أقلام ثقافية

فضائل الأوربيين

moamar habarمن تمام الفضل وكماله، أن يعترف الإنسان بفضل الذي عرّفه فضل الله على الجميع. ومن يتابع الأشرطة العلمية والثقافية المنجزة حول حياة الحيوانات بمختلف أشكالها وألوانها وطبيعتها من طرف الأوربيين والأمريكيين، يقف على الحقيقة الساطعة المتمثلة في المجهود الخارق الذي يقوم به الإنسان الغربي من أجل أن يخدم البشرية، ويُعرّفها بالكنوز التي بين أيديها وتجهل قيمتها.

يترك النعيم الذي ولد وترعرع فيه طواعية، ليذهب حيث الفقر والجوع والجهل، ويترك وراءه كل وسائل الراحة التي يحلم بها ذاك الذي يشاهده والذي سافر إليه، حيث يفتقر لأدنى مقومات الحياة، ليعيش مع حيوانات ضارية لاترحم، وقبائل بدائية مازالت تعيش على أكل الأفاعي وصيد القردة والحشرات، وتخشى الإنسان لأنها لأول مرة رأت إنسان أبيض. فيظل يتابع الحيوان المفترس، وهو ينمو ويتكاثر ويفترس غيره، ويقاتل من أجل البقاء والسيطرة والاستحواذ.

ومن أجل أن تصل تلك الصورة نقية سليمة، ينفق عمره كله، وماله جله، وزهرة شبابه، ويخاطر بحياته. فيلبس لبوس وحيد القرن والتماسيح، ويقتحم عالم السم والأنياب والمخالب، كأنه واحد منها، وفرد من أفرادها.

وتعتريك حالة من الخوف والفزع وأنت جالس فوق سريرك، ترتشف فنجان قهوة وتتمتع بتلك المناظر، حتى إن إحدى الأوربيات أنفقت 5 سنوات كاملة، لمتابعة كل الأطوار الخاصة بالنُمُور الذين حددتهم، للدراسة والمتابعة وقالت مفتخرة..

لم أجد صعوبة في متابعتهم حينما كانوا صغارا، واليوم أجد صعوبة بالغة حينما كبروا، بسبب قطعهم لـ 6 كليومترات يوميا، بحثا عن الأكل والتكاثر، وهو مايُجبرُني على اللّحاق بهم يوميا، لأقدم للمشاهدين المادة المناسبة واللاّئقة بهم، معرّضة حياتها وشبابها، وما أوتيت من مال ورقة وجمال، للمخالب والأنياب.

المتتبع للأشرطة العربية التي تُظهر قدرة الله عزوجل، يرى أنها تحتوي كلها على صور للطبيعة والحيوانات والحشرات والطيور والأسماك لأوربيين وأمريكيين، أنفقوا حياتهم في إعدادها وتقديمها، فأمسى المسلم والعربي عاجزا على تقديم صورة لحيوان أليف، ناهيك عن المفترس، يشرح به الآية أو الحديث الذي يريد تقديمه، فيستعين بالأوربي والأمريكي، ليعرف عظمة الله تعالى في مخلوقاته دقّت أو جلّت.

وما يجب التأكيد عليه في مثل هذا المقام، أن الإنسان الأوربي والأمريكي خدم البشرية جمعاء، فيما يتعلق بحياة الحيوانات المختلفة. وليس من الأدب في شيء، أن يتحدّث المرء عن الإعجاز العلمي وينسبه لنفسه، ناكرا فضلهم وهو الذي اعتمد عليهم في كل صغيرة وكبيرة. فالفضل يُنسبُ لمن كان له السبق.

وفي الأخير، لابد من تسجيل حقيقة كانت دافعا لهذه الأسطر، مفادها أن المرء حينما كان صغيرا وهو يتابع الأشرطة العلمية الخاصة بالحيوانات، لم يكن يعرف معنى فضل غيره عليه، لأنه كان مشدودا ومبهورا بتلك الحيوانات، وهي تطير وتقفز ويفترس بعضها بعضا، وتحمي صغارها وتموت دونهم، لكن حينما شبّ المرء، وعرف الفضل لأهل الفضل، لم يعد يسأل عن الحيوان، بل يسأل عن من قدّم تلك الصورة الصادقة والرائعة، وعن ذاك الذي خاطر بحياته من أجل أن تصل المُشاهد، وهو في بيته آمنا سالما، فأمسى من حينها يعرف مكانة وقدر الأوربي والأمريكي في تعريف خلق الله بخلق الله.

إشكالية المصطلح

faroq mawasiمشكلة تحديد المصطلح لا تقتصر على لغتنا وأدبنا، وإنما هي قائمة في كل لغة، ما دامت   طبيعتها تتطور، ودلالاتها تتغير، تبعًا للزمان والمكان وللموقف والكاتب.

ونحن في اللغة العربية نفتقر إلى المعاجم التي ترشدنا إلى معاني (الألفاظ المعنوية) كالوِجدان والعاطفة والانفعال والفن والعلم والجوهر والمادة. وحتى “ مفاتيح العلوم “ للخوارزمي (ت. 997) و “ كشاف اصطلاحات الفنون“ للتهانوي (1745) لا تشفي شروحهما غليلك في كثير من المواد التي تبحث عن تعريفاتها، بل أكاد أجزم أن التشابه حينـًا، والخلط حينـًا آخر في هذه التعريفات يجعلنا بعيدين عنها أو عن إدراكها.

يقول ليبتنز الفيلسوف: “ إن معظم الخلافات العلمية ترجع إلى خلاف على معنى الألفاظ ودلالاتها، ذلك لأننا لا نلجأ إلى المعاني المتواصلة بين المرسِل والمستقبِل. وكلما كان المصطلح أدق وأحكم كان أقرب إلى التداول عند العلماء“ . وقد فطن إلى ذلك الجاحظ في إشارته إلى (علم الكلام).

ومصطلحاتنا الأدبية على وجه الخصوص ليست محددة الدلالة، وهي في اختلافها توصلنا إلى (حوار الصم) . ولا بد من أكثر من مثل:

 

الشعر الحر:

هذه التسمية لنازك الملائكة في كتابها (قضايا الشعر المعاصر) تختلف عن مفهوم أحمد زكي أبو شادي في كتابه (الشفق الباكي) . وإذا كانت نازك قد أخطأت واعتبرت “شعر التفعيلة“ شعرًا حرًا بالمفهوم الإنجليزي – حرًا من القافية والوزن – إلا أن المصطلح شاع وذاع مرادفًا لتسميات كثيرة منها: شعر التفعيلة (عز الدين الأمين)، الشعر المنطلق (محمد النويهي)، الشعر الجديد، الشعر العراقي ......... .

ولما كانت تسمية نازك هي الطاغية المستحكمة فقد ارتأيت – شخصيًا- تبرير هذه التسمية، وقلت إن الشاعر حر في استخدام عدد من القوافي دون التقيد بنظام معين، كما أنه حر في توزيع التفعيلات في السطر الشعري (انظر كتابي: الجنى في الشعر الحديث ص 14، وفيه معجم المصطلحات الأدبية).

 

التضمين:

والتضمين يحمل أكثر من دلالة:

أ) الاقتباس من مأثور العرب شعرًا ونثرًا.

ب) الجريان أو التتميم حيث لا ينتهي المعنى بانتهاء البيت، وساقوا لذلك مثلا يتكرر:

وهم وردوا الجفار على تميم               وهم أصحاب يوم عكاظ إني

شهدت لهم مواطن صادقات               شهدن لهم بحسن الظن مني

ج) أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدى فعل آخر أو ما معناه، فيعطى حكمه في التعدية واللزوم. ( انظر: مجلة مجمع اللغة العربية الملكي ج1 ص181 سنة 1935 وفيها ما يؤكد دعواي)

وللنحويين والبلاغيين تعريفات أخرى و شتى للتضمين، فلنرجع إلى مظانّها.

ولضرورة هذا الموضوع أخرجت مجلة ( فصول ) – الجدية في أكاديميتها – عددًا خاصًا تحت عنوان (قضايا المصطلح الأدبي) عدد إبريل 1987 . يقول د. عز الدين إسماعيل في تقديمه للعدد: “إن الفكرة الأساسية في المصطلح هي أن يكون أداة تجميع لطائفة من المعلومات أو الصفات النوعية أو الخصائص في أصغر حيز لغوي دال هو اللفظة، بحيث تقوم اللفظة بديلاً في الفكرة عنها“.

وقد لمست في هذا العدد من (فصول) حراثة في أرض بور، وجهدًا مباركًا، إذ وقف محمد عبد المطلب على مفهوم الأسلوب في التراث، وتناوله بالرصد والتحليل من خلال كتابات النقاد المشارقة والمغاربة. كما وقف صفوت عبد الله الخطيب على الخيال مصطلحًا نقديًا بين حازم القرطاجني والفلاسفة. وعالجت نبيلة إبراهيم مصطلح (المفارقة)، بينما تركز عبد الحليم محمد عبد الرحيم على (أزمة المصطلح في النقد القصصي).

ويورد عبد الرحيم نموذجًا لهذا الإرباك في المصطلح فـ (التكنيك) عند البعض هو (التقنية) عند البعض الآخر- وبطرق لفظ مختلفة- ، وهو (الأسلوب الفني في التنفيذ)، وهو (الحيل الفنية) وهو (الصنعة الفنية) و (التقنية لفنية) و(معالجات فنية) و (أسلوب المعالجة) ........ الخ

ويمكن للقارئ أن يلمس هذا الإرباك أيضًا في تحديد معاني القصة، القصة القصيرة، القصة القصيرة جدًا، الأقصوصة، القصة الطويلة، الرواية، الرواية الصغيرة، القصة القصيرة الطويلة...... الخ، كما يمكنه تلمس الإشكالية في تعريف الشعر المرسل، الشعر المنثور، النثر الشعري، قصيدة النثر ........ الخ .

وبهذا السياق فإنني أدعو إلى أن نعدَّ كتابًا يضم شروح المصطلحات بأسلوب ميسر ومختصر، وحبذا أن نحافظ على معاني المصطلحات التي فرضت نفسها عند معظم النقاد، وذلك لأن كتاب د. مجدي وهبة (مصطلحات الأدب) أشبه بترجمة عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ولأن كتاب (المصطلح في الأدب العربي) لناصر الحاني بعيد عن واقعنا الأدبي، ولان كتب د. عبد الواحد لؤلؤة فيها توسع واستطراد.

إننا بحاجة إلى لغة مركزة هي لغة المصطلح، والتفكير الراقي هو الذي يختزل، ويتحدث إلى لغة (المبدأ) و(القضية الكلية)، بينما التفكير البَدائي لا يعرف الكليات والمعاني العامة، وإنما يتوقف عند المحسوس وعند الجزيئات.

فتعالوا أيها الكتاب إلى كلمة سواء: أن نحدد مصطلحاتنا بدقة ممكنة، ولا نخلط في بيان معالمها...فكفى لغتنا الترادف وفضفاضية المعنى. وما أقربنا إلى لغة العلم يوم أن يكون المصطلح أشبه برمز جبري نستعيض عنه بالفكرة من ورائه.

 

......................................

فاروق مواسي: أدبيات. القدس- 1991، ص 63- 67.

 

الحب قبل الزواج أم بعده؟!

abdulrazaq mohamadjafarســعيد الحظ من وصــل الى ســن الشــيخوخة وهـوبكامل قواه العقلية والجســدية، وبوضع اقتصـادي يكفل له العيـش الكريم، ولا خوف عليه من غدر الزمان مهما بلغ من العمر عتياً، ان هو تجنب ما يعكر مزاجه، ولا يتدخل فيما لا يعنيه أي يدع الخلق للخالقوأنه!،

ولا يعني أن للأنسان قدرة على تأجيل نقطة الصفر لمغادرة الحياة الدنيا، فهذا شأن ألاهي .. وأنني مؤمن بأن الأنسان لا يعرف لا مكان ولا زمان رحيله عن دنيا الفناء،وكل ما يقدرعليه هو الألتزام بالقواعد الصحية وعدم تعريض نفسه لأمراض الشيخوخة.  

الكثير منا يقع في لغط بين الحالات المرضية والظواهرغيرالطبيعية التي تظهر في سـن الشيخوخة .. والموسومة بالمراهقة الثالثة!

وأذا كان المقياس للمراهقة، هو شــغف الجنــس البشــري بالآخر، والتلهف على اشــباع غرائزه الجســدية بشــتى صــورها .. بغض النظر عن عدد الســنين، فنحن كلنا مراهقون!، ولااريد تقديم الكثير

من العينات لشــيوخ ارتبطوا بحســناوات بعمر الزهور، والعكــس صــحيح، فهذا انتوني كوين، الممثل الأمريكي من أصل مكسيكي وبطل فلم "زوربا اليوناني، وفلم الرسالة عندما قام بدور حمزة، حيث شـاهدته في طرابلس عاصمة ليبيا في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وكانت بمعيته زوجته المغربية الشابة، في

العشـرينات من عمرها، وهو في حينها قد أقترب من الـ 86 سـنة، وكانت بمعيتهما طفلتهما، في حدود الثانية من عمرها!

من منا لا يعرف اليزابيث تايلور، من أجمل الممثلات الأمريكيات في الخمسينيات،و تزوجت عشرة مرات شرعاً، أضافة الى العديد من فرسان هوليود عاصمة السينما الأمركية، الذين أجادت ترويضهم!

ان اي متتبع للصــحافة العالمية والفضــائيات يتذكرالعديد من الأمثلة، منها زواج الشــحرورة" نهلة ســلامه"، من الشــاب "مصـطفي النجار"، وطلاقهما بعد ثلاثة ايام من حفل الزواج !.

ان عدم الوفاق او الأفتراق بين الأزواج، ليــس مرده فارق الســن فقط .. وقد يكون هو احد الأســباب المهمة، في حالة عدم التزام الطرفين بالمفاهيم الخلقية والأعراف الأجتماعية في بلد الأقامة .. لأن لكل بلد عربي أعراف أجتماعية لا يمكن التخلي عنها مرة واحدة، فأن العادات التي غرزها المستعمر الفرنسي في أوساط المجتمعات في المغرب العربي .. لا يتقبلها المواطن القادم من بلدان المشرق العربي .. ومرت الأيام وتشــاء، الصــدف ان اعمل في قطرعربي من اكثر البلدان العربية انفتاحاً .. ورمى القدر في طريقي صـداقات بريئة، أرتضيت بها رغماً عني، لأجل قتل الوقت ولتخفيف معاناة الغربة، الا ان الحلوما يكملش!، ففي احد الأيام لفتت نظري شابة فدخلت مزاجي .. وداهمت خلوتها عندما كانت ترشـف القهوة، وسألتها .. وما ان عرفت لهجتي .. حتى غمرتني بعطف لا مثيل له أو قل منقطع النظير، لا بسبب شياكتي .. بل حباً بالعراق، وشــاركتها خلوتها، وما ان توصلنا للمهم .. حتى بادرتني بســؤال نزل على رأســي كالمطرقة! .. وقالت:

" قديــش عمرك؟" .. (أي ماعمرك؟) فأجبتها بكل صــدق .. ثم سـألتها عن عمرها وقالت: رقماً ليتها لم تقله، وكان مجموع نصـف عمرينا اربعين ! .. ثم دخلنا في سـجال ممتع حول ما يعانيه الشباب

حول: الحـب قـبـل الـزواج أم بـعـده؟!

فأحتد السجال بيننا. .وقالت: قبل الأجابة على هذاالسؤال، علينا ان نبين لماذا الزواج؟ .. هل هو من اجل اشباع الغريزة الجنسية؟ .. فقلت بالطبع لا .. لأن ممارسة الجنس اصبحت يسيرة او شبه مباحة، في بلدان العالم المتمدن! .. وبأساليب مستترة في بلادكم، أما عندنا، فما زالت العلائق الغرامية سـرية في بعض المدن الكبرى، وعسيرة في النواحي والأرياف، فالقتل لكل من تزل عن الطريق كما قال المتنبي:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى = حتى يراق على جوانبه الدمُ

   وعلى اية حال، فأن سُـنة الزواج قائمة .. قد تكون لسبب تكوين الأسرة .. و انجاب الأطفال .. الا ان ذلك أصبح غيرملزم عند بعض شرائح المجتمع لحـد ما، لأن الملايين من سكان العالم ينجبون اطفالاً من دون زواج ! .. وهكذا يمكن الأستنتاج من ان الزواج هو ثـمـرة حب،وقد بينت التجارب في البلدان المتحررة أجتماعياً،تكوين علائق أجتماعية لا تختلف في جوهرها عن الزواج الشرعي البته!

   ان استمرارية الحب بعد الزواج معتمدة على طبيعة الـبيئة التي غرسـت فيها بذرة الحب .. فأن كانت صالحة، نمى الحب وترعرع والعكـس صحيح !

لا بُـدً لي من وقفة هنا لكي اناشد واهـمـس بآذان شـبابنا ممـن يخـوضون تجربة الحـب او قـل يعـومـون في بحـر الغـرام .. ان ليـس هناك امتع من الأقتران بشريك يبادلك الهيام ويثمنك كأنسان .. وليشمر كل محب عن ساعديه ويعلن الزواج قبل فوات الأوان من دون اي تردد او خلق مبررات .. فليس من محب حقيقي يترك حـبه بعد تبادل للمشاعر لعدة سنوات، .. ثم يغير احدهما او كلاهما سـير اتجاهه فجأة ليتزوج من أبنة العم أو الخال .. تاركاً خطيبته التي كانت تحترق بنار هادئة على أمل أن يحل اليوم الموعود وتزف له!

الزواج المرتبط بعاطفة حقيقية فرصة،وما من أحد لا يعلم بأستحالة تكرار الفرص، فما من انثى او ذكر بلغ سـن الرشد لا يفهم ما الحلال وما الحرام عند تبادل مشاعر الحب والمودة بين الذكر والأنثى، ولا بُـدً من بيان حـسـن النيه لأعلان الزواج في يوم ما!

ان فترة الخطبة وما يتخللها من غرام تحت سـقـف واحد ولفترة طويلة، لأسباب خارجة عن ارادة الطرفين قد تكون في حقيقة الأمـر ضرباً من الزواج السري المتعدد الأشكال والألوان .. وأطلعت بحكم عملي في الجامعة مع المدرسات والمعيدات اللائي فاتهن القطار ولمسـت عـلائـقهن عن كثب، وكلهن في قلق من هروب سي السيد!،

وبالرغم من كل المحاذير من الحب قبل الزواج الا انني اؤمن بأن الحب قدر لا مهرب منه، وليتمجد الـحـب بين المحبين .. قبل وبعد الزواج، ورحم الله سـيدة الطرب العربي وموحدة العرب أم كلثوم .. التي امتعتنا بصوتها العذب في اغنية سـيرة الحب:

طول عمري بأخاف م الحب وسيرة الحب

                 وظلم الحب لكل أصحابه

وأعرف حكايات مليانه آهات ودموع

               وانين والعاشقين دابو وما تابوا

 

أ. د. عبدالرزاق محمد جعفر/ أستاذ جامعة بغداد / سابقاً

 

البنية الأدبية: مقالة في تغريدات

adil salehكاتبة أميركية من مواليد لوكبورت بولاية نيويورك لعام 1938 . تلقت تعليمها في جامعة سيراكوز ثم جامعة ويسكونسن وبدأت عملها في التدريس الجامعي بجامعة ديترويت وجامعات آخرى قبل ان تستقر اخيرا في جامعة برنستون منذ اواخر سبعينيات القرن الماضي حتى الآن. ظهرت موهبة اوتس في الكتابة بوقت مبكر لتصبح فيما بعد من اشهر الكتاب الأميركيين وأغزرهم انتاجا في مجالات ادبية متعددة كالرواية والقصة القصيرة والمسرحية والمقالة والشعر وأدب الأطفال واليافعين وغيرها. نشرت اولى مجموعاتها القصصية تحت عنوان (قرب البوابة الشمالية) عام 1963، وفي عام 1969 فازت روايتها (هم) بجائزة الكتاب الوطني كما فازت اعمالها بالعديد من الجوائز ورشحت بعض من رواياتها الأخرى لنيل جائزة البوليتزر. نترجم هنا مقالا ادبيا طريفا لها لكونه عبارة مجموعة من التغريدات على صفحتها على تويتر.

 

البنية الأدبية: مقالة في تغريدات

تجميع مجموعة قصصية يشبه الى حد كبير بناء رواية: القصص هي "الفصول" في سرد ( خفي؟ أجوائي؟ ملتو.)

مثلما تكون الجملة الأولى او الفقرة الأولى في رواية اشارةً (خفية) لكل ما سيأتي، كذلك فالقصة الأولى في مجموعة هي حاسمة ايضا.

مثلما يكون المشهد الأخير وحتى الكلمات الأخيرة، في رواية ذات اهمية حاسمة بالنسبة الى معناها، كذلك فالقصة الأخيرة في مجموعة حاسمة ايضا.

حين تبني مجموعة فانك تعلم ان ثمة افتتاحية "مثالية"—ولكن ليس سهلا ان تجدها. (كل ذلك ينطبق على كتب الشعر أيضا)

عموما، الانتقال من "البسيط/الواضح نسبيا" الى التعقيد المتزايد والإطالة؛ من "الواقعية" الى شيء أشبه "بالسريالية"...

(ان هوس المؤلف بالــ"بنية" ينطوي على مفارقة لأن العديد من القراء لا يقرأون الكتب على نحو خطي، حتى الروايات البوليسية (!).)

اشار جون ابدايك مرة الى ان ما يبذله المؤلف من جهد من اجل اختيار الكلمات ووضعها في مواضعها الدقيقة امر ينطوي على مفارقة، ذلك لأن القراءة بالنسبة للعديد من —

القراء هي مراودة خاسرة للنوم، كما هي الحال مثلا مع قراءة من يقرأ في الفراش حتى ينزلق الكتاب من بين يديه. ليس في ذلك اطراء.

(أجل، فثمة "قراء روايات بوليسية شرهون" يعترفون بأنهم يقرأون الفصل الأخير أولا)   

(أجل، اعترف بأنني غالبا ما قرأت مجموعات قصصية وكتب شعرية هكذا كيفما اتفق مخالفة بذلك قناعاتي الشخصية.)

جميع الأعمال الفنية هي تجميعات لكسر وشظايا—ذكريات واختراع-"الهام"—الا ان بنيتها النهائية مدروسة بروية وتأن .

الكتب المبنية بعناية لا يمكن ان تقرأ بل تعاد قراءتها—ليس اقل من عدم امكانية المرء ان يشاهد احدى مآسي شكسبير مرة واحدة فحسب و"يعيشها"...

... ولكن اذا ما استثنينا الطلبة والمؤلفين الآخرين والمهووسين المنعزلين، فان القليلين يعيدون قراءة الكتب وعلى الأخص ليس سطرا سطرا.

 

غردتها جويس كارول اوتس في 24 مايس 2013

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

 

السيدة الزهراء هوية تجمعنا في تراثنا العربي

saleh altaeiلا أريد التحدث عن سيرة حياة السيدة الزهراء لأنها تكاد تكون معروفة للجميع، وسأستغل الوقت لأتحدث عن مكانة الزهراء عند الأمة وتراثها، فهو أحد أسباب فرقتنا التي أدت إلى تناحرنا وتقاتلنا.

المشخص أن التراث العربي والإسلامي ما ترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتناولها بالدرس لدرجة أن المهتمين وضعوا كتبا وبحوثا حتى في (آداب الخلاء) إلا أنه أعرض نتيجة الضغوط السياسية عن قضايا مهمة، كان لها لو نالت اهتماما أن تسهم في تفريغ شحنات الشد بين فرق المسلمين، وتسهم في توحيد الأمة.

ولا يخفى عليكم أن السياسة لعبت دورا كبيرا في تفكيك مفاصل الجسد الإسلامي بعد أن نزت على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)

وقد تكون حرب مانعي الزكاة ومن بعدها واقعة الجمل هي التي هيئت الأجواء لهذا التغيير بعد أن غُمس السيف المسلم بالدم المسلم. وبعد أن قُتل الكثير من الصحابة بيد الصحابة، ثم جاءت صفين لترسم الحدود الحقيقية بين الدين والسياسة، وهنا انتصرت السياسة على الدين وحولت منهج الحكم الإسلامي إلى إسلام سياسي.

إن الفوضى في إنتاج الخطاب الديني، ثم تحويل الخطاب إلى نصوص شكلية فارغة بعيدة عن مضمون الدين، نجح في تحويل الدين إلى مفاهيم سياسية، ولاسيما بعد أن اكتسبت الفوضى قوة دافعة بظهور حاكميات قوية، وهنا تمظهر الجانب الديني في الجانب السياسي وحولت السياسة إلى دين.

ولا يخفى عليكم أن الأديان السماوية في طريق تحريرها الإنسان من الظلم الاجتماعي ومن خلال رفضها سيطرة النظام العبودي؛ حررت أو دعت إلى تحرير المرأة من خلال سلسلة معارك ومواجهات مع الوثنية والموروث، مما حول المرأة إلى كيان يحمل نفس منزلة الرجل، وربما أكثر.! ومن هنا جاء الدور الريادي للسيدة الزهراء، تقدست صورتها. يقول عباس محمود العقاد: "في كلِّ دين صورة للأنوثة الكاملة المقدسة، يتخشع بتقديسها المؤمنون، كأنما هي آية الله فيما خلق من ذكرٍ وأنثى، فإذا تقدست في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الإسلام لا جَرَم تتقدّس صورة فاطمة البتول"

إن هذه النظرة النخبوية يَطلق عليها البعض اسم: (الطابق العلوي) وإن كان الحديث في الإسلام عن (الطابق العلوي) قد جاء للتدليل على وحدة المشروع الإلهي، فإنه تحول في فكر الباحثين المعاصرين إلى مركز نخبوي انتقائي. فهم ربطوا بين تخصيص الطابقَ العلويَّ مِن أبنية الزقوراتِ القديمة إلى الآلهة، و اختيار نبي الله موسى التكلم مع الرب سبحانه في أعلى جبلِ طورِ سيناء، وإسراء سيدنا محمدا إلى السماء.

إن الطابق العلوي بمفهومنا الإسلامي هو الدرجة النخبوية الرفيعة التي يرقى إليها نخبة المؤمنين من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. ومن هنا جاء اعتقادنا أن السيدة الزهراء إنما رقت إلى مركز العلياء بصدقها وتفردها، لأن الله تعالى خصها بالسيادة فهي بصريح الحديث النبوي (سيدة نساء العالمين). ومن هنا جاء حضورها الدائم في حياة المسلمين. وكان لهذا الحضور أثرا واضحا انعكست صورته في تراثهم الفكري والأدبي. فالمسلمون المفعمة قلوبهم بمحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) وجدوا في السيدة الزهراء أنموذجا فريدا للمرأة المسلمة والقدوة الحميدة لا يمكن تجاوزه أو إغفاله، أو عدم التحدث عنه.

نعم حاول الحراك السياسي الطائفي إثارة جدل عقيم حاول من خلاله سلب حبها من قلوب بعض المسلمين من خلال تقليل أهمية دورها وتضخيم أدوار أخريات أقل همة منها؛ في منحى سياسي الهدف، طائفي المنهج، مشكلين بذلك كيانا أخذ جانبا من جوانب الصراع. إلا أن المسلمين ذوي النوايا السليمة اكتشفوا المؤامرة.

ومن هنا جاء الاهتمام الأدبي بالزهراء. فضُمنت كلماتها وأقوالها وسيرتها في: القصة والرواية، الأمثال والحكم، الشعر، السيرة والترجمة. ثم بسبب المكانة العلمية والمنزلة العظيمة للسيدة؛ جاءت دراسة التراث الفاطمي، دراسة خطبها وأقوالها، والأثر الذي تركته أحاديثها وأقوالها في الناس.

ولم يبخل المسلمون ـ من أغلب المذاهب ـ بجهدهم في ذكر محامدها وفضائلها. وفي (الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء) أفرد إسماعيل الأنصاري الزنجاني المجلد الثالث والعشرين للحديث عن الكتب المؤلفة عنها مبتدئ بكتاب سليم بن قيس مارا بكتاب محمد بن سيرين مسترسلا بالحديث إحصائيا عن أسماء ومواضيع ولغات الكتب التي ألفت بحقها (عليها السلام) فوجد أنها كتبت بتسعة وعشرين (29) لغة حية. ووجد أتباع المدارس الإسلامية والأديان السماوية يشتركون في هذا الفضل المنيف والعمل الشريف. نعم كانت الغلبة لأتباع مدرسة أهل البيت لكنك تجد أكثر من أربعة وأربعين (44) اسما من أسماء كبار كتاب مدرسة الخلفاء من القدماء والمعاصرين يؤلفون بحق الزهراء، وأكثر من تسعة عشر (19) كاتبا من أتباع الديانة المسيحية يكتبون ويؤلفون للزهراء، فضلا عن انضواء كتب التاريخ والسيرة والطبقات والفضائل على كثير من أخبارها، فضلا عن ذلك هناك آلاف القصائد والأقوال والأمثال والقصص وغيرها من فروع الأدب تناولت سيرة السيدة الزهراء بالحديث.

ومع ذلك هناك اليوم من يمتعض من ذكرها بقصيدة أو بعمل أدبي، وهذا مخالف لتعاليم الإسلام، بل ومخالف لطبيعة النفس البشرية المجبولة على الاجتماع، إذ لا يخفى أن هواة لعبة كرة القدم شكلوا روابط تشجيع فتحول حبهم إلى هوية تجمعهم ومثلهم باقي الهوايات، كل هؤلاء حولوا حبهم المشترك إلى هوية تجمعهم دون أن تؤثر على معتقداتهم الفردية حيث احتفظوا بخصوصياتهم لأنفسهم وأشتركوا في عمومية الحب المشترك لشيء اختاروه بإرادتهم وقناعتهم. فما بال المسلمين يدَّعون جميعهم أنهم يحبون السيدة الزهراء، ولكنهم يرفضون أن يحولوا حبها إلى هوية تجمعهم، وحبها من أقدس الهويات؟

إننا لو نجحنا في تأسيس رابطة لحب الزهراء تجمعنا شيعة وسنة وعربا وأكرادا كما نجح شباب العالم في تأسيس رابطة حب فريق برشلونة أو ريال مدريد لتحولنا إلى صوت هادر تخشاه الأصوات الأخرى، فلا تدفعه إلى المجهول نتيجة الضعف والخمول. تعالوا لنتحد على حب فاطمة بمناسبة ذكرى استشهاد الزهراء فاطمة بنت سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) فقلبها الذي وسع الإسلام يسعنا جميعا أخوة متحابين.

 

.......................

(*) محاضرة ألقيتها في المركز الثقافي التابع لوزارة الثقافة؛ في واسط يوم الخميس 3/4/2014 بمناسبة ذكرى وفاة السيدة الزهراء (عليها السلام)

 

وقفة تأملية في واقعنا الاجتماعي ..!

shaker faredhasanيشهد مجتمعنا العربي في هذه البلاد في السنوات الأخيرة الكثير من التحولات والتبدلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي أدت إلى متغيرات في حياتنا وسلوكنا الاجتماعي القيمي .

هنالك ردة مجتمعية وفكرية وأخلاقية عميقة، وانهيار للأحزاب، وسقوط للقيم، واندثار للمبادئ، وتراجع للوعي الجماعي والسياسي والوطني والثقافي، ولهاث شديد وراء الثروة والمال . ناهيك عن العائلية والطائفية والعشائرية التي تنخر عظام وجسد هذا المجتمع المأزوم، وهذا ما أثبتته الانتخابات الأخيرة للسلطات المحلية .

زد على ذلك انتشار ظواهر الارتزاق الفكري والدكاكين الحزبية والمال السياسي علاوة على انتشار النفاق والرياء والدجل السياسي والزيف الاجتماعي والمظاهر الكاذبة، والتنافس الواسع في السيارات والفيلات الجميلة والرحلات الاستجمامية للخارج وشراء الملابس غالية الثمن وارتياد المطاعم الفاخرة . وقد أصبح شعبنا رهينة لثقافة الأكل والاستهلاك، وباتت الذاتية والأنانية هي الصفة الغالبة والمسيطرة على مشاعرنا وأحاسيسنا، وكل واحد منا يبحث عن مصلحته الضيقة قبل المصلحة العامة، مصلحة شعبه ومجتمعه ووطنه . أما عن البذخ والإسراف في حفلات الأعراس وظاهرة التعري وسباق العرائس في ارتداء الملابس الشفافة وإبراز المفاتن والصدور العارية فحدث ولا حرج ..!

وباعتقادي، إننا جميعا دون استثناء نتحمل المسؤولية عن هذا التدهور والتسيب الأخلاقي والاجتماعي وما آلت إليه أوضاعنا الاجتماعية .

إن الواقع الذي نعيشه يحتاج إلى ثورة تجديدية في الفكر والعقل، وتغيير في النهج والمسلك والتفكير، وإرساء وعي نقدي جديد يتصدى لكل الظواهر السلبية المدمرة التي اجتاحت مجتمعنا، ويمهد الطريق لنهضة اجتماعية قادرة على بناء جيل جديد قادم، يؤمن بالتغيير والقيم والأخلاق والأفكار التقدمية التنويرية، وتوليد حضارة إنسانية جديرة بالإنسان على أساس الديمقراطية والتعددية واحترام الرأي الآخر، وتصون النسيج الاجتماعي والأهلي والوطني الوحدوي .    

اختلف معي .. لكن احترمني

fatima almazroweiفي كل مجتمع إنساني تتباين الآراء وتختلف وجهات النظر، وفي المجتمعات الأكثر تعلماً ومعرفة تعتبر مثل هذه الظاهرة مؤشراً صحياً وسليماً، لأنه دليل على حراك فكري ومعرفي يطول مفاصل وزوايا المجتمع كافة.

والتجربة الإنسانية أثبتت منذ حقب زمنية غابرة وحتى اليوم، أن الإنسان كلما شعر أنه يشارك ويتعاطى مع قضاياه وهمومه كلما كان هناك ارتفاع أكبر في الوعي وفي التطبيق، وهو ما يرتد إيجابياً على سلامة المجتمع ككل.

إذن المشاركة في الرأي، بل والتعبير عن هذا الرأي باحترام وحفظ حقوق الآخرين الذين يشاركونك المكان والآمال والطموحات، وتفهم رأي الآخرين، بل وحماسهم لهذا الموضوع أو ذاك أيضاً يعتبر دليلاً على عمق الوعي الإنساني.

مع الأسف الذي يحدث في كثير من الأحيان في عالمنا العربي، هو أشبه بمعركة كلامية حادة تلقى فيها الشتائم والتهم والتخوين والتكفير وغيرها الكثير من المفردات التي يمتلئ بها واقعنا، ويمكن ملاحظتها على مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر، فضلاً عن التعليقات التي يتم نشرها على عدد من المواقع الإخبارية الإلكترونية، والموضوع مثار كل هذه التطاحن لا يستحق كل هذا التشنج والعصبية.

وهناك جانب آخر في هذه المعضلة، وهي أننا خلال نقاشاتنا وفي مجالسنا قد لا نعطي الذي أمامنا ما يستحق من التقدير والاحترام، لعلمه أو لكبر سنه أو لتميزه ونبوغه في مجال ما، فتجد أحدهم يتحدث نحوه بهمجية، ومن دون مبالاة، وفي أحيان بقسوة ورفع صوت وبغمز ولمز في الكلمات، وفي هذا السياق، أستحضر ما حدث للمؤلف والكاتب الشهير جورج برنارد شو الذي حاز على جائزة نوبل في الأدب عام 1925، حيث قال له كاتب «أنا أفضل منك، فأنت تكتب وتبحث عن المال، وأنا أكتب عن الشرف، فقال له برنارد شو: صحيح كل منا يبحث عما ينقصه».

وقصة الشاعر بشار بن برد، وقد كان كفيفاً، حيث كان جالساً مع رفاقه، فجاءه رجل وسأله قائلاً: ما أعمى الله رجلاً إلا عوضه، فما الذي عوضك به الله؟ فقال له بشار بن برد: بأن لا أرى أمثالك.

ما نريد الوصول إليه أنه لا بأس بالسؤال، ولا بأس من محاولة التعلم، بل والاختلاف والنقاش، ولكن باحترام وتقدير للجميع.

وغني عن القول، إننا بحاجة لترسيخ مبدأ وفنون الحوار والحديث، لدى النشء منذ نعومة أظفاره، وحتى ينطلق في مجالات الحياة، وأعتقد أن المدارس هي المنبع الأول والمناسب لغرس هذه القيمة الإنسانية الجميلة.

 

الكاذب الذي يقول الحقيقة دائما

من على احدى شاشات التلفزيون اللبناني، ظهر (جهاد هديب) واقفا بين مجموعة من المعترضين على استفحال القمامة في شوارع الحي الرئيسية وازقتها وانسدادات مجاري الصرف العامة . تحدث بالم عن انتشار ذاك الزحف الملوث للبيئة وللذوق العام، ما اصاب الحواس بعطب لا يمكن اصلاحة . كنت اظن ولاول وهله ان الرجل يتحدث عن الادب، عن الشعر وهمومه، الترجمة، او عن شيء يمت لهما بصلة، مثلما كنت اقرأ للرجل على صفحات جريدة (الخليج الاماراتية) . لكن الصورة كانت صادمة لي بحق .....!!!

في اغسطس عام (2008 م)، نشرت له صحيفة (الخليج الاماراتية) من جملة ما نشرت في زاوية ادب اجنبي، موضوعا شيقا، جمع الاديب مادته من مصادر عالمية مختلفة، عمل على ترجمتها الى العربية وبحرفية رائعة . كانت تخص الشعر ومخاتلاته وتوصيفاته وتعريفاته . ولحسن الحظ، احتفظت بصفحة الموضوع بين اوراقي الشحيحة، لاعتزازي بما حوت من مادة غنية عن الشعر، والتعاريف المهمة لكبار الشعراء..... لوساويسه ومخاتلاته .

بمناسبة اليوم العالمي للشعر ... انقل هذه الترجمة المركزة والمهمة، والتي تتوغل عميقا لتصل الى كنه الشعر .... للاديب (جهاد هديب) دون تصرف او اضافة ..... له مني خالص الامتنان .

 

- تبدأ القصيدة بغصة في الحلق . (روبرت فروست)

- لا تكتب القصيدة، انما تنزف من العقل التجريدي للشاعر . تتقطر الكلمات قصيدة على الصفحة، من حزنه وبهجته وغيضه .

                             (بول انغل)

- عاد الربيع، الارض مثل طفل يتعرف الى القصائد . (راينر ماريا ريلكه)

- الرقص قصيدة كل حركة منها عالم . (ماتا هاري كوتيس)

- الشعر هو ما نفقده في الترجمة . (روبرت فروست)

- لا تنتهي القصيدة ابدا، انها مهجورة فحسب . (بول فاليري)

- الذي يرسم بهجة لا تصدأ هو شاعر حقيقي، وان لم يكتب سطرا واحدا طيلة حياته . (جورج ساند)

- كن دائما شاعرا حتى في النثر . (شارل بودلير)

- الشعراء هم اولئك الجنود الذين يحررون الكلمات من الملكية الراسخة للتعريف . (ايلي خاماروف)

- الشعر سجل يوميات يخص كائنات بحرية تعيش على اليابسة وتريد ان تطير . الشعر بحث عن مقاطع لفظية تروم اصابة تخوم المجهول وغير القابل ان يكون معروفا . الشعر كتابة مثالية تخبرنا لم كان قوس قزح ولم ذهب . (كارل ساندبيرغ)

- الشعر هو تلك المرأة التي تجعل الجمال مشوها . (بيرسي شيللي)

- الفرق بين المؤرخ والشاعر ليس ان الاول يكتب نثرا فيما يكتب الآخرشعرا .. يصف احدهما الأشياء التي كانت فيما يصف الآخر نوعا من الشيء الذي كان من الممكن ان يكون . من هنا فالشعر اكثر فلسفية واخطر شأنا من التاريخ بعض الشيء، نظرا لتعبيراته عن طبيعة الكوني التي هي تاريخ الأفراد . (أرسطو)

- في نهاية الامر، خوف الشاعر من الدوغمائي الذي يريد ان ينتزع رسالة من القصيدة، ثم يلقي بها بعيدا اكثر من خوفه من ذلك العاطفي الذي يقول : آه، دعني أستمتع بهذه القصيدة . (روبرت بن وورن / عن زوبرت فروست)

- الشاعر كائن تعيس، تمزق قلبه عذابات سرية، ولكن شفتيه، لما تفر منهما تنهيدة او بكاء، تصيغان ذلك في كلام يشبه موسيقا رائعة .. ومن ثم يحتشد الناس حول الشاعر ويقولون : غن من اجلنا ثانية حالا . وهذا اكثر من : ربما هناك عذابات جديدة تعذب روحك . (سورين كركيغارد)

- " بناء عليه "هي الكلمة التي ينبغي على الشاعر ألا يعرفها أبدا . (اندريه جيد)

- انه صنيع الشعر، أن يحقق واقع ترقيصنا الكلمة بخلق صمت حول الاشياء . (ستسيفن مالارميه)

- يداوي الشعر بلوى الجروح بالحجة والمنطق . (نوفاليس)

- ثمة شعر عندما ندركه، يتلبسنا اللاشيء . (جون كيج)

- من بوسعه أن يخبر الراقص عن الرقص . (وليام بتلر ييتس)

- الشعر لغة ذلك الشخص الذي اكتشف انذهاله . (كريستوفر فراي)

- لا يبتكر الشاعر، انه يصغي . (جان كوكتيه)

- كي نملك شعراء عظاما، ينبغي أن يكون هناك جمهور عظيم . (وولت وايتمان)

- ربما ما من شخص بوسعه أن شاعرا، او يستطيع حتى ان يستمتع بالشعر، من دون صمت اكيد للعقل . (توماس بابنغتون)

- أنت لا تستطيع كتابة الشعر على جهاز الحاسوب . (كونتين تارنتينو)

- الشعر هو الهام ذلك الاحساس الذي يعتقد الشاعر أنه داخلي وشخصي، والذي بوسع القارىء أن يتعرف اليه كما لو انه يخصه .

                       (سالفادور كواسيمودو)

- كل شخص يحمل في روحه شاعرا مات شابا . (قائل مجهول)

- العلم لمن يتعلم، والشعر لمن يعلم . (جوزيف روكس)

- الشعر صدى يطالب الظلال برقصة . (كارل ساندبيرغ)

- أسوأ مصير لشاعر أن يكون معجبا به من دون ان يفهم . (جان كوكتيه)

- الشعر حياة مركزة . (غويندولين بروك)

- الشعر أفكار تتنفس وكلمات تحترق . (توماس غريي)

- الذي يحيا الشعر هو من لا يكتبه، ويكتب الآخرون ذلك الشعر الذي يجرؤون على عدم ادراكه .(أوسكار وايلد)

- يكون الشعر عندما تجد العاطفة فكرتها والفكرة كلماتها . (روبرت فروست)

- الشعر هو كل ما يجدر بالتذكر في الحياة . (وليام هازلت)

- السيرة الذاتية للشاعر هي شعره، وأي شيء آخر مجرد هامش . (يفيغين ينتشنكو)

- الشعر الحقيقي يصل قبل ان يفهم . (تي اس اليوت)

- الشعر هو فن تجسيد الظلال . (ادمون بورك)

- الشعر، شبيه قمر، لا يفصح عن شيء . (بلسيت)

- مثل قطعة من الثلج على صفيح ساخن، على القصيدة ان تطفو نقطة انصهارها . (روبرت فروست)

- ينظر الشاعر الى العالم بالطريقة ذاتها التي ينظر بها رجل لامرأة . (ولاس ستيفنس)

- نحن لا نقرأ الشعر ونكتبه لجماله، نحن نقرأ الشعر ونكتبه لأننا ننتمي للجنس البشري، والجنس البشري مملوء بالعاطفة .

والطب والقانون والاعمال والهندسة هي مهن نبيلة وضرورية لاطالة أمد الحياة . لكن الشعر والجمال والرومانسية هي ما نحيا

من أجلها . (جمعية الشعراء الموتى)

- أنا لا ابدع شعرا، بل أبدع نفسي، بالنسبة لي، قصائدي هي طريقي الي . (اديث سديرغران)

- القصيدة لا تعني بل تكون . (أرشيبالد ماكليش)

- انها لحقيقة محزنة بالنسبة لثقافتنا، وهي أن بوسع شاعر ان يجني مالا من كتابته حول فنه أو الحديث عنه أكثر مما يجني من

   ممارسته اياه . (أودن)

- الأطفال والمجانين يقطعون عقدة غورديوس التي يقضي الشاعر حياته في محاولة ربطها بأناه . (جان كوكتيه)

- الرياضيات والشعر كلاهما تعبيرعن الفعالية ذاتها التي للمخيلة، فقط هي في حالة تتجه الى العقل وفي الأخرى الى القلب .

              (توماس هيل)

- كاتب النثر بوسعه فقط أن يخطو جانبا عندما يمر الشاعر . (سومرست موم)

- لا يزعج الشاعر نفسه بأنه شاعري، ولا يعمل بستانيا يشم أزهاره . (جان كوكتيه)

- تبدأ القصيدة بومضة وتنتهي بحكمة . (روبرت فروست)

- الشاعر هو الكاذب الذي يقول الحقيقة دائما . (جان كوكتيه)

 

             مهدي الشمسي

             3-4-2014

 

عشرة نساء لا ينساهنّ الرجل

على اختلاف الرجال وطبيعتهم .. هناك صورة لامرأة لا يستطيع الرجل أن ينساها، يرى فيها هذه المرأة دائما متجسدة في صورة شريكة حياته .

وهناك عشر نساء يبقين عالقات في ذهن الرجل مهما حاول التخلص منهن . . .

وهذه النساء هنّ:

 

- المرأة المنتمية

هي المرأة التي تنتمي إلى واقع هذا الرجل وحياته .. تشاركه وتحضره في كل لحظة وتشعربكل تفاصيل حياته من أفراحه وأحزانه وأفكاره وخططه .. ولا يشعر أنها متفرجة وتراقب الأحداث بل هي من يعيش في قلب الحدث وكل اللحظات التي تمر بالرجل .. المرأة التي تشعر الرجل بأنها منتمية إلى عالمه الخاص .. امرأة لا ينساها الرجل لأنها مرتبطة بجميع ذكريات حياته .

 

- المرأة الصبورة

الرجل لا ينسى امرأة صبرت وتحملت وشاركته أحداث وضغوطات الحياة .. وكانت طوق النجاة والحضن الدافئ الذي يلجأ إليه في الأزمات .. المرأة التي ترفع عنه همومه وتعلم جيدا متى يجب أن تكون حاضره وما الذي يجب أن تقوله بحنان وحب، وتصبر حتى على طبيعته وتتعامل معها بحكمة .

 

- المرأة المستمتعة

يحب الرجل أن يتشارك المتعة مع زوجته ويرضى حين تكون مستمتعة معه في لحظات كثيرة ومختلفة .. حتى في أدق التفاصيل وأصغر الأمور وأن حياتهما عبارة عن سلسلة من المتع اللامنتهية وأن لامعنى لحياتها من دونه .. هذه المرأة يصعب أن ينساها الرجل فهي ستجعل من كل لحظة بينهما ذكرى جميلة وممتعة تبقى للأبد .

 

- المرأة الذكية

المرأة الذكية هي التي تعرف جيدا كيف تتعامل مع الرجل الشريك وتتفهم أن لكل رجل طبيعته وعقله الخاص به، فتعلم متى تتحدث إليه ومتى تطلب منه ومتى تصمت وتستمع، وليس هذا فحسب بل وتعلم كيف تجعل زوجها يظهر ويبرز ويتقدم للأمام لأنها تدعم الثقة في نفسه وتعزز شخصيته دائما .

 

- المرأة الأنثى

المرأة الأنثى تجعل من شريك حياتها رجلا، فكلما زادت أنوثتها شعر الرجل برجولته أكثر فأكثر فهي دون أن تحاول أن تبرز تلك الأنوثة أو حتى تلفت النظر إليها من حديثها أو ملابسها فإنه يشعر بها عندما يجلس معها .. أنوثة داخلية حقيقية يشعر بها الرجل ويراها .. هذه المرأة يحبها الرجل ويحب رقتها ولا يتمكن من نسيانها .

 

- المرأة الجوهر

الرجل لا ينسى امرأة تتمتع بجمال ودفئ داخلي وشخصية مستقرة متصالحة مع نفسها وتفضل الهدوء والاستقرار ولا تتوه وسط الزحام وتكون المرجع والعقل المشارك والزهرة الجميلة وسط أشواك وضغوط الحياة .. تلك المرأة تلفت إنتباه الرجل فيعطي هذا الجمال الذي لا يرى سواه اهتماما خاصا لأنها تنفرد وتتميز به .

 

- المرأة العفوية

يحب الرجل تلك المرأة التي تتصرف وتفكر بعفوية .. فلا تتكلف ولا تتصنع في كلامها وتصرفاتها فيشعر أن حياته معها كتاب مفتوح يبادلها فيه الصراحة والوضوح ليكون على قدر ذلك الصفاء وتلك البراءة فالرجل يفضل أن تكون شريكته بريئة وعفوية أكثر من كونها جميلة .

 

- المرأة الحنونة

المرأة الحنونة هي امرأة ذات مشاعر فياضة وأحاسيس مرهفة تستطيع أن تغرق الرجل في بحر من الحنان والعطف، يشعر معها وكأنها ليست الزوجة والحبيبة فقط .. بل هي الأم أحيانا .. فالرجل في حقيقته طفل كبير مع فارق أن متطلبات هذا الطفل تفوق كثيرا متطلبات الطفل الصغير، فهو ينتظر من شريكته أن تغمره بالحنان والعطف الدائم .

 

- المرأة المعطاءة والمضحية

هذه المرأة تترك أثرا لا ينسى لدى الرجل فهو يشعر بوجودها حاضرة دائما لتمده بكل ما تملك وكل ما تستطيع .. تقدم التضحيات وتعطي من دون حساب .. الرجل بطبعه يرغب دائما بأن يكون صاحب الحق في الحصول على كل مايمكنه الحصول عليه دون شروط مقابلة ودون مصالح متبادلة وهو يكره المرأة التي تدون تضحياتها وعطائها لتحاصره بها من وقت لآخر .

 

- المرأة القوية الضعيفة

يحب الرجل أن تعلم المرأة متى يجب أن تكون قوية ومتى عليها أن تضعف، ويفضل شريكة تمده بالقوة ويستمد منها الصلابة، ولكنه لا يحبها قوية في كل الظروف لانها ستشعره بضعفه .. ولا يحبها ضعيفة دائما حتى لا يشعر بسلبيتها وعجزها .

 

الإستهلاك الديمقراطي!!

العرب عليهم أن يكتشفوا نظام الحكم الصالح لحياتهم بحاضرها ومستقبلها.

وأن يبتكروا دساتيرهم وقوانينهم ومناهج صيرورتهم وآليات تحققهم.

وذلك يتطلب جهدا وسعيا واعيا وقدرات معرفية وبحثية، لإنتاج العقول اللازمة لصناعة أعمدة الحياة الرئيسية، القادرة على إستثمار الطاقات وإطلاق القدرات الحضارية الإنسانية الكامنة فيهم.

والمطلوب التحرر من قيود الإستهلاكية، ورؤية أنوار الإبداع والإنتاج والإختراع والإبتكار وتصنيع الأفكار.

فالعقلية والنفسية الإستهلاكية، وما يرافقها من تفاعلات سلوكية، قد أذهبت العقل وميّعت الإرادة وقتلت الطموح.

وهذا واضح في آليات الإستهلاك الديمقراطي، حيث تحولت الديمقراطية إلى بضاعة مستوردة وحسب.

مما أدى إلى تجاهل الخصائص الواقعية والحاجات الأساسية الضرورية المتفقة معها.

وأصبحت إنتخاب وتصويت لا غير، وهذا السلوك لا يتفق وطبعنا، لأنه يؤدي إلى إنشقاقات وصراعات وتفاعلات سلبية دامية.

وما حققت أية إنتخابات في مجتمعاتنا حالة أفضل من التي سبقتها، ذلك أن تداول السلطة من المحرمات عندنا، وكأنه العار والشنار، فيفضل الجالس على كرسي الحكم، الموت على التنازل، أو أن يسمح لغيره بالحلول مكانه.

 

بل أن الجالس على الكرسي يدمر الوطن وينقضُ على الشعب، الذي يريده أن يغادر موقعه.

وتلك علة مزمنة وخيمة متأصلة في أعماقنا، وعبر الأجيال والعصور، فما غادر حاكم أو سلطان أو ملك موقعه، إلا بالقتل أو الموت أو الإجبار.

وتلك طبيعة لا تتفق والمعاني الديمقراطية التي جيئ بها إلينا.

ومن هنا فأن مجتمعاتنا بحاجة لطرح فكري ونظريات تؤسس لوجودنا الديمقراطي، قبل أن نتوهم بأننا نسعى إليها، لأنها ستتحول إلى قناع وخدعة لا أكثر.

فالنظام عندنا ديدنه الفردية والإستبداد والفئوية والتحزبية والعقائدية، والجمود النظري والفكري والتقوقع والإنزواء.

ولا يمكن لهكذا حالة أن تُلقى بغتة في نهر الوجود الجاري، وتتفاعل مع المستجدات، وإنما تحتاج لمؤهلات وتأهيل ثقافي سلوكي تتوارثه الأجيال.

فهل من قدرة على صناعة الديمقراطية وليس إستيرادها؟!

 

د-صادق السامرائي

مصداقية المثقف ومفارقات المواقع الآخرى

qassim salihyمن المفارقات ان مواقع عراقية تدين فشل الحكومة والفساد ومثيري الفتنة وخالقي الأزمات وتطالب بالتغيير

وتدعو اصحاب الكفاءات والخبرات الى انقاذ البلاد من أسوأ حكّام وأخطر مرحلة يمر بها العراق ..والمفارقة ان هذه المواقع لا تدعم اعلاميا من وضعوا اكفانهم على راحات ايديهم الا بدفع مبالغ .. وتنشر دعايات انتخابية لفاسدين وفاشلين دفعوا لها الاف الدولارات .. باستثناء (المثقف) الذي اثبت انه وطني اصيل ..صادق في المواقف التي يمتحن فيها الرجال

شكرا لموقع صحيفة (المثقف) .. تحية اجلال وتقدير للأخ ماجد الغرباوي والأخت ميادة ابو شنب على هذا الموقف النبيل والمشرّف والمسؤول.

تحياتي واحتراماتي

 

في الذكرى الكونية لرحيل جدنا الأكبر حمورابي

khadom finjanكلما راجعنا النصوص القانونية المنسية لمسلة جدنا الأكبر (حمورابي) نصاب بالذهول والدهشة، وبخاصة في هذه المرحلة التاريخية القلقة، التي نحس فيها بالحاجة إلى الاحتكام إلى العقل والمنطق، والتسلح بهما لتجاوز العقبات الكثيرة، التي تمخضت عن خلافاتنا الداخلية المتجددة، والتي ينبغي أن نبحث لها عن الحلول الناجعة في ظل الدساتير والقواعد والسنن والشرائع السماوية السمحاء.

بيد أن أصحاب العقول المتحجرة، والعاهات الدماغية المستديمة، والنفوس المريضة، عادوا في سلوكهم المنحرف إلى الوراء، فنبذ فريق منهم كتاب الله وراء ظهورهم، حتى استقرت بوصلتهم على شرائع الغاب، بما عُرف عنها من جشع ولؤم وشراهة وأنانية ورعونة ووحشية، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، والسمكة الكبيرة تأكل السمكة الصغيرة، والبقاء للأقوى والأشرس والأعنف والأكثر فتكا وقسوة.

لقد أصبح العمل السياسي يجري على قدم وساق بقاعدة (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، وربما سنكون بأفضل الأحوال لو عدنا إلى تطبيقات الأعراف والشرائع القديمة، التي ورثناها عن أجدادنا البابليين والسومريين والأكديين والكلدانيين والآشوريين، الذين أناروا الطريق للناس منذ انبثاق فجر السلالات البشرية في ربوع الميزوبوتاميا، فلو أخذنا شريعة جدنا الأكبر (حمورابي)، التي ظهرت إلى الوجود في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، لوجدنا أنها تضمنت أحكاما عادلة ومنصفة، واستحقت أن تكون انصع المحطات الإنسانية المعنية بحقوق البشر عبر العصور القديمة وحتى يومنا هذا، وهي التي وضعت الأسس الأولى لمبادئ الحرية والمساواة بين أبناء الشعب من دون استثناء، وأنزلت اشد العقوبات بمن سرق قوت غيره ولم يعترف بسرقته، أو أكل طعام غيره ولم يعترف بذلك، أو استخدم القوة المفرطة، واغتصبت يده ما ليس له، أو نظر نظرة رضا إلى مواطن الشر والظلم، أو بدل الوزن الكبير بالوزن الصغير، وتخطى حدود الأعراف والنظم، ونقض العهود والمواثيق.

تقول إحدى المواد التشريعية في مسلة (حمورابي): (إذا حكم قاض في قضية، وأصدر حكمه، وكتبه، وتبين فيما بعد أن حكمه كان خاطئاً، وأنه هو المتسبب في ذلك الخطأ، فإنه يدفع ضعف الغرامة، التي فرضها في حكمه بمقدار (12) مرة، ويحرم من ممارسة عمله كقاض)، وربما ستصابون مثلي بالدهشة إذا علمتم أن قوانين (حمورابي) حققت قبل أربعة آلاف سنة تقدما هائلا في تحديد مسئولية الدولة عن الأضرار، التي تصيب مواطنيها، فقد نصت المادة (23) على أن: (من وقع ضحية السرقة في حالة عدم ضبط الجاني، ولم يستطع استرداد المسروقات، يعوض من قبل أهل المدينة والحاكم، الذي وقعت السرقة على أرضه))،

ولعمري أن هذا النص وحده يعد انجازاً رائعاً ينطوي على قدر كبير من العدالة الاجتماعية، وجاء في نص المادة (250) الحكم التالي: (إذا نطح ثور رجلاً ما وأماته، فان هذا الحادث لا يستوجب التعويض)، بمعنى أن: (جناية العجماء جِبار)، وتقول المادة (195): (إذا ضرب ولد والده فعليهم أن يقطعوا يد الولد العاق لوالده). بينما تناولت المواد (197) إلى (200) مواضيع القصاص والمساواة بين الناس، فالعين بالعين (عند حمورابي) والسن بالسن. .

إذا كانت نصوص شريعة (حمورابي) الوثنية البالية العتيقة، الضاربة في عمق التاريخ القديم، أول من أكدت على حقوق الناس، وأول من أرست قواعد العدل والحرية والمساواة، ووفرت الحياة الكريمة لأبناء الرافدين ليدوم عزهم وقوتهم وانتصاراتهم، ووفرت لهم الأمن والأمان والاستقرار، وكانت هي الأطر التشريعية التي صانت صورة المجد والشموخ والرقي في بابل، وسومر، ولكش، ولارسا، وأور، وكيش، وأكد، وكارخينا، والوركاء، وهي التي أضاءت الوجه الحضاري في ربوع الميزوبوتاميا لقرون وقرون على مدى العصور الذهبية التليدة، وإذا كانت هذه هي سنن وشرائع أجدادنا عام 2011 قبل الميلاد، فما الذي يمنعنا من إنزال القصاص العادل بالفاسدين والمخربين والمجرمين والمزورين والمحتالين والغشاشين والمرتشين، من الذين طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، عام 2011 بعد الميلاد ؟. . .  

 

نواعم شوستاكوفتش .. الموسيقار الموسوعة

يُمكن إعتبار الموسيقار الروسي ديميتري شوستاكوفتش آخر أساطين الموسيقى الكلاسيكية العالمية، فرَغم إنه عاشَ القرن العشرين بكل تحولاته التي طالت المَدارس الموسيقية المُختلفة، ورَغم مُحاولته مُواكبة هذه التحَوّلات أحياناً، إلا أنه ترك بَعد وفاته عام1975 إرثاً موسيقيا ثميناً ورَصيناً مِن الأعمال الموسيقية، مِنها 15 سمفونية و15 رباعية وترية و2 كونشرتو للبيانو والعديد من المتتابعات وسويتات الباليه، كما وﺿﻊ ﻤﻮﺳﯿﻘﻰ تصويرية لكثير مِن اﻷﻓﻼم اﻟﺮواﺋﯿﺔ وأفلام اﻟﻜﺎرﺗﻮن، تحَوّل بَعضها الى أﻋﻤﺎل ﻣﻮﺳﯿﻘﯿﺔ ﻣُﻨﻔﺼِﻠﺔ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﺘﺘﺎﺑﻌات ﻣﻮﺳﯿﻘﯿﺔ أو ﺳﻮﻳﺖ، ﻣِﻦ ﺑﯿنها موسيقى ﻔﯿﻠﻢ "ﻋَﺸﺮة أﻳﺎم ھﺰت اﻟﻌﺎﻟﻢ" الذي ﻳُﻮﺛﻖ لأحداث أكتوبر1917 التي أﻟﻒ لها ﺷﻮﺳﺘﺎﻛﻮﻓتش ﺳﻤﻔﻮﻧﯿﺘﯿﻦ، الثانية"إﻟﻰ أﻛﺘﻮﺑﺮ" واﻟثانية عشر"إﻟﻰ ﺳﻨﺔ 1917". رَغم ذلك لم يَكن شوستاكوفتش على وفاق مَع سلطة ستالين واللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم، الذين وصفوه بعَدم الكفاءة والتأثر بالغرب لأنه لم يُمَجّد ما إعتبروه إنجازات رآها زائفة، وإنتصارات رآها مآسي، رؤية عَبّر عَنها في سمفونيته الخامسة ذات الطابع الدرامي والسابعة "لينينغراد" التي عُزفت لأول مَرة في لينينغراد المُحاصَرة والثامنة المأساوية والتاسعة المليئة بالتهكم والسُخرية، ولم تبدأ أنغام الفرح والتفائل بالتسَلل لمؤلفاته إلا أواخر الخمسينات بعد وفاة ستالين عام 1953 أملاً منه بحُرية قد تمنح للشَعب وفنانيه. وبَعد فترة إستقرار عاشَها في عَهد خروشوف، الذي شَهد إنفتاحاً بسيطاً مُقارنة بسَلفه أبدَع خلالها سمفونيتيه الحادية عشر والثالثة عشر، عاد القلق ليتمَلكه بعد تنحِية خروشوف ودخول البلاد بمَرحَلة غير مُستقرة تركت آثارها على نفسية شوستاكوفتش وأعماله التي بَدأت تطغي عليها أنغام كئيبة وموضوعات حَزينة، يُمكن أن نجد ترجَمتها في سمفونياته الأخيرة وتحديداً الرابعة عشر والخامسة عشر وسوناتا البيانو التي كانت آخر أعماله قبل أن توافيه المَنية عام 1975.

مِمّا لا شَك فيه إن سمفونيات شوستاكوفتش هي مِن الاعمال المُهمّة في عالم الموسيقى العالمية، لكنها بكل تأكيد ليسَت أروع ما تركه لهذا العالم، فلِنواعِمه القِصار مَذاق آخر يَجعلها تتميّز وتتفوق على الطِوال مِن مُؤلفاته. وقد تشَكل سمفونياته الـ15العمود الفقري لأعماله،إلا أن نواعِمه هي التي تعَبّر عَن ألقه وعَبقريته. فكونشرتاته ومُتتابعاته وسويتاته ضَمّت في طيّاتها وبَين ثنايا حَرَكاتها قطع موسيقية نادِرة ودُرَر فنية ثمينة أسميتها بالنواعِم لقِصَرها وخِفّتها وبَساطتها، ولكونها تُظهِر جانباً مُختلفاً مِن شخصيته الفنية والإنسانية، وعالماً لا يَمُت بصلة لعالم سمفونياته، عالم لم يَنل حَظه مِن التركيز والإهتمام الذي نالته سمفونياته، عالم يَحتاج الى سَـبر أغواره وإستِكشاف كنوزه والتـركيزعليها قطعة قطعة ليتسَنى فهمَها والإستمتاع بها. في نواعِمه نَجد تجَليات رغبة بالجُموح والإنطلاق بَعيداً عَن قيود يَبدوا أنه كان يَشعر بها تكبّل روحه وإبداعِه قبل يَديه ولِسانه، تجَليات يَبدوا بأنه لم يَكن يَجرؤ على الإعلان والتعبير عَنها بوضوح بل يَعمد لإخفائها ضِمن سِلسلة مِن الحَركات المُتعاقبة والمُتداخلة التي كانت تتضَمّنها سويتاته ومُتتابعاته،والتي كانت مُرونة مَواضيعها المُختلفة والمُتنوعة بين التأريخ والدراما وأفلام الكارتون تسمَح له بإطلاق مَكبوت إبداعه مِن الأنغام والألحان السَعيدة والراقِصة والرومانسية بإفراط أحياناً.

لعَل مِن أبرَز وأروع نواعِم شوستاكوفتش التي على المَرء الإستِماع اليها والإستِمتاع بها نواعِمه الراقِصة مِثل فالس سويت الجاز رقم 2، ورقصة غالوب سويت الباليه رقم 1، ومقاطع سويت شيريموشكي، وفالس سويت الجبال الذهبية، وفالس رقصة الدُمى. أو نواعِمه الدرامية كمَقطوعة الصَيد مِن سويت هاملت، و الحركة الثانية مِن رباعيته رقم 8، والحَركة الأولى مِن سمفونيتيه الخامسة والثامنة، والحَركة الأولى مِن كونشرتو البيانو رقم 2 . أو نواعِمه الرومانسية مِثل رومانس سويت غودفلاي المُفعَم بالعاطِفة، والحَركة الثانية الرقيقة مِن سويت سقوط برلين، والحَركة الثانية مِن كونشرتو البيانو رقم2 المَليئة بالشَجن، ولولباي البيانو. وغيرها مِن الأعمال التي أبدَعَتها أنامل شوستاكوفتش ومُخيّلته الخصبة، كزهور مُتنوعة العُطور والأشكال والألوان.    

ليسَ غريباً أن يُعتبر ﺷﻮﺳﺘﺎﻛﻮفتش أحد أھَﻢ ﻤﻮسيقيي اﻟﻘﺮن اﻟﻌﺸﺮﻳﻦ لأنه كان موسوعياً في موسيقاه، فمِن جهة ﺗﺄﺛﺮ أﺳﻠﻮﺑﻪ بأسلافه مِن الموسيقين الروس كجايكوفسكي ومَجموعة الخمسة، وتظهِر بَعض سمفونياته تأثره بأسلوب الموسيقار النمساوي بروكنر، لذا كان يُعتبر مِن رموز المدرسة الروﻣﺎﻧﺘﯿﻜﯿﺔ المُتأخرة. ومِن جهة أخرى أظهر تأثراً بالموسيقى الغربية بدا واضِحاً في سويت الجاز الأول والثاني. كما إتجه في بَعض مؤلفاته الى الحَداثة واللاتقليدية التي تَظهَر في لا مَقامية ولا تناغم ألحانها، والتي إمتازت بإحتواء تركيبتها اللحنيّة على أنغام غير مُتجانسة وغريبة ومُتقطعة، أشّرَت لمَيله في مَرحلة ما مِن مَسيرته الفنية الى بعض المدارس الموسيقية المُفرطة بحَداثويتها، التي سادَت وبادَت بسُرعة قياسية خلال النصف الأول مِن القرن العشرين، دون أن تترك أثراً يُذكر على الساحة الموسيقية كسابقاتها التي إمتلكت رصانة وأصالة رُبما لم تمتلكها هذه المدارس. لكن الجَميل في شوستاكوفتش هو أنه لم يتأثر كلياً بهذه المَدارس، وقد بدا هذا الأمر واضِحاً في مُتتابعاته وكونشيرتو البيانو 2 وسويتاته التي حَفلت بحَركات ومَقاطع رائعة تجمع بين جمالية اللحن وخفته ورصانة الأسلوب وقوته. بالتالي ولفَهم روحية مولفات شوستاكوفتش ومَنهجه بالتأليف يحتاج المَرء الى سماع مؤلفاته لمَرّات عَديدة بإصغاء عميق وتأني، ليَستطيع التمييز بين بنائها الدرامي مِن جهة وماتختزنه مِن عاطفة مِن جهة أخرى، ثم محاولة الرَبط وإيجاد التناغم بَينها للخروج بصورة واضِحة عَن أعمال تمتاز بخصوصية واضِحة في طريقة بنائها الهارموني.

رَغم الظروف المُتقلبة وغير المُستقِرة التي عاشَها، ورَغم الصَرامة التي كانت تبدو عليه، فقد كان شوستا كما كان يُسمّيه المُقرّبون مَرحاً وصاحِب مُزحة، وإحدى طرائِفه كانت السَبب في إبداعه لواحِدة مِن أشهَر مؤلفاته وأكثرها شَعبية وهي (Tea for two) التي أعاد توزيعها عَن أغنية لفِنسنت يومانس بَعد ان تحدّاه صديقه نيكولاي بإعادة توزيعها أوركسترالياً خلال ساعة، فما كان مِنه سوى أن جَلس وأمسَك بورقة وقلم وقام بتوزيعها خلال 45 دقيقة رَغم أنه لم يَستمع أليها سوى مَرة واحدة كانت كافية لأن يُحولها الى تحفة، وقد عُزفت لأول مَرة عام1928 بأسم (تاهيتي ترول) كجُزء مِن سويته الشَهير (العصر الذهبي) الذي ضَمّ بالإضافة اليها رقصة (البولكا) الشَهيرة. قبل وفاته بفترة وحينما بدأ يَتجه الى العُزلة كتب شوستاكوفتش رسالة الى أحَد أصدقائه قال فيها "لا أستطيع العَيش دون أن أؤلف موسيقى"، لذلك تبقى الطريقة المُثلى للتعَرّف على شوستاكوفتش كما يقول كاتب سيرته سولمون فولكوف هي بالإستماع لموسيقاه وليسَ بقراءة سيرة حياته.

وفي الروابط أدناه مَجموعة مِن نواعِم شوستاكوفتش التي تم الإشارة الى بَعضها في المَقال:

 

Waltz from the film "Golden Mountains"

http://youtu.be/g0R3xd3MZXI

 

Jazz Suite - Waltz No. 2

http://youtu.be/7UIHl0oJEpg

 

Shostakovich Plays Shostakovich - Piano Concerto No. 2

http://youtu.be/BCTEx3w2_jU

 

The Gadfly - Romance

http://youtu.be/Q0Xfyn0-YhU

 

Symphony No.5 - 1st movement

http://youtu.be/ABylqDUQ7Go

 

Tea for Two(Tahiti Trot) - Golden Age

http://youtu.be/y-Z8rN7oTgA

 

Lullaby for Piano

http://youtu.be/2lLBqerxWDY

 

مصطفى القرة داغي

 

تحرير العقل!!

الديمقراطية تقتضي تحرير العقل من قبضة العصور، وإخراجه من صندوق الأوهام والأضاليل الذي لا يرى في داخله المعتم إلا الأشياء مقلوبة عندما تتخلل من ثقب فيه.

الديمقراطية تدعونا لتحطيم صناديق رؤانا وتصوراتنا وتتطلب خروجا حرا من هذا القمقم الذي تعفنت فيه الأجيال واستنقعت آليات نظرتها وإقترابها من الحياة.

إن ما يحصل في واقعنا الربيعي الأليم، أن البشر قد أحدث ثقبا صغيرا في صندوق إقامته الجبرية، فتواردت إليه صور الحياة بالمقلوب، فاضطرب وارتعب وتفاعل بأساليب مدمرة للذات والموضوع.

أي أنه إزداد ضلالا وبهتانا على ما عنده من الرؤى المعتقة والتصورات المتخمّرة في حفر عميقة دهماء.

وهذا التفاعل جعل الذات البشرية ومحيطها، في حالة هذيانية وتخريفية حققت المزيد من التداعيات المريرة.

فالديمقراطية لا يمكن حشرها في صندوق، والحياة لا يمكن رؤيتها بالتحديق في صندوق مظلم مثقوب.

إنها تتطلب تحطيم الجدران والتفاعل مع الضوء وإستنشاق هواء الحرية المطلقة.

فلا يحق لنا أن نردد كلمة ديمقراطية ونحن أسرى صناديق عزلتنا ومخاوفنا، وما ترسخ في رؤوسنا ونفوسنا وأرواحنا من إنحرافات وتخريفات، وتصورات ومعتقدات وتفسيرات وتأويلات وتبريرات.

وهذا ما يوضح إقتراباتنا المخجلة من الحياة لأننا لا نمت بصلة إليها، وإنما نتوهم ذلك وحسب، وفقا لتصوراتنا المغلقة، فنتصرف ونقرر حتى لنبدو أمام الآخرين، وكأننا غرباء أو من أصحاب كهوف العتمة والنسيان، وقد جئنا إليهم نشتري بنقودنا طعاما نسد به رمق جوعنا الحضاري وبؤسنا الإنساني.

فيكتشفون أن نقودنا لا تصلح لهذا الزمان، وأننا في حيرة من الأمر، فلا نصدق أننا قد كنا في كهوفنا نائمين.

وفي صناديقنا معتقلين.

وقد يسأل الواحد منا عن معنى الصندوق، ومن الواضح أن العرب جميعا قد وُضِعوا في صناديق مظلمة على مدى القرن العشرين.

هذه الصناديق سميت أوطانا ودولا ولها حكام.

وداخلها هناك صناديق أصغر حجما إنحشر فيها الملايين من الأجيال وتسمموا بأنواع الأفكار والرؤى والمعتقدات، وعندما داهمتهم نيران الديمقراطية، إحترقت الصناديق، وكأنهم إحترقوا فيها!!

 

د-صادق السامرائي

سطوةُ القوّة الناعمة .. نساءٌ تقودُ الرجال

jawadkadom gloomاستميحكم عذرا لأني سأكتب عن واقعٍ غير واقعنا الذي لم يعد يطاق بسبب أجوائه المشحونة عنفا وقتلا ودمارا ونزاعات لاتنتهي على الاقل في الوقت الحاضر، فلا توجد في الافق ومضات أمل ولا بارقة ضوء وسط هذا الظلام الدامس، اذ تداهمني احيانا حالات تدعوني الى الهروب من عالمنا الغريب الاطوار هذا، المليء بالمنغّصات والحروب والدماء واختلال الموازين والعقول، فقد اعتدتُ عشق الاسفار مذ كنت يافعا ولا أطأ ارضا الاّ لاجتياز اخرى حتى أعجزتني الشيخوخة، لكنني بقيت أهوى الترحال ولكن ما باليد حيلة، وكيف لي ان اطلق ساقيّ للريح بعد ان بلغت من الكبَر عتيّا وخارت قواي الاّ من حركات بسيطة تسعفني للتنقل من مكان قريب الى آخر اقرب وماعليّ سوى ان استعين بصديقي المقرّب خيالي الجانح ليأخذني الى بقاعٍ لم نألفها لأتعرّف على عالم لم نعتد عليه من قبل، أخذني جناح مخيلتي وأنا اكتب هذا المقال الى الشرق الآسيوي وحطّ رحاله في بلاد الصين العريقة، ارض العم "ماوتسي تونغ" هذا العالم الذي أحدّثكم عنه يتوطن في بقعة معينة في بلاد الحكيم كونفوشيوس، عالم ليس متخلّفا، قرويا كما يُخيّل اليكم، وانما هو هدف ومنتجع سياحيّ يزوره الكثير من الباحثين عن الغرائب وفيه من وسائل الحضارة والاتصالات مايشفي الغليل مثل بقية اقاليم الصين، لكنه منزوٍ ونجهد كثيرا اذا أردنا  الوصول اليه، انه عالم نساء " الموسو " الساحر الغريب الاطوار المختلف عن كل مجتمعات الكرة الارضية، عالم مملكة النساء ذوات السلطان والنفوذ، أميرات الحبّ المجانيّ والذي شنّ حربا شعواء على الرجل وأبعده عن التحكّم بمصائر الناس وجرّده من صلاحيات السطوة والقيادة ونزع منه هيبة الأبوّة فصار السيّد المبجّل عندنا مجرد هامش لايغني ولايسمن من جوع، وما الرجل في نظر النساء سوى مُحدِثٍ للمتاعب ومثير للعداوة والبغضاء، صانعٍ للحروب، خشن الطباع ولايحسن صنع السلام والوئام

لااكتمكم اني استسغت هذا العالم الذي تحكمه المرأة في كل جانب من جوانب الحياة فقد صنعتْه بأيديها الناعمة، فهي الزعيمة السائدة والقائدة والمسؤولة على كل الممتلكات في بيتها وحقلها ومراكب صيدِها وكل مرافق ارضها وهي القول الفصل في مسائل النسَب والوراثة وانتقال الملكية وهي اليد العاملة ومالكة وسائل الانتاج وسيدة البيت والمصنع والمزرعة وراعية الاطفال، و.... باختصار شديد هي ربّ الاسرة وربة الاسرة معاً

ربما تستغربون عن اوضاع معشر "الموسو" التي تدير نساؤها كل شيء وتحكم كل شيء ولا دور للرجل في كل مايجري سوى الطاعة العمياء لحكم النساء والانصياع لأوامرهنّ انصياع العبيد لأسيادهم، فالمالك هو المرأة، والوريثة هي المرأة، فالمال والإرث تنقله الام الى بناتها الوريثات الشرعيات، اما الذكور من أبنائها فلا نصيب لهم لا في الممتلكات المنقولة ولا غير المنقولة، فلا عملات نقدية  في جيب الرجال كي يصرفه على ملذّاته وأهوائه وعشيقاتهِ حتى ان كلمة " أب " مشطوبة في لغتهم ولاتعني شيئا ذا قيمة وأهمية على الاطلاق، فحينما تنجب المرأة يحمل الوليد اسم امّه وينتسب اليها فقط، وليس للأبّ حقّ في حضانة اولاده مهما كانت الظروف فهو مجرد حامل للذكورة وماء الاخصاب لإنجاب الذريّة  ووسيلة لقاح لاغير لامتلاكه الفحولة ولولا ذكورته لرُميَ بعيدا كأيّة خردة عتيقة ليست ذات منفعة، اما الزواج عند هؤلاء فلا قيمة له على الاطلاق ولايعتبر رباطا مقدّسا

والجميل في هذا المجتمع انه يتّسم بعدم وجود جرائم السرقة نهائيا . ولماذا يسرق الرجل وهو مكتوف الايدي وليس بحاجة الى المال لعيالهِ وقد انتفت المسؤوليات الملقاة على عاتقهِ ؟ ! اضافة الى انعدام حوادث الاغتصاب والتحرّش الجنسي التي اخذت تعمّ عوالمنا المعاشة ولامعنى لكلمة حروب او سجون لعدم وجود المعارضة ولا الموالاة والتظاهرات المنادية بحقوق النساء، فهذه الجرائم والجنح والعقوبات مشطوبة تماما في سجلاّتهم فلا مطامع شريرة في دواخل نفس هؤلاء رجالا ونساءً  ولا منظمات تنادي بحقوق المرأة ومساواتهنّ مع الرجل وزيادة كوتا النساء او حقوق الاطفال، ولا نزاعات حول  ملكية عقارٍ ما او قطعة أرض تعود لهذه المرأة او ذاك الرجل ولا قانون للأحوال الشخصية وترتيب حالات الطلاق والنكاح والزواج سواء كان زواجا ثابتا او متعةً او مسيارا أو مسفارا مما اختلقه رجال ديننا وشرّعوه حلالا على هواهم ام نعتوه حراما ولاخصومات المحاكم بشأن حضانة الاطفال ومصاريف النفقة وما الى ذلك مما تعجّ به مجتمعاتنا ومحاكمنا من دعاوى لاتنتهي يعتاش عليها جيوش القضاة والمحامين ورجال العدل وملفات النيابة العامة والتحقيقات الجنائية التي تصدع الرؤوس وتميت القلوب

فالرجال هناك سعداء جدا عندما سلّموا زمام أمرهم لنسائهم لا لتفوقهنّ الجسدي بل لتقدير عالٍ لخصائص المرأة الانسانية وقواها الروحيّة الاصيلة والعميقة وقدراتها العاطفية الجياشة التي تفوق كثيرا قدرات الرجل العنيد المكابر الصلف الطباع فالقوة ليست في البناء العضلي للرجل كما يتفهمها اهل البداوة وزعماء القبائل حاملو السلاح، وانما بالقوّة الناعمة التي تتحلّى بها المرأة وبإيقاع جسدها الذي ينسجم ويتوافق مع ايقاع الطبيعة الجميلة، فمن عجائب الجسد الانثوي وشفافية روح المرأة انها كانت في الميثولوجيا الوسيطَ بين عالم الانسان وعالم الالهة منذ عهود الانسان القديم وعلاقته بالمعتقدات التي كان يرتبط بها روحيا

والمفرح ان رجال قبيلة "الموسو" لاتوجد لديهم اية نوايا للتمرّد او تغيير قوانين حكم هذا المجتمع وزعامة النساء لمجتمعهم، فهم سعداء بهذا الامر حيث لامسؤوليات أسريّة ولا كدح يومي لتوفير لقمة الخبز يثقل كاهل الرجل، وماعليه سوى الانصياع والاستجابة اذا اشارت عليه المرأة بسبّابتها للدخول في غرفة نومها عند اقتضاء الحاجة، وبعدها يُركَل بأقدامها خارج البيت عند الانتهاء من وظيفته الجنسية  فالبقاء في البيت ممنوع بعد اراقة ماء الحياة المُخصِب، وقد يستسيغ بعض رجالنا من غير معشر " الموسو " ان ينضمّ الى هذا المجتمع المتفرد بطباعهٍ، لكني احذّر فحولنا من ان يفكّروا باللجوء الى هناك والانضمام الى صفوف هذه المجموعة البشريّة فالنساء لايقبلْن ايّ دخيل يحلّ بين ظهرانيهنّ او لاجئ يأوي اليهنّ فلديهنّ من الرجال مايكفي لمهمة الانجاب فلديهنّ في قائمة الاحتياط ما يزيد عن بضعة آلاف رجل يجلسون على منصة الانتظار ويترقبون وصول دورهم لعلهم يحظون بإشارة من أصبع سيّدة ولهى ليطأ سرير امرأة ما اذا مانادته للمشاركة في سريرها (يبلغ عدد هذه الطائفة قرابة الخمسين الف فرد) اذ تنتهي مهمة الرجل حالما ينجز ممارسته الجنس ولامكان لسطوته وصوته العالي الناشز وأوامره التي لامعنى لها

وهؤلاء "الموسو" الذين يعيشون على ضفاف بحيرة / لوغو قريبا من حدود مقاطعتي يونان وزيتشوان في الصين لاصلة لهم بقوانين ونظم الدولة الصينيّة الصارمة وتعاليم زعيمهم الثوري الراحل ماوتسي تونغ وأتباعه التي تحكم المليار ونصف المليار نسمة ولاتربطهم مع الدولة الصينية سوى الانتماء والمواطنة، اما عقيدتهم الماركسية المطعّمة بالماويّة فقد ضُربت عرض الحائط لدى مجتمع الموسو هذا

ويجدر بنا القول ان دولة الصين مع صرامتها المعروفة تجاه مواطنيها الداعين للتغيير لكنها متفهّمة للقوانين الخاصة بهم وأعربت مرارا عن عدم رغبتها في تغيير نظم ومفاهيم هذه الفئة  طالما ان هؤلاء لانيّة لهم للتمرّد او التغيير لا الآن ولا في المستقبل ويبدو ان التنين الصيني يأنس لهؤلاء الموسو طالما هم منشغلون برفع مستوى المرأة وإعلاء شأنها وتسليم القيادة لها، انها حضارة الحبّ المجاني في مملكة تبدو غير مألوفة في هذه المعمورة والتي تسمّى مملكة النساء الآمرات الناهيات ذوات السطوة والسلطان

 

جواد  غلوم

 

كل الجهات يسار !!

لن أكون تقريريا وثوقيا حين أحيل البوصلة اليسارية إلى مرض بالشك، مرض ارتيابي من كل مصادر القوة والمتن، وطعن ضد كل تهريج لا يبصر إلا بعين واحدة، أما الأكثر يسارية من بين كل الخواص فهي الضمانة والحيلولة دون وضعية النعاج، ولكن أيضا ضد كل انتصار نهائي.

قدر اليسار هو أن يفشل، ربما ليجدد ذاته، ليضخ في جغرافيا المكان دماء جديدة ليسار جديد، الفشل صديق اليسار لحمايته من لعنة الانتصارات المفضية دائما إلى "يمين". يخفق اليسار بانتصاره الكامل، اليسار هو الشق الشعري من التاريخ، حلمه المقوض والمرجأ دائما، يمنح مرارة الاخفاق جمالية الموت لبطل ينتصر بخسارته وموته، تتحول الثورة إلى ملحمة شعرية، والمناضل إلى بطل ثم إلى أسطورة، والتاريخ إلى تاريخ هذا الفشل نفسه: فشل سبارتاكوس قائد العبيد الذي انتفض ضد روما، فشل ثورة الزنج، فشل القرامطة، فشل الثورة الفرنسية "بتحولها إلى عهد ارهاب وثورة تأكل أبنائها"، فشل كومونة باريس" لرامبو، الشاعر الفرنسي، قصائد عديدة يرثي بها أبطال الكومونة ويسخر من أعدائها"، وأخيرا وليس آخرا: فشل ثورة أكتوبر في انتصار مدوي للموقع النقيض الذي يراه البعض تتويجا أو انتصار أو "نهاية للتاريخ".

ومثلما يواجه اليسار سلسلة من الفشل والاخفاقات في التاريخ، فإنه يواجه خيباته في الحاضر.. مناهض اليسار وخصمه الدائم كان على حق باتهامه لغريمه التاريخي بالسذاجة والطوباوية الحالمة، اليساريون ساذجون مكانهم الحلم ومصيرهم الخيبة.. لقد صدّق البعض من اتجاهات اليسار مزاعم أوباما، المعجب بادوارد سعيد، حول التغيير والحد بأكبر قدر ممكن من امتيازات الأقلية المستأثرة لصالح دولة الرعاية والرفاه الاجتماعي وكل ذلك ضمن سياسة تميل لصالح اليسار، لكن أحلامهم باءت بالفشل والخيبة.. أما هولاند الاشتراكي والذي بدأ عهده بدعاية تدغدغ مشاعر اليسار بخفضه من نفقات الرئيس وكل مسؤول حكومي من الدرجة الأولى، فإنه يكاد أن يكون نسخة باهتة عن اليمين في سياسته الداخلية والخارجية على حد سواء،

أما صوت الانتصار الوحيد في جوقة الفشل فقد كان لنيلسون مانديلا، فهو وحده "نصف المنتصر" إلى جانب القليل من بؤر التمرد هنا وهناك. هذا الرجل نموذج ملتبس ليساري خجول، لم يفصح عن انتماءه الشيوعي إلا بعد موته، ففي حين نجده مترددا في سيرته الذاتية "رحلتي الطويلة من أجل الحرية"، يعلن الحزب الشيوعي في جنوب أفريقيا وبصيغة احتفالية عن انتماء البطل الأيقوني الذي باركه العالم الحر أو تفضل عليه بصكوك غفرانه. اعلان الحزب لم يكن عن عضوية "الرفيق" نيلسون مانديلا، مثل أي رفيق آخر وحسب، بل كان الرجل عضوا في اللجنة المركزية..

وكأن النضال ضد التمييز العنصري ليس له أن ينجح إلا من مواقع مترددة، إن لم تكن غير يسارية بالمرة. انتصر نيلسون مانديلا إذن، نصف انتصار ونصف هزيمة، لم يكن انتصارا ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا، بقدر ما كان صفحة جديدة في سيرة الفشل، حيث انتصرت الأيقونة بتحولها إلى رمز عالمي، وأخفق الخطاب في تحوله إلى ممارسة أو برامج سياسية تستهدف الانسان والتحرير والعدالة الاجتماعية.

لم يفشل اليسار؟ وهل يعني ذلك تصديق هراء "فوكوياما" وترهاته حول نهاية التاريخ والانتصار الكلي والمحقق للقيم والحضارة الغربية "البرجوازية"؟ من الواضح ظهور الفشل في كل مرة يخون فيها اليسار ذاته، أي ذلك الموقع المتحول والذي يتحدد جوهريا بصفته موقفا احتجاجيا نقديا حتى ضد ذاته، كما يظهر الاخفاق والتهافت في كل مرة تتسع فيها الهوة الفاصلة بين الممارسة "البراكسيس" والنظرية التي دون أن تتحول إلى مثال "محايث" كما يمكن أن يقول أمثال "آلان باديو" و"دولوز"، تتقلص إلى صنم "مبادئ أو مفاهيم ناجزة وشمولية" أو تتسع إلى ميتافيزيقيا فضفاضة ليس لها في الواقع وعلى الأرض موطئ قدم.

لكن تحديدا مع "آلان باديو" الفيلسوف اليساري الفرنسي، يمكننا القول وفي صيغة "المفارقة": يفشل اليسار لأنه مثالي!، يتغذى اليسار من احباطه بالذات، الفشل تأكيد للمثال وليس نفيا له، حين تفشل الممارسة تتسع النظرية، تتحرك وتغادر مقوعها المألوف، يصبح "المثال" في مكان آخر، "المثال" قرين "الحدث"، ولأن الحدث مباغت، فسيبدو المثال متحولا، وكأنه في حالة تخارج دائمة..

 هنا "أفلاطونية" جديدة تنبثق، يسميها باديو أفلاطونية المتعدد.. يشعر آلان باديو بحاجة ماسة إلى استعادة مثال أفلاطون لتعريف اليسار الذي يفشل دائما، اليسار هنا عراب تاريخي لتغيير مستحيل دون مثال.. دون حلم.. دون ادخال الشعر وما ندعوه بالمثاليات في الفكر، أي في الكيفية التي نعاين بها واقع الكآبة والخيبة والفشل، لا يمكننا أن نهز الواقع دون يوتوبيا، دون مثال أفلاطوني يجعل من "الواقع" حاضنة لكل الامكانات، يسمح بتمديد الواقع والمعطى التاريخي ليتسع للمثال والأحلام "لكي نستبق عقليا أو أيديولوجيا، مسألة خلق ممكنات جديدة، يجب أن يكون لدينا مثال.. المثال –يقول باديو- هو دائما اثبات مفاده أن حقيقة جديدة شيء ممكن دائما".

كل الجهات يسار لأن هناك من يقيم تحويلا للمادة بحيث تحتضن المثال، كما يزيح اليسار عن أن يكون أيديولوجيا "محددة" أو نعتا، ليصبح موقعا أو خطا لا يمقت الأيديولوجيا بالضرورة بقدر ما يزيحها ويتحول بها في سيرورة يسارية دائمة.. هل هي طوباوية؟ لتكن.. هل هو تفاؤل مفرط؟ ربما.. لكن الأكيد أنها رؤية تكره كل وقاحة استئثارية على مر التاريخ، وكل هيمنة لها ألف وجه وألف ذراع مثل أخطبوط.. كما لا تكره "رائحة" الفقراء !

 

نزار قباني من شاعر الياسمين .. الى شاعر يكتب بالسكين

abduljabar noriولد نزار قباني في دمشق 21 .3. 1923 – وتوفي 30 نيسان 1998 في لندن عن عمر ناهز 75 عاماً دُفنَ في دمشق حسب وصيته (أدفن في دمشق، الرحم الذي علّمني الشعر، الذي علمني الأبداع، الذي علمني أبجدية الياسمين)، ولهُ 35 ديواناً أولى دواوينه 1944 بعنوان " قالت لي السمراء" (نزار قباني/ قنديل أخضرعلى باب دمشق / خالد حسين)، عُرِفَ في شعرهِ على مدى خمسين عاماً شاعر الغزل المشبوب بولعٍ شديد أحياناً في وصف المرأة، وفاق بشعره عمر ابن أبي ربيعه في عصره الحديث حتى سميّ بشاعر الحب والمرأة، وأنه نقل موضوع الحب من الوصف الخارجي الى موضوع خاص في الشعر العربي الحديث لا يشبههُ أحد، (عز الدين مناصره / شاعر فلسطيني)، وظل يحمل صفة الشاعر المخملي، حيث أثار هواجس النقاد وحرك في المنتدى الأدبي العربي أرهاصات ومماحكات وجدلٍ، وكتب بعضهم أنه ليس من شعراء الألتزام وأنهُ شاعر البرجوازية المملوءة بالغرائز الشهوانية، وأنتقدتْ أبنتهُ (هدباء) التي عاشت معهُ العشرة سنوات الأخيرة بشدة تشويه صورة نزار حين جعلوا منه زير نساء، وتجاهلوا علاقاته السياسية والأجتماعية وقصائده الوطنيّة والسياسية، وقالتْ: أنّ نزار نقل الحب والحنين من الأقبية السريّة إلى الهواء الطلق، وكانت سنة النكسة 1967 هي الفاصل لنقل نزار قباني الى شاعر مقاومة وشاعر سياسة وقد غيّرتْ بعد هزيمة 67 لديه الكثير من المفاهيم والقيم السياسية بل وأحدثت شرخاً عميقاً في داخله لذلك كان الردُ قاسياً وعنيفاً ونقدًاً لاذعاً4) وفيها أثبت للنقاد بأنه أبن بيئته وحامل هموم وطنه ومشاركاً أياهم الخبز المعفّرْ بذل الهزيمة، وبمشاركته الوطنية لهموم شعبه تقبّلَ الجلد الذاتي بكل رحابة صدر، وهي مصداقية الشاعر الملتزم حين يكون شعره جزء من تربته وبيئته، وأصبح شاعر تمرد وعصيّان شعري وبلغة هجوميّةٍ متخطياً حواجز الدبلوماسية أحياناً بالرغم من أنه دبلوماسي المهنة، وأبدع في قصائده حد التأثر والتأثير، فبعد النكسة أتسعت آفاق القصيدة السياسية لدي نزار وتفتحت على ألأحداث الكبرى في الوطن، فتارة يرمز للوطن وتارة تأخذ القصيدة بعداً قومياً وهو نوع من الكبت الباطني الذي يعانيه أغلب شعراء العرب الحداثويين كالسياب والبياتي وصالح عبد الصبور ومحمود درويش (الوطنيّة والشعر السياسي لدى نزار قباني/ رسالة ماجستير للطالبة الأيراتية / آزاده كربواني)

• هوامش على دفتر النكسة: وهي تحكي الأدب القومي، فكانت القصيدة الفلسطينية حاضرة بقوّة بمآسيها المتتالية ونكساتها المتعاقبة، أثارت عاصفة شديدة في العالم العربي، وأحدثت جدلاً كبيراً بين المثقفين العرب، ولعنف القصيدة صدر قرار منع أذاعة أشعاره يقول فيها: يا وطني الحزين حولتني بلحظة .. من شاعر يكتب الحب والحنين لشاعرٍيكتب بالسكين.. إذا خسرنا الحرب لا غرابه .. لأننا ندخلها .. بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابه .. بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه .. لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابه (نزارقباني/ شاعر لكل الأجيال/محمد يوسف نجم ).

•المهرولون: فقد سجل موقفهُ صراحةً ضد التطبيع بكافة أشكالهِ، وأيّد الكفاح المسلح وكتب في هذا الشأن (المهرولون) التي كان لها صدى مدوي عقب نشرها بعد توقيع معاهدة أوسلو سنة 1995، يُغْضِبْ نزار العرب بهذه القصيدة حين ترقى الى تشبيههم بالجبناء ويقول فيها: سقطت آخر جدران الحياء .. وفرحنا ورقصنا وتباركنا بتوقيع سلام الجبناء .. لم يعد يرعبنا شيء .. ولا يخجلنا شيء .. فقد يبست فينا عروق الكبرياء، تتميّز القصيدة بعمق الأسف في نفس الشاعر حين يضع يدهُ على النقطة الأصلية عند العرب وهي الكبرياء، وفي المهرولون يعلن أنتماءهُ الى (النحنُ) العربية التي شوهتها توقيع الجبناء مع أسرائيل .( نزار قباني/ التجربة الشعرية والسيرة الذاتية/ عبد العزيز شرف الهندي ).

• خبز وحشيش وقمر:وهي قصيدة سياسيةٌ جوبهتْ الكثير من النقد ليأسهِ من المعجزات الدينية الموهومة ويرمز للقمر كسل العرب بأدمانهم على المخدر الذي أخرجهم من العالم الحسي الى عالم الخيال (نزارقباني/ محمد رضوان/ص26) ويقول فيها: عندما يولد في الشرق قمر.. فالسطوح البيض تغفو تحت أكداس الزهر.. ويموتون إذا عاش القمر.

• متى يعلنون وفاة العرب؟: وفي عامه الأخير قبل رحيله 1998 يقول فيها: متى يعلنون وفاة العرب .. أنا منذ خمسين عاماً .. أحاول رسم بلادٍ تسمى مجازاً بلاد العرب .. ساءلتُ نفسي: إذا أعلنوا يوم وفاة العرب.. ففي أي مقبرةٍ يدفنون ؟ .. ومن سوف يبكي عليهم؟.. وليس لديهم بنون .. وليس هناك حزنٌ وليس هناك من يحزنون.

• عندما يسقط مُتْعَبْ أبن تعبان في أمتحان حقوق الأنسان/وهي قصيدةٌ ألقاها الشاعر الكبير نزار قباني في مهرجان المربد الخامس في بغداد عام 1985، وقد أحدثت ضجة كبيرة داخل الأوساط الأدبية لجرأتها في حينها وأحراجاً كبيراً للسلطة المستبدة الحاكمة، وتمّ التعتيم والتشويش عليها ومُنعتْ من الصدور على الصحف العراقية وقنوات الأعلام، ولم يدعى نزار إلى أي مهرجان بعد ذلك، وألغيّ بعد عام 1990 في أجهزة الأعلام، وهذه مقاطع من القصيدة: مسافرون نحن في سفينة الأحزان .. قائدنا مرتزق .. وشيخنا قرصان .. مطاردون كالعصافيرعلى خرائط الزمن .. مسافرون دون أوراق .. وموتى دونما كفن.. مواطنون نحن في مدائن البكاء.. قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء.. يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية .. يا كرة النار التي تسير نحو الهاوية.. أذا قضى طاغيه.. سلمنا إلى طاغيه.. يا وطني .. كل العصافيرلها منازل.. إلا العصافير التي تحترف الحرية فهي تموت خارج الأوطان.

• منشورات فدائيه على جدران أسرائيل:وهي من القصائد الوطنية حين يقول فيها: لن تجعلوا من شعبنا .. شعب هنود حمر.. فنحن باقون هنا.

• هجم النفط مثل ذئب علينا:كتبها في 4.10.1984 يقول فيها: فأرتمينا قتلى على نعليه .. أمريكا تجرب السوط فينا .. وتشّد الكبير من أذنيه .. أمريكا ربٌ وألف جبانٍ بيننا راكعٌ على ركبتيه !!!.

• الحب والبترول: ويقول فيها: بِعْتَ القدس.. بِعْتَ الله .. بِعْتَ رماد أمواتك .. تنام كأنما المأساة ليست مأساتك.. متى تفهم ؟ متى يستيقظ الأنسان في ذاتك . وهي لغة تقريع للأمة العربية وقادة أصحاب القرا ر.

• قصيدة/ حرب تشرين: في 1974، أول قصيدة يتفاخر بالنصروحبه لدمشق / تسمى غرناطه أطلت علينا .. بعد يأسٍ وزغردتْ ميسلون .. يا دمشق ألبسي دموعي سواراً .. وتمني كل شيءٍ يهون .. وضعي طرحة العروس لأجلي.. مهر المناضلات ثمين.. نحن عكا ونحن كرمل حيفا .. وجبال الجليل واللطرون .. كل ليمونة ستنجب طفلاً .. ومحال أنْ ينتهي الليمون .

• قصيدة / بلقيس: (زوجته العراقية، قُتلّتْ سنة 1981 في تفجير السفارة العراقية في بيروت، فيها حمّلَ العربَ مسؤوليّة قتلها يقول فيها: سأقول في التحقيق .. إنّي قدْ عرفتُ القاتلين .. بلقيس يا فرسي الجميلة .. أنني من كل تأريخي خجول.///

وأخيراً وليس آخراً أحييّ هذا الشاعر الخلاق المبدع في نزارياته العشقيّة، والسياسية وخاصةً في قصائده الوطنيّة الشجاعة والمليئة بالتحدي والكبرياء لقوى الظلام، وظهورها في سماءٍ أختفى فيها القمر، وكُسرتْ فيها الأقلام وكُمّتْ فيها ألأفواه، وأختلطتْ فيها ألأوراق حين أصبحت القصيدة الوطنية عملة صعبة ونادره، وأنّهُ ملأ الدنيا وشغل الناس في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو الشاعر الذي نسف بكل جرأة وشجاعة جملة من البنى التقليدية حيث كان شاعرنا حراً ومتمرداً فيما يقولهُ بشأنْ أهمْ ما يشغل البال العربي والتفكير والجوارح والمشاعر والأحاسيس من جانب وكل المحرمات والمنكرات والحلال والحرام من جانب آخر، وأبدع وأجمل من قال فيه / أدونيس: نزار مفردة بصيغة الجمع} .. فالمجد لك يا شاعر الورد والغضب.

 

عبد الجبار نوري/ السويد

 

العمل .. ومرض الإحتراق النفسي

tara ibrahimأسابيع عديدة ومنذ زمن طويل لم اصادف أو أرى استاذة كانت تأتي إلى القسم لإلقاء المحاضرات على الطلاب، يبدو أنها كانت في اجازة مرضية منذ وقت بعيد، أردت الأستفسار عن صحتها من زملائي فأعلموني همسا أو كما يقال بسرية إنها مصابة بالكآبة أو ما يسمى بمرض الأحتراق النفسي المشهورعالميا بـ burn out مرض يصاب به الناس من جراء الضغوطات النفسية في أرجاء المعمورة وهى من إفرازات العمل المتواصل ومشكلاته .

قلت مع نفسي إنها ضحية أخرى من ضحايا العمل المضني والمجهد، ففي الآونة الأخيرة تردد إلى سمعي اسم زميل آخرأصيب بالداء نفسه وهو الآن يعيش فترة النقاهة، أسم المرض لم أكن أعرفه الا قبل عدة سنوات حيث كنت أجهله تماما، على الرغم من أن التأريخ يدل على أن هذا المرض المتعلق بالعمل تعود جذوره الى الشرق الأوسط ولكن المجتمعات الرأسمالية تصاب به في عصرنا هذا بشكل ملفت ومتزايد.

الأستاذة المعنية كان عليها ضغط شديد أثناء ممارسة مهنتها، ويبدو أيضا أن زملاءها في العمل كانوا يكيدون لها بشتى الوسائل ويحاولون منعها أن تصبح متمييزة عليهم وبالتالي أن تحظى بمرتب جيد، واسباب اخرى قد يكون الحسد إحداها، لان المنافسة هنا شديدة جدا في عالم المهنة، ويجب العمل كثيرا للحصول على ترقية لتحظى برضى مسؤولك أو صاحب العمل، الأمر سيان في القطاع الخاص والقطاع العام.

وعلى الرغم من أن فرنسا هي من الدول النادرة التي تعطي العناية لموظفيها في جميع المجالات أهمية كبيرة، وخصوصا من خلال اقرارها لطب العمل الذي يعتبر اختصاصا اخر في هذه المهنة الهدف منه معرفة الحالة الصحية للعاملين ومتابعتهم منذ دخولهم مكان العمل لتأثيرها على العملية الإنتاجية، وتفادياً للحوادث المهنية التي ينتج معظمها عن تردي الوضع الصحي للعمال. ففي بداية أي تعيين يتم فحص الموظف من قبل طبيب الدائرة أوالمؤسسة ولدى ترقيته أيضا لمعرفة ان كان الموظف يتمتع بقدرات صحية ونفسية تؤهله للعمل.

أمراض العمل هي قديمة جدا ومن أوائل من وصفه وعالجه هم المصريون منذ العام 2500 قبل الميلاد حيث تم العثورفي مصرعلى أوراق البردي من العهد الفرعوني التي تصف الالام الحادة في ظهر العاملين جراء بناء الأهرامات وقتها، ومن ثم في العام 450 قبل الميلاد لاحظ ابقراط أبو الطب، أن هنالك أمراض مثل الربو تصيب الخياطين والصيادين والعاملين في المعادن أكثر من غيرهم،   ويبدو ان الطب وقتها لم يكن يعطي أهمية للعامل النفسي، فمرض الأحتراق النفسي هو مرض يبدأ بهزيمة النفس قبل الجسد. مرض الاحتراق النفسي هو مرض معاصر جدا يؤثر على 10٪ من العاملين وهو شكل من أشكال الارهاق الجسدي و النفسي الناجم عن التوتر والقلق وهوالان يعتبرمن الامراض العقلية في مهنة الطب، يتميز بالتعب واضطراب في النوم والهضم وفقدان الوزن والميل الى الانتحار.

وفعلا هذا ما يحدث إذ غالبا ما نسمع أن موظفا انتحر في شركة ما وكتب رسالة تنص على أن الشركة أو المؤسسة هي السبب في انتحاره، أمر ليس بالغريب بل ومعتاد عليه في مجتمعات النظم الرأسمالية. وعلى الرغم من أن هذه المؤسسات تحاول ان تجعل مكان العمل مريحا واعطاء منتسبيها بعض الامتيازات . ففي الآونة الأخيرة تم اقتراح أن يقوم العاملون بأخذ قيلولة في الشركة بعد منتصف النهارحرصا على صحتهم وانتاجهم.

مرض الإحتراق النفسي يتحدثون عنه كثيرا في هذه الأيام، كونه ليس معترف به كمرض يصيب العمال أوالموظفين، لذا تحاول النقابات المفاوضة مع الحكومة اقرار قانون خاص يعترف بهذا المرض بقولهم " العامل مهما كان طبيعة عمله، هو انسان من دم ولحم وروح وليس روبوتا..وهذا يعني أن رب العمل يجب أن يقبل أن هذا الإنسان له حدوده في الطاقة والقدرة وامكانيات جسدية ونفسية محددة .."

هل يمكن للفن أن يكون ديمقراطيا؟

taha allilيمثل الإبداع في الفنون التشكيلية، إشكالية تطرح نفسها من خلال المباحث الجمالية، التي تتسائل حول منشأ العمل الفني ودور العقل في هذا الإبداع، بكونه وعي يقوم بعملية تقبل وإرسال وتواصل لجهد إرادي منه تتحول فيها الإدراكات الحسية والذهنية الى صور ومعاني جمالية تنتج في أشكال إبداعية مختلفة.

ومن ذلك تتجلى القدرة الإبداعية للفنان القائم في تكوينه على جدلية المادة والفكر، تنشأ من عملية التلقي والابداع والاحساس بالتجربة الجمالية التي تقوم على ملكة التذوق وعلاقته بالفعل الانشائي داخل الفضاء التشكيلي .

ومن خلال هذا التقسيم المادي والفكري تندرج العملية الابداعية في الفنون التشكيلية، طارحة العديد من التساؤلات الجوهرية لمحاولة تفسير هذه الظاهرة، وعلاقتها بواقع الفنان وبمفهوم المعايشة، ودوره في تحليل هذا الواقع ومحاولة تغييره حسب رؤيته للواقع اليومي ورهاناته وفكره وفعله الانشائي.

هل يمكن للفن أن يكون ديمقراطيا، وما هو دور المؤسسة في الاحاطة بهذه المسألة التي تتجلى بسيطة في ظاهرها ولكنها تكتسي معالم الغموض والتركيب والتعقيد في باطنها.

ان العلاقة الناشئة بين الفن والواقع اليومي تمثل المؤسس والمشرع لدمقرطة الفن، المتحول من النخبة ومن صالات العرض الى اليومي والى الشارع بكل زخمه وأصواته وأفكاره المعلنة واللا معلنة، والذي لطالما كبت صوته، ليعبر عنه الفنان حسب رؤيته المادية والحسية الذهنية للأشياء، ولئن كانت المؤسسة تمثل الرقيب على الفن، فانه وجب عليها الآن وفي عصرنا الراهن الاحاطة بهذا الفن لأنه المحرارالحقيقي والمقياس الحضاري لتطور الشعوب التي تنشأ الذوق وتهذبه وتحوله الى مسارات استردادية توليدية لفكر ناضج ولأجيال منفتحة على صوت الأنا والآخر، فكر يؤمن بالخصوصية والتفرد ويتمتع بالنظرة الكلية والشاملة والدقيقة للعالم والأشياء، ومفهوم الديمقراطية هنا لا نعني به كل الشعارات الكبيرة المتأتية بعد الثورة، كالعدالة والكرامة وغيرها من الشعارات، وانما تتلخص مفهمة الدمقرطة في الفن في بعدها الوجودي الأساسي المتمثل في الحرية، حرية مكتسبة وليست عطية، حرية تقوم على ارادة الفعل الفني، وابداع الارادة، التي تنشأ من قول شبنهاور:"لا ابداع دون ارادة"، ولكن الفن التشكيلي لن يكون ديمقراطيا الا اذا كان ملتزما بقضاياه المعاصرة وما تطرحه من اشكاليات متعددة حول سبل ومناهل التعبير عن اليومي والمعيش، وما يختلج الفنان من أحاسيسه ومن أفكار لواقعه وخصوصيته التي تنبع من الذاتية المعبرة عن الكلية، وعن ذاكرة اليومي بكل أبعاده الجميلة منها والسيئة، والتي تمنعه من التشئء والجمود في الماضي التالد، وانما هو حديث وفعل حاضر وآني عن المعاصرة، لكن فاعلية الفن هنا والمنطلقة من لحظة الفعل الانشائي في الممارسة التشكيلية، تتطلب خروج الفنان من بوتقة التنظيم والتقنين والتوجيه، فلا يمكن للفن أن ينشأ على منطق إلزامي، وانما يتطلب الأمر قيامه على مبادئ الحرية ومكنوناتها وما تحمله من افرازات ابداعية للفنان حتى يكون الوكيل والمتكلم باسم الشعور الوجداني والفكري لواقعية اليومي الحر، والتي تمكن الفنان من ولوج مجال حيوي خصب وفق الحيز الابداعي لا الاتباعي، وتحيله بذلك تلك الحرية المكتسبة الى زخم من الأفكار والرؤى، والتي تمكنه من معالجة قضاياه الاجتماعية بغية الوصول الى درجات الابداع الذي يتطلب حرية الارادة ورؤية استشرافية استباقية للفكر العقلي من خلال المادة واشكالاتها في الفعل التشكيلي الفني، التي تنشأ من الفكر والوجدان ثم تستحيل لبنة الواقع القائمة على المواجهة والعمق وسبل وآليات التحرر وفك الأصفاد عن الفن الحديث والمعاصر، وهنا تنشأ لحظة الابداع من خلال تحرر الفن من البعد الوظيفي والتوظيفي الذي عاناه لسنين طويلة في تونس في فترة الحكم السابق، فبتحرر الفن من البعد المؤسساتي الذي يخدم مصالح ايديولوجية معينة، يستحيل الفن التشكيلي في خدمة ذاته وفي تكوين رؤى معاصرة تجرد الأشياء لتنقيها من الشوائب، بغية وصولها الى الجوهر السامي الذي نشأت منه والمتمثل في التعبير الابداعي الحر عن الذات وعن الآخر وعن الفكر الذي ساهم في انشاء العمل الفني، وهذا لا يعني بالضرورة تقويض ما مرت به تونس من جماليات في الفنون التشكيلية، وانما هو سعي دؤوب الى ضرورة التحرر من المواضيع البسيطة والمزوقة والمنمقة، ليكون الفن لا سلعة استهلاكية بسيطة، نقف عندها لتكون تكملة لبهرج معين، وانما تتعدى ذلك البعد "التنشيطي "الى غايات جمالية عميقة، دائمة التشكل والتغير ذات نبض متطورومستديم.تطرح عملية تساؤل على المتلقي البصري، وتحاوره وتداعب الحس الجمالي والتساؤلي فيه، لا بجمالها فحسب، وانما بقبحها الجميل.

ان هذا الزخم من الأفكار النابعة من الممارسة الفنية، تمثل نتاجا حرا لمعايشة الفنان لواقعه الراهن، حيث اتسمت الأعمال بتعدد التوجهات التي تحاول معالجة المادة وتوظيفها بصريا في خضم علاقات تشكيلية ناجمة عن ترددات ملمسية بصرية متحركة، منبثقة من رؤية فنية معاصرة طارحة قضايا متعددة، تطلب كلها الحرية في التعبير، وتحاول معالجة المادة ومواجهتها بناءا وتكوينا ة وتأليفا، تأليف بين الواقع المادي المعيش والمجرد من الأشياء، والتي تعتمد على الذاكرة البصرية وتحولها الى رؤى متعددة، تحمل اشكاليات ذهنية وفكرية، تحدد فاعلية الفن في انشاء عملية التذوق الحسي، وتدفع بالفن المعاصر في تونس من النختوية الى الجماهيرية، بما تحمله من تمثلات ومؤثرات ورؤى، بين المتلقي البصري والعمل الفني، الذي يتوق الى الحرية، بعيدا عن تنضيد وتهميش المؤسسة القديمة له، ابداع دون "صنصرة"، ابداع يطمح الى النهوض بالفن والخروج به من التوجهات والنخططات والتنشيط السلبي، الى التعبير فقط، وحرية التعبير ليس إلا.

ان هذا البحث في الوسائط والوسائل النابعة من اشكاليات معاصرة للفنون التشكيلية مثلت انعكاسا جماليا امتاز بالتنوع في الأعمال الفنية من حيث المضامين الجمالية والأساليب التقنية المعتمدة، التي تعدت في جانبها البسيط العمل الفني المقنن بضوابط الحدود، الى حلول التحررمن المعيارية المضبوطة للعمل الفني، وانما الى عمليات تشكيلية وتعبيرية متنوعة ومختلفة حسب كل فنان لكي يعبر عن فكره وخصوصيته وذاتيته الفكرية التي تعبر أيضا عن الفكر الجماعي لهذه الثلة من الفنانين، الذين ارتئو من الخط والشكل بداية التشكل اللا نهائي للاحدود في تعبيرية العملية الفنية عن مقوماتها الابداعية وتجلياتها التركيبية والانشائية النابعة من الفعل الذاتي المتجدد والمعبر عن واقعية معاصرة فكرية وروحية ووجدانية، تتعدى المادة الحسية الملمسية الى رؤية فياسية متحركة في بعدها المشهدي والحكائي ليوميات كل فنان، وواقعه التي لا تعني في جوهرها أن نقدم صورة دقيقة عن ذلك الواقع وعن الأحداث والناس، وانما تعني المشاركة الفعلية في ابداع عالم مخصوص عبر عملية دائبة التشكل.

 

الأستاذ طه الليل/ تونس

 

الكمأة السامرائية!!

"الكمأة من المَنِّ وماؤها شفاء العين"

الكمأة واحدها كمء. الكمء: نبات يُنّقِّض الأرض فيخرج كما يخرج الفُطْر، والجمع أكمُؤٌ وكَمْأَةٌ.

ويقال كمأة وكمأتان وكمآت.

وخرج الناس يتكمّؤون أي يجنون الكمأة.

والكمّاء: بيّاع الكمأة.

وكمِئ عن الأخبار كَمَأ: جهلها وغبي عنها.

وأكمأت الأرض: كثرت كمْأُتها.

وأرض مكموؤة:كثيرة الكمأة.

المتكمّئون: الذين يطلبون الكمأة.

"الكمأ إسم لعائلة من الفطريات تسمى الترفزية، وهو فطر موسمي ينمو في البرية بعد سقوط الأمطار وبعمق 5- 15 سم تحت الأرض، ويتراوح وزن الكمأة من 30 -300 غرام، ويعتبر ألذ وأثمن أنواع الفطريات.

ومن أنواعه الأبيض (الزبيدي) ويتميز بالحجم الكبير، والأحمر (الخلاسي) ويكون أصغر حجما وألذ طعما، والأسود (الجبي) وهو صغير الحجم جدا، وهناك نوع آخر يسمى الهوبر (لونه أسود وداخله أبيض) وهو من الأنواع الرديئة.

وأنواع الكمأ قد تصل إلى ثلاثين نوعا".

"ويكثر الكمأ في البوادي ويتكون من مستعمرات عددها عشرة إلى عشرين، وشكلها كروي مثل البطاطا وسطحها أملس أو درني.

ويستدل على وجود الكمأة من (فقع) الأرض أي تشققها وإرتفاعها قليلا.

والكمأة تحوي على البروتين والنشويات والدهون والفسفور والصوديوم والكالسيوم والبوتاسيوم وفيتامينات بي و أيْ".

وتسمى الكمأة بإسم (بنت الرعد) لأنها تكثر في أوقات الصواعق والرعود.

وفي سامراء يقولون (ﭽماية والجمع ﭽمه)، وفي هذا الوقت من السنة خصوصا عندما يهطل المطر وتتبارق الرعود، تكون أرض سامراء قد أكمَأت، خصوصا في منطقة (الجزيرة)، حيث تتفقع الأرض مشيرة إلى الكمأة.

وتتكاثر في الأرض الرخوة والرملية والتي نسميها (تراب المشن)، ومن الأنواع التي أذكرها (إجْبَه) وهي الكمأة الصغيرة اللذيذة الطعم، (إمْشيْخه) أي كبيرة الحجم وقد تفطرت، ويكون طعمها أقل طيبة من سابقتها.

ويقولون الأرض (فاﮔعه) أي قد أفقعت وإرتفعت كالفقاعة وكأنها حبلى بالكمأة.

وعن جني الكمأ يكون بواسطة (المِنباز)، وهو قضيب حديدي مطروق النهاية فتكون وكأنها عريضة مدببة، وكنا نأخذ قضيب الحديد إلى الحداد الذي يقوم بطرق نهايته ليكون آلتنا في (نبز) الكمأ أو الچمه.

تذكرت الكمأ في هذه الأيام التي أعرف أنه سيكون وفيرا في سامراء، لنزول المطر، وكيف كنا نذهب بمجاميع على الدراجات الهوائية وقد تسلحنا بالمنباز، نتكمّأ أي نبحث عن الكمأ في مناطق سامراء التي أصبحت الآن مأهولة، كمنطقة (الإجبيرية)، وكانت الأرض منبسطة، ومكتظة بفقاعات الكمأ، فنمضي بجنيه ونعود به فرحين وقد ملأنا جيوبنا و(عبوبنا)!!

والكمأة السامرائية لذيذة الطعم، ولا أظن أن أبحاثا أجريت عليها أو دراسات، وهذا ما يتوجب على جامعة سامراء عمله وتوثيقه.

والكمأة أكلة (ما أطيبها)، إذ يتم تنظيفها من التراب والرمل و(حكها) بحجارة خاصة سوداء اللون، حتى تبدو خالية مما علق بها، وإلا فإنها (تهص) أي عندما تمضغها تستشعر بوجود الرمل في فمك.

وبعد أن تنظف وتغسل جيدا، يتم تقطيعها وسلقها بالماء، ومن ثم قليها أو (تحميصها بالطاوة)، وأحيانا مع البصل، وتؤكل مع الرز (التمن)، فما أطيب الچمه المنثور فوق (التمن) ( وربك ما ينشبع منه).

والبعض يشوي الكمأة خصوصا في البادية من قبل (البدو) أو يجففونها ويخزنونها، والبعض يطبخها.

وأظن بادية سامراء هذه الأيام ثرية بالكمأة، والناس يغنمون من خيراتها الكثير، ومن الممكن الإستثمار في الكمأة لأنها من أغلى أنواع الفطريات في العالم، ويمكن تسويقها في مناطق متعددة من البلاد وحتى تصديرها، خصوصا في مواسمها المعطاء.

 

د-صادق السامرائي

 

جرائم ثقافية

sardar mohamadفي مقدمة نصي هذا أؤكد أن هذه التقدمة لا تخص أحداً بعينه بل الكثير من الذين واللواتي هم مشاريع شعراء وشواعر وقد تكون قاسية ولكن قساوتها قسوة أب أو أخ كبير وليست قساوة ظالم عات .

وأؤكد أيضا ً ثقتي وزعمي بوجود خامات طيبة يمكن أن تجد لها موطىء قدم ومكانا ًمائزا ًبين الشعراء والشواعر أخذوا مواقعهم بجدارة  .

ليست كل النصوص التي تكتب تسمى شعرا ً فالشعر لا يحط وينزل دون دراسة ودراية بصنعة الشعر وأساليبه ومعرفة ما قاله السابقون القدماء والمعاصرون ولا أقصد موازين الشعر وعروضه التي لابد منها بل كيفية تكوين وتشكيل الصور المدهشة .

لا أعتقد أن مجرد المديح والمحاباة تخدم أي شاعر ولا أظن أن التعليقات بأعداد كثيرة تعني شيئا ً فلنلاحظ مايكتب من ترهات القول: يكتب أحدهم ( أحسنتي ) وآخر ( أنتي روعة ) هكذا بالياء فهم لا يميزون الياء من الكسرة وهناك من يتمادى بالوصف ( أنت خليفة نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة و عاتكة الخزرجي ) وهكذا دون وعي فهم يقترفون جرائم ثقافية ومثلها لا يخدم قضية ولا ترعى نبتة وأقول للأول يا فتى لو تراجع كتاب المطالعة للصف الرابع الإبتدائي وأقول للآخر بربك ماذا تحفظ من شعرالشواعر اللواتي ذكرت وأسألك هل قرأت كتاب اشعار النساء للمرزباني أوالإماء الشواعر لأبي الفرج الأصفهاني ولا أسألك عن أسرار البلاغة للجرجاني ولا سر الفصاحة للخفاجي فارحموا البذرات لتنمو بسلام .

واحد قيل له لوتطبع ديوانا ً، سيكسّر الدنيا، فصدق، فأصيب المسكين بمرض الإسهال الشعري لينجز الديوان خلال أيام .

من السهل النفخ في أست بعوضة لتغدو فيلا ً كلاما ًولكن الحقيقة أنها سرعان ماستنفجر.

لا أظن أن مثل هذا يشجي، وأذكر مثلا ً أنا منذ خمسين عاما ً مولع بالشعر وفنونه ولكني لغاية هذه اللحظة أخشى أن أسمي نفسي بشاعر بل أقول عن الذي أكتبه نصوص وأخاف من تسميتها قصائد .

كثرة التعليقات لاتعني شيئا ً لا سيما إذا كانت بهذه الضحالة فواحدة قالت لي: وصلني (خمسين ومئة تعليق) على نص واحد، ضحكت وقلت: معلمي الشاعر الفذ يحيى السماوي لم يصله مثل هذا العدد وهو المعروف بغزارة علمه وفنه .

واتفقت ُمعها فكتبت نصا ً سخيفا ً، وأخذت منها نصا ً جيدا ً، فتآمرنا نشرت نصي السخيف باسمها ونشرت نصها باسمي فوردتني ستة تعليقات ووردها مايفوق المئة، وكلها من الترهات مثل: روووووووووووووعة، يا للجمال، مساكين وقعوا بالفخ بيسر، فخجلت من نفسها .

ياناس الشعر صعب وطويل سلمه وليس الإستعداد أو الموهبة بكاف فليسأل أحدهم نفسه: كم تحفظ من الشعر؟ لا بل لنسأل كم قرأت من شعر العرب؟

وليسأل نفسه ماالإختلاف بين التشبية والتمثيل ومتى تكون الإستعارة؟

إرحموا شبابنا النبتات الصغيرات والتي ستكون أشجارا ًلو أحسن الفلاح رعايتها، وفرّوا لها الماء الرقراق لترتوي وابعدوا عنها الماء الأجاج بارك الله مسعاكم .

والآن لنلج عالم الكبارأو الذين يسمون أنفسهم كبارا ً وهم صغار كانت اقتباس فكرة أو صورة مما يدان عليه آخذها ويقال أنه سبقه فلان بقولها، فكرة أو صورة وليست نصاً بحذافيره أو يقال أنه مسروق ففي كتاب الموازنة للآمدي:

لما كنت قد خرجت مساوى أبي تمام وابتدأت بسرقاته وجب أن أبتدئ من مساوى البحتري بسرقاته؛ فإنه أخذ من معاني من تقدم من الشعراء وممن تأخر أخذاً كثيراً.

وحكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن ابن أبي طاهر أعلمه أنه أخرج للبحتري ستمائة بيتٍ مسروق، ومنها ما أخذه من أبي تمام خاصة مائة بيت .

هكذا كان فقهاء اللغة وعلماؤها يصرحون بلا خوف أو وجل.

وقيل:

أن المتنبي قال:

أأحبه وأحبّ فيه مَلامةً ... إن الملامَةَ فيه من أعدائهِ

أخذه من أبي الشيص:

أجدُ الملامة في هواكِ لذيذة ... حبّاً لذكركِ فليلُمْني اللُّومُ

وغيرها كثير .

اليوم ينظم أحدهم قصيدة ويقدمها هدية لغانية تسمي نفسها شاعرة !

وواحدة أخرى تفوز بالهاتف وتدعى إلى زيارة بلد غير البلد الذي تقطنه وتقضي مدة تنال خلالها الترحيب والنفاق اللازم مع الدعوة .

مسابقة تقام فتفوز نصوص بغير استحقاق وتهمل نصوص مرموقة .

تفضلوا انشروا النص المهمل والنصوص الفائزة بهتاناً معا ً لتكون تحت مرأى النقاد ولنسمع رأيهم الصريح (دون تلفونات)، حتى في محاكم الجرائم الإجتماعية هناك حق للإستئناف، فأين أنتم منها يادعاة الثقافة .

إتصلت بي أحدى الكاتبات والشاعرات المرموقات متألمة لكونها لم تدع إلى مهرجان كان من حقها أن تكون على رأس قائمة المدعوين، فقلت: هو ذنبك أختي، قالت: لماذا، قلت: قليلا ً من الغنج والدلال فتكونين أول المدعوات، قالت: وهل تقبل ذلك لأختك، قلت: طبعا ً لا أرضى لك ذلك، قالت: فما هو رأيك ؟ قلت:  (من طاح حظ هيج ثقافة ومثقفين ) .

 

نقيب العشاق على امتداد الآفاق بين بيخال ونياغارا

 

الحايك .. من الموروث المادي الجزائري

الحايك .. من التراث المادي في الجزائر،هو ثوب غير مخيط في زمن مضى كانت تلتفّ به المرأة الجزائرية عندما تتأهّب للخروج من المنزل، وهو رمز من رموز التحجّب الطافحة حياءً والمعبرة عن الاعتزاز بما هو محلي، هذا الثوب صار من بين الأثواب التراثية التي تُذكر ولا تستعمل، والملاحظ ـ حالياً ـ أنّ كثير من الناس من كلا الجنسين ـ رجالا ونساء ـ مشتاقون لرجعة أيّام الحايك، رغم جماليتة إلاّ أنه من الصعب الرجوع لاستخدامه في هذه الأزمنة التي نعيشها، والكل يعرف لماذا، فالمرأة الجزائرية اليوم ليست هي المرأة الجزائرية الأمس، المرأة الجزائرية اليوم صارت لها مهام ووظائف إضافية فوق وظيفتها ومسؤوليتها الأسرية، فهي اليوم طالبة في المدارس والكليات وطبيبة ومحامية وقاضية وممرضة وإدارية وأستاذة وووو .. كل هذه الأماكن التي ترتادها بشكل يومي لا يمكنها أن تذهب لها ملتفّة بالحايك وهو الثوب الغير مخيط، فالحياة التي نعيشها اليوم تختلف تماما عما عاشت فيه جداتنا حيث كانت البساطة عنوانا للحياة، بالإضافة إلى انخراط المرأة في عالم الشغل،لا بد أن نتذكر أن العالم اليوم صار منفتحا فالأثواب التي تنتج في أقاصي البلدان تصل للجزائر وغيرها من الدول وتباع وتتجّر ناهيك عن السلع المحلية المقلدة وغير المقلدة، وطبعا لكل مقام مقال فالثوب الذي يلبس في البيت ليس هو الثوب الذي يلبس في أماكن العمل أو الرسميات وأثواب السهرة والأفراح تختلف عنهما وهكذا.

358-fatima ورغم المدنية التي نعيشها تبقى كثير من النساء المحتشمات اللواتي يعين تماما أن الخروج للعمل والانخراط في الحياة الاجتماعية لا يعني أنها ستتخلى عن أنوثتها أو دورها الذي خلقت لأجله ومهامها التي منحتها لها الطبيعة، لأن هذا الصنف من النساء هنّ على وعي تام بأنه لا صراع بين الجنسين في هذه الحياة حتى يصرخن و ينادين بالمساواة هن الواعيات بأن الحياة تقوم على مبدأ التكامل بين الجنسين فلكل منهما دوره، أما من ينادين بالمساواة بين الجنسين باسم الحضارة والتقدّم فما هنّ بنساء هن ّ أشباه نساء هنّ محتسبات على الأنوثة فقط لا أكثر، وهنا أذكر اللذين يلومون النساء بالتخلي عن هذا الثوب التراثي (الحايك) أن هذه الأمور تابعة لمتغيرات الحياة التي نعيشها وأن التأثير والتأثّر ظاهرة صحية إذا ما تمّ عقلنتها وإذا ما عرف المُتأثّر ماذا يأخذ وماذا يترك، و أشير إلى أن الرجل الجزائري هو الآخر قد تخلى عن أثوابه التقليدية مثل (القشابية والبرنوس والقندورة والعمامة)، ومع أنه تخلى عن هكذا مظهر تراثي / تقليدي واستبلده بالبدلة الإفرنجية وربطة العنق والجينز إتباعا للتقليعات العصرية التي تفرضها الحياة المدنية اليوم ـ أيضا ـ لكن ما بال مجتمعاتنا تحمل المرأة أكثر من طاقاتها وتلومها عن التخلي عن التراث المادي المتمثل في اللبس وتغض الطرف عمّا حدث من تغير في لباس الرجل؟؟!! أهي المرأة وحدها سبب تقهقر واندثار الموروث المحلي وغيابه؟!، من هكذا أمور وغيرها تتجذّر ثقافة التفرقة بين الجنسين لتكسر أهم شيء يجمعها ألا وهو الإنسانية في أجمل صورها ..الأمر ليس حنين إلى (الحايك) كثوب نسوي إنه أبعد من ذلك بكثير .. إنّه الحنين إلى تلك الأزمنة التي كانت المرأة لا تستعمل فيها أدوات التجميل الباريسية .. في ذاك الزمن الذي كانت تستغني بخفرها وحيائها عن كل هذه المستحضرات، مع ذلك يبقى في زمننا هذا صنف من النساء محتشمات اللاتي يخرجن للعمل في أرقى المناصب في الدولة والمشاريع الخاصة، ويقابل صنف آخر يتخبطن خبط عشواء ويرتدينا ما اتفق وكيفما اتفق وعندما تراهن في الأماكن الرسمية تتساءل هل أنا في فرح أم حفل أم ماذا ؟ طريقة اللبس وطريقة وضع مساحيق التجميل بطريقة عبثية تنبؤ بالجهل التام لثقافة ارتداء الملابس حسب مناسباتها وأمكنتها وفوق كل ذلك غياب تام للحياء الذي هو زينة المرأة من دون شك، هذا الصنف الثاني هو الذي جعل الأصوات تعلو شوقا وتوقاً إلى الحايك وما يحمله من جماليات تخفي / تكشف الأنوثة الملتفّة بالحياء قبل الرداء المتمثل في الحايك .

 

*ـ أستاذة بجامعة 20 أوت 1955 سكيكدة (الجزائر)

      

أسئلة لما بعد الموت

hamoda ismaeli(آمين .. بل آمون، مصر مهد ديانتكم)

دان بروان

 

هي:

لقد توفي شخص عزيز علي مؤخرا، قبل ذلك بمدة كان شكي يزداد حول أمور الدين لكنني صدمت بهذا الحادث، أشعر في فقدان هذا الشخص وكأن الله يعاقبني على شكي ! لقد ازدادت مخاوفي الآن من الجحيم والقبر والعذاب وصارت هواجس تطاردني.

 

هو:

الحالة التي تمرين بها حالة شائعة وتحدث كثيرا، لأن الشخص يدخل على إثرها في صدام مع أسئلة وجودية وخوف من المجهول، وهي أمور لايكون مهيئاً لها نفسياً بشكل جيد. المشكل يوجد في الاعتقادات والأفكار التي يتلقنها الإنسان لمواجهة العالم، ففكرة العالم الآخر لم تكن موجودة إلا بعد ظهور الفراعنة : كان الفراعنة يبحثون عن أجوبة للعدالة لأنهم أنشؤوا نظاما اجتماعيا متطورا وبذلك أوجدوا حلا لإشكالية من يموتون دون أن يُعاقبوا، عن طريق محاكمة في عالم الأرواح. والغريب هو أن عذاب القبر الإسلامي لا زال يعتمد على التفاسير الفرعونية : نهر النار، الثعابين وماسواه . وطبعا تطورت الأفكار فصار العالم الآخر الغريب يأخد اهتمام الناس أكثر من الواقع الحقيقي.

والأكثر من هذا، فلو أنك ولدتي بالهند لأسرة هندوسية وتوفي هذا الشخص أو أحد معارفك، فإنكم ستقومون (أنت وبقية معارفك) بحرق جثة هذا الشخص (المتوفى)، وستعودين للبيت وأنت تعتقدين أن روحه ستحيا في تمساح أو قط حسب قانون كارما.

نحن نعيش في أُسر وأحياء ومدن، وبما أننا نستطيع أن نحصي أو نراقب الناس من حولنا فإننا نعتقد أن كائن ما يراقب 9 مليار شخص بالعالم، لينتقم من كل واحد : هذا إذا أضفنا كل من عاشوا على وجه الكوكب. ومن المضحك أن هناك من يتابع أحداث الناس المملة، فلا وجود لمن يهتم بهم أو يسهر على أمانيهم لا من قريب ولا من بعيد.

العالم تحكمه جزيئات فيزيائية، والمواد فيه تتكوّن عن طريق تشكّل الجزيئات، وتتبدّد عن طريق تحلل (أو إعادة تشكّل) الجزيئات : وكل شيء يحدث فيه (العالم) يبقى فيه فليس له (المادة) مكان ليذهب إليه، فالجثث تتحوّل لنشويات أو اكسجين.

فأن يملأ الإنسان رأسه بالقبر والعقاب والآلهة إنما هو إشغال الذهن بهَمّ على حساب أيام تمر كان يمكن أن تكون سعيدة أو ممتعة.

 

هي:

ما يؤرقني هو اعتقادي بأن هذا الشخص يتعذب الآن، وهذا أكثر ما يخيفيني، لا أعرف ! غير أنني أجد نفسي مدفوعة لأن أترحم على روحه بالدعاء والصدقات حتى أخفف عنه، بت أخاف حتى من دموعي التي أذرفها حزنا على فراقه لَأن تزيد من عذابه !

 

هو:

حسب الشعوب القديمة فإنهم لاحظوا أن الإنسان عندما يموت فإنه يصبح جامدا : جسده موجود لكنه لا يشعر أو يتألم أو يتحرك. وخلال تطور الأفكار اعتقدوا أن شيئا يسكن الإنسان هو الذي يحركه وهو أيضا الذي يحرك الطبيعة. بل حتى إنهم ربطوا ذلك الشيء الذي يسكن الإنسان بأنه هو الذي يخرج (منه) ويحرك الطبيعة (الزلازل والعواصف والفياضانات الخ) كعودة للانتقام ! . من هنا بدأت فكرة إرضاء هذا الشيء (الأرواح) الذي يأتي من مكان مجهول ويشبه الرياح التي تحرك الأشجار : وهنا سيظهر أن شيء مثل الريح يحرك الإنسان (ويتحرك داخل الإنسان)، بعد ذلك سيتم تنصيب حاكم لهذه الأرواح هناك (يعذبها ويجازيها) طالما أنه تم تنصيب حاكم هنا في الواقع (حسب نشوء المجتمعات المتطورة) يجازي الناس ويعاقبهم.

الجسد مثل الآلة التي تشتغل بالدارة الكهربائية : إذا لم يُشحن (بالغذاء) أو تم تعطيله (بالتسبب بأضرار جسمية) فإنه سيتوقف عن العمل مثلما تتوقف الأجهزة الإلكترونية. الروح هي الكهرباء التي تسري فيه لم يجد لها القدماء تفسيرا فظنوها شبحا أو رياحا أو حتى مياه (الدم).

 

هي:

هل تعني بهذا أن المسألة عبارة عن أفكار خرافية تم توارثها وأُلبست ثوب القداسة بإقحامها في الدين ؟

 

هو:

أكيد وإلا لماذا الصمت على أرواح الحيوانات؟ بل ماذا عن الحشرات؟! والكائنات المجهرية؟ . رجال الدين يفسرون الروح بأن ملاكا ينفخ في بطن الأم عند الشهر الثاني ربما للجنين، لكن ماذا عن الحيوان المنوي والبويضة أليست كائنات حية تتحرك؟!

 

هي:

لطالما تسألت حول هذه الأمور، غير أن الكثيرين أخبروني بأن الحيوانات تذهب للجنة مباشرة ودون حساب لأنها غير عاقلة !

 

هو:

إنها أيضا فكرة تعود لأصول فرعونية، حيث كان الفراعنة يدفنون معهم حيواناتهم لكي تذهب معهم للعالم الآخر؛ زيادة على أنه: أي دور سيكون لها والناس في الجنة لا تجوع ولا تشعر بالبرد؟ فالحيوانات التي نربيها إما لنأكلها أو لتساعدنا في الحراسة أو نصنع منها ملابس أما البقية فنبعدها عنا لأنها مؤذية أو غير مفيدة.

 

هي:

هذا مفهوم .. لكن ماذا عن أولئك الذين يؤكدون انهم خاضوا تجربة الموت و عادوا ؟ هناك العديد من التقارير الصحفية والبرامج الوثائقية التي تطرقت للحديث عن هذا لأمر !

 

هو:

لا يختلف الأمر عن من يلتقون بالفضائيين أو من يرَون الجن والعفاريت وكما يتساءل الفيزيائي ستيفن هوكينغ "لماذا لا تظهر هذه الأمور سوى للمعتوهين وغريبي الأطوار" ؟! . يسعى الناس لجذب الاهتمام بأنهم مروا بتجارب لم يمر بها غيرهم. والصحف تغرم بمثل هذه القصص (ليس لأنها تصدقها) بل لأنها تجلب القراء : ومن خلالها يمكن مضاعفة بيع النسخ.

 

هي:

بالفعل ! الصحف تجارة هي الاخرى و تعمل على جلب المستهلكين.

كمال جنبلاط

1shaweqi moslmani (هامش)  

بحثتُ عن الإسرائيلي فوجدته يقف خلف ذلك الخطاب!.

**

 

2 (ثريّا عاصي)

"لا تستأهل هذه الجماعة الثقة، ولا تمتلك الصدقيّة، إذ كيف لهذه الجماعة أن تحافظ على وحدة البلاد واستقلالها وأن تضع ركائز مؤسّسات دستوريّة لدولة عصريّة وهي التي تعتمد في قتالها من أجل السلطة على المرتزقة، فضلاً عن أنّها طلبت أكثر من مرة من القوى الغربية التدخّل مباشرة لقلب نظام الحكم. كم كانت خيبتها كبيرة عندما عدّلت الولايات المتحدة الأميركيّة عن خطّتها العسكريّة، بالإضافة إلى هذا المعطى نحن لا نعلم أن حراكاً جماهيريّاً تحالفت قيادته مع المستعمرين جلب الأمن والازدهار، بل على العكس كانت الحصيلة دائماً نماذج جرّت الوبال على الناس".

**

 

3 (كمال جنبلاط)

ينهض الربيع فينا كلّما ذكرناه، ويزدهر الحلم الورديّ على عتبات التغيير. هو الفكرة النبيلة، والفكرة النبيلة تنتصر، وهو القدوة بالصبر والأناة، وهو حبّة القمح التي غاصت في التربة كي تملأ البيادر غلالاً.

كمال جنبلاط مدرسة. هو العِلم الذي تفتّح في مشاتل العزّة. ساءه أن يرى "المحسوبيّة" مثل غدّة سرطانيّة تنمو في جسم الدولة. ساءه أن تستعرّ الرشاوى. ساءه أن تُمتهن الكرامة.

أعلن برنامجه المرحلي للإصلاح باعتباره الجسر الممكن إلى وطن لا إلى مزارع تفقّس الخوف والغبن.

افتقدنا كمال جنبلاط حين امتدّت إليه يد الغدر ولكنّنا أيضاً نقرأ الوصيّة: "لبنان وطن للجميع".

السلام على المعلّم الذي أحبّ فاغتالوه.

(نُشرت سنة 1983"!!")

**

 

4 (لك الأرض ولن يرثها المفسدون)

"للطوائفيين مكان ينامون فيه فأين ننام نحن"؟

كنتَ المدى والنهرَ والسواقي ودفءَ التلاقي، كنتَ الحبَّ الذي يمّمتْ شطرَه وجوهُ الأحبّة، والأملَ المرتجى لحياةٍ لا مسود فيها ولا سيّد. وهكذا كنتَ وهكذا أنتَ وهكذا القلبُ أرحب من سماء. لا معنى لاختلاف البشر إلاّ أنّهم كلّهم بشر، ولا يعرف معنى الحدود سوى إنّها غير ملزمِة في عالم هو أوسع من طموح فرد أو جماعة. وهكذا كنتَ وهكذا أنتَ. اصبرْ إذا مسّ العالمَ الجنون، إذا ضاقتِ الأحداقُ في زمن الطوائف. اصبرْ إذا رموك بحجر لأنّك الشجر المثمِر. اصبرْ لوحشة الطريق وقلّة الزاد والصديق. كنتَ الأمل أقوى من ليلهم وما يأثمون. كنتَ الشعلة وكانوا العناكب والأفاعي. لا يروعنّك أنّهم كثيرون وأنّك قلّة. لك الأرض ولن يرثها المفسدون.

(نُشرت سنة 1985).

**

 

5 (حصار)    

قال لي إنّهم كانوا يسبحون في البحر عندما فاجأهم صيّاد سمك ورمى شبكته عليهم، وفيما علق واحد وأصيب الآخرون بالذعر كانت سفينة صيد سمك تعبر. ورأى كبير الصيّادين انهماك الصيّاد فأيقن إنّه عند صيد وفير. وصرخ برفاقه: "القوا الشباك، وحاصروا كلّ المنطقة"!.

**

 

6 (أنسي الحاج)

التاريخ كتاب السفّاحين والضحايا، وَضَع فيه نفر من عبّاد الطغاة قناعَ المجد على وجه الوحشيّة.

**

 

7 (لا)

المسألة متراكمة

ليست صنيع رقّة

بل صنيع آلات وخْز.

 

الكتاب بدل العبوة الناسفة

ali fahimقيل قديماً (مصر تؤلف ولبنان تطبع والعراق يقرأ) وهذه المقولة تعكس صورة أن العراقيين كانوا القراء الأوائل في الوطن العربي ورواد الثقافة والمعرفة وملتهمي ما يصدر من مؤلفات بكل ألوان الفكر ومجالات الأبداع الأدبي والعلمي والفلسفي ولكن حدث نكوص هائل وأنحسار شديد في واقع القرّاء ورواد الكتب لأسباب عديدة تراكبت وتعاضدت مع بعضها لتنتج أجيال لم يصادقوا خير جليس في الزمان وهجروا الكتاب وبالتالي عاشت المعرفة غربة فحل الجهل ضيفاً ورفعت رايته على رؤوس الاشهاد فتنفس التطرف والتعصب ونمى التخلف في ربوع العراق ليتخلل نهج التكفير بين طيات مجتمعنا ويجد له مستقراً ومستودعاً في حبيبات تربة هذا الوطن، مستورداً قبيحاً من دول الجوار التي لا تريد بالعراق الخير فسلمت الرؤوس الخاوية طواعية لتملأ بنتاج متطرف لا يرى الخير الا عفونة أفكاره ويحكم على كل من لا يخضع لمنهجه بسلب الحياة وقطع الرأس الذي يفكر لأنه لا يريد الفكر، ويقتلع القلوب لأنه لا يرغب بقلوب تنبض بحب الاخرين ويقتلع العيون لأنه لايرى الا ظلمة أفكاره، إنهم كالاعشاب الضارة التي حتى لو قطعتها الف مرة ستعود للنمو لتزاحم الافكار الصالحة وتشوش على المصلحين وقبل أن نصل الى مرحلة مأساوية بأخر الدواء الكي، ونقطع العضو المصاب من جسد العراق علينا تحصين مجتمعنا بالمعرفة وافضل طريق لها هو الكتاب فتحريره من السجن الذي وضع فيه في هذه السنوات وأعادته الى الحياة وترغيب الأجيال الناشئة بالكتاب والمطالعة وحب المعرفة مقابل الموجة العارمة من التجهيل والتسابق المحموم في أقتناء أخر صيحات أجهزة الاتصال والتواصل لأرضاء الشهوات وأشباعها بينما لا يوجد من يهتم بالكتاب حتى من قبل المدرسة التي هي (مصنع المعرفة) فألغي درس المطالعة وحكم على المكتبات بالموت السريري وتخرجت أجيال تتبعها أجيال لم تقلب في حياتها كتاب، الا المناهج الدراسية التي يبغضونها، إننا نملك وقت الفراغ المهدور الهائل والدليل كثرة المقاهي وتكاثرها وأصطفاف الشباب فيها لساعات لا يستنزفون فيها الا وقتهم في شرب (النركيلة) وتداول الاحاديث السطحية عن برشلونة وريال مدريد ولو أستثمر ربع هذا الوقت في مطالعة كتيب صغير أو صحيفة أو مقال ما لأنتشر الوعي في مجتمعنا ورأينا بوضوح ما يراد وما يدار بنا وحولنا، هي دعوة لأصحاب القدرة والمسؤولية للعودة بنا الى الكتاب كحل مقابل ثقافة التجهيل تتزامن مع معارض الكتاب الدولية الكبيرة التي تقام حالياً في النجف وبغداد ودمتم سالمين .

الشعور بالانتماء

كما لكل زهرة في الحياة بستانها الخاص الذي تنتمي إليهِ وتحسُ فيها بالأمان، كذلك لكل إنسان انتماء خاص لأرض ما مُرتبط بها روحيًا وفكريًا ولكن قد لا يشعر فيها بالأمان ... كيف!

أنت غصن من هذه الشجرة، تنتمي إلى هذه العائلة وتُلقب بها، أنك أيضًا وجدت في أرض تنتمي إليها وتتسمىّ باسمها ويُكتب اسمها في أوراقك أينما حللت وتُعرف بها، فالانتماء شعور غريزي ولدت وتربيت عليه، ومثلما تعرف بأنك تنتمي إلى هذه العائلة فكذلك يكون انتمائك لأرضك وتربتك التي جبلت منها وارتبطت بها ارتباط أبدي روحي ومُقدس. لكن في ظل ما تمطرهُ سحب السماء المُتشكلة من كل مما على تلك الأرض ذاتها، قد يُضعف هذا الشعور ويخنقه ويجعلهُ يضمحل ويتلاشىّ ويصبح غريبًا عن ديارهِ ويذهب بعيدًا في الأصقاع حيث ضياع الهوية واندثار اللغة وضعف الولاء وعدم الإرساء على أعتاب وطنًا! نعم ننتمي لإرضًا ولكن فيها قد لا نشعر بالأمان والاطمئنان، مما يحملنا على القلق والخوف والحيرة والتشتت من القادم المجهول واهتزاز الأرض من تحت أقدامنا وعدم المقدرة على ترسيخ الثبوت!

من مِنَ البشر لا يتمنى أن يكون في أرضهِ راسخ كما هو كل شيءٍ راسخ؟! ولكن هذا الرسوخ يأتي من يقلعهُ من جذورهِ ويرميه بعيدًا في تربة أخرى ليثبت فيها وينمو ويكبر، لكن بشعور اللانتماء وإن كان مُنتميًا! بمعنى قد يرتبط بتلك الأرض ولكن ولا يمكن أن تكون في يوم من الأيام لهُ، كونها احتوته فقط ولم تولدهُ والفرق كبير بين أن تكون صاحب أرض وأن تكون ضيفًا ولاجئًا، أن تكون فرعًا بدل أن تكون الأصل!

اليوم هذا الضعف بالانتماء واضح كثيرًا وأصبح يُتعب ويُرهق ولكن ليس الجميع، هنالك من لا يزال مُنتمي وهناك من يُريد أن يقتل هذا الانتماء بأي شكل من الأشكال، أنها دائرة المصالح والبقاء للأقوى التي تدور دورتها لتُحيط بالكل وإن كان رافضًا! وهذا ليس غريبًا في بلدٍ تمزقهُ الحروب والصراعات والتفرقة والعنصرية والتعصب المُقيت.

كثير من شباب اليوم المُغترب يُعاني من مشكلة ضعف الشعور بالانتماء، وهذا لا لومَّ فيهِ عليهم، كونهم وجدوا أنفسهم في واقع مختلف عن واقع أتوا منهُ قد أبصروه وقد لم يبصروهُ! نعم فئات كثيرة لملمّت ما تبقى من أشلاء وغادرت إلى حيث ما تتطلبهُ والمفقود في ديارهم! وهذا الضعف بالشعور تولد من السلبية لكل ما هو قائم والانقياد الأعمىّ، ومن اللامبالاة بالحياة وبالكيان الواحد ومن عدم تحمل المسؤولية! أصبح مصير وجود شعبًا اليوم في بلد مثل العراق متوقف تمامًا على حبات الرمل الصغيرة الناعمة والدقيقة الموجودة في أحدى بُصيلات الساعة الرملية التي كانت تستخدم في زمانًا ما، تتقطر حبةٍ حبة إلى أن تنتهي بالانتظار، يبدأ العدّ التنازلي لهذه الحبات وهي توقع نفسها في البُصيلة الثانية من أجل الانتهاء التدريجي! هكذا أصبح الواقع اليوم، الوجود في اضمحلال والأرض في انكماش والأغلبية مشغولين بأمور أخرى مع علمهم بهذا ... ولكن لا نفع للكلام ما زال أن لا أذن تسمعهُ ولا يدّ تنفذهُ؟! يرفعون الرايات وينادون بالحقوق ولكن أين هي من الواقع الفعلي؟! تبقى مجرد شكليات وقتية من أجل أعلان الفعل الميت، أنها مجرد طريق تؤدي إلى آخر في الحسابات!

الانتماء هو إحساسك وشعورك ووجدانك، هو التأثر الإيجابي بمختلف الأحداث والمتغيرات التي ترافق بلد مُنهك وليس العكس، أن تكون منتمي بمعنى أن تعرف كيف ترفع من شأن بلد وكيف توحد الكلمة وكيف تقوي التوجه وكيف تغرز وتعزز هذا الشعور في الآخر؟ خدمة الأوطان لا تكون بالكلام والتنافس بل هي بالوعي وتقوية وتعزيز الموقف وتأهيل كيان من أجل النهوض، هكذا تُبنىّ الأوطان وهكذا يكون الانتماء بالبذل من الأعماق.

ويبقى أن نقول:

ـــ أن الأرض هي الأم الحقيقية، أم الكل، هي من نعمنا بخيراتها وهي من رأتنا منابع الحنان والجمال الحقيقي، وهي أول من تحملنا الذكريات إليها.

ـــ يبقى الحبَّ والإخلاص والدفاع والاعتزاز والولاء غريزة ولدت في الإنسان للحفاظ على بيتهِ ووطنهِ حتى وإن كان بعيدًا عنها بُعد قارة عن أخرى.

ــــ يبقى هذا الشعور وهذه الغريزة تجري في عروق كل غيور مُقيد بحبَّ وطنًا وتجعلهُ ساعة الساعة كالأسد المُتربص لفريستهِ لينقض عليها.

ــــ يبقى الوطن والأرض تلك الزهرة الجميلة المستلقية على سفح جبل، ويبقى الإنسان كالنحلة التي تمتص الرحيق منها، لا استغناء لهُ عنها ولا نهوض لها ألا به.

ــــ يبقى اسم العراق لا يتغنى به من دون عراقييه.

الإِنسانِيَةُ وَمَوتُ الوَطَنيِة .. هَل يَلتَقِّانْ؟؟!!

sara falihaldaboniأن تكونَ إنساناً .. يعني أن تحملَ فانوساً وسَطَ الظُلمةِ تُنيرُ بهِ الدربَ للآخرين .. .

أن تكونَ إنساناً يعني أن تحتكمَ في تعامُلِكَ معَ الآخرين الى ضميركَ ..

أن لا تُفرقَ بينَ بني البشرِ مهما كانَ جنسهم أو دينهم أو معتقداتهم .. !!

الإنسانيةُ هيَ العَطفُ والعطاء ..

هيَ الحُبُ والموَدة والرحمةُ والمعرفةُ والنضالُ من أجلِ الحَقِ والحقيقة .. .أينما وجدت الحقيقة .. ومهما كانَ أصحابها .. !!

أن تكونَ غيرَ قادرٍ على قتلِ نملة .. رُغمَ إنَ باستطاعتكَ هدمَ الحائطِ إذا ضربته .. !!

نعم .. فالإنسانيونَ لا يستطيعونَ قتلَ أحد .. مهما بلغَ حجمه وكتلته .. .. مهما بلغت قوتهُ أو ضعفه .. وهذا دليلٌ على أن لا علاقةَ للعضلاتِ بالقتلِ والجرائمِ والإرهاب .. ولكنَ المسألةَ منوطةٌ بوجودِ عقلِ الإنسانِ من عدمه .. !!!!

وهنا تنقلبُ المُعادلة .. ليتمَ قتلُ الإنسانيون، والإبقاءُ على قِطعانِ الإرهابِ والقتل .. !

لتبدأ حكايةُ قتلِ الوَطنِ والوطنية .. بِحرقِ الوطن .. ووَئدِ الوطنيةُ معَ بدءِ يأسِ الإنسانِ ليُهاجرَ ويترُكَ وطنهُ لرُعاةِ القتلِ والإرهابِ والكُفر .. !!

أَن تغفو عيناكَ بهدوءٍ وعُمق .. لتنهضَ فجأةً لتجدَ نافذتكَ وقد أطلتْ على منظرٍ طبيعي لبحارٍ من الدم والأشلاءِ الإنسانيةِ المُبعثرة .. !!

أن تكونَ إنساناً قمةً في الهدوءِ والسعادة .. لتتمَ كهربتُكَ بتيارٍ غيرِ طبيعيٍ اسمهُ الدين .. لتقلبَ تفسيراته الخاطئة كيانكَ رأساً على عقب .. !! فترى بحورَ الدمِ وقد انفجرت لمُجردِ كلمةٍ من دُعاةِ الدينِ وشيوخ الفتنة ..

وما على رعاعهم الا تنفيذُ الأوامر .. !!

أن تتخلى عن فنكَ وإبداعكَ وإنسانيتك وعملكَ وصدقكَ وحُبكَ ورحمتكَ التي وُلدتَ معها .. فتجدَ إنكَ اصبحتَ ومن حولكَ كما الثورِ الهائج، و ما حولكَ تكسيرٌ ودمارٌ وحرقٌ وقتلٌ وموت .. !!

أن تكتشفَ أنكَ تعيشُ وسطَ غابةٍ بربرية .. ومن حولكَ ضِباع .. !

وما أمامكَ إلا ان تطيرَ معَ الطيورِ المهاجرة التي اختارتْ الفرارَ الى غيرِ أعشاشها لتلتمسُ في الغربةِ ملاذاً لها .. !! ولتترُكَ وراءكَ القتلَ والدمار دونَ أن تقولَ لا وتسهُمَ في التغيير .. !! متناسياً أن كم من لا غَيَّرت وجه التاريخ .. !!

أن تجدَ مسألةَ دفاعكَ عن أرضكَ ووطنكَ وشعبكَ منوطةٌ بحُبكَ أو عدمِ حُبكَ لحكومتكَ التي تحكمُ بلادك .. !

أن ترحَلَ وتفتحَ لذئابِ الإرهابِ فتحةَ تهويةٍ أُخرى كنتَ تغلقها دون أن تدري .. !

أما تعلمُ أن ما يحدثُ اليوم ليسَ بجديد .. ؟؟!! فقد سبقَ لبلدانٍ كًثُرٍ أن تعرضت لهذا الوباء، وإن كانَ أخفَ وطأةً، إلا إنهم لم يرضخوا ولم يصمتوا أو ييأسوا، بل تمسكوا بأوطانهم وتكاتفوا وثاروا على جميعِ تلكَ العواطفِ الظلامية القاتلة وتخلصوا منها .. !

فمتى نعودُ جميعُنا لإنسانيتنا ونثورَ على الوضعِ الراهنِ بدلَ أن نثورَ على بعضنا البعض .. متى نعودَ لإنسانيتنا فننتشلُ بلادنا من براثنِ الشرِ والضياع .. ؟؟!!

متى تنبعُ وطنيتنا من إنسانيتنا من جديد، فتُعَبِرَ عن (عراقيتنـــا) ..

لنعيشَ ضمنَ وجودنا الإنساني .. أن نموتُ في عشقِ هذا الوطن الذي أعطانا الكثيرَ دونما ندري .. !!

نعـــــم .. ..

فأن تكونَ إنساناً .. .. يعني أن تكونَ وطنياً ..

وأن تكونَ وطنياً .. يعني أن تكونَ إنساناً .. !!

لا فِراقَ بينَ المبدئينِ داخلَ روحك .. !!

أن تموتَ وتحيا بحُبِ العِراااااااق .. .. ..

عندها فقط .. .. تكونُ إنساناً .. .. .. !!

.. .. .. ..

بقلــــــم:

ســــــــارة فالــِـح الدُبـونـــي

29/3/2014

 

التقييم الدولي لبؤسنا وتعاستنا

khadom finjanنشرت الأمم المتحدة جدولها السنوي المتضمن تصنيف الأقطار السعيدة وتشخيص الأقطار التعيسة، فجاء الشعب النرويجي في مركز الصدارة، باعتباره الشعب الأكثر سعادة ورفاهية على سطح كوكب الأرض، لتنعمه بالعيش الرغيد في فردوس الأمن والأمان، والمساواة والعدالة الاجتماعية وراحة البال، وحل الشعب السويسري بالمركز الثاني، ثم الكندي، فالسويدي، فالنيوزلندي، فالدانمركي، فالاسترالي، فالفنلندي، فالهولندي، فاللكسمبورغي. بينما جاءت تسعة بلدان عربية في المراكز المتدنية دولياً، فكان ترتيب الشعب العراقي بعد الشعب التونسي، لتبوئه المركز (105)، بفارق ثلاث درجات عن سكان القرى البائسة في بنغلادش، وعلى مسافة ست درجات من الشعوب الهندية الفقيرة، وجاء الشعب الفلسطيني في المركز (113)، يليه الشعب الصومالي (114)، ثم السوداني بالمركز (124)، ومن بعده المصري بالمركز (130)، ثم الشعب اليمني بالمركز (142)، يليه الشعب السوري بالمركز (148)، في حين جاء أشقاؤنا في جزر القمر في ذيل الترتيب العربي (149)، أما الدولة الأتعس والأكثر بؤساً في العالم، فهي جمهورية (توغو) التي جاءت في المرتبة (156).

http://www.businessinsider.com/the-saddest-countries-in-the-world-2013-9

اختارت الأمم المتحدة المعايير المعيشية في تقييمها لتعاستنا، فاعتمدت على مؤشرات الصحة العقلية والجسدية، ومؤشرات الاستقرار الأمني والوظيفي والعائلي، والعوامل الأساسية الأخرى المرتبطة بسعادة الإنسان.

أظهرت نتائج التقييم أن الثروات الوطنية لا علاقة لها بسعادة الناس، فالعدل والإنصاف، وتمتع الناس بالحريات العامة، وغياب الفساد، واختفاء مظاهر العنف الطائفي والتعصب القومي والنزاع القبلي، تُعد في تشخيص التباين الترفيهي بين الشعوب والأمم أكثر أهمية من عامل الدخل القومي، وأقوى فاعلية من موارد الثروات المعدنية والزراعية والاقتصادية، وربما تركت تلك الثروات والموارد آثارها السلبية على حياة الناس، فقد تحولت ثرواتنا النفطية من نعمة إلى نقمة، وكانت السبب المباشر في تورطنا بحروب طاحنة، جلبت لنا الكوارث، وربما تسببت أيضاً في أقطار أخرى في الترهل الوظيفي، والإسراف والبطر الاجتماعي، والإدمان على لعب القمار، وتفشي أمراض البدانة واضطرابات التغذية والأمراض المرتبطة بالخمور والتبغ والمخدرات وشيوع الرذيلة.    

ما الذي يميز الشعب النرويجي عنا شعوبنا العربية ؟. ما يميزه عنا هو نصيب المواطن الترويجي من الناتج الإجمالي، والذي وصل إلى (57000) دولار سنوياً، وتمتعهم بأعلى مستويات القناعة المعيشية، ناهيك عن سعادتهم الغامرة بالحرية التي ينعمون بها، وحالة الوئام والانسجام الفريدة التي يشعرون بها، والثقة المتبدلة بينهم، بخلاف الشعب العربي الذي مزقته معاول الطائفية، وهشمته بلدوزرات المنظمات الظلامية، المدعومة من الأقطار العربية المدرجة على قوائم السعادة البترولية المزيفة، ثم تفشت في مؤسساتنا فيروسات الفساد الإداري بالطول والعرض، لتطيح بآخر ما تبقى لدينا من آمال، وتنسف مستقبلنا كله في خضم الفوضى السياسية العارمة.   

أين المشكلة ؟. ما علينا إلا أن نأخذ العبرة من قوله تعالي: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فالعيب فينا، لأننا نحن الذين صفقنا وهتفنا للحرامية والحنقبازية، ومنحنا أصواتنا إلى الذين تسببوا في بؤسنا وتعاستنا، وليس العيب في الحكومات التي استغلت جهلنا وضعفنا، واستثمرت عواطفنا الطائفية لتغذية مخططاتها السلطوية، فجلبت لنا المصائب والويلات والنكبات.

والله يستر من الجايات

 

آه ....

hadi  jalumreiهكذا تحولت القلوب النابضة بالحياة الى مصنوعات خشبية لاقيمة لها يمكن أن تعرض في مكان ما للتباه، أو لتجميل مكان. لكنها لاتصلح أبدا لتكون معبرة عن لواعج وخلجات كما كانت مهمتها الأولى منذ بدء الخليقة. القلب ينبض بالحب، يهتز باللوعة والرغبة بحبيب، لانعرف بالضبط مهماته الشعورية. ربما هي ذاتها التي نتخيلها، والتي يصفونها لنا في أشعار وكلمات وقصص حب وروايات، تزداد دقاته وتتراكض خلف قافلة الحساب.. تك، تك، تك، مثل دقات الساعة. كانت فيروز حين تسأل حبيبها عن وجهة الحب التي يقصدانها تقول، سألتك حبيبي لاوين رايحين؟..ثم تصرخ بآهة لايمكن لمن يهوى أن يعرف كيف تدفقت من روحها..ثم تقول . عام شوفك بالساعة، بتكات الساعة، من المدى جاي ياحبيبي..من هناك ذلك البعيد المترام الذي لايشعر به الجميع، بل يتلمسه البعض ممن أدرك شيئا من أسرار القلوب، ومن الذين ماتزال قلوبهم تقاوم التصحر والتحجر وتشتهي الحب.

تحركنا في جمع، صرخنا بقسوة، إقتحمنا المكان، وكان كل منا يحمل حلما ما، أو يبحث عن سبيل، كل واحد منا لديه قلب، كنت أرى الحجارة تتخفى بين كومة أضلاع ولحم، عرفت إنها قلوب، لكنها اليوم مختلفة، فهي كالحجارة بل أشد قسوة. فمن الحجارة لما يتشقق منها الماء وينفجر نبع يسقى الأرض العطشى، لكن هذه القلوب متحجرة بشكل لايوحي إن أملا فيها لتنبعث من تحتها حياة، ولايكون من أمل ينبعث منها. قلوب جافة غادرها الدم، وصار يتدفق منها سائل أصفر سئ الصيت والسمعة. كانت جثة زميلنا الصحفي محمد بديوي مثل كومة خضار قطعت بعناية ثم جمعت ووضعت في سائل أحمر. كان ذلك دمه الأحمر الذي سال لساعات قبل أن نصل إليه، ولعله سال حتى ونحن وقوف نستعرض مواهبنا في الثرثرة على الفضائيات التي كانت تنقل الحدث. جثة يبدو إن الحياة غادرتها من ساعات، ونفد كل الدم الذي كان في الصباح يتدفق في شرايين صاحبها، الذي خرج بعد أن ودع أطفاله الخمسة وزوجته الحانية، وقاد سيارته من شمال بغداد حتى الكرادة ومجمع الجادرية الرئاسي الذي تعَود إستقبال الضيوف، لكنه لم يتعود توزيع الجثث المدماة، وهو يجرب حظه بقتيل صحفي.

سأختار نوع من الثرثرة مختلف، وسأنتقي الفضائيات الأكثر شهرة وجمهورا، وسأتجنب أن أتحدث لتلك الأقل حضورا، ثرثرتي تختلف، وهكذا كان علي أن أفعل، فإذا ثرثرت بطريقة بقية المتحجرين عند جثة محمد بديوي سأكون تافها، والظروف مختلفة، علي ان أفكر أكثر، صحيح إنه يتوجب علي أن أثرثر بإنتقاء، وأن أسرع في الحديث، لكني مضطر لنوع من الثرثرة يستهوي المشاهدين، كنت أتقزز من الذباب الذي بدأ يغزو الجثة، ويحاول تجاوز حدود (البطانية البالية) التي تطوع بتقديمها مواطن رئاسي يسكن بالقرب من مركز توزيع الجثث الرئاسي، لكن الذباب الذي نهرب منه في بيوتنا لم يكون ليوقف رغبتنا الجامحة في الحديث، ففي البيوت لاتتوفر كاميرات تلفزة، ولاإذاعات، ولا كاميرات فوتوغرافية.

آه أيها القتلى، وقد نكون منكم، هاأنتم مناسبة للثرثرة.

 

انهم يبيدون الفلامنكو ...

mohanad alramlaالفلامنكو طائر بديع الشكل اشتهر برقصته الشهيرة وبريشه الوردي الذهبي الزاهي .. رقصة يرقصها بكل خفة ورشاقة على شواطي البحار والاهوار والمسطحات المائية فتبدو حركتها الجميلة وهي تدور حول بعضها بشكل منسق ومنظّم وكانها لوحة من الالوان والذهب والحركة، وسيمفونية موسيقية فريدة .. حتى استوحى من رقصته كبار المسرحيين والفنانين عناوينا لمسرحياتهم واعمالهم .. واتقنها مشاهير العالم والفن وقُدمت على اروقة ارقى المسارح في العالم فصارت رقصة الفلامنكو خاصة بعلية القوم .

اهوار العراق، فينيسيا الشرق والطبيعة الخلابة الساحرة والزاخرة التي لم تمتد لها يد المزوقات الصناعية فتخرب طبيعتها البكر.. كانت ومازلت منذ الازل، زمن عهد سومر والاناكي ملاذا لهذه الطيور وغيرها، حيث بدأت الارض تتنفس اولى خطوات الانسانية والرقي والحضارة في اهوار العراق واصبحت مسرى وقبلة اسراب الطيور المهاجرة من روسيا وسيبيريا واواسط اسيا وحتى كندا .. اعتادت مجاميع متنوعة من الطيور ان تلتجأ لاهوار العراق بالذات لدفئها وهدوئها ظطبيعتها وهربا من شتاء بلادها القارص والقاسي .. كنت احيانا اقارن في الشبه العجيب بين فيبيسيا الغرب والاهوار .. في كلا المكانين البيوت تغفو على الماء . وكلاهما يستخدم القارب في التنقل .. الجندول هناك والمشحوف هنا، ولكن الفرق ان فينيسيا امتدت لها يد المدنية والسياحة بينما مازالت طبيعة الاهوار بكر بغابات القصب الممتدة فيها على المدى وتنوع الطيور والاسماك والاحياء البرية والمائية والنباتات .. ولو كانت هذه الطيور سيئة الحظ وجهتها فينيسيا لفعلوا الاعاجيب لحمايتها وجعلوا منها اكبر محمية سياحية في العالم ولكن،،!!!!

356-ramla

ساءني جدا ان ارى هذه الطيور البديعة، الفلامنكو، البجع، الخضيري، انواع البط، السمّان، طيور الماء، وهي اسيرة في اقفاص رثة تجلس على الارض او تتطلع بعيونها الجميلة عساها ان تجد مهربا مما هي فيه .. اذ يقوم بعض الجاهلين باهمية الحياة البرية باصديادها او تسميمها ثم بيعها كلحوم للولائم والعزايم،، ولو كانت هذه الهجرة الى بلد غير بلدنا المبتلى بحركة تجهيل متعمدة طالت كل شيء حتى الطيور الامنة والمسالمة لجعلوها قبلة للسائحين وعملوا المشاريع السياحية والخدمية حولها وشجعوا السياح على اخذ صور لها ومعها ولكنه الجهل الذي اطبق على العراق وحركة التخريب لكل جميل فيه ...

يا اهل الاهوار هذه الطيور ضيوف عندكم فهل هكذا تكرمون الضيف بالقبض عليه واسره وذبحه وبيع لحمه فتراه مرعوبا او مغلوبا على امره يتطلع بعيونه الخائفة لمن ينقذه من هذا المصير الذي لم يتصوره وهو جذلان فرح في طريقه الى اهواركم ليشتي عندكم،، انتم اهل المضايف والدواوين والعرف واول قانون واول حرف .. فهل هذه طريقتكم في اكرام الضيف في زمن اصبح الخير فيه شحيح،، انقذوا هذه الطيور الجميلة واجعلوا العراق اكبر محمية طبيعية لها في العالم واستفيدوا من وجودها دون اغتيالها ..

مهند الرملة

معلومات إضافية