدد بتعدد السالكين". ولعل من دلالات هذه المقولة، أنه يتحدث عن الطريق الذي يؤدي إلى الحقيقة لا الحقيقة نفسها، وأن هذه الطرق تتعدد، فليست طريق واحدة، وبالتالي لا نعلم من قد يصل إلى الحقيقة ومن ينحرف عنها خلال مسيرته. لذلك نسمع بوجهات نظر مختلفة وآراء متعددة في كل قضية تثار وتصبح مشاعة للحديث حولها. لكن ليس ما يواجه الحقيقة من عقبات هو الوصول لها، بل هناك صعوبات أخرى تعيقها وتمنعها ولعل من هذه المعوقات المعتقدات المسبقة أو ما يسمى بالقناعة التامة، وهذا الجانب هو الذي سلط الضوء عليها الفيلسوف الألماني الشهير فريدريك نيتشه، عندما قال:" القناعات الراسخة أكثر خطورة على الحقيقة من الأكاذيب". وعندما يتحدث فيلسوف بحجم نيتشه مؤلف كتاب إنسان مفرط في إنسانيته، ويؤكد على أن خطورة المعتقد الراسخ – القناعات – تتجاوز خطورة الكذب، فهذا دليل أنه ينظر للموضوع من جانب حيوي وهام يتعلق بالحقيقة والكذب، ذلك أنه من البديهي أن نشاهد الأكاذيب تهزم وتندحر أمام الوقائع، فحتى لو حدث تأخر في معرفة الكذبة إلا إنها سرعان ما تظهر ويتم اكتشاف زيفها، فلا أحد يحمي الكذب عندما ينبلج نور العلم والاكتشاف، ولعل الكذب يتمثل هنا في الخرافات والأساطير التي تندحر يوميا أمام سطوة العلم والاكتشافات الحديثة، لكن المعضلة عند نيتشه تتمثل فيمن يرفض الحقيقة لأنها فقط تتعارض مع قناعته الراسخة، وليست في الكذب وما يمثله من الخرافات والأساطير، لأن الواقع كفيل بهزيمتها دون عناء ومحاولة إقناع إتباعها، سأضرب مثال بمواضيع تتعلق بعلم الفلك والذي كان يعتبر خرافة وعلماء الفلك مجرد مشعوذين وسحرة، وتم التصادم مع أقوالهم واكتشافاتهم مثل دوران الأرض وكرويتها، والتي ثبت فيما بعد أن الفلك علم وأن الأرض كروية وتدور، صحيح أن هذه الحقيقة تأخرت وذهب ضحيتها العشرات من العلماء الذين تم قتلهم بتهمة التجديف والسحر.. لكنها أخيرا ظهرت وانزوت وتلاشت الأصوات المعارضة لهذه الحقيقة.. الحال نفسه في مجالات علمية أخرى مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء، والتي واجهت حرب عدائية قاسية لكن مع التطور الإنساني لم يكن هناك أي مفر إلا الاستسلام لها وهو ما يعني استسلام للحقيقة. ويوجد جانب آخر في معضلة تعطيل الحقيقة وهو محاولة ابتسارها واقتطاع جزء من محتواها، فقد يبدأ البعض بإنكار الحقيقة بشكل كلي، لكنه ما يلبث أن يراجع حساباته ثم يبدأ في قبول جزء منها، وهكذا تجد أن الحقيقة مجتزأة قبل أن تكتمل وتسطح وتنير، يقول الأديب الكبير الدكتور طه حسين:" كل عقل يرى الحقيقة من جانب، ويكشف منها عن جزء". وهذه معضلة أخرى تواجه الحقيقة دوما، وهو اجتزاؤها..لكن لا بأس فهذه مسيرتها دوما أنها تبدأ غريبة منزوية منبوذة تتعرض للكراهية وكل أصناف التمييز، ولكنها سرعان ما تتسيد المكان وتسيطر على العقول بتلقائية وعفوية وبنورها العميق الواضح، لأنها تتصالح مع الواقع، الواقع الذي لا يملك إلا هي كي تمثله وتعبر عنه وعن جوهره.. قد نختلف وتتسع خلافاتنا، لكن لنجعل دوما خط العودة مفتوح وممهد، فلا شيء ثابت أو جامد، فالجميع في حالة من التبدل والتغير، عدا الحقيقة التي يجب أن ندعمها بالتسامح وقبول الآخر وفهمه، وتنمية معارفنا وسعينا نحو العلم لخدمة الإنسانية.

أخطأت حين أعلنت اعتزالي..

أخطأت حين أعلنت اعتزالي، حتى مبرراتي التي أوردتها في "بيان الاعتزال" المنشور على الانترنت، أراها لا تكاد تصمد أمام قناعة بأني أخطأت. فاستقلالية المفكر مكانها العقل والقلب، ولا سبيل لكسرها إلا باستسلام المفكر وخيانته لنفسه وفكره. المفكر ومهما تعرض لمضايقات و"مرض" يظل ملتزما بصون استقلاليته.

لست ممن يغلبهم الانفعال عند الكتابة، غير أن "بيان الاعتزال" و بينما كنت أسطره غلبني الانفعال واليأس – على الأرجح -، وهو ما يوجب تصويب الخطأ، والاعتذار عن كبوة بعد عقد من المقاومة، حافظت خلاله باستماتة على مصداقيتي.

"أخطأت حين أعلنت اعتزالي"، مع عبارة كهذه ربما يسأل القارئ: لماذا تكررها مع ندرة الاهتمام بكتاباتك؟! أجيب: أكرر العبارة لشعوري بالندم والإحراج أمام نفسي أولا، ثم أمام هذا العدد الضئيل من القراء، وأيضا أمام قارئ المستقبل.

محنة أن نترك أجيال المستقبل بدون تراث فكرى وأخلاقي، محنة أن نترك قارئ الغد يظن بنا الظنون، خاصة وأدبياتنا الحضارية والثقافية تكاد تخلو من تحذيرات أننا نسير في الطريق الخطأ. مفكرونا – أقصد أغلبهم - يلوذون بالصمت إما جهلا أو إيثارا للسلامة أو طمعا في مغنم. خيانتهم تساعد على تعميق التخلف.

"لا تمت قبل أن تكون ندا" .. مقولة رائعة ومُلهمة لغسان كنفاني!

 

 

الزوجة الثانية والثالثة بين السعادة والجحيم؟

ali zagheeniالبحث عن الحب !

البحث عن امراة تنجب له اطفال

البحث عن امراة تفهمه فكريا وعاطفيا

ام الحنين الى الحب القدبم؟

السعادة لا تشترى بالمال و لابكثرة الزوجات ولكنها تبقى مسالة مهمة يحصل عليها الزوجين من خلال تفاهمهم وارتباطهم الروحي وما يبنى على التفاهم يبقى قائما كالاساس القوي المتين لاتهزه العواصف ومايبنى على الغش والخداع يكون هشا سرعان ما ينهار .

الهروب من جحيم الزوجة الاولى قد يمنح السعادة المؤقتة وبعدها يبقى ما بين نارين قد تؤدي احداهما الى التهامه ويفقد كل ماكسبه من سعادة والعكس يمكن ان يكون صحيح قد يؤدي الى سعادة لا توصف ولكن على حساب امرأة اخرى تفقد الكثير سعادتها لاجل ان يكون زوجها في سعادة وهناء .

يقال ان ايام الخطوبة هي فترة للمجاملات والاكاذيب ومحاولة ارضاء للذات من قبل الطرفين حتى تنتهي تلك الفترة على اجمل ما يكون ومعها تبدأ المطالبة بتلك الوعود التي اتفق عليها قبل الزواج وكثيرا ما تبدأ المنغصات الزوجية بعد ان يصطدم احد او الزوجين معا بجدار لم يكن متوقعا وهو كشف الاقنعة الذي بكون بوابة لحياة قد لا تطاق او سيل جارف من المشاكل الزوجية تنتهي بالمحاكم او التدخلات العائلية وهذا بكل تأكيد سوف يدفع الزوج الى البحث عن مأوى اكثر امانا وسعادة للخروج من هموم البيت الى عالم اخر جديد قد يجد فيه ما لم يجده في زوجته الاولى وسوف ينعكس الامر كليا على حياتهم بشكل ملفت للنظر وتبقى تلك العلاقة مهددة بالانهيار او زوجة اخرى تكون لها الاولية في كل شي حتى تنتهي هي الاخرى الى حيث انتهت الاولى .

تعدد الزوجات مشكلة تعاني منها النساء في مجتمعنا الشرقي بحيث انها تفكر قبل الزواج هل سيكون لها بديل او كما يقال بالعراقي (ضرة) وهذا ياخذ حيز كبير من تفكيرها لذا تلجأ الكثير من النساء الى الانجاب المبكر وكثرة عدد الاولاد والبنات لربط الرجل بها حتى لايفكر بأمراة اخرى تعكر صفو حياتهم الزوجية .

الزواج هو عالم اخر غير عالم العزوبية وبالتالي هو نواة لاسرة جديدة داخل المجتمع ولكن كيف يمكن ان تستمر العلاقة الزوجية بين الاثنين وما هو سر ديمومة تلك العلاقة وكيف تحافظ المراة على زوجها من الزواج مرة اخرى بعد ان تدخل امراة اخرى في عالمه ويبقى معلقا ما بين الزواج الثاني والبقاء على زوجته الاولى ويتحمل كل مرارة زوجته وربما العكس المرأة هي من تتحمل مرارة الزوج وظلمه وتبقى صامتة وقد تصل الى حد المشاحنات اليومية قد تصل الى الرضوخ بواقع الحال وتكون الزوجة الثانية بعد ان كانت سيدة البيت وصاحبة القرار و تكون مجرد اثاث قديم قد يهمله الا اذا احتاج اليه وتكون تلك العلاقة الانسانية قد تلاشت او زالت بعد ان وجد الزوج لذة اخرى جديدة انسته عائلته الاولى واصبح مصيدة لنزواته او الهروب من واقعه ، ولكن هل فكر الزوج بهذه الخطوة وفكر قليلا بمشاعر وعواطف زوجته واطفاله وما سيحل بهم بعد ان اسس لاسرة جديدة .

ماهي اسباب الزواج الثاني من قبل الرجل وهل هناك مبررات لذلك الزواج الذي ربما يكون مفتاح السعادة من جانب للرجل وباب الجحبم للمراة لا يمكن ان يغلق بسهولة وتكون هناك صراع نفسي يؤثر سلبا على العائلة وقد يبرر الرجل زواجه الثاني والثالث اسبابها ومن هذه الاسباب التي بمكن ان تختصر على سبيل المثال :-

1. مسالة الانجاب مهمة بالنسبة للرجل الشرقي وخصوصا المجتمع الريفي الذي يعطي مسالة الانجاب وبالخصوص الذكور اهمية كبيرة .

2. التفاخر بالزواج الثاني ويعتبره مسالة رجولة وضغط على الزوجة الاولى لتكون مطيعة اكثر وترضخ لكل طلباته.

3. قد يكون مرض الزوجة وان كان بعد الزواج سبب لزواج الرجل .

4. الشعور بالنقص من قبل الرجل في حال كانت شخصية المراة اقوى منه فيحاول تعويض ذلك النقص بالزواج .

5. البحث عن الحب المفقود بعد ان تمر فترة من الركود العاطفي بين الزوجين .

6. محاولة التغيير على سبيل التنوع وتغير النسل خصوصا اذا كان زواج من الاقارب .

7 . الاحتواء العاطفي والتقارب الثقافي .

قد يكون الرجل محقا بالزواج الثاني والثالث الخ ... اذا لم يجد العناية والراحة والحب مع زوجته وقد يعلل البعض تعدد زوجاته بتطبيق الشريعة الاسلامية بالزواج باكثر من واحدة واعتقد انه للرجل اذا ما كانت هناك اسباب موجبة لذلك وهذا مبني على قناعة الرجل وايضا موافقة الزوجة الثانية واسباب الموافقة على الزواج من رجل مرتبط ولديه عدد من الابناء وكيف تستطيع موازنة الامور بشكل ايجابي بعيدا عن الغيرة والشك ومنغصات الشريكة التي تقاسمها نصفها الاخر، وخصوصا اذا اجتمعن تحت سقف واحد اذا كانت ظروف الرجل المالية لا تساعد على شراء او ايجار بيت مستقل للزوجة الثانية .

عدم التفاهم بين الرجل والمراة يجب ان لا يكون سببا بزواج اخر ويجب على الزوج ان يفهم زوجته على اسلوب حياته ويتعلم منها ما ينفعهم بحياتهم الزوجية و لا يضع العراقيل امام كل خطوة تقوم بها ويحاول من خلالها اثارة المشاكل والذرائع حتى يغتنم الفرصة للزواج ولكن عليه ان يتحمل مسؤولية بيته بمشاركة زوجته وان لا تبتعد عن بيتها لاتفه الاسباب تاركة الرجل يبحر في مغامراته وعليه ان يتأنى اكثر من مرة قبل الشروع والتفكير بمغامرة جديدة .

قد يكون للزواج من امراة ثانية ايجابياته كما له سلبياته ولكن في الكثير من الاحيان هو حل لمشكلة العنوسة التي تعصف بمجتمعنا وكذلك حل للنساء المطلقات والارامل وهو محلل شرعا ولكن بعد توفر الشروط والاسباب الموجبة له وهنا لابد من تخلي المراة عن انانيتها وقبول الواقع وان لا تشعر بالغيرة من شريكتها وتحاول ان تنغص حياتها وحياة زوجها وزوجته الثانية وعليها ان تمنح زوجها سعادة اضافية حتى يبقى يتودد اليها ولا يهملها وتحتويه عاطفيا وتهتم باولادها وتقف معه بالمواقف الصعبة ولا تتركه لانه ارتبط بزوجة اخرى .

القناعة في الارتباط او عدمه موجودة لدى الشخص سواء كانت هذه القناعة ناتجة عن التزامه الديني من خلال ما فرضته الشريعة بالزواج اكثر من واحدة او الدنيوي لارضاء ملذاته وتحقيق طموحه بامراة ما نالت اعجابه، ولكن يبقى الزواج الشرعي افضل من غيره من الزواجات الاخرى ويبقى لكل انسان سواء امراة او رجل حريته في تغير مسيرة حياته ويتحمل تبعات ما تطرأ على حياته من تغيير يمكن ان يغير شكل ومضمون حياته وحياة من ارتبط به تغيرا جذريا .

وهم المعرفة عند العرب

hamoda ismaeliبالقرون الوسطى، عندما اشتد عود الديانة المسيحية تحت سلطة الإيكليروس، لم تدّعي أنها الحقيقة، بل الخلاص: لقد اعترفت المسيحية ـ رغم حقارة ممارساتها المشينة ـ بوجود الحقائق والعلوم، ولم تنكر نفعها الدنيوي، غير أنها استبعدتها باعتبار أنها علوم شيطانية أي وسائل يغوي بها (الشيطان) أتباعه حتى لا يحققوا الخلاص. بذلك فمطارداتهم للعلماء ـ من ضمن ذلك الساحرات ـ إلا خوفا من تأثير العلوم الشيطانية بالحكمة الإلهية التي تُحقِّق الخلاص: متمثلة في أناجيل بولس وأصدقائه، وأتباعهم من القديسين، الذين تم تحويل أروبا باسمهم لمجمّع كنسي كبير ـ شبيه بمجمعات السكن الاقتصادي حالياً.

اليهودية إذا أردنا أن نشير لها كذلك بالنسبة لهذا الوضوع، فهي لم تعترف فقط بأنها تمتلك الحقيقة، بل اعتبرت أن علاقة الرب بالإنسان محصورة فقط بينهم ـ شعب يختنون (قضيب) أطفالهم ـ وبين يهوه: إله غاضب يرغب بتأسيس دولة (روحية) بأي طريقة، وذلك سبب غضبه (أتباعه فسّروها بدولة جغرافية!). لذلك فكل ما هو غير يهودي، هو شيطاني، وهمي ـ طبعا اختلف الأمر بالنسبة لليهود المنفتحين عولميا، غير أن الأمر لايزال كذلك بجوهر العقيدة، وبالنسبة لمهووسي أساطير بني إسرائيل.

في الإسلام، نجد ديانة حصرية ترى في ما عداها لا أساس له من الصحة. من جهة أخرى، أن الحقيقة هي الإسلام والإسلام هو الحق: الأمر الذي سيؤدي بطبيعة الحال ـ حسب المفهوم اللغوي العربي ـ إلى أن ما عداه هو باطل. حتى الأحاديث (الملتبسة والغير صحيحة) عن طلب العلم ولو في الصين، واطلبو الحكمة ولو من أفواه المجانين، والعلم من المهد إلى اللحد: كل ذلك ليس بغرض زيادة المعارف، إنما بالأساس حتى يتم التأكيد على أن القرآن أو الحقيقة الإسلامية أفضل من تلك المقارنات جميعا. ماذا حدث نتيجة مثل هذه لأفكار ؟

ظهرت مجموعة من التخاريف الصبيانية، والتي يخجل الإنسان بسببها ليس فقط بالانتساب للإسلام، بل للعروبة، وهم تلك المجموعة المعاقة والتي تسعى للتجابه مع فيزيائيي نوبل ب"إعجازهم العلمي" : طبعا تفنيد نظرية كوانتمية بآية من سورة البقرة، لا تختلف عن محاولة شفاء ورم سرطاني بالحبة السوداء أو إنعاش اقتصاد مؤسسة مفلسة بدعاء جلب الرزق!

بالنسبة لجيل المثقفين من القرن الماضي، مرورا بحماس الجامعيين بالستينات والسبعينات، حتى اليوم : معرفتنا لا تستطيع الخروج عن كلام لا ينتهي عن الماضي : توظيف التراث العاطل عن العمل، لكن السؤال الجوهري هو "أين ؟". أين يجب توظيف التراث ؟ طبعا لأن المثقفين يخجلون من اعتبار أن التراث لا يصلح لشيء (ما يعني أنهم لا يصلحون لشيء) فيستمرون بذلك التهريج الاستعراضي السخيف على الصحفيين الأغبياء. نأتي للجيل الحالي، والذين يعتبرون الثقافة هي قراءة روايات باولو كويلو وأحلام مستغانمي أو واسيني الأعرج ـ كنصيحة مني (رغم أني أكره إعطاء النصائح) حينما تذكر هاته الأسماء على اعتبار أنك مثقف وتحب المطالعة : فأنت تبدو حقير وجد سخيف، أُذكر أسماء أخرى ولو بالكذب (حتى ولو لم تقرأ لها) كيوربيديس وأمبرتو إيكو وغارسيا ماركيز.. أو تحدث (كقلب للموضوع) عن الموسيقى، فكلام عن الأغاني يجعلك تبدو أفضل من تفاخرك بقرائتك لتلك النزوات السطحية !

لو اعتمدنا أفكار الإسلام كحقيقة، فإننا كأفضل صورة سنظهر بها لن تكون أكثر من "قريش تمتلك أنترنيت"! وداعش أكبر دليل كجماعة من قريش عجزت عن تصنيع لعبة شبيهة بكونتر سترايك Counter-Strike فقامت بلعبها بشكل جدّي (Xbox صنع إسلامي واقعي). بالنسبة لمن سيتشدق بالإمبراطوريات الإسلامية وما توصلت إليه : ذلك كان نتيجة الاستيلاء والاستفادة السياسية من مختلف المعارف المشرقية والفارسية والرومانية ونسبها لنبوة الجزيرة العربية!

يفتح العربي حسابا بموقع زوكربرغ، فيبدأ بتحميل صور الهولنديات والبرازيليات العاريات وهو يسب زوكربرغ (اعتقادا منه أن الموقع وسيلة للقضاء على الإسلام)، يستمني على تلك الصور، ثم ينام شبه راضياً وهو لا يعرف حتى كيف يمحي تلك الصور من هاتفه (إذا أراد)، أو من حاسوبه الذي لا يعرف اسمه بالضبط ـ أما عن تعليقاته الحقيرة المكبوتة، فلا تعليق! لا يزال الواحد منهم عاجزا عن وضع تعليق يتبث أن كاتبه إنسان وليس راكون !

تبدأ المعرفة، بمعرفة الأوهام، من ضمنها وهم المعرفة. أن تعرف، هو أن تدرك إلى أي درجة أنت واهم !

عولمة ومَأثمة!!

العولمة فكرة إنطلقت مع بدايات القرن الحادي والعشرين لتعصف في أرجاء الدنيا، وهي في إتساع مضطرد، وتأثيرات خطيرة على الحياة البشرية بكافة تفرعاتها ومستوياتها، فجميع المخلوقات الموجودة فوق التراب أصابتها العولمة وفعلت فيها ما فعلت.

والعولمة في جوهرها أن يكون الدماغ عضوا في المجتمع العالمي، أي أن يتحرر من الإنضغاط والإنغلاق ويشارك الدنيا بمسيرة الحياة، لأنه قد صار يمتلك تأثيرا خارج حدود مكانه وزمانه، وهذا يعني أن الدماغ عليه أن يمتلك مهارات التواصل مع أدمغة الدنيا.

وهذه تجربة جديدة ومفاجئة أصابت الوجود البشري بمقتل، خصوصا في مجتمعات الأدمغة المغلقة ، والمبرمجة وفقا لآليات متكررة، تحرمها من التطور والتفاعل مع عصرها، فالعديد من المجتمعات كانت صاحبة أدمغة تعيش في العتمة، وفجأة وجدت نفسها في نور ساطع شديد، فأصابها العمى والتشوش والإنبهار والإنصداع بالأنوار، ويمكن تشبيهها بالخفاش الذي داهمت كهفه الأظلم عواصف شديدة أرغمته على الخروج في وضح النهار، فراح يتخبط في طيرانه ولا يعرف إلى أين يهتدي.

والمشكلة أن المجتمعات التي رفعت رايات العولمة قد وردتها تدريجيا، بينما المجتمعات الأخرى سقطت فيها بغتة، مما تسبب في تفاعلات سلبية وعجز فاضح على التكيف والتآلف والتواصل مع معطياتها، وما تفرضه من قوانين سلوكية وآليات نفسية وإدراكات جديدة، لنقل الوعي إلى درجة المعرفة الإنسانية المعبّر عنها بالعمل العولمي.

وهكذا ترانا اليوم في مجتمعات بعض أبنائها قد جاهدوا في عولمة أنفسهم، وآخرين إندحروا في خنادق أدمغتهم المبرمجة على مدى قرون، فتجدهم مكبلين بالأفكار الكارهة للنور، ومندحرين برؤى وتصورات تتحكم في سلوكهم ومواقفهم ووعيهم لما حولهم.

ويبدو أن الإندحار الدماغي نوع من الوسائل الدفاعية اللازمة، للحفاظ على كيان الذين لا يمتلكون قدرات التواصل مع العولمة، بكل ما تقتضيه من طاقات وقدرات نفسية وفطرية وعقلية وروحية وسلوكية ومهارات تفاعلية.

وما يحصل في المجتمعات التي عجزت عن المواكبة والوصول إلى مدارات العولمة، أنها إنغلقت وإزدادت تخندقا في آلياتها البالية، والتي توارثتها عبر القرون بذات الرتابة والمفردات، المقرونة بأحداث وقصص وروايات ذات طاقات إنفعالية شديدة، وشحنات عاطفية متأججة ومتقدة دوما، حتى صار من الصعب عليهم الخروج من معتقلات أدمغتهم الحندسية، مما تسبب في تداعيات مريرة وتواصلات إنتحارية مروعة ، وكأنها في مسيرة إنقراضية ذات طبائع ديناصورية.

ولهذا تبدو المجتمعات المقفولة دماغيا، قد ترجمت مفاهيم العولمة وآلياتها، بأساليب عدوانية دفاعية، وأمعنت إغراقا في ظلماتها، حتى لتجدها وقد إزدحمت بالوحوش البشرية المدججة بالعواطف السلبية الخانقة، التي طلقت العقل بالثلاث منذ عشرات القرون!!

ولابد لهذه المجتمعات أن تستيقظ، وتتمكن من ولادة نفسها وترى عصرها، وتتعلم مبادئ وقيم ومعايير العيش المشترك مع بني الإنسان، في عصر إندلع ما فيه، فانتصر على المكان والزمان، وألغى المسافات!!!

 

د-صادق السامرائي

 

توقفوا عن الإعتداء على الثقافة .. تجارب ثقافية فاشلة: همسة سماء الثقافة في الدانمرك نموذجاً

hassan alaasiمرة أخرى تجدنا مضطرين للوقوف أمام ظاهرة الإساءة إلى الأدب بكافة أنواعه من شعر ورواية وقصة من خلال تشكيل جمعيات ومؤسسات وأطر ثقافية في الدانمرك بهدف الحصول على مكاسب وامتيازات ضيقة وأنانية، يقوم بها بعض الأفراد المفلسين والذين يبحثون عن الشهرة وتصدر المشهد الثقافي في الدانمرك إضافة إلى الطمع بالحصول على المكاسب المالية التي تدفعها الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة ومن خلال منظمات المجتمع المدني والوزارات والأقاليم وكذلك البلديات .

فالقانون في الدانمرك على سبيل المثال يتيح تشكيل جمعيات وأطر متنوعة ومتعددة المهام والوظائف ابتداء من جمعيات الهواة في مختلف النشاطات البدنية والفكرية مروراً بلجان الأحياء السكنية التي تتعدد مهامها وتختلف من الإشراف على الشباب الذين يقطنون هذا الحي أو ذاك أو رعاية كبار السن إلى جمعيات ذات طابع واسع قد تتجاوز أنشطتها حدود الدانمرك إلى بعض الدول خاصة النامية والفقيرة منها .

والقانون أيضاً يعطي الحق لمن يشكلون واحدة من هذه الأطر في الحصول على أموال من الدولة من أجل تنفيذ خطط هذه الجمعيات والمؤسسات، والحقيقة إنها مبالغ قد تصل إلى مئات آلاف الكرونات سنوياً في بعض هذه الجعيات.

هذا القانون قديم وقد سنَّه المشرع الدانمركي للشعب الدانمركي قبل وصول موجات الهجرة واللجوء إلى الدانمرك وخاصة من المنطقة العربية على أثر الحرب الأهلية اللبنانية في نهاية السبعينيات ومن بعدها خلال الحرب العراقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وقد استغل بعض من العرب بذكاء هذا القانون/الحق خلال السنوات المنصرمة، واستغلوا طيبة وكرم الدانمركيين مع الوافدين الجدد،وشكلوا أطر في معظمها وهمية على الورق فقط أوالإكتفاء بالإعلان عن هذه الجمعيات وكتابة نظامها الداخلي ووضع خططها السنوية،وما أن يحصل القائمين على هذه الجمعيات على الأموال من الدولة حتى لايعد يربطهم بهذه الأطرإلا كشف الحساب للجهة الداعمة في آخر كل عام ،وهنا كانت تقدم فواتيروهمية او مضاعفة أرقامها،لذلك فقداستفاد العشرات بل المئات من ضعاف النفوس وحولوا إلى جيوبهم الخاصة مبالغ مالية كبيرة منهم من تم كشف أمره بالصدفة والغالبية العظمى منهم لم يتم اكتشاف سرقاتهم،إلى أن جاء يوم وقامت الدانمرك بتعديل هذا القانون وحصره في أضيق المجالات، وهذا يعني أنه مازال بإمكانك أن تعلن عن تشكيل جمعية لوظيفة وأهداف ما مهمة وتحصل على دعم الدولة المالي .

ولكن ماهي مناسبة هذه المقدمة ؟

اليوم يخرج علينا مرة أخرى البعض من مدعي الثقافة في الساحة الدانمركية بتشكيل إطار ثقافي يعنى بالشعر والنثر والقصة والرواية،الذي أعلن عن تأسيسه قبل بضع أشهر باسم "همسة سماء الثقافية" كجمعية جديدة للأدب، المصيبة أن صاحب الفكرة ومن قام بتسجيل الجمعية ومن أعلن عنها وأشهرها هم زوج وزوجة عربيان لاعلاقة لهما لا بالأدب ولا بالشعر ولا بالثقافة ولا بالسياسة، فطوال فترة إقامتي في الدانمرك لم أسمع باسميهما ولم أراهما يوماً في نشاط ثقافي أو سياسي أو في مناسبة وطنية وما أكثرها، ولم يشاركا يوماً في مسيرة ولا مظاهرة.

وقد قاما بأنفسهما في توزيع المناصب على بعضهما فتم بعونه تعيين الزو جة رئيسة الجمعية، والزوج أميناً السر!!

الزوجان في سن التقاعد وهذا يفسر واحد من الدوافع وراء تشكيل الجمعية، فيبدو أنهما يريدان إشغال نفسيهما بما يعبئ وقتهما، وهذا شيء لاغبار عليه، فكان بإمكانهما أن يضعا خطة لزيارة بعض الدول، كما يفعل الدانمركيين، او السفر للمعيشة في بلدهما الأم كما يفعل كثير من المهاجرين بعد أن يتقدم بهم العمر، أما أن يتمخض تفكيرهما عن الإعلان عن تشكيل جمعية ثقافية للأدب فهذا والله لعجب العجاب .فما هو سر هذا الإهتمام المفاجئ بالثقافة بعد الستين ؟

المفارقة الأكبر انهما وجدا بعض مدعي الثقافى وبعض الشعراء المغمورين ممن لم يسمع بهم أحد يوماً يصفقون لهذا المشروع.

الزوج والزوجة يبدو أنه تربطهم علاقات مع بعض المتنفذين في وزارتي الإعلام والثقافة في بلدهم الأصلي، وهم يستغلون هذه العلاقات لصالح تسويق جمعيتهم الثقافية في الدانمرك، بل أن أحدأصدقاءهم رتّب لقاء تلفزيوني مع الزوجة مديرة الجمعية للحديث عن الثقافة ومشاكلها وهمومها والأدب والشعر والشعراء في الدانمرك !!!!

الزوجان المثقفان يعملان بطريقة الثلاث ورقات، ويعتمدان بشكل أساسي على العلاقات العامة وعلى دور الصورة لنشر مشروعهم، وحولهم بعض ممن انتهت صلاحيتهم الغاية من وجودهم هو التدليس والتلميع بهدف التقاط بعض الفتات من وراء هذا المشروع .

هل هانت علينا الثقافة هكذا ؟ هل الشعر أصبح عمل من لاعمل له ؟ هل ذهب الحياء من نفوس البعض منا إلى هذه الدرجة ؟

 

مما لا شك فيه أن من ينتحل صفة مثقف أو شاعر لن يستطيع الإستمرار في الكذب على نفسه وعلى الآخرين، ولابد من يوم سيأتي وسينكشف الوجه الحقيقي له، خاصة في أجواء المبدعين، فكل مدعي سوف يظهر جهله في أول احتكاك مع الآخرين، والعودة مرة أخرى إلى اللعب على وتر الجمعيات والمؤسسات في الدانمرك ،يسيء لنا حتى لو حاول القائمون على همسة سما الثقافية الإيحاء لنا أنهم أصحاب مشروع جدي .

إن الثقافة والعمل الثقافي يحتاجان إلى كل تجرد من المصالح الشخصية، ويحتاجان إلى أناس متخصصين بالأدب وأنواعه، فليس مقبولا أن يأتي زيد أو عبيد من هنا أو هناك ليرعى مشروع ثقافي، وعدم وجود أطر ثقافية عديدة خاصة بنا في الدانمرك ليس عذراً مقبولاً لأولئك الذين ينتسبون إلى مثل جمعية همسة سما بحجة أننا نريد أن يصل ما نكتبه إلى الأخرين، فهم يتحملون المسؤولية المباشرة بالمساهمة في الانحطاط الثقافي من خلال مشاركتهم ،أما هؤلاء المغمورين الذين ركبوا موجة الشعر وصدقوا أنهم شعراء أقول كفوا عن الإساء إلى الشعر وإلى الأدب، وقوموا بما تجيدون فعله لعلكم تبدعون فيه واتركوا الشعر لأهله، وكفاكم نفاقاً ورياءً في تعاملكم مع القائمين على جمعية همسة سما الثقافية، كفوا عن التصفيق والتهليل وارحمونا رحمكم الله .

 

ماذا بعد ..

إن الثقافة ليست ربطة عنق نضعها في المناسبات، وليست يافطة جاهزة عليها بعض الشعارات نرفعها ونعلقها أينما حللنا، والثقافة ليست كذلك مجموعة صور وليست منصة وميكرفون، وليست علاقات عامة، وهي بالطبع ليست عمل براغماتي.

إن الموهبة الحقيقية تدل على نفسها، فلتتوقف ثقافة المهرجانات وثقافة التطبيل والتزمير التي لانحصد منها سوى الخيبات .

ويجب أن لايكون اهتمامنا بالثقافة شبيه بحرصنا على وجود منتجعات سياحية فخمة للجذب السياحي

ايها القائمون على جمعية همسة سما الثقافية يحتاج الأمر إلى بعض الخجل .

فإني أسمع جعجعة ولا أرى طحيناً .

 

حسن العاصي

كاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

المشرحة الثقافية!!

كلما أقرأ المنشور في الصحف والمواقع، ينتابني ذات الشعور عندما كنا طلبة منهمكين بتشريح جثة في مختبر التشريح، ورائحة الفورمالين نزكم الأنوف!!

فهذه الكتابات تذكرني برائحة الفورمالين، وكأني أحسب الأمة بأوطانها ومجتمعاتها، جثثا هامدة في أحواض التشريح، وتعبث فيها المشارط، وتكتب عنها الأقلام ما تسميه تحليلات.

فأقلامنا لا تجيد إلا بُدع التحليل أو عبثه، وما جاءت بما هو نافع وصالح، ومعالج ومداوي للجراح والويلات، وبهذا يساهم المنشور في تعزيز موت الأمة وتمزقها، لكي تبقى النشاطات التشريحية على أوجها، وثلاجات التشريح الحضاري محشوة بالجثث الجاهزة للتمزيق.

وكأن الأقلام مشارط لا غير، وهذا يعني أنها تجيد تشريح الأموات ولا تستطيع أن تتعلم المداواة وخياطة الجراح النازفة، وإنما تلوثها وتجعلها تلتهب وتتقيّح، وتقتل أبدانها لتكون جاهزة للرقود في أحواض التشريح.

فهل هذا يعني أن لا وعي الأقلام يقرّ بأن الأمة جثة هامدة؟!

فما قدّمت أقلامنا ما هو نافع كما تفعل أقلام مجتمعات الدنيا المتحضرة، ومعظم ما نكتبه بُكائي الطباع فجائعي النوايا، مدمر للنفس والروح، ومثبط لكل عزيمة وعدو للأمل.

وكأن الأمة في مشرحة!!

والحاضر جثة على قارعة الويلات!!

والأجيال مصفّدة في طوابير الوعيد!!

آلام تتواكب، وكراسيٌّ تتصاخب، وثروات تتناهب، والشعب يتنادب، والبؤساء تتساغب، والويلات تتعاقب، والشرور تتجاذب!!

وجميعنا مَهرة في اللطم بالكلمات على السطور، وما أنجزنا مشروعا إيجابيا، ولا تمكّنا من تبديد الظلمات وتنوير العقول، وما قدمنا قدوة حسنة الحضور، بل الصخب عادتنا والتناحر همنا، والإنفعال قائدنا، والتخندق منهجنا، والويل كل الويل لنا من أنفسنا!!

فهل تصمّل وجودنا؟

وهل سنخرج من مشرحة ذاتنا، ونستفيق من أوجاع ضلالنا، وبهتان أفكارنا؟!!

فالبكاء لا ينفعنا، والبغضاء تقتلنا، والحبّ هو الذي يُطبّبنا ويُحيّنا!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

 

ماسة تاج التوحيد

mohamad ghaniلا يذهبن الظن الى أن الأحجار الكريمة عبارة عن ذهب وفضة وحسب، وإنما من المجوهرات العديد من أنواع تبهرنا بالوانها وصلابتها كالياقوت والزمرد والياقوت والمرجان، وكلها احجار رائعة الجمال فالاحجار الكريمة هي أصناف متعددة من المعادن المتبلمرة مركبة من عنصرين أو أكثر، وتتكون أساساً من مادة السليكا مع وجود بعض الشوائب المعدنية, ويختلف نوع الحجر الكريم باختلاف المادة المكونة بالإضافة إلى السليكا، فالأحجار الكريمة موجودة فى اعماق باطن الارض وتظهر نتيجة البراكين او الزلازل 1.

لا شك أن الناس أيضا يختلفون في طباعهم وأفضليتهم كاختلاف معادن الارض ولذلك عبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى في حديث شريف أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقِهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه».

جاء في كتاب فيض القدير للمناوي نقلًا عن الرافعي قوله: "وجه الشبه أن اختلاف الناس في الغرائز والطبائع كاختلاف المعادن في الجواهر، وأن رسوخ الاختلاف في النفوس كرسوخ عروق المعادن فيها"

و يذكرني هذا السياق أيضا بالحديث المتفق عليه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما الناس كالإبل المائة ، لا تكاد تجد فيها راحلة ".

بمعنى أن الابل كثر لكن قلة منها ما يصلح للسفر وكذلك ما يصلح منها للسفر تختلف درجات قوته علوا ودنوا.

و انطلاقا من مبدأ التفاضل هذا، يختلف الناس في الأرزاق، يقول الله عز وجل (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق) 2: يذكر الطباطبائي في الميزان: قوله تعالى: فضل بعض الناس على بعض في الرزق، وهو ما تبقى به الحياة، ربما كان من جهة الكمية، كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير، وربما كان من جهة الكيفية، كأن يشتغل بالتصرف فيه بعضهم ويتولى أمر الآخرين، مثل ما يستغل المولى الحر بملك ما في يده، والتصرف فيه، بخلاف عبده الذي ليس له أن يتصرف في شيء، إلا بإذنه، وكذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم، والأنعام والمواشي بالنسبة إلى مالكها3 .

والرزق لا يقتصر في نظرنا على الجانب المادي بل منه أيضا المعنوي ، فمقدار التوحيد في قلوب العباد يختلف بين هذا وذاك، وفي هذا الصدد ساق الامام الترمذي حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله"4 وفيه إشارة واضحة لتباين مقدار الايمان في القلوب وكذا أنه قابل للتزكية والترقي والنماء عبر تحسين أفعال الجوارح لينعكس ذلك على الجنان.

ولا شك أن التاج الموضوع على رأس جسد البشرية جمعاء مكون من أحجار كريمة من لؤلؤ وزبرجد ومرجان متمثلة في الأنبياء أجمعين يزينون هذا التاج بلمعانهم ويجملونه بإشعاعاتهم الروحية نفحاتهم الايمانية ويحسنونه ببريق النبوة ويعطرونه بريح مسك الصلاح، ولكن تبقى ماسة هذا التاج

وجوهرته الثمينة التي تزيده نورا على نور وقيمة على قيمة وبهاء على بهاء هي شمس النبوة

وخاتم المرسلين سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

د محمد غاني، أكاديمي وباحث مغربي

.................

الهوامش

1، انظر أنواع الأحجار الكريمة من حولنا وامكانية استخدامها للعلاج، موسوعة ثقف نفسك، بتصرف.

2، النحل 71

3، الطباطبائي، تفسير الميزان ج 12 ص 294

4، الحديث 2612.

الكتابات المريضة!!

"عقول الناس مدوّنةٌ في أطرافِ أقلامهم" (علي بن أبي طالب)

ما أكثر الكتابات المنشورة في الصحف والمواقع التي تكشف عن المرض النفسي وربما العقلي لكتابها، ويتفاعل معها ذوي العاهات النفسية والإضطرابات السلوكية، وهي مكتوبة بمداد الإنفعالات السلبية والمشاعر السوداء المعتقة في أقبية الضلال والبهتان، وأوعية الجهل المُصان.

وقليلة هي الكتابات التي تعالج ظاهرة وتتصدى لها بعلمية وموضوعية، ومنهج معاصر تصل به إلى نتائج ذات قيمة معرفية وتأثير إنساني إيجابي، وحتى الكتابات التي تتخذ من الدين موضوعا لها، تجدها تسوح في تأويلات النفس الأمارة بالسوء، وما تمليه على أصحابها من سيئات الرؤى والتصورات.

وحالما تبدأ بقراءة المكتوب، وأحيانا من العنوان تنكشف أمامك الآلية الإنفعالية، التي إرتكز عليها الكاتب، الذي راح يخدع نفسه ويوهمها بأنه يكتب، وما هو إلا يدافع عن العاطفة المتأججة فيه ، ويبررها ويستحضر من أجلها الآليات الدفاعية التي ترضيه وتخدعه، وتجعله يرى بأنه صاحب القول الفصل، الذي لا وجود له في هذا العصر المتنوع الأمواج.

فينطلق الكاتب بالحكم الإعتباطي المسبق والتعميم لتسويغ ما يريد قوله، وتقرأ بوضوح فيما يسطره آليات الإنكار والفعلنة والإنتقائية والإسقاط وردّة الفعل والإلغاء والإزاحة والتبرير، وحتى التعويض، والبعض يحلو له أن يصنف الآخرين كما تملي عليه رؤاه العليلة، ليمنح عواطفه وإنفعالاته شهادات تقدير، وأوسمة متميزة من السمو والنقاء والمثالية والطهر الخدّاع، الذي يغذي الميول النرجسية المرضية المنضغطة فيه، حيث ينكشف النفاق وترى النوازع الحقيقية الكامنة في سطور المكتوب، والذي حاول الإلتفاف عليها بآليات تمويهية واضحة لا تغيب عن حصيف.

ويبني الكاتب ما يكتبه على أساس إستجابته الإنفعالية النابعة من كيانه النفسي المبرمج، وفقا لما وُضع فيه من الرؤى والتصورات عبر الأجيال، وما نشأ عليه من إنحرافات تربوية وتصورية لذاته وموضوعه، وكيفيات تصنيع منظاره الإدراكي.

وهذه الكتابات لا تتحدث إلا عمّا في كُتّابها، وليس عمّا يدور في هذا الواقع، أي أنها تريد أن يكون ما فيهم قائما من حولها، في عصر لا ينبت فيه ما هو قائم فيهم، ويريدون أن يندحر العصر في قوقعة تصوراتهم الضيقة، وإنحرافاتهم الإدراكية المهيمنة على بوابات وعيهم وفهمهم لما يدور في الدنيا.

وقد أسهمت هذه الكتابات في تدمير الناس وإمْراض سلوكهم، وتحطيم نفوسهم، وتحولت إلى وسائل للإرتزاق، لأن أصحاب النفوس الضعيفة، المدينين بأمّارات السوء التي فيهم، يجدون في هكذا أقلام أبواقا للتعبير عن أجندات رغباتهم الإبليسية المقنعة بما هو قويم، وما هم إلا شياطين بهيأة بشر قد أنكره الباء!!

 

د-صادق السامرائي

17\1\2015

 

وكذا الأيام والدهر دول

mohamad aldamiيتلخص الجدل الذي حاولت أن أطوره في مقالتي يوم الثلاثاء الماضي “هل تغمر رمال الصحارى المدينة العربية” في تعذر تحقيق المجتمعات المعاصرة في العالم العربي النصر على البداوة، قيمًا وأنماطًا سلوكية وذهنية. لست أدعي بأني قد اكتشفت الصراع بين البداوة والمدنية في مجتمعاتنا العربية قط، ذلك أن الفضل في هذا الاكتشاف يعود لمن هو أكثر تعمقًا وقدرة على تطوير الجدل من كاتب هذه الأسطر، أي “ابن خلدون” وهؤلاء الذين اتبعوا خطاه من أمثال المرحوم الأستاذ د. علي الوردي، من بين آخرين.

بيد أن على المرء أن يرصد آثار ومعطيات هذا الاكتشاف المنطوي على صراع اجتماعي مركزي مهم جدًّا، صراع قد يكمن في جوهر الحياة العربية اليوم. وهذا موضوع مهم، بالتأكيد. عندما ميّز ابن خلدون بين “العرب” و”الأعراب”، فإنه إنما كان يفرق بين نمطين للحياة في العالم العربي حقبة ذاك هما: (1) نمط الوجود الاجتماعي المستقر (المديني)؛ (2) ونمط الوجود الاجتماعي دائم الارتحال (البدوي).

وإذا كان الصراع ينطوي، كما لا حظنا سابقًا على متغيرات مد وجزر؛ فإنه يجسد ذاته في تاريخنا العربي/الإسلامي بشكل سلسلة متواصلة من الانتصارات والهزائم: فتارة تنتصر الحضارة فتهزم البداوة؛ وتارة يحدث العكس أي أن البداوة تخضع الحضارة لسلطتها، فتهزمها وتسفه أسسها، للأسف.

والحق، فإن أوائل الخلفاء في تاريخنا حاولوا دائما الحفاظ على ذلك التوازن بين السمتين، كإجراء رجال دولة، خاصة وأنهم أدركوا بأن روح البداوة لا تعني الصفات السيئة والسلبية فقط، كما قد يخطر على بال الكثيرين. للبداوة سجايا طيبة خاصة بها، هي التي جعلت بعض العرب يتشبثون ويتمسكون بها على نحو متعامٍ حتى اللحظة، أحيانًا. البداوة تشجع وتكرس “الروح العسكرية”، في ترحالها المتواصل وفي تنمية قدرات الإنسان على التحمل ومواجهة المشاق وتقوية رباطة الجأش. لذا اعتمدت الدول والإمبراطوريات الناشئة على فئات اجتماعية بدوية من أجل صيرورتها وتوسعها. هذا قانون مجرب عبر محطات عديدة: الفتوحات الإسلامية المبكرة وتأسيس الدولتين الأموية والعباسية، وفي قصة تكون الدولة العثمانية. يرتكن التأسيس إلى وجود جنود أشداء قادرين على تحمل المشاق ودحر جنود الحضارات الرخوة أو المرتخين القادمين من مدنيات سلمية رقيقة. الكيانات التي تعتمد البداوة تعتمد رجال السيف وتطوير فنون الحرب، على عكس الحضارات المدنية، لأن الأخيرة تعتمد رجال القلم وتطوير فنون السلام.

عبر مراجعاتي لتاريخ العراق والعالم العربي الحديث عامة، لاحظت أن قادة الانقلابات العسكرية التي تطرد فئات اجتماعية مدنية مهيمنة لتحل محلها، إنما ينحدر أغلبهم من أصول اجتماعية بدوية أو شبه بدوية، الأمر الذي يمكنهم من تمجيد قيم البداوة على حساب قيم المدينة لتسخيرها لأهدافهم ولهيمنتهم. هم غالبًا ما يهزمون الأنظمة الأكثر ميلًا للاسترخاء المدني. إلا أنهم غالبًا ما يسقطون في فخ الاسترخاء أنفسهم بعد استقرار الأمر إليهم، فتكتمل الدورة التاريخية عندما تأتي قوى بدوية أكثر شدة وفتكًا لتهددها. وهكذا، يدور تاريخ الأمم على نحو دوري.

الثّقافةُ إِذْ تعبّر عن الشّخصيّة

nazar haidarاذا سلّمنا بانّ الثقافة هي ادقّ تعبير عن شخصية الامة، فانا اجرؤ القول بأننا اليوم نعبّر باسوأ طريقة عن شخصيتنا من خلال تقديم اسوأ نموذج ثقافي للعالم، والذي كان مصداقهُ الصارخ ردّ الفعل الذي صاحب مشهد الارهاب الاخير الذي شهدته العاصمة الفرنسية باريس، وذلك لعدة اسباب؛

الاول؛ هو سيطرة مفاهيم مثل التّكفير والغاء الاخر ونشر الكراهية واحتكار الحقيقة في مجتمعاتنا، الامر الذي أنتج ما لاحظناه في الموصل، مثلاً، عندما اغتصبها الارهابيون فاعتدوا على اضعف شرائح المجتمع العراقي بصفتهم اقليّات دينيّة وإثنيّة، وعلى راسهم المسيحيّين والايزيدين والشبك وغيرهم، فاعادوا الى الاذهان بافعالهم الشنيعة هذه جرائم الجاهلية والمغول، وكل ذلك باسم الدين، والدين منهم براء بلا شك.

الثاني؛ هو غياب المنطق الذي أفقدَ الامة مصداقيتها وتوازنها ووعيها ليس على مستوى الفكر والثقافة فقط وإنما حتى في الأدوات فلم تعد الامة تعرف كيف تتصرف بعقلانية وحكمة مع ما يثيره بعض العنصريّين في الغرب مثلاً عندما يعمدوا الى اهانة المسلمين بذريعة حرية التعبير!.

انّ غياب المنطق هو الذي خدّر الامة بالتراث المسيء الذي حشّى به السلف كتب الحديث والتاريخ والتفاسير، وبخطابات المشايخ الذين يهينون الاسلام صباح مساء بالفتاوى المضحكة والتفاسير المخجلة والنماذج التاريخية السيئة التي يقدمونها كأسوة للاجيال الجديدة في القرن الواحد والعشرين، وكذلك بأفعال الارهابيين بجرائمهم البشعة، ومع كل هذا وذاك لم تلحظ اي ردّ فعلٍ من قبل الامة لانها لا تعتبر كل ذلك اهانة لا للدين المبين ولا لرسول الله (ص) ولا حتى لنفسها، ولكنها تتَهستر ويجنّ جنونها اذا نشرت صحيفة ما في الغرب رسماً مشيناً او صورة تخدش الحياء او ما أشبه.

لذلك، انا اعتقد ان الامة اليوم تعيش فوضى ثقافية خلّاقة بكل معاني الكلمة ودلالاتها، اصابتها بالدّوار بعد ان خدّرتها، والذي يتجسّد بين الفينة والأخرى بردود الأفعال المرفوضة بكل المقاييس.

والغريب المُضحك في الامر، ان الامة مصرّة على مثل ردود الأفعال هذه على الرغم من ان بعض من يعتقد بنفسه انه منتبه لحقيقة مثل هذه الأفعال العنصرية التي يعتبرها مفبركة وانها من انتاج وإخراج الصهيونية العالمية تارة واجهزة الاستخبارات العالمية اخرى، فلماذا، اذن، كل ردود الأفعال السيئة والمشينة هذه؟ لماذا تصفّقون وتهلّلون للارهابيين اذا ما بدت منهم ردود فعل مرفوضة ومدانة؟ لماذا تسوّقونهم وكأنهم ثأر هذه الامة في الاقتصاص ممن يعتدي على حرماتها ولو بكاريكاتير؟ فينتقم لكبريائها؟.

اننا بحاجةٍ اليوم الى انتاج ثقافة مغايرة، حقيقية وواقعية في آن، تقدّم شخصية الامة للآخر بشكلٍ مختلف، فإلى متى يبقى الارهابيون يختطفون الامة فيقدّمون شخصيتها بثقافة حزّ الرقاب والتمثيل بالضحايا وسبي النساء وبيع الإماء؟.

على المفكّرين والمثقّفين تحديداً تقديم خطابٍ (إسلامي) حقيقي يعتمد أُسس التجديد والعصرنة والانفتاح المنبثقة عن روح الأصول والثوابت الانسانيّة السمحاء التي بُعثَ بها رسول الانسانية (ص) ليجيب على حاجات العصر بعلميّة ومنطق سليم يتسلح بالحوار فقط، وانا شخصيا لا ارى إمكانية ذلك الا باعتماد مدرسة اهل البيت (ع) التي مثّلت، عبر التاريخ، الوجه الحقيقي الناصع للإسلام الذي حاول الامويّون، وكل الأنظمة الشمولية التي تعاقبت في تاريخ الامة وصولاً الى نظام القبيلة الفاسد الحاكم في الجزيرة العربية، تطويعه وتسخيره لتحقيق أجنداتهم الخاصة وظلمهم السياسي السلطوي، ولذلك ظلّت مدرسة اهل البيت (ع) في مواجهة ثقافية وفكرية دائمة مع (اسلام السلطة) والتعصّب الأعمى والتزمّت البغيض.

أرى وأسمع

1shaweqi moslmani (قال)

ـ التكنولوجيا تفرض على المثقّف أن يرفع مستوى التحدّي.

ـ ليس بالضرورة أن يكون الطالب الجامعي أو الأستاذ الجامعي أو أي خرّيح جامعي يعمل بأسباب وسبل العقل بل قد يكونون الأكثر تعنّتاً وتعصّباً أو كيداً.

ـ في دولة القانون والمؤسّسات والمواطنة ابنك مُصان، ابنتُك مُصانة، والمسؤول ذاته خادم ليخدمهما، وأنت ذاتك إنسان كريم.

ـ الفنّان يقود العالم بأحلامه.

 

2 (روبرت كابلان)

ـ مجلّة "أتلانتيك". ترجمة أسعد أبو خليل ـ

"إن الطريقة العمليّة لمواجهة الإرهاب الإسلامي لا تكمن فقط في محاربة الإرهابيّين في كلّ مكان، بل تكمن أيضاً في إثارة الشيعة ضد السنّة والعكس حسب الظروف".  

ـ مستشار سابق في وزارة الدفاع الأميركيّة.

 

3 (الأصل)

كما يقول المؤرّخ الكبير الراحل كمال الصليبي في كتابه "خفايا التوراة": قد يهاجر الإنسان من بلد إلى آخر ويغيّر بالتالي انتماءه الوطني من الناحية القانونيّة ولكنّه لا يستطيع أن يغيّر أصله".

 

4 (كمال الصليبي)

وأنا أقرأ للمؤرّخ الدقيق والجميل كمال الصليبي كتابيه "التوراة جاءت من جزيرة العرب" و"خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل" خطر لي إنّ هذا المبدع لو انخرط في سلك التحرّي، أي في ذلك الجهاز الأمني المعروف، لكان واحداً من أكبر رجال التحرّي في العالم.

 

5 (خرافة)

ـ من وإلى كمال الصليبي ـ

وتقول قصّة تذكر إسم ثلاثة آلهة، واحد اسمه يهوه، وواحد اسمه لسان، والثالث اسمه بلال. الإله لسان أعطى البشر لغة واحدة، فاستاء يهوه من أبعاد وحدة اللغة بين الناس، وإمكان اكتساب قدرات هائلة جرّاء هذه الوحدة، حيث طريق التفاهم والتعاون في ما بينهم، فيستقلّون عن إرادته. وبوجهه إلى الإله بلال، أي إله البلبلة، واستغلّ تناقضه مع الإله لسان لغاية أن يصيب أكثر من عصفور بحجر واحد، كما يُقال، وقد حاز ما أراد: نكز بلالاً على لسان، فبلبل ألسنة الناس بعد صراعٍ دامٍ مع الإله لسان حتى ضعفا، وساد يهوه عليهما، وساد وحده على الناس بمقدار ما تفرّقوا وتشتّتت لغاتهم.

 

6 (النهار البيروتيّة)

".. في المقابل، يبرز تراجع كبير في طبيعة الخطر العسكري التقليدي الذي تتعرض له إسرائيل من جهة سوريا، فأكثر من 80% من ترسانة الصورايخ والقذائف للجيش السوري قد استخدم ضد أهداف تابعة للثوّار، وفي الجولان لم يعد هناك تقريباً قطعات مدفعية موجّهة ضدّ إسرائيل، واحتمال مناورة سورية ضد أراضي إسرائيل لم يعد مطروحاً، أما التهديد الكيميائي فقد زال في أغلبيته بعد تفريغ مخازن السلاح الكيميائي، وبهذه الطريقة نشأ تغيّر جذري في التوزان بين إسرائيل والدولة التي شكّلت أهم عدوّ لها طوال العقود الأربعة الأخيرة."

 

7 (علي غريب)

"التعارض بين العلمانية والدين حصل فعلاً في مراحل تاريخية محدّدة ضمن تطوّر المجتمعات، ولكنّ التعارض لم يحصل مع الدّين كجوهر إيمان وكنظام قيم، إنّما الصراع حصل مع المؤسّسة الدينية كسلطة متحالفة مع سلطة الجائرين".

 

8 (حنين ناي)

"إذا كنتَ تتّخذ الفيس بوك منبراً لجدل سياسيّ أو دينيّ متشدّد وعقيم.

- إذا كنت تتّخذ الفيس بوك مسرحاً لاستعراض وطنيّات كلاميّة.

- إذا كنت تتّخذ الفيس بوك وسيلة لإقامة علاقات "عاطفيّة" تافهة.

- إذا كنت من هواة الثرثرة على البريد الخاص.

- إذا كنت ممّن يعجزون عن احترام آراء الآخرين.

- إذا كنت ممّن يستخدمون مفردات بذيئة في تعليقاتهم.

إذا كنت واحداً من المذكورين لا ترسل لي طلب صداقة، وابحث عن ضالّتك في مكان آخر، فإذا أرسلت طلب صداقة وأدركتُ أنّك واحد من المذكورين فلن أتردّد في حظرك، ولذا أرجو عدم الإحراج لنفسك ولي".

 

9 (أرى وأسمع)  

ما أكثر ما يبالغ، وعلى الرغم فهي لم تيأس، وأعربتْ له، وهذا بحضوري، وهذا عين ما أحرجَه أكثر، وبابتسامة صادقة، وهي تريد المدح فقالت القدح، وقالت: "عندما أراك وأسمعك كأنّي أرى وأسمع ميمون". وميمون هو أخوه الأسنّ، ومتّهم بعدم الإتّزان كثيراً، وهذا عين ما أعرفه أنا أيضاً.

 

10 (فضل عبد الحي)  

"الطيّب السيرة والسريرة يسرّ نفسه ويسرّ غيره".

 

ما حكاية تأنيث لفظة (الرأس)؟

faroq mawasiأعرف أنهم في مصر يؤنثونها بتأثير من الدارجة المصرية، ويؤنثون كذلك (الدماغ)، وقد فحصت أنهما تؤنثان في كتابات العشرات من كتابهم الكبار، وفي محاورات الكثيرين من متحدثيهم...

المشكلة عندنا نحن الذين نذكّر (الرأس) في معظم لهجاتنا، فكيف يقع في الخطأ عدد منا، وهم لا يشك في عربيتهم؟! ألم يقرأوا قوله تعالى: "واشتعل الرأس شيبًا"، وقوله "وأخذ برأس أخيه يجره إليه"؟

اقرأ معي ما كتبه شاعر مشهور في سيرته:

"ويبدو من لا تبلغ رأسه ما دون حزامك، وكأنه قامة فارعة...."

...

وهذا قاص معروف كذلك يكتب في مجموعة قصصية له:

"وأطلت رأس من ثنية المنحدر لا يمكن أن يخطِـئا صاحبها" –

ويعيد التأنيث في مكان آخر:

"فترك رأسه تسقط على صدره".

...

هل تريدون أن أواصل وأذكر لكم نماذج واردة في كتب التدريس؟

بالطبع لم أذكر لكم من هما أديبانا المعروفان، ولا هذا المصدر أو ذاك، وفي أية صفحة، فأنا لا أقصد التشهير- معاذ الله- فالبينة محفوظة عند الضرورة.

.........

الشيء بالشيء يُذكر:

الفعل رأَسَ (بمعنى كان رئيسًا أو شرف قدره) مضارعه يرئِـس، ومصدره رآسة.

ويمكن أن يكون الفعل في المعنى نفسه- (رؤُس) ومصدرة رِئاسة.

هذا في (المنجد).

....

أما في معجم (الوسيط) فيجعل مضارع (رأَس) يرأس (بفتح الهمزة)، ويذكر أن المصادر الثلاثة صحيحة:

رَآسة، رِياسة، رِئاسة.

و (لسان العرب) ومعاجم أخرى تذكر أن مضارع رأس يرأس، وتجعل الرآسة هي المصدر.

أخلص إلى القول أن (رأس) هو الفعل الماضي ويصح كذلك (رؤس)،

ولكن لا ترد (رئس) في الماضي بالمعنى الذي نريده من علو المرتبة.

وأن المضارع يمكن أن يكون يرأَس، يرئس- (يرئِس لم ترد في المعاجم إلا في "محيط المحيط" وفي "المنجد")،

وأن المصادر- الرَّآسة، والرئاسة والرياسة كلها صحيحة.

...

ملاحظة: رَيِّــس فصيحة مثل رئيس، فلا تخشوا لكونها دارجة مصرية، فقد وردت في المعاجم، وعليها شواهد.

مذكرات فتاة الجيشا

قرائنا الأعزاء سنأخذكم في رحلة معنا عبرّ الزمن، سنأخذكم من عالمكم إلى عالم آخر، البعض نقدهُ والبعض الآخر أعطى انطباعهِ الخاص عنهُ والبعض الآخر حجمهُ بأكبر من حجمهِ، أي بمعنى أضفى صورة قاتمة بعض الشيء على نساء مُجتمعهِ، أنهُ "عالم الجيشا"، عالم لهُ مراسيمهُ وطقوسهُ الخاصة.

تعود جذور الجيشا للعصور الوسطى من تاريخ اليابان، حيث تولى البعض من الرجال (أوتوكو نو غيشا) مهمة الترفيه عن طبقة التجار والسياسيين والساموراي. وبمرور الوقت وفي بداية القرن السابع عشر عهد بها للسيدات، حيث كنْ يتجمعنْ في منازل خاصة تدعى (أوكييا) تشرف عليهنْ سيدة مُتقدمة في العمر يُطلق عليها (اوكاسان) أي الأم. كانت تأتي إليهِ الفتيات الشابات أما بإرادتهنْ بحثًا عن المال، أو يتم بيعهنْ من قبل أولياء أمورهم لهذه الدور!

فيهِ الفتيات يتدربنْ لسنوات مُتواصلة على فنون عزف الآلات الموسيقية التقليدية اليابانية والرقص والغناء وفن إدارة الحديث وتقديم الطعام والشاي في بيوت الشاي، مع تعلم كيفية تحية الناس بانحناءات مُهذبةٍ وبلكنةٍ هادئةٍ. مما يجعلهنْ يتمتعنْ بدرجة لا بأس بها من التعليم والثقافة والاطلاع، تتيح لهنْ بعد ذلك فتح حوار راقيّ يبعث الراحة في نفوس الزبائن الهاربين من متاعب وهموم العمل والبيت، بشرط دون المساس بهما وبسمعتهما وألا يسقط عنهم لقب الجيشا! إضافة إلى تعلمهنْ طرق اختيار ملابسهنْ والاعتناء بجمالهنْ بطريقة تجعلهنْ مميزات. وإذا أرادت فتاة الجيشا الزواج فأنها تترك العمل كجيشا، كما ولا يمكنها أن تتخذ حبيبًا لها، لأن هذا يسيء إلى عملها ويجعل الزبائن ينفرون منها. أي بمعنى أن دور فتاة الجيشا ينحصر فقط في الترفيه عن الرجال عن طريق المحادثة وأداء بعض الفنون المذكورة.  

وقد كتبت بعض القصص عن فتيات الجيشا، كما تم عمل فلم سينمائي ضخم عنهم ولاقىّ مُعارضة شديدة ونقد! منها الرواية العالمية للروائي الأمريكي الكبير (أرثر غولدين Arthur Golden) بعنوان " مذكرات فتاة الجيشا"، والتي حققتْ أرقامًا قياسية بتوزيعها البالغ أكثر من أربعة ملايين نسخة باللغة الانكليزية وبعائد وصل لأكثر من 10 ملايين دولار، وظلت الأكثر مبيعًا على لائحة نيويورك تايمز حوالي سنتين! وفي ذات الوقت حملت الكثير من النقد من المجتمع الياباني لطريقة تصوير الكاتب لفتيات الجيشا باعتبارهم كنز عظيم لتراث عريق.

غولدن درس أصول الفن الياباني وهذا الأمر انعكس بشكل بارعًا في روايتهِ وتوغلهُ في عالم الجيشا. الرواية كما وضحنا تدور أحداثها حول عالم الجيشا وأسراره الخفية بفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. وهذه قراءة مُبسطة في الرواية التي أطلعت عليها وأعجبتني أحداثها المشوقة.

آرثر غولدين كتب روايتهِ بحبكة مشوقة وأحداث مُسترسلة وبإحساس يعطي للقارئ بصيرة عميقة ومعاشة لواقع فتيات الجيشا. رسم شخصيات روايتهِ بحضور متساوي من حيث قوة تأثيرها على مُجريات الأحداث والسردّ. كما واعتمد على وصف شيق ودقيق للأحداث ووصف فتاة الجيشا الأنثى، من حيث اللباس الذي ترتديه، بحيث تُظهر للقارئ أن الكاتب مولع بهذا الفن، فيصف القماش والألوان التي تميزت بها والرسومات التي عليه، كما يتوغل في تفاصيل وجه الفتاة وطريقة طلاءه من الأبيض الذي عليه والشفاه والعينين، وكأنهُ يصف لوحة فنية تضج بالحياة والحيوية والجمال.  

مذكرات فتاة الجيشا رواية تتحدث عن حضارة بلد، عن فتيات، عن البحث عن الحياة، عن الأحلام، عن الألم والطموح. رواية تحمل التراث مع جراءة فتاة في مضمون عميق وهادف في سبيل حياة تسعى إليها. رواية يحكي فيها آرثر غولدين عن حسناء يابانية فقيرة بعينين رماديتين ساحرة وصغيرة في عمر الزهور، تروي أسرار مهنة الجيشا وتجاربها في الحب مع الرجال، فتاة نشأت على تقاليد فتيات الجيشا وتعلمت فن إسعاد الرجال ببراعة. والداها نظرا لظروف الفقر القاهر التي كان يعيشانها وفقدانهم لوالدتهم المبكر، باعها لأحد الرجال وهي صغيرة وهو بدورهِ باعها لأحد بيوت تربية الجيشاوات!

عملتْ بطلة الرواية في أحد منازل الجيشا في طوكيو وعرفتْ الكثير من الرجال هناك. تميزت بجمال خاص نسبة إلى فتيات مجتمعها، كما وتميزت بقدرة وذكاء في إدارة الحديث مع الرجال في شتىّ الموضوعات وبنفس درجة التركيز ولساعات متواصلة، إضافة الى كونها تجيد الرقص والعزف ومُتذوقة للفن بشكل بارع.

ولكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، الفتاة كان لها مُنافسيها في الأوكييا، مما دفعها في التفكير والتخطيط للهروب والبحث عن حياة حرة والمزيد من المال! وفعلا سافرت إلى أحدى الجزر الأمريكية على ظهر سفينة متخفية بلباس غلام! وهناك كذلك بدأت رحلتها مع رجال آخرين وكانت مرغوبة، ورغم تجاربها الكثيرة، لكنها لم تستطع أن تدرك عقلية الرجل الأبيض وأساليبهِ في الحب والغزل، فتعرضت للكثير من العقبات والتناقضات في حياتها! ثم تتعرف على شاب وبعد لقاءات وصراعات بينهما يلتقيان ثم يفترقان وفي النهاية يلتم شملهما كلاهما ويعيشان حياتهما معًا.

أنها بحق رواية جميلة ومثيرة بكل ما فيها تستحق القراءة ومن عنوانها تجذب القارئ إلى حياة وتراث إنسان وحضارة. وحاليًا لم تعد فتيات اليابان ينضمون بشكل كبير إلى الجيشا مثل السابق، ولم تعّد بيوت الشاي تحظى بذاك الإقبال الذي كان عليه في الماضي، كونه أصبح مقتصرا على عدد ضئيل من الزبائن، مما جعل فتيات الجيشا يستخدمن الانترنيت لجمع المعلومات في مُحاولة لمُواكبة تطور العصر واستمرارية مهنة يتهددها الانقراض، ألا وهي مهنة "فتيات الجيشا".

لِمَنْ يَسْتَكْثِرُ عَلَيْنا الفَرَحْ

nadhom alsadiنَحْنُ شَعْبٌ نَرْقُصُ عَلى شِفاهِ جِراحِنا ونَكْتُبُ الشِعْرَ عَلى جَمْرِ مَواقِدِ الإنْتِظار، تَعَودْنا أنْ نَلْعَقَ فَجْوات الرِصَاص المَغْروز مُنْذُ أمَدٍ بَعِيْد في كُرَياتِنا ونَنْهَض لِنَسْتَقْبِل بِمَضائِفِ الخَيْرِ الأخُوة الأعْداء ..

وَطَنُنا عَبْرَ التارِيخ فَضاء هَلا ومَرْحَبا وكَلِمَة عْيونِي أولُ قُبْلَة نَضَعُها في جَبِينِ مَنْ يَأتي إلَيْنا

ويَنْهَلُ مِنْ عِلْمُنا أو يَقْتَاتُ عَلى خَيْراتِنا

فَصِرْنا عَبْرَ التَارِيخ الوَلِيمة القائِمَة والزَاد الفائِض لِكُلِ بِقاعِ الأرضْ ..

حَتى نَفْطُنا نَمْنَحُهُ قَرابِينَ مَحَبة بِأبْخَسِ الأسْعَار أو مَجاناً

لِمَنْ أقَاموا الحَدَّ عَلَيْنا ونَصَبوا أسْلاكَهُمْ الشَائِكَة لاحقاً فِي حُدودِهِمْ حِيْنَ أتَيْنا نَلوذُ بِهم مِنْ جُورِ الزَمان

ومازِلْنا نُذْبَحُ بِالجُمْلَة والمُفْرَد عَلى أيادي أصْحابِ الرَاياتِ القَذِرة واللِحَى الدَاعِشِية النَتِنة

القادِمِينَ مِنْ كُلِ الأصْقاع العَرَبِية والعَالَمِية

فاتْحَدَت بِذَبْحِنا كُلِ السِيوف وضَاعَ دَمُنا فِي هَيْئَة الأمَم المُتَحِدَة ومَجْلِس الأمِن الدُوَلي وكُل مُؤَسَسَات السَمْسَرة فِي العَالَم

و لِغَايَةِ اليَوم نُذْبَحُ بِالجُمْلَة ولَعَلَكُم تَتَذَكَرون كَيْفَ غَادَرنا فِي يَوم واحِدْ الف وسبعمائة بَطَل هَمْام ذُبِحوا بِدَم بَارِد

ولَمْ يُكَلِف نَفْسَهُ أحَداً مِنْ حُكومَاتِ الأعْراب بِقِراءَة سُورة الفَاتِحة تَرَحُماً لأرْواحِهِم

ومَازالَت ضَرِيبَة الدَم تَأخُذ نَصِيْبَها مِنْ جَدْول أيَامِنا فِي الوَطَنِ الجَريح

فَلَسْنا بِحَاجَة لِمَنْ يُذَكِرُنا بِحُرْمَةِ المَوت وطُقُوس الوَفاة واحْتِرامُ شَعَائِرها

فَمَنْ مَاتَ مِنْكُم لَم يَكُن خَيْراً مِنْ اطْفالِنا ورِجَالِنا وكُل شَعْبِنا

الذي قَدَم نَهْران مِنْ الدَم ومازَالَ يُقَيد شُمُوع الأحْزان بِمُنَاسَبة وأخْرى ..

فَدَعُونا نَفْرَح ونَمْنَح أهَلُنا أغْنية مَحَبة وَسَط رُكَام الوَجَع وطُقُوس احْتِضاره المُسْتَمِرة

بِفَضْلِكم وما صَدَّرْتُموه لَنا مِنْ مَوتٍ مَجَاني ... لا يُبْقي ولا يَذر ..     ..    

رَحِم الله الشُهَداء الأبْرار الأشْرَف والأكْرَم مِنْ كُلِ مِنْ لَحِقَهُم بِقَرارِ المَوتِ المَحْتُوم عَلَيْنا جَمِيعاً .. وعَاشَت الشُعوب المِسْكِينة

 

ناظم رشيد السعدي

السويد    

 

الثقافة العراقية في ظل الفساد

zohdi aldahoodiإذا كان المثقف العراقي من أبعد الناس عن الفساد، فإن الفساد من أقرب الناس إليه.

ما معنى ذلك؟ هل يمكننا أن نفهم بوجود علاقة جدلية بين الأثنين؟ وما هي فحوى هذه العلاقة؟. فحواها كما يأتي:

إنه من الصعوبة بمكان أن يبيع المثقف قلمه ويضع ضميره في المزاد العلني أو يبيع نتاجه بأي ثمن كان. ولكن، هل تسعفه هذه الأشياء في التغلب على العوز المادي. وإن أسعفته، فإلى متى؟

المثقف الأصيل لا يهاب أبدا. يفكر في الكتابة بشيء وخارج الكتابة بشيء آخر. لا يهمه إن وضع الشرطي القيد في معصميه وقاده إلى أحدى زنزانات السجون. في هذه الحالة تتغير الأشياء وتتكيف الكلمة مع الوضع الجديد، حيث يصان الكاتب إلى حد ما. وتتغير أساليب الإغراء. وتتزايد أعداد الصحف وتدر الإعلانات أرباحاً طائلة.

وتبدأ الأقدار بلعب دورها الخبيث في توزيع الأدوار. وإذا بصحفي مغمور يكلف أحد محرريه بتوطيد العلاقة مع أحد الكتاب المعروفين. ويغار المحرر لمجرد ذكر أسم الكاتب ويقول بحقد:

"ولكنه مجرد كاتب يا سيدي، إنه ليس صحفيا"

"وأنت يا جناب الصحفي، هل كنت صحفياً حين عينتك عندي بتوصية من (...) قلت لك إنني أريد كاتبا وليس صحفيا"

تنفس المحرر الصعداء لكون الشخص المطلوب كاتبا وليس محرراً صحفيا. وبشق النفس أوصل نفسه إلى الكاتب الذي عرف أنه يبحث عنه. قال له الكاتب:

"أنا لن أرتاد مجلسا، تجلس فيه أنت"

هذا هو موقف الصحفي أو المثقف الذي يحمل قلباً من البللور. وتكون المسافة بينه وبين الانتهازى لا نهائيا.

وتبقى نفس المسافة هي هي، بيد أن الحبل يكون هذه المرة بيد الصحفي الفاسد الذي يبشر للفساد أن يكون كبيرا جدا، كي يسبح فيه الكل.

القناص الأمريكي ولعبة التشويه

rahman khodairabasيعرض الآن في الصالات السينمائية في العاصمة الكندية (اوتاوة)، الفلم الأمريكي (القناص) وهو من أخراج الممثل المخضرم والمخرج كلنت إيستوود. والذي دفعني الى مشاهدة الفلم، ليس المتعة التي توفرها الأفلام الأمريكية والتي تعتمد على القوة الخارقة لبطل وسيم - كالعادة- ينتصر على أعدائه، ببطولة خارقة، وهو يستحق - أي البطل - ذالك لأنه يحمل صفات النبل والشجاعة والذكاء .. ألخ،وإنه سيحقق المعجزات لتأكيد القيم التي يؤمن بها رعاة البقر. أعرف كل ذالك عن السينما الأمريكية ولكن الذي دفعني لحضور الفلم، هو البحث عن سؤال يؤرقني. هل ثمة صحوة لدى صناعة السينما الأمريكية لأستحضار الضمير ومحاكمته على أسس أخلاقية؟. وهل تستطيع هذه السينما باعتبارها تمثل واحدة من وسائل المعرفة، أن تكشف المجازر التي ارتكبها الأمريكيون في حق العراق وتدمير بنيته التحتية ونهب تراثه الحضاري وتركه عاريا من الحماية بعد أنْ حلت جيشه وشرطته، واستبدلتها بميليشيات، تنتمي الى عصائب ومذاهب مستبدلة النسيج المتعايش، بنسيج غير متجانس . ولكنني كنت واهما، فالسينما الأمريكية التي تبحث عن شباك التذاكر والأرباح السريعة والجوائز، لايهمها الجانب الأخلاقي وهي مازالت منغمرة في وهم البطولة التي لاترى الآخر الا من خلال نرجسية متعالية .

تدور احداث الفيلم عن شخص اسمه كريس كايل ينخرط في المارينز بحجة (الدفاع) عن بلده وحينما يتم الغزو الأمريكي للعراق، يصبح أكبر وأشهر قناص ليحصد ارواح 255 عراقيا وليصبح اسطورة أمريكية. ولكنه حينما يعود الى امريكا بعد انتهاء مهمته العسكرية التي استمرت حوالي عشر سنوات، يمارس حياته العادية كزوج وأب لطفلين، ويحاول ان يساعد ضحايا الحرب من الأمريكيين. ولكن يدا مجهولة وشريرة تقتله. وينتهي الفلم بشكل حزين في إحتفالية الدفن لبطل دافع عن امريكا (الطيبة) ضد أعدائها (الشريرين) . وقد انتقل الحداد الى رواد العرض السينمائي الذين إخضلّتْ دموعهم حزنا على (الضحية / الأسطورة) الذي قتل 255 عراقيا دون ان يرف له جفن!

لقد دأبت صناعة السينما الأمريكية الى إنتهاج سياسة الإبادة بحق الآخر (ابتداءا من الهنود الحمر وانتهاءا بالعراقيين)، ومحاولة تشويه صورة هذا الآخر، فهوغبي وجاهل وجبان ومتوحش ويستحق القتل . وقد بدأ ذالك منذ اللقطة الأولى التي تُظهر طفلا وامه، واللذين كانا هدفا لهذا القناص، الذي أجهز عليهما ببرودة اعصاب قاتل محترف، ولكن الفيلم يظهره وكأنه يدافع عن المارينز لأن الطفل كان يحمل عبوة ناسفة . لذا فقد سقط هذا الفلم في مستنقع لاأخلاقي، لأنه برر القتل، وزيّنه وجعله مهضوما من قبل المتلقي .وقد تجاوز الفلم حتى على مذكرات القناص والتي نشرها عام 2012 والتي يعترف بها انه كان يتلذذ بالقتل، وحتى مشهد عدم قتله للطفل الثاني مجرد كذبة رخيصة اراد المخرج أنْ يؤكد نبلا غير موجود عند القناص الأمريكي الذي أدمن القتل . لقد تم تصوير أغلب مشاهد الفيلم في المغرب . وكما تقول جريدة هسبريس المغربية : ان الفلم استفاد من مساعدة مغربية وفرت الكثير من المال للمنتجين بعدما وضعت رهن اشارتهم الكثير من التجهيزات والمعدات ومنها طائرات الهليوكبتر " وينبغي على الأشقاء في المغرب أن يفحصوا ويقيموا مضامين الأفلام السينمائية التي تصور في بلادهم، لأن في هذا الفلم اساءة واضحة لشعب العراق .

وفي محاولة لجني ارباح سريعة من قبل الشركة المنتجة، فلم تبن مدنا اوديكورات مستلة ومأخوذة من صميم البيئة العراقية ولسان حالها يقول (منو يقرا، منو يكتب) .فقد كانت المدن في الفلم لاتشبه المدن العراقية إطلاقا، من حيث طبيعة البيوت والشوارع واشكال المساجد، وطبيعة الحجر المستخدم في البناء، وكتابة الأرقام وشكل الجدران، وطبعة الأثاث المنزلية. مما ابعد الفلم عن اية مصداقية لمسرح الأحداث التي يُفترض أنها تدور في مدن كالرمادي والفلوجة. كما ان ملامح المواطنين العراقيين في الفلم غير مقنعة لأن الشركة المنتجة استخدمت بعض الشخوص من أصول هندية او باكستانية والكثير من المغاربة الذين أستخدموا ككومبارس . اما اللهجة المستخدمة فهي مزيج من الخليجية والأردنية وبلكنة مغربية، وحينما ارادوا ان يقلدوا اللهجة العراقية فشلوا في ذالك. واذا كان الفلم سيمرر على المتفرج الأمريكي فمن الصعب أن يكون مقنعا لغير الأمريكي . ومن هنا استطيع القول بان الفيلم كان فاشلا من الناحية الفنية، كما انه كان فاشلا من ناحية الصدق ولذا فارى أنه يشكل عارا على السينما الأمريكية التي لوّثت في هذا العمل القيم النبيلة التي ينبغي ان يتحلى بها الفن السابع .

بؤس المؤلف!!

fatima almazroweiفي عالمنا العربي وخلافاً لكثير من أمم الأرض إشكاليات في فهم العديد من الوظائف والمهام الإنسانية، عدم الفهم هذا سبّب تسطيحاً لهذه الوظيفة أو تلكـ، بل أنتج في بعض المراحل الزمنية مقاومة وحرباً ورفضاً. أن تكون مؤلفاً وتحاول أن تسخّر نفسكـ وتفرّغ عقلكـ وروحكـ لهذه المهمة ليس بالأمر السهل أو البسيط الذي قد يتخيله البعض، وعندما أقول ليست مهمة سهلة فهذا لا يعني استحالتها لأننا نشاهد يومياَ العشرات ممن يقتحمها هواية ورغبة، وبالتالي نشاهد منجزات يتم وصفها بأنها نتاج أدبي، وإن كنت أعتقد أنه ليس كل من أصدر كتاباً بات تحت قبة المؤلفين، لأننا نشاهد في هذا الزمن تكاثراً في الدالفين لهذه الساحة، وهذا أمر جميل ويدعو للبهجة، ويبقى على النقد الأدبي أن يقوم بواجبه في تقديم المتميز.. كثيراً ما يواجهني سؤال متى سينشر عملكـ الروائي الثالث؟ وآخرون يقولون بأن الكتابة اليومية والأسبوعية وأيضاً الشهرية في عدة مطبوعات استنزفت طاقتي ولن تسمح لي بنشر رواية جديدة، وهم محقون في جانب الاستنزاف، لكنني أؤمن بأنه بقليل من تنظيم الوقت وترتيب المهام ووضع جدول فإنني أستطيع أن أقدم مشروعاً أدبياً جديداً، وهنا أبين نقطة أساسية تتعلق برغبة المؤلف في نشر عمل جديد بعد أن نشر عدة أعمال، هذا المؤلف تتلبسه حالة من الهم بأن يكون الجديد مختلفاً ومميزاً وأكثر وهجاً وحضوراً، بمعنى أن من يسألون عن روايتي الثالثة، لا يدركون أن ما أفكر فيه هو مختلف تماماً عن نشر عمل روائي وحسب لأنها بالنسبة لي ليست مهمة تأليف فقط، بل لا بد من أحداث مبتكرة وطريقة كتابة مختلفة لأن العمل لا بد أن يكون متميزاً وأكثر إبداعاً عن تلكـ التي سبق ونشرتها، وإذا لم يتحقق هذا فإنني لن أكون قد اكتسبت أي فائدة من تجاربي الروائية والقصصية السابقة، والتي من خلالها وجدت النقد وكلمات مديح، وأيضاً كلمات التهبيط والتقليل. المؤلف مسكون بعدة جوانب في عالمنا العربي تسبب له الأرق وكثير من المشاكل، وحتى أبين هذه المشاكل التي تواجه كل مؤلف أستحضر كلمة للمؤلف والمؤرخ جورج جوردون كولتون، حيث قال: " للتأليف ثلاثة مصاعب، أن تؤلف شيئاً يستحق النشر، وأن تجد ناشراً أميناً، وأن تجد قارئاً لبيباً غير متحيز". وأعتقد أن كل واحدة من هذه المصاعب ماثلة في عالمنا العربي بشكل واضح ولا تقبل الشكـ أو التأويل، فكيف يبدع ويخترع المؤلف العربي نصاً مختلفاً وهو لا يجد الدعم ولا التفرغ ولا مؤسسات تساعده، وأين هو الناشر الذي يحب هذه المهنة ويعمل بها وفق مهنية عميقة بعيداً عن الوعود الزائفة للمؤلفين، وبعيداً عن استغلالهم واستغلال منجزاتهم؟ ثم أين هذا القارئ الذي يحاول أن يستمتع بالنص وأن لا يبني في ذهنه محاكم تفتيش ضد هذا المؤلف؟ وإذا قرر هذا القارئ أن يمارس وظيفة الناقد فهل يستطيع أن يبتعد عن مفردات الشتائم والسباب، ويرقى بلغة نقدية إنسانية!.. يمكن للجميع أن يكتبوا ويؤلفوا لكنهم قلة ممن يأخذ هذا الطريق كروح وعمق وهم ورسالة معرفية، لا دخل للمباهاة والمظاهر بها.- الفكرة الجديدة والناشر والقارئ – ليتنا نرى مثلث بؤس المؤلف العربي وقد انهار وتلاشى..  

مجلة "الجديد"

shaker faredhasanمن المجلات الثقافية والفكرية، التي ساهمت في نهضة شعبنا وإرساء حركة أدبية فاعلة ونشطة وترسيخ الهوية الجماعية مجلة" الجديد" التي تعتبر من أعرق وأهم وأبرز المجلات والدوريات الصادرة في الداخل.

بدأت مجلة "الجديد" بالصدور كملحق أدبي لصحيفة "الاتحاد"في تشرين الأول عام 1951،ثم مستقلة في تشرين الثاني 1953، ومما جاء في استهلال العدد الأول:"بهذا العدد،وقد أردناه أنيقاً بقدر ما يسمح نظام التقنين في بلادنا أن يكون أنيقاً، نبدأ سلسلة من الملاحق الشهرية لصحيفتنا الأسبوعية "الاتحاد" تتناول في الأساس قضايا الأدب والفن والاجتماع مزينة ببعض البحوث السياسية بين وقت وآخر.

ويضيف القائمون على المجلة قولهم:"إننا نرجو، وسنعمل جهدنا من أجل تحقيق هذا الرجاء أن يكون "الجديد" محوراً تتجمع حوله أقلام جريئة شريفة، تدرك أن رسالة الأدب هي:"الارتباط بالنضال الثوري الذي تشنه الطبقة العاملة، والالتحام العضوي بين أماني الفرد الإبداعية ومصالح الناس العاديين".

وقد حدد الكاتب والروائي الراحل اميل حبيبي نوعية الأدب الذي تدعو إليه "الجديد" بقوله:"ان الأدب الذي ندعو له هو أدب الشعب،أدب يخدم الشعب في نضاله نحو سمو مستقبله،أدب يثير الوعي الذاتي في نفوس الشعب، ويمنح الشعب فهم دوره وفهم العالم المحيط به،وفهم التناقض الأساسي القائم في المجتمع، بين غامسي اللقمة بعرق الجبين وسارقي هذه اللقمة، هذا التناقض الأساسي الذي من الضروري أن يكون مصدر الصراع في العمل الأدبي الذي ننشده وينفخ فيه الحياة.

أما المسار الذي يجب أن يتخذه المبدعون فيقول:"يجب أن يكون الأدب إنسانياً،تقدمياً،اشتراكياً في مضمونه،وقومياً في شكله.

وتناوب على رئاسة تحرير "الجديد"عدد من الكتاب والمثقفين والمبدعين الفلسطينيين المنضوين تحت عباءة الحزب الشيوعي،الذين كتبوا افتتاحياتها وعملوا على تطوير محتوياتها ومضامينها وأبوابها،وهم:"جبرا نقولا،اميل توما، صليبا خميس، توفيق زياد، محمود درويش، سميح القاسم، سالم جبران، ابراهيم مالك،محمد علي طه "، أما أبرز كتاب "الجديد" فكانوا من رواد الثقافة التقدمية الإنسانية التحررية التجديدية .

حملت مجلة "الجديد"فكراً أيديولوجياً ملتزماً ورسالة حزبية وسياسية واضحة، ورفعت راية التقدم والتحرر والوحدة،والنضال التقدمي الوحدوي ضد التخلف والرجعية والتبعية وفي سبيل العدالة والحرية والنهوض بالمجتمع العربي ليواكب العالم المتقدم والمتحول .وغلب على موضوعات المجلة الطابع السياسي،وكرس كتابها كل ما يملكون من طاقات لنشر الفكر والتراث الماركسي التقدمي والإنساني وترسيخ الاتجاه الواقعي الاجتماعي.كما وعملت المجلة على نشر النصوص والروائع الشعرية والنثرية والإبداعية،التي تدعو للتنور والتوجه اليساري وإبراز الشخصيات والأسماء الفكرية والأدبية ذات الانتماء الماركسي والشيوعي.

وقد أدت "الجديد" دوراً حضارياً مهماً في انتشار أدب الحياة وأدب الالتزام،الأدب الواقعي،وقدمت خدمت جلى للحركة الثقافية والأدبية الفلسطينية،كذلك شكلت حاضنة وحامية للأدب الهادف وأداة واعية في صياغة وبلورة الثقافة الوطنية التقدمية الديمقراطية الفلسطينية، والثقافة الشعبية العمالية وبعث حركة أدبية فلسطينية دينامية تتفاعل مع الأحداث السياسية والمتغيرات الاجتماعية .

وبهذا الصدد كتب الشاعر والكاتب الراحل سالم جبران قائلاً :"إن سر ميلاد الجديد ونموها ورسوخها هو أنها ارتبطت منذ البداية بالناس والأرض،فعكست ثقافياً وفنياً الطاقات الإبداعية لشعب متمسك بأرضه ووطنه،وعبر كل السنين الماضية كانت هذه المجلة الشهرية سياسياً وأدبياً،حاضنة لكل المواهب القصصية والشعرية والنقدية والفنية".

وفي ثمانينات القرن الماضي بدأت الجديد تعاني أزمات مالية أدت بالتالي إلى توقفها سنة 1991، وكانت هناك محاولات لإعادة إصدارها، فأصدر أنطوان شلحت عددين في العام 1993، وأصدر مفلح طبعوني ثلاثة أعداد بين السنوات 1998 ـ 2001، لكن وكل هذه المحاولات باءت بالفشل . وهكذا توقفت الجديد واحتجبت عن الصدور بعد أن أدت دوراً تعبوياً ريادياً في دفع مسيرة الحركة الأدبية والثقافية،وتبوأت مركز الصدارة بلا منازع بين المجلات العربية التي صدرت هنا في البلاد.

أصحاب الواحد

mohamad aldamiهي ظاهرة ثقافية راحت تشيع وتقوى في العالم الغربي، وفي العالم الشرقي في القريب العاجل، كما يمكن للمرء أن يتوقع. هذه هي ظاهرة “أصحاب الواحد”، وأقصد بها ظاهرة غلق حياة الفرد، أو استباق غلقها، بتأليف كتاب سيروي، ذاتي تمخره العواطف والإسقاطات والاستذكارات وتيارات الوعي الصاعدة والنازلة وما شابه من موضوعات يكون المؤلف محورها.

وإذا كانت هذه الظاهرة تستقطب اهتمامًا واسعًا من قبل جمهور القراء في العالم الغربي، فإن مرد ذلك ليس الكتابة، فنًّا، وإنما “الكتابة كفن”، إذ يهفو المهتمون بالمؤلف وبسيرته وبدوره الاجتماعي إلى ما أنتجه على سبيل المراجعة والظفر بالمنظور الأدق للأحداث من الداخل، أي ليس كمتفرجين على الأحداث، ولكن كلاعبين ومؤدين يقاربون في أهميتهم دور المؤلف. الطريف هو أن هذه الظاهرة راحت تشيع حتى شملت رؤساء دول وملوكًا وقادة وسفراء وجنرالات، بدليل كتب من نوع (سنتي في العراق) My Year in Iraq بقلم السفير بول بريمر Bremer، الرجل الذي وجد نفسه فجأة ملكًا غير متوج على بلد شاسع غزير الثروات ومتنوع الأعراق والأديان، وكذا الحال مع كتاب آمره، الرئيس جورج بوش الابن، الموسوم (نقاط القرار) Decision Points. وإذا كانت هذه وسواها من الكتب الاستذكارية والتبريرية، فإنها، لا ريب، تفتح نوافذ لرؤية دواخل وآليات تفكير مؤلفيها، برغم أن أغلب هذا النوع من كتب الزعماء يخط بأقلام صحفيين محترفين أو مديري حوارات يثق بهم المؤلف فيعتمدهم لغرض نشر الكتاب، كما هي حال كتاب السفير بول بريمر الذي حبره له المحرر “مالكوم ماكونيل” ليبلغ الكتاب أكثر من 400 صفحة استذكار لتجربة فريدة لا يمكن إلا أن تحدث في ذلك الشرق العجيب والبعيد الذي يرنو الكثيرون إلى التعرف عليه، خاصة على العراق.

وإذا كنت قد استعرت عنوان هذه المقالة من مؤرخي الأدب العربي الذين أطلقوا عنوان “أصحاب الواحدة” على الشعراء الذين لم يتبقَّ من إرثهم الشعري سوى قصيدة أو مقطوعة شعرية واحدة، مثل الشاعر اليهودي الجاهلي الشهير بـ”السموأل”، فإن على المرء أن يوضح بأن الاندفاع لتسجيل الشهادات التاريخية والسيروية صار بدرجة من القوة والقدرة على الجرف أنه شمل حتى الفنانات والممثلات والراقصات اللائي قد تهم قصص حياتهن البعض ممن يتأملن محاكاتهن والالتحاق بركبهن. بل إن الغريب في العالم الغربي هو أنك قد تعثر على مذكرات بائعات هوى أو ممثلات أفلام إباحية شهيرات حول حياتهن، كبنات ليل، وحول زوارهن وطبائعهم. بل لا تستغرب أن تجد كتابًا من تأليف لص أو زعيم عصابة إجرامية “متقاعد”، وهلم جرا.

هذا النوع من المؤلفات يمكن أن يستفز الكتاب المحترفين لأنه يأتي تتويجًا لدور وظيفي أو اجتماعي أغدق على المؤلف ملايين الدولارات، فقام باقتطاع جزء صغير من مدخولاته ومدخراته لإصدار كتابه الوحيد على النحو اللائق باسمه، ورقًا وتغليفًا وإخراجًا. هذه هي الحال المعاكسة للكتاب المحترفين الذين يعانون من ضيق الحال المالي والاقتصادي بسبب اعتمادهم على أقلامهم وأفكارهم المحبرة من أجل كسب الخبز ودفع القوائم وتوفير وجبات الغذاء على مائدة عوائلهم عند المساء. إن فكرة “الكاتب” المجردة لا توحي لي إلا برجال من عيار الروائي تشارلس ديكنز الذي اقتفى آثار سابقه الروائي الكبير السير “وولتر سكوت” في إنتاج عشرات الروايات الكلاسيكية كي يتمكن من سداد ديونه للأغنياء من الناشرين الذين حرصوا على “حلبه” حتى آخر قطرة عبقرية قبل أن تحضره المنية، فمات على تل من الكتب العظيمة التي لم نزل ندرّس بعضها لتلاميذنا في أقسام الأدب. بل إن بعض هؤلاء الكتاب الكبار يتوفى ويدفن ولا يذكر مشيعوه من أبنائه وأقاربه أن يسجلوا على “شاهود” قبره بأنه كان روائيًّا أو شاعرًا، إذ يسجلوا فقط: “هنا يرقد فلان ابن فلان وأبو فلان”، دون إشارة إلى أنه كان كاتبًا مجيدًا أو مؤرخًا من الثقاة، للأسف.

 

الحيوان افضل صديق للسيد الرئيس

tara ibrahimفي أعياد الميلاد هذه السنة تم منح الرئيس الفرنسي كلبة صغيرة سوداء عمرها شهران كهدية من قبل جمعية المحاربين القدماء في مونتريال . يبدو ان الكلبة حنون ورقيقة لدرجة ان السيد الرئيس منحها اسما يتناسب مع طبعها وهو فيلاي، امر أثار الضجة والدهشة في الاعلام الفرنسي كون الجميع كان يترقب ان تأتي الى قصرالاليزيه صديقة أوعشيقة للسيد الرئيس كي تعيش معه، وليست كلبة !!    

يبدو ان الكلاب والقطط وغيرهم من الحيوانات، أصدقاء السيد الرئيس، الذين يبلغ عددهم 30 مليونا في البلاد، لهم مكانة خاصة ويلعبون دورا مهما في العرض او التواصل السياسي بين الرئيس والشعب !!، وهذه ليست المرة الاولى التي يتبنى فيها رئيس فرنسي حيوانا في قصرالاليزيه فالرئيس الاسبق فاليري جيسكار ديستان كان لديه كلب من عرق اللابرادور والرئيس الراحل فرانسوا ميتيران تم تأليف اغنية جميلة خاصة لكلبه في وقتها، وجاك شيراك الذي كان له كلب من فصيلة اللابرادور أيضا سماه دوكون تيمنا باسم الرئيس فاليري جيسكار ديستان، اما الرئيس ساركوزي يبدو انه كان مولعا برفقة زوجته كارلا بروني اكثرمن ولعه   بالحيوانات على الرغم من انه كان بمتلك كلبين في القصر الرئاسي الا انه تم استبعادهما بسبب الاضرار التي لحقت بالقصرتجاوزت الـ 6000 يورو بسبب نزق وشغب الكلبين .

الامرليس تقليدا فرنسيا، بل هوعادة أغلب الرؤساء في جميع انحاء العالم فروزفلت الرئيس الامريكي كان يمتلك دببة وخنازير وسحالي، لدرجة ان خلفاءه من الرؤساء قاموا باتباع نفس العادات ولكن بمبالغة أقل، فمثلا الرئيس الامريكي الحالي اوباما يمتلك كلبين مائيين كون ابنته لديها حساسية من شعر الكلاب. أما الرئيس الروسي فهوعلى علاقة مميزة مع الحيوانات بل وله قصصا مسلية معها، في العام 2008 استقبل نمرا صغيرالعمر في بيته لفترة قبل ان يودعه الى حديقة الحيوانات وبعدها تعددت قصصه مع النمور، فمؤخرا اطلق نمرين كانا يعيشان في منزله الى الطبيعة امام العديد من الصحفيين وعدسات الكاميرات، امرأثارغضب وإستنكارالصينيين كون النمرين عبرا نهر" آمور" الذي يفصل الصين عن روسيا وباشرا بأكل الدجاج الصيني الطازج بعد إصطياده. بوتين الذي يتميز عن جميع رؤساء العالم في هذا المجال قام عام 2006 بإهداء لعبة على هيئة كلب مشعر الى مستشارة المانيا انكيلا ميركل لان الاخيرة وبعد ان عضها كلب، لا تطيق وجودهم في بيتها .

اما حيوان الباندا فقد اصبح هدية كلاسيكية نوعا ما بين الرؤساء ولكن تبقى الكلاب من اهم الهدايا التي تهدى اليهم كونها وفية جدا لصاحبها، ففي عام 1961 تم إهداء الكلبة بوشكينا الى الرئيس الاميركي جون كندي من قبل الرئيس السوفيتي آنذاك، بوشكينا هي ابنة الكلبة ستريلكا الرائدة المعروفة التي تم ارسالها الى الفضاء على متن القمر الاصطناعي " سبوتنك 5 "عام " 1960"، فهل لنا ان نتوقع نفس القدر والحظوة " لفيلاي " كلبة الرئيس الفرنسي المدللة ؟ .  

 

د. تارا إبراهيم - باريس

عن جريدة لوموند الفرنسية