أقلام ثقافية

بماذا تقاس الثقافة؟

لنقف عند مفهوم الثقافة وماهو اصلها؟ الثقافة تعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وفي اللغة: وثقف نفسه، اي صار حاذقا خفيفا فطنا، وثقفه تثقيفا اي سواه، ولكن ماهي المعلومة التي يتحلى بها من يقال عنه مثقف؟ لم تحددها القواميس، ولكن الثقافة بالمفهوم الذي استخدم لوصف شخص مصقول صقلاً عالياً، هو من له دراية بالموسيقى، والأدب، والفلسفة، والسياسة ويجيد لغة عالمية إضافة إلى لغة أمه الأصلية، بل وربما يتضمن أيضاً توجهات ثقافية أُخرى مشتركة مع الحياة المتحضرة من المعرفة بعالم الاتصال الحديث كالإنترنت وقريناته وما شابة ذلك، والتعريف بالعموم هو مفهوم الثقافة يشير إلى كل ما هو مثالي أو يجتمع علية القوم أو الصفوة.

ولهذا عندما تقرا مجلة ثقافية او متخصصة بالثقافة او فيها ابواب ثقافية فان مواضيعها ستجدها تنحصر بالشعر والفن والموسيقى فمن يعرف ادونيس وبيكاسو ومكسيم غوركي وتولستوي وديستوفسكي وبيكاسو ودافنشي فهو مثقف من الدرجة الاولى ومن يعرف احمد شوقي والمتنبي وايليا ابو ماضي ومحمود درويش فهو مثقف من الدرجة الثانية او يقال عنه مثقف عربي، ومن يعرف محمد صلى الله عليه واله ويعرف ال بيت محمد او صحابة محمد فان مثل هذا ان لم يقال عنه اسلامي فيقال عنه متطرف وظهرت لنا مصطلحات المحافظ والاصلاحي .

هذه المقايس الخاطئة التي اعتمدتها مدارس ومؤسسات ومنظمات جعلت البعض من هؤلاء المثقفين ينغمسون في ثقافتهم دون النظر الى مفاهيم حياتية ترتقي بالامم جاءت بها الاديان السماوية، والمثقف حسب راي انا اعرفه هو من يستطيع ان يتجاوز الموقف المحرج، والمواقف المحرجة متعددة ولكل موضوع درجته في الاهمية، فالاحراج امام الله عز وجل هو الاهم ومن ثم امام المجتمع واخيرا امام نفسه، فاي عمل او قول محرج يعترضه واستطاع ان يتجاوزه بشكل سليم فهذا هو المثقف.

بل زاد في ذلك المثقف بحيث جعل له ملبس خاص وطريقة في استخدام كلمات خاصة وحركة يديه وتعابير وجهه مختلفة عن باقي صنف البشرية وحتى لحيته السكسوكية تكون بشكل تدل على ان صاحبها من شريحة المثقفين، ومما زاد في استعراض الثقافة هو استخدام المصطلحات الحديثة من سايكلوجية وايديولوجية وفوبيا وغيرها من المصطلحات، ولكن من يستخدم هذا حرام وهذا واجب وهذا مستحب فانه متاخر ورجعي ولا يفقه في الثقافة، (يكون استخدامها في المكان المناسب)

نعم الشعر والادب وما يستجد من تطور في بقية الامم من الضروري الاطلاع عليها او صناعتها ولكنها ليست المعيار الحقيقي للثقافة، فالذي يحفظ جزء من القران او من السنة النبوية ويستشهد بها في وقتها المناسب فان مكانته الثقافية لا يضاهيه فيها حتى ادونيس نفسه.

 

 

تأريخ النهضة ونهضة التأريخ

العقل الذي لا يفكر يعني انه ميت، والعقل الذي يسلم بما وجده من اسلافه ميت أيضاً، العقل الذي لا يستطيع اكتشاف الخلل البين ولا يرى مناظر الذبح وجريان الدم ولا يهتز لهذا الموت المجاني فهو ميت بطريقة مكثفة. شهد مجتمعنا العربي الكثير من النهضات العقلية والمحاولات الجادة للرقي بواقع الامة، لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، وقمعت قمعاً استأصالياً لا يأمل منه العودة ولا النهوض . ليس حركة المعتزلة الأخيرة لكنها الأهم يقول روبرت رالي في كتابه اغلاق عق...ل المسلم، كانت الحملة ضد المعتزلة هي ردة في تاريخ الفكر العربي- الإسلامي، وبداية اغلاق عقل المسلم، والانحطاط الحضاري والفكري، وضعف الدولة العباسية، وتمهيداً لسقوطها الأبدي بركلة من هولاكو، ولم يتعافى العقل العربي من هذا الانحطاط لحد الآن، وما بن لادن ومنظمته الإرهابية (القاعدة) إلا ثمرة سامة من ثمار هذا الانحطاط الذي بدأ قبل 11 قرناً على يد الأشعري فكرياً، والمتوكل سياسياً.

والمعتزلة هم دعاة منح الأولوية للعقل على النقل، وفلسفتهم تتركز على أن الإنسان مخيَّر ويتمتع بالإرادة الحرة، لأنه يمتلك العقل الذي بواسطته يستطيع التمييز بين الخير والشر، والعدالة والظلم، لذالك فهو مسؤول عن نتائج أعماله

لكننا نعتقد ان الكثيرين من أبناء الوطن يحملون هماً لكي ينعتقوا من هذه المرحلة ومن ذلك التراث الغابر، لا ينقصنا في هذا الوقت الا ان نكون صادقين ومؤمنين بمشروعنا التنويري، فزمن الاختباء يجب ان يغادر، ودعوني اقتبس كلمة يرددها الدكتور الوردي كثيراً، أما آن للساكتين ان يتكلموا .

 

مصطفى العمري

كلام في الجـلال والجـمال والسـناء والبهاء

ali aliفي أصل تسمية بغداد .. ذهب كثير من المؤرخين والباحثين الى التنقيب عنه، وغاصوا في بحور اللغة وتمحصوا الرقع الطينية واللقى التي يعثرون عليها في نواحٍ عديدة من أرض الرافدين. ومما ثبته التاريخ عن بغداد؛

- على نهر دجلة .. هناك قرية صغيرة تحتضن كتفيه تعرف باسم (بغداذ) و(بغدان) و(بجدادا)، كان هذا في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، أي في زمن حمورابي. ومفردة بغداد في لغة أهل بابل القدماء مكونة من جزئين: (باغ) وتعني البستان او الجنينة، و(داد) وتعني الحبيب، حيث يصبح معنى بغداد هو جنينة الحبيب وصديقه وبستانه.

- شيد ابو جعفر المنصور عاصمته الجديدة على موقع قرية كانت تعرف باسم (بجدادا) منذ أيام حمورابي القرن الثامن عشر ق.م وسماها (مدينة السلام) تيمنا بالجنة، وهو الاسم الرسمي الذي ظهر في وثائق الدواوين العباسية وعلى النقود والأوزان. ولو قلبنا صفحات التاريخ لوجدنا أن لبغداد أسماء أخرى تتفق جميعها على أروع الصفات وأنبلها، فهي؛ (دار السلام) و(مدينة المنصور) و(مدينة الخلفاء) و(المدينة المدورة) و(الزوراء) وفيها أنشد الشعراء والأدباء والكتاب والسائحون والزائرون.

سأستعين في سطوري هذه بقصيدة الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان.. وأحاكيه بما قاله في الوطن، وأكلم بغداد في ظرفها العصيب الذي تمر به، بغداد التي دارت عليها العصور صابرة عنيدة عصية على الطامعين والمغرضين والمخربين، وإن كانت لهم صولات غالبة، فبالنتيجة تشمخ بغداد بأهلها المخلصين الذائدين عنها..

ففي رباها؛ الجـلالُ والجـمالُ والسَّــنَاءُ والبَهَاءُ.. وفي هواها؛ الحـياةُ والنـجاةُ والهـناءُ والرجـاءُ..

والأمنيات والآمال تتملك الشرفاء من أهلها فغاية مناهم أن تكون بغداد؛ سـالِمة مُـنَـعَّـمة وغانمة مكرمة، وتتوق نفوسهم أن يروها في علاها تبلغ السما..

أما شبابها..! فلن يكل همهم في أن تستقل بغداد من تأثيرات الغادين والرائحين، فضلا عن نسائها وشيوخها وأطفالها.. فهم يستقون من الردى ولن يكونوا للعدا كالعبيد..

وهم عازمون على المضي قدما في نهج البلد الجديد، رافضين العودة الى زمن القمع والبطش، ولايريدون ذلهم المؤبدا وعيشهم المنكدا.. بل هم مصرون على إعادة مجدهم التليد.

أما الحُسَامُ واليَـرَاعُ.. فهو رمزهم، إذ بالحسام يردون المعتدين.. وباليراع والثقافة يبنون صرح مجدهم وعهدهم.. لا بالكـلامُ ولا بالنزاعُ اللذين غديا ديدن أنصاف الساسة السائدين على ساحتها، وهم يطفون على سطح الأحداث بين الفينة والأخرى، مثيرين شغبا وقلقا ومشاكل كل غايتهم فيها تأخير نهوض البلد، وإرجاعه القهقرى الى حيث عقود الظلام والدكتاتورية.

أهلك الشرفاء يابغداد يهزهم واجب الى الوفا.. آلوا إلا أن يؤدوه بكل صدق وشفافية وإخلاص.. بعد أن تأكدوا أن عزهم لن يتحقق إلا في غاية تشرف وراية ترفرف..

بهذه كلها تعلين يابغداد.. فهنيئا لك في علاك.. قاهرة عداك...

هما رسالة ونداء عاجلان.. عمرهما 4000 عام من كل عراقي تمتد عروقه في أرض العراق.. الى كل من له سلطة وإن كانت بسيطة في العراق، اعطوا العراق حقه واتقوا الله في واجباتكم المنوطة بكم، فملايين العباد تنتظر ماتجود به أيديكم من قانون لصالح البلد، او قرار ينتشلهم من واقعهم المرير الذي يعيشونه على مضض، وكفاكم وكفاهم وكفانا الشرور القادمة من وراء الحدود، ولتكملوا مابدأه الأولون وأنشأوه من حضارات خلال أربعين عقدا.

 

 

نون التنوين كانت تكتب نحو: عملن .. صاحبن

faroq mawasiكان العرب يكتبون الحروف بدون نقط وبدون شكل، وكانت نون التنوين وكل نون سواها تكتب (بدون نقطة أيضًا)، ولما تحقق لهم تحديد الشكل بالنقاط من قبل أبي الأسود الدؤلي أولاً، قام بعد ذلك وبأمر من الحجاج كل من نصر بن عاصم ويحيى بن يعمَـر بوضع علامات الإعجام (أي النقاط على بعض الحروف).

..

أراد الخليل بن أحمد أن يزيل النقاط التي كانت علامة الشكل (ضمة، كسرة، فتحة)، كما أراد التخفف من نون التنوين، فجعلها تلفظ ولا تكتب.

...

كانت فكرة التعويض هي التي قادته إلى حذف النون، فجعل قبل النون حركة مضاعفة- أي ضمتان في حالة الرفع ( ُ ُ)

بدل قلمُن= قلـمٌ

بدل قـلـمـِن= قـلـمٍ

وبدل قلـمــًـن= قـلـمًـ

...

فتنوين النصب إذن هو على الحرف الأخير من الاسم، والألف هي زائدة لا إعراب لها، وتسمى ألف النصب، وهي تزاد للتنغيم في ترجيحي، ولا تزاد بعد ألف مقصورة أو ممدودة أو مهموزة، نحو (فتـًى).، سماءً، نـبـأً؛ لأن التنغيم حاصل، كما أنها لا تزاد بعد هاء التأنيث: مدرســةً، فكرةً لأنها تتحول إلى هاء عند الوقف.

...

وأصدقكم أنني مع مؤلفين آخرين هما د. فهد أبو خضرة ود. إلياس عطا الله اهتدينا منذ أواسط الثمانينيات إلى تخطئة وضع العلامة على الألف اً (كتابـاً)، وإلى وجوب وضع علامة النصب قبل الألف= كتابًـا، ودليلنا إلى ذلك رسم القرآن كله، وتحقيقات المستشرقين، والمخطوطات التي اعتمدوها، وتحقيقات عبد السلام هارون وغيره.

.....

ومن شك أننا اهتدينا إلى ذلك كما قلت فليراجع كتبنا والكتب في طباعة العالم العربي عامة حتى الثمانينيات، فسيجد أننا في معظم الكتابات الساحق، وكذلك في كتبنا الشخصية أخطأنا، والرجوع عن الخطأ فضيلة كما علمنا السلف الصالح.

الحمد لله فإننا اليوم في جميع ما يصدر في الجليل والمثلث من كتب دراسية ومن مجلات أكاديمية ومن رسائل وأطروحات نرى أن كلها تضع علامة التنوين قبل الألف.

ومن جهة أخرى ما زلت أرى معظم الكتب الصادرة – عدا كتب مجمع اللغة العربية- في مصر تغفل عن مكان وضع العلامة.

لي عودة للحديث عن الألف الزائدة والتنغيم.

كما سأوافيكم بسبب اختيار الخليل حركة الضمة (ُ)، و كل حركة أخرى آ ْ ّ

علامة الوصل والقطع وغيرها....

 

إِلـَـي أُمِّـي في العالم الآخر

hasan zayedأجدني في مواجهة الكتابة إليك، هشاً ضعيفاً عاجزاً، لا يكاد عقلي ينهض بفكرة أو خاطرة، لا أملك حروفاً ولا كلمات، ولا ألتجيء إليها، حين تعجز عن الوصف والتعبير، وحين تعجز معانيها عن الوفاء بالمطلوب. ليس لي من حيلة في مواجهة التعبير عنك سوي الصمت، فربما يعبر الصمت عما عجز عنه الكلام. وحين يتكلم صمتي، فإنما للتعبير عني وليس عنك. ما زلت أشعر بالحاجة الملحة في الحديث إليك، في الفضفضة بما يعتمل في نفسي من مشاعر وأحاسيس تعبيراً عن الفقد. نعم يا أمي، مشاعر الفقد تطاردني أينما ذهبت ووليت وجهي. فأنت ـ يا أمي ـ لست مجرد سيدة ـ شأن كل أم ـ وإنما أنت نبع الحنان الأول الذي كان يفيض علينا حباً، وإن بدت لنا فيه ـ في حينه ـ جانب من القساوة أو الغلظة، إلا أنها قساوة وغلظة التأديب والتهذيب. من منا لا يود أن يعود إلي حضن أمه، يتكوم في حجرها، وهي تمسح علي رأسه بأصابعها الرقيقة، فينسل حنانها من بين خصلات شعره، إلي مسام جلده، فيغمر جسده ـ وأعماقه ـ حبها بلا حدود. أنا ممن يودون لو عدت إلي حضن أمي من جديد، إلا أنها قد رحلت عني إلي العالم الآخر. قلبي يتحرق إليها شوقاً، إلي ملامحها المحفورة في ملامحي، وها انا ذا أعاني حرماناً قاسياً من حبها الذي عشته في كنفها، ونهر الحنان الفياض الذي كنا نغترف منه، ونعب منه عبَّاً، بغير حساب، قد جفت ينابيعه بعد الرحيل. كان يغمرني ـ دون أن أدرك ـ حبك وحنانك بلا حدود، فيض علي فيض بلا غيض، حتي غيبتي عن الوجود. لن أعدد ما فعلتيه من أجلي، فقد كنت تعملين بغير حساب، ولن أستطيع الوفاء بدينك ما عشت، ولو عشت أبداً. تلك الأيدي الرقيقة التي كانت تمسح علي شعري وخدودي حباً وحناناً، كانت تصفعني أيضاً حباً وحناناً. وتلك العيون التي كانت ترمقني بقسوة أحياناً، قسوتها كانت حباً وحناناً، ففي أحايين أخر كانت تحتويني بعمقها السحيق، وتضمني إليها رموشها، فأشعر معها بدفء الوجود والتحقق. كنت أقرأ الفرحة في عيونك الحبلي بالدموع في لحظة النجاح، وأشعر بألمي في جزعك عليَّ حين تلم بي الملمات، وتنحط فوق رأسي الهموم. هذا ما وعيته منذ أن أصبح لي وعي يعي، وإدراك يدرك. أما قبل ذلك، عندما حملتي بي، واحتوتني أحشائك تسعة أشهر، أقتسم معك رزقك كله، ويربطني بك، ويربطك بي، حبل الحياة. حملتيني، واحتملتيني، وهناً علي وهن. عندما انفصلت عنك بالميلاد صرخت، وأنا لا أعي لما صرخت، هل صرخت لانفصالي عن مصدر الحياة والوجود ؟. أم لاستقبالي ـ دونك ـ عسف الحياة ؟. رضعت من صدرك اللبن، ولكنه ليس كأي لبن، إنه لبن الحب، والحنان، والشبع، لبن الحياة. كنت تنامين نصف نوم، بنصف عين، ونصف عقل، ونصف راحة، من أجل أن تلاحظي يقظتي من نومي، وحركتي وسكنتي، ونفسي الضعيف في شهيقه وزفيره. يخاصم النوم عينيك حتي أنام، تهدهدي حتي تغفو مني العيون، تظلين رابضة في مكانك وأنت تلقميني صدرك، حتي أشبع، وترتوي مني العروق، فأنام في أحضانك آمناً مطمئناً، بلا خوف ولا وجل. أقضي حاجتي في حجرك دون تبرم منك ولا ضجر ولا تأفف. تحضرين الماء الفاتر لاستحمامي، وتلفين جسدي الضئيل بالبشكير حتي لا يلفح هواء الغرفة جسدي. كم كانت سعادتك غامرة حين لكت اول طعام بين لساني وشدقيَّ، وكم كانت سعادتك حين جلست، وكم كانت سعادتك حين هممت بالوقوف، وكم كانت سعادتك حين مشيت، وكم كانت سعادتك حين سعيت. وكم كانت سعادتك حين كبرت، وكم كانت سعادتك حين طلبت منك الموافقة علي زواجي، وحين احتضنت أولادي. كنت تقولين لي ستذكر ما اقول لك، وستذكر ما فعلت من أجلك، ولن تدرك قيمة ما قلت وما فعلت إلا بعد الرحيل، حين تشعر بعدي بالفقد. وها أنا ذا ـ يا أمي ـ أشعر بعدك بالفقد، وأذكر ما قلت لي، وما فعلت من أجلي . وأدرك الآن أنني كنت غليظ القلب، جف المشاعر، بخيل الإحساس.

ولكن ذلك بعد فوات الآوان. كنت أظن أن في العمر متسع، وأن الوقت أمامي لتعويضك عما فات، حتي فات الوقت وانقضي العمر، وانطوي ما كنت انتويه. كم هي قبيحة تلك الحياة بغير أم ؟. لقد رحلتي وأخذتي معك أجمل ما في الحياة، فبرحيلك رحلت كل الأشياء والمعاني الجميلة، ولم يبق لي من جميل فيها سوي ذكراك. الدنيا بعدك قد تغيرت، وتبدلت، ولم يبق لي منها سواك. أفعالك ما زالت لي نبراساً، وأقوالك ما زالت كلمات حية ترن في أذني كأني أسمعك. فأجدني أقولها لأولادي، فستذكرون ما أقول لكم، ولن تدركوه إلا بعد الرحيل. رحمك الله يا أمي ـ ويا أبي ـ رحمة واسعة.

 

حــســـــــن زايـــــــــــد

 

ألهاكم التكاثر: بين تحريم السروال وتحريم الإجهاض

abdulsalam bomasrتعالت أصوات كثير من الفقهاء والمحافظين هذه الأيام محرمة الإجهاض أو الإسقاط. واصفين إياه بأوصاف لها علاقة بالقتل والإجرام على وجه العموم. موظفين نصوصا من الكتاب والسنة ووجهات النظر الفقهية، قديمها وحديثها. يحلفون بالأيمان المغلظة أن إتيانه كبيرة من الكبائر.

ومناسبة هذه الضوضاء، دعوات رئيس الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري الدكتور شفيق الشرايبي لتقنين الإجهاض وتسليط الأضواء عليه بغية إخراجه من ظلمات التستر والسرية والطابو إلى مجال التقنين والمراقبة والإشراف الذي يصب في صالح صحة المرأة بالدرجة الأولى. فالرقم الذي كشف عنه تقرير الجمعية (أكثر من 1400 عملية إجهاض سرية يوميا بالمغرب) رقم مهول ويدعونا إلى التفكير مليا في الطرق الكفيلة بتقنين هذه العمليات الخطيرة لكي يتحمل كل طرف مسؤوليته بالتمام والكمال.

إن هذه الأرقام المهولة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك وجود رغبة جامحة في جعل الإجهاض حلا لمشكل ما. وغض الطرف عن القيام بالإجراءات القانونية اللازمة سيؤدي إلى الانفلات والتسيب والخطر والبحث عن أشكال أخرى للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه لسبب من الأسباب.

إن الضجيج الذي صدر عن عدد من الفقهاء و"العلماء" والوعاظ والمرشدين، مصحوب بالوعيد والتهديد ورمي أصحاب دعوات تقنين التخلص من الحمل غير المرغوب فيه بالفجور والفسق وفتح أبواب الفساد والدعارة والحرام... وجعلوا من أنفسهم حماة للأخلاق الفردية والجماعية، بل ومدافعين عن حقوق الله نفسه. ولولا فشلهم في بلوغ "التمكين في الأرض" لتجاوزا عتبة تغيير "المنكر بالقلب واللسان" إلى تفعيل تغييره باليد لا قدر الله.

هذه ليست المرة الأولى التي يقف فيها بعض "الفقهاء" و"العلماء" في وجه رغبات المجتمع وطموحاته واختياراته. والمضحك في الأمر أن هذه الرغبات الجامحة في تجاوز التسلط الديني الأخلاقوي هي التي تنتصر دوما رغم مواجهتها بالنصوص الدينية بشكل رمزي عنيف. ويكفي أن نقول أن أمواج رغبة المجتمع في العيش والحياة والتقدم جرفت، ولا زالت، أكوام الفتاوى المتخلفة التي عرفتها مراحل تاريخية متعددة.

لقد حرم الفقهاء السروال، فارتدته النساء والرجال رغما عن أنوفهم وتأويلاتهم. وحرموا شرب الشاي والقهوة، فداس عليهم الجميع وجعلوهما أفضل مشروباتهم اليومية. حرموا التلفاز فقالوا عنه "شيطان رجيم في بيوت المسلمين" فأصبح أفضل صديق على الإطلاق. حرموا كل شيء جميل: الموسيقى والرسم والنحت والسينما والمسرح، فأقبل عليها الناس بلهفة ولذة. حرموا الإحتفال بأعياد الميلاد وعيد الحب فأصبح الإحتفال بهما أجمل وألذ احتفال. حرموا قيادة المرأة للسيارة، فقادت النساء السيارات والحافلات والقطارات والطائرات رغما عن أنوفهم. حرموا تصويت المرأة وترشحها للانتخابات، فأصبحت المرأة اليوم عضوة في المجالس الجماعية ومجالس الجهة ونائبة برلمانية ووزيرة. حرموا الإتصال بالخطيبة، وتبادل مشاعر الحب، وأخذ الصور، والمظاهرات، والإختلاط و"المال المكتسب من كراء محل لخلاقة الرجال"..حرموا كل شيء.

وما يقدمون على تحريمه تجرفه رغبة الناس في العيش. هذا رغم أن تحريمهم يكون مؤسسا دوما على الاستشهاد بما يرونه من نصوص الدين المختلفة. وعندما لا يعبأ الناس بفتاويهم لا يجدون أي حرج في الرجوع إلى نفس النصوص من أجل تأويلها لكي تؤدي وظيفة الحلال الزلال، بعد أن أدت وظيفة التحريم القاطع.

هم الآن يرفضون تقنين التخلص من الحمل غير المرغوب فيه لسبب من الأسباب، وسنرى في القادم من الأيام كيف سيتحول "الإسقاط" من الحرام إلى الجواز حسب الضرورة ورأي الطبيب وظروف العلاج... كيف لا وهناك رغبة اجتماعية جارفة قوية داست على رغبتهم في التسلط والإستبداد الديني والمذهبي.

 

معاداة الرجل للمرأة القوية

haytheam nafilwaliأنا أعلم بأنني سأواجه موجة عاتية من الشجب، والرفض، والاستنكار من قبل معشر الرجال الأشداء عن مقالي هذا. ومع ذلك، قررت الخوض فيه لإقتناعي التام به. قدرني الله على رد جميل المرأة وفاءً لها.

أول ما نسمع من الرجل الجاهل، المهزوز، والخائف الخائب عندما يواجه امرأة قوية قوله كسيد العارفين: أنها امرأة (مسترجلة) على أساس أن القوة، خلقها الله في آدم فقط، والضعف وما يتبعه .. نصيب حواء بلا مراء؟! وإذا كان الرجل من النوع المثقف المتناقض غير الحقيقي، والذي يعتمد على التمشدق الكاذب، وعلى كمية المعلومات التي يحفظها دون وعي أو فهم صادق، نسمعه يقول بكلمة تناسب حجم ثقافته ولغته التي يتمنطق بها: انها امرأة (وقحة) لأنها تجادل كالرجل، وكأن جدال الرجل وقاحة؟ جعله الله وأمثاله يتعذبون على الأرض بإطالة أعمارهم ولا يصلون إلى ما يريدون ويبغون... وهذا في رأيي أشد عذاب ينتظرهم وهم لا يتعظون وعن جهلهم يتراجعون وعن أقوالهم ربما يعتذرون ويندمون.

ترى لماذا؟ بل وللحق، يجب أن نناقش أولاً شخصية المرأة القوية، كيف تتكون، ولماذا هناك أنواع من النساء، منهن القويات، ومنهن الضعيفات، ومنهن بين بين. ثم نعرج لنحلل شخصية الرجل في كلتلا حالتيه: الجاهل، والمتعلم. بين الخائف، والذي يقول عن نفسه كاذباً مخادعاً بأنه شجاع. خاصة وأن الرجولة والشجاعة لهما قواعد وأخلاق متعارف عليها في نواميس الناس وأديانهم، كثوابت الله الطبيعية.

علينا أن نعرف قبل أن نعترف، بأن شخصية الإنسان تتكون وتنمو وتظهر فيه وتنعكس من خلال تجليات كثيرة نتيجة تراكم الخبرات والظروف وما شأنها من دراسة وتعلم وثقافة وبيئة. ثم نفسية الإنسان الخاصة التي تطور أو تحجم دور الشخصية أو تحدد مظاهرها نحو القوة أو ميلها للضعف. فمداراة الشخصية وتدريبها يعود (إذا جاز لنا) إلى ثلاثة أشياء: الطبيعة (إرادة الله)، النفس أو الذات، والأسرة والمجتمع. ومن هنا نستطيع أن نرى ونفهم طبيعة شخصية الإنسان، بغض النظر عن جنسه بقدر الدرجة التي تتميز بها الشخصية من نقاط ضعف أو قوة.

مما تقدم يدفعنا أن نقول: أن الإنسان الغربي له شخصية تختلف عن الإنسان الشرقي، والأفريقي يختلف عن الإسكندنافي للإعتبارات التي ذكرتها للتو، ولا أعتقد بأننا على خطأ في تصنيفنا وما ذهبنا إليه؛ فالطفل الأمريكي له شخصية تختلف عن شخصية الطفل الآسيوي، ولنا أن نقول، بأن المسبب الثالث والذي هو الأسرة والمجتمع يلعبان دور كبير في تحديد نوع الشخصية وتدريبها، خاصة ونحن نعلم بأن العقل الباطن له دور كبير في خزن ما يتعارف عليه المرء وما يشب عليه ثم يظهر بطريقة أو بأخرى فيما بعد على شكل ميول أو إنطباعات أو حتى أعمال يأتي بها المرء كرد فعل لما خزنته ذاكرته ومنطقة اللاشعور في عقله الباطن، من شر أو خير، ضعف أو قوة، حاد أو متساهل، يجادل بقوة أو يترك الأمور على سجيتها ويأخذها على علاتها كما يقال... إلخ.

لا فرق في مفهومنا بين الرجل والمرأة في بيان الشخصية وتشكيلها. موتها أو حياتها. سحرها أو عدم جاذبيتها. جميلها أو قبيحها. نافذة مشعة أو خاملة نائمة. مجادلة أو مطيعة. قوية أو ضعيفة. رجولية أو مسترجلة (كما يحلو لبعض الجهلة من نعتها بهذه الصفة الهجينة الغربية)

ظهور المرأة القوية في حياة الرجل غالباً ما تكون منغص لحياته، لأنها تنافسه بالعمل، أقصد، بالجدل، والجدل يأتي نتيجة الفهم، والشك، وعدم أخذ الأمور على علاتها دون فهمها وتحليلها ومن ثم إعطائها الحلول المناسبة، هذا من جانب، من جانب آخر، المرأة القوية هي التي تجد نفسها مخيرة لا مسيرة، وهذا ما يغضب الرجل منها، فهي لا تغض الطرف على تصرفات الرجل متى ما رأت أنه قد تجاوز فيها حدود المعقول والمنقول! عندها ترده إلى جادة الصواب بالقوة التي تملكها، ولا نقصد هنا العضلات والعياذ بالله، بل بالحكمة التي تمتلكها. وهذا كله لا يرغب به الرجل، ويسميه تجاوز على رجولته الشنيعة التي لا يعترف بحق المرأة كإنسان كامل مثله. وهنا تكمن طامتنا الكبرى في الشرق.

ثم جاءت التقاليد والأعراف وتطورت إلى حدود اللعنة في هذه الأيام البائسة، فزادت الطين بلّة. تربع الرجل على عرش التقاليد والأعراف والأصول التي يسميها الأخلاق والدين، فحجم المرأة وهو يتغنى بالكلمات يواسيها كذباً وبهتانا: أنتِ خلقت للبيت والأسرة! أنتِ الخير والبركة! وإذا كان (عدونا) الرجل من النوع المثقف المغشوش الذي يتغنى ويتمشدق بالمحفوظات دون فهم خالص حقيقي نراه يقول مترنماً: لا شيء أجمل وأكبر من تربية الأولاد في الحياة، أنها مهمة الأقوياء وأصحاب الحكمة! إهتمي بنفسك وجمالك ولا تشغلي بالك في توافه الأمور!!

ما أن يجد الرجل المرأة القوية أمامه حتى يبدأ بمعاداتها ثم ينصب لها الأشراك ليوقعها ولكن هيهات له من تحقيق حلمه، لأن المرأة القوية بشخصيتها وأسلوبها وثقافتها تعرف خبث ذلك النوع من الرجال وهي الحكيمة العليمة بعد أن خبرت الحياة وتخرجت من صفوفها بتفوق في عالم خالٍ من الإضطهاد وتحجيم الحريات...

 

 

ومضات من شعر المرحوم عبد الرحمن كبها

shaker faredhasanانتقل إلى عالم الخلود يوم الأحد الماضي الشيخ عبد الرحمن داود كبها ابن قرية أم القطف في المثلث الشمالي. وهو شخصية اجتماعية دينية، عرف كرجل إصلاح قطري، وقد عمل سنوات طويلة في خدمة الأئمة والمؤذنين من خلال منصبه كمفتش عام المساجد في البلاد .

كان الفقيد إنساناً متسامحاً متمسكاً بقيم الخير والمحبة، وقدم الكثير من النصح والإرشاد والبرامج الإرشادية في مختلف المناسبات .

عرفناه قارئاً ومثقفاً عاشقاً للغة الضاد،وشاعراً مرهف الحس نهل من كنوز التراث العربي الإسلامي ومن معين الشعر القديم، وارتوى من بحوره، وكتب الشعر المقفى، وكان من أنصار القصيدة العمودية الخليلية، لكنه لم ينشر من قصائده سوى القليل وبقي الكثير منها حبيسة الأدراج .

بين يدي قصيدة وجدانية غزلية له بعنوان "دعيني والهوى" كان كتبها في عنفوان الشباب ومرحلة تأجج لهيب العواطف، ونشرها في مجلة "مشاوير" المحتجبة، وهي مجلة أدبية جامعة كانت تصدر عن رابطة الكتاب العرب في أواخر السبعينات، محررها المسؤول كان ا.د فاروق مواسي، وشارك في تحريرها شفيق حبيب ومحمد علي الأسدي وجورج نجيب خليل .

وتتجلى في هذه القصيدة براعته وشاعريته الصادقة، ونلمس فيها الرهافة ورقة المعاني ودقة الوصف .. يقول فيها :

دعيني والهوى والحب إني     أقدس فيك أهداب العيون

رضيت بقولهم عنكم وعنا     بأن الحب فاتحة الجنون

عشقنا فالهوى وقف علينا      يخلد في الفؤاد مع السنين

دعيني والهوى والحب إني     أقدس فيك أهداب العيون

دعيني لست أرضى غير حب   يشكك في العقائد واليقين

ويكفر بالتزمت والخطايا   ويشعل في الفؤاد لظى الحنين

فان بشرت في دين جديد     كدين الحب قد أبدلت ديني

دعيني والهوى والحب إني  أقدس فيك أهداب   العيون

دعينا نفرش الأيام حباً       ونحيا دون هم أو   شجون

دعينا في سماء الحب نسمو   ونخلد لا نهاب من المنون

وإن جرت الدقائق والثواني   ففي ثوب المحبة   زمليني

دعيني والهوى والحب إني   أقدس فيك أهداب العيون

                        (مشاوير العدد 10 آذار 1979)

وكان المرحوم أبو صدام قد انتقد في تعقيب له استخدام مصطلح الشاعر (المحلي) و(الأدب المحلي) و(الأديب المحلي) إلى آخر المحليات، ومما قاله بهذا الصدد : "أليس من الأفضل أن نقول الأديب أو الشاعر دون إلصاق المحلي لها؟ . أن كلمة محلي هذه تجعل هذا الشاعر أو ذاك الأديب يقف حاجزاً جباراً يفصل بينه وبين إخوة له يكتبون بنفس اللغة والحروف والكلمات ثم أن استعمال المصطلح للاستهلاك المحلي يساهم إلى حد كبير في تعزيز عقدة المحلية في نفوس هؤلاء الأدباء والشعراء، ولن أتجنى على احد إذا قلت بأن الشاعر المحلي وهذه المحليات في آداب وأشعار هذه الديار هي من شعوبيات الظروف التي نمر بها،وأرجو أن يفطن لها كتابنا وأدباؤنا في هذه الديار . لقد انبتت هذه الأرض شعراء وأدباء ذاع صيتهم وكانت أعمالهم الأدبية جزءاً غزيراً من أدبنا العربي. (مشاوير السنة الأولى العددان 11و12،نيسان وأيار 1979).

رحم اللـه أبو صدام، والذكر الطيب له، والعزاء لأسرته وأهله وأصدقائه، ولهم الصبر والسلوان .

 

كيف نشفى من حب تونس .. على هامش الحادث الإرهابي في متحف

sameh owdaاستوقفني محمود درويش محمود درويش وهو يبكي في وداع تونس بين فرحة العودة إلى الوطن وعلقم الفراق .. فراق تونس الدولة التي احتضنت الفلسطينيين، فأعطتهم كثيراً، واحتضنتهم أكثر.. لقد بكى درويش في مشهد لم نرَ مثله من قبل وهو يردد ..

" كيف نشفى من حب تونس الذي يجري فينا مجرى النفس..

لقد رأينا في تونس من الألفة والحنان ..

والسند السمح ما لم نره في مكان آخر ..

نقفز من حضنها إلى موطئ القدم الأول

شكراً لأنكِ أنت من أنت .. شكراً لأننا تركنا فيكِ شهداءنا الذين نوصيكِ بهم خيراً"

هذا ما أثار الحزن وجعلني أكتبُ عن الحادث الإرهابي الذي وقع في متحف " باردو " في العاصمة التونسية.

هذا الحادث ألقى بظلاله على المشهد العام في تونس، واحتل المكان الأول في أجندة الأخبار العربية والعالمية، كون تونس الدولة الشقيقة والتي استطاعت أن تنهض بالواقع السياسي والأمني للبد الذي ذاق مرارة الاستبداد وناضل ضد الإرهاب رافضاً تمزيق وحدته والعبث بنسيجه السياسي والاجتماعي والثقافي، لذلك استطاعت تونس أن توظف كافة الإمكانيات لمواجهة المتربصين بها وبأمنها، وانتقلت نقلة نوعية في بنائها الديمقراطي وهيكلها السياسي من الخلال الممارسة السياسية الفعالة.

الإرهاب الذي حاول أن يتسلل إلى تونس - المثقلة بالجراح وبالأزمات – ليؤسس له مملكةً ظلامية على حساب المنجزات التاريخية والثقافية التي حققها الشعب التونسي عبر عقود مضت.

صحيح أن تونس أثقلت بأزمات اقتصادية كبيرة منذ خلاصها من الاستعمار الفرنسي، لكن الإنسان التونسي بنى وبكل فخر مؤسسات دولة حديثة ما دعاها لأن تكون مزاراً أكاديمياً وثقافياً يؤمها البشر من كافة أرجاء الأرض، ليستمتعوا بجمال البلد الذي حباه الله ماءً وهواءً وإنسانا ناضل للتغلب على الصعاب، وبطبيعة الحال فان الثقافة والتجديد هي التي دعدت من تطأ قدميه هذا البلد يطلع على المنجزات والإرث التاريخي لتونس، لذلك لم يكن من باب الصدفة أن يكون معظم القتلى الذين قتلوا خلال الحادث الإرهابي الذي عصف في الجمهورية التونسية والذي ذهب ضحيته " 22" شخصاً قتلوا بدم بارد في متحف " بوردو " هم من جنسيات أجنبية مختلفة.

شكل هذا الحادث نقلة نوعية في مخطط الإرهاب الذي ضرب القطر التونسي، إذ أن الإرهاب الذي أخذ يتمدد في شمال إفريقيا فأثخنه بالجراح والأزمات الاقتصادية والتفكك في البناء السياسي .. هذا ما يدعونا للوقوف ملياً أمام ما يجري ليس في تونس وحدها بل في معظم الأقطار العربية التي مزقها الاقتتال وحولها إلى ميليشات متصارعة.

محاربة الإرهاب والتصدي له لا تكون بمحاربته في القطر نفسه، بل إن ذلك يدفع للتصدي للإرهاب في دول الجوار بحزم، فكيف يمكن لتونس أن تحارب الإرهاب داخلياً، والشقيقة ليبيا الجارة القريبة والملاصقة لها تغرقُ في مستنقع الاقتتال والصراع والحرب الداخلية؟

تونس .. منذ العام 2012 دخلت فصلاً من فصول الإرهاب الذي دعا التونسيين للتصدي له، والتغلب عليه مؤقتاً بدأت الإرهاب في هذا البلد بالاغتيالات السياسية وتطور إلى استهداف المؤسسة الأمنية والجيش التونسي، فجاءت هذه العملية مختلفة عن العمليات السابقة، كونها استهدفت منطقة إستراتيجية محصنة أمنياً، بهدف ضرب الاقتصاد التونسي الذي يعتمد على السياحة كمصدر هام في سلم العائدات الاقتصادية، وهو أيضاً إرباك للدولة التونسية التي تعيد ترميم ذاتها بعد ما لحق بتونس من أزمات أثقلت كاهل المواطن وأوقفت برنامج التطوير والبناء للدولة التونسية.

تداعيات هذا الحادث الخطيرة وانعكاساته ليس على تونس وحدها بل على دول المحيط كله، وإذا ما تتبعنا شكل العملية ومدلولاتها ستجدها أشبه بما تعيشه جهورية مصر العربية – ضرب الاقتصاد والقضاء على أي حالة نهوض- وغيرها من الدول العربية، وفي خضم الصراع الجاري لمواجهة الإرهاب فان المطلوب عربياً التوافق على برنامج عملي يحارب الإرهاب برمته في كافة الأقطار، ويؤسس لمرحلة جديد تستطيع النهوض بالواقع المعاش، وتواجه التحديات التي فرضت على الوطن العربي بأكمله، وهذا ما يدفع إلى الإسراع بوضع الخطط وتنفيذها عملياً وليس شعاراتياً حتى لا تطبق علينا النبؤة التي حققت ذاتها، أكلتُ يوم أكل الثور الأبيض..!!                    

 

من المعجم الروسي – العربي للامثال والحكم الروسية (10)

الحلقة العاشرة من سلسلة مقالاتي بعنوان "من المعجم الروسي" العربي للامثال والحكم الروسية

 

الترجمة الحرفية - غراب في ريش طاووس .

التعليق – يضرب للسخرية من الشخص الذي يحاول ان يضفي على نفسه اهمية وقيمة غير جدير بها ويريد ان يبرز امام الناس بأي شكل من الاشكال , ويؤدي ذلك الموقف الى ان يكون اضحوكة امام الآخرين ليس الا . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – غراب في ريش طاووس / قرد في ثياب غزال , والترجمة حرفية و صحيحة طبعا الا انها لا توضح معنى المثل . ربما يمكن القول ان المثل العربي الشهير – (خالف تعرف) قريب نوعا – ما من المعنى العام لهذا المثل الروسي الطريف.

 

الترحمة الحرفية – لكل خضروات وقتها .

التعليق – يضرب في انه لكل شئ وقته ولا ضرورة لاستباق الاحداث . يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – الامور مرهونة باوقاتها , وهي ترجمة صحيحة ودقيقة , أما جابر فيترجمه – لكل حادث حديث / لكل مقام مقال ولكل زمان رجال / و الترجمة الاولى صحيحة ودقيقة ايضا الا ان الترجمة الثانية كان يقتضي ان يحذف منها المقطع الثاني - (ولكل زمان رجال ) , اذ انه لا يتناغم مع المعنى العام لهذا المثل . يوجد مثل عربي مناظر لهذا المثل الروسي وهو – كل شئ بوقته .

 

الترجمة الحرفية – الذي يدفع هو الذي يحدد الطلب .

التعليق – يضرب في قوة المال وتأثيره في مسيرة الحياة الانسانية واحداثها , اذ ان الشخص الذي يدفع النقود من اجل هدف معيٌن هو الذي يحدد الشئ المطلوب . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – من ينقد الزمٌار يحدد اللحن / من يدفع يأمر، وهي ترجمة صحيحة ودقيقة .

 

الترجمة الحرفية – البضاعة الجيدة تمدح نفسها بنفسها .

التعليق – يضرب للشئ الجيد الذي لا يحتاج الى دعاية للاعلان عن نفسه. يوجد مثل مناظر بالعربية لهذا المثل الروسي وهو – البضاعة الجيدة تبيع نفسها .

 

الترجمة الحرفية – العصيدة بالزبدة لا تفسد .

التعليق – يضرب في ان اضافة العناصروالعوامل المفيدة والجيدة حتى ولو بكميٌة كبيرة لا يمكن ان تتلف او تفسد الامور والاشياء . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – الزبدة لا تفسد الكعكة / زيادة الخير خير، وهي ترجمة صحيحة وموفقة .

 

الترجمة الحرفية - صب ٌ الزيت في النار .

التعليق – هذا مثل عالمي ويوجد في العديد من اللغات، ويضرب حول الشخص الشرير الذي يؤجج الخلافات ويوسعها بين البشر، ويضرب ايضا في الاحداث التي تزيد الامور تعقيدا و اشتعالا . يترجم جابر هذا المثل – صبٌ الزيت في النار / زاد الطين بلٌة، وهي ترجمة صحيحة.  

 

الترجمة الحرفية – يصطاد السمكة في الماء العكر .

التعليق – هذا مثل عالمي يوجد في الكثير من اللغات و يضرب للتعبير عن شجب اعمال الشخص الذي يستغل عدم وضوح الموقف والصعوبات الناجمة نتيجة ذلك لمصلحته الشخصية والانانية البحتة . يترجم جابر هذا المثل – اصطاد في الماء العكر، وهي ترجمة صحيحة ومفهومة للقارئ العربي من حيث المعنى .

 

الترجمة الحرفية – يدفع بنفس قطعة النقد.

التعليق – يضرب في رد فعل الانسان على فعل تجاهه، اذ لكل فعل رد فعل . يترجم جابر هذا المثل الروسي كما يأتي – قابل الصنيع بمثله / رد الصاع صاعين / رد الكيد الى نحره / رد الاساءة بمثلها، وهي ترجمات صحيحة ودقيقة وموفقة .

 

الترجمة الحرفية – المكنسة الجديدة تكنس بشكل نظيف .

التعليق – يضرب في ان الاشياء الجديدة تكون افضل بتنفيذ مهامها من الاشياء القديمة والمستهلكة . يترجم بوريسوف (وكذلك جابر) هذا المثل الروسي كما يأتي - المكنسة الجديدة تكنس جيدا، وهي ترجمة صحيحة، رغم انها تكاد ان تكون حرفية .

 

الترجمة الحرفية – ليس وفق واجب الخدمة، وانما وفق الصداقة .

التعليق – يضرب للرجاء بابداء المساعدة والعون ليس كواجب وانما على اساس الصداقة والعلاقات الاخوية . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – ليس خدمة بل صداقة / أخ لأخ، وهي ترجمة صحيحة و دقيقة .

 

الترجمة الحرفية – لا خوف من الكلب الذي ينبح بل من ذاك الذي يصمت ويهز ذيله .

التعليق – يضرب في عدم الخوف من الناس الذين يعبرون عن رأيهم بشكل واضح و صريح، بل من الصامتين والمنافقين في آن واحد، الذين يعملون في الخفاء . يوجد مثل مناظر بمختلف اللهجات العربية في هذا المعنى وهو – كلب ينبح ما يعض / الكلب النابح لا يعض ابدا ...

 

الترجمة الحرفية - لا توجد عائلة دون مسخ .

التعليق – يضرب في انه لا توجد اسرة مثالية متكاملة، ولا يوجد بيت دون عيب . يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – كل عائلة لها بلوعتها، ويكرر جابر هذه الترجمة ايضا – لكل عائلة بلوعتها، وهي ترجمة غير موفقة رغم كونها تتناغم مع المعنى العام للمثل . يوجد مثل باللهجة العراقية ربما يمكن اعتباره قريبا من حيث المعنى لهذا المثل الروسي وهو – ماكو زور يخلى من واويه. (ماكو – لا يوجد / زور – مكان مزروع بشكل كثيف / الواوي وجمعه واويه – ابن آوى) .

 

الترجمة الحرفية – ان لم يمسك (بضم الياء) - فهو ليس لصا .

التعليق – اي عندما لا يمسكون الشخص وهو يسرق فلا يمكن اتهامه بالسرقة، ويضرب في عدم توجيه الاتهامات ضد الآخرين دون امتلاك الاثباتات والادلٌة اللازمة بشأن ذلك بغض النظر عن كل شئ . يذكٌر هذا المثل الروسي بالقاعدة القانونية المعروفة وهي – المتهم برئ الى ان تثبت ادانته . يترجم جابرهذا المثل كما يأتي – اللص بلا بيٌنة سلطان، وهي ترجمة صحيحة .

الخير المأزوم!!

الخير حالة مأزومة، لا يُرضي حاجات الغرائز الكامنة في الأعماق البشرية، التي لا تطيق هيمنة النفس العلياء والمطمئنة إلا فيما شذ وندر.

فالغالب على البشر أنهم محكومون بالنفس الأمّارة بالسوء، والتي حاولت العقائد والرسالات الأرضية وغيرها أن تنتصر عليها، وما تمكنت إلا بدرجات نسبية متفاوتة.

فهذه النفس هي التي تسود وتنتصر في معظم الأحيان، وتسخّر العقل لتسويغ شرورها وفظائعها وخطاياها وآثامها.

وحالما تقرن سلوكها البشع بالدين، فأنها تستعبد البشر وتستخدمه لغاياتها وأهدافها، أي أنها تمتلك قدرات المخادعة والتضليل وتحريف الرؤى والتصورات.

فهي طاقة تخريبية متأججة في الأعماق، ولابمكن لجمها إلا بجهد عظيم، ولهذا فأن التفاعلات الدامية لا تنتهي والحروب على أشدها كلما إزداد عدد الناس.

وما يدور اليوم في واقع الحياة، أن هذه النفس قد كشّرت عن أنيابها، ووظّفت الأدمغة والعواطف والمشاعر والمعتقدات لتسويغ ما تقوم به وتراه، وتَقدِم عليه من إجراءات وتداخلات ذات مطامع وشنائع وجرائم بحق الوجود الأرضي بأسره.

ومن عجائب هذه النفس أنها تحفز في الآخرين قدرات تساهم في إستلطاف سلوكها، وإنتشاره ووصوله إلى كل مكان.

فالنفس الأمّارة بالسوء تستنهض السوء البشري، وتلهب طاقاته وتجعله متناميا ومؤثرا ومدويا في الأصقاع.

وما يدور في هذا المكان أو ذاك، إنما يشير إلى إنفلات هذه النفس من عِقالها، وإنهيار طبقات النفس الأخرى وإندحارها في زوايا الأعماق، التي حوّلتها إلى أسيرة مصفدة بإرادة السوء والشرور!!

 

د-صادق السامرائي

الإمبراطورة

ibrahim alkayatالإِمبراطور كلمة لاتينية، جمعها أباطرة، وهذه الكلمة لقب ملكي يحمله للان حكام بعض الدول، مثل اليابان. وأول من تلقب به هم قادة الجيش الرومانيون المنتصرون في الحروب. والإمبراطورية هي الدولة الواسعة مترامية الحدود والأطراف، والتي تُخضِع شعوبا عدّة تحت لوائها الأسطوري. والأمثلة هي الإمبراطوريات الرومانية، الجرمانية، الفرنسية، البريطانية، الفارسية وكذلك الخلافتان العباسيّة والأموية اللتان تعتبران إمبراطوريتين عربيتين.

والإمبراطُوريّة أيضا مشتقة من اللاتينية وتعني السلطة أو القوة، وسياسياً تعني مجموعة كبيرة من الدول والأقاليم والشعوب التي يحكمها عاهل (إمبراطور).

وتقوم الإمبراطوريات عادة على مساحات جغرافية متصلة أو ما يُعبّر عنه بالفضاء المتصل كالإمبراطورية المغولية مثلا، أو تكون ضمن فضاء غير متصل وهو ما تميزت به الإمبراطوريات البحرية ذات البراري والجزر المنفصلة والمتناثرة عبر مساحات جغرافية متباعدة كالإمبراطورية البريطانية مثلا.

وقد توالت الإمبراطوريات على بغداد، بل لطالما كانت تتمدد هذه الإمبراطوريات وتتوسع وتزحف ذات اليمين وذات الشمال، ولكنها في النهاية تقف عند بغداد لتكون عاصمتها. فلا عين علت يوما أو تعلو على حاجب بغداد، وما سقطت بغداد يوما بل كانت الخلافات والأنظمة تسقط وتبقى بغداد محروسة. ففي عام 1258م سقطت الخلافة العباسية تحت سنابك خيول المغول، وعام 1917 سقطت الخلافة العثمانية تحت قنابر طوب أبو الخزامة الانكليزي، وعام 2003 سقطت الدولة الدكتاتورية العتية الجبارة تحت سرفات دبابتين أمريكيتين اثنتين فقط. وبغداد من قبل ومن بعد بقيت شامخة و"شايفة نفسها شوفة" وهي محقة أن تغتر بما تملك من أهل، وحتى أن البغددة أتت منها معنى للتدلل والتحضر والراقي من السلوك؛ فنظرة الأمصار إلى بغداد كانت دوما نظرة إعجاب!

وكانت بغداد أمنية الغزاة والمحتلين على مرّ العصور، ولكنها ما شاءت أن تكون عاصمة لأنها ترى نفسها إمبراطورية لوحدها. "فما من غاز – في مشارق المعمورة ومغاربها – لم تراوده نفسه باحتلال بغداد، لسبب هو ذاته الذي يجعلنا متعلقين بها".

بغداد لأنها مدينة يحلم بالاستحواذ عليها أباطرة الدنيا أجمعها، فهي لا تصلح البتة أن تكون عاصمة. انها أم العواصم وتاج الإمبراطوريات، قديمها وحديثها، وهي الإمبراطورة، وكما قال ابن زريق:

               هيهات! بغداد الدنيا بأجمعها

                   عندي، وسكان بغداد هم الناس

وليس مهما مَن يفكر بها عاصمة، فهم كثر وخائبون، ولكن المهم بل الأهم بمن تفكر هي، بغداد؟ ولا أظنها تفكر بغير الشعراء، ولا أعتقد أنها تفضل عاهلا أو إمبراطورا على "أبو نؤاس"، ولا أراها تخاف على أمر مثل خوفها على النواسيّ أن يكفّ مداد شعره وتفرغ (كأس) شاعريته.

 

 

كما لو لم يكتب أحد

nadeer almajedليست العادة أن تبرع الكتابة المصطنعة في اخفاء الصنعة. كتابات بهذه الصفة كالكبريت الأحمر شحيحة ونادرة. تماما مثل القراءة التي لا تمنح ذاتها إلا لقارئ حقيقي. الكتابة الجميلة هي حصرا كتابة عفوية، لا تنتج عن سببية منطقية بالضرورة، وإنما تتخذ شكل فائض. الكتابة شيء يفيض.

هناك امتلاء زائد عن الحد، امتلاء في العاطفة أو المعنى، يتسرب في صورة كتابة، لتبدو كما لو كانت المعادل الأدبي لكائن مكتنز، هو واللغة شيء واحد، أليست اللغة بيت الكائن كما يقول "هايدجر"؟ أليست هي الوطن البديل؟

الجني الذي يلهم الشعراء رمز لهذا الاكتناز، الجني العبقري تجسيد لمعاناة تمطر الكاتب بزخم المعنى، محيلة باستمرار الكتابة إلى انفعال، إلى كتابة لاذعة يمتزج فيها العمق والفكر والتلميح والإشارة والكلمات المنزلقة على جسد النص، كتابة تكره القراءة الأحادية، والتأويل النهائي، والوضوح الساذج الغبي، كتابة لا تقول الشيء نفسه مرتين.

هكذا تبدو القاعدة ببساطة: لكي تكون القراءة عفوية يجب أن تتشبع باللغة، واللغة هي الفكر والصورة والتأمل والمونولوج الذاتي الأبدي، وإذن اللغة هي الحياة بصفتها قراءة، فنحن إذ نعيش نقرأ علامات مغمورة في ضبابها الأزلي، الحياة ضرب من القراءة والكاتب البارع هو وحده الخيميائي الذي يجترح دوما معجزات التحويل، كائن كتابي يعيش على طريقة "أوفيد"، يمسخ الكائنات ليحيلها إلى نص مكتوب.

سماء الكاتب تمطر كتبا،على هذا النحو ينصح الكاتب الروائي "يوسا"، في "رسائل إلى روائي شاب"، بعقد حلف مقدس بين تعب القراءة ومتعة الكتابة.. لكي تصبح الكتابة بالحقيقة لا بالمجاز، يؤكد يوسا على إحالتها إلى نمط حياة قائم بذاته، يعيش الكاتب لكي يكتب، وليس العكس، أستطيع تأويل نصيحة يوسا بصفتها دعوة لأنطولوجيا الكتابة والكاتب الذي أخاله في تصور يوسا وقد انقلب إلى "دودة كونية"، إذ يمتص الكون لكي يقذف نصوصه إلى العالم، يصبح هو ذاته عالم متفرد، كينونة مستقلة، لا بل أكثر، ليس هذا العالم سوى مخطوطة "هيروغليفية" يترجمها الكاتب إلى لغة، يزيل غموضها وطبيعتها المعجمة، يمنحها شرف التأويل. الكاتب يكتب العالم.

ليس الكاتب إذن سوى بطل اغريقي منهمك في انجاز مهماته الهرقلية، الكتابة أخطر مغامرة، وأعقد لعبة، لا تتسم بأي سمة وسطية، الاعتدال سخف لا يليق بالكاتب، إما أن تكون الكتابة خطر أو لعبة، فلسفة أو شعر، لكنها في جميع حالتها رغبة عصية على الاشباع، رغبة عنيدة.

ربما لهذا السبب يحذرنا "يوسا" من التشويه والتزييف والدخلاء. الكتابة "أرستقراطية" في جوهرها، تنحط حين يتم اغتصابها كبضاعة تدر ربحا ومكاسب، لا يكتب الكاتب بحسب يوسا للإرتزاق، الكاتب المرتزق يخون ويغش ذاته والمتلقي والنص، هذا الكاتب التجاري يمسخ الكتابة إلى ما يشبهها، إلى تكلف أو صنعة، اصطناع محض لا ينطل إلا على شبيهه "القارئ التجاري".

اغتصاب الكتابة عبر الاتجار بها يتزامن مع سلسلة من الاغتصابات: اغتصاب الفصل التعسفي بين الشكل والمضمون، اغتصاب التسمية والجنس الأدبي والتنميط والهوية، كلها اغتصابات ناجمة عن ذلك المرض المنتشر الماثل في سيلان الكتابة واستسهالها وامتهانها إلى الحد الذي باتت فيه مهنة من لا مهنة له.

أما "ماريو مارغاس يوسا" فإنه يخبرنا مؤكدا أن الكتابة والارتزاق نقيضان لا يلتقيان، ثمة قدر لعين يحيط بالكاتب، "قدر مصيري يجب أن يتحول إلى عبودية" الكتابة مثل الدودة الزائدة تتحد بالكاتب وتنمو وتشتد على حسابه، والكاتب شهيد النص وخادمه، يلح يوسا على هذا الانئسار الأسطوري، إن النص جسد منافس للجسد، لا ينمو أحدهما إلا على حساب الآخر.. وهكذا يستطرد يوسا: " يروقني وضع الكاتب، بحال صديقي خوسيه ماريا، حين كان يحمل الدودة الوحيدة في داخله، فالميل الأدبي ليس تزجية للوفت، وليس رياضة، ولا لعبة راقية، تمارس في أوقات الفراغ. إنه انكباب حصري واقصائي لما عداه، وشأن له أولوية لا يمكن أن يقدم عليه أي شيء آخر، وعبودية مختارة بحرية، تجعل من ضحاياها "ضحاياها المحظوظين" عبيدا.. يتحول الأدب إلى نشاط دائم، إلى شيء يشغل الوجود، ويستغرق الساعات التي يكرسها أحدنا للكتابة، ذلك أن الميل الأدبي يتغذى على حياة الكاتب".

هكذا تزاحم الكتابة كل الانشغالات الأخرى، المتع الأخرى، اللذائذ الأخرى، تحضر الكتابة ويغيب ما سواها، تتضخم كسلوك هوسي أيروتيكي، لتفرض شكلا نزويا متساميا، حب نرجسي دون غيرية أو جسد إذا جاز التعبير.

لكنها أيضا تمنحنا مقابلا، تغدق علينا جوائز الخلق وتكميل ما لا يكتمل، يقول نيتشة :"ليس الفن محاكاة للطبيعة بل مكملها الميتافيزيقي المنتصب إلى جانبها لكي يتغلب عليها" الكتابة بصفتها فن –وأنا هنا لا أميز بين أجناس أدبية، فما هي إلا مسميات تحجب سمة التفرد والتشكل اللانهائي- إنما هي إضافة وليست محاكاة كما كان يظن "أرسطو"، شيء جديد تنتجه ليكتسب به العالم دلالة جديدة.. لا تكرر العالم وإنما تضيف إليه، لا بل تلتهمه.. ولقد قالها ذلك الأديب السادي في يومياته: " الأدب سلاح ضد اعتداءات الحياة".

 

نزار قباني وصراع الزمن مع الجغرافيا

maamon shahadaعندما نقرأ قصائد الشاعر نزار قباني فبالتأكيد ان مخيلتنا العقلية تتجه نحو المرأة لما تحوي أشعاره من مغازلة صريحة ومفعمة بالحب والانبهار الأنثوي، لذلك أطلق عليه “شاعر المرأة”.

قباني وفي كل أشعاره دائم الحديث عن أبجديات الجمال الأنثوي، حتى أن قصائده امتدت لتشمل وصف تعرجات الإغراء من قمة الرأس الى أخمص القدم، في مشهد ترتعش له الغريزة الإنسانية، وكأنك تسكن منطقة تبعدك عن الرقابة المجتمعية.

سؤال يطرق بحور الشعر وعقول من يتذوقون كلمات قباني، هل كان شاعرنا يقصد المرأة؟ ام ان أشعاره تقمصت انوثة حواء في اشارة الى اشياء اخرى؟

بالتأكيد ان قصائد شاعرنا تقمصت كل معاني الأنوثة في صفحات تستوجب البحث عن اسباب كتابتها، وليس الاكتفاء بكلمات تُفسر حسب الاهواء والغرائز الوقتية، والمتدبر اشعاره يدرك جلياً انه يتغزل بحب الوطن واصفاً اياه بالمرأة، لأنها تستطيع المزج بين الجمال والحنان وروح الوطن، باعتبارها مرآة للانتماء، رابطاً شعره بالحكمة القائلة “إياك أعني واسمعي يا جارة”.

لو تناولنا مقطعاً من قصيدة “زيديني عشقاً” لوجدنا ان الانتماء يطرق ابواب السمع والبصر والقلوب هياماً في حب الوطن، على سبيل المثال: “حبكِ خارطتي ما عادت خارطة العالم تعنيني.. أنا أقدم عاصمة للحزن وجرحي نقش فرعوني.. وجعي يمتد كسرب حمام من بغداد إلى الصين”، كذلك تغنى قباني في حب الحرية وطلبها قائلاً: “فأنا من بدأ التكوين.. أبحث عن وطن لجبيني عن حب امرأة يأخذني.. لحدود الشمس ويرميني”، ولم يغفل شاعرنا ايضاً فداء الأوطان بالأرواح والدماء دفاعاً عنها، مبيناً – من ناحية ذكورية - هجر كل شيء فداء وتضحية: “من أجلك أعتقت نسائي.. وتركت التاريخ ورائي.. وشطبت شهادة ميلادي.. وقطعت جميع شرايني”.

ومن اروع ما قال قباني، كـ “عنوان” لأغلب قصائده الشعرية: “أنا يا صديقة متعب بعروبتي”، والصديقة هنا دلالة على مخاطبة الوطن المتقمص في ثنايا حواء، وأيضاً قال في قصيدة اخرى تُجسد المعنى الصحيح لأشعاره: “أحاول منذ الطفولة رسم بلادٍ تسمى مجازاً بلاد العرب.. تعلمني أن أكون على مستوى العشق دوماً”، وفي ذلك دلالة على المخاطبة الضمنية، لرسم صورة فاتنة عن بلاد تسمى الوطن وعن اصطلاح يسمى المواطنة.

الأصح عندما نقرأ أشعار قباني ان نتمعن وندرك ما بين السطور وليس الاكتفاء بقراءتها هكذا، فالهيام والطيران في فضاء أشعاره سيرسم ألف صورة وصورة بشرط ألا تصبغ بمعان غرائزية وقتية.

بناء على ما ذكر اعلاه، نستطيع الوصول الى نقطة الالتقاء والإنصاف أن شاعرنا يرمي من وراء اغلب قصائده المزينة بالتقاسيم الأنثوية " ان بيتك الاول هو بطن حواء، وقبل خروجك الى وطنك الإقليمي الثاني بمخاض صعب ترافقه صرخات الميلاد والأمومة، عليك معرفة ان بيتك الآخر ليس له قيمة بدون حاضنتك الأولى (الأم)".

 

كاتب صحافي من فلسطين

على رنة بارود

سم بسم الله وابدأ صرحك من جديد..طال الشوق إليك بعد طول غياب أن غيابك حرير مسجى بلون الصفاء..سم بسم الله وابدأ بناءك العتيد ..فقد اشتاق لك الطير والفراش والورد العتيد..لب فينا دعوة نتطلع للقائك..أو لم تتحير لشوق الأحباب بعد وأنت حاضر في القلب ابد الدهر أكيد؟..

ساومك الكثير في ضعف حقير فقلت حاضر ولكن بعد أن يلفني الظلام في نومي المتين..فمع الاستيقاظ قول آخر أن لبيت دعوتكم ولكن في مجلس رفيع المستوى يليق بلقاء من فارقوني دهرا طويلا...

عفوا، كنت بالقرب منكم ولكن شدة الدهر حالت دون اللقاء،و في عقلي تخمين منوع الطرائح أن ربما الشوق منكم صادق أو غير صادق، فعلى كل حال الجمال هو نفسه كما ألفتموه تحت ضوء القمر الجميل، فقط ما تغير منه نسائم الريح القوية التي تعطي للموال مفهوما وانسيابا آخر مع اللحن الرائع..و فعلا ألفتموه ولكن غابت الألفة عنكم لأنكم أردتم تغيير المسار..هي إرادتكم طبعا وليس لنا شان فيما أحببتموه ..

قيل لحل المشاكل لازم ابتسامة عريضة ولتجاوز العراقيل لازم ذكرا واستغفارا ليس ينتهي بانتهاء العواصف..و إن حل الرماد محل النار فاختر لك نسقا آخر لأن ما بعد الرماد فتور إلى ما لا نهاية، وإن سمعت رنة بارود فانتفض إعجابا بذاك الدفع القوي لصوت يزلزل فيك مشاعرا تعود بك إلى الأصل ثم الفصل في القول الخطيب، فكل ما لازم التحري تبعه النجاح ومن غير إخفاق في الضمير..نعم فالضمير له دور يرتب لك المفاهيم والحقوق والواجبات حتى لا تتخلى عن مفهومك لصحوة وعن واجب نحو للجد و التعب معا، فان امتزجا حققا المستحيل المفقود..إذن سم بسم الله وابدأ تعرفا آخر على من عرفتهم سابقا فقد غير فيهم الزمان طبائعا وأفكارا وميولات وارحم فيهم ضعفا اسكت فيهم العناد وأبعد عنهم تجرؤا ليس يخدم منوالا بغير الاستقامة هو حياد عن جادة الصواب..

أكرر لك إن   كان لرنة البارود وقع على مسامعك فلا تخش منها خسارة أو تسويفا في القرار فكل ما في الأمر أن سهم البارود بانطلاقه ليس يعرف عودة من حيث أتى، فخذ العبرة والزم صرامة تنسيك ماضيا كاد يفقدك صوابك لولا أن أحاطك الرحمان برحمة بددت عنك كل الغيوم وكشفت عنك كل اللثام ممن حسبتهم سندا وعونا لك، ولكن بمظهر وكلمات لم تشبع فيك ثقة أردتها رسالة لهم أن مرحبا بكم إن ملكتم شجاعة وأهلا بكم إن أقررتم اعترافا، وفي كلا الموقفين لست البادئ في الخطأ وإنما كنت للصفح أولى واقرب...دمت على رنة البارود تزن موازنا ليست تعرف اختلالا مستقبلا...و بذلك ستكون أعدل في لوم نفسك وفي عتابها إن هي لم تحسن توظيفا لوسطية في القرار الأول..قرار التعرف والمعارف معا، فتسعد براحة الخاطر، وإن ألزموك على الكلام فاكتف بنظرة تعطيهم جوابا كاملا..

 

   أ.سميرة بيطام

امي اعطتني الحياة مرتين

rafed alkozaiان الام والاب عندما يولد لهم مولود جديد يضاف للعائلة يفرحون كثيرا وتهلهل العمات والخالات ويفرح الاقربون والجيران ولكن عندما يكون للمولد مشكلة صحية وخصوصا في تشوهات القلب تبدأ معركة جديدة تخوضها العائلة من اجل انقاذ الابن وبث الحياة له من جديد وخصوصا الام فأنها تكافح وتتشبث بكل السبل في ايجاد طريقة لإنقاذ ولدها وتجعله يعيش بصحة وسلاسة حاله كحال باقي الأسوياء من اقرانه , هذه الارادة للام في بث الحياة في اولادها غريزة متأصلة ومتوارثة في جيناتها كامرأة وخصوصا في بعض الاحيان ينتابها شعور بالذنب انها هي من بثته لهذه الحياة وهو في هذه الصورة المتعلعلة وهكذا تبقى تكافح وتتساءل عن الاسباب وسبل المعالجة الشفائية والملطفة. في قصة لمريض اصطحبته والدته لعيادتي وهو يشكو من التهاب في القصبات ومن خلال نظرتي الاولى للطفل شاهدت فيه اثار الروح المعذبة وقد صدق حدسي من خلال مراجعتي للتاريخ المرض للطفل فهو ولد مصاب برباعية فالوت وهي حالة تشوه ولادي تعتبر من الآفات المزرقة التي تسبب زرقة في شفتي ولسان واطراف الطفل المصاب بها وهي عبارة عن وجود فتحة ولادية مابين البطينين وفتحة مابين الاذيين وتضيق جذع الشريان الابهر وتضيق الصمام الرئوي مع تحول جريان الدم من اليمين الى اليسار في داخل الغرف القلبية واول وصَف لهذه الحالة من قبل العالِم الدانماركي نيكولاس ستينو المرض لأول مرة عام 1672م، وقام أيضًا العالِم إدوارد سانديفورت بوصف المرض عام 1773م، لكنه سمّي باسم الطبيب الفرنسي إتيان فالو عام 1888م حيث كان أول من وصف تفاصيل المرض بشكل كامل وهكذا بدأت رحلة معاناة الام والطفل والعائلة في سن مبكرة فقد اجريت العملية الاولى التلطيفية لتقليل الضغط الرئوي مع زرع محث كهربائي داخلي لتقوية عضلة القلب ولصد الضربات الكهربائية الهاجرة المزعجة للقلب وبعدها اجريت العملية الشفائية للطفل ليكون حاله حال الاسوياء حينها بكت الام وهي تقول له وهي تقبل ابنها لقد ولتك مرتين ياوندي في الولادة الاولى كانت معاناة والم طلقة من الالام طلق الولادة ولكن في خلال مراجعاتي للأطباء والمستشفيات كان لي كل يوم حالة طلق ودعاء وتوسل بالله والسماء من اجل الشفاء.........

اليوم وفي خضم المعارك والحروب امهاتنا تعاني من متلازمة الطلق الدائم وروحهن ينزفن امراضا سكرا ضغطا وامراض واوجاع اخرى نعجز عن ايجاد اسبابها ان الام تعيش حالة الولادة والطلق بصيرورة الحياة الدائمة لنا.

 

الدكتور رافد علاء الخزاعي

المسرحية العراقية الكوميدية الهادفة: انتبهوا .. القطار قادم

mowafak sawaوهي المسرحية الاخيرة التي كتبتها قبل عامين وسوف اقوم بإخراجها وتعرضها (فرقة مسرح ساوا) يوم الاحد المصادف 24/05/2015 وعلى مسرح

(Powerhouse in Sydney on Wed 24 May 2015)

المسرحية بقلم / المؤلف والمخرج الدكتور موفق ساوا/ سيدني

 

692-mufaqهذه المسرحية تطرح الواقع وتكشفه لتقول وتقر بالحقيقة المرة التي تحتمها جدلية الحياة التي تستقر او لا تستقر في محطة السكون بزمكان هذا الكون.

المسرحية تحمل دلالات إيحائية ورموز وشفرات لمسيرة قطار بكل ما فيه وما يحمله من مستويات مختلفة من الرؤى لمسيرة الحياة منذ نشوء وتطور هذا الكون.

المسرحية تطرح بشكل عفوي لحدث غير عفوي كاشفة بإضاءاتها الصراع المكشوف والمخفي بين طرف معلوم وطرف مجهول ومجبول ومخبول بلون واحد جاهلا بقية الالوان التي تشكل قوس قدح الحياة النابض بتدفق الدم من والى الشرايين والاوردة.

المسرحية ليست عادية على خشبة المسرح وعادية على خشبة الحياة. فـَمـَنْ يجسـِّد مَنْ...؟!.

هل نبقى اسرى احداث المسرحية ام احداث الحياة...؟! وهل ننتظر كمتفرجين لينتهي الصراع لطرف دون ان نحرك ساكن على مسرح الحياة تاركين زحف القمامة لتلويثنا من ثم نرضخ ونقبع في بقع مظلمة وبغرف مغلقة عكس ما نستطيع ان نحرك الساكن بافكارنا ونرسمه باقلامنا وكيفما نريد لا كيفما يريدون ونحن نصنع الاحداث على خشبة المسرح برؤيتنا كمؤلف ومخرج وبفعل شخصيات المسرحية لتقديمها بشكل تجريبي على خشبة المسرح بعد ان نوقد الاضاءة للممثلين والمتفرجين على خشبة الحياة.

ثيمة المسرحية صراع بين من يرى النور خطوطا مستقيمة ودوائر مضاءة ومشجـَّرَة ومسيـَّجة باقمشة مختلفة الالوان وبين من لا يرى سوى الظلمة طريقا (للجنة) التي تشبه دوائر دخانية تتلاشى بطلوع الاضاءة على الخشبتين، خشبة المسرح وخشبة الحياة.

كل هذه الاحداث على خشبة المسرح يجسدها مجموعة من الممثلين بشكل كوميدي ساخر ليس كما يجسدها الساسة على مسرح الحياة بشكل انتهازي وصولي مقنعين باقنعة الانبياء الصالحين خالقين مسرحا ماساويا تراجيديا في اروقة الكهوف والغابات الخريفية.

وليس مهمتنا تكرار واستنساخ الواقع بقدر ما تتعلق مهمتنا سحق هذا الواقع وتمزيقه وتركيبه من جديد برؤية وطريقة فنية وبأطر جمالية على خشبة المسرح لنمتص المأسي الواقعية منتقلين بالمتفرجين زمنا معينا كشاهد وكحاكم على ما يمر علينا من احداث لا تليق بالانسان على ارض ٍ ولد فيها حرا وعاش مقيدا.

 

http://www.sbs.com.au/yourlanguage/arabic/ar/content/msrhy-ntbhw-lqtr-qdm?language=ar

التغيير ليس ترفا ، بل حاجة وضرورة

hamid taoulostثقافة الأمم وهوياتها ليست نتاج الحاضر ، ولكنها حصيلة تراكمات الماضي وتجاربه ، فتاريخ كل أمة هو نتاج تعاقب الأجيال ، وتطورها وانتقال هشعوبا من طور متخلف إلى طور أكثر تقدمية وحداثة ، وما الازدهار الهائل الذي عرفته الكثير من أمم العالم التي تقدمت ، إلا ثمرة لذلك التبدل والتطور، واستجابة مستيقظة للأفكار الخلاقة التي دفعت لاقتحام مساراته ، مصداقا لقول الله سبحانه وتعالة : "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " صدق الله العظيم ..

إن التغيير من أصعب القضايا والمهام ، وذلك إذا نحن تتبعنا تغير العديد من الأمم والمجتمعات ، وتفحصنا تأثير مساراته ووقائعه على تطورها الحضاري ، في كافة المجالات ، فإننا لاشك سنجد أنه لم ولن يطرأ صدفة ، وإنما يحدث بمقدار رغبة تلك الأمم في التغيير ، -كما هو حال الألمان الذين يحبون الجديد والتجديد والتغيير باستمرار ما جعل منهم أعضم شعب في اوروبا -واستجابتها لروادها المبدعين الذين مكنتهم مواهبهم واهتماماتهم ومعارفهم ومهاراتهم من تنبيه مجتمعاتهم -المأخوذة بالدوران التلقائي حول النفس - لرتابة حياتهم وعقم حركة دورانهم ، وحثهم على الخروج من أطواق الفساد المحيطة بهم ، والدفع بهم لتجاوز الأفكار والسلوكيات الخاطئة المستحكمة في مصائرهم ، والإقدام على دخول مجالات التبدل والتغير ، رغم صعوبتها ، التي تكمن في كونها عملا رياديا ليس مألوفاً ضمن نطاق السائد الذي لا يجد في الغالب قبولاً ولا ترحيباً ، ويقابل بالرفض والاستنكار ، من الكثير من المجتمعات ، لأنه –كما هو معلوم- لا يكون إلا بالخروج على الكثير من الأنساق المألوفة لدى عامة الناس ، والإفلات من سائد الأعراف الموروثة ، ونقضاً أو تصحيحاً للعديد من التصورات الخاطئة المستقرة في ذهنية غالبية العامة ، أو استكمالاً لنقصٍ فيما هو قائم لدى النخب الثقافية والاجتماعية والمدرسية والأكاديمية ..

وما يزيد من تلك الصعوبة ، أن المرء عدو ما يجهل ، حتى ما قد ينفعه ، عدو التحرر والنظام والانضباط ، عدو الوضوح ويتحايل على كل تغيير ، وإن كان في صالحه ، وكأنه عدو نفسه قبل أن يكون عدو الآخرين ، وخاصة إذا بَعد ذلك التغيير عن المعتاد كثيرا ، وأوغل في دروبه المجهولة – في كل المجالات والوقائع ، الانجازات والوقائع والأحداث – إلا وكان الرفض له أقوى ، والاستنكار أشد ، والحرب عليه أقوى وأشرس ، خاصة لدى من تشبّع بالأنماط الثقافية المكرسة للتكرار والاجترار والإذعان والامتثال والتماثل مع ما هو سائد في بيئته ، التي يتهيب حدوث أي تغيير فيها ، ويتفادى الأفعال التي يظن أنها ستلقي به وبها في مهاوي ذلك التغيير .. ويترك الأمور كلها لله وعلى الله ، الذي سيقتص له من ظالميه ويعذبهم عذابا شديدا -عقابا لهم على تعديهم على حقوقه وظروفه السيئة - في جهنم التي يحتمي بها ضد كل أعدائه ويدعو بها عليهم ، بقوله : "الله يأخذ الحق " و"الله على الظالم" و "الله يحرق باباهم فالنار" وغيرها من عبارات الاتكال والتقاعس عن نفض غبار الخنوع والرضا بالأمر الواقع حتى لو كان مليء بالذل والهوان ، التي تزخر بها قواميس المستضعفين ، ويزخر بها مخيالهم الشعبي ، والتي هي زفرة الفقراء والمظلومين ، حسب المقولة الماركسية ، والذي لولا تلك الأدعية وعلى رأسها "جهنم" ، لما وجدوا متنفسا في الحياة الدنيا ، التي ذهب الناس فيها مذاهب شتى ، فكان منهم من جبلت نفسه على الكد والجد، والتوق الدائم لأعلى مراتب المجد، والتطلع لبلوغ المعالي والسؤدد ، فجاءت حظوظ مجتمعاتهم من التقدم بمقدار استجاباتها المتفاوتة للأفكار الخلاقة ، وكان منهم من آثر الاستسلام والتقوقع وإعادة وتكرار وتقليد كل قديم وانشغال بمواضيع تاريخية قديمة بالية والإفتخار بها والإعراض عن دعوات روادهم ، للتأقلم مع متطلبات العصر رغم ما يزخر به من المتغيرات ، فبقيت حياتهم جامدة لا جديد فيها وكأنها غير قادرين على عمل الجديد..

إني هنا لا ألوم أحدًا على قلة خبرته ، أو سوء فهمه لدوره ومسؤوليته ، ولكني ألوم من يتشبث من رجال الفكر والسياسة برغبة عارمة على الحط من وعي شعوبهم المهددة بالفقر والكوارث وسوء الخدمة ، والهبوط بمستوى مواطنيهم والانحدار بهم إلى منزلقات تطيل معاناتهم..

ولا يسعني في الختام إلا أن أقول إن لله في خلقه شؤون، خلق سبحانه كل شيء بقدر، ولحكمة تفاوت البشر، واختلفت الرؤى ووجهات النظر ، ولكل رأي ووجهة نظر وله اهتمامات وطموحات ودوائر حياة ..

حميد طولست

من المعجم الروسي – العربي للامثال والحكم الروسية (9)

الحلقة التاسعة من سلسلة مقالاتي حول الامثال والحكم الروسية، والتي تتضمن الترجمة الحرفية لتلك الامثال الى اللغة العربية والتعليق حولها .

ض.ن.

............

 

الترجمة الحرفية - النفس الغريبة - عتمة (ظلام) .

التعليق – يضرب لعدم امكانية فهم حقيقة الانسان عندما تختلط معه دون معرفة سابقة . يترجم جابر في قاموسه الكبير هذا المثل الروسي كما يأتي - النفس الغريبة محاطة بالغموض / يتعذر سبر اغوار نفوس الناس / والترجمة الاولى دقيقة جدا أما الثانية فكان من الافضل ان يضيف اليها توضيحا بعد كلمة (الناس) لشرح معنى المثل كما في الترجمة الاولى، اذ ان المثل يتحدث عن الانفس الغريبة وليس عن كل الناس.

 

الترجمة الحرفية – الثمرة الممنوعة حلوة .

التعليق – هذا مثل عالمي في الكثير من اللغات، ويضرب في ان الممنوع يثير دائما الرغبة عند البشر بمعرفة سر ذلك المنع منذ قصة حواء وتفاحتها المعروفة ولحد الان، وقد استقر بالعربية كما يأتي – كل ممنوع مرغوب .

 

الترجمة الحرفية – احترقت موسكو من شمعة بكوبيكات .

التعليق – يضرب في ان الاسباب التافهة قد تؤدي الى كوارث وخيمة ونتائج كبيرة، ولهذا يجب أخذها بنظر الاعتبار . توجد بالعربية امثال مناظرة عديدة منها – معظم النار من مستصغر الشرر / شراره تحرق حاره ...، وهناك مثل طريف بمختلف اللهجات العربية في هذا المعنى وهو (باللهجة العراقية) – الحجارة الما تعجبك تفجخك (وتكتب في بعض المصادر - تفشخك) .

 

الترجمة الحرفية - ليست كل أشجار الصنوبر في الغابة تصلح لبناء السفن.

التعليق – يضرب في انه ليس كل الناس او كل الاشياء سواسية رغم التشابه العام بينهم، بل انهم متباينون ومختلفون رغم ذلك التشابه . توجد أمثال بمختلف اللهجات العربية مناظرة لهذا المثل الروسي في هذا المعنى ومنها (باللهجة العراقية) – مو كل أصابعك سوه / مو كل مدعبل جوز / مو كلمن صخم وجهه كال اني حدٌاد ... (مو – ما، ليس / مدعبل – كروي الشكل / كلمن – كل من)

 

الترجمة الحرفية – لا يطعمون البلبل بالاساطير .

التعليق – يضرب في ان الكلمات لا يمكن ان تكون بديلا للطعام بالنسبة للجائع . يترجم بوريسوف هذا المثل كما ياتي – الجوعان لا يشبع من الكلام، أما جابر فيترجمه – الكلام لا يشبع أحدا، و نظن ان ترجمة جابر أكثر دقة لهذا المثل الروسي.

 

الترجمة الحرفية – هذه ليست سوى زهور، والثمار فيما بعد ستكون .

التعليق – يضرب في ان البداية سيئة، والنتائج الاسوأ ستأتي لاحقا . يترجم جابر هذا المثل في قاموسه كما يأتي – هذه مجرد مقدمات والآتي أعظم، وهي ترجمة غير موفقة لتوضيح المعنى الدقيق للمثل بسبب استخدام كلمة (أعظم)، اذ ان هذه الكلمة توحي عموما بالحالة الايجابية وليس السلبية كما يقصد المثل . يوجد مثل باللهجة العراقية قريب من هذا المثل الروسي من حيث المعنى وهو – تالي الليل تسمع حس العياط . (حس- صوت، العياط – الصراخ) .

 

الترجمة الحرفية - نقطة الماء تحفر الحجر .

التعليق – يضرب في ان العمل باستمرار واصرار يمكن ان يحقق الكثير من الامور الصعبة . يترجم بوريسوف (وكذلك جابر) في قاموسيهما هذا المثل كما يأتي – الماء يأكل الحجر، وهي ترجمة صحيحة . توجد العديد من الامثال بالعربية في هذا المعنى منها - الدوام يثقب الرخام / الحبل يؤثر بالصخر / كثر الجر يقطع خرزة البئر ...

 

الترجمة الحرفية - الخنزير يجد الاوساخ .

التعليق - يضرب في ان الانسان السئ يجد دائما امكانية التعبير عن سوء اخلاقه وعاداته تجاه الآخرين ويعكس تلك الصفات الشريرة والسيئة في علاقاته مع البشر .

 

الترجمة الحرفية - الطريق مفروش .

التعليق – يضرب للضيف غير الرغوب به، في ان طريق الرحيل سالك امامه . يترجم بوريسوف وكذلك جابر في قاموسيهما هذا المثل كما يأتي – اذهب دون رجعة، وهي ترجمة صحيحة بشكل عام . يوجد مثل باللهجة العراقية في هذا المعنى وهو – الباب يوسع جمل .

 

الترجمة الحرفية – مع الحبيب جنة حتى في الكوخ .

التعليق – يضرب في ان الحياة مع الحبيب جيدة حتى لو كانت في ظروف مادية صعبة وتعيسة . يوجد مثل بمختلف اللهجات العربية في هذا المعنى وهو – نارك ولا جنة هلي / نار جوزي ولا جنة ابويا ...

 

الترجمة الحرفية – الحقيقة توخز العيون .

التعليق – يضرب عندما لا يتقبل الانسان الانتقادات الصحيحة والعادلة له . يترجم بوريسوف هذا المثل الروسي كما يأتي – الحق يوخز العين / الحقيقة مرٌة / الحقيقة تقلع العين /، ويكرر جابر ترجمته – الحقيقة مرٌة، وكل هذه الترجمات صحيحة . يوجد بالعربية مثل مناظر آخر وهو – الحقيقة جارحة .

 

الترجمة الحرفية - لا اثنين ولا واحد ونصف .

التعليق – يضرب للمتردد الذي لا يستطيع حسم الامور، وكذلك لعدم وضوح الموقف . يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – أقل مما هو لازم أو هذا لا يكمل الحساب، وهي ترجمة صحيحة ولكن غير موفقة، أما جابر فيترجمه كما يأتي – لا طير ولا جمل / لا خمر ولا خلُ / لا هذا ولا ذاك / وهي ترجمات واجتهادات صحيحة .

 

الترجمة الحرفية - كما الماء من الاوزة .

التعليق – يضرب في عدم بقاء ألاثر لاي فعل يقوم به الانسان . يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – لا يبقى اثرا كالمياه على ظهر البطة، أما جابر فيترجمه – لا يتأثر بشئ على الاطلاق، وهي ترجمات صحيحة بشكل عام ولكنها غير موفقة . يوجد مثل بالعربية في هذا المعنى وهو – يخرج كالشعرة من العجين .

 

في أعياد المرأة .. إعلام غبي

kalil mohamadibrahemعلى أعقاب أعياد المرأة، والمعلم؛ يسرُّني أن أهنّئ الجميع، بهذه الأعاياد الإنسانية الرائعة الوقع على القلوب، فإلى أن أول معلم في الكون هو الله، سبحانه وتعالى، استنادا إلى قوله:- (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة:31, 32) فإن أول معلمة للإنسان هي امرأة؛ إنها أمه، لذلك يتقارب العيدان؛ عيد المعلم، وعيد الأم، عيد المرأة، الإنسانة الفذة العظيمة.

إننا ونحن ننهل من فكر أساتذتنا العظام الذين درّسونا فعلا، أو درسْنا أفكارهم بهذا الشكل أو ذاك فإنما هُم الذين ربّونا، لأنهم هم الذين منحونا الوعي والخبرة، ففيهم رجال، ومنهم نساء، نعرف لهم أفضالهم، ونعلن سخطنا على مَن يُضايقهم أو يؤذيهم.

لقد كان المعلم، وما يزال، عدوا للظالم المحتال، لذلك فقد وقف الظالمون ضده، ولذلك يقف الظالمون ضد أول معلمة للطفل ألا وهي الأم، ألا ترى الأمهات بالفعل، أو بالقوة، يجدْنَ من الظالمين من يُعنّسهنّ، أو يُشرّدهُنّ، فينفيهنَّ عن بلادهنّ، ويُطشرهنَّ في البلاد؛ داخل الوطن أو خارجه؟!

ألا ترى الظالمين؛ يُعيدوننا إلى أيام العبودية في عصور الظلام؛ حيث يسْبون النساء، يبيعونهنَّ لمَن لا يستحقونهُنّ؟!

ألا ترى الإعلام الغبي؛ يُروّج لهم وهو يتحدّث عن مهاجرات ينتظر الواحدة منهُنَّ بيت جاهز، وزوج حلال؟!

هل تحقق لنساء الوطن غير المهجّرات؛ حلم مثل هذا حتى يتحقق لمَن في المخيمات؛ ناهيك عمَّن لا يجدْنَ مكانا في تلك المخيمات البائسة؟!

إنهم يُقدّمون الظالمين؛ على أنهم أفضل من حكومات الظلم الجاهلة.

هُم يُحرّضون المسكينات؛ على قبول الظالمين؛ أكثر وأسرع من قبولهنَّ لأوطانهنّ، ومن هم في أوطانهنّ؛ ممن لا يتمكّنون من أن يُحققوا لهنّ؛ ما يُحققه الظالمون؟!

هل رأيت إعلاما أقسى غباءً من هذا الإعلام المضلل؟!

إنها مأساة إنسانية حقة؛ ما تواجهه الإنسانية المعذبة؛ في (العراق) المسكين، و(سوريا) المظلومة؛ على أيدي الظالمين الظلاميين؛ من نخاسي العصر ومستعبديه المستبعدين.

إنها آلام تتفجّر دماءً في القلوب، وعذابات في الضمير، فحتى متى؟!

نحن نُريد أن نتقدّم للمعلم وللأم، بباقة ورد حمراء عطرة، لا بباقة ورد محمرة بالدماء؛ دماء العفاف أو دماء الاستعباد أو دماء النحور، فمتى يتحقق ذلك؟!

إنها نية وأمنية؛ أتقدم بها باقة ورد حمراء عطرة؛ على االرغم من باقات الورد الدموية؛ التي يزرعها الظالمون الظلاميون في بلادنا، فلنزرع باقات الورد الحمراء العطرة، ولنعمل على إنضاجها، فبالعمل؛ يتحقق الأمل، وللمعلمين الأحرار ولحرائر النساء؛ كل الأمل، أمل بالعمل على استنقاذ الزهور الحمراء العطرة، واستنكار الزهور الدموية، ومَن يزرعها؛ وقوفا ضدها؛ مع الود الأكيد، وإلى أعياد قادمة؛ يزرعها الفرح، ويسقيها الأمل، ويُنضجها العمل.

تحاصرني الهموم .. أيـــن أذهب؟

fatima almazroweiالهموم الحياتية التي نعيشها في بعض الأوقات ماثلة ولا يوجد من هو مستثنى منها، وعندما ندرك هذه الحقيقة فإننا نجلب لأنفسنا الراحة والأمان، فشعورك أن هناك من يشاركك الهم والانشغال وأيضاً الآمال بغد أفضل مشرق هو شعور جميل يبعث على الاطمئنان.. إذا ما وضعنا هذه القاعدة نصب أعيننا، وأننا لسنا وحدنا نعمل ونخرج من منزلنا صباحاً ونعود قبل الغروب وقد أنهكت قوانا، وخلال عملنا قد نسمع كلمات قاسية من رئيسنا أو يحدث احتكاك بيننا وبين زميلنا يعكر صفو اليوم ويزيد من وجعه وألمه،

و إذا أدركنا أننا لسنا الوحيدين وأن هناك الملايين ممن يشاركوننا مثل هذا الهم والحدث، فإن الوقع يكون أخف على النفس. أستدعي هذه الكلمات لأن بين يدي رسالة وصلتني قبل عدة أيام تلقيتها من إحدى الفتيات، ملخصها الشكوى من مثل هذه الهموم الحياتية، فهي تشكو ضغوطاً تعيشها في منزل أسرتها، وتشكو وظيفتها الصباحية لأنها مزحومة بالعمل، وهي أيضاً تشكو نظرة الشك والريبة التي تلاحظها في عيون الآخرين وخصوصاً الأقارب بسبب كونها مطلقة، وفي نهاية رسالتها تسأل هل من سبيل أو طريقة للتخلص من مثل هذا الوجع اليومي؟..

ولهذه القارئة العزيزة، أولاً شكراً لحسن ظنك بي، وأيضاً شكراً لأنك تشاركينني وتشاركين قرائي مثل هذا الهم، وأريد التوضيح لك أن المشكلة في المقام الأول تأتي منك أنت فأنت التي سمحتِ باستقبال السلبيات ودفعها لتتلبسك فتوثر على نفسيتك ويومك، ولو أمعنت التفكير لوجدت أن جميع ما ذكرتِ من ضغوط ومشاكل عبارة عن أحاسيس ومشاعر لا أكثر، بمعنى أنها ليست قصصاً واقعية مؤلمة، بل هي ببساطة حساسيتك المفرطة في النظر للأمور، ووظيفتك من الطبيعي أن يكون فيها ضغوط وعمل كثير، فهذا هو العمل، والاستثناء أن نذهب لمقار أعمالنا ونجلس إلى المكتب دون أي مهمة، أما أسرتك فرغم طول رسالتك لم تذكري موقفاً واحداً أو واقعة واحدة محسوسة.

وكما أسلفت فجميع ما تذكرينه هو مجرد مشاعر، أمك غاضبة، والدك متوتر، والدليل على هذا الجانب المفرط في حساسيتك قولك إن الناس ينظرون إليك نظرة شك وريبة بسبب طلاقك من زوجك، فكيف حكمتِ على هذه النظرة؟ هل هناك من جاء وقال لك إنه يشك فيك؟ لا أعتقد.. والذي أقصده أن تتخلصي من حساسيتك المفرطة وتنظري للأمور بإيجابية وحينها ستجدين أن الأمور تتغير للأفضل.

 

تأملات

afyf shalyotأحياناً لا نُقدّر قيمة الأشياء إلا بعد أن نفتقدها أو نكاد نفتقدها. أحياناً ننسى بأننا عابرون في زمن عابر، فنحاول أن نتشبث بوجودنا وبقائنا، نحاول أن نُغيّر القواعد والبديهيات، نحاول أن نسيطر على كل شيء، ونحن لا شيء.

هنالك من يعتقد بأنه خالد، أو يبحث عن الخلود، ويتحول بحثه عن الخلود الى هاجس يومي لا يبارحه. وهنالك شعوب كان هاجسها الحياة بعد الموت، فالفراعنة على سبيل المثال مارسوا رحلة الروح بعد الموت، فالتحنيط لديهم ارتبط بعقيدة ما بعد الموت، فحسب معتقداتهم بدون جسد محنّط تنعدم فرصة المرء بأن يُبعث حيّاً بعد الموت، لهذا لجأ الفراعنة الى عملية التحنيط معتقدين بهذا بأن التحنيط هو بوابتهم نحو الخلود.  

إذاً ارتبطت الديانة المصرية القديمة ارتباطاً وثيقاً بعقيدة البعث والخلود، معتقدين بأن الموت ليس إلا رحلة عبور من عالم الحياة المؤقتة الى عالم الحياة الدائمة والأبدية، وبهذا لا يختلف الايمان الفرعوني عن الديانات السماوية من هذا الجانب.

من خلال هذا التأمل نلاحظ بأن الانسان عبر العصور رفض أن يكون لحظة عابرة، رفض فكرة أن ينتهي ويصبح لا شيء، لهذا حاول أن يقنع نفسه والآخرين بأنه هنالك حياة بعد الموت، وإن تغيّر مفهوم الحياة الثانية من شعب الى آخر، ومن ديانة الى أخرى. أما الأدباء والشعراء فبحثوا عن الخلود من خلال انتاجاتهم الأدبية، على سبيل المثال الأدب الاغريقي لا يزال حيّاً حتى يومنا رغم مرور زمن طويل على كتابته، أي قبل أكثر من قرنين ونصف القرن، فلا نزال حتى يومنا هذا نتمتع بما كتبه سوفوكليس من روائع المسرحيات العالمية، التي لا تزال تخاطبنا وتؤثر على مشاعرنا.  

وماذا عن النحّاتين والرسامين والموسيقيين الذين هم أيضاً بحثوا عن الخلود من خلال تماثيلهم ولوحاتهم وموسيقاهم. فنحن لا نزال نذكر الفنان الايطالي ليوناردو دا فينشي من خلال لوحته الشهيرة "موناليزا". وتمثال "حورية البحر الصغيرة" في مرفأ كوبنهاجن في الدنمارك لا يزال يذكرنا بمصممه أدوار أريكسن. وعندما نتمتع بالاستماع لموسيقى معزوفة "بحيرة البجع" للموسيقار الروسي تشايكوفسكي، لا يمكننا إلا أن نهيم بعالم حالم، والتي ألفها في العام 1887 م.

هنا نجد أن كل انسان بحث عن الخلود بطريقته، وتعامل مع الحياة بقدسية ما بعدها قدسية، فكم نفرح بالولادة، ونستقبل المولود الجديد بفرح عظيم، نراقب كل حركة يقوم بها بفرح، نراقب كل صوت يصدر عنه بفرح، وكأننا أصبحنا نمتلك الدنيا في لحظات.

تستحضرني هذا التأملات في ظل الحرب الشرسة المعلنة ضد الحياة في عصرنا الهمجي هذا، وأتساءل، ماذا يدعو البعض للحقد الهستيري على الحياة والتهليل للموت، هل نحن نعشق الحياة فعلاً، أم نتوق للموت كما يتوق العاشق للقاء محبوبته؟

 

الخبرة في الحياة والكنز المعرفي

fatima almazroweiتقوم خبراتنا في الحياة على الملاحظة وعلى الاستفادة من الدروس لمن سبقنا، وغني عن القول إنه كلما تقدم بنا العمر زادت خبراتنا ومعارفنا وهذا لا يقبل الجدل، لذا يعدون من هم أكبر سناً الأكثر خبرة، وكما يقال في المثل من هو أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة، لذا كنت دوماً أقول إن قرأت أفكار الآخرين سواء من سيرهم الذاتية أو ممن قاموا بالتأليف عن تجاربهم وخبراتهم وآرائهم فستجد علماً غزيراً ومعيناً لا ينضب، وأصف هذا بالكنز المعرفي الثمين الذي لا ينتبه له الكثير.

فعندما تكون موظفاً في إدارة للموارد البشرية على سبيل المثال فإن قراءة كتاب واحد من خبراء هذا الحقل قد تثريك وتفيدك كثيراً، وتختصر عليك الكثير من المعابر وتزودك بالخبرات المهمة الحيوية التي تحتاجها، ولو قدر لك أنك معلم أو معلمة أو محاضر في الجامعة، فإن اقتناءك لكتاب لمن سبقك في هذا الحقل يصف تجاربه ويتحدث عن مسيرته سيكون زاداً لا غنى لك عنه أبداً، وستكتشف أن بين يديك كنزاً معلوماتياً بالغ الأهمية سيفيدك ويجنبك كثيراً من الأخطاء التي يقع عادة فيها من هم أقل خبرة.

وأدرك أن اكتسابنا للمعارف والعلوم لها عدة منافذ وطرق، منها ما يتم تعليمنا في المدارس حوله، ومنها ما نتعلمه بالمشاهدة، فضلاً عن تعلمنا من القدوة الذي في البداية عادة يكون الأب والأم، لكننا بمجرد ما نخرج من مجتمع المنزل نبدأ في صناعة نماذج جديدة من القدوة كمعلمين، محاضرين، وسائل إعلام، مشاهير وغيرهم .. هؤلاء جميعاً هم المورد لمعارفنا الأولية سواء أدركنا هذا أو لم ندركه، فمع الأسف قد تكون هناك نماذج سيئة وغير صحية يتخذها المراهقون كقدوة لهم في حياتهم.

موضوع القدوة وأثره على النشء موضوع كبير ويمكن الحديث عنه في مقالة مقبلة مستقلة، وأعود لمحور حديثي للتأكيد على أنه من الأهمية أن ننوع مصدر معلوماتنا ومصدر معارفنا لأن في هذا التنويع فائدة كبيرة لنا، من حيث الغزارة التي سنجدها ومن حيث الخبرة التي سنكتسبها.

البعض يقتحم مجالاً جديداً دون أن يكون لديه أي خلفية عنه، ويقول إن التعلم سيأتي بالتجربة ومن خلال العمل نفسه، وهو في الحقيقة يرتكب خطأ مزدوجاً، أولاً خطأ على نفسه بوضعها في مواقف محرجة، والثاني خطأ بحق من أولاه الثقة، وممن أيضاً قد يتلقى هذه الخدمة منه.. لنقرأ ونستفد من خبرات مَن هم أكبر سناً.

 

مع الأستاذ عبد الإله الصائغ

moamar habarيستضيف الأستاذ العراقي مصطفى العمري، عبر الفضائية الأمريكية الماس، في الحلقة الرابعة من حصة قراءات معاصرة، الأستاذ عبد الإله الصائغ، حول مفهوم الثقافة، طيلة 48 دقيقة، فكان هذا الحوار الثري..

الثقافة والمثقف.. حول السؤال، ماهي الثقافة، ومن هو المثقف. يجيب الأستاذ عبد الإله الصائغ..

الثقافة من الناحية اللغوي، هي التعديل، وعدم وجود زيادة والتخلص من الزيادات.

ويرى أن الثقافة تشمل أيضا، التربية والحضارة والمعرفة.

وهي كل المعقد من الرغبات والرهبات، كالفلكلور، والتجارة والفنون، وكل مايتصل بالإنسان والذي لايمكن الاستغناء عنه. إذن، الثقافة هي كل شيء. المثقف مثل الحيوان الخرافي له ألف رأس

وحول سؤال، هل هناك آليات تحدد المثقف من غير المثقف؟.. يجيب الأستاذ عبد الإله ..

المثقف ليست له هوية يعرف بها. فالمهندس مثلا هوية، بينما المثقف ليس كذلك.

فالمثقف، هو.. القارئ المغاير غير المستهلك، يقرأ السطور ومابين السطور، ويقرأ المكتوب والمسطور ويعيد إنتاج القراءة.

وعن أهمية الكتابة يقول.. ينبغي للمثقف أن يكون كاتبا. والمثقف الذي يقرأ ولا يكتب كالذي يعيش بكلية واحدة. فالكتابة تمثل مدى استفادة المثقف من القراءة. ويختم قوله بهذه القاعدة.. أرني كيف تكتب، أنبئك ثقافتك.

وعن سؤال، هل المثقف لايريد أن يندمج أم أن المجتمع لايريده؟. يجيب الأستاذ الصائغ..

هناك مثقف الذي ينتج، وهناك متثاقف الذي يستهلك. فالمبدع لاينسجم بسهولة مع المجتمع، وكذلك المبدع المثقف. والمجتمع يرى المثقف غريب الأطوار، لذلك لايقبله، لان أحيانا المبدع يكون له شرود ..

ثم يضيف قائلا.. ليست ضرورة أن المثقف يندمج ضمن المجتمع، ومعظم المثقفين كانوا ثورة على المجتمع، وشن المجتمع حربا عليهم.

المثقف الذي لايخاف لايرتجف لايسمى مثقفا، فيعزّز قوله، قائلا.. بيتهوفن يرتجف خوفا وهو المبدع، ويعتقد أن المجتمع غير راضي عنه، ونحن رغم ضعفنا، نعتقد أن المجتمع راض عنا.

وعن علاقة المثقف بالسلطة، يجيب الأستاذ عبد الإله الصائغ..

الثقافة منذ القدم تتعامل معه السلطة. وهناك سلطة حاكمة وسلطة جماهير التي تفرض أعرافها على الكل، والمثقف منذ القدم يراد لهم أن يكونوا طبالين..

السلطة دوما تتعامل مع المثقف على أن يكون بالمقاس الذي تريده السلطة، وهذا منذ القدم. والمثقف يراد منه أن يكون وجها للسلطة، ووجها للمجتمع. فعلي الوردي، لم تحاربه السلطة، إنما حاربته سلطة الجماهير.

الآن .. نعيش إرهاب المجتمع وليس إرهاب السلطة ..فأنت الان تخاف من المجتمع، ومما يقوله عنك.

يرى، أن الذين يخونون الثقافة أقلية، أما المتثاقفين فأكثرية، وأن عدد الشرفاء أكثر من عدد الذين يبيعون ثقافتهم.

وعن سؤال، من الذي يقود المجتمع الآن؟. يجيب الأستاذ..

المثقف الآن لايستطيع أن يؤثر، لأنه لايستطيع أن يغني عياله. وهناك فرق بين المثقف الذي يؤثر، والمثقف الذي يخون.

المثقف لايستطيع تحريك المجتمع، والسبب في ذلك، أن الألفية الثالثة التي نعيشها، فرضت قراءة مغايرة، فكل شيء تغير بسرعة ضوئية، ونحن نتغير بالسلحفاة. فالحروب قديما كانت بين الأديان، والآن الحروب بين الدين الواحد.

الآن نحتاج لسرعة ضوئية للمواجهة والتغيير، فالقتلة المنتشرين عبر العالم، لهم جيش في كل مكان، ولم تعد الوسائل التقليدية من تربية وعلم تفيد، لأنها لاتناسب سرعتهم في الدمار والتخريب.

نحن بحاجة لخبراء في علم النفس والاجتماع والطاقة والعلوم العسكرية وحرب العصابات، ويجتمعون في غرفة مغلقة ويقررون بسرعة البرق.

وعن علاقة المثقف بالمجتمع، يقول الأستاذ..

قدرة المثقف الآن محدودة. لأنه لايوجد مثقف بالمعنى الحقيقي للمثقف، ولا وزن له، كما كانت رابطة القلم، منذ 100 سنة، ذات المواهب النادرة الكبيرة، والتي يحفظ الأمريكيون، شعر إيليا أبو ماضي، ثم يستنبط من حياته المهنية، فيقول..

تعلمت من الصياغة، أن المعادن النفيسة، لن تكون خسيسة. وأعطني ذهبا، أصنع لك سوارا وقلادة.

ويرى، أن كل المشاريع الثقافية تغلق، لأن كل واحد يريد أن يبقى هو المسيطر، ويسلط عليك غلمانه، إن خالفته الرأي، ونازعته السيادة. ويختمها بهذا التشاؤم.. أنا غير متفاءل من أي نشاط ثقافي.

وعن علاقة المثقف بالمؤسسة الثقافية، يقول الأستاذ..

هناك..المتشدد الديني والمتشدد العلماني سيان عندي، لان كلاهما يلغي الآخر، لأن المتشدد الديني ينظر باحتقار للمثقف العلماني، والمثقف العلماني ينظر باحتقار للمتشدد الديني ويريد أن يلغيه. ويطالب المثقف الديني الوسطي، والعلماني الوسطي، أن يلتقيا فيما بينهما، ويقيما حوارا لدعم الوسطية داخل المجتمع.

 

جامعة حسيبة بن بوعلي

الشلف - الجزائر

الإرادة الواعية

haytheam nafilwali(كيف أهجو إبليس وأنا على لسانه أنطق؟!) .. الحسن البصري

قال الفرزدق يوماً: أن قلع الضرس أهون عليّ من أن أنظم بيتاً من الشعر!!

في رأيي المتواضع: الشعر لا ينظم، بل ينظم نفسه بنفسه. وأكاد أعتقد، بأن ليس هناك من يدعي قولاً: أستطيع أن أنظم الشعر متى ما أريد. لأن لحظات الإبداع مثل سكرة الخمر في حب الله، لا تمر على الإرادة الواعية، بل تتجاهلها ولا تعترف بناموسها، ويخطأ من يقول عكس ذلك؛ وللحقيقة عدة أوجه، هذه هي في تصورنا، إحداهن!!

الإرادة الواعية كالنار، لو شعلت في غير محلها سيكون ضررها كبيراً، ولا نبغي وقتها غير لطف الله ورحمته. وكلما أطعمنا النار حطباً، إزدادت هوساً ولهيبا! لكننا لا ننكر فائدة النار إذا استغلت بشكل صحيح، ولأهداف مرسومة ومدروسة مع التحذير من مخاطر اللعب بها!!

كثيراً ما نسمع في أيامنا هذه من يهتف مهتاجاً فينا ويصرخ بقوة وكأنه قرص من نحلة دون سبب سوى رغبته في الصراخ:

ما دامت لي إرادة واعية، فإني أفكر، فأنا إذن موجود، وما دمت موجوداً، أستطيع الإبداع وقت ما أشاء! ثم يعود ليذكرنا بالجملة التي أصدع فيها رؤوسنا بها مثل عالم الدين (سامحه الله) خاصة وأن الدين لا يتسامح مع العلم ولا يرضى بشريعته، وشريعة الدين (العقيدة) ثابته عكس المعرفة التي غالباً ما تكون متطورة كما لا يخفى، صائحاً: لأن لي إرادة واعية!

ترى، ما هي الإرادة الواعية؟ وما دخلها (وسخن حمامها) كما يقال لتزجّ نفسها جهلاً في موضوع الإبداع؟ وهل كل عليم فهيم؟ وهل كل فهيم عليم؟ وإذا كان المرء عليماً وفهيما، هل يتوجب عليه أن يكون حكيما كذلك؟!

غالباً ما نشعر بالعجز عندما يطلب منا شيئاً مباشراً، أو أن نحضر أنفسنا ونلقن عقولنا ونشحن ذاكرتنا في مسائل نود أن نطرحها في مناسبة معينة، فيغيب عنا كل شيء ساعتها إلا رحمة الله!! لأن محاولة تلقين العقل والحفظ وطريقة التفكير الجبري غالباً ما تكون نهايتها سوداء بلون المسك وفاشلة. ويذكرنا هذا بموقف تناوله الناقلون عن جرير: حيث يحكى بأنه كان يتمرغث بالرمل بعد أن يتخلى عن أعز ملابسه الساتره، بعدها يستطيع أن ينظم الشعر الذي يستعصي عليه في لحظات الإكبار والتسلط.

في حين قتل أرخميدس كما يقال، لأنه كان في إحدى ساعات التأمل الطويلة وعندما دخل عليه رسول الملك يستدعيه للمثول أمامه، لم يشعر بوجوده لحظتها، فانفعل الرسول واشتاط غاضباً لأنه فسر ذلك إهانه وعدم رغبه من أرخميدس لتلبية الدعوة، فقتله بضربة واحدة بسيفه البتار!!

بينما ترك بتهوفن ضيوفه في حديقة منزله وانعكف سارحاً في عالم لا علم لي به، وبعد أن طال بهم الزمان، غادروه بعد أن نساهم، فلم يعلم من أمرهم شيئا!!

لقد تناسى صاحبنا المتشدق بأن الإبداع هو عملية تزاوج بين فكرتين موجودتين من قبل أصلاً، وكل ما يفعله المبدع، هو إظهارهما بحلة جديدة بعد أن يربط ويركب ويضيف ويؤلف في الفكرتين (القديمة والجديدة) لتخرج بوهج يخطف الأبصار وكل هذا يحدث بغياب الإرادة ونوم الوعي، لأن لحظات الإبداع لا تنتج إلا عندما تكون الإرادة الواعية غافية، مستلقية في الظل، لتبدع دون رقابة من العقل أو إيعاز منه.

قبل أن أسلم أمري إلى الله أود أن أقول:

الإبداع فيض تلقائي بحت، لا يخضع لسلطان الإرادة. وأي تدخل منها تفسد طلاسمه... عندها يتبخر سحره الإبداعي ويجعله ينطق بالمنطق، وهذه اللغة يجهلها المبدع في أسمى لحظات تجليه لرسم وتجسيد الجمال.

 

الإنسانية ترثي آثارنا المسروقة والمزالة

kalil mohamadibrahemيؤسفني، أن نرثي آثارنا المزالة، بمعاول الظلم الداعشي؛ الذي لم يعرف من الإسلام إلا التخريب والظلم، وإذا كان داعش قد نسب إلى الإسلام الحنيف كل مشين، فقد كان له أسلاف ظالمون؛ كانوا على عهده الإجراميّ، في قتل النفس التي حرّم الله تعالى، وسبيها، فليس له في ما يعني الناس من الحضارة أيما شأن، لقد عرف العالم الكثير من المخرّبين الذين أحرقوا البلاد وخرّبوها، وسبوا النساء ففصلوهن عن الآباء والأزواج والأبناء، واتخذوا عباد الله خولا، والتاريخ مليء بمثل هذه المآسي التي وقعت في أثناء الحروب، أو بعد الاحتلالات، حتى أن الله تعالى يوجزها على لسان (بلقيس) ملكة سبأ قائلا:- (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (النمل:34) وهو شيء معروف، ليس من شأننا الآن، لكن سبقت القاعدة ابنها الداعشي غير الشرعي؛ إلى مثل هذا حينما ضربت بالمدافع تماثيل بوذية؛ عرفها المسلمون منذ افتتاح أفغانستان، وعلى تنوّع المذاهب، فلم يتعرّض لها أحد؛ ترى هل كان كل هؤلاء المسلمين من الكفار؟!

و(عمرو بن العاص) ومن كان معه من المسلمين وفيهم جماعة من أصحاب رسول الله (صلعم)، ألم يرَوا أبا الهول، والكنائس القبطية؟!

لماذا لم يُدمّروا منها شيئا، بل أقروا وجودها، وأقرّوا أهلها عليها؟!

وقد قبلوا ذلك، ولنفرض أنه كان في ذلك ما فيه، فلماذا قبل المسلمون على اختلاف مذاهبهم هذا عبر التاريخ؟!

ألم يكن (عمر بن الخطاب) (رض) خليفة؟!

ألم يكن أصحاب رسول الله (صلعم)؛ موجودين عالمين؛ يرون ويسمعون؟!

هل يشكون في إسلام كل صحابة رسول الله (صلعم)، وسائر أتباع (محمد) (صلعم) عبر التاريخ، حتى جاءت هجمتهم الهمجية، ليُشككوا في كل المسلمين بلا استثناء، ولينكروا كل تراثهم العظيم؟!

من هنا يكون من قال بقولهم؛ قد كفّر الأمة كلها، بما فيهم قادتهم الفكريون، وهذا ما لا يقوله ذو عقل أو علم.

لقد سبقهم إلى هذا مخرّبون؛ يوم دخول الأمريكان، فقد كان هناك مَن أحرق الكتب، وسرق الآثار، وخرب ما خرّب، لتواصل القاعدة تخريب مساجد الأولياء، وهم يواصلون ذلك الفعل الشنيع، لا بمجرد تخريب قبور الأنبياء (ع)، ومساجدهم، ولا بمجرد تهديم المساجد المبنية على قبور الأولياء، بل بسرقة الآثار لبيعها والتمول بها، ثم بإتلاف ما أتلفوه منها؛ ترى هل يحل لهم الارتزاق من سرقة الآثار وبيعها، وتخريب ما لا يتمكنون من سرقته؟!

إنهم لا يُريدون لهذا الشعب أن يبقى له ما يفخر به، فقد تلوا بهذا عصابات سرقة الآثار، ومخرّبي المساجد ومفجريها من القاعديين، وهُم يكملون هذا العمل الشرير، فكيف يمكننا الحفاظ على آثارنا وتراثنا من هذا الشر الطاغي، وما قد يليه من الشرور؟!

إن الوسيلة الوحيدة التي تحمينا من هذا الشر المستطير إنما هي الأخوة، وتأكيد تطبيقها، وتحكيم القانون، وعدم قبوله على الغير، ورفضه على الذات؛ ينبغي أن يسري القانون سريانا حقيقيا على الجميع، كما ينبغي أن تشيع فكرة الأخوة الحقة، فبدون هذا، وبدون قبول الآخر، لن نتمكن من الحفاظ على شعبنا؛ ناهيك عن تراثنا.

إن قبول الآخر، والتساهل في المسائل المختلف عليها؛ أمر ضروري جدا، فليس من الضروري أن أقتنع برأيك، وليس من الضروري أن تقتنع برأيي؛ المهم أن أعترف بأنك أخ، وأن بيننا خلافا أتحمله؛ تماما كما تقبلني بما أنا فيه؛ بعيدا عن مخالفة القانون والشرع؛ إنه إن حدث هذا، فسيصعب على المخترقين اختراقنا، وبالتالي، سنحافظ على شعبنا، وتراثنا؛ وهذا ما لا يتحقق إلا بالعلم الصحيح؛ الذي ينتجه تعليم إنساني حيّ؛ حرّ؛ يُركز على حب الآخر، وسلامة النية، والله من وراء القصد.

 

الدكتور خليل محمد إبراهيم

 

الثقافة الفلسطينية بين الماضي والراهن

shaker faredhasanتحيي جماهير شعبنا في آذار من كل عام شهر الثقافة الفلسطينية، إدراكاً منها بأهمية ودور الثقافة كسلاح فعال ومؤثر في معارك البقاء والصمود والمواجهة، والدفاع عن الوطن، والحفاظ على الهوية، وصيانة التاريخ الوطني الكفاحي الفلسطيني .

وليس من قبيل الصدفة اختيار شهر آذار لمشروع الثقافة الفلسطينية، ففيه ولد شاعر المقاومة والثورة الراحل محمود درويش، كما يلتقي فيه يوم المرأة العالمي وعيد الأم ويوم الأرض الخالد وبداية فصل الربيع وتفتح أزهاره، وكل هذه المناسبات تكتسب أبعاداُ وطنية وإنسانية وثقافية .

لقد نشأت وتبلورت لدى شعبنا ثقافة وطنية تقدمية إنسانية تقدمية مقاومة ومقاتلة وملتزمة مناهضة للصهيونية والاستعمار والاحتلال . وعبر مسيرة النضال الوطني التحرري استطاع المثقفون والمبدعون الفلسطينيون تحقيق الكثير من الانجازات الثقافية، ولم يستغلوا القضية الوطنية لأهداف وغايات ومصالح شخصية ضيقة، بل اندمجوا فيها ووضعوها في أعماقهم، وانغمسوا بالهم والجرح الفلسطيني، وحملوا فلسطين في قلوبهم وعقولهم .

وقد شهدت الثقافة الفلسطينية عصرها الذهبي إبان المد الوطني الثوري وانطلاق الثورة الفلسطينية، وظهور المقاومة الفلسطينية كعنصر أساسي في مواجهة التحديات ومقاومة الاحتلال والمحتلين، وشكل مركز الأبحاث في بيروت، الذي أسسه الدكتور أنيس صايغ - طيب اللـه ثراه -، وكان يعتبر أهم وأعظم مركز أبحاث في العالم العربي، مفخرة فلسطينية لدوره العظيم في حفظ الذاكرة وصيانة التراث الفلسطيني، ولما قدمه من فكر سياسي وثقافي حضاري متنور ومتقدم .

لقد مرت الثقافة الفلسطينية بمراحل عدة، وكل مرحلة عبرت عن تداعياتها وإفرازاتها . ففي مرحلة ما بعد النكبة عبرت الثقافة الفلسطينية عن الحنين إلى الوطن، ورسم صور ومشاهد وتفاصيل النكبة، وتصوير أحوال وأوضاع اللاجئين في الخيام ومخيمات البؤس والشقاء والتشرد، وانتقاد موقف الأنظمة العربية الرجعية المتواطئة مع الاستعمار . وفي مرحلة ما بعد هزيمة ونكسة حزيران العام 1967 جاءت الثقافة الفلسطينية انعكاساً وتجسيداً للواقع الجديد، واقع التحدي والنضال والكفاح ضد الاحتلال الصهيوني، والتزاماً بقضايا الوطن وهموم الناس وجراحاتهم وعذاباتهم، وتعبيراً عن الطموح الجماهيري والشعبي بالخلاص من ربقة المحتل . أما في مرحلة الانتفاضة فالثقافة الفلسطينية صورت ممارسات الاحتلال التنكيلية القهرية والعدوانية تجاه الفلسطينيين، والإشادة بالمناضلين والمقاتلين بالحجر والمقلاع . وفي مرحلة ما بعد أوسلو وقيام السلطة الوطنية واكبت الثقافة الفلسطينية المرحلة الجديدة وصورت العودة إلى أرض الوطن، وعكست أحوال الناس وعلاقتهم بالسلطة .

والواقع أن ثمة أسئلة تدور في الأذهان حول الوضع البائس الذي آلت إليه الثقافة الفلسطينية بعد أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية . فماذا حدث وجرى لثقافتنا ؟ ولماذا هذا التراجع والنكوص الثقافي ، ومن عمل على تصحر واحتضار هذه الثقافة ؟ .

لماذا احتجبت وغابت المجلات الثقافية الأدبية والفكرية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ؟ وهل يعقل أن شعباً تحت نير الاحتلال، ويقاوم لأجل الحرية والاستقلال والديمقراطية لا يملك صحيفة أو مطبوعة تكفل حرية الرأي والتعبير ؟!.

كيف يحدث كل ذلك بينما كان شعبنا في الشتات والمنافي القسرية وداخل الوطن المحتل يملك المؤسسات الثقافية والمنابر الأدبية والفكرية، ويصدر الصحف والمجلات والدوريات الثقافية اليومية والأسبوعية والشهرية، أما اليوم فلا يملك سوى صحيفتين شبه رسميتين ناطقتين باسم السلطة، هما "الأيام" و"الحياة الجديدة" . فالناظر في الحالة الثقافية الفلسطينية الراهنة يلمس غياب الدور النقدي للمثقف الفلسطيني، الذي كان يدفع ثمن التزامه الفكري والعقائدي والأيديولوجي، بدلاُ من يقبض مقابل ذلك، ونشوء وتفاقم ظاهرة المثقفين السلطويين السعداء الذي لا يحتاجهم الوطن الفلسطيني السليب، ولا الشعب الذي يئن تحت حراب الاحتلال .

باعتقادي أن كل ذلك مرده غياب وتراجع المشروع الوطني الفلسطيني، وحالة الضياع والإحباط والتشتت التي تلف شعبنا بفعل اتفاقات أوسلو التي لم تحقق شيئاً خلال العقدين الماضيين . وكذلك الحالة الانقسامية التي يشهدها الشارع الفلسطيني وتأثيراتها وإفرازاتها على النضال الوطني التحرري الفلسطيني، وسقوط المبدعين والمثقفين الفلسطينيين وانخراطهم في صفوف السلطة وتحولهم لأبواق سلطوية تأكل من خبز السلطان وتضرب بسيفه .

وإزاء ذلك لا بد من انطلاقة جديدة تعيد الاعتبار للثقافة الفلسطينية التي تقاوم وتتحدى الهزائم والنكسات، وتبث الأمل والتفاؤل الثوري في النفوس بالانتصار على الظلم والقمع والتعسف والاحتلال والطغيان، وولادة مبدعين ومثقفين نقديين جدد يعيدون الوهج والسطوع للفكر النقدي والروح النقدية التي اتسمت فيها ثقافتنا الفلسطينية على امتداد مسيرتها قبل أوسلو .

 

 

عيد المرأة بنكهة جديدة

hamid taoulostيشكل 8 مارس مناسبة للتعبير عن انشغالات وإنتظارات النساء، نصف سكان العالم، إن لم يكن أكثر، وذلك من خلال ما يقمن به من تظاهرات يرددن خلالها شعارات كثيرة ومتنوعة يلاحظ المتتبع لها، والمتمعن في فحواها، أنها نسخة مستنسخة من ذات الشعارات التي رددت في نفس المناسبة من السنوات الماضية والأعوام السالفة، والتي لم تحد عن النماذج المألوفة، التي لم تخرج عن فحوى ومضمون ما رُدد من شعارات قديمة التي ستتكرر لا محالة كلازمة في القادم من السنوات .

ورغم تشابه الشعارات النسائية لهذا العام، بشكل لافت، مع غيرها من شعارات الأعوام الفائتة، والتي بدت كما لو كانت نسخ طبقا للأصل مع ما طرح من مطالب نسائية، والتي رددت وكأنها أذكار أو أوراد، أو أقانيم روحانية مقدسة، أو رقى وتعاويد طقوسية تعبدية، تمحورت مجملها في التنديد بما لحق بالنساء من عنف وغبن وعسف، وشجب لما يكابدنه من مشاكل اجتماعية وصحية وخدماتية، مع المطالبة بالحقوق والمساواة والمناصفة .

فإن فارقاً بسيطاً، واختلافا طفيفا لوحظ على النساء المشاركات في مسيرات عيد هذه السنة -وهن يجبن شوارع البلاد طولا وعرضا، لاستعراض قواها - هو ما عرفه اليوم من أجواء التقديس والتوقير الغريبة، والغيبوبة الصوفية، والاستنفار الوجداني الضخم، الذي زاد من منسوب الغضب والاحتقان، الذي ظهرت آثاره في تظاهرة هذا اليوم النسوي لهذه السنة، وتجلت في رفض العديد القياديات النسائية -المشاركات في المسيرة الوطنية التي نظمها "ائتلاف المساواة والديمقراطية"، يوم الأحد بالرباط- تحويل مسيراتهن إلى حملات سياسية، ودعاية إنتخابية، وذلك بطردهن لقيديي حزبي الاستقلال والاتحاد الإشتراكي، شباط ولشكر، وتأكيدهن على ضرورة تحصين المكتسبات التي تحققت للمرأة المغربية في السنوات الماضية في كافة المجالات، وتفعيل مقتضيات دستور 2011 وجعل المساواة في قلب الإصلاحات السياسية والقانونية والمؤسساتية، بعيدا عن التفسيرات الديني التاريخي المناهض للرؤية الحديثة لحرية المرأة المخالفة للمجتمع وقيمه ..

 

حميد طولست

ماهو الادب الشعبي الامازيغي؟

alhasan aabaلقد كتب الكثير من الباحثين والمهتمين الامازيغيين وغير الامازيغيين عن هدا الموضوع فطرحوا هذا السؤال، ماهو الادب الامازيغي؟ وكل واحد فسر الموضوع بطريقته الخاصة، غير اني اقول، ان الادب الامازيغي شانه في ذلك شان الادب العالمي، فالادب في اللغة الامازيغية، هو، تاسكلا، والادب حسب التعريف العالمي، هو فن من الفنون الجميلة كالرقص والغناء والمسرح والموسيقى ثم الشعر، والادب قسمان شعر ونثر، اما الشعر فهو ذلك الكلام الموزون والمقفى اما النثر فهو ليس كشعر ويختلف عنه وهو ايضا فن ادبي ومنه الوصفي والانشائي، فالوصفي هو الدي يصفه الانسان وصفا

ويرتجله ارتجالا، فمثلا يمكن من خلاله ان ترمز الى الوردة والوردة تعني المراة والجمال اما الانشائي فهو الدي ينشاه الانسان ويبدع فيه اما اركان هدا الادب فهي تلاتة

اولا، الخيال وهو طريقة او الاسلوب التي يرتكز عليها الاديب.

تانيا، العاطفة، وهده العاطفة يجب ان تكون شديدة

تالتا، الفكرة ، فهي التي تقوي العاطفة لتجعل منها عاطفة صادقة،

اما الشعر الامازيغي، فهو انواع، فهناك الشعر الغنائي، متلا، شعر، روايس ثم شعر اسايس والشعر الغنائي التصوفي والامداح واشعار الاعراس الى اخره.اضف الى ذلك الشعر الكتابي او المكتوب.الدي ظهر مؤخرا، كشعر محمد المستاوي وشعر المرحوم والاستاد، علي الصديقي ازايكو، والاخرون. اما النثر فيشمل، تالاست، القصة، والمثل الشعبي والنوادر والحكم.بالاضافة الى الاحاجي والنكث، الى اخره،

وكخلاصة عامة فالادب الامازيغي هو فن قديم متوارث وجد مع الانسان في كل الازمنة والحقب المختلفة.

أتهنئة أقدم للمرأة في يومها العالمي أم تعزية؟؟

hamid taoulostلم أحتر في أمرٍ بقدر ما أمرت في أمر اليوم العالمي للمرأة لهذه السنة، وتشتت أفكاري حول ماذا يجب أن أقوم به فيه كمناسبة تاريخية يخلدها العالم باسم المرأة مند عشرات السنين، وتقدم خلاله التهاني والتبريكات وباقات المتمنيات المتنوعة تنوع أزهار هذا الفصل الربيعي المشرق .

لم يستقر فكري على شيء، وأخذتني دوامة من الأسئلةٌ المحيرة، وداهمت ذهني الشكوك والتساؤلات حول مصداقية هذه الاحتفالية وجدوا ذاك الاحتفاء بكائن يعيش أوضاعا قاتمة تغلب عليها الممارسات الهمجية، التي هي أكثر من أن تعد أو تحصى.

كيف يمكن لي الاحتفال بيوم للمرأة ولم تتحرر من عبودية القيود الجهل، والعنف، والتحرش، الانتهازية المجتمعية المنسوبة للدين و الشرع .

كيف يمكن الاحتفاء بالمرأة وتهنئتها بعيد لا يعدو مجرد تظاهرات إعلامية لم يتحقق من ورائها أي تحرر أو إنعتاق .

كيف يمكن ذلك وقد أصبحت المرأة في زمننا هذا سلعة يتم سبيها واختطافها واستحلالها وتشريدها واغتصابها بشكل لم يسبق له مثيل .

أي تهنئة يمكن أن تقدم لإمرةٍ تسبى وتُهان وتباع في سوق النخاسة على مرأى من حماة ورعاة قضيتها، وعلى مسمع واضعي نصوص حقوقها وبنود حريتها .

وأيُّ عيد ٍ يمكن أن يُحتفى به مادامت هناك امرأة مسبّية جسدا وكيانا، ومادام هناك رجل دين يغرد عبر الفضائيات العربية بجواز نكاح الصغيرات ومفاخذة الرضيعات، ويدعون لجهاد النكاح باسم الإسلام.

كم وودت أن أهنئ كل نساء العالم في يومهن العالمي هذا، وأتقدم لهن بباقة ورد من حدائق هذا الشهر المشرق، لكني وجدت أنهن لسن في حاجة للتهاني، بقدر ما هن في حاجة للتعازي والمواساة على ما يواجهنه من أقسى أنواع العنف والروحي والعاطفي، وأمر أشكال الاستلاب العقلي والجسدي، في سوريا والعراق ومصر وعموم البلاد العربية والمسلمة، واللواتي أرفع لهن بالمناسبة كل تحايا التقدير والإجلال على وقوفهن في وجه الغزو الدين/السياسي الذي أذاقهن متطرفوه، كل أنواعا الفتنة والغدر والطعن في هويتهن وتاريخهن البشري .

ومع كل هذا وذاك، آمل وأتمنى لهن في يومهن العالمي هذا، أن تتوحد صفوفهن وتتكاتف جهود تنظيماتهن وحركاتهن النسوية من أجل اقتلاع الظلم والاضطهاد بصفة جذرية لا تسمح له بالعودة مرة أخرى تحت أي مسمى وأية أيديولوجية، اشتراكية أو ليبرالية أو دينية ؛ ساعتها فقط يمكن أن نتقدم لهن بالتهاني الصادقة بالعيد ..

حميد طولست