أقلام ثقافية

نواعم شوستاكوفتش .. الموسيقار الموسوعة

يُمكن إعتبار الموسيقار الروسي ديميتري شوستاكوفتش آخر أساطين الموسيقى الكلاسيكية العالمية، فرَغم إنه عاشَ القرن العشرين بكل تحولاته التي طالت المَدارس الموسيقية المُختلفة، ورَغم مُحاولته مُواكبة هذه التحَوّلات أحياناً، إلا أنه ترك بَعد وفاته عام1975 إرثاً موسيقيا ثميناً ورَصيناً مِن الأعمال الموسيقية، مِنها 15 سمفونية و15 رباعية وترية و2 كونشرتو للبيانو والعديد من المتتابعات وسويتات الباليه، كما وﺿﻊ ﻤﻮﺳﯿﻘﻰ تصويرية لكثير مِن اﻷﻓﻼم اﻟﺮواﺋﯿﺔ وأفلام اﻟﻜﺎرﺗﻮن، تحَوّل بَعضها الى أﻋﻤﺎل ﻣﻮﺳﯿﻘﯿﺔ ﻣُﻨﻔﺼِﻠﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﺘﺎﺑﻌات ﻣﻮﺳﯿﻘﯿﺔ أو ﺳﻮﻳﺖ، ﻣِﻦ ﺑﯿنها موسيقى ﻔﯿﻠﻢ "ﻋَﺸﺮة أﻳﺎم ھﺰت اﻟﻌﺎﻟﻢ" الذي ﻳُﻮﺛﻖ لأحداث أكتوبر1917 التي أﻟﻒ لها ﺷﻮﺳﺘﺎﻛﻮﻓتش ﺳﻤﻔﻮﻧﯿﺘﯿﻦ، الثانية"إﻟﻰ أﻛﺘﻮﺑﺮ" واﻟثانية عشر"إﻟﻰ ﺳﻨﺔ 1917". رَغم ذلك لم يَكن شوستاكوفتش على وفاق مَع سلطة ستالين واللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم، الذين وصفوه بعَدم الكفاءة والتأثر بالغرب لأنه لم يُمَجّد ما إعتبروه إنجازات رآها زائفة، وإنتصارات رآها مآسي، رؤية عَبّر عَنها في سمفونيته الخامسة ذات الطابع الدرامي والسابعة "لينينغراد" التي عُزفت لأول مَرة في لينينغراد المُحاصَرة والثامنة المأساوية والتاسعة المليئة بالتهكم والسُخرية، ولم تبدأ أنغام الفرح والتفائل بالتسَلل لمؤلفاته إلا أواخر الخمسينات بعد وفاة ستالين عام 1953 أملاً منه بحُرية قد تمنح للشَعب وفنانيه. وبَعد فترة إستقرار عاشَها في عَهد خروشوف، الذي شَهد إنفتاحاً بسيطاً مُقارنة بسَلفه أبدَع خلالها سمفونيتيه الحادية عشر والثالثة عشر، عاد القلق ليتمَلكه بعد تنحِية خروشوف ودخول البلاد بمَرحَلة غير مُستقرة تركت آثارها على نفسية شوستاكوفتش وأعماله التي بَدأت تطغي عليها أنغام كئيبة وموضوعات حَزينة، يُمكن أن نجد ترجَمتها في سمفونياته الأخيرة وتحديداً الرابعة عشر والخامسة عشر وسوناتا البيانو التي كانت آخر أعماله قبل أن توافيه المَنية عام 1975.

مِمّا لا شَك فيه إن سمفونيات شوستاكوفتش هي مِن الاعمال المُهمّة في عالم الموسيقى العالمية، لكنها بكل تأكيد ليسَت أروع ما تركه لهذا العالم، فلِنواعِمه القِصار مَذاق آخر يَجعلها تتميّز وتتفوق على الطِوال مِن مُؤلفاته. وقد تشَكل سمفونياته الـ15العمود الفقري لأعماله،إلا أن نواعِمه هي التي تعَبّر عَن ألقه وعَبقريته. فكونشرتاته ومُتتابعاته وسويتاته ضَمّت في طيّاتها وبَين ثنايا حَرَكاتها قطع موسيقية نادِرة ودُرَر فنية ثمينة أسميتها بالنواعِم لقِصَرها وخِفّتها وبَساطتها، ولكونها تُظهِر جانباً مُختلفاً مِن شخصيته الفنية والإنسانية، وعالماً لا يَمُت بصلة لعالم سمفونياته، عالم لم يَنل حَظه مِن التركيز والإهتمام الذي نالته سمفونياته، عالم يَحتاج الى سَـبر أغواره وإستِكشاف كنوزه والتـركيزعليها قطعة قطعة ليتسَنى فهمَها والإستمتاع بها. في نواعِمه نَجد تجَليات رغبة بالجُموح والإنطلاق بَعيداً عَن قيود يَبدوا أنه كان يَشعر بها تكبّل روحه وإبداعِه قبل يَديه ولِسانه، تجَليات يَبدوا بأنه لم يَكن يَجرؤ على الإعلان والتعبير عَنها بوضوح بل يَعمد لإخفائها ضِمن سِلسلة مِن الحَركات المُتعاقبة والمُتداخلة التي كانت تتضَمّنها سويتاته ومُتتابعاته،والتي كانت مُرونة مَواضيعها المُختلفة والمُتنوعة بين التأريخ والدراما وأفلام الكارتون تسمَح له بإطلاق مَكبوت إبداعه مِن الأنغام والألحان السَعيدة والراقِصة والرومانسية بإفراط أحياناً.

لعَل مِن أبرَز وأروع نواعِم شوستاكوفتش التي على المَرء الإستِماع اليها والإستِمتاع بها نواعِمه الراقِصة مِثل فالس سويت الجاز رقم 2، ورقصة غالوب سويت الباليه رقم 1، ومقاطع سويت شيريموشكي، وفالس سويت الجبال الذهبية، وفالس رقصة الدُمى. أو نواعِمه الدرامية كمَقطوعة الصَيد مِن سويت هاملت، و الحركة الثانية مِن رباعيته رقم 8، والحَركة الأولى مِن سمفونيتيه الخامسة والثامنة، والحَركة الأولى مِن كونشرتو البيانو رقم 2 . أو نواعِمه الرومانسية مِثل رومانس سويت غودفلاي المُفعَم بالعاطِفة، والحَركة الثانية الرقيقة مِن سويت سقوط برلين، والحَركة الثانية مِن كونشرتو البيانو رقم2 المَليئة بالشَجن، ولولباي البيانو. وغيرها مِن الأعمال التي أبدَعَتها أنامل شوستاكوفتش ومُخيّلته الخصبة، كزهور مُتنوعة العُطور والأشكال والألوان.    

ليسَ غريباً أن يُعتبر ﺷﻮﺳﺘﺎﻛﻮفتش أحد أھَﻢ ﻤﻮسيقيي اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﻳﻦ لأنه كان موسوعياً في موسيقاه، فمِن جهة ﺗﺄﺛﺮ أﺳﻠﻮﺑﻪ بأسلافه مِن الموسيقين الروس كجايكوفسكي ومَجموعة الخمسة، وتظهِر بَعض سمفونياته تأثره بأسلوب الموسيقار النمساوي بروكنر، لذا كان يُعتبر مِن رموز المدرسة الروﻣﺎﻧﺘﯿﻜﯿﺔ المُتأخرة. ومِن جهة أخرى أظهر تأثراً بالموسيقى الغربية بدا واضِحاً في سويت الجاز الأول والثاني. كما إتجه في بَعض مؤلفاته الى الحَداثة واللاتقليدية التي تَظهَر في لا مَقامية ولا تناغم ألحانها، والتي إمتازت بإحتواء تركيبتها اللحنيّة على أنغام غير مُتجانسة وغريبة ومُتقطعة، أشّرَت لمَيله في مَرحلة ما مِن مَسيرته الفنية الى بعض المدارس الموسيقية المُفرطة بحَداثويتها، التي سادَت وبادَت بسُرعة قياسية خلال النصف الأول مِن القرن العشرين، دون أن تترك أثراً يُذكر على الساحة الموسيقية كسابقاتها التي إمتلكت رصانة وأصالة رُبما لم تمتلكها هذه المدارس. لكن الجَميل في شوستاكوفتش هو أنه لم يتأثر كلياً بهذه المَدارس، وقد بدا هذا الأمر واضِحاً في مُتتابعاته وكونشيرتو البيانو 2 وسويتاته التي حَفلت بحَركات ومَقاطع رائعة تجمع بين جمالية اللحن وخفته ورصانة الأسلوب وقوته. بالتالي ولفَهم روحية مولفات شوستاكوفتش ومَنهجه بالتأليف يحتاج المَرء الى سماع مؤلفاته لمَرّات عَديدة بإصغاء عميق وتأني، ليَستطيع التمييز بين بنائها الدرامي مِن جهة وماتختزنه مِن عاطفة مِن جهة أخرى، ثم محاولة الرَبط وإيجاد التناغم بَينها للخروج بصورة واضِحة عَن أعمال تمتاز بخصوصية واضِحة في طريقة بنائها الهارموني.

رَغم الظروف المُتقلبة وغير المُستقِرة التي عاشَها، ورَغم الصَرامة التي كانت تبدو عليه، فقد كان شوستا كما كان يُسمّيه المُقرّبون مَرحاً وصاحِب مُزحة، وإحدى طرائِفه كانت السَبب في إبداعه لواحِدة مِن أشهَر مؤلفاته وأكثرها شَعبية وهي (Tea for two) التي أعاد توزيعها عَن أغنية لفِنسنت يومانس بَعد ان تحدّاه صديقه نيكولاي بإعادة توزيعها أوركسترالياً خلال ساعة، فما كان مِنه سوى أن جَلس وأمسَك بورقة وقلم وقام بتوزيعها خلال 45 دقيقة رَغم أنه لم يَستمع أليها سوى مَرة واحدة كانت كافية لأن يُحولها الى تحفة، وقد عُزفت لأول مَرة عام1928 بأسم (تاهيتي ترول) كجُزء مِن سويته الشَهير (العصر الذهبي) الذي ضَمّ بالإضافة اليها رقصة (البولكا) الشَهيرة. قبل وفاته بفترة وحينما بدأ يَتجه الى العُزلة كتب شوستاكوفتش رسالة الى أحَد أصدقائه قال فيها "لا أستطيع العَيش دون أن أؤلف موسيقى"، لذلك تبقى الطريقة المُثلى للتعَرّف على شوستاكوفتش كما يقول كاتب سيرته سولمون فولكوف هي بالإستماع لموسيقاه وليسَ بقراءة سيرة حياته.

وفي الروابط أدناه مَجموعة مِن نواعِم شوستاكوفتش التي تم الإشارة الى بَعضها في المَقال:

 

Waltz from the film "Golden Mountains"

http://youtu.be/g0R3xd3MZXI

 

Jazz Suite - Waltz No. 2

http://youtu.be/7UIHl0oJEpg

 

Shostakovich Plays Shostakovich - Piano Concerto No. 2

http://youtu.be/BCTEx3w2_jU

 

The Gadfly - Romance

http://youtu.be/Q0Xfyn0-YhU

 

Symphony No.5 - 1st movement

http://youtu.be/ABylqDUQ7Go

 

Tea for Two(Tahiti Trot) - Golden Age

http://youtu.be/y-Z8rN7oTgA

 

Lullaby for Piano

http://youtu.be/2lLBqerxWDY

 

مصطفى القرة داغي

 

تحرير العقل!!

الديمقراطية تقتضي تحرير العقل من قبضة العصور، وإخراجه من صندوق الأوهام والأضاليل الذي لا يرى في داخله المعتم إلا الأشياء مقلوبة عندما تتخلل من ثقب فيه.

الديمقراطية تدعونا لتحطيم صناديق رؤانا وتصوراتنا وتتطلب خروجا حرا من هذا القمقم الذي تعفنت فيه الأجيال واستنقعت آليات نظرتها وإقترابها من الحياة.

إن ما يحصل في واقعنا الربيعي الأليم، أن البشر قد أحدث ثقبا صغيرا في صندوق إقامته الجبرية، فتواردت إليه صور الحياة بالمقلوب، فاضطرب وارتعب وتفاعل بأساليب مدمرة للذات والموضوع.

أي أنه إزداد ضلالا وبهتانا على ما عنده من الرؤى المعتقة والتصورات المتخمّرة في حفر عميقة دهماء.

وهذا التفاعل جعل الذات البشرية ومحيطها، في حالة هذيانية وتخريفية حققت المزيد من التداعيات المريرة.

فالديمقراطية لا يمكن حشرها في صندوق، والحياة لا يمكن رؤيتها بالتحديق في صندوق مظلم مثقوب.

إنها تتطلب تحطيم الجدران والتفاعل مع الضوء وإستنشاق هواء الحرية المطلقة.

فلا يحق لنا أن نردد كلمة ديمقراطية ونحن أسرى صناديق عزلتنا ومخاوفنا، وما ترسخ في رؤوسنا ونفوسنا وأرواحنا من إنحرافات وتخريفات، وتصورات ومعتقدات وتفسيرات وتأويلات وتبريرات.

وهذا ما يوضح إقتراباتنا المخجلة من الحياة لأننا لا نمت بصلة إليها، وإنما نتوهم ذلك وحسب، وفقا لتصوراتنا المغلقة، فنتصرف ونقرر حتى لنبدو أمام الآخرين، وكأننا غرباء أو من أصحاب كهوف العتمة والنسيان، وقد جئنا إليهم نشتري بنقودنا طعاما نسد به رمق جوعنا الحضاري وبؤسنا الإنساني.

فيكتشفون أن نقودنا لا تصلح لهذا الزمان، وأننا في حيرة من الأمر، فلا نصدق أننا قد كنا في كهوفنا نائمين.

وفي صناديقنا معتقلين.

وقد يسأل الواحد منا عن معنى الصندوق، ومن الواضح أن العرب جميعا قد وُضِعوا في صناديق مظلمة على مدى القرن العشرين.

هذه الصناديق سميت أوطانا ودولا ولها حكام.

وداخلها هناك صناديق أصغر حجما إنحشر فيها الملايين من الأجيال وتسمموا بأنواع الأفكار والرؤى والمعتقدات، وعندما داهمتهم نيران الديمقراطية، إحترقت الصناديق، وكأنهم إحترقوا فيها!!

 

د-صادق السامرائي

سطوةُ القوّة الناعمة .. نساءٌ تقودُ الرجال

jawadkadom gloomاستميحكم عذرا لأني سأكتب عن واقعٍ غير واقعنا الذي لم يعد يطاق بسبب أجوائه المشحونة عنفا وقتلا ودمارا ونزاعات لاتنتهي على الاقل في الوقت الحاضر، فلا توجد في الافق ومضات أمل ولا بارقة ضوء وسط هذا الظلام الدامس، اذ تداهمني احيانا حالات تدعوني الى الهروب من عالمنا الغريب الاطوار هذا، المليء بالمنغّصات والحروب والدماء واختلال الموازين والعقول، فقد اعتدتُ عشق الاسفار مذ كنت يافعا ولا أطأ ارضا الاّ لاجتياز اخرى حتى أعجزتني الشيخوخة، لكنني بقيت أهوى الترحال ولكن ما باليد حيلة، وكيف لي ان اطلق ساقيّ للريح بعد ان بلغت من الكبَر عتيّا وخارت قواي الاّ من حركات بسيطة تسعفني للتنقل من مكان قريب الى آخر اقرب وماعليّ سوى ان استعين بصديقي المقرّب خيالي الجانح ليأخذني الى بقاعٍ لم نألفها لأتعرّف على عالم لم نعتد عليه من قبل، أخذني جناح مخيلتي وأنا اكتب هذا المقال الى الشرق الآسيوي وحطّ رحاله في بلاد الصين العريقة، ارض العم "ماوتسي تونغ" هذا العالم الذي أحدّثكم عنه يتوطن في بقعة معينة في بلاد الحكيم كونفوشيوس، عالم ليس متخلّفا، قرويا كما يُخيّل اليكم، وانما هو هدف ومنتجع سياحيّ يزوره الكثير من الباحثين عن الغرائب وفيه من وسائل الحضارة والاتصالات مايشفي الغليل مثل بقية اقاليم الصين، لكنه منزوٍ ونجهد كثيرا اذا أردنا  الوصول اليه، انه عالم نساء " الموسو " الساحر الغريب الاطوار المختلف عن كل مجتمعات الكرة الارضية، عالم مملكة النساء ذوات السلطان والنفوذ، أميرات الحبّ المجانيّ والذي شنّ حربا شعواء على الرجل وأبعده عن التحكّم بمصائر الناس وجرّده من صلاحيات السطوة والقيادة ونزع منه هيبة الأبوّة فصار السيّد المبجّل عندنا مجرد هامش لايغني ولايسمن من جوع، وما الرجل في نظر النساء سوى مُحدِثٍ للمتاعب ومثير للعداوة والبغضاء، صانعٍ للحروب، خشن الطباع ولايحسن صنع السلام والوئام

لااكتمكم اني استسغت هذا العالم الذي تحكمه المرأة في كل جانب من جوانب الحياة فقد صنعتْه بأيديها الناعمة، فهي الزعيمة السائدة والقائدة والمسؤولة على كل الممتلكات في بيتها وحقلها ومراكب صيدِها وكل مرافق ارضها وهي القول الفصل في مسائل النسَب والوراثة وانتقال الملكية وهي اليد العاملة ومالكة وسائل الانتاج وسيدة البيت والمصنع والمزرعة وراعية الاطفال، و.... باختصار شديد هي ربّ الاسرة وربة الاسرة معاً

ربما تستغربون عن اوضاع معشر "الموسو" التي تدير نساؤها كل شيء وتحكم كل شيء ولا دور للرجل في كل مايجري سوى الطاعة العمياء لحكم النساء والانصياع لأوامرهنّ انصياع العبيد لأسيادهم، فالمالك هو المرأة، والوريثة هي المرأة، فالمال والإرث تنقله الام الى بناتها الوريثات الشرعيات، اما الذكور من أبنائها فلا نصيب لهم لا في الممتلكات المنقولة ولا غير المنقولة، فلا عملات نقدية  في جيب الرجال كي يصرفه على ملذّاته وأهوائه وعشيقاتهِ حتى ان كلمة " أب " مشطوبة في لغتهم ولاتعني شيئا ذا قيمة وأهمية على الاطلاق، فحينما تنجب المرأة يحمل الوليد اسم امّه وينتسب اليها فقط، وليس للأبّ حقّ في حضانة اولاده مهما كانت الظروف فهو مجرد حامل للذكورة وماء الاخصاب لإنجاب الذريّة  ووسيلة لقاح لاغير لامتلاكه الفحولة ولولا ذكورته لرُميَ بعيدا كأيّة خردة عتيقة ليست ذات منفعة، اما الزواج عند هؤلاء فلا قيمة له على الاطلاق ولايعتبر رباطا مقدّسا

والجميل في هذا المجتمع انه يتّسم بعدم وجود جرائم السرقة نهائيا . ولماذا يسرق الرجل وهو مكتوف الايدي وليس بحاجة الى المال لعيالهِ وقد انتفت المسؤوليات الملقاة على عاتقهِ ؟ ! اضافة الى انعدام حوادث الاغتصاب والتحرّش الجنسي التي اخذت تعمّ عوالمنا المعاشة ولامعنى لكلمة حروب او سجون لعدم وجود المعارضة ولا الموالاة والتظاهرات المنادية بحقوق النساء، فهذه الجرائم والجنح والعقوبات مشطوبة تماما في سجلاّتهم فلا مطامع شريرة في دواخل نفس هؤلاء رجالا ونساءً  ولا منظمات تنادي بحقوق المرأة ومساواتهنّ مع الرجل وزيادة كوتا النساء او حقوق الاطفال، ولا نزاعات حول  ملكية عقارٍ ما او قطعة أرض تعود لهذه المرأة او ذاك الرجل ولا قانون للأحوال الشخصية وترتيب حالات الطلاق والنكاح والزواج سواء كان زواجا ثابتا او متعةً او مسيارا أو مسفارا مما اختلقه رجال ديننا وشرّعوه حلالا على هواهم ام نعتوه حراما ولاخصومات المحاكم بشأن حضانة الاطفال ومصاريف النفقة وما الى ذلك مما تعجّ به مجتمعاتنا ومحاكمنا من دعاوى لاتنتهي يعتاش عليها جيوش القضاة والمحامين ورجال العدل وملفات النيابة العامة والتحقيقات الجنائية التي تصدع الرؤوس وتميت القلوب

فالرجال هناك سعداء جدا عندما سلّموا زمام أمرهم لنسائهم لا لتفوقهنّ الجسدي بل لتقدير عالٍ لخصائص المرأة الانسانية وقواها الروحيّة الاصيلة والعميقة وقدراتها العاطفية الجياشة التي تفوق كثيرا قدرات الرجل العنيد المكابر الصلف الطباع فالقوة ليست في البناء العضلي للرجل كما يتفهمها اهل البداوة وزعماء القبائل حاملو السلاح، وانما بالقوّة الناعمة التي تتحلّى بها المرأة وبإيقاع جسدها الذي ينسجم ويتوافق مع ايقاع الطبيعة الجميلة، فمن عجائب الجسد الانثوي وشفافية روح المرأة انها كانت في الميثولوجيا الوسيطَ بين عالم الانسان وعالم الالهة منذ عهود الانسان القديم وعلاقته بالمعتقدات التي كان يرتبط بها روحيا

والمفرح ان رجال قبيلة "الموسو" لاتوجد لديهم اية نوايا للتمرّد او تغيير قوانين حكم هذا المجتمع وزعامة النساء لمجتمعهم، فهم سعداء بهذا الامر حيث لامسؤوليات أسريّة ولا كدح يومي لتوفير لقمة الخبز يثقل كاهل الرجل، وماعليه سوى الانصياع والاستجابة اذا اشارت عليه المرأة بسبّابتها للدخول في غرفة نومها عند اقتضاء الحاجة، وبعدها يُركَل بأقدامها خارج البيت عند الانتهاء من وظيفته الجنسية  فالبقاء في البيت ممنوع بعد اراقة ماء الحياة المُخصِب، وقد يستسيغ بعض رجالنا من غير معشر " الموسو " ان ينضمّ الى هذا المجتمع المتفرد بطباعهٍ، لكني احذّر فحولنا من ان يفكّروا باللجوء الى هناك والانضمام الى صفوف هذه المجموعة البشريّة فالنساء لايقبلْن ايّ دخيل يحلّ بين ظهرانيهنّ او لاجئ يأوي اليهنّ فلديهنّ من الرجال مايكفي لمهمة الانجاب فلديهنّ في قائمة الاحتياط ما يزيد عن بضعة آلاف رجل يجلسون على منصة الانتظار ويترقبون وصول دورهم لعلهم يحظون بإشارة من أصبع سيّدة ولهى ليطأ سرير امرأة ما اذا مانادته للمشاركة في سريرها (يبلغ عدد هذه الطائفة قرابة الخمسين الف فرد) اذ تنتهي مهمة الرجل حالما ينجز ممارسته الجنس ولامكان لسطوته وصوته العالي الناشز وأوامره التي لامعنى لها

وهؤلاء "الموسو" الذين يعيشون على ضفاف بحيرة / لوغو قريبا من حدود مقاطعتي يونان وزيتشوان في الصين لاصلة لهم بقوانين ونظم الدولة الصينيّة الصارمة وتعاليم زعيمهم الثوري الراحل ماوتسي تونغ وأتباعه التي تحكم المليار ونصف المليار نسمة ولاتربطهم مع الدولة الصينية سوى الانتماء والمواطنة، اما عقيدتهم الماركسية المطعّمة بالماويّة فقد ضُربت عرض الحائط لدى مجتمع الموسو هذا

ويجدر بنا القول ان دولة الصين مع صرامتها المعروفة تجاه مواطنيها الداعين للتغيير لكنها متفهّمة للقوانين الخاصة بهم وأعربت مرارا عن عدم رغبتها في تغيير نظم ومفاهيم هذه الفئة  طالما ان هؤلاء لانيّة لهم للتمرّد او التغيير لا الآن ولا في المستقبل ويبدو ان التنين الصيني يأنس لهؤلاء الموسو طالما هم منشغلون برفع مستوى المرأة وإعلاء شأنها وتسليم القيادة لها، انها حضارة الحبّ المجاني في مملكة تبدو غير مألوفة في هذه المعمورة والتي تسمّى مملكة النساء الآمرات الناهيات ذوات السطوة والسلطان

 

جواد  غلوم

 

كل الجهات يسار !!

لن أكون تقريريا وثوقيا حين أحيل البوصلة اليسارية إلى مرض بالشك، مرض ارتيابي من كل مصادر القوة والمتن، وطعن ضد كل تهريج لا يبصر إلا بعين واحدة، أما الأكثر يسارية من بين كل الخواص فهي الضمانة والحيلولة دون وضعية النعاج، ولكن أيضا ضد كل انتصار نهائي.

قدر اليسار هو أن يفشل، ربما ليجدد ذاته، ليضخ في جغرافيا المكان دماء جديدة ليسار جديد، الفشل صديق اليسار لحمايته من لعنة الانتصارات المفضية دائما إلى "يمين". يخفق اليسار بانتصاره الكامل، اليسار هو الشق الشعري من التاريخ، حلمه المقوض والمرجأ دائما، يمنح مرارة الاخفاق جمالية الموت لبطل ينتصر بخسارته وموته، تتحول الثورة إلى ملحمة شعرية، والمناضل إلى بطل ثم إلى أسطورة، والتاريخ إلى تاريخ هذا الفشل نفسه: فشل سبارتاكوس قائد العبيد الذي انتفض ضد روما، فشل ثورة الزنج، فشل القرامطة، فشل الثورة الفرنسية "بتحولها إلى عهد ارهاب وثورة تأكل أبنائها"، فشل كومونة باريس" لرامبو، الشاعر الفرنسي، قصائد عديدة يرثي بها أبطال الكومونة ويسخر من أعدائها"، وأخيرا وليس آخرا: فشل ثورة أكتوبر في انتصار مدوي للموقع النقيض الذي يراه البعض تتويجا أو انتصار أو "نهاية للتاريخ".

ومثلما يواجه اليسار سلسلة من الفشل والاخفاقات في التاريخ، فإنه يواجه خيباته في الحاضر.. مناهض اليسار وخصمه الدائم كان على حق باتهامه لغريمه التاريخي بالسذاجة والطوباوية الحالمة، اليساريون ساذجون مكانهم الحلم ومصيرهم الخيبة.. لقد صدّق البعض من اتجاهات اليسار مزاعم أوباما، المعجب بادوارد سعيد، حول التغيير والحد بأكبر قدر ممكن من امتيازات الأقلية المستأثرة لصالح دولة الرعاية والرفاه الاجتماعي وكل ذلك ضمن سياسة تميل لصالح اليسار، لكن أحلامهم باءت بالفشل والخيبة.. أما هولاند الاشتراكي والذي بدأ عهده بدعاية تدغدغ مشاعر اليسار بخفضه من نفقات الرئيس وكل مسؤول حكومي من الدرجة الأولى، فإنه يكاد أن يكون نسخة باهتة عن اليمين في سياسته الداخلية والخارجية على حد سواء،

أما صوت الانتصار الوحيد في جوقة الفشل فقد كان لنيلسون مانديلا، فهو وحده "نصف المنتصر" إلى جانب القليل من بؤر التمرد هنا وهناك. هذا الرجل نموذج ملتبس ليساري خجول، لم يفصح عن انتماءه الشيوعي إلا بعد موته، ففي حين نجده مترددا في سيرته الذاتية "رحلتي الطويلة من أجل الحرية"، يعلن الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا وبصيغة احتفالية عن انتماء البطل الأيقوني الذي باركه العالم الحر أو تفضل عليه بصكوك غفرانه. اعلان الحزب لم يكن عن عضوية "الرفيق" نيلسون مانديلا، مثل أي رفيق آخر وحسب، بل كان الرجل عضوا في اللجنة المركزية..

وكأن النضال ضد التمييز العنصري ليس له أن ينجح إلا من مواقع مترددة، إن لم تكن غير يسارية بالمرة. انتصر نيلسون مانديلا إذن، نصف انتصار ونصف هزيمة، لم يكن انتصارا ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا، بقدر ما كان صفحة جديدة في سيرة الفشل، حيث انتصرت الأيقونة بتحولها إلى رمز عالمي، وأخفق الخطاب في تحوله إلى ممارسة أو برامج سياسية تستهدف الانسان والتحرير والعدالة الاجتماعية.

لم يفشل اليسار؟ وهل يعني ذلك تصديق هراء "فوكوياما" وترهاته حول نهاية التاريخ والانتصار الكلي والمحقق للقيم والحضارة الغربية "البرجوازية"؟ من الواضح ظهور الفشل في كل مرة يخون فيها اليسار ذاته، أي ذلك الموقع المتحول والذي يتحدد جوهريا بصفته موقفا احتجاجيا نقديا حتى ضد ذاته، كما يظهر الاخفاق والتهافت في كل مرة تتسع فيها الهوة الفاصلة بين الممارسة "البراكسيس" والنظرية التي دون أن تتحول إلى مثال "محايث" كما يمكن أن يقول أمثال "آلان باديو" و"دولوز"، تتقلص إلى صنم "مبادئ أو مفاهيم ناجزة وشمولية" أو تتسع إلى ميتافيزيقيا فضفاضة ليس لها في الواقع وعلى الأرض موطئ قدم.

لكن تحديدا مع "آلان باديو" الفيلسوف اليساري الفرنسي، يمكننا القول وفي صيغة "المفارقة": يفشل اليسار لأنه مثالي!، يتغذى اليسار من احباطه بالذات، الفشل تأكيد للمثال وليس نفيا له، حين تفشل الممارسة تتسع النظرية، تتحرك وتغادر مقوعها المألوف، يصبح "المثال" في مكان آخر، "المثال" قرين "الحدث"، ولأن الحدث مباغت، فسيبدو المثال متحولا، وكأنه في حالة تخارج دائمة..

 هنا "أفلاطونية" جديدة تنبثق، يسميها باديو أفلاطونية المتعدد.. يشعر آلان باديو بحاجة ماسة إلى استعادة مثال أفلاطون لتعريف اليسار الذي يفشل دائما، اليسار هنا عراب تاريخي لتغيير مستحيل دون مثال.. دون حلم.. دون ادخال الشعر وما ندعوه بالمثاليات في الفكر، أي في الكيفية التي نعاين بها واقع الكآبة والخيبة والفشل، لا يمكننا أن نهز الواقع دون يوتوبيا، دون مثال أفلاطوني يجعل من "الواقع" حاضنة لكل الامكانات، يسمح بتمديد الواقع والمعطى التاريخي ليتسع للمثال والأحلام "لكي نستبق عقليا أو أيديولوجيا، مسألة خلق ممكنات جديدة، يجب أن يكون لدينا مثال.. المثال –يقول باديو- هو دائما اثبات مفاده أن حقيقة جديدة شيء ممكن دائما".

كل الجهات يسار لأن هناك من يقيم تحويلا للمادة بحيث تحتضن المثال، كما يزيح اليسار عن أن يكون أيديولوجيا "محددة" أو نعتا، ليصبح موقعا أو خطا لا يمقت الأيديولوجيا بالضرورة بقدر ما يزيحها ويتحول بها في سيرورة يسارية دائمة.. هل هي طوباوية؟ لتكن.. هل هو تفاؤل مفرط؟ ربما.. لكن الأكيد أنها رؤية تكره كل وقاحة استئثارية على مر التاريخ، وكل هيمنة لها ألف وجه وألف ذراع مثل أخطبوط.. كما لا تكره "رائحة" الفقراء !

 

نزار قباني من شاعر الياسمين .. الى شاعر يكتب بالسكين

abduljabar noriولد نزار قباني في دمشق 21 .3. 1923 – وتوفي 30 نيسان 1998 في لندن عن عمر ناهز 75 عاماً دُفنَ في دمشق حسب وصيته (أدفن في دمشق، الرحم الذي علّمني الشعر، الذي علمني الأبداع، الذي علمني أبجدية الياسمين)، ولهُ 35 ديواناً أولى دواوينه 1944 بعنوان " قالت لي السمراء" (نزار قباني/ قنديل أخضرعلى باب دمشق / خالد حسين)، عُرِفَ في شعرهِ على مدى خمسين عاماً شاعر الغزل المشبوب بولعٍ شديد أحياناً في وصف المرأة، وفاق بشعره عمر ابن أبي ربيعه في عصره الحديث حتى سميّ بشاعر الحب والمرأة، وأنه نقل موضوع الحب من الوصف الخارجي الى موضوع خاص في الشعر العربي الحديث لا يشبههُ أحد، (عز الدين مناصره / شاعر فلسطيني)، وظل يحمل صفة الشاعر المخملي، حيث أثار هواجس النقاد وحرك في المنتدى الأدبي العربي أرهاصات ومماحكات وجدلٍ، وكتب بعضهم أنه ليس من شعراء الألتزام وأنهُ شاعر البرجوازية المملوءة بالغرائز الشهوانية، وأنتقدتْ أبنتهُ (هدباء) التي عاشت معهُ العشرة سنوات الأخيرة بشدة تشويه صورة نزار حين جعلوا منه زير نساء، وتجاهلوا علاقاته السياسية والأجتماعية وقصائده الوطنيّة والسياسية، وقالتْ: أنّ نزار نقل الحب والحنين من الأقبية السريّة إلى الهواء الطلق، وكانت سنة النكسة 1967 هي الفاصل لنقل نزار قباني الى شاعر مقاومة وشاعر سياسة وقد غيّرتْ بعد هزيمة 67 لديه الكثير من المفاهيم والقيم السياسية بل وأحدثت شرخاً عميقاً في داخله لذلك كان الردُ قاسياً وعنيفاً ونقدًاً لاذعاً4) وفيها أثبت للنقاد بأنه أبن بيئته وحامل هموم وطنه ومشاركاً أياهم الخبز المعفّرْ بذل الهزيمة، وبمشاركته الوطنية لهموم شعبه تقبّلَ الجلد الذاتي بكل رحابة صدر، وهي مصداقية الشاعر الملتزم حين يكون شعره جزء من تربته وبيئته، وأصبح شاعر تمرد وعصيّان شعري وبلغة هجوميّةٍ متخطياً حواجز الدبلوماسية أحياناً بالرغم من أنه دبلوماسي المهنة، وأبدع في قصائده حد التأثر والتأثير، فبعد النكسة أتسعت آفاق القصيدة السياسية لدي نزار وتفتحت على ألأحداث الكبرى في الوطن، فتارة يرمز للوطن وتارة تأخذ القصيدة بعداً قومياً وهو نوع من الكبت الباطني الذي يعانيه أغلب شعراء العرب الحداثويين كالسياب والبياتي وصالح عبد الصبور ومحمود درويش (الوطنيّة والشعر السياسي لدى نزار قباني/ رسالة ماجستير للطالبة الأيراتية / آزاده كربواني)

• هوامش على دفتر النكسة: وهي تحكي الأدب القومي، فكانت القصيدة الفلسطينية حاضرة بقوّة بمآسيها المتتالية ونكساتها المتعاقبة، أثارت عاصفة شديدة في العالم العربي، وأحدثت جدلاً كبيراً بين المثقفين العرب، ولعنف القصيدة صدر قرار منع أذاعة أشعاره يقول فيها: يا وطني الحزين حولتني بلحظة .. من شاعر يكتب الحب والحنين لشاعرٍيكتب بالسكين.. إذا خسرنا الحرب لا غرابه .. لأننا ندخلها .. بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابه .. بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه .. لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابه (نزارقباني/ شاعر لكل الأجيال/محمد يوسف نجم ).

•المهرولون: فقد سجل موقفهُ صراحةً ضد التطبيع بكافة أشكالهِ، وأيّد الكفاح المسلح وكتب في هذا الشأن (المهرولون) التي كان لها صدى مدوي عقب نشرها بعد توقيع معاهدة أوسلو سنة 1995، يُغْضِبْ نزار العرب بهذه القصيدة حين ترقى الى تشبيههم بالجبناء ويقول فيها: سقطت آخر جدران الحياء .. وفرحنا ورقصنا وتباركنا بتوقيع سلام الجبناء .. لم يعد يرعبنا شيء .. ولا يخجلنا شيء .. فقد يبست فينا عروق الكبرياء، تتميّز القصيدة بعمق الأسف في نفس الشاعر حين يضع يدهُ على النقطة الأصلية عند العرب وهي الكبرياء، وفي المهرولون يعلن أنتماءهُ الى (النحنُ) العربية التي شوهتها توقيع الجبناء مع أسرائيل .( نزار قباني/ التجربة الشعرية والسيرة الذاتية/ عبد العزيز شرف الهندي ).

• خبز وحشيش وقمر:وهي قصيدة سياسيةٌ جوبهتْ الكثير من النقد ليأسهِ من المعجزات الدينية الموهومة ويرمز للقمر كسل العرب بأدمانهم على المخدر الذي أخرجهم من العالم الحسي الى عالم الخيال (نزارقباني/ محمد رضوان/ص26) ويقول فيها: عندما يولد في الشرق قمر.. فالسطوح البيض تغفو تحت أكداس الزهر.. ويموتون إذا عاش القمر.

• متى يعلنون وفاة العرب؟: وفي عامه الأخير قبل رحيله 1998 يقول فيها: متى يعلنون وفاة العرب .. أنا منذ خمسين عاماً .. أحاول رسم بلادٍ تسمى مجازاً بلاد العرب .. ساءلتُ نفسي: إذا أعلنوا يوم وفاة العرب.. ففي أي مقبرةٍ يدفنون ؟ .. ومن سوف يبكي عليهم؟.. وليس لديهم بنون .. وليس هناك حزنٌ وليس هناك من يحزنون.

• عندما يسقط مُتْعَبْ أبن تعبان في أمتحان حقوق الأنسان/وهي قصيدةٌ ألقاها الشاعر الكبير نزار قباني في مهرجان المربد الخامس في بغداد عام 1985، وقد أحدثت ضجة كبيرة داخل الأوساط الأدبية لجرأتها في حينها وأحراجاً كبيراً للسلطة المستبدة الحاكمة، وتمّ التعتيم والتشويش عليها ومُنعتْ من الصدور على الصحف العراقية وقنوات الأعلام، ولم يدعى نزار إلى أي مهرجان بعد ذلك، وألغيّ بعد عام 1990 في أجهزة الأعلام، وهذه مقاطع من القصيدة: مسافرون نحن في سفينة الأحزان .. قائدنا مرتزق .. وشيخنا قرصان .. مطاردون كالعصافيرعلى خرائط الزمن .. مسافرون دون أوراق .. وموتى دونما كفن.. مواطنون نحن في مدائن البكاء.. قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء.. يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية .. يا كرة النار التي تسير نحو الهاوية.. أذا قضى طاغيه.. سلمنا إلى طاغيه.. يا وطني .. كل العصافيرلها منازل.. إلا العصافير التي تحترف الحرية فهي تموت خارج الأوطان.

• منشورات فدائيه على جدران أسرائيل:وهي من القصائد الوطنية حين يقول فيها: لن تجعلوا من شعبنا .. شعب هنود حمر.. فنحن باقون هنا.

• هجم النفط مثل ذئب علينا:كتبها في 4.10.1984 يقول فيها: فأرتمينا قتلى على نعليه .. أمريكا تجرب السوط فينا .. وتشّد الكبير من أذنيه .. أمريكا ربٌ وألف جبانٍ بيننا راكعٌ على ركبتيه !!!.

• الحب والبترول: ويقول فيها: بِعْتَ القدس.. بِعْتَ الله .. بِعْتَ رماد أمواتك .. تنام كأنما المأساة ليست مأساتك.. متى تفهم ؟ متى يستيقظ الأنسان في ذاتك . وهي لغة تقريع للأمة العربية وقادة أصحاب القرا ر.

• قصيدة/ حرب تشرين: في 1974، أول قصيدة يتفاخر بالنصروحبه لدمشق / تسمى غرناطه أطلت علينا .. بعد يأسٍ وزغردتْ ميسلون .. يا دمشق ألبسي دموعي سواراً .. وتمني كل شيءٍ يهون .. وضعي طرحة العروس لأجلي.. مهر المناضلات ثمين.. نحن عكا ونحن كرمل حيفا .. وجبال الجليل واللطرون .. كل ليمونة ستنجب طفلاً .. ومحال أنْ ينتهي الليمون .

• قصيدة / بلقيس: (زوجته العراقية، قُتلّتْ سنة 1981 في تفجير السفارة العراقية في بيروت، فيها حمّلَ العربَ مسؤوليّة قتلها يقول فيها: سأقول في التحقيق .. إنّي قدْ عرفتُ القاتلين .. بلقيس يا فرسي الجميلة .. أنني من كل تأريخي خجول.///

وأخيراً وليس آخراً أحييّ هذا الشاعر الخلاق المبدع في نزارياته العشقيّة، والسياسية وخاصةً في قصائده الوطنيّة الشجاعة والمليئة بالتحدي والكبرياء لقوى الظلام، وظهورها في سماءٍ أختفى فيها القمر، وكُسرتْ فيها الأقلام وكُمّتْ فيها ألأفواه، وأختلطتْ فيها ألأوراق حين أصبحت القصيدة الوطنية عملة صعبة ونادره، وأنّهُ ملأ الدنيا وشغل الناس في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو الشاعر الذي نسف بكل جرأة وشجاعة جملة من البنى التقليدية حيث كان شاعرنا حراً ومتمرداً فيما يقولهُ بشأنْ أهمْ ما يشغل البال العربي والتفكير والجوارح والمشاعر والأحاسيس من جانب وكل المحرمات والمنكرات والحلال والحرام من جانب آخر، وأبدع وأجمل من قال فيه / أدونيس: نزار مفردة بصيغة الجمع} .. فالمجد لك يا شاعر الورد والغضب.

 

عبد الجبار نوري/ السويد

 

العمل .. ومرض الإحتراق النفسي

tara ibrahimأسابيع عديدة ومنذ زمن طويل لم اصادف أو أرى استاذة كانت تأتي إلى القسم لإلقاء المحاضرات على الطلاب، يبدو أنها كانت في اجازة مرضية منذ وقت بعيد، أردت الأستفسار عن صحتها من زملائي فأعلموني همسا أو كما يقال بسرية إنها مصابة بالكآبة أو ما يسمى بمرض الأحتراق النفسي المشهورعالميا بـ burn out مرض يصاب به الناس من جراء الضغوطات النفسية في أرجاء المعمورة وهى من إفرازات العمل المتواصل ومشكلاته .

قلت مع نفسي إنها ضحية أخرى من ضحايا العمل المضني والمجهد، ففي الآونة الأخيرة تردد إلى سمعي اسم زميل آخرأصيب بالداء نفسه وهو الآن يعيش فترة النقاهة، أسم المرض لم أكن أعرفه الا قبل عدة سنوات حيث كنت أجهله تماما، على الرغم من أن التأريخ يدل على أن هذا المرض المتعلق بالعمل تعود جذوره الى الشرق الأوسط ولكن المجتمعات الرأسمالية تصاب به في عصرنا هذا بشكل ملفت ومتزايد.

الأستاذة المعنية كان عليها ضغط شديد أثناء ممارسة مهنتها، ويبدو أيضا أن زملاءها في العمل كانوا يكيدون لها بشتى الوسائل ويحاولون منعها أن تصبح متمييزة عليهم وبالتالي أن تحظى بمرتب جيد، واسباب اخرى قد يكون الحسد إحداها، لان المنافسة هنا شديدة جدا في عالم المهنة، ويجب العمل كثيرا للحصول على ترقية لتحظى برضى مسؤولك أو صاحب العمل، الأمر سيان في القطاع الخاص والقطاع العام.

وعلى الرغم من أن فرنسا هي من الدول النادرة التي تعطي العناية لموظفيها في جميع المجالات أهمية كبيرة، وخصوصا من خلال اقرارها لطب العمل الذي يعتبر اختصاصا اخر في هذه المهنة الهدف منه معرفة الحالة الصحية للعاملين ومتابعتهم منذ دخولهم مكان العمل لتأثيرها على العملية الإنتاجية، وتفادياً للحوادث المهنية التي ينتج معظمها عن تردي الوضع الصحي للعمال. ففي بداية أي تعيين يتم فحص الموظف من قبل طبيب الدائرة أوالمؤسسة ولدى ترقيته أيضا لمعرفة ان كان الموظف يتمتع بقدرات صحية ونفسية تؤهله للعمل.

أمراض العمل هي قديمة جدا ومن أوائل من وصفه وعالجه هم المصريون منذ العام 2500 قبل الميلاد حيث تم العثورفي مصرعلى أوراق البردي من العهد الفرعوني التي تصف الالام الحادة في ظهر العاملين جراء بناء الأهرامات وقتها، ومن ثم في العام 450 قبل الميلاد لاحظ ابقراط أبو الطب، أن هنالك أمراض مثل الربو تصيب الخياطين والصيادين والعاملين في المعادن أكثر من غيرهم،   ويبدو ان الطب وقتها لم يكن يعطي أهمية للعامل النفسي، فمرض الأحتراق النفسي هو مرض يبدأ بهزيمة النفس قبل الجسد. مرض الاحتراق النفسي هو مرض معاصر جدا يؤثر على 10٪ من العاملين وهو شكل من أشكال الارهاق الجسدي و النفسي الناجم عن التوتر والقلق وهوالان يعتبرمن الامراض العقلية في مهنة الطب، يتميز بالتعب واضطراب في النوم والهضم وفقدان الوزن والميل الى الانتحار.

وفعلا هذا ما يحدث إذ غالبا ما نسمع أن موظفا انتحر في شركة ما وكتب رسالة تنص على أن الشركة أو المؤسسة هي السبب في انتحاره، أمر ليس بالغريب بل ومعتاد عليه في مجتمعات النظم الرأسمالية. وعلى الرغم من أن هذه المؤسسات تحاول ان تجعل مكان العمل مريحا واعطاء منتسبيها بعض الامتيازات . ففي الآونة الأخيرة تم اقتراح أن يقوم العاملون بأخذ قيلولة في الشركة بعد منتصف النهارحرصا على صحتهم وانتاجهم.

مرض الإحتراق النفسي يتحدثون عنه كثيرا في هذه الأيام، كونه ليس معترف به كمرض يصيب العمال أوالموظفين، لذا تحاول النقابات المفاوضة مع الحكومة اقرار قانون خاص يعترف بهذا المرض بقولهم " العامل مهما كان طبيعة عمله، هو انسان من دم ولحم وروح وليس روبوتا..وهذا يعني أن رب العمل يجب أن يقبل أن هذا الإنسان له حدوده في الطاقة والقدرة وامكانيات جسدية ونفسية محددة .."

هل يمكن للفن أن يكون ديمقراطيا؟

taha allilيمثل الإبداع في الفنون التشكيلية، إشكالية تطرح نفسها من خلال المباحث الجمالية، التي تتسائل حول منشأ العمل الفني ودور العقل في هذا الإبداع، بكونه وعي يقوم بعملية تقبل وإرسال وتواصل لجهد إرادي منه تتحول فيها الإدراكات الحسية والذهنية الى صور ومعاني جمالية تنتج في أشكال إبداعية مختلفة.

ومن ذلك تتجلى القدرة الإبداعية للفنان القائم في تكوينه على جدلية المادة والفكر، تنشأ من عملية التلقي والابداع والاحساس بالتجربة الجمالية التي تقوم على ملكة التذوق وعلاقته بالفعل الانشائي داخل الفضاء التشكيلي .

ومن خلال هذا التقسيم المادي والفكري تندرج العملية الابداعية في الفنون التشكيلية، طارحة العديد من التساؤلات الجوهرية لمحاولة تفسير هذه الظاهرة، وعلاقتها بواقع الفنان وبمفهوم المعايشة، ودوره في تحليل هذا الواقع ومحاولة تغييره حسب رؤيته للواقع اليومي ورهاناته وفكره وفعله الانشائي.

هل يمكن للفن أن يكون ديمقراطيا، وما هو دور المؤسسة في الاحاطة بهذه المسألة التي تتجلى بسيطة في ظاهرها ولكنها تكتسي معالم الغموض والتركيب والتعقيد في باطنها.

ان العلاقة الناشئة بين الفن والواقع اليومي تمثل المؤسس والمشرع لدمقرطة الفن، المتحول من النخبة ومن صالات العرض الى اليومي والى الشارع بكل زخمه وأصواته وأفكاره المعلنة واللا معلنة، والذي لطالما كبت صوته، ليعبر عنه الفنان حسب رؤيته المادية والحسية الذهنية للأشياء، ولئن كانت المؤسسة تمثل الرقيب على الفن، فانه وجب عليها الآن وفي عصرنا الراهن الاحاطة بهذا الفن لأنه المحرارالحقيقي والمقياس الحضاري لتطور الشعوب التي تنشأ الذوق وتهذبه وتحوله الى مسارات استردادية توليدية لفكر ناضج ولأجيال منفتحة على صوت الأنا والآخر، فكر يؤمن بالخصوصية والتفرد ويتمتع بالنظرة الكلية والشاملة والدقيقة للعالم والأشياء، ومفهوم الديمقراطية هنا لا نعني به كل الشعارات الكبيرة المتأتية بعد الثورة، كالعدالة والكرامة وغيرها من الشعارات، وانما تتلخص مفهمة الدمقرطة في الفن في بعدها الوجودي الأساسي المتمثل في الحرية، حرية مكتسبة وليست عطية، حرية تقوم على ارادة الفعل الفني، وابداع الارادة، التي تنشأ من قول شبنهاور:"لا ابداع دون ارادة"، ولكن الفن التشكيلي لن يكون ديمقراطيا الا اذا كان ملتزما بقضاياه المعاصرة وما تطرحه من اشكاليات متعددة حول سبل ومناهل التعبير عن اليومي والمعيش، وما يختلج الفنان من أحاسيسه ومن أفكار لواقعه وخصوصيته التي تنبع من الذاتية المعبرة عن الكلية، وعن ذاكرة اليومي بكل أبعاده الجميلة منها والسيئة، والتي تمنعه من التشئء والجمود في الماضي التالد، وانما هو حديث وفعل حاضر وآني عن المعاصرة، لكن فاعلية الفن هنا والمنطلقة من لحظة الفعل الانشائي في الممارسة التشكيلية، تتطلب خروج الفنان من بوتقة التنظيم والتقنين والتوجيه، فلا يمكن للفن أن ينشأ على منطق إلزامي، وانما يتطلب الأمر قيامه على مبادئ الحرية ومكنوناتها وما تحمله من افرازات ابداعية للفنان حتى يكون الوكيل والمتكلم باسم الشعور الوجداني والفكري لواقعية اليومي الحر، والتي تمكن الفنان من ولوج مجال حيوي خصب وفق الحيز الابداعي لا الاتباعي، وتحيله بذلك تلك الحرية المكتسبة الى زخم من الأفكار والرؤى، والتي تمكنه من معالجة قضاياه الاجتماعية بغية الوصول الى درجات الابداع الذي يتطلب حرية الارادة ورؤية استشرافية استباقية للفكر العقلي من خلال المادة واشكالاتها في الفعل التشكيلي الفني، التي تنشأ من الفكر والوجدان ثم تستحيل لبنة الواقع القائمة على المواجهة والعمق وسبل وآليات التحرر وفك الأصفاد عن الفن الحديث والمعاصر، وهنا تنشأ لحظة الابداع من خلال تحرر الفن من البعد الوظيفي والتوظيفي الذي عاناه لسنين طويلة في تونس في فترة الحكم السابق، فبتحرر الفن من البعد المؤسساتي الذي يخدم مصالح ايديولوجية معينة، يستحيل الفن التشكيلي في خدمة ذاته وفي تكوين رؤى معاصرة تجرد الأشياء لتنقيها من الشوائب، بغية وصولها الى الجوهر السامي الذي نشأت منه والمتمثل في التعبير الابداعي الحر عن الذات وعن الآخر وعن الفكر الذي ساهم في انشاء العمل الفني، وهذا لا يعني بالضرورة تقويض ما مرت به تونس من جماليات في الفنون التشكيلية، وانما هو سعي دؤوب الى ضرورة التحرر من المواضيع البسيطة والمزوقة والمنمقة، ليكون الفن لا سلعة استهلاكية بسيطة، نقف عندها لتكون تكملة لبهرج معين، وانما تتعدى ذلك البعد "التنشيطي "الى غايات جمالية عميقة، دائمة التشكل والتغير ذات نبض متطورومستديم.تطرح عملية تساؤل على المتلقي البصري، وتحاوره وتداعب الحس الجمالي والتساؤلي فيه، لا بجمالها فحسب، وانما بقبحها الجميل.

ان هذا الزخم من الأفكار النابعة من الممارسة الفنية، تمثل نتاجا حرا لمعايشة الفنان لواقعه الراهن، حيث اتسمت الأعمال بتعدد التوجهات التي تحاول معالجة المادة وتوظيفها بصريا في خضم علاقات تشكيلية ناجمة عن ترددات ملمسية بصرية متحركة، منبثقة من رؤية فنية معاصرة طارحة قضايا متعددة، تطلب كلها الحرية في التعبير، وتحاول معالجة المادة ومواجهتها بناءا وتكوينا ة وتأليفا، تأليف بين الواقع المادي المعيش والمجرد من الأشياء، والتي تعتمد على الذاكرة البصرية وتحولها الى رؤى متعددة، تحمل اشكاليات ذهنية وفكرية، تحدد فاعلية الفن في انشاء عملية التذوق الحسي، وتدفع بالفن المعاصر في تونس من النختوية الى الجماهيرية، بما تحمله من تمثلات ومؤثرات ورؤى، بين المتلقي البصري والعمل الفني، الذي يتوق الى الحرية، بعيدا عن تنضيد وتهميش المؤسسة القديمة له، ابداع دون "صنصرة"، ابداع يطمح الى النهوض بالفن والخروج به من التوجهات والنخططات والتنشيط السلبي، الى التعبير فقط، وحرية التعبير ليس إلا.

ان هذا البحث في الوسائط والوسائل النابعة من اشكاليات معاصرة للفنون التشكيلية مثلت انعكاسا جماليا امتاز بالتنوع في الأعمال الفنية من حيث المضامين الجمالية والأساليب التقنية المعتمدة، التي تعدت في جانبها البسيط العمل الفني المقنن بضوابط الحدود، الى حلول التحررمن المعيارية المضبوطة للعمل الفني، وانما الى عمليات تشكيلية وتعبيرية متنوعة ومختلفة حسب كل فنان لكي يعبر عن فكره وخصوصيته وذاتيته الفكرية التي تعبر أيضا عن الفكر الجماعي لهذه الثلة من الفنانين، الذين ارتئو من الخط والشكل بداية التشكل اللا نهائي للاحدود في تعبيرية العملية الفنية عن مقوماتها الابداعية وتجلياتها التركيبية والانشائية النابعة من الفعل الذاتي المتجدد والمعبر عن واقعية معاصرة فكرية وروحية ووجدانية، تتعدى المادة الحسية الملمسية الى رؤية فياسية متحركة في بعدها المشهدي والحكائي ليوميات كل فنان، وواقعه التي لا تعني في جوهرها أن نقدم صورة دقيقة عن ذلك الواقع وعن الأحداث والناس، وانما تعني المشاركة الفعلية في ابداع عالم مخصوص عبر عملية دائبة التشكل.

 

الأستاذ طه الليل/ تونس

 

الكمأة السامرائية!!

"الكمأة من المَنِّ وماؤها شفاء العين"

الكمأة واحدها كمء. الكمء: نبات يُنّقِّض الأرض فيخرج كما يخرج الفُطْر، والجمع أكمُؤٌ وكَمْأَةٌ.

ويقال كمأة وكمأتان وكمآت.

وخرج الناس يتكمّؤون أي يجنون الكمأة.

والكمّاء: بيّاع الكمأة.

وكمِئ عن الأخبار كَمَأ: جهلها وغبي عنها.

وأكمأت الأرض: كثرت كمْأُتها.

وأرض مكموؤة:كثيرة الكمأة.

المتكمّئون: الذين يطلبون الكمأة.

"الكمأ إسم لعائلة من الفطريات تسمى الترفزية، وهو فطر موسمي ينمو في البرية بعد سقوط الأمطار وبعمق 5- 15 سم تحت الأرض، ويتراوح وزن الكمأة من 30 -300 غرام، ويعتبر ألذ وأثمن أنواع الفطريات.

ومن أنواعه الأبيض (الزبيدي) ويتميز بالحجم الكبير، والأحمر (الخلاسي) ويكون أصغر حجما وألذ طعما، والأسود (الجبي) وهو صغير الحجم جدا، وهناك نوع آخر يسمى الهوبر (لونه أسود وداخله أبيض) وهو من الأنواع الرديئة.

وأنواع الكمأ قد تصل إلى ثلاثين نوعا".

"ويكثر الكمأ في البوادي ويتكون من مستعمرات عددها عشرة إلى عشرين، وشكلها كروي مثل البطاطا وسطحها أملس أو درني.

ويستدل على وجود الكمأة من (فقع) الأرض أي تشققها وإرتفاعها قليلا.

والكمأة تحوي على البروتين والنشويات والدهون والفسفور والصوديوم والكالسيوم والبوتاسيوم وفيتامينات بي و أيْ".

وتسمى الكمأة بإسم (بنت الرعد) لأنها تكثر في أوقات الصواعق والرعود.

وفي سامراء يقولون (ﭽماية والجمع ﭽمه)، وفي هذا الوقت من السنة خصوصا عندما يهطل المطر وتتبارق الرعود، تكون أرض سامراء قد أكمَأت، خصوصا في منطقة (الجزيرة)، حيث تتفقع الأرض مشيرة إلى الكمأة.

وتتكاثر في الأرض الرخوة والرملية والتي نسميها (تراب المشن)، ومن الأنواع التي أذكرها (إجْبَه) وهي الكمأة الصغيرة اللذيذة الطعم، (إمْشيْخه) أي كبيرة الحجم وقد تفطرت، ويكون طعمها أقل طيبة من سابقتها.

ويقولون الأرض (فاﮔعه) أي قد أفقعت وإرتفعت كالفقاعة وكأنها حبلى بالكمأة.

وعن جني الكمأ يكون بواسطة (المِنباز)، وهو قضيب حديدي مطروق النهاية فتكون وكأنها عريضة مدببة، وكنا نأخذ قضيب الحديد إلى الحداد الذي يقوم بطرق نهايته ليكون آلتنا في (نبز) الكمأ أو الچمه.

تذكرت الكمأ في هذه الأيام التي أعرف أنه سيكون وفيرا في سامراء، لنزول المطر، وكيف كنا نذهب بمجاميع على الدراجات الهوائية وقد تسلحنا بالمنباز، نتكمّأ أي نبحث عن الكمأ في مناطق سامراء التي أصبحت الآن مأهولة، كمنطقة (الإجبيرية)، وكانت الأرض منبسطة، ومكتظة بفقاعات الكمأ، فنمضي بجنيه ونعود به فرحين وقد ملأنا جيوبنا و(عبوبنا)!!

والكمأة السامرائية لذيذة الطعم، ولا أظن أن أبحاثا أجريت عليها أو دراسات، وهذا ما يتوجب على جامعة سامراء عمله وتوثيقه.

والكمأة أكلة (ما أطيبها)، إذ يتم تنظيفها من التراب والرمل و(حكها) بحجارة خاصة سوداء اللون، حتى تبدو خالية مما علق بها، وإلا فإنها (تهص) أي عندما تمضغها تستشعر بوجود الرمل في فمك.

وبعد أن تنظف وتغسل جيدا، يتم تقطيعها وسلقها بالماء، ومن ثم قليها أو (تحميصها بالطاوة)، وأحيانا مع البصل، وتؤكل مع الرز (التمن)، فما أطيب الچمه المنثور فوق (التمن) ( وربك ما ينشبع منه).

والبعض يشوي الكمأة خصوصا في البادية من قبل (البدو) أو يجففونها ويخزنونها، والبعض يطبخها.

وأظن بادية سامراء هذه الأيام ثرية بالكمأة، والناس يغنمون من خيراتها الكثير، ومن الممكن الإستثمار في الكمأة لأنها من أغلى أنواع الفطريات في العالم، ويمكن تسويقها في مناطق متعددة من البلاد وحتى تصديرها، خصوصا في مواسمها المعطاء.

 

د-صادق السامرائي

 

جرائم ثقافية

sardar mohamadفي مقدمة نصي هذا أؤكد أن هذه التقدمة لا تخص أحداً بعينه بل الكثير من الذين واللواتي هم مشاريع شعراء وشواعر وقد تكون قاسية ولكن قساوتها قسوة أب أو أخ كبير وليست قساوة ظالم عات .

وأؤكد أيضا ً ثقتي وزعمي بوجود خامات طيبة يمكن أن تجد لها موطىء قدم ومكانا ًمائزا ًبين الشعراء والشواعر أخذوا مواقعهم بجدارة  .

ليست كل النصوص التي تكتب تسمى شعرا ً فالشعر لا يحط وينزل دون دراسة ودراية بصنعة الشعر وأساليبه ومعرفة ما قاله السابقون القدماء والمعاصرون ولا أقصد موازين الشعر وعروضه التي لابد منها بل كيفية تكوين وتشكيل الصور المدهشة .

لا أعتقد أن مجرد المديح والمحاباة تخدم أي شاعر ولا أظن أن التعليقات بأعداد كثيرة تعني شيئا ً فلنلاحظ مايكتب من ترهات القول: يكتب أحدهم ( أحسنتي ) وآخر ( أنتي روعة ) هكذا بالياء فهم لا يميزون الياء من الكسرة وهناك من يتمادى بالوصف ( أنت خليفة نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة و عاتكة الخزرجي ) وهكذا دون وعي فهم يقترفون جرائم ثقافية ومثلها لا يخدم قضية ولا ترعى نبتة وأقول للأول يا فتى لو تراجع كتاب المطالعة للصف الرابع الإبتدائي وأقول للآخر بربك ماذا تحفظ من شعرالشواعر اللواتي ذكرت وأسألك هل قرأت كتاب اشعار النساء للمرزباني أوالإماء الشواعر لأبي الفرج الأصفهاني ولا أسألك عن أسرار البلاغة للجرجاني ولا سر الفصاحة للخفاجي فارحموا البذرات لتنمو بسلام .

واحد قيل له لوتطبع ديوانا ً، سيكسّر الدنيا، فصدق، فأصيب المسكين بمرض الإسهال الشعري لينجز الديوان خلال أيام .

من السهل النفخ في أست بعوضة لتغدو فيلا ً كلاما ًولكن الحقيقة أنها سرعان ماستنفجر.

لا أظن أن مثل هذا يشجي، وأذكر مثلا ً أنا منذ خمسين عاما ً مولع بالشعر وفنونه ولكني لغاية هذه اللحظة أخشى أن أسمي نفسي بشاعر بل أقول عن الذي أكتبه نصوص وأخاف من تسميتها قصائد .

كثرة التعليقات لاتعني شيئا ً لا سيما إذا كانت بهذه الضحالة فواحدة قالت لي: وصلني (خمسين ومئة تعليق) على نص واحد، ضحكت وقلت: معلمي الشاعر الفذ يحيى السماوي لم يصله مثل هذا العدد وهو المعروف بغزارة علمه وفنه .

واتفقت ُمعها فكتبت نصا ً سخيفا ً، وأخذت منها نصا ً جيدا ً، فتآمرنا نشرت نصي السخيف باسمها ونشرت نصها باسمي فوردتني ستة تعليقات ووردها مايفوق المئة، وكلها من الترهات مثل: روووووووووووووعة، يا للجمال، مساكين وقعوا بالفخ بيسر، فخجلت من نفسها .

ياناس الشعر صعب وطويل سلمه وليس الإستعداد أو الموهبة بكاف فليسأل أحدهم نفسه: كم تحفظ من الشعر؟ لا بل لنسأل كم قرأت من شعر العرب؟

وليسأل نفسه ماالإختلاف بين التشبية والتمثيل ومتى تكون الإستعارة؟

إرحموا شبابنا النبتات الصغيرات والتي ستكون أشجارا ًلو أحسن الفلاح رعايتها، وفرّوا لها الماء الرقراق لترتوي وابعدوا عنها الماء الأجاج بارك الله مسعاكم .

والآن لنلج عالم الكبارأو الذين يسمون أنفسهم كبارا ً وهم صغار كانت اقتباس فكرة أو صورة مما يدان عليه آخذها ويقال أنه سبقه فلان بقولها، فكرة أو صورة وليست نصاً بحذافيره أو يقال أنه مسروق ففي كتاب الموازنة للآمدي:

لما كنت قد خرجت مساوى أبي تمام وابتدأت بسرقاته وجب أن أبتدئ من مساوى البحتري بسرقاته؛ فإنه أخذ من معاني من تقدم من الشعراء وممن تأخر أخذاً كثيراً.

وحكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن ابن أبي طاهر أعلمه أنه أخرج للبحتري ستمائة بيتٍ مسروق، ومنها ما أخذه من أبي تمام خاصة مائة بيت .

هكذا كان فقهاء اللغة وعلماؤها يصرحون بلا خوف أو وجل.

وقيل:

أن المتنبي قال:

أأحبه وأحبّ فيه مَلامةً ... إن الملامَةَ فيه من أعدائهِ

أخذه من أبي الشيص:

أجدُ الملامة في هواكِ لذيذة ... حبّاً لذكركِ فليلُمْني اللُّومُ

وغيرها كثير .

اليوم ينظم أحدهم قصيدة ويقدمها هدية لغانية تسمي نفسها شاعرة !

وواحدة أخرى تفوز بالهاتف وتدعى إلى زيارة بلد غير البلد الذي تقطنه وتقضي مدة تنال خلالها الترحيب والنفاق اللازم مع الدعوة .

مسابقة تقام فتفوز نصوص بغير استحقاق وتهمل نصوص مرموقة .

تفضلوا انشروا النص المهمل والنصوص الفائزة بهتاناً معا ً لتكون تحت مرأى النقاد ولنسمع رأيهم الصريح (دون تلفونات)، حتى في محاكم الجرائم الإجتماعية هناك حق للإستئناف، فأين أنتم منها يادعاة الثقافة .

إتصلت بي أحدى الكاتبات والشاعرات المرموقات متألمة لكونها لم تدع إلى مهرجان كان من حقها أن تكون على رأس قائمة المدعوين، فقلت: هو ذنبك أختي، قالت: لماذا، قلت: قليلا ً من الغنج والدلال فتكونين أول المدعوات، قالت: وهل تقبل ذلك لأختك، قلت: طبعا ً لا أرضى لك ذلك، قالت: فما هو رأيك ؟ قلت:  (من طاح حظ هيج ثقافة ومثقفين ) .

 

نقيب العشاق على امتداد الآفاق بين بيخال ونياغارا

 

الحايك .. من الموروث المادي الجزائري

الحايك .. من التراث المادي في الجزائر،هو ثوب غير مخيط في زمن مضى كانت تلتفّ به المرأة الجزائرية عندما تتأهّب للخروج من المنزل، وهو رمز من رموز التحجّب الطافحة حياءً والمعبرة عن الاعتزاز بما هو محلي، هذا الثوب صار من بين الأثواب التراثية التي تُذكر ولا تستعمل، والملاحظ ـ حالياً ـ أنّ كثير من الناس من كلا الجنسين ـ رجالا ونساء ـ مشتاقون لرجعة أيّام الحايك، رغم جماليتة إلاّ أنه من الصعب الرجوع لاستخدامه في هذه الأزمنة التي نعيشها، والكل يعرف لماذا، فالمرأة الجزائرية اليوم ليست هي المرأة الجزائرية الأمس، المرأة الجزائرية اليوم صارت لها مهام ووظائف إضافية فوق وظيفتها ومسؤوليتها الأسرية، فهي اليوم طالبة في المدارس والكليات وطبيبة ومحامية وقاضية وممرضة وإدارية وأستاذة وووو .. كل هذه الأماكن التي ترتادها بشكل يومي لا يمكنها أن تذهب لها ملتفّة بالحايك وهو الثوب الغير مخيط، فالحياة التي نعيشها اليوم تختلف تماما عما عاشت فيه جداتنا حيث كانت البساطة عنوانا للحياة، بالإضافة إلى انخراط المرأة في عالم الشغل،لا بد أن نتذكر أن العالم اليوم صار منفتحا فالأثواب التي تنتج في أقاصي البلدان تصل للجزائر وغيرها من الدول وتباع وتتجّر ناهيك عن السلع المحلية المقلدة وغير المقلدة، وطبعا لكل مقام مقال فالثوب الذي يلبس في البيت ليس هو الثوب الذي يلبس في أماكن العمل أو الرسميات وأثواب السهرة والأفراح تختلف عنهما وهكذا.

358-fatima ورغم المدنية التي نعيشها تبقى كثير من النساء المحتشمات اللواتي يعين تماما أن الخروج للعمل والانخراط في الحياة الاجتماعية لا يعني أنها ستتخلى عن أنوثتها أو دورها الذي خلقت لأجله ومهامها التي منحتها لها الطبيعة، لأن هذا الصنف من النساء هنّ على وعي تام بأنه لا صراع بين الجنسين في هذه الحياة حتى يصرخن و ينادين بالمساواة هن الواعيات بأن الحياة تقوم على مبدأ التكامل بين الجنسين فلكل منهما دوره، أما من ينادين بالمساواة بين الجنسين باسم الحضارة والتقدّم فما هنّ بنساء هن ّ أشباه نساء هنّ محتسبات على الأنوثة فقط لا أكثر، وهنا أذكر اللذين يلومون النساء بالتخلي عن هذا الثوب التراثي (الحايك) أن هذه الأمور تابعة لمتغيرات الحياة التي نعيشها وأن التأثير والتأثّر ظاهرة صحية إذا ما تمّ عقلنتها وإذا ما عرف المُتأثّر ماذا يأخذ وماذا يترك، و أشير إلى أن الرجل الجزائري هو الآخر قد تخلى عن أثوابه التقليدية مثل (القشابية والبرنوس والقندورة والعمامة)، ومع أنه تخلى عن هكذا مظهر تراثي / تقليدي واستبلده بالبدلة الإفرنجية وربطة العنق والجينز إتباعا للتقليعات العصرية التي تفرضها الحياة المدنية اليوم ـ أيضا ـ لكن ما بال مجتمعاتنا تحمل المرأة أكثر من طاقاتها وتلومها عن التخلي عن التراث المادي المتمثل في اللبس وتغض الطرف عمّا حدث من تغير في لباس الرجل؟؟!! أهي المرأة وحدها سبب تقهقر واندثار الموروث المحلي وغيابه؟!، من هكذا أمور وغيرها تتجذّر ثقافة التفرقة بين الجنسين لتكسر أهم شيء يجمعها ألا وهو الإنسانية في أجمل صورها ..الأمر ليس حنين إلى (الحايك) كثوب نسوي إنه أبعد من ذلك بكثير .. إنّه الحنين إلى تلك الأزمنة التي كانت المرأة لا تستعمل فيها أدوات التجميل الباريسية .. في ذاك الزمن الذي كانت تستغني بخفرها وحيائها عن كل هذه المستحضرات، مع ذلك يبقى في زمننا هذا صنف من النساء محتشمات اللاتي يخرجن للعمل في أرقى المناصب في الدولة والمشاريع الخاصة، ويقابل صنف آخر يتخبطن خبط عشواء ويرتدينا ما اتفق وكيفما اتفق وعندما تراهن في الأماكن الرسمية تتساءل هل أنا في فرح أم حفل أم ماذا ؟ طريقة اللبس وطريقة وضع مساحيق التجميل بطريقة عبثية تنبؤ بالجهل التام لثقافة ارتداء الملابس حسب مناسباتها وأمكنتها وفوق كل ذلك غياب تام للحياء الذي هو زينة المرأة من دون شك، هذا الصنف الثاني هو الذي جعل الأصوات تعلو شوقا وتوقاً إلى الحايك وما يحمله من جماليات تخفي / تكشف الأنوثة الملتفّة بالحياء قبل الرداء المتمثل في الحايك .

 

*ـ أستاذة بجامعة 20 أوت 1955 سكيكدة (الجزائر)

      

أسئلة لما بعد الموت

hamoda ismaeli(آمين .. بل آمون، مصر مهد ديانتكم)

دان بروان

 

هي:

لقد توفي شخص عزيز علي مؤخرا، قبل ذلك بمدة كان شكي يزداد حول أمور الدين لكنني صدمت بهذا الحادث، أشعر في فقدان هذا الشخص وكأن الله يعاقبني على شكي ! لقد ازدادت مخاوفي الآن من الجحيم والقبر والعذاب وصارت هواجس تطاردني.

 

هو:

الحالة التي تمرين بها حالة شائعة وتحدث كثيرا، لأن الشخص يدخل على إثرها في صدام مع أسئلة وجودية وخوف من المجهول، وهي أمور لايكون مهيئاً لها نفسياً بشكل جيد. المشكل يوجد في الاعتقادات والأفكار التي يتلقنها الإنسان لمواجهة العالم، ففكرة العالم الآخر لم تكن موجودة إلا بعد ظهور الفراعنة : كان الفراعنة يبحثون عن أجوبة للعدالة لأنهم أنشؤوا نظاما اجتماعيا متطورا وبذلك أوجدوا حلا لإشكالية من يموتون دون أن يُعاقبوا، عن طريق محاكمة في عالم الأرواح. والغريب هو أن عذاب القبر الإسلامي لا زال يعتمد على التفاسير الفرعونية : نهر النار، الثعابين وماسواه . وطبعا تطورت الأفكار فصار العالم الآخر الغريب يأخد اهتمام الناس أكثر من الواقع الحقيقي.

والأكثر من هذا، فلو أنك ولدتي بالهند لأسرة هندوسية وتوفي هذا الشخص أو أحد معارفك، فإنكم ستقومون (أنت وبقية معارفك) بحرق جثة هذا الشخص (المتوفى)، وستعودين للبيت وأنت تعتقدين أن روحه ستحيا في تمساح أو قط حسب قانون كارما.

نحن نعيش في أُسر وأحياء ومدن، وبما أننا نستطيع أن نحصي أو نراقب الناس من حولنا فإننا نعتقد أن كائن ما يراقب 9 مليار شخص بالعالم، لينتقم من كل واحد : هذا إذا أضفنا كل من عاشوا على وجه الكوكب. ومن المضحك أن هناك من يتابع أحداث الناس المملة، فلا وجود لمن يهتم بهم أو يسهر على أمانيهم لا من قريب ولا من بعيد.

العالم تحكمه جزيئات فيزيائية، والمواد فيه تتكوّن عن طريق تشكّل الجزيئات، وتتبدّد عن طريق تحلل (أو إعادة تشكّل) الجزيئات : وكل شيء يحدث فيه (العالم) يبقى فيه فليس له (المادة) مكان ليذهب إليه، فالجثث تتحوّل لنشويات أو اكسجين.

فأن يملأ الإنسان رأسه بالقبر والعقاب والآلهة إنما هو إشغال الذهن بهَمّ على حساب أيام تمر كان يمكن أن تكون سعيدة أو ممتعة.

 

هي:

ما يؤرقني هو اعتقادي بأن هذا الشخص يتعذب الآن، وهذا أكثر ما يخيفيني، لا أعرف ! غير أنني أجد نفسي مدفوعة لأن أترحم على روحه بالدعاء والصدقات حتى أخفف عنه، بت أخاف حتى من دموعي التي أذرفها حزنا على فراقه لَأن تزيد من عذابه !

 

هو:

حسب الشعوب القديمة فإنهم لاحظوا أن الإنسان عندما يموت فإنه يصبح جامدا : جسده موجود لكنه لا يشعر أو يتألم أو يتحرك. وخلال تطور الأفكار اعتقدوا أن شيئا يسكن الإنسان هو الذي يحركه وهو أيضا الذي يحرك الطبيعة. بل حتى إنهم ربطوا ذلك الشيء الذي يسكن الإنسان بأنه هو الذي يخرج (منه) ويحرك الطبيعة (الزلازل والعواصف والفياضانات الخ) كعودة للانتقام ! . من هنا بدأت فكرة إرضاء هذا الشيء (الأرواح) الذي يأتي من مكان مجهول ويشبه الرياح التي تحرك الأشجار : وهنا سيظهر أن شيء مثل الريح يحرك الإنسان (ويتحرك داخل الإنسان)، بعد ذلك سيتم تنصيب حاكم لهذه الأرواح هناك (يعذبها ويجازيها) طالما أنه تم تنصيب حاكم هنا في الواقع (حسب نشوء المجتمعات المتطورة) يجازي الناس ويعاقبهم.

الجسد مثل الآلة التي تشتغل بالدارة الكهربائية : إذا لم يُشحن (بالغذاء) أو تم تعطيله (بالتسبب بأضرار جسمية) فإنه سيتوقف عن العمل مثلما تتوقف الأجهزة الإلكترونية. الروح هي الكهرباء التي تسري فيه لم يجد لها القدماء تفسيرا فظنوها شبحا أو رياحا أو حتى مياه (الدم).

 

هي:

هل تعني بهذا أن المسألة عبارة عن أفكار خرافية تم توارثها وأُلبست ثوب القداسة بإقحامها في الدين ؟

 

هو:

أكيد وإلا لماذا الصمت على أرواح الحيوانات؟ بل ماذا عن الحشرات؟! والكائنات المجهرية؟ . رجال الدين يفسرون الروح بأن ملاكا ينفخ في بطن الأم عند الشهر الثاني ربما للجنين، لكن ماذا عن الحيوان المنوي والبويضة أليست كائنات حية تتحرك؟!

 

هي:

لطالما تسألت حول هذه الأمور، غير أن الكثيرين أخبروني بأن الحيوانات تذهب للجنة مباشرة ودون حساب لأنها غير عاقلة !

 

هو:

إنها أيضا فكرة تعود لأصول فرعونية، حيث كان الفراعنة يدفنون معهم حيواناتهم لكي تذهب معهم للعالم الآخر؛ زيادة على أنه: أي دور سيكون لها والناس في الجنة لا تجوع ولا تشعر بالبرد؟ فالحيوانات التي نربيها إما لنأكلها أو لتساعدنا في الحراسة أو نصنع منها ملابس أما البقية فنبعدها عنا لأنها مؤذية أو غير مفيدة.

 

هي:

هذا مفهوم .. لكن ماذا عن أولئك الذين يؤكدون انهم خاضوا تجربة الموت و عادوا ؟ هناك العديد من التقارير الصحفية والبرامج الوثائقية التي تطرقت للحديث عن هذا لأمر !

 

هو:

لا يختلف الأمر عن من يلتقون بالفضائيين أو من يرَون الجن والعفاريت وكما يتساءل الفيزيائي ستيفن هوكينغ "لماذا لا تظهر هذه الأمور سوى للمعتوهين وغريبي الأطوار" ؟! . يسعى الناس لجذب الاهتمام بأنهم مروا بتجارب لم يمر بها غيرهم. والصحف تغرم بمثل هذه القصص (ليس لأنها تصدقها) بل لأنها تجلب القراء : ومن خلالها يمكن مضاعفة بيع النسخ.

 

هي:

بالفعل ! الصحف تجارة هي الاخرى و تعمل على جلب المستهلكين.

كمال جنبلاط

1shaweqi moslmani (هامش)  

بحثتُ عن الإسرائيلي فوجدته يقف خلف ذلك الخطاب!.

**

 

2 (ثريّا عاصي)

"لا تستأهل هذه الجماعة الثقة، ولا تمتلك الصدقيّة، إذ كيف لهذه الجماعة أن تحافظ على وحدة البلاد واستقلالها وأن تضع ركائز مؤسّسات دستوريّة لدولة عصريّة وهي التي تعتمد في قتالها من أجل السلطة على المرتزقة، فضلاً عن أنّها طلبت أكثر من مرة من القوى الغربية التدخّل مباشرة لقلب نظام الحكم. كم كانت خيبتها كبيرة عندما عدّلت الولايات المتحدة الأميركيّة عن خطّتها العسكريّة، بالإضافة إلى هذا المعطى نحن لا نعلم أن حراكاً جماهيريّاً تحالفت قيادته مع المستعمرين جلب الأمن والازدهار، بل على العكس كانت الحصيلة دائماً نماذج جرّت الوبال على الناس".

**

 

3 (كمال جنبلاط)

ينهض الربيع فينا كلّما ذكرناه، ويزدهر الحلم الورديّ على عتبات التغيير. هو الفكرة النبيلة، والفكرة النبيلة تنتصر، وهو القدوة بالصبر والأناة، وهو حبّة القمح التي غاصت في التربة كي تملأ البيادر غلالاً.

كمال جنبلاط مدرسة. هو العِلم الذي تفتّح في مشاتل العزّة. ساءه أن يرى "المحسوبيّة" مثل غدّة سرطانيّة تنمو في جسم الدولة. ساءه أن تستعرّ الرشاوى. ساءه أن تُمتهن الكرامة.

أعلن برنامجه المرحلي للإصلاح باعتباره الجسر الممكن إلى وطن لا إلى مزارع تفقّس الخوف والغبن.

افتقدنا كمال جنبلاط حين امتدّت إليه يد الغدر ولكنّنا أيضاً نقرأ الوصيّة: "لبنان وطن للجميع".

السلام على المعلّم الذي أحبّ فاغتالوه.

(نُشرت سنة 1983"!!")

**

 

4 (لك الأرض ولن يرثها المفسدون)

"للطوائفيين مكان ينامون فيه فأين ننام نحن"؟

كنتَ المدى والنهرَ والسواقي ودفءَ التلاقي، كنتَ الحبَّ الذي يمّمتْ شطرَه وجوهُ الأحبّة، والأملَ المرتجى لحياةٍ لا مسود فيها ولا سيّد. وهكذا كنتَ وهكذا أنتَ وهكذا القلبُ أرحب من سماء. لا معنى لاختلاف البشر إلاّ أنّهم كلّهم بشر، ولا يعرف معنى الحدود سوى إنّها غير ملزمِة في عالم هو أوسع من طموح فرد أو جماعة. وهكذا كنتَ وهكذا أنتَ. اصبرْ إذا مسّ العالمَ الجنون، إذا ضاقتِ الأحداقُ في زمن الطوائف. اصبرْ إذا رموك بحجر لأنّك الشجر المثمِر. اصبرْ لوحشة الطريق وقلّة الزاد والصديق. كنتَ الأمل أقوى من ليلهم وما يأثمون. كنتَ الشعلة وكانوا العناكب والأفاعي. لا يروعنّك أنّهم كثيرون وأنّك قلّة. لك الأرض ولن يرثها المفسدون.

(نُشرت سنة 1985).

**

 

5 (حصار)    

قال لي إنّهم كانوا يسبحون في البحر عندما فاجأهم صيّاد سمك ورمى شبكته عليهم، وفيما علق واحد وأصيب الآخرون بالذعر كانت سفينة صيد سمك تعبر. ورأى كبير الصيّادين انهماك الصيّاد فأيقن إنّه عند صيد وفير. وصرخ برفاقه: "القوا الشباك، وحاصروا كلّ المنطقة"!.

**

 

6 (أنسي الحاج)

التاريخ كتاب السفّاحين والضحايا، وَضَع فيه نفر من عبّاد الطغاة قناعَ المجد على وجه الوحشيّة.

**

 

7 (لا)

المسألة متراكمة

ليست صنيع رقّة

بل صنيع آلات وخْز.

 

الكتاب بدل العبوة الناسفة

ali fahimقيل قديماً (مصر تؤلف ولبنان تطبع والعراق يقرأ) وهذه المقولة تعكس صورة أن العراقيين كانوا القراء الأوائل في الوطن العربي ورواد الثقافة والمعرفة وملتهمي ما يصدر من مؤلفات بكل ألوان الفكر ومجالات الأبداع الأدبي والعلمي والفلسفي ولكن حدث نكوص هائل وأنحسار شديد في واقع القرّاء ورواد الكتب لأسباب عديدة تراكبت وتعاضدت مع بعضها لتنتج أجيال لم يصادقوا خير جليس في الزمان وهجروا الكتاب وبالتالي عاشت المعرفة غربة فحل الجهل ضيفاً ورفعت رايته على رؤوس الاشهاد فتنفس التطرف والتعصب ونمى التخلف في ربوع العراق ليتخلل نهج التكفير بين طيات مجتمعنا ويجد له مستقراً ومستودعاً في حبيبات تربة هذا الوطن، مستورداً قبيحاً من دول الجوار التي لا تريد بالعراق الخير فسلمت الرؤوس الخاوية طواعية لتملأ بنتاج متطرف لا يرى الخير الا عفونة أفكاره ويحكم على كل من لا يخضع لمنهجه بسلب الحياة وقطع الرأس الذي يفكر لأنه لا يريد الفكر، ويقتلع القلوب لأنه لا يرغب بقلوب تنبض بحب الاخرين ويقتلع العيون لأنه لايرى الا ظلمة أفكاره، إنهم كالاعشاب الضارة التي حتى لو قطعتها الف مرة ستعود للنمو لتزاحم الافكار الصالحة وتشوش على المصلحين وقبل أن نصل الى مرحلة مأساوية بأخر الدواء الكي، ونقطع العضو المصاب من جسد العراق علينا تحصين مجتمعنا بالمعرفة وافضل طريق لها هو الكتاب فتحريره من السجن الذي وضع فيه في هذه السنوات وأعادته الى الحياة وترغيب الأجيال الناشئة بالكتاب والمطالعة وحب المعرفة مقابل الموجة العارمة من التجهيل والتسابق المحموم في أقتناء أخر صيحات أجهزة الاتصال والتواصل لأرضاء الشهوات وأشباعها بينما لا يوجد من يهتم بالكتاب حتى من قبل المدرسة التي هي (مصنع المعرفة) فألغي درس المطالعة وحكم على المكتبات بالموت السريري وتخرجت أجيال تتبعها أجيال لم تقلب في حياتها كتاب، الا المناهج الدراسية التي يبغضونها، إننا نملك وقت الفراغ المهدور الهائل والدليل كثرة المقاهي وتكاثرها وأصطفاف الشباب فيها لساعات لا يستنزفون فيها الا وقتهم في شرب (النركيلة) وتداول الاحاديث السطحية عن برشلونة وريال مدريد ولو أستثمر ربع هذا الوقت في مطالعة كتيب صغير أو صحيفة أو مقال ما لأنتشر الوعي في مجتمعنا ورأينا بوضوح ما يراد وما يدار بنا وحولنا، هي دعوة لأصحاب القدرة والمسؤولية للعودة بنا الى الكتاب كحل مقابل ثقافة التجهيل تتزامن مع معارض الكتاب الدولية الكبيرة التي تقام حالياً في النجف وبغداد ودمتم سالمين .

الشعور بالانتماء

كما لكل زهرة في الحياة بستانها الخاص الذي تنتمي إليهِ وتحسُ فيها بالأمان، كذلك لكل إنسان انتماء خاص لأرض ما مُرتبط بها روحيًا وفكريًا ولكن قد لا يشعر فيها بالأمان ... كيف!

أنت غصن من هذه الشجرة، تنتمي إلى هذه العائلة وتُلقب بها، أنك أيضًا وجدت في أرض تنتمي إليها وتتسمىّ باسمها ويُكتب اسمها في أوراقك أينما حللت وتُعرف بها، فالانتماء شعور غريزي ولدت وتربيت عليه، ومثلما تعرف بأنك تنتمي إلى هذه العائلة فكذلك يكون انتمائك لأرضك وتربتك التي جبلت منها وارتبطت بها ارتباط أبدي روحي ومُقدس. لكن في ظل ما تمطرهُ سحب السماء المُتشكلة من كل مما على تلك الأرض ذاتها، قد يُضعف هذا الشعور ويخنقه ويجعلهُ يضمحل ويتلاشىّ ويصبح غريبًا عن ديارهِ ويذهب بعيدًا في الأصقاع حيث ضياع الهوية واندثار اللغة وضعف الولاء وعدم الإرساء على أعتاب وطنًا! نعم ننتمي لإرضًا ولكن فيها قد لا نشعر بالأمان والاطمئنان، مما يحملنا على القلق والخوف والحيرة والتشتت من القادم المجهول واهتزاز الأرض من تحت أقدامنا وعدم المقدرة على ترسيخ الثبوت!

من مِنَ البشر لا يتمنى أن يكون في أرضهِ راسخ كما هو كل شيءٍ راسخ؟! ولكن هذا الرسوخ يأتي من يقلعهُ من جذورهِ ويرميه بعيدًا في تربة أخرى ليثبت فيها وينمو ويكبر، لكن بشعور اللانتماء وإن كان مُنتميًا! بمعنى قد يرتبط بتلك الأرض ولكن ولا يمكن أن تكون في يوم من الأيام لهُ، كونها احتوته فقط ولم تولدهُ والفرق كبير بين أن تكون صاحب أرض وأن تكون ضيفًا ولاجئًا، أن تكون فرعًا بدل أن تكون الأصل!

اليوم هذا الضعف بالانتماء واضح كثيرًا وأصبح يُتعب ويُرهق ولكن ليس الجميع، هنالك من لا يزال مُنتمي وهناك من يُريد أن يقتل هذا الانتماء بأي شكل من الأشكال، أنها دائرة المصالح والبقاء للأقوى التي تدور دورتها لتُحيط بالكل وإن كان رافضًا! وهذا ليس غريبًا في بلدٍ تمزقهُ الحروب والصراعات والتفرقة والعنصرية والتعصب المُقيت.

كثير من شباب اليوم المُغترب يُعاني من مشكلة ضعف الشعور بالانتماء، وهذا لا لومَّ فيهِ عليهم، كونهم وجدوا أنفسهم في واقع مختلف عن واقع أتوا منهُ قد أبصروه وقد لم يبصروهُ! نعم فئات كثيرة لملمّت ما تبقى من أشلاء وغادرت إلى حيث ما تتطلبهُ والمفقود في ديارهم! وهذا الضعف بالشعور تولد من السلبية لكل ما هو قائم والانقياد الأعمىّ، ومن اللامبالاة بالحياة وبالكيان الواحد ومن عدم تحمل المسؤولية! أصبح مصير وجود شعبًا اليوم في بلد مثل العراق متوقف تمامًا على حبات الرمل الصغيرة الناعمة والدقيقة الموجودة في أحدى بُصيلات الساعة الرملية التي كانت تستخدم في زمانًا ما، تتقطر حبةٍ حبة إلى أن تنتهي بالانتظار، يبدأ العدّ التنازلي لهذه الحبات وهي توقع نفسها في البُصيلة الثانية من أجل الانتهاء التدريجي! هكذا أصبح الواقع اليوم، الوجود في اضمحلال والأرض في انكماش والأغلبية مشغولين بأمور أخرى مع علمهم بهذا ... ولكن لا نفع للكلام ما زال أن لا أذن تسمعهُ ولا يدّ تنفذهُ؟! يرفعون الرايات وينادون بالحقوق ولكن أين هي من الواقع الفعلي؟! تبقى مجرد شكليات وقتية من أجل أعلان الفعل الميت، أنها مجرد طريق تؤدي إلى آخر في الحسابات!

الانتماء هو إحساسك وشعورك ووجدانك، هو التأثر الإيجابي بمختلف الأحداث والمتغيرات التي ترافق بلد مُنهك وليس العكس، أن تكون منتمي بمعنى أن تعرف كيف ترفع من شأن بلد وكيف توحد الكلمة وكيف تقوي التوجه وكيف تغرز وتعزز هذا الشعور في الآخر؟ خدمة الأوطان لا تكون بالكلام والتنافس بل هي بالوعي وتقوية وتعزيز الموقف وتأهيل كيان من أجل النهوض، هكذا تُبنىّ الأوطان وهكذا يكون الانتماء بالبذل من الأعماق.

ويبقى أن نقول:

ـــ أن الأرض هي الأم الحقيقية، أم الكل، هي من نعمنا بخيراتها وهي من رأتنا منابع الحنان والجمال الحقيقي، وهي أول من تحملنا الذكريات إليها.

ـــ يبقى الحبَّ والإخلاص والدفاع والاعتزاز والولاء غريزة ولدت في الإنسان للحفاظ على بيتهِ ووطنهِ حتى وإن كان بعيدًا عنها بُعد قارة عن أخرى.

ــــ يبقى هذا الشعور وهذه الغريزة تجري في عروق كل غيور مُقيد بحبَّ وطنًا وتجعلهُ ساعة الساعة كالأسد المُتربص لفريستهِ لينقض عليها.

ــــ يبقى الوطن والأرض تلك الزهرة الجميلة المستلقية على سفح جبل، ويبقى الإنسان كالنحلة التي تمتص الرحيق منها، لا استغناء لهُ عنها ولا نهوض لها ألا به.

ــــ يبقى اسم العراق لا يتغنى به من دون عراقييه.

الإِنسانِيَةُ وَمَوتُ الوَطَنيِة .. هَل يَلتَقِّانْ؟؟!!

sara falihaldaboniأن تكونَ إنساناً .. يعني أن تحملَ فانوساً وسَطَ الظُلمةِ تُنيرُ بهِ الدربَ للآخرين .. .

أن تكونَ إنساناً يعني أن تحتكمَ في تعامُلِكَ معَ الآخرين الى ضميركَ ..

أن لا تُفرقَ بينَ بني البشرِ مهما كانَ جنسهم أو دينهم أو معتقداتهم .. !!

الإنسانيةُ هيَ العَطفُ والعطاء ..

هيَ الحُبُ والموَدة والرحمةُ والمعرفةُ والنضالُ من أجلِ الحَقِ والحقيقة .. .أينما وجدت الحقيقة .. ومهما كانَ أصحابها .. !!

أن تكونَ غيرَ قادرٍ على قتلِ نملة .. رُغمَ إنَ باستطاعتكَ هدمَ الحائطِ إذا ضربته .. !!

نعم .. فالإنسانيونَ لا يستطيعونَ قتلَ أحد .. مهما بلغَ حجمه وكتلته .. .. مهما بلغت قوتهُ أو ضعفه .. وهذا دليلٌ على أن لا علاقةَ للعضلاتِ بالقتلِ والجرائمِ والإرهاب .. ولكنَ المسألةَ منوطةٌ بوجودِ عقلِ الإنسانِ من عدمه .. !!!!

وهنا تنقلبُ المُعادلة .. ليتمَ قتلُ الإنسانيون، والإبقاءُ على قِطعانِ الإرهابِ والقتل .. !

لتبدأ حكايةُ قتلِ الوَطنِ والوطنية .. بِحرقِ الوطن .. ووَئدِ الوطنيةُ معَ بدءِ يأسِ الإنسانِ ليُهاجرَ ويترُكَ وطنهُ لرُعاةِ القتلِ والإرهابِ والكُفر .. !!

أَن تغفو عيناكَ بهدوءٍ وعُمق .. لتنهضَ فجأةً لتجدَ نافذتكَ وقد أطلتْ على منظرٍ طبيعي لبحارٍ من الدم والأشلاءِ الإنسانيةِ المُبعثرة .. !!

أن تكونَ إنساناً قمةً في الهدوءِ والسعادة .. لتتمَ كهربتُكَ بتيارٍ غيرِ طبيعيٍ اسمهُ الدين .. لتقلبَ تفسيراته الخاطئة كيانكَ رأساً على عقب .. !! فترى بحورَ الدمِ وقد انفجرت لمُجردِ كلمةٍ من دُعاةِ الدينِ وشيوخ الفتنة ..

وما على رعاعهم الا تنفيذُ الأوامر .. !!

أن تتخلى عن فنكَ وإبداعكَ وإنسانيتك وعملكَ وصدقكَ وحُبكَ ورحمتكَ التي وُلدتَ معها .. فتجدَ إنكَ اصبحتَ ومن حولكَ كما الثورِ الهائج، و ما حولكَ تكسيرٌ ودمارٌ وحرقٌ وقتلٌ وموت .. !!

أن تكتشفَ أنكَ تعيشُ وسطَ غابةٍ بربرية .. ومن حولكَ ضِباع .. !

وما أمامكَ إلا ان تطيرَ معَ الطيورِ المهاجرة التي اختارتْ الفرارَ الى غيرِ أعشاشها لتلتمسُ في الغربةِ ملاذاً لها .. !! ولتترُكَ وراءكَ القتلَ والدمار دونَ أن تقولَ لا وتسهُمَ في التغيير .. !! متناسياً أن كم من لا غَيَّرت وجه التاريخ .. !!

أن تجدَ مسألةَ دفاعكَ عن أرضكَ ووطنكَ وشعبكَ منوطةٌ بحُبكَ أو عدمِ حُبكَ لحكومتكَ التي تحكمُ بلادك .. !

أن ترحَلَ وتفتحَ لذئابِ الإرهابِ فتحةَ تهويةٍ أُخرى كنتَ تغلقها دون أن تدري .. !

أما تعلمُ أن ما يحدثُ اليوم ليسَ بجديد .. ؟؟!! فقد سبقَ لبلدانٍ كًثُرٍ أن تعرضت لهذا الوباء، وإن كانَ أخفَ وطأةً، إلا إنهم لم يرضخوا ولم يصمتوا أو ييأسوا، بل تمسكوا بأوطانهم وتكاتفوا وثاروا على جميعِ تلكَ العواطفِ الظلامية القاتلة وتخلصوا منها .. !

فمتى نعودُ جميعُنا لإنسانيتنا ونثورَ على الوضعِ الراهنِ بدلَ أن نثورَ على بعضنا البعض .. متى نعودَ لإنسانيتنا فننتشلُ بلادنا من براثنِ الشرِ والضياع .. ؟؟!!

متى تنبعُ وطنيتنا من إنسانيتنا من جديد، فتُعَبِرَ عن (عراقيتنـــا) ..

لنعيشَ ضمنَ وجودنا الإنساني .. أن نموتُ في عشقِ هذا الوطن الذي أعطانا الكثيرَ دونما ندري .. !!

نعـــــم .. ..

فأن تكونَ إنساناً .. .. يعني أن تكونَ وطنياً ..

وأن تكونَ وطنياً .. يعني أن تكونَ إنساناً .. !!

لا فِراقَ بينَ المبدئينِ داخلَ روحك .. !!

أن تموتَ وتحيا بحُبِ العِراااااااق .. .. ..

عندها فقط .. .. تكونُ إنساناً .. .. .. !!

.. .. .. ..

بقلــــــم:

ســــــــارة فالــِـح الدُبـونـــي

29/3/2014

 

التقييم الدولي لبؤسنا وتعاستنا

khadom finjanنشرت الأمم المتحدة جدولها السنوي المتضمن تصنيف الأقطار السعيدة وتشخيص الأقطار التعيسة، فجاء الشعب النرويجي في مركز الصدارة، باعتباره الشعب الأكثر سعادة ورفاهية على سطح كوكب الأرض، لتنعمه بالعيش الرغيد في فردوس الأمن والأمان، والمساواة والعدالة الاجتماعية وراحة البال، وحل الشعب السويسري بالمركز الثاني، ثم الكندي، فالسويدي، فالنيوزلندي، فالدانمركي، فالاسترالي، فالفنلندي، فالهولندي، فاللكسمبورغي. بينما جاءت تسعة بلدان عربية في المراكز المتدنية دولياً، فكان ترتيب الشعب العراقي بعد الشعب التونسي، لتبوئه المركز (105)، بفارق ثلاث درجات عن سكان القرى البائسة في بنغلادش، وعلى مسافة ست درجات من الشعوب الهندية الفقيرة، وجاء الشعب الفلسطيني في المركز (113)، يليه الشعب الصومالي (114)، ثم السوداني بالمركز (124)، ومن بعده المصري بالمركز (130)، ثم الشعب اليمني بالمركز (142)، يليه الشعب السوري بالمركز (148)، في حين جاء أشقاؤنا في جزر القمر في ذيل الترتيب العربي (149)، أما الدولة الأتعس والأكثر بؤساً في العالم، فهي جمهورية (توغو) التي جاءت في المرتبة (156).

http://www.businessinsider.com/the-saddest-countries-in-the-world-2013-9

اختارت الأمم المتحدة المعايير المعيشية في تقييمها لتعاستنا، فاعتمدت على مؤشرات الصحة العقلية والجسدية، ومؤشرات الاستقرار الأمني والوظيفي والعائلي، والعوامل الأساسية الأخرى المرتبطة بسعادة الإنسان.

أظهرت نتائج التقييم أن الثروات الوطنية لا علاقة لها بسعادة الناس، فالعدل والإنصاف، وتمتع الناس بالحريات العامة، وغياب الفساد، واختفاء مظاهر العنف الطائفي والتعصب القومي والنزاع القبلي، تُعد في تشخيص التباين الترفيهي بين الشعوب والأمم أكثر أهمية من عامل الدخل القومي، وأقوى فاعلية من موارد الثروات المعدنية والزراعية والاقتصادية، وربما تركت تلك الثروات والموارد آثارها السلبية على حياة الناس، فقد تحولت ثرواتنا النفطية من نعمة إلى نقمة، وكانت السبب المباشر في تورطنا بحروب طاحنة، جلبت لنا الكوارث، وربما تسببت أيضاً في أقطار أخرى في الترهل الوظيفي، والإسراف والبطر الاجتماعي، والإدمان على لعب القمار، وتفشي أمراض البدانة واضطرابات التغذية والأمراض المرتبطة بالخمور والتبغ والمخدرات وشيوع الرذيلة.    

ما الذي يميز الشعب النرويجي عنا شعوبنا العربية ؟. ما يميزه عنا هو نصيب المواطن الترويجي من الناتج الإجمالي، والذي وصل إلى (57000) دولار سنوياً، وتمتعهم بأعلى مستويات القناعة المعيشية، ناهيك عن سعادتهم الغامرة بالحرية التي ينعمون بها، وحالة الوئام والانسجام الفريدة التي يشعرون بها، والثقة المتبدلة بينهم، بخلاف الشعب العربي الذي مزقته معاول الطائفية، وهشمته بلدوزرات المنظمات الظلامية، المدعومة من الأقطار العربية المدرجة على قوائم السعادة البترولية المزيفة، ثم تفشت في مؤسساتنا فيروسات الفساد الإداري بالطول والعرض، لتطيح بآخر ما تبقى لدينا من آمال، وتنسف مستقبلنا كله في خضم الفوضى السياسية العارمة.   

أين المشكلة ؟. ما علينا إلا أن نأخذ العبرة من قوله تعالي: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فالعيب فينا، لأننا نحن الذين صفقنا وهتفنا للحرامية والحنقبازية، ومنحنا أصواتنا إلى الذين تسببوا في بؤسنا وتعاستنا، وليس العيب في الحكومات التي استغلت جهلنا وضعفنا، واستثمرت عواطفنا الطائفية لتغذية مخططاتها السلطوية، فجلبت لنا المصائب والويلات والنكبات.

والله يستر من الجايات

 

آه ....

hadi  jalumreiهكذا تحولت القلوب النابضة بالحياة الى مصنوعات خشبية لاقيمة لها يمكن أن تعرض في مكان ما للتباه، أو لتجميل مكان. لكنها لاتصلح أبدا لتكون معبرة عن لواعج وخلجات كما كانت مهمتها الأولى منذ بدء الخليقة. القلب ينبض بالحب، يهتز باللوعة والرغبة بحبيب، لانعرف بالضبط مهماته الشعورية. ربما هي ذاتها التي نتخيلها، والتي يصفونها لنا في أشعار وكلمات وقصص حب وروايات، تزداد دقاته وتتراكض خلف قافلة الحساب.. تك، تك، تك، مثل دقات الساعة. كانت فيروز حين تسأل حبيبها عن وجهة الحب التي يقصدانها تقول، سألتك حبيبي لاوين رايحين؟..ثم تصرخ بآهة لايمكن لمن يهوى أن يعرف كيف تدفقت من روحها..ثم تقول . عام شوفك بالساعة، بتكات الساعة، من المدى جاي ياحبيبي..من هناك ذلك البعيد المترام الذي لايشعر به الجميع، بل يتلمسه البعض ممن أدرك شيئا من أسرار القلوب، ومن الذين ماتزال قلوبهم تقاوم التصحر والتحجر وتشتهي الحب.

تحركنا في جمع، صرخنا بقسوة، إقتحمنا المكان، وكان كل منا يحمل حلما ما، أو يبحث عن سبيل، كل واحد منا لديه قلب، كنت أرى الحجارة تتخفى بين كومة أضلاع ولحم، عرفت إنها قلوب، لكنها اليوم مختلفة، فهي كالحجارة بل أشد قسوة. فمن الحجارة لما يتشقق منها الماء وينفجر نبع يسقى الأرض العطشى، لكن هذه القلوب متحجرة بشكل لايوحي إن أملا فيها لتنبعث من تحتها حياة، ولايكون من أمل ينبعث منها. قلوب جافة غادرها الدم، وصار يتدفق منها سائل أصفر سئ الصيت والسمعة. كانت جثة زميلنا الصحفي محمد بديوي مثل كومة خضار قطعت بعناية ثم جمعت ووضعت في سائل أحمر. كان ذلك دمه الأحمر الذي سال لساعات قبل أن نصل إليه، ولعله سال حتى ونحن وقوف نستعرض مواهبنا في الثرثرة على الفضائيات التي كانت تنقل الحدث. جثة يبدو إن الحياة غادرتها من ساعات، ونفد كل الدم الذي كان في الصباح يتدفق في شرايين صاحبها، الذي خرج بعد أن ودع أطفاله الخمسة وزوجته الحانية، وقاد سيارته من شمال بغداد حتى الكرادة ومجمع الجادرية الرئاسي الذي تعَود إستقبال الضيوف، لكنه لم يتعود توزيع الجثث المدماة، وهو يجرب حظه بقتيل صحفي.

سأختار نوع من الثرثرة مختلف، وسأنتقي الفضائيات الأكثر شهرة وجمهورا، وسأتجنب أن أتحدث لتلك الأقل حضورا، ثرثرتي تختلف، وهكذا كان علي أن أفعل، فإذا ثرثرت بطريقة بقية المتحجرين عند جثة محمد بديوي سأكون تافها، والظروف مختلفة، علي ان أفكر أكثر، صحيح إنه يتوجب علي أن أثرثر بإنتقاء، وأن أسرع في الحديث، لكني مضطر لنوع من الثرثرة يستهوي المشاهدين، كنت أتقزز من الذباب الذي بدأ يغزو الجثة، ويحاول تجاوز حدود (البطانية البالية) التي تطوع بتقديمها مواطن رئاسي يسكن بالقرب من مركز توزيع الجثث الرئاسي، لكن الذباب الذي نهرب منه في بيوتنا لم يكون ليوقف رغبتنا الجامحة في الحديث، ففي البيوت لاتتوفر كاميرات تلفزة، ولاإذاعات، ولا كاميرات فوتوغرافية.

آه أيها القتلى، وقد نكون منكم، هاأنتم مناسبة للثرثرة.

 

انهم يبيدون الفلامنكو ...

mohanad alramlaالفلامنكو طائر بديع الشكل اشتهر برقصته الشهيرة وبريشه الوردي الذهبي الزاهي .. رقصة يرقصها بكل خفة ورشاقة على شواطي البحار والاهوار والمسطحات المائية فتبدو حركتها الجميلة وهي تدور حول بعضها بشكل منسق ومنظّم وكانها لوحة من الالوان والذهب والحركة، وسيمفونية موسيقية فريدة .. حتى استوحى من رقصته كبار المسرحيين والفنانين عناوينا لمسرحياتهم واعمالهم .. واتقنها مشاهير العالم والفن وقُدمت على اروقة ارقى المسارح في العالم فصارت رقصة الفلامنكو خاصة بعلية القوم .

اهوار العراق، فينيسيا الشرق والطبيعة الخلابة الساحرة والزاخرة التي لم تمتد لها يد المزوقات الصناعية فتخرب طبيعتها البكر.. كانت ومازلت منذ الازل، زمن عهد سومر والاناكي ملاذا لهذه الطيور وغيرها، حيث بدأت الارض تتنفس اولى خطوات الانسانية والرقي والحضارة في اهوار العراق واصبحت مسرى وقبلة اسراب الطيور المهاجرة من روسيا وسيبيريا واواسط اسيا وحتى كندا .. اعتادت مجاميع متنوعة من الطيور ان تلتجأ لاهوار العراق بالذات لدفئها وهدوئها ظطبيعتها وهربا من شتاء بلادها القارص والقاسي .. كنت احيانا اقارن في الشبه العجيب بين فيبيسيا الغرب والاهوار .. في كلا المكانين البيوت تغفو على الماء . وكلاهما يستخدم القارب في التنقل .. الجندول هناك والمشحوف هنا، ولكن الفرق ان فينيسيا امتدت لها يد المدنية والسياحة بينما مازالت طبيعة الاهوار بكر بغابات القصب الممتدة فيها على المدى وتنوع الطيور والاسماك والاحياء البرية والمائية والنباتات .. ولو كانت هذه الطيور سيئة الحظ وجهتها فينيسيا لفعلوا الاعاجيب لحمايتها وجعلوا منها اكبر محمية سياحية في العالم ولكن،،!!!!

356-ramla

ساءني جدا ان ارى هذه الطيور البديعة، الفلامنكو، البجع، الخضيري، انواع البط، السمّان، طيور الماء، وهي اسيرة في اقفاص رثة تجلس على الارض او تتطلع بعيونها الجميلة عساها ان تجد مهربا مما هي فيه .. اذ يقوم بعض الجاهلين باهمية الحياة البرية باصديادها او تسميمها ثم بيعها كلحوم للولائم والعزايم،، ولو كانت هذه الهجرة الى بلد غير بلدنا المبتلى بحركة تجهيل متعمدة طالت كل شيء حتى الطيور الامنة والمسالمة لجعلوها قبلة للسائحين وعملوا المشاريع السياحية والخدمية حولها وشجعوا السياح على اخذ صور لها ومعها ولكنه الجهل الذي اطبق على العراق وحركة التخريب لكل جميل فيه ...

يا اهل الاهوار هذه الطيور ضيوف عندكم فهل هكذا تكرمون الضيف بالقبض عليه واسره وذبحه وبيع لحمه فتراه مرعوبا او مغلوبا على امره يتطلع بعيونه الخائفة لمن ينقذه من هذا المصير الذي لم يتصوره وهو جذلان فرح في طريقه الى اهواركم ليشتي عندكم،، انتم اهل المضايف والدواوين والعرف واول قانون واول حرف .. فهل هذه طريقتكم في اكرام الضيف في زمن اصبح الخير فيه شحيح،، انقذوا هذه الطيور الجميلة واجعلوا العراق اكبر محمية طبيعية لها في العالم واستفيدوا من وجودها دون اغتيالها ..

مهند الرملة

حول المحاصصة الثقافية

amir hushamقد لا يُتعبك التقصّي عن معنى كلمة "ثقافة"، فقواميس اللغة تُسهب في ذلك وتفصّل. فما نقصده بمَنْ يثقّفُ نفسَه، هو توفر الرغبة عنده، وأمتلاك الأرادة، بأن يكون حاذقا، فطنا. فثقّفه تثقيفا أي سوّاه، حتى أن العرب قالت بأن فلانا ثقّفَ الرمحَ، أي سوّاه وعدّله وقوّمه.وتتطور المفاهيمُ بمرور الأزمان، فيصبحُ الفعلُ الثقافيّ اليوم له وسائله التقنية المتطورة، وهو فعلٌ فيه الخَلق والأبداع والتبادل مع الوسط المحيط والتأثّر بالآخر والتأثير به. وعلى ذلك تنظر الشعوبُ الحية لنتاج مبدعيها الثقافي، نظرةً حضارية، حيث تتنافسُ الأممُ مع بعضها من خلال أبداع في القصيدة أو الرواية أو السينما والفن أو فروع العلوم والتقنيات، فيكون ذلك في عصر العولمة مدعاة للتأثير في العقول وللتغيير في الأرادات.

أما اذا بحثتَ عن معنى كلمة "محاصصة" فلن تجدَ في اللغة ما يُنجِدك ويعينك، فتذهب الى التفكيك. حيث تقولُ المعاجمُ ان الحِصة هي النصيب أو المقدار. ونظامُ الحصصِ إنما يفي بتوزيع مواد التموين بكميات محدّدة تبعا لعدد أفراد الأسرة. وعلى ذلك سيتم توزيع مواد التموين السياسي (اذا جاز التعبير) فتكون المحاصصة سياسية معروفة عند أهل العراق، حيث عاشوا معها لما يزيد عن عقد من زمان ولا زالوا.

ولكنّ محاصصةَ السياسة كالوباء، أخذت اليومَ في الوطن العراق صورا وأشكالَ شتى. فتراها محاصصةً ثقافيةً أيضاً، تتأسف لها ولا تحبّذ ما يسعى أليه ويستهدف طلابُها أو مريدوها. حتى اذا أقيم معرضُ كتاب، أستُثنيت منه كتبٌ معينة، وأستُثني منه مؤلفون، قام الآخر بالفعل نفسهِ فأستثنى مَنْ أستثنى، وجذب جمهوره أليه، تحاصصا في الثقافة مقيت.

وإذا يعرضُ ناقدٌ لمؤلَّف ثقافي، روايةً أو ديوان شعر مثلا، فهو لا يعرض لفلان أو علاّن من مثقفي وطنه المعروفين، حيث تمنعه محاصصةٌ أخترعها لنفسه عن ذلك، فغزت قلمه بفرض سياسي ما أتى به العقل. وقس على ذلك في العلوم وفي مؤتمرات ومهرجانات ونشر كتب. أما في العلوم فحسبنا أن نعلم أن عدد كليات الطب اليوم في العراق قد تجاوز عدد محافظات الوطن، فترى في كل محافظة كلية طبٍ، حيث لا يستطيع طلبة محافظة معينة من السفر لأخرى حيث يُفتقد الأمان، مما نتج عن محاصصة سياسة في جزء من الأسباب. فقد يتخرج الطبيب مثلا في محافظة ما، رغم أن مناهج الدراسة الطبية غير وافية أو مكتملة، إلاّ إن المحاصصةَ البغيضة فرضتها فصارت أسلوب حياة .. وأية حياة.

أكاد أقولُ ان محاصصةَ الثقافة عندي، أخطر من محاصصة السياسة. فالسياسي مجبرٌ، فاقد للإرادة . اما المثقف فيجب أن يكون غير ذلك، مثقفا حقاً، عنوانا للوطن ولأنسانه وتاريخه الجليل.

 

أهلا بكم في جنة دولوز (2)

دع الرغبات تتدفق .. ذلك هو مينفيستو الثورة .. ذلك هو دافع التغيير .. وهو وحده الشعار الحقيقي وما سواه تفصيل أو ثرثرة .. يجب أن تتحقق الرغبة إذاً، لكن الرغبة رغبات، إنها بصيغة الجمع، إنها صيرورة لا نهائية، رغبات تنتج رغبات، تريد رغبات، تلتصق برغبات، كل شيء رغبة، كل شيء يتحدد بوصفه تدفقا من الرغبات، تتعدد الرغبات فتتعدد الذوات، يضج المجتمع وينتفخ بهيستيريا من الطموح والاشباع والرغبة ...

السياسة، الوجود، الرغبة .. مفاهيم أساسية في الخارطة المفاهيمية لدولوز مع تفضيل واضح لمقولات السياسة "قبل أن يكون وجود، ثمة سياسة" لكن الرغبة هي ذلك الكرنفال الأشد جسارة ونزقا، إنها المفهوم الذي يعبر عن نفسه بوضوح ودون خجل في فكر من عاداته تحاشي الوضوح والتصرحات السافرة، إذ يمكن لأي شيء، سوى الرغبة، أن يتلبس بالتمليح والاشارة، فكل شيء خجول إلا الرغبة!.

ومن بين كل الأشياء المزعجة في الخطاب، كالوضوح والتحديد والافصاح، ثمة شيء أكثر ازعاجا ولكن في ممارسة الخطاب نفسه، أي السلطة، ما يقرف دولوز هو الانهماك السلطوي التاريخي في تشييد الحواجز واقامة السدود.. ما يقرفه هنا يمنح القيمة لشيء آخر.. الحواجز التي تبنيها السلطة –والسلطة مفهوم هارب، مفهوم مائي لزج- تحد من تدفقات الرغبة وهي الكوجيتو الجديد/ القديم عند دولوز : أنا أرغب إذن أنا موجود.

يقرر دولوز بكلمة واحدة ما يشكل مهمازا لكل فلسفته الأخلاقية: "لسنا إلا ما نملك" .. ولأنها فلسفة أخلاقية سياسية تتخد من الرغبة موضوعا أساسيا، فإن سهامه النقدية ونبوغه الفلسفي دائما ما يستهدف شيئا واحدا: هدم السدود، والحد بأكبر قدر ممكن من السلطة والقوانين والأنظمة .. لكن حذاري أن نسيء الفهم، فالخطاب الدولوزي لا يقيم "نيستولوجيا" لحرية بائدة أو فوضى بدائية، ليس الخطاب هنا تمجيدا للحرية، ليس نشيدا ليبراليا، فالحرية ليست سوى شيء فارغ، الحرية تحديد سلبي دون ملكية أو رغبة .. قبل أن تكون حرا يجب أن تملك: "فالمسألة الأساسية الحقيقية –يكتب دولوز- لا تكمن في اعطاء الحريات بقدر ما تكمن في ايجاد قنوات تحتضن دفق الرغبات".

تتلخص مشكلة الحضارة وسؤال السلطة عند دولوز في الكيفية التي تصبح فيها الرغبة جسد للحرية، جسد دون أعضاء .. عطش أقل/ اشباع أكثر/ رغبة تتدفق .. تلك هي ترسيمة دولوز للمدينة الفاضلة .. فالمجتمع المثالي ليس المجتمع الحر وإنما ذلك المجتمع الذي يتضائل لينتج مكانا أرحب للرغبة.

يستدعي فيلسوفنا مفهوم القوة عند نيتشة ولكن بعد أن يزيحه بتأويله إلى رغبة، فكما هو الأصل النيتشوي، يبدو الأصل هنا وفي كل شيء، رغبة تتدفق: إن دولوز يستدعي الجنة ليقيمها على الأرض، لكم ما تشاؤون من رغبات .. رغائب لا تنضب .. كل شيء في هذا المجتمع يضمحل لصالح الرغبة .. فلتهدم السدود لتتفجر الرغبات، وههنا تكمن الوصايا الجديدة! ..

ولكن الجنة الدولوزية لا تتنكر للمعاناة، الاثبات في هذه الجنة يبلغ ذروته ليشمل الألم، فليست الجنة سلب للعذاب ولا نفي للمعاناة، ليست نقيضا للجحيم، وليست متعالية –مثالية- إنها على العكس رغبة في كل شيء .. رغبة في الكتابة، رغبة في الموسيقى، رغبة في الحب والحياة ولكن أيضا في الموت، وهكذا يكتب مفكرنا: "أتعرفون كم هي الرغبة بسيطة؟ .. النوم رغبة .. التفسح رغبة .. الانصات إلى الموسيقى أو انتاج الموسيقى أو ممارسة الكتابة، كل هذه الأمور رغبات .. الربيع أو الشتاء رغبات .. الشيخوخة أيضا رغبة .. الموت ذاته رغبة .. لا توجد الرغبة أبدا من أجل تأويلها، إنها هي التي تجرب".

تسييل الجنة، نهر يتدفق من الرغبات ولكن أيضا الزهد والألم والعطش، ذلك الصديق الوفي للرغبة، إن دولوز يصور جنته مثل جحيم دانتي، لا فاصل ولا فرز بين ملائكة الجنة وزبانية النار، مجتمع دولوز جحيم في جنة وجنة في جحيم.

وماذا يعني أيضا تسييل الجنة؟ احتضانها لجميع الرغبات، بكل وفرتها وتناقضاتها، دولوز يمنح جنته سمة مناهضة لكل أشكال الرتابات، ليست الرغبة محددة سلفا، ليست متوارثة، الرغبة هي التي تقرر، الرغبة هي التي تنتج الرغبة، هنا ثمة "هلالين" يموضعان الفكر الدولوزي الخاص بالرغبة في سياقه التاريخي، كتمهيد أو توطئة نظرية لأحداث مايو 1968م في باريس، حيث انفجرت كل الرغبات في ثورة عارمة أرعبت ديغول بشرر ثوري كأنه العيد!

حينها ارتدى اليسار حلة جديدة، لم تتوقف البوصلة لدى دولوز كما في كل الثقافة الفرنسية عن أن تكون يسارية، لكنها هذه المرة خرجت من عباءة ماركس لتنفخ اليسار بمعانيه الجديدة كتسييل الرغبة والطبقة والمعنى، ليعود اليسار ثوريا من جديد، لا يريد اعتلاء السلطة أو ترويضها من الخارج، بل تهديدها من الداخل، فما هو يسار يظل دائما معارضة لكل أشكال الهيمنة والتسلط والحد من تدفق الرغبات، ليس اليسار سوى معارضة ومعارضة إلى الأبد!

العالم تدفق من الرغبات ولكن أيضا من الرعب، البطل الوحيد في هذه التراجيديا الطويلة التي نسميها حياة، هو ذلك النبيل المتعايش مع ألمه ورعبه الخاص، المخاطر الذي يجد متعته مثل أي سندباد بحري، في مغامرات تكتنف الرعب والألم والخيبات وكل ما يمثل وجها آخر للحياة، "الآلام تولد فينا لذة" يقول ملهمه نيتشة المنهمك هو أيضا بمداعبة المرض والموت والرقص الديونيسي، مرة أخرى نجد انحيازا للمبدأ الديونيسي للمأساة، أي المبدأ المرح، والذي يجد خلاصه، لا في طقوس الكآبة والهروب من الموت والألم، بل في رقصات مرحة، رقصات تراجيدية مبتهجة لأنها تفرح بكل شيء: بالموت والمرض كما بالحياة والرغبة، إن الوجود، بما فيه من ألم، متعة لا تنقضي.

الترحاب والترهاب!!

رَهِبَ: خاف

ترهّبه: توعده

أرهبه، إسترهبه: أخافه وأفزعه

الترهب: التعبد

 

الرّحبُ: السعة

مرحبا وأهلا: أتيت سعة، وأتيت أهلا، فاستأنس ولا تستوحش

رحّبَ: أكرم

ورحب به ترحيبا.

 

في الفيزياء لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار وبعاكسه في الإتجاه.

وفي البايولوجي لكل جنين حاضنة، ولكل موجود حي بداية في ظروف مواتية لتخلقه ونمائه، والأرحام حواضن العديد من المخلوقات ومنها البشر وكذلك الأحضان.

ولكل حالة فاعلة هناك ظروف وعوامل مرحبة وعناصر تمدها بقدرات البقاء.

وفي علم الحشرات، أخطر حشرة وأكثرها إرهابا هي البعوضة، لأنها تقتل الملايين كل عام بلسعاتها المتسببة بأمراض الملاريا والحمى الصفراء وغيرها.

ومقاتلة البعوض ما قضت عليه، ومن المعروف أن البشرية قد سعت إلى ردم المستنقعات لأنها مواطن البعوض وحواضنه، وقد قللت من أعداده وجففت منابع تكاثره.

فأساليب تحجيم نشاطات أعداء الحياة يكون بالتوجه نحو حواضنهم وأماكن ترعرعهم، ومحاولة تقليل فرص الحياة فيها.

وهذا ينطبق على ما نسميه بالإرهاب، والذي صرنا نختصره بالإرهاب المسلح وحسب، ونتغافل عن أنواع الإرهاب النفسي والفكري والثقافي والعقائدي والإقتصادي والإجتماعي والسياسي.

ورهن البشر وأسره بالحاجات اليومية وبالجوع والفقر والعوز، ووضع الأطفال في مدارس لا تصلح كزرائب للحيوانات.

وتخريب البيئة والقضاء على الجمال وروافد الفن والمحبة والألفة والأخوة والأمل.

إضافة لإرهاب الجور والحرمان والتعسف والمحسوبية، والطائفية والعنصرية والفئوية والتحزبية، وغيرها الكثير من السلوكيات القاسية، التي نتجاهلها ونركز على الإرهاب المسلح الذي ولد من رحمها.

فهذه حواضن الإرهاب وهي الهدف الحقيقي لمن يريدون بصدق مكافحة الإرهاب المسلح.

أما أن يكون التركيز على المواجهة المسلحة مع الإرهاب المسلح فحسب ، فأن ذلك سيتسبب في تنمية أسبابه وعوامل ومسوغات زيادته، وهذا ما أثبتته التفاعلات القائمة على مدى عقود.

فهل يمكن القضاء على البعوض بمقاتلته بالسموم وإهمال المستنقعات التي يتكاثر فيها؟!

إن ما يجري في واقعنا الأليم يؤكد إضطراب الرؤية وإنحراف التفكير، وقد يكون سلوكا مقصودا.

أي أن هناك آليات ترحاب بالإرهاب وإستثمار في نشاطاته وتفاعلاته من قبل أطراف عديدة، تمده بالطاقات والقدرات اللازمة لديمومة سلوكه المسلح.

وهي تتغافل عن أنواع الإرهاب الأخرى، بل تساهم في زيادتها وتأثيرها في توليده.

وعليه فأن البشرية لابد لها أن تعيد النظر بتفكيرها ووسائلها المناهضة للإرهاب، فما يحصل من الواضح أنه يصب في مسيرة الإستثمار في الإرهاب، وهذا سيتسبب في تداعيات خطيرة ومرعبة.

فلتتوجه الجهود لمواجهة الإرهاب الحقيقي والتحدي المصيري، المتمثل بالفقر والجوع والحرمان والفساد والظلم والقهر والتهميش، وفقدان قيمة الإنسان وإلغاء دوره، وإنعدام القانون وغياب الدستور الصالح النافع للمجتمع، فالجور أكبر حاضنة لكل سوء!!

 

د-صادق السامرائي

التحزب الديني بين الحُلم والواقع

mohamad alhamarما من شك في أنّ الإسلام السياسي لم يفِ بوعوده، وأنّ تحديات المرحلة التي يمر بها المجتمع التونسي من بين مجتمعات أخرى تتطلب أن تنتقل الفكرة الإسلامية من قفص الحزب المركّز على الدين لتذوب في رحاب المجتمع بتمامه وكماله، وأنّ هذا المنهج الاندماجي سيجسد المعاني الأصلية للإسلام على غرار استيعاب الاختلافات الفكرية والإيديولوجية والمذهبية من أجل تحقيق حدّ أدنى من الوحدة المجتمعية وتسهيل عملية التغيير السياسي والتقدم الاجتماعي.

لتبسيط مشكلة معقدة مثل مشكلة الإسلام السياسي حريّ أن نسأل: ما وجه الشبه بين الحلم والمغامرة الحزبية الدينية، وما هي شروط التوظيف الناجع للإسلام لكي يتحرر من زنزانة الحزب الديني ويستعيد حركته الطبيعية فيكون محركا صالحا لدخول المجتمع العربي الإسلامي العصر من الباب الكبير؟

إنّ التحزب الديني بمثابة تمثُّلٍ لحلمٍ نائم أكثر منه تمثُّلٌ لحلمٍ يقظٍ من شأنه أن يكون مبعثا على الحركة الهادفة والناجعة. وربما ينطبق عليه ما قاله سيغموند فرويد عن الحلم النائم، مما يستميلني لتعريف التحزب الديني بأنه "تحقيق مقنّع لرغبة مكبوتة".

بهذا المعنى يتضح أنّ تشبثَ الحزب الديني بالحلم النائم قد حمَل هذا الحزب على أُخذ شروط الحلم النائم على أنها نفس شروط الحلم اليقظ الحمالة لبذور التجسيد في الواقع. فكانت النتيجة أن تحوّل الحلم النائم، على عكس كل السنن والنواميس، إلى واقع ملموس ولكنه بطبيعة الحال واقع هجين: كوارث واقعية (سياسية واجتماعية واقتصادية ومالية وأمنية وغيرها) تجسدت في مشهد فوضوي شبيه برؤيا الحلم المزعج أكثر منه بمشهد لكارثة معروفة ولو كانت هذه الكارثة اسمها الزلزال أو الحرب.

في ضوء هذا إنّ المطلوب إنجازه اليوم كتهيئة لظروف الرقي والتقدم باعتماد الدين الحنيف كمحرك وظيفي هو حسن استخدام نظريات المفكرين الإسلاميين المعاصرين حتى لا يذهب كلامهم سدى. لكن هذا لن يحصل من دون وعي بأنّ الرغبة في توظيف الدين الحنيف في السياسة بما يكفل التقدم العلمي والرقي الاجتماعي والنهوض الحضاري إنما هي حلمٌ لكن يشترط أن تكون حلما يقظا لا حلما نائما.

حين يتحقق هذا الوعي ستتضح الرؤية بشأن مكونات هذا الحلم ومنه سترتسم أدوات تحقيق الرغبة، لا سيما أنّ العلم الحديث قد أثبت أنّ لـ"الصورة المستقبلية" السبق على "الفكرة المشَكِّلة للحاضر" (نظريات إيليا بريغوجين في الفيزياء وفي الفلسفة بخصوص "سهم الزمان").

بالمحصلة إنّ الحلم ببديل حضاري "إسلامي" (بالمعنى التاريخي) عن المشروع الغربي السائد أمرا مشروعا للمجتمع العربي الإسلامي كافة، لا حكرا على طرف دون آخر أو خلطا بين حلم نائم وحلم يقظ أو استبدالا لحلم نائم مكان حلم يقظ.

محمد الحمّار

 

مثقفو ن.. أم عاملون في المجال الثقافي؟ .. عن التزوير والهوية واللغة

ماذا تعشّيت الليلة الماضية؟

رواية الجحيم لهنري بارباروس

ماذا قرأت في اليوم الماضي؟

باجة الحاتي.

في خلفيات مشهد قتل الاكاديمي والصحفي محمد الشمري على يد ضابط في الحمايات الرئاسية المتواجدة في المنطقة الخضراء، أحاول ايجاد مقاربة تحاول أن تفسر، ليس مقتل المغدور فقط، بل مقتل الثقافة، كقيم ومعتقدات وسلوك في المجتمع، وفي جانب مقابل، قتالها المستميت لكي تكون فاعلة ومؤثرة، أو على اقل تقدير البقاء على قيد الاستمرار والتفاعل والانجاز.

انطلق في هذه المقاربة، من اللغة، كسلطة تمتلك كل حيز التواصل الاجتماعي بين الافراد، كذوات عاقلة متفردة، هذه الذوات هي هويات غير مكتملة أو متجانسة أو متسامحة، نتيجة لشروخ أو جروح عانت منها.

في العام 2003 ، سقط تمثال الطاغية صدام حسين، قبل سقوط صاحبه ماديا، سقط عبر الصورة، وتمثلاتها الرمزية، وسقط معه (الجيش – الدوائر الحكومية – أجهزة الامن) وغيرها من تمظهرات تحت مسمى (الدولة).

اقتصرت عملية السقوط تلك، على ماهو مادي وواقعي ومجرد، لم تسقط معه انساق أو أنظمة الخطاب، أو الثقافة وقيمها السلطوية، بل اعادت تلك الأنظمة والانساق تنظيم نفسها بعد الصدمة الأولى، لتعيد انتاج هوية جديدة للافراد والجماعات تعمّق شرخها وجرحها اكثر من السابق.

في اغلب المواقع القيادية التي احتلها رموز النظام السابق، لم تكن الكفاءة او الإنجاز العلمي لصاحب الموقع هي شرط تسنمه المطلوب والمتحقق، بل كان رضى الحاكم ودرجة تملقه وكيفية التسلق على اكتاف الاخرين، هي الشرط الناجز للحصول على الموقع والاستمرار فيه.

السلطة إذ تفرض مثل هذا النسق في فعلها السياسي، فان نسقا اخر ثقافيا يتسرب الى المجتمع، يجعله متقبلا له، خاضعا لاشتراطاته.

بعد السقوط، استمر النسق هذا عبر فعل السياسة، وعبر ترسيخه اكثر في النسق الثقافي للمجتمع، فكان الولاء المطلق للحزب، أو العشيرة، او الطائفة، هو الشرط الناجز لاحتلال الموقع، بغياب تام لاي منجز او كفاءة.

اذا كانت (الهوية) كمفهوم وجودي في ابسط تعريف لها هو إجابة عن سؤال (من انا)، فانه في الواقع الاجتماعي يكون عن جواب اخر هو (من أكون). وهذا الجواب يحدده الدور الاجتماعي للفاعل في المجتمع.

من أكون، هي الهوية الفردية التي يتوهم الحاملون لها انها تعبر عن ذواتهم، وهذا الحامل لها، اقتصر على (بطاقات شخصية) تجيب عن سؤال الدور الاجتماعي.

أصبحت (البطاقات الشخصية) موازية (للهوية) الفردية، وبمقدار تعدد تلك البطاقات تتعدد الأدوار للفاعلين الاجتماعيين، وتضمحل (الهوية) الفردية، ك (أنا) متميزة ومتفردة.

اعرف كثيرين يحملون هويات (بطاقات) انتساب لجمعيات او منظمات او نقابات ثقافية، يستعرضونها امام الاخرين، وهم في الحقيقة لايحملون من توصيف المجالات التي أدرجت في خاناتها أي علاقة من قريب او بعيد بها، واقصد هنا المجال الثقافي تحديدا. رغم انتشار ذلك أيضا في مجالات أخرى، كالطب او الصيدلة او الهندسة وبقية الحقول والنشاطات في المجتمع. هوية نقابة الصحفيين، على سبيل المثال، تعمّدك كصحفي، لايعرف من ابجدياتها كمهنة أو سلطة رابعة، الا بمقدار ظهور اسمك في قوائم توزيع الاعطيات والمنح وقطع الاراضي، لكنك وانت تحمل مثل هذه الهوية (البطاقة) تصدق الوهم اللذيذ الذي يجعلك وبحكم ماتمنحه لك من سلطة في ابرازها والتباهي بها، صحفيا، ثم مثقفا، وبتراكم تلك الهويات (البطاقات) فانك بطريقة وباخرى تحاول ان تجمع كل ماتشظى من هويتك الحقيقية. وبحسب المثل العراقي الدارج، وهو تعبير دقيق عن حالة التجميع (من كل زيج رقعة). لهذا لاتمتلك الصحافة العراقية ان تكون سلطة رابعة حتى الان رغم ماتوفر لها من إمكانيات وعلى راسها الحرية في التعبير. ولهذا السبب أيضا لاتمتلك الثقافة ان تكون فاعلا رئيسيا في التغيير اذا كانت هي نفسها تستكين لهذا الخضوع للعاملين في مجالها ولاتعطي نفسها للمثقفين منهم الا بمقدار ماتسمح به بعض المنابر الرصينة.

يذيّل الكثيرون من الكتاب والصحفيين ، بعد العام 2003 مقالاتهم وكتاباتهم، في الصحف العراقية والتي هي نتاج نهائي لهذا التجميع الغريب من الهويات، بتوصيفات مثل (كاتب – صحفي – اعلامي – اكاديمي – باحث) وكثير من هؤلاء لايرقي حتى ان يحمل ربما حرفا واحدا من تلك الكلمات، لكنه هذا الاغتصاب المستمر لكل الهويات المزورة ومحاولة إعطائها صفة شرعية لفعل الاغتصاب.

في خلفيات المشهد السابق، الذي بدات به هذه السطور، ما أدى الى مقتل المغدور هو مشادة كلامية مع القاتل، والكلام لغة منطوقة بواسطة اللسان، واتحدث عن الكلام كاصوات لغوية، ولا اعني به هنا، ماقد يكون صامتا لكنه معبر أيضا.

في خلفية ذلك المشهد، اللغة هي (خطر الاخطار جميعا لانها هي التي تبدأ بخلق إمكانية الخطر) كما يقر هيدغر. وبما ان اللغة متورطة عميقا مع السلطة، كما يذهب الى ذلك نورمان فيركلو في بحثه (الخطاب بوصفه ممارسة اجتماعية) فان لعبة السلطة داخل اللغة تبدأ بما تحمله اللغة من قواعد وعلامات، أي ان شروط تحقق اللغة كوسيلة للتواصل، يجعل اللغة تحمل في ذاتها هيمنة على الذات. كما يرى إبراهيم قمودي في بحثه (في قدرة وحدود اللغة كنظام رمزي على تحقيق تواصل انساني).

سلطة اللغة تتمظهر في الفعل التواصلي من جهة كون اللغة هي أيضا سلطة اقناع واستقطاب، لا بما تفرضه هذه المرة، على المتكلم من قواعد وعلامات، بل بما تمنحه للمتكلم من صيغ القول فتجعله في مرتبة الحاذق للعبة الكلمة، فتنصبه الكلمات التي ينطق بها سيدا للكلام، وبالتالي سيدا على المتقبل فتسقط الذات في لعبة العبودية التي للغة.

من هنا، يمكن معرفة حجم الارتباك والقلق والاحساس بالهامشية والدونية التي استشعرها القاتل، الذي يحمل هويات (بطاقات) عديدة تشير الى الدور والمكانة التي يحتلها، بمقدار ضياع هويته الحقيقية تحت استلابات متعددة، وهو يرى القتيل (في مرتبة الحاذق للعبة الكلمة) التي يصبح من خلالها (سيدا للكلام) و (سيدا على المتقبل).

سلطة الكلمة، مارست هنا عنفا رمزيا، من خلال (تكوين المعنى بمجرد التصريح به، سلطة الفعل في العالم عبر الفعل في تمثل العالم وتتحقق في علاقة تنتج الاعتقاد في شرعية كلمات او شرعية الاشخاص الذين ينطقونها). كما يذهب الى ذلك إبراهيم القمودي في بحثه السابق.

الشرعية الحقيقية يمثلها القتيل، بموازاة شرعية مشكوك في امرها يمثلها القاتل، ويحاول ان يرسخ وجودا لها خارج (لعبة العبودية التي للغة) والتي لايستطيع امتلاكها، أو التعاطي معها، ليستعيض عن ذلك بقوة الهوية (البطاقة) المجتزأة والتي ترخص له حمل السلاح والتنقل به.

نظام الخطاب القمعي، والثقافة الاجتماعية تسمح بذلك، وتكرس المواقع التي يشغلها الافراد بصورة سلبية دون مقاومة تذكر. اللغة هنا، تقوم بدور التوطيد للعلاقات الاجتماعية التي تحدد تلك المواقع، من خلال حجم الإذعان الذي يبديه افراد المجتمع في شغلهم لتلك المواقع.

لغة القتيل في المشادة الكلامية، قاومت اعرافا ثقافية سائدة، وطعنت فيها، من خلال الاعتراض على القاتل.

في واقع مزور، أو يتم تزوير كل شيء فيه، يصبح مايذيّل به الكتّاب مايكتبون للدلالة على المواقع أو الادوار (كاتب – صحفي – اعلامي – اكاديمي – باحث) هو الواقع المجسّد لكل عاهاتنا وامراضنا وهوياتنا المبعثرة والمشوهة والمجروحة والمشروخة، والتي يتم تجميع اجزاءها (من كل زيج رقعة)..

 

أفكار قبل الإنتخابات القادمة في العراق

sami ameriكما ينأى الأبدي عن الزمني، على المثقف الحقيقي أن ينأى بنفسه عن السياسي، لا أن يكون بوقاً له بدعوى أنه نظيف ونزيه،

لا أن يكون ذَنَباً للأفعى

فإذا كان رأس الأفعى ساماً

فذنَبُها أتفه ما فيها

وبهذا فذيليتك ليست حلماً للسياسي فحسب

بل هي خلاصة أحلامه وتاجُ عروسها

كل ما يمكنك فعله هو تذكير السياسي بكوارث الماضي

كي يبقى حذِراً وأكثر حرصاً

والإشارة إلى الخطأ من أية جهة يصدر

وتحذيرُ هذه الجهة وإن لم تتعظ فعليك تعريتها

بشكل أقوى وأكثر حزماً ممّا يمكن أن يفعله الإعلام الوطني المستقل

فما عاد رجل السلطة مُدللاً كدلال راقصة الكابريهات

مثلما كان عندنا في الماضي

ويخشاه الشعب بل ويداهنه الكثيرون

كي يتّقوا شرَّهُ

فهو مواطن مسؤول كما أي مواطن آخر

والفارق بينه وبين المواطن العادي

هو أنه يحمل مشاقاً ومسؤوليات أكثر من الآخرين

وإلا فأنت تهين الثقافة وأصالة الثقافة

وتؤلّه من كان يحلم منك بأن تعترف بأهميةٍ ما في مهنته

حتى وإن كانت نيتك صافية مخلصة

فأنت غيرُ مُعفىً من محاولات تكريس العبودية والذل

فمشاركتك في المسعى إلى تخليص البلد من مآسيه

لا تعني أنْ تسير على جثة الجمال والشوق والوعي والحرية

وليست في ترفعك عن الخوض المباشر في الآني والزائل

أية يوتوبيا

ولكنْ ما هو نبيل يجب أن يبقى نبيلاً .

 

برلين

آذار ـ 2014

 

ديالى .. برتقالة الثقافة

ibrahim alkayat"ما أظن أرضا رويت بالدم والشمس كأرض بلادي

وما أظن حزنا كحزن الناس فيها

ولكنها بلادي

لا أبكي من القلب

ولا أضحك من القلب

ولا أموت من القلب

إلا فيها"

346-alkayat

وأنا ـ أعوذ بنحن من أنا ـ أظن أن النوّاب قصد ديالى بماقال، فهذه المحافظة الوديعة المنكوبة رأت مالم تره بقعة نظيرة في العراق، والثقافة فيها سبيت كما لم تسب حاضرة أو قافلة غيرها وسبي فيها أهل الثقافة أيضا، رغم أنهم مدد العراق، فقد أغنت ديالى المشهد الثقافي العراقي بأسماء بارزة في الشعر والقصة والمسرح والتشكيل والصحافة والموسيقى، وعلى ذكر الموسيقى فمقام عراقي شهير انطلق منها هو "البهيرزاوي" ـ نسبة لبهرز ـ وهذا المقام هو فرع من مقام البيات يرتكز على درجة الدوكَاه ويغنى من شعر (الزهيري) الشعبي وتحريره يكون بـ: (آ.. خي.. لالاله ..لا وأنت خي..).

وقد شهد لهذه المحافظة الناقد عبد الجبار داود البصري بقوله: "ان مثقفي ديالى وأدباءها يقطعون تذاكرهم ـ دوما ـ بالدرجة الاولى في قطار الثقافة العراقية"، ولهذا القول مصاديق تنطق بها أسماء نخب المحافظة، وهي ليست أسماء بل قافلة مجيدة من الاسماء، حضّارها أكثر من الراحلين، وكلهم مثل المحافظة حملوا وتحملوا ضيما لا تحمله الجبال، تحملوا زوار الفجر ومثارم الحروب والحصار والجوع والخيانات والخيبات والليل الطويل ولكن السعادة كانت في النصوص التي جذلانة تغادر الافئدة/الافران لتتلقفها الارصفة والشوارع والبساتين والصالونات التعبانة والدكاكين المعتمة/المشعة والعيون المستريبة.

كانت المكتبة المركزية شمعدانا يجمع الشتات قبل أن تؤسس الاتحادات والروابط والنقابات والجامعة، وكانت تعلم وتتعلم، وللان هي تتذكر وتشهد على الألق العتيق وعلى الذبالة المتأخرة، ففيها نمت المواهب وكبرت الجذاذات وزقزقت العصافير قبل أن تحط على القنطرة، وقبل أن ترفرف على "خريسان"، ولكن ديالى ليست بعقوبة فقط، فديالى هي السماء المديدة والظل الكثيف والاسماء السامقة في مثاني المحافظة الشاسعة ومرابعها.

ثم خنق الطائفيون ديالى، وكادت تموت لولا النهر الشحيح ولولا الاسماء التي هي لاشك حسنى وحيّة وان خطف الموت اللئيم ثريات منها، فمازالت حتى الثريات المذبوحة تنير ببقاياها، وهي مباركة فالمصابيح مهما كانت صغيرة فهي خير من الشموس الآفلة.

ديالى بمسيس الحاجة أن تغفو قليلا، بأمان، وتتمنى بعد اغفاءتها أن ترى نفسها وقد صارت ـ وهذا حقها ـ عاصمة ثقافية وتجارية للعراق، ففيها ما يشي بأنها جديرة، ولا تحتاج الا دراهم معدودات من جيب الحكومتين الاتحادية والمحلية لتبني أطرها الثقافية وصروحها، وسيكون هذا البناء بابا مفتوحا للامان/الامل، حتى لا يبقى برتقالها شاحبا، وحتى لاينتبذ مثقفوها المهاجر والجنون، وحتى لايقرأ عامتها الطيبون أخبار الدوائر الرسمية فقط، وكأن ديالى الالهة والحضارة والزهو المتلتل على الكورنيش، كأنْ...

وكأنْ لم يكن بين الحَجُون إلى الصفا

                                       أنيسٌ ولم يَسمُر بمكة سامِرُ

فقلتُ لها والقلبُ مني كأنما

                                         تـَخَلّبَه بين الجناحين طائرُ

بلى نحنُ كنا أهلها فأزالنا

                                 صُروفُ الليالي والجُدودُ العواثرُ

أرِقتُ وما ليلُ المُضام بنائم

                                  وقد ترقدُ العينان والقلبُ ساهرُ

فيا نفسُ لا تفني أسًى واذكري الأسى

                                     فيوشكُ يوماً أن تدورَ الدوائرُ

 

 

قيادة المرأة للمنظّمات النّسائيّة .. كيف ومتى؟

المرأة التي تقود المنظّمات والجمعيات والتّجمّعات النّسائيّة يجب أن تتوفر فيها شروط ومقوّمات القيادة والرّيادة، لكي تتمكّن من الانتصار لقضيّة المرأة، وتحقيق الأهداف التي تسعى إليها المرأة، وتؤسّس لنساء وفتيات مؤهّلات لتكوين مجتمع كورديّ قادر على تجاوز المعوّقات والعراقيل التي تعيق مسار ومسيرة تطوّره وتقدّمه، فكيف لامرأةٍ هي ذاتها بحاجة إلى التّأهيل والتدريب والممارسة الفعليّة لشؤون وقضايا الحياة المتباينة والمتشعّبة كيف لها أن تقود مجتمع المرأة الذي هو في الأساس نواة المجتمع البشريّ ككلّ على اعتبار أنّ المرأة هي الزّوجة والأمّ وبيدها تنشئة وتربية كلّ أفرادِ المجتمع؟

يجب أن تؤمن هي بذاتها وبتعاملها مع الآخرين وبأخلاقيات المجتمع الذي تعيش فيه قبل تطبيق ذلك على غيرها من النّساء والفتيات،لأنّنا سنواجه أخطاراً حين نسلّم مؤسّساتنا التي نودّ تشكيلها حديثاً إلى غير أهلها، فهناك طرف حزبيّ كورديّ يحاول تأسيس منظّمات ومجتمعاتٍ مدنيّة ولكنّهومع الأسف يعتمد على أشخاص غير مؤهّلين لتشكيل وتأسيس مثل هذه المنظّمات والمؤسّسات لأنّ الذين يدعون إلى ذلك ويقومون بتوجيه هؤلاء الأشخاص هم أصلاً أعضاء وكوادر غير مؤهّلين للقيام بمثل هذه المهام الحسّاسة والصّعبة، وتنقصهم مجمل شروط ومقوّمات التّأهيل والتّمكين. والأمر الآخر الأهمّ هو أنّ مَنْ يجبر هذه النّساء على الوحدةِ أو الاتحادِ هم ليسوا نساء لأنّ معظم هذه النّسوة الّلواتي يدّعين إدارتهنّ لهذه المنظّمات لا يقبلن بالمرأة كي توحّدهم، بل مَنْ يسعى إلى ذلك هم من جماعةِ الرّجال، وهم أيضاً يفتقرون إلى الكثير من مقوّمات القيادة والرّيادة، لأنّهم لا يوفّرون جهداً للبحثِ عن المرأة القادرةِ على تحقيق ذلك، ويُخدَعون بكلمات وعبارات المجاملة والمديح التي يتلقونها من هذه المرأة أو تلك، التي يصفن من خلالها فيها مناقبهم الحميدة، وقيادتهم الرّشيدة.أبرز الشّروط والمقوّمات والمرتكزات الواجب توفّرها وتوفيرها في المرأة القياديّة الرّائدة نستطيع أن نجملها في الآتي:

أوّلاً: أوّلاً وقبل كلّ شيء يجب أن تكون هذه المرأة مؤمنة بذاتها وبقدراتها على أداء مهامها بالشّكل اللائق، وأن تكون مؤمنة بقضيّة المرأة إيماناً مطلقاً، ومؤمنة بأنّ المرأة صاحبة حقّ لها من الحقوق ما لها من الواجبات، وعلى أنّها كائن عاقل في المجتمع شريك لنصفها الرّجل في العقل والعاطفة، وكائن نافع إذا أوكل إليها أيّ أمور أو مهام قادرة على القيام بها وأدائها ضمن الحدود والإمكانات المتاحة لها.

ثانياً: أن تكون هذه المرأة على قدْرٍ وافٍ من الوعي والإدراك بمجمل قضايا المرأة، ومطّلعة على نضال نساء الشّعوب والمجتمعات الأخرى، لتستطيع الاعتماد على البراهين والنّصوص التي تدعم بها دفاعها عن قضيّتها.

ثالثاً: أن تكون ذات خبرةٍ ودراية كافية في مجمل المجالات والمناحي التي تخصّ المرأة، ولها باع في مجال حقوق الإنسان والمجتمع والطّفولة، ومتمتّعة بثقافةِ عامّة عالية ووافية في هذه الجوانب والمجالات، لأنّها سوف تمثّل نساء مجتمعها وشعبها في مناسباتٍ محليّة ووطنيّة ودوليّة وعليها أن تكون خير مثّل لهنّ، وهذه علّة نعاني منها في معظم جوانب حياتنا الكورديّة الاجتماعيّة والأسريّة والأدبيّة والفكريّة وخاصّة الحزبيّة والسّياسيّة منها، حيث الشّخص غير المناسب يكون في المكان المناسب، والشّخص المناسب نحاول وبكلّ ما أوتينا من قوّةٍ مشبعةٍ بالحقدِ والضّغينةِ والافتراء الانقضاض عليه، وسحقه وتحطيم معنوياته وقدراته.

رابعاً: أن تدرك وتتفهّم أنّ ما تقوم به من عملٍ وجهد هو في خير المرأة والمجتمع وليس لتحقيق غايات شخصيّة أو أسريّة أو عائليّة، وأنّ المصلحة العامّة يجب أن تسبق المصلحة الخاصّة في كلّ ما تقومُ به، ليكون النّجاح حليفها دوماً والتّوفيق رفيق دربها.

خامساً: التّضحيّة، نعم، تعتبر التّضحيّة من أبرز المقوّمات التي يجب أن تتمتّع بها، أيّاً كان نوع وشكل هذه التّضحيّة مادية أو معنويّة أو مثاليّة، فالتي ترضى مثل هذه المهمّة الشّاقة والصّعبة عليها تحمّل كلّ نتائجها وعواقبها السّلبيّة منها قبل الإيجابيّة، الصّعبة منها قبل السّهلة والهيّنة. فقد تتعرّض للأذى والإهانة والاتهامات وشائعات المجتمع ولكن عليها الصّمود والمثابرة، وعليها ألا تبادل الإساءة بالإساءة والشّائعة بمثيلتها، وأن تستوعبَ الأمور كلّ حسب صغر حجمه أو كبره.

سادساً: مسألة أخرى في غاية الأهمّية يجب أنّ تتنبّه إليها هذه المرأة وهي أن تكون قد تجاوزت الخلافات العائليّة والأسريّة التي تحصل بينها وبين أهل زوجها أو بين زوجها وأهلها أو أهله، أو تحاول قدْر المستطاع تجاوزها لتكون فعلاً وحقيقة المَثَل الأعلى الذي تُحْتذى به نساء المجتمع والنّساء المحيطات بهنّ.

المجتمع الكورديّ يسعى الآن إلى تهيئة امرأةٍ خاليةٍ من الأمراض والآفاتِ التي تخلّفها مشاكل العائلة والأسرة منذ البدءِ بمراسم الطّلبة والخطبةِ والزّواج وحتّى ما لا نهاية لها من المشاكل، يجب أن نؤسّس لامرأةٍ تتجاوز خلافات "الحماة، الحماية" و"الكنّة"، ومشاكل "السّلايف وبنات الحمُ" وغيرهم من أفرادِ الأسرة. على المرأة أن تتعلّم كيف تتعامل مع أفراد أسرتها الجديدة (أسرةِ زوجها) وتعتبرهم من أقرب مقرّبيها، تعاملهم بودّ ورفقٍ وحميميّة. على "الحماة، الحماية" أن تعيَ أنّ حبّها لزوجةِ ابنها هو جزءٌ لا يتجزّأ من حبّها لابنها، وأنّ هذه الكنّة هي امرأة مثلها جاءت لتشارك ابنها حياته في السّرّاء والضّرّاء، وأنّها تحوّلت إلى مكمن سرّه وسكنت مأوى قلبه وفكره، وعليها أن تساهم في توطيد العلاقات الحميميّة بينهما، وكذلكيجب أن تفعل أخت الزّوج وأمّ الزّوجة وجميع نساء الأسرة. يجب أن تجتاز المرأة هذه الخلافات المتوارثة، وتقضي عليها لتثبت أنّ المرأة ليست ضدّ المرأة، تبرهن على أنّ المرأة ليست عدوّة المرأة ولا تريد سحقها. يجب أن تدركَ المرأة أنّ زوجها حين يرحّب بقريبتها أو جارتها أو بامرأة أو فتاةٍ أخرى أو يمدحها في حضورها أو في غيابها لا يعني هذا أنّه قد يميل إلى تلك المرأة، ويقلّ حبّه وتقديره لها. على المرأة ألا تشكّك في سلوكِ وأخلاقِ وتصرّفات المرأة الأخرى المقابلة لها أمام زوجها أو أحد رجال عائلتها أو الرّجال الآخرين.

معظم الخلافات الأسريّة والعائليّة سببها المرأة ولا أحد سواها، فلنؤسّس لامرأةٍ تتجاوز مثل هذه المفاهيم والمعتقداتِ المتوارثة.

 

متفائلة

hyam muhiadinصادفت في طريقي صديقا عزيزا   حياني   فحييته    وسلم على وسلمت عليه

بدأ يحدثني بكلام تفوح منه رائحة اليأس والتشاؤم، قال: أين أيام زمان عندما كان الناس يحب بعضهم بعضا وينقذ بعضهم بعضا ويساعد بعضهم بعضا!؟ أين الزمن الجميل الذي كان الجميع يتزاورون ويتواصلون بشوق ومحبة؟

أين الخير الذي كان يجمع بين الناس ويؤلف قلوبهـم؟ أين الود؟ وأين التكافل؟ وأين الرحمة؟ وأين التعاون؟

نرى الواحد منا في هذه الأيام لا يهتم إلا بنفسه ولا يحرص إلا على مصلحته ولو كلفه ذلك أن يسلك طريقا غير مشروع، أو التجأ إلى أساليب ملتوية مضللة سواء كانت غشا أو نفاقا أو كذبا أو تسلقا أو ظلما أو إيذاء وضاع الخير وتلاشت الرحمة وانحدرت الأخلاق في صحراء يسودها الظلم والجهل والفساد وغيبة الضمير والانتهازية، وغياب الالتزام بالقانون، وانعدام الديمقراطية،

نظرت في عينيه وقلبي ينكمش في داخلي أسى وحزنا لما آلت إليه أحوالنا، وسالت نفسي: هل أصبح الكذب والنفاق ظاهرة متوطنة في مجتمعنا!؟ وفكرت متسائلة: أيهما أشد خطورة الإنسان الكاذب، أم المنافق!؟ فمن وجهة نظري حياتنا أشبه بفقاعة كبيرة تملؤها الأكاذيب وترتفع في الهواء طافية فتلفت الانتباه، ولكنها مجرد فقاعة ستنفجر عاجلا في أي لحظة، والإنسان الكاذب سرعان ما ينكشف ويكون كالذي يبني قصرا فخما ضخما على الرمال بشاطئ البحر لا يلبث حتى تأتيه موجة قوية تجرفه معها فلا يبقى له أثر أما المنافق، فهو أشد مكرا وخطورة لأنه يتعامل بوجهين يضحك بوجه حين يلقاك ثم يطعنك بظهرك ليدوسك ويصعد على جثتك، مستخدما هذا الوجه الضاحك الخادع، وهو يحمل في قلبه كل الكراهية والحقد لك وقد قال تعالى في كتابـه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم " وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ " صدق الله العظيم.

وقلت لصديقي: يدعي الجميع حب الخير .. ولكن .. هل يفعل الجميع الخير؟ ويدعى الجميع كراهية الشر .. ولكن .. هل يبتعدون فعلا عن ممارسة الشر؟، هناك فرق بين القول والفعل كما أن الفرق واضح بين الشر والخير ونشاهد في الواقع الكثير من الأمثلة التي تجعل الخير مجرد عاطفة داخلية فقط لا تمنع الكثيرين منا من الإقدام على ممارسة الشر الخير والشر عدوان ولكنهما يتبادلان دور المنتصر والخاسر.

لقد أصبح الكذب والنفاق وانعدام الضمير والمبادئ وإتقان المراوغة السياسية في عصرنا خاصة في مجتمعاتنا العربية التي يظهر سياسيوها بألف وجه ويلعبون على أكثر من حبل همهم الوحيد مصلحتهم الشخصية والاستمرار في الزعامة المزيفة وإن كلفهم ذلك الاتجار في مصير السواد الأعظم من البسطاء والفقراء والضعفاء.

فاللعب على جميع الحبال والكذب والأنانية والفساد وانتهاج سياسة الفكر الأحادي والشخص الأوحد بالكذب والنفاق وانعدام الأخلاق أصبح دستور هذا العصر عند بعض الناس الذين يبتغون تحقيق أطماع خاصة بهم يكذبون وينافقون وهم يعلمون أنهم خاطئون ولكنهم يستمرون في الكذب والنفاق حيث صارا عند أغلب الناس عادة سهلة، أما النفاق فلا يتصف به سوى ضعاف النفوس، وهو طاعون يدمر المجتمعات فرسمت على وجهي ابتسامة مصطنعة وأجبت صديقي: هون عليك، فلا تزال الدنيا بخير، والخير موجود بين الناس ولا يمكن أن يختفي مهما قل أو ندر، فالإنسان الشرير الظالم يظل داخله جزء من الخير، وما تراه من الخروج عن قواعد الأخلاق والابتعاد عن تقاليدنا الخيرة وعاداتنا السمحة الرحيمة قد تمليه أحيانا الظروف الصعبة التي نمر بها والإحباطات التي نعانيها والظلم والفساد اللذان ينتشران في مؤسساتنا فماذا تتوقع من الذي لا يجد ما يسد رمقه ورمق أولاده!  وماذا تتوقع من إنسان تهدم بيته ولا يجد من يعينه أو يعوضه ! ماذا تنتظر وما زالت مؤسساتنا تعاني من الدكتاتورية في إدارتها ولا تعطي النظام والقانون أي اعتبار فالمسئولون مستمرون في كراسيهم دون مساءلة أو محاسبة إلى يوم يبعثون، يظلمون ويفسدون ولا يخدمون إلا أنفسهم مستمرا في مثل هذه الظروف الصعبة، من الطبيعي أن يتقوقع الإنسان على نفسه في أوقات الشدة والأزمات.

ومع ذلك فالخير وإن قل لا ينعدم والمروءة وإن خمدت في كثير من النفوس لا تنطفئ والتعاون وإن انحسر بين الناس لا يزول، ومهما كان الإنسان شريرا يظل في داخله قدر من الخير، فلسنا وحوشا ولكننا نملك ضمائر وأحاسيس، ولكن ما يحدث أن الإنسان في الظروف الصعبة تضعف أخلاقياته نتيجة لبطش الظالمين، وظلم المستبدين وتسلط المتسلطين الذين لا يريدون أن يعيش أحد بكرامة إلا أنفسهم وإني على يقين أن الخير سيظل موجودا بين الناس إلى يوم القيامة كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم " الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة " وستعود الأخلاق إلى الظهور عندما يعود للإنسان شعوره بالعدل والحرية والأمان وستعود المروءة عندما يطبق القانون على الجميع ويرفع الظلم عن المظلومين، وستعود النخوة والشهامة عندما تنتشر الحرية والكرامة وعندما يشعر الناس بالأمن والحماية وإذا ما عبروا عن أنفسهم وقالوا كلمتهم دون تهديد أو تكميم لأفواههم .. سيعود الخير عندما يعرف المواطن أن هناك من يسأل عنه ويتفقد أحواله ويعينه على ضعفه ويداوي مرضه، وعندما يشعر المظلوم أن هناك من يدافع عنه ويأخذ له حقه، وعندما يعرف الظالم أنه سيعاقب على ظلمه.

سمعني صديقي حتى النهاية مندهشا من التفاؤل الذي يغمر روحي، ومعنوياتي العالية على العمل والإنتاج، فشكرني وانصرف وقد لمع بريق من الأمل والتفاؤل في عينيه فبدون الأمل لن يتحقق الحلم، وبدون الثقة لن ينتصر الخير وعلينا أن نتمسك بالأمل ونثق في رحمة الله وعدله وأن يجاهد كل منا نوازع الشر داخله عملا بقوله تعالى:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ" صدق الله العظيم

 

هيام محي الدين

 

كلمات خالدة رغم الرحيل لخمسة من عباقرة الأدب العالمي

ahmad fadelتشينوا أتشيبي، إيان بانكس، شيموس هيني، إلمور ليونارد، دوريس ليسينغ

قبيل انقضاء العام 2013 بثلاثة أيام تناولت الناقدة الإنكليزية جيس ساتكليف عبر مقالها من على صحيفة الغارديان اللندنية خمسة من عمالقة الأدب العالمي رحلوا عنا في فترات قريبة منه وكأنهم تواعدوا على ذلك الرحيل وقد تركوا لنا جليل أعمالهم في القصة والرواية والشعر، ساتكليف بدت مبهورة وهي تتناول ما قالوه من كلمات خلال حياتهم الحافلة بالإبداع، بدأتها بالكاتب الأفريقي النيجيري تشينوا أتشيبي 82 عاما والتي اقتطفت قبضة من حكمه البالغة والمؤثرة حيث قال:

- هناك مثل يتداوله الأفارقة يقول: "حتى الأسود لديها من يؤرخ أفعالها، لكن التاريخ لايغفل أن يمجد صياده ايضا " .

- أدب الخيال قد يظنه البعض من القراء أنه استعباد للعقل، بل هو في حقيقته تحرير لعقل الإنسان مما علق به من عقيدة خاطئة وخرافات لاعقلانية حيث يبدأ في اكتشاف الذات لينتهي إلى حكمة إنسانية عظيمة .

- كنت أعرف أنني أحب القصص، نشأت بذلك على قصص والدتي ثم أختي الكبرى، نتحلق حولهما حتى مع من يزورنا من أقراني وأخوتي، ثم كبرت وبدأت أقرأ عن مغامرات قلما كانت تتحدث عن أمجاد بلادي لأن الرجل الأبيض حاول طمسها حينما كان يستعبدنا لأننا متوحشون كما كان يصورنا، حينها عرفت من هو المتوحش .

تشينوا أتشيبي روائي نيجيري من قومية الإغبو، وهو أول روائي بارز من القارة السوداء كتب بالإنكليزية متناولا المخلفات المأساوية للإستعمار البريطاني على المجتمعات الأفريقية ويلاحظ أنه كان بارعا في تحليل العلاقة بين الأسلوب الأدبي الأفريقي والإنكليزي حيث وضع أغلب كتاباته في شرحها وتسهيل مهمة من يريد التعرف على هذين الأدبين .

ولد في 16 نوفمبر / تشرين الثاني 1930 في نيجيريا وتوفي في 21 مارس / أذار 2013 بمدينة بوسطن، ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية، من أشهر مؤلفاته " الأشياء تتداعى " وهي رواية باللغة الإنكليزية صدرت عام 1958 عن دار وليام هاينمان في المملكة المتحدة، ترشح لجائزة مان بوكر الأدبية المعروفة وجائزة نيوستاد الدولية للأدب .

عملاق آخر تناولت كلماته ساتكليف هو إيان بانكس 59 عاما كاتب وروائي أسكتلندي شهير تميز بقدرته على الجمع بين الخيال الخصب والفكاهة الفظة، عانى كثيرا من سرطان المرارة حتى وفاته، من درره الخالدة استقت كاتبة المقال بعضا منها:

- أنا لست مؤمنا كبيرا بالجوائز، ومع أني لم أفز بها، لكن على المرء أن يتشبث بجائزة أكبر منها هي محبة قراءه له .

- لم يكن يميز تاتشر اي شيئ حتى وفاتها، ذلك أنها كانت ذا تأثير سلبي على السياسة البريطانية .

- نعم، أشعر أن أيامي باتت قليلة في الحياة والذي يزعجني أكثر أنني لن أستطيع ركوب الترام في أدنبرة مرة أخرى .

- حياتي كانت رائعة، وأعتقد أنني كنت محظوظا حتى وأنا أعيش لحظات المرض والألم، فقد اشعرني الأحبة أن أخبار مرضي لايمكن لها قهر ذلك الحب بيننا .

- لقد آن الوقت كي نخمد الإختلافات فيما بين الاسكتلندي والبريطاني، فقد مر وقت طويل وبما فيه الكفاية لأن يتم الطلاق المنطقي لكلا الطرفين .

- لقد سألت صديقتي أديل: يا حبذا لو تشرفيني وتصبحين أرملتي .

ولد إيان بانكس في 16 فبراير / شباط 1954 في مدينة دنفر ملاين باسكتلندا وهو على مقاعد الدراسة الجامعية أنجز مجاميعه القصصية القصيرة لينتقل بعدها إلى كتابة الرواية حيث نشر " مصنع الدبابير " عام 1984 التي كرست إسمه كروائي ناجح ليس في بريطانيا وحدها بل تعدت شهرته لتصل إلى أمريكا وأوربا ما جعل دور النشر الغربية تتسابق لنشر أعماله الروائية التي بلغت 26 رواية، أما روايته الأخيرة السابعة والعشرين "المحاجر" فهي تتغلغل إلى داخل نفوس الشباب المصابين بالتوحد، الرواية وكعادة أعماله السابقة حازت على شهرة واسعة وقد اعتبرها النقاد من الأعمال الكبيرة التي صدرت في ذلك العام والمحزن حقا أنه لم ينتظر ليراها وقد حازت على كل ذلك النجاح، غادر بانكس الحياة في 9 يونيو / حزيران 2013 .

الشاعر الأيرلندي شيموس هيني 74 عاما الثالث في قائمة الناقدة ساتكليف حيث نقلت أحد أقواله عن الكتابة وكيف بنى رأيه حولها قائلا:

- الكتابة هدية إلى النفس البشرية القابلة للنسيان، غايتها الحصول على موجة من الحياة الداخلية أو توريد الشعور الداخلي غير المتوقع منها لتكون خارج تلك النفس .

أما الشعر فله رأي آخر فيه:

- لقد آمنت دائما أن القصائد في حد ذاتها تعتبرمرتكزا أساسيا للمعنى الذي تهدف إليه نفس الشاعر الذي يكتبها مرة بعد مرة فتمنح ذاته احتراما يثبت من خلالها ليترسخ أكثر في النفس مع مرور الوقت، فالشعر استحضار وانطلاق ودفق، قارئ الشعر يتأمل هذا الدفق من هنا يبدأ التحدي بين المتامل والشاعرالذي دائما ما يختار نقطة الانطلاق التي تضعه في الأمام .

ولد شيموس هيني في 13 أبريل / نيسان 1939 في منطقة ريفية في موسبون بمقاطعة لندن ديري في أيرلندا الشمالية، يعتبره الكثير من النقاد عملة نادرة بين الشعراء الغربيين حيث أشادوا به وبشكل مستمر، وتستدعي قصائده مشاهد وعبقا من طفولة ريفية، حاز على جائزة نوبل للأدب عام 1995، توفي بعد حياة حافلة بالتميز في مجال الشعر عام 2013 في دبلن بجمهورية أيرلندا .

أما إلمور ليونارد 87 عاما فهو الروائي الأمريكي الأكثر شهرة والذي عرف بكتابته لأكثر من 40 رواية تخصصت جميعها بالجريمة حتى لقب بالكاتب الأسطوري حيث تحول معظمها إلى أفلام، تناولت ساتكليف بعضا من أقواله وكلماته التي ستبقى شاهدة على عبقريته وتألقه:

- عندما بدأت الكتابة كنت أرغب في كسب المال وقد اخترت موضوعة الغرب كسوق رائجة لها، وعندما بدأ هذا السوق يفقد بريقه ويختفي تدريجيا بسبب انتشار التلفزيون تحولت إلى كتابة الجريمة التي فكرت أنها قد تكون افضل تجاريا من سابقتها، واصلت الكتابة فيها محاولا الخروج من أسلوبها القديم والذي اعتمد على الخيال أكثر من الواقع بكثير، فحاولت التركيز على الشخصيات أكثر من باقي تفاصيلها .

- تأثرت بداية بهمنغواي، لكتي أدركت بعد فترة من مزاولتي الكتابة أنه لايملك روح الدعابة ولا شيئ مضحك في قصصه .

- سالني أحد الصحفيين مرة: " هل السيناريو كتابة أدبية ؟ قلت: " كلا، لكنه جزء خاص من تفصيل العمل يدخل مع الصورة ليعطي فهما خاصا لايمكن اعتباره كتابة أدبية بأي حال من الأحوال .

إلمور ليونارد ولد في مدينة نيو أورليانز في 11 أكتوبر / تشرين الأول 1925 وتوفي في 20 أوغسطس / آب 2013، رواياته اشتهرت بالأماكن المعبرة التي تدور بها المشاهد والحوارات أكثر من الجرائم نفسها أو البحث عن المجرم واستكشفت كذلك مرارا ثقافة الأقلية بين الجنود والمجرمين وسماسرة الأسهم وعمال المصانع .

كانت الروائية البريطانية دوريس ليسينغ 94 عاما آخر الراحلين قبل أن يطوي عام 2013 أشهره الأخيرة ما جعل من ساتكليف أن تتناول أقوالها في آخر قائمتها والتي ابتدأتها بعلاقتها مع والدتها حيث قالت:

- كانت العلاقة بيننا سيئة جدا والشجار دائم وكانت تمتلك بصورة لاتصدق من الخداع ما يمكن أن تقنع به القريب والبعيد كم هي مظلومة بيننا حتى وفاتها بالسكتة الدماغية التي داهمتها وهي تعيش سنواتها السبعين .

- لست من الذين يمتلكون موهبة الزواج ولذلك لم يعمر معي طويلا، فقد تركت طفليّ عندما عدت إلى لندن عام 1949 على الرغم من أنه كان شيئ فظيع أن أفعل ذلك .

- لا أدري كيف سمح المجتمع الدولي أن تكون حرب العراق بكل هذه الوحشية، لماذا نسمح لأبنائنا الوقوع في هذا المستنقع وسوف يكون من دواعي سروري أن أموت لأشاهد الإرادة الدولية تزيح كل ذلك القلق الذي تركته هذه الحرب على نفوسنا .

- أشعر أنني عشت طويلا وهذا يكفي، وعندما أنظر إلى كل هذه السنوات التي مرت من حياتي أشعر أنني قد عشتها حقا .

دوريس ليسينغ روائية بريطانية شهيرة ولدت في 22 أكتوبر / تشرين الأول 1919 في كرمنشاه الإيرانية وحين منحت لها جائزة نوبل للآداب عام 2007 قالت اللجنة الملكية السويدية في بيانها: "أنها تكافئ حكواتية ملحمية عن التجربة النسائية التي وبارتياب واحتدام وقوة استطاعت تفحص حضارة منقسمة "، هذا التوصيف وإن كان صغيرا، لكنه يحمل في طياته الكثير من عوالم هذه الكاتبة التي عرفت حضورا كبيرا في المشهد الأدبي العالمي حتى قبل نيلها نوبل بسنين عديدة، ليسينغ رحلت عن الدنيا في 17 نوفمبر / تشرين الثاني 2013 .

 

كتابة / جيس ساتكليف / (الغارديان) 28 ديسمبر / كانون الأول 2013

ترجمة / أحمد فاضل

 

تحريف النص المقدس .. وشرعنة القتل

ahmad alkhozaiمن يتابع الاحداث الجارية في العالم وفوضى القتل المجاني الممتد من اقاصي افريقيا الى القوقاز مرورا بالمشرق العربي النتاج من الصراع الفكري والعقائدي الذي تخوضه الجماعات الاسلامية السلفية المتشددة مع مجتمعاتها والتي تستمد هذه الجماعات فكرها الجهادي من النصوص المقدسة واراء وافعال السلف الصالح حسب ما تدعي هي على الرغم من ان معظم جهادها اذا لم يكن كله موجه ضد المسلمين اتفسهم وهم المادة الخام لعملياتها التي تسميها بالجهادية ..ولكن ماهو التفسير الفقهي والشرعي للقسوة والهمجية التي تمارسها هذه الجماعات من عمليات ذبح وتمثيل وتنكيل بالجثث .. اعتقد ان الجواب موجود في تراثنا الديني والذي تلاعبت به الميول والتوجهات على مر التاريخ ..فكل هذه الجماعات تستند في افعالها هذه الى الحديث النبوي الذي يقول .. لقد جئتكم بالذبح..ومن يبحث عن اصل هذا الحديث سيجد ان معظم كتب الصحاح قد اوردته وبهامش حديث حسن .. وبخمس طرق اربعة منها عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن ابيه وواحد عن عثمان بن عفان .. فقد رواه احمد في مسنده حديث رقم 7036 وابي حاتم في تفسيره حديث رقم 2699 وابن حبان في صحيحه حديث رقم 562 وابن عساكر في تاريخ دمشق ..والهيثمي في مجمع الزوائد والبخاري في صحيحه باب خلق افعال العباد رقم الحديث 307...وابن حجر في فتح الباري وغيرهم ..وهو كما في رواية عمرو بن العا ص (مارايت قريشا ارادوا قتل النبي (ص) الا يوم أئتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة والنبي يصلي عند المقام فقام اليه عقبة بن ابي معيط فجعل ردائه في عنقه ثم جذبه حتى جثا على ركبته ساقطا وتصايح الناس فظنوا انه مقتول فأقبل ابو بكر الصديق يشتد ويقول ..اتقتلون رجلا يقول ربي الله ..ثم انصرفوا عنه فقام يصلي فلما فرغ من صلاته مر بهم فقال .. يامعشر قريش اما والذي نفس محمد بيده ما ارسلت اليكم الا بالذبح .. واشار بيده الى حلقه فقال له ابو جهل ماكنت مجهولا فقال الرسول وانت منهم) .. وفي رواية اخرى .. لقد جئتكم بالذبح .. هناك فرضيتان يجب التعامل فيهما مع مثل هكذا روايات ذات مدلولات تمس جوهر العقيدة الاسلامية .. الفرضية الاولى هي التسليم بصحة هذا الحديث الا انه جاء على وجه الخصوص لا العموم لسادات قريش فقط الذين ناصبوه العداء وسعوا الى قتله والدليل هو اعفائه عن قريش في يوم فتح مكة سنة 8 هجرية حين قال مقولته الانسانية الكبيرة (اذهبوا فانتم الطلقاء) ولو ان الله بعثه لذبح قريش لفعل وهو النبي الذي لاينطق عن الهوى .. وهذا الرأي ذهب اليه البهيقي وترجمه ابي نعيم في (دلائل النبوة) وعده مقيد كونه خص شيوخ قريش وشرحه السيوطي في (كتابه الخصائص الكبرى ) وجعله من الخصائص لا العموم وانه جاء لسادات قريش السبعة والذين وقف النبي(ص) على مضاجعهم يوم بدر..اما الفرضية الثانية فهي أبطال صحة هذا الحديث كونه يخالف القران الكريم ..بقوله تعالى مخاطبا النبي (ص) في سورة الانبياء (وما ارسلناك الارحمة للعالمين) .. واذا تعارضت السنة مع القران فالترجيح للقران بحديث النبي محمد (ص) الذي اخرجه البخاري في كتابه التاريخ الكبير عن عبد الله بن عمر بن الخطاب (انه تفشوا عني احاديث فما اتاكم من حديثي فقرؤوا كتاب الله واعتبروا ما وافق كتاب الله فأنا قلته ومالم يوافق كتاب الله فلم اقله) .. وحديث (الذبح) يتقاطع مع خلق ورحمه النبي محمد (ص) بكل مايحمل من عظمة وسموا انساني ومن ورائه الاسلام ذلك الدين القيمي الذي جعل السلام شعارا لأسمه هل يعقل ان يصدر منه مثل هذا الحديث.. أضافة الى ان بعض علماء الامة قد ضعفه كأبن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري ) وقال ان احد رجال السند هو ابن شهاب وهو ضعيف يروي عن التابعين .. وقال شعيب الارنؤوط .. رجاله رجال الصحيح الا ان فيهم يحيى بن سليم مما يحطه عن رتبة الصحيح .. بعد كل الذي تقدم نجد ان هذه الجماعات قد جعلت هذا الحديث من الثوابت واستحلوا فيه دماء واعراض واموال المسلمين وأخرجوه من الخصوص الى العموم لانهم تثقفوا على فكر سلطوي سادي .. أموي عباسي .. هذا الفكر الذي وسم تاريخنا الاسلامي بالدماء والرؤؤس المصلوبة على جذوع النخيل حين يحدثنا تأريخهم كيف كانت تبدأ مجالس الحكم لخلفائهم بفرش النطع وهو فراش من الجلد كانت تقطع عليه رؤؤس الناس .. اذن نحن الان بحاجة الى اعادة النظر بكل تراثنا الديني وانشاء ثقافة اسلامية مضادة لهذا الموروث الزائف والمشوش وتخليص الاسلام من كل هذه الشوائب التي لازال يذهب ضحيتها الاف الابرياء.

احمد الخزاعي .. بغداد

 

اليوم العالمي للسعادة وتعاستنا؟!!

يوم 20 آذار من كل عام هو اليوم العالمي للسعادة كما أعلنته الأمم المتحدة. وفي شهر آذار تزدحم الأعياد، وخصوصا الربيع والأم والمعلم وغيرها، ويبدو أنه شهر التجدد والولادات.

وفي يوم السعادة العالمي، الذي أغفلناه، لعدم إعترافنا به، لا بقولنا وحسب وإنما بسلوكنا، ولأننا سنفشل حتما إذا فتشنا عن منطلقات سعادة في مجتمعاتنا.

فالسعادة لها دور مهم في صناعة الأوطان المعاصرة وتحقيق التقدم القوة والإقتدار.

والمجتمعات السعيدة تمتلك حكومات ذات رؤية إنسانية تستهدف تنمية السعادة الوطنية، بل أن التعريف المعاصر للسياسة أصبح يعني القدرة على تحقيق السعادة.

وفي مجتمعاتنا كل ما يجري يهدف إلى الإستثمار بالتعاسة ومناهضة السعادة، فالإنسان السعيد يُحسب شاذا وغريبا وخارجا عن المألوف، وما ننجزه مزيدا من الآلام والحسرات والويلات والتداعيات، ومسيرات ذرف الدموع والتعود على الإنفجارات.

والعديد من الأبحاث تؤكد أن للسعادة تأثيرات إيجابية على الصحة البدنية والنفسية والعقلية، وتمنحنا آليات تفكير متجددة، وتسهم في تقوية قابلياتنا على حلّ المشاكل ومواجهة التحديات، كما أنها تطيل الأعمار، وتنمي الإقتصاد والإبداع والإبتكار، وتؤثر في تنشئة الأجيال الصاعدة، وتحقق إنسجاما عائليا وزوجيا إيجابيا وفعالا، مما يهذب سلوك الإنسان في المجتمع.

والسعادة تعني الألفة والمحبة والأخوة والرضى والتفاعل الإنساني الرحيم، والإحترام المتبادل بين الناس، وتوفير فرص الحياة الحرة الكريمة، من ملبس ومأكل وعمل ومسكن ومدن جميلة وشوارع زاهية باللون الأخضر.

والمجتمعات السعيدة هي الأقدر، وفي مقاييس الدول السعيدة تحتل معظم دولنا أدنى المستويات، برغم توفر أسباب السعادة وعناصرها، وثراء بلداننا، لكن العيب في آليات الحكم القائمة، والتي تغفل أو تنكر وتتجاهل العمل من أجل إسعاد المواطن.

فلو عملت الحكومات وفقا لرؤية تحقيق السعادة الوطنية لأنجزت ذلك الهدف، لأنها تمتلك الموارد والقدرات الكفيلة بإسعاد الإنسان، لكن معظمها تهدر الأموال والطاقات في تحقيق أعلى درجات التعاسة في بلداننا.

إن وعي أهمية وضرورة تغيير المفاهيم السياسية وتجسيدها في منطوق توفير السعادة للمواطن، إنما سيسهم في إنتقالة حضارية نوعية، ذلك أنها تعني إعلاء قيمة الإنسان ودوره وتأثيره في الحياة، وهذا يستدعي إعادة النظر بالقوانين والدساتير، وآليات صرف الأموال التي تُهدر بعمل السوء أكثر من إستثمارها بعمل الخيرات.

تحية للمجتمعات السعيدة، وأملنا أن تعي مجتمعاتنا وحكوماتنا أهمية السعادة والإسعاد، وأن ترى بعيون البهجة والمسرات، لا بعيون الغيلة والأحقاد والإنتقامات والصراعات التعيسة النكراء.

فهل سنحتفل باليوم العالمي للسعادة؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

معلومات إضافية