أقلام ثقافية

محمد بونيل: النساء في الصورة هن الجميلات...

mohamad bounilوأنت تشاهد الصور الفوتوغرافية، من خلال معرض للفن الثامن، فن الصورة الفوتوغرفية، أحيانا قد تختلط الأمور على المتلقي "المتمكن" وأضع سطرين على هذه العبارة الموجودة بين القوسين الصغيرين، فالزائر المتميز لمثل هذه الفضاءات المتخصصة في لغة العصر الجديدة والتي تكمن في الصورة وخاصة الثابتة منها، قد يجد مثلا في لجنة التحكيم المتخصصة في مسابقات التصوير الفوتوغرافي، هذه الأخيرة متكونة من الرجال والنساء، طيب التنوع أمر جميل ولكن فيما يكمن الخلل، في رأيي المتواضع في توزيع المهام بينهما أي (الرجال والنساء)، إذ تجد مثلا الصور الفوتوغرافية التي تميل إلى العنف المشهدي والموضوعي كـ (صور الحرب، المظاهرات، ...إلخ) مثلا يعطى فيها الحكم بعد تشاور أعضاء لجنة التحكيم فيما بينها، فبتالي التحكيم النهائي، في القبول أو الرفض إلى الجنس اللطيف النساء، بل في إعتقادي أن صفة التحكيم في مثل هذه المواضيع لمسابقات ومعارض الصور الفوتوغرافية التي تحتوي مشاهد "العنف"، اللائق والجدير بالأمر أن تسند المهمة في ذلك إلى صنف الرجال، أما ما دون ذلك من الصور الفوتوغرافية وبالأخص التي تعكس في ظاهرها الطابع الفني والجمالي الأجدر بها والأولى في ذلك أن تسند الفصل فيها إلى النساء، قد يتسائل السادة القراء عن المغزى من ذلك؟ ففي الغرب جل ما نشاهده ونسمعه أو نقرأ عنه، من خلال لجنة التحكيم في كذا مسابقات في الصورة الفوتوغرافية وخاصة منها "الصورة الفنية" نجد عبارة "المدير الفني" إذ في معظم الأحوال عندهم في تلك البلدان المواكبة للتطور وخاصة في المجالين الثقافي والفني، تسند المهام في هذا المركز إلى صنف النساء، لآن الحكم في أمور الجماليات قد نجد النساء المتخصصات في الشأن الثقافي والفني الإبداعي، يستشعرن كل ما هو فني وجميل، فلهن القدرة والذوق العالي على بلورة الأفكار وتحليل أدق تفاصيل ومكنونات تلك المواد الفنية الإبداعية الفوتوغرافية، وهن النساء المتخصصات كما سبق ذكره، بأحاسيسهن وعواطفهن وطيبة قلوبهن نجدهن دوما المتمكنات في ذلك..

الإبتسامة في الصورة بين الرجل والمرأة، الأحاسيس والمشاعر الطيبة نحو الآخر ما هي إلا إحدى الممهدات " للحب الحقيقي"، هذا الأخير هو بمثابة المفتاح الجيد للقلب، لذلك تجده أكثر ما يبحث عنه العاشقون في حياتهم ويتيهون في ذلك، في زخم المفاتيح الكثيرة ويبقى المفتاح الجيد هو شغلهم الشاغل لقلوب عاشقيهم في دروب و مسالك هذه الحياة، إلى حين ذلك فالنبقى متفائلين بغد جميل ولنحرص على الإبتسامة التي قد تشد الآخر إلينا ..

من باب المطالعة والتجربة يتضح أن المرأة حريصة أيما حرص على صورتها، كما تحرص على جمالها، فتجدها تعتني في بيتها بشؤون زوجها وأطفالها، كذلك تفعل إذ تحتفظ وتعتني بألبوم صورها وذكرياتها الجميلة من خلاله، ومن حين لآخر تفتحه وتستنشق منه بنظراتها عطر تلك الأيام التي تعني لها أشياء وأشياء وتسعد من خلالها، ودوما هن النساء الجميلات بقلوبهن، العطوفات بأحاسيسهن اللواتي هن يقيمن جمالهن ويعتنين بصورهن، تجدهن في زاوية من زوايا البيت جالسات متكآت كأنهن مسافرات على متن قطار ألبوماتهن الحامل لصور ذكرياتهن وهن بذلك مستأنسات بتلك اللحظات الجميلة ومتفاءلات حيث الإبتسامة لا تفارقهن كيف لا وهن المتألقات الحريصات على أناقتهن في الحياة و رقة قلوبهن، ففي الصورة دوما هن الجميلات..

 

محمد بونيل - فنان وكاتب

 

فاروق مواسي: تذكير لغوي: متفرقات في الإملاء

faroq mawasiمما وقعت عليه عيني في كتابات بعض كتّابنا، ومما يتكرر وأنقحه في بعض الإصدارات:

قرأت: "يتألف الكتاب من جزئين، وهو بجزئيه حافل بمواد مهمة"

الصواب: من جزأين ، بجزأيه.

السبب أن الهمزة وقعت بعد سكون، فتكون إذن على حرف يلائم صوتها: جزأَين، جزؤُه جزئِـه.

أذكّر: نكتب جزءان، ولكن جزأين، وقد شرحت سبب  كتابة الأولى في حلقة سابقة، وهي كذلك في موقعي في صفحة: اسأل فاروق مواسي:

http://faruqmawasi.com/answers.htm

........

قرأت:  أولائك لا يعرفون لهم إلاهًا.

الصواب: أولئك لا يعرفون لهم إلهًـا.

السبب أن الألف تحذف من أسماء الإشارة (ذا) المتصلة بلام البعد وبكاف الخطاب:

ذلك، ذلكم!

كما تحذف من كلمة (أولاء) إذا اتصلت بالكاف= أولئك.

أما (إله)  فالقاعدة الإملائية تقول:

 تحذف الألف من لفظ الجلالة (الله)،  و من (إلـه) معرّفة أم غير معرّفة.

قرأت: "ظهر ضوؤه ساطعًا".

الصواب: ضوءُه (الهمزة منفردة).

السبب: تكون الهمزة منفردة بعد واو ساكنة= ضوءُه ، ضوءَه،

 (إلا إذا كانت حركتها الكسر فهي على نبرة= ضوئِه).

وقرأت في هذا السياق من كتب: نتؤات مخبؤة...

إذن ليس الخطأ طباعيًا.

الصواب: نتوءات ، مخبوءة

السبب:  الواو حرف لين، وهو ليس ضمة،

ثم إن الهمزة بعد الواو الساكنة -كما أشرت أعلاه- تنفرد.

قرأت: تبوّؤ الفريق أو ...

الصواب: تبوّء

السبب:  تقع الهمزة منفردة بعد  واو مشددة (أو واو ساكنة كما ذكرت):

إن تبوّءَهم أو كان تبوّءُهم .....

إذن تقع الهمزة منفردة بعد الواو الساكنة أو المشددة بشرط ألا تكون الهمزة مكسورة.

يتردد كثيرًا:  إن جزءً ... قرأت جزءً... أرجو له  برءً.

الصواب: جزءًا. برءًا.

يجب إضافة ألف النصب، فالهمزة هنا ليست واردة في اسم ممدود- مثل مساءً، سماءً، داءً، نساءً- التي تحذف الألف فيها.

مرة أخرى ليس الحديث عن خطأ طباعي عابر لدى هذا أو ذاك، فأنا لا أذكر الأسماء، ولا يعنيني الأمر على المستوى الشخصي، بل أحببت  أن أذكّر لعل الذكرى تنفعهم وتنفع  الأدباء والمتأدبين، وإلى اللقاء في مقتطفات أخرى.

 

أ‌. د. فاروق مواسي

 

عقيل العبود: اللئيم

akeel alabodالاخوة، والصداقة، والقرابة، جميعها تتصف بالبطلان. الدنو هو عندما تتقدم انت ببطاقات الاحترام كونه بالنسبة اليه كيفية خارجة.

يخفق قلبه عندما يشعر بالامتعاض. العلو زاوية قائمة على ركن واحد. الكبر بكسر الكاف، بناء عليه منطقة معروفة اتجاهاتها؛ كونها مفردة مكونة لصفاته. التواضع، كلمة لا علاقة لها في قاموس تصرفاته.

الآخرون جهة مناوئة. هو لا يقدر على تحمل المشقة، وأكثر المشقة عناء، انه عندما يشعر بان الاخر كما نبتة، أغصانها تفترش المحبة علوا، في ساحة ينظر العاشقون اليها بهيبة.

السلام، أي التحية شىء لا علاقة له بالصفاء، انما رتابة تتبعها رتابة. أوجاع الاخرين موضوعة ليس لها اهمية في ترتيب المفردات الخاصة بكيانه.

هو ذات تكبر فقط عندما تاخذ شيئا، بيد انها تشعر بالتضاؤل لحظة العطاء؛ اقصد عندما تعطي، الفخر ينتابها، اي ذاته لحظة النيل من غيرها. جميع المفردات الخاصة بالحياة ساقطة في وحل هذا الغرور الذي ينتابه لحظة الفوز. قد يكتب شيئا، قد يقدم إنجازا ما، ولكن ليس بدافع الشعور بنكران الذات، بل من باب هذه إلانا التي تحتاج دائماً لان تكون هي الاعلى؛ تتسيد. المواقف، الارتباط معها شعور حسي بالخذلان.

التناقص وليس التزايد،  عندما يسأله من حوله، لان يمنحهم مساعدة ما. امتداح الاخرين كلام لا يجلب له السعادة، اما مذمتهم، او الانتقاص منهم فهو علو وتزايد ينتابه لحظة الإتيان به.

 

عقيل العبود

 

عادل مردان: خواطر في غرفة الموسيقى

adil merdanالى المحرر الثقافي، لجريدة الصباح الجديد، الذي زاول القتل والتنكيل، على المتن، في العدد (20 مايو 2016).

أقدم هنا النص كاملاً، لتروا بشاعة الفعل المشين .

يغطي الغبار النصوص، ثم يمتلكها مستحوذ جاهل، وتُزيّف بغباء، فأساليب الأصل واضحة للعيان . ذلك ما تتمناه العقول، التي لا تغادر الوحل، وهي تنسج أساطير، حول سيرة الشاعر .

1038-ADILتَلّفُ السلسلة الحديدية، بعناية خبير . في ظهيرة لاهبة . يأتي الإسخريوطيون، ويهزّ كليمهم، القفل المحكم: كيف يسمعنا ؟ هو هناك، في الطابق الثاني، حيث تضطجع مخدّرة، غرفة الموسيقى .

تتمدد على السرير بالبرنس، الذي ذبلت أزهاره . بين يديك (تاسو) شارداً، وقد أخذتك، عذوبة (الوترية)، إلى عوالم إخرى . القفل محكمٌ، والكليم يهّز السلسلة: إفتحْ ياحارس الألم، جئناك بفضائح الشعراء .

لا عليك، إذ غادر العبيد بقصائدهم الفلكلورية . (أيّها المستغني، لقد صَنعتْ عزلتك عبيداً).

تطلُّ من النافذة المواجهة، بعد أن توقفت الإسطوانة، وكعادتك تقطع الصمت: عذوبة لا توصف . إنه الموسيقار الأصم، الذي أمطر سماء الصيف .

لماذا هو مستنير، الآخر الذي نتأمل؟: لأنه أنار العقل، ودفن خرافات ظلّه . يأخذك الإندهاش . عبارة خاطفة، إنها من عطايا الكأس الرابعة . لو تسكر مرّة، لرحلتْ أشباح

القلعة، أقصد قصر (المفزوع)، الذي كتبَ، على بوابته يوماً: (دافعْ عن براءتك الآن،

لتربح إتهامك الجديد)

لم تعجبك (آلام بودلير وصلت)، وتعجبك (سعادة عوليس) الصلعاء،(فلتفرح آلهة الحبّ).

لأن مفاتيح الشعر، وُضعت بين يَدَي، سليلك الآشوري . بينما تشن هجوماً على لغته .

لماذا تثور؟ الأجيال تستمر . أما لغته فهي لغة حلم . ثم تسأل: مَنْ سحركَ في حداثة العرب؟

أرشف قليلاً من الكأس: (ماضي الأيام الآتية) .

لنؤجل تحفة (أغاني موت الأطفال) . حدثني عن معارككم الطاحنة، في حانة (علي بابا) .

في الثلاثين من ألمي، كنت أحدّثه عن جيل (الكوارث) . جيل الحروب المتوالية، الكافية لتحويل القديسين الى حيوانات . حسناً نؤجل (ماهلر) الى الغد .

كأني على جناح إشراقة، أصف لك الزمان الجديد . وأنت تعيدُ الإسطوانة الى بيتها، وتذكر  (الرازي) . أتفق معك في حبي له . عقلاني في زمن الخرافات . ثم أعيد عليك،  من أسى   (بشار) الذي تحب .

إرجعْ إلى سكنٍ تقرّ به                مضى الزمان، وأنت منفردُ

ترجو غداً، وغدٌ كحاملةٍ              في الحي، لا يدرون ما تلدُ

أسألك عن (الإشتقاق المعماري للنغم الموسيقي) . فتفيض متفقّهاً في الأنغام . مستفسراً بعد أشهر من السماع . ماالذي تسرّب الى النفس ؟: الكثير لكن  (سترافسكي)،إختصر كلّ شئ.

لو عشت في الصحراء . لكفتني (بشائر الربيع) ... (الريفية) ... (الخامسة المحلّقة) ... (الكونشرتو المؤثر) ... (رقصة النار) ... (الليليات) ... (الدانوب الأزرق) ... (الفصول الأربعة) . مقدمة كارمن ساحرة (المقدمة المرحة) . أعتقد إنّها أذهلتْ (نيتشه)، فجعلته ينقلب على (فاكنر) .

بمنتهى الرقة والدماثة، تصنف الأعمال الشعرية . (لست إبناً لإيثاكا) قصيدة ساخرة  .

(الرجل الأخضر) مقطوعة صوفيّة  . (الأخضر بن يوسف ومشاغله) ديوان جميل .

ثم تغير الحديث: إعلمْ أنّ الصورة تقتل (الخيال السمعي) .

أيام لا تُحصى أحاديثها تتشعب، وهي مملّة بعض الأحيان . حين تتفكّر بالأدب الحديث، هارباً من مفهومَي (السيمياء واللسانيات) . وبقيت أنهل من تلك المكتبة الكريمة، التي تضمُ كنوز الموسيقى العالمية .

في حوار عن الفلسفة، يقف الرائد الذي يوصف بالخارج عن السرب، عند (شوبنهاور) .

لا يبارح تلك الإرادة . فكأني به يقاوم (حداثة مقبولة) . إذ أحببت أن تستمر تحولات الرائي، كقراءة فعّالة، الى رموز حاضرنا . كان يتضجّر حين أخص (فيلسوف الإختلاف) . سطرٌ أتوسّع به دائماً . فلكي يحطم الشاعر أصنام سلطته،التي تجعل منه (بطل المأساة التاريخي).

يتوجب أن يسافر في فكرة (الريشة) . عندها يكون ريشة خياله .تأخذه (اللحظة الشعرية)، الى حيث لايدري . وفي المناطق الخطرة يولدُ فكر شعري . يشحن النصوص الساحرة . عند قَدمي الخيال تتبدد السلطات الغاشمة . لأنّه السلطة الشفافة التي تجسّد إرادة الحياة . هنا

تشحب أساطير السيرة، وتقرأ (المتون) بلا وصايا . حيث النصوص بأجناسها، تحاول أن ترقص، وتحلّق مثل الشعر . لم يحلم المطعون (حارس الفنار) إلا بقائد الأوركسترا الحزين.

فكم كان يبجّل (كارويان) . ظلّ (محمود البريكان)، وفياً لعلمانيته، عاشقاً مشرقياً (لباسترناك)، عزلة وموسيقى .

 

هوامش لابد منها:

1- سُرقت بعض النصوص، ثم كُتبتْ بصورة رديئة . هذا مافضحه الناقد حاتم العُقيلي، في جريدة الأخبار .

2- تاسو: مسرحية غوته التي كانت تُجسد مأساة شاعر، هي من الأعمال التي كان يحبها . مُعيداً قراءتها بإستمرار، كذلك (هكذا تحدث زرادشت)، (مذكرات من بيت الموتى) .

3- سوناتا 14: من أعمال بتهوفن (ضوء القمر) . أتذكر بعد المغيب بقليل، بدأت أنغام البيانو بالسيطرة على الغرفة العلوية تماماً . كان الجو غائماً، فتحَ (البريكان)

النافذة ضاحكاً: (مطرّهه بتهوفن) .

4- (دافعْ عن براءتك، لتربح إتهامك الجديد): العبارة (لفرانز كافكا)، الذي كتبَ في المحكمة حين كان قاضياً (من أين يأتي هذا الدوي) .

5- (آلام بودلير وصلت): قصيدة سركون بولص التي أُشيدُ بها أمامه . أما السر الأعظم الذي بقي مخفياً لديه، مايتعلق ب (إنشودة المطر) .

6- (سعادة عوليس): قصيدة سامي مهدي، وهي إحتفاء عوليس، حين يعثر على سعادته في جبهات القتال . كان (البريكان) يقبل بعض شعره بتحفظ  .

7- (ماضي الأيام الآتية): ديوان (انسي الحاج) .

8- (أغاني موت الأطفال): عمل غنائي ل (غوستاف ماهلر) .عبارة عن ست أغنيات، ألفه في ذكرى رحيل إبنته الصغيرة . وهو العمل الأروع الذي حظي بسبق طلبي للإستماع إليه .

9- (بشائر الربيع): أبرز أعمال (سترافنسكي)، إذ كان محايداً معه، حيث يدعو إلى سماع الموسيقى بكل مستوياتها .

10- (الكونشرتو المؤثر): تسمية شخصية لعمل (جايكوفسكي). مرة في المحكمة، والرواية للشاعر بينما طال إنتظاره أمام باب القاضي . في هذا الجو البوليسي كتب قصيدة . .. حين إلتقينا في المساء، قال لي ذلك مسروراً . هذا تأكيد، ان القصيدة تقتحم الشاعر إقتحاماً .

11- (الريفية): السمفونية السادسة (لبتهوفن)، إذ يذكّرني الشاعر بموقف الأخير من غوته، الذي إنحنى للأمير، بينما إكتفى بتهوفن بمسك قبعته .

12- (الخامسة المحلّقة): السمفونية الخامسة ل(غوستاف ماهلر)، التسمية خاصة من الشاعر . يعتبرها من أهم الأعمال القريبة إلى نفسه . عموماً يعتبر هذا الموسيقار النمساوي بعوالمه الميتافيزيقية، هو الأقرب إليه . يهوّم (البريكان) مع هذا العمل ناسياً صحبتي . في إحدى الحركات عميقة الألوان الموسيقية ومذهلة، لحن بطئ حزين، رائع أكثر من الروعة . يدعوني إلى الإنتباه (تأملْ ... تأمل)، وهي لازمة جميلة في كلامه .

13- (رقصة النار): عمل موسيقي للإسباني (دي فايا) . للتذكير فإن حارس الفنار هي قصيدة الشاعر الأشهر، صار العنوان أكثر دلالة، عندما نتحدث عنه .

14- (الدانوب الأزرق): عمل ل (ريتشارد شتراوس) . مضت شهور لم أكتب حرفاً، فأصابني القلق، فطرحت عليه ذلك، فأكد لي: بإنه ظلّ ست سنوات، لم يكتب إلا ثلاث مقطوعات قصيرة ... يومها تعلمت منه، بإن الشاعر يكتب الأروع، في حالات اليأس التام، من الأنقطاع .

15- (الليليات): للفرنسي (ديبوسي) .

16- (الفصول الأربعة): فيفالدي .

17- (لست ابناً لإيثاكا): قصيدة (حسين عبد اللطيف) . حين سألته: من تقصد ؟

قال ساخراً: جميعنا .

18-(الرجل الأخضر): قصيدة (عبد الرحمن طهمازي) . وهنا يطول الحديث، من كتابة (طهمازي) عن (البريكان) في مجلة (الكلمة)، إلى إعادة الكتابة ونشرها كمقدمة في الكتاب، الذي طُبع في دار (الآداب)، مختاراً بعض قصائد الشاعر .

أما الملف الشعري الذي ظهر 1994 م، في مجلة (أسفار)، فكان يصف طريقة التقديم بالمعقّدة جداً . أما عن النصوص، فإنه كان يميل إلى القصيرة منها . نبهني (البريكان) إلى المرح المبثوث في بعضها، وكيف يمكن إستثماره .

19- حين وضع إسطوانة (أغاني موت الأطفال) . إنشرحت أساريره، حيث أشاد بقابليتي في الإستماع ... ثم غبت عنه مدة، كتبت فيها قصيدتي (من لا تحضره السكينة) .

20- حين مُنِحَ (البريكان) درع الإبداع، من جامعة البصرة، وإنتهى كل شئ في القاعة، حيث كلمة الشكر موجزة جداً ... خرجنا إلى الكورنيش يتقدمنا (رياض إبراهيم) الناحل العذب، والموعود منذ سنتين من التأجيل، بملف شعري إلى مجلة (الأقلام) راكضاً مع إبنه (ماجد)، وهو يحمل درع الجامعة . ليسلي الولد النزق، واضعاً الدرع على قاعدة تمثال (السياب) الرمادية . إذ طلبت مازحاً من رياض أن يرفع الدرع، (لأن بدر ما يقبل) . ضحك (البريكان) معنا بطريقة خجولة،واضعاً يده على فمه ... ثم تقدمنا إلى مصطبة كونكريتية، لإلتقاط صورة فوتوغرافية . لم أرها إلا بعد سنوات، عندما وقف أحد الأصدقاء المولعين ب(الأرشفة)، وأخرج حاسوبه الشخصي من الحقيبة، وأراني الصورة، كان (البريكان) يتوسطنا بنظاراته السوداء .

 

يوسف جزراوي: ماذا لو كان .. حقيقة؟

yousif jazrawiخرجتُ في وقتٍ كان قرص الشمس قد مال إلى الغروب، والليل أرخى سدوله، ناشرًا نجومه المتشحة بالسواد. لم اخرج في النهار، نازعًا عني ثوب الكهنوت، لئلا  يحيط بي الناس ويتكأكأوا عليَّ ولربّما عرفوا ملامحي، وقد آثرتُ أن أغيّر ملابس الكهنوت السوداء التي اعتدت على ارتدئها منذ عقدين، تزينتُ بملابس متبرجة بالوان قوس قزح، اضع على كتفيّ شالاً من قماش الحرير، والصقت شعرًا طويلاً مسترسلاً على رأسي، ووضعتُ لي ذقنًا غيّر ملامح وجهي. انتصبتُ بشموخ استعدادًا للمضي في جولة  بمدينة عُرفت في التاريخ بمدينة السلام، اسير بشوقٍ بِلا هوادة، كقطار يسير ولا يقف في المحطات!.

اتجول بروح عصرتها الهموم البغداديّة والاوجاع العراقيّة. رحلة تكشف خبايا النفس، تابعت سيري ودلّفتُ إلى احد الطرقات، وعرفتُ من الناس أنني في "المنطقة الخضراء" ببغداد، تهللت اساريري وقصدت أوّل مبنى، طرقت الباب عدّة مرّات، لكن ليس من مجيب. همستُ في سري: ربّما ليس من أحدٍ في المبنى، ثمّ وقع على مسمعي اصوات: لا تفتحوا يا حراس ....بلا شك أنه معارض ومتظاهر  شحاذ!.

نكستُ رأسي ومضيتُ نحو بيت أحد اعضاء البرلمان. طرقتُ الباب الموصدة بحكمة، فظهر رّجلٌ  يتقدمه كرشه الكبير وراح يصرخ بي: آهٍ وكم آهٍ منكم، ماذا تريد. نحن لا نصرف الرواتب، كلنا فقراء، هاك 10 الالف دينار عراقي وليكفنا الله ازعاجك، وقفل الباب بوجهي منزعجًا!.

لسعني الأسى، ورحتُ أسأل هناك الساسة واصحاب كراسي الحكم عن حال بغداد، فدلّوني إلى قلاعهم وتيجانهم المرصعة باللؤلؤ والمرجان، واشاروا إلى عروشهم الفخمة ومبانيهم الشاهقة التي اعتلوها على حساب الفقراء والابرياء، حسبهم انهم سيؤبدون فيها.

في صباح اليوم التالي سألتُ قادة الحراسات هناك عن عروس الشرق بغداد، فرايتهم مُدججين بالأوسمة والأسلحة واحاطت بهم الحمايات والعساكر من كلّ حدبٍ وصوب.

رمقتُ بنظري أحد القادة العسكرين، في الحال مدَّ يده إلى سلاحه وجرده من جرابه قائلاً: هذه هي.

امعنت النظر في السلاح، وإذا به مخضّب بالدماء.

صرختُ: كلا والف كلا! لأنني عرفتُ بغداد مبشرةً بالسلام وواحة للتسامح ونموذجًا للتعايش والآخاء.

صرخ وردّدوا معه، ارهابي، مجنون، وانهالوا عليَّ ضربًا.

جريتُ هربًا من عنفهم الذي شجّ رأسي وقيحَ جسدي الذي اصبح ينزف دمًا.

سادني احباط كبير، وقررت البحث عن بغداد في دور العبادة بكلّ مسمياتها، فيا هول الصدمة حين وجدتها منهمكة بامور سياسية وقومية وطائفية بحتة. لقد رأيتها منقسمة ترفض الوحدة، فدعوتهم بأن يعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

- ابعد عنا ايها الغريب، وقانا الله رأيك. بهذه العبارات زجروني!

أزمعتُ على الرحيل إلى حي الكرادة، وفيما أنا سائر مرّرتُ ببيوتٍ عديدة متشحة بلافتات سوداء، الناس منكوبة، وسمعت صوتًا بل صياحًا من أمّ ثكلى تنعي وحيدها، وأب مفجوع يبكي أبنته المفقودة!

خاب ظني ككلّ المرّات السابقة، حثيتُ الخطى، ولكن أين سأذهب في هذه العاصمة الجريحة؟ فكرتُ في الذهاب إلى أبي نؤاس، لأقبع في إحدى حدائقها، محاولاً الاسترخاء لأريح نفسي من عناء المسير. ولكن فضاعة المشاهد التي رأيتها ولسعات الحزن حرمتني من الإغفاءة والراحة. أخذت أصلي حتّى لاحت خيوط الليل.

سمعتُ وقع أقدام رّجلٍ يتقدم صوبّي، حدقتُ به، فقذفني بكلامٍ جارح: أيها الشحاذ ارحل في الحال. ألم تجد مكانًا اخر حتّى تجلس هنا.

جاء ليطرد المساكين من المكان، مُعلنًا بدء الحفل الذي يقيمه أحد الساسة.

شدّدتُ الرحال وأنا اتلصص النظر نحو مبنى، وإذا بالساسة  يتراقصون على ايقاع واهتزاز اجساد الراقصات، وهم يدسون النقود في نهودهن!!.

وهنت قدماي واشتعل رأسي شيبًا.  سرتُ على غير هدى حتّى قصدتُ أحد المحلات الفخمة، وسألتُ صاحبهُ التاجر الغني لعلّه يدلّني على بغداد التي اعرفها؟ فأصطحبني لموضعٍ ليطلعني على ما تكدّس فيه من أموال وذهب وفضة. وراح يفاخر بغناه. في الحال همّ أحد الفقراء بالدخول، كان  ينتعل نعالاً قديمًا وقدميه متسخة، بل قُلّ قد اسودت جرّاء السير في الطرقات للتسول، جاء ليرجوه حفنة الالاف.

عنّفه الغني، بعد أن مسكه من ياقة دشداشته النتة: أيها الشحاذون، ألّا خلصنا الله من فقركم، اذهب من هنا وإلّا سلمتك للشرطة.

حلّ الصمتُ المطبق، وخرجتُ من صمتي متفوهًا: لقد عرفتُ العراق والعراقيين اغنياء القلب والنفس والكرامة، سخاؤهم وطيبتهم اهلهتما لمد يد العون لسابع جار. فهل أنت عراقي؟!!.

طرقتُ باب إحدى المكتبات، بحثًا عن بغداد. فأومأ إليّ صاحبها نحو أكداس الكتب قائلاً: ستجدها في بطون هذه المجلدات.

غادرت المكان وانا اترنح في الطرقات حتّى قادتني خطاي إلى جزيرة الأعراس، هناك رأيتُ الشبانّ يفترشون الحدائق بساطًا، يفوح منهم عبق الغزل.تهبّبتُ كثيرًا وأنا أسألهم، وكادت الحنجرة تحجم عن النطق، لكنني لملمتُ نفسي مُخاطبًا إياهم: أبحث عن حبيبة تدعى بغداد. فوجدت نفسي في وضع لا أُحسد عليه حين قهقه الجالسون.  اجابتني فتاة: هل اضعتها، لعلّها ماتت في الانفجار؟!. وعلق أحد الشباب: هل تاهت كطفلة؟ وقال آخر: ربّما هي مختبئة في مكانٍ ما؟ أو ركبت البحر وهاجرت؟. أم خطفتها المليشيات أو عصابات داعش؟. هكذا كانوا يُهرّجون ويضحكون كلّهم في وقتٍ واحد!.

توقفتُ لوهلة عن بحثي وخرجت أسير ليلاً واضعًا ذراعي فوق الأخرى بعد أن طفح الحزن في داخلي وغزا اليأس قلبي. تسكعتُ فوق جسور: السنك والجمهوريّة والصرافيّة  والآئمة،  تعبتُ وغفت عينيّ تحت جسر الطابقين.

لسعتني اشعة شمس الصباح، تثاقلت خطواتي حين طالعني منظر أناسٌ كادحين، ينهضون مع بزوغ الفجر على صخب المولدات الكهربائيّة، بعد أن تقضّ مضاجعهم أصوات الانفجارات المدويّة. يستيقظون للذهاب إلى اعمالهم الشاقة، وهم يتثاوبون القهر في سيارات الأجرة، ويساومون التعب ويتحدون الموت.

في هذا الصباح لم يخرج الناس للعمل، بل للمظاهرات. سرتُ في ركابهم ضد فساد ساسة المنطقة الخضراء، ابحث عن بغداد وسط الناس، هالني الأمر حين ايقنتُ أننا شعب مغرم بنفاق الحاكم ( ليس الجميع لأنني ضد مرض التعميم)، لأن الشعب يثور ضدهم ثمّ يعود  فيصوت لهم!!.

طالعتني في الدروب صور السياسيين على لوحات كبيرة الحجم تشوه مباني بغداد! في الصور رأيتهم يبتسمون أو يضحكون علينا، عيونهم لا ترى ما يدور في شوارع بغداد والعراق من بؤس وموت وتعاسة اقتصادية وإنفلات أمني ودمار إنساني، لا يشعرون بعرق الكادحين ودموع المنكوبين. إنّ أكثر أولئك الساسة لا تخلو شعاراتهم من الكلام عن الشعب الكادح، ولكن هل من بينهم من استيقظ مرّة باكرًا وجاء ليرى بأمّ عينيه بؤس الناس ووجعهم؟!!.

لقد اصابتني دهشة قادتني إلى حد الانبهار وأنا أتأمل منظر الحشود وهي مجتمعة في ساحات بغداد، تتظاهر بالشعارات الرنانة، ضد عصابة تحكمهم بالعبارات الفضاضة. فالشعب الذي ينتخب الفاسدين والمحتالين واللصوص والخونة هو ليس شعبًا ضحية،بل شعب متواطئ!.

يا لخيبتي وفشلي وحزني، لقد ذهب بحثي وجهدي سدى، وعندما خاب ظني في العثور على بغداد، اطلقتُ بأعلى صوتي صرخةً قويةً، بحيث دوّت صيحتي في ارجاء بغداد، فحسبها الناس صوت ارهابي يدعو إلى التفجير ، فتشتتَ العباد!

هربتُ معهم وأنا اجر خلفي اذيال الخيبة، وكانت اجراس الكنائس واصوات المأذن وصلوات المندي لخطواتي حُراس.

حينها صحوت من الحلم على انغام جرس منبه ساعتي، وعرفتُ أنني على سريري في صومعتي وليس في بغداد.

كان حلمًا، بلى والله كان حلمًا. بكيتُ بصمتٍ، لأن بغداد لا تفارقني حتّى في الأحلام.

 

الأب: يوسف جزراوي - سيدني

 

عقيل العبود: فاطمة

akeel alabodفي نظراتها شىء ربما يكاد ان يكون معبرا عن عبقرية فذة.

ليس في باب واحد من ابواب هذه التفاصيل، التي  بموضوعاتها تكاد ان تتركب وتتفرق في ان واحد، بل هي ابواب شتى، تلك المفردات التي ابجدياتها تفرض على الجميع فهمها، بغية الاستمرار على هذا النهج من المواصلة دون تلكؤ او تعثر.

تلح عليها مقولة الإصرار، لتفرض متوالياتها الهندسية يوما بعد يوم، ما يجعلها هكذا ماثلة امام فصول اخرى من التحدي. 

الموصوف هنا طالبة وموظفة وكاتبة ومترجمة لم تكن تتجاوز حد العشرين بكثير، لكنها بحكم تعاملها مع أبجديات الوصف المذكور، استطاعت ان تفوق من سبقها في التجربة، فهي كما كونها تجيد فن الحوار والترجمة في عملها لدى عيادة الطبيب المختص في الأمراض النفسية، تراها تمتلك القدرة للغور في ابعاد الشخصية كمستشارة للتعامل مع المراجعين بطريقة بارعة، كما لو انها تعيش حيثياتهم، ذلك من خلال فهمها الخاص لطبيعة الحياة التي يمارسونها وبناء على تفسيرها الحاذق لطبيعة ثقافاتهم، بعد مطابقة ما يتم ملاحظته مع أعمارهم وأنماط علاقاتهم الاجتماعية.

 هي بشخصيتها المتواضعة والمثابرة استطاعت من الولوج الى عمق أنماط مختلفة من الشخصيات على شاكلة مخرج مسرحي يبحث عن اقصى ملائمة ممكنة لانجاح لغة الحوار.

هذه الملائمة تشبه في دقتها وكيفيتها تلك الرقائق  التي من خلالها، فاطمة تعشق فن الكتابة والتنقيح باللغتين العربية والإنجليزية وفقا لقاعدتي التنقيط والتنضيد.

 هذا اضافة الى مؤهلاتها الاخرى للتحدث باللغة الاسبانية تلك التي ما زال لنكهتها أثر تحتويه تجربة دراسية ارتبطت معها وفقا الى معاملات تاريخ له علاقة بزمن تارشفت محطاته، ليكون شاهد عيان على ماض ما زال يفرض نفسه.

المغرب انذاك مشاهد تحمل بين طياتها نوع اخر من المفارقات؛ قصص ما انفكت تتلو فقراتها وفقا لالية، سيناريوهاتها تلازمت مع مذكرات كتبت فصولها بدقة بالغة.

فاطمة رغم عمرها الصغير، لكنها كبيرة بأفكارها ومشاعرها التي تكاد ان تفوق او تتجاوز في تنوعها وعمقها هذه المديات، التي جزئياتها، تحكم هذا النوع من المبدعين.

 

عقيل العبود

 

احمد الغرباوي: يوسف إدريس عبقرى إبداع يلتزم بَقواعد الحَيْاة!

ahmad algharbawiالخميس 4 مايو مَولد خير بشريّة الفنّ القَصصى فى مصر والعالم العربى والشرق الأوسط.. عام ماذا..؟

لايهمّ.. ماذا يَعنى العُمر.. وعَدد السنين.. ماذا تضيف.. ولازلنا نحب لك أيّها الإنسان.. وأنت ماتزال تحيْا.. تحبّ وتكره.. تفرح وتبكى.. تبنى وتهدم.. الخ

ماذا تضيف الأرقام فى حَيْاة القلب.. مادام بين الجفنين يترقرق دمعاً.. بَهجة أو وَجعاً..!

ماجدوى تِعداد العُمر.. وأنت تَعش الحَيْاة حَيْاة..؟

وهاهى شخوص يوسف إدريس تتحرّك.. وتتحاور.. وتشجى الروح.. وتنام وتصحو فى أيّام حَيْواتها.. وتموت وتعش فى عوالمها بيْن أحضاننا كَلما.ً. وحَرفاً.. وأسود سَطراً..!

ويأتى مايو ليتوّج مصر بتشيخوف الأدب العربى فى فن القصّ.. ويولد فنان.. مقاتل.. مُبدع.. طائر مُحلّق فى سماوات الإبداع.. مُتحديّاً غيْوم الأرض.. مُصارعاً لريح الربّ فى تزمّت بشر.. وسلفيّة حواديت.. يَعصف فى قلمه.. ويوجع فى إصرار رأيه..!

مَعكم فقط.. مُجرد أتوجراف..

أتذكر.. وأتساءَل ونفسى المهترئة.. وتشوّه إبداعى الأعرج.. الذى لايَشفع له إلا أمل فى غد خلق فنى يثير حِسّاً.. ويُحي الروح قليلاً من سِكون تلوّث أرض.. لتنتظر نوارس الفجر.. تنتشى وهى تترقّب نِسمة نشوة فنيّة.. لهو طفل يَهرب من زبد موج لحفر وجبال رمل..!

ففى أوّل إبداعاته.. مجموعته القصصيّة الأولى.. (أرخص ليالى).. يَقف سَداً منيعاً أمام كبار الكتاب وجهابذة اللغة العربية وسدنة النقد وعلماء اللغة..

وكثيرون غيْرهم.. يطالبونه بَحذف حَرف اليْاء من العنوان.. ليصبح (أرخص ليْال).. اتباعاً لقواعد النحو واللغة.. بدلاً من (أرخص ليْالى)..

ومن كان يتقدّم هذا الجمع العظيم.. تَصوّرا..؟

 عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين..!

وماذا يَفعل الفنان.. وهولايملك غير موهبة ربّ.. وثورة روح.. ونِداء غيْب.. و

وماذا فَعل الفنان الثائر.. والمُبدع الحَائر.. وصاحب مَدرسة الفنّ والحياة..!

يصرّ على مايؤمن به.. وفى تحدّ صارخ.. يقف أعلى إبداعه الهرمى..

ويصرخ:

ـ  لا..

أنا أنطقها هَكذا.. وإننى مُلتزم فى كتاباتى ..؟

بأىّ شيء أيّها المُبدع الحر.. وكل كتاباتك تحرّر حياة.. وتجاوز كل حدود عوالم البَشر..!

يواصل عِناده.. بلّ إيمانه بموهبته.. وعَظيم ثقته فى فنّه:

ـ أنا مُلتزم بقواعد الحياة.. وليْس بقواعد النحو..!

رغم أن حَذف اليْاء لن يَضيف.. أو ينقص من المَعنى شيئاً..!

أىّ ثقة.. وأىّ إيمان بسحر فنّه.. ودوام تأثير نَشوة الخلق الفنى بأرواح متابعيه..!

وذاك المُبدع.. المخلّد بيننا.. المؤمن بقواعد الحيْاة.. هى نفسها الحيْاة التى ضنّت عليه فى مصر إلا بجائزة الدولة التقديرية..!

وماذا تَعنى الجوائز لإسطورة فن..؟

بل هى التى تزدان بَشرف حمل إسمه.. وليْس العكس..!

وهذا شَأن آخر..!

هل يمكن لواقع الحياة فى مصر.. يلتفت إلى أعمال الفنان الكبير والكاتب الأثير..؟

 منأضاف لمصر فخراً وعِزّة.. وللعرب إنجازاوأثرا فى مقدمة طابور قوتها الناعمة.. فما شابهه.. ولا ماثل حرفه.. ولا جاوز فى الإبداع أحد.. يَبدع فناً..!

هل يمكن..

فتعيد وزارة الثقافة مُمثلة فى هيْئة الكتاب.. أو الثقافة الجماهيرية.. أو وزارة التربية والتعليم.. أوالقطاع الخاص.. فيْتم إعادة طباعة كتبه بأسعار زَهيدة.. أو حَتى توزّع مَجاناً مع الاصدارات المختلفة.. كما تفعل الآن دار الهلال ومجلة المصور أسبوعيا.. مع اصداراتها القديمة..!

هل يمكن..

أن نَهدى شباب مصر من أرقى فنون الإبداع المصرى على مدى التاريخ..

لست أدرى..!

لست أدرى..!

 

بقلم: أحمد الغرباوى

 

عقيل العبود: البراءة

akeel alabodنقاء يشبه بياض السحب، طفلة لا تعرف من هذا الكون الا ابجدية الصراخ، هذه الأنفاس التي معناها البحث عن هارمونيا الاعتدال. إيماءات  قبل ان تدنو من فضاءات هذه التقاطعات من الخطوط، كانت على شاكلة حركات متصلة. المشيمة قناة تشبه في تقوسها ارتباط الشجرة مع أوراقها في علاقتها مع النسغ الصاعد والنازل، لذلك أوكسجين الحياة كما ينبوع يتدفق بغزارة عبر هذا الشريان الذي يختزله القلب ليعلن رائحة المحبة. الزمن انسياب تتعلق سمائه بصمت الهة تحتاج الى زاوية وقور؛ هي في حقيقتها قبة تكبر في داخلها، استجابة لقانون وضعت فقراته بناء على نظرية الخلق.

الجنين يشبه في تكوره هذه القابلية التي بموجبها، الكبرياء يتحول الى خلق جديد. العالم بناء على هذا النوع من الانشطار، يتسم بصفة يستحيل على جميع العلماء العثور على مفاتيح الغازه. 

الموجود كائن من نسيجه تتكور كتلة، من خلالها تتشظى لغة الوجود. الطفلة رقة لا صلة لها بتزاحم جميع الأضداد في هذا العالم؛ هي في ذاتها قانون يحمل في ضديته هذا السنخ من الترابط، لذلك الصراخ يحمل في طياته مفردة لا علاقة لها بمقولة الالم، انما موضوعها حصرا، الإعلان عن رابطة عبرها أوكسجين الحياة، تتنفس أوردته رحيق هذا النوع من التكون.

 

عقيل العبود 

 

فاروق مواسي: حديث في اللغة (33): تعريف الاسم المقصور ولماذا سُمّي هذا الاسم

faroq mawasiالاسم المقصور هو اسم معْرَب ختم بألف لازمة "ثابتة"، نحو"الهدى" و"العصا" (والمهم أن تكون ألفًا من حيث النطق ولو رسمت بالياء).

فألف "العصا" و "الشذا" مقصورة، وليست ممدودة كما يتوهم بعضهم، ذلك لأن الألف الممدودة هي ألف زائدة تليها همزة نحو "خضراء"، "أصدقاء"، وللتمييز بين اسمي الحرفين الأخيرين في كل من "العلا" و"التقى" (وكلاهما اسم مقصور) نسمي الألف الأولى"قائمة" أو "طويلة"،

ونسمي الثانية "ياء مهملة" أو على سبيل الاختصار "ياء".

..

ملاحظة: كلتا الألفين ليّنة، وحروف اللِـين هي الألف والواو والياء، ولكن بعض كتب الإملاء الموثوقة أسمت الياء المهملة ألفًا ليّـنة. (انظر كتاب عبد الرءوف المصري- قواعد الإملاء، عمان- 1918، ص 18)

أكتب ذلك للمعلومية فقط.

الاسم المقصور- كما ذكرت في التعريف- معرب، تقدر عليه حركات الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًا، فنقول في إعراب "الهدى" في قولنا "إن الهدى هدى الله":

الهدى: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره للتعذر.

هدى: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة للتعذر.

 

لماذا سمي الاسم المقصور بهذا الاسم؟

ذكر ابن مالك في ألفيّـته ما يتعلق بالاسم المقصور، فقال:

فالأول الإعراب فيه قدّرا   ***     جميعه، وهو الذي قد قُصِرا

ولفظة  "قّصِر" لم تكن محددة الدلالة في معاجم اللغة، ففي (لسان العرب) و(تاج العروس)، حيث نجد الشرح موجزًا: "والقصر خلاف المد...".

وقد عرف المستشرق رايت (ت 1889) الألف المقصورة بأنها- "الألف التي اختصرت لفظًا أو اختزلت، وهي خلاف الألف الممدودة التي تقيها الهمزة في نهايتها" (1). فهي مقصورة، لأنه لم يردفها همزة حتى تمدّ.

...

مع وجاهة هذا التفسير إلا أن الأشموني (ت 1495م) في شرحه لألفية ابن مالك كان متميزًا في ربط الاسم بالمعنى، فهو يشرح:

..

 "القصر" بمعنى"الحبس"، ومنه قوله تعالى "حور مقصورات في الخيام". أي محبوسات على بعولتهن. وسمي  الاسم المقصور بذلك، لأنه محبوس عن المد أو عن ظهورالإعراب[2]، وفي هذا الاقتباس إمكانيتان متاحتان للتفسير الذي أغفله معظم الشارحين.

 

.....................

1- انظر:

W. Wright: A Grammar of the Arabic Language

. 3rd Edition Cambridge University press - 1967،  (Part 2 P. 11)

2- انظر شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، ج1. دار الكتاب العربي، بيروت- 1955، ص44

هذه المادة من دراسة طويلة كتبتها عن الاسم المقصور، وقد اقتطعت هذه المادة لأجيب عن أسئلة وجهت إلي حول (الشذا) و (السنا) و (الفلا) إن كانت أسماء مقصورة أم لا.

 

من يرغب بمطالعة المادة كاملة والاحتفاظ بها فهي في كتابي "من أحشاء البحر".

الرابط:

http://faruqmawasi.com/ahshaa.htm

 

رواء الجصاني: الجواهري في عواصم ومدن الدنيا.. قصيدة وثلاث زيارات لبولندا

rawaa jasaniوهذه هذه "مقامة" اخرى من "مقامات" الشاعر الخالد، محمد مهدي الجواهري، في دول العالم، عواصم ومدناً، وما بينهما. عربية وأوربية وآسيوية وأفريقية وأمريكية. ولقد احصيت على عجالة، ومن الذاكرة وحسب، فتجاوز العدد الخمسين مدينة وعاصمة، ومنطقة وحتى قرية احيانا. دعوا عنكم مقاماته في"العراق وشطيه والجرف والمنحنى" شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ووسطا..

... نقول "مقامات" ونعني بها حلوله في تلك البلدان وعواصمها ومدنها، إقامة أو مرورا، او مشاركة في مؤتمرات ثقافية وسياسية حينا، أو اغتراباً ونفياً، احايين اخرى . وما بينهما دعوات واستضافات رسمية، او سياحة وارتياحاً وعلاجا. ولفترات تطول أو تقصر، وعلى مدى نحو سبعة عقود، كما نوثق ..

... ولا ندري هنا، إن كان ثمة اي شاعر عربي أو غير عربي، قد طاف في ارجاء الدنيا، مثل ذلك الجواهري، وهو لا يحمل غير "منقارٍ وأجنحة، اخف ما لمّ من زاد أخو سفر" كما يوثق عن حاله تلك، في عصمائه: "أرح ركابك" عام 1969.. أما ما يميّز ذلكم "الطوفان" في العالم أكثر فأكثر، انه – الشاعر العظيم- قد أرخ للكثير من "مقاماته" وحله وترحاله، شعرا معجباً بتلك المدن والعواصم، واهلها ومجتمعاتها.. مقارناً وشاكياً ومحاوراً وشاكراً، ومهضوماً ومهموماً، وسوى ذلك من حالات ومحاور وتأرخات.

وبعد هذه المقدمة العامة، دعونا نرجع لموضوعنا، الذي يحمله عنوانه، ونقصد "مقامة الجواهري البولندية" فنقول انها أبتدأت بعيّد انتهاء حرب  القرن الماضي، العالمية الثانية، حين دُعي الشاعر الخالد، للمشاركة في مؤتمر عالمي للمثقفين من اجل السلام عقد عام 1948 بمدينة " فروتسواف" الواقعة غرب بولندا، وقد كان العربي الوحيد فيه، الى جانب اسماء وشخصيات عالمية لامعة من ابرزها، الرسام الفرنسي الكبير بابلو بيكاسو(1). ولمن يريد الاستفاضة اكثر، فذلك هو الجزء الثاني من مؤلف الجواهري، الموسوم بـ"ذكرياتي" يحمل الكثير والمتعدد من التفاصيل، عن ذلك المؤتمر، وعن اجوائه وظروفه، باستضافة  بولندا، الخارجة الى الحياة من جديد بعد ان دمرتها تماماً – أو كادت- قنابل الحرب...

لقد جاءت الدعوة للشاعر الكبير الى المؤتمر، باعتباره مفكرا ومثقفا وطنيا مميزا، وداعية للسلام والحرية، كما تؤكد ذلك قصائده وكتاباته، ومواقفه خلال، وبعد حرب العالم الثانية. وقد أعتبر ذلكم المؤتمر، بحسب العديد من التأرخات والتوثيقات، اللبنة الاولى على طريق تأسيس، وإنبثاق مجلس السلم العالمي، ذائع الصيت.

ومن جملة ما جاء به ايضاً، مؤلفه " ذكرياتي – الجزء الثاني"  بهذا الشأن، وقائع عن ظروف سفرته وصعوباتها، وفرحه بالدعوة الموجهة " اليه للمشاركة في "مؤتمر يحضره العمالقة من المثقفين الاوائل، ويا لها من دعوة، ويا له من مؤتمر خطير"  يعقد في بولندا " البلد الذي يعد في قاموس المتحكمين، من البلدان الحرام" ذلكم الوقت، بحسب ما كتبه الشاعر الكبير..

وفي سياق تأرخته وحديثه عن الزيارة، قال الجواهري في ذكرياته ذاتها، انه توجه الى وارسو عبر باريس " وبعد يومين خصصا للاستراحة، كان موعد انعقاد المؤتمر، وكنت اقضي ساعاتي في التجوال عبر شوارع وحدائق هذه العاصمة الجبارة- او ما تبقى منها- لان فارصوفيا- وارسو،  ويا للهول كانت خرائب واطلالاً، وبقايا قصور فخمة"...  وتابع "ما زلت اذكر  تلك السقوف المتدلية المعلقة التي تأبى السقوط، وكل قنابل "هتلر" وقذائفه لم تستطع ان تحني هاماتها، وترميها ارضا...". وهكذا يروح مسهباً في وصف الاحوال، معبراً عن  رؤاه في اسبابها ومسبباتها، وغيرها من شؤون وشجون . 

وأيضاً، بحسب الجزء الثاني من ذكريات الشاعر الخالد، فأنه زار وشاهد "فرصوفيا- وارسو" عام 1963 اي بعد 15 عاما على زيارته الاولى لها. وجاء في الذكريات: ان تلك العاصمة " ارتدت كبريائها، ونهضت من تحت الرماد" ... وتساءل مع نفسه:" أهذه "فارصوفيا" التي رأيتها مدمرة وأطلالاً وخرائب؟... أهي تلك المدينة المنهارة تتحول  الى هذه البدائع والجنان؟... واردف:" وتصورت كم هو عظيم الانسان البولوني الذي استطاع خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة ان يحول الرماد جمالاً، والخرائب حدائق، والابنية المتهدمة ابراج حضارة" (2)..

ولم يتحدث  الجواهري في ذكرياته اعلاه عن اسباب تلك الزيارة الثانية الى بولندا، عام 1963 .. ولكن الديوان العامر، يؤرخ عن الامر، وشعراً هذه المرة بالطبع، ويوثق عن وارسو، التى تُسمى بلغة اهلها السلافيين " فرشافا" وتعريبها "فرصوفيا ".. وجاء في مقدمة قصيدته بالمناسبة انه زارها تلبية لدعوة رسمية، وقد القى خلال فترة اقامته فيها رائعته متعددة القافية، امام مؤتمر للطلبة العراقيين. وجاء في مطلعها (3):

(فـرصـوفيـا): يـا نجمـةً تَـلالا، تُـغـازلُ السُـهـوبَ والتّـلالا

                                      و تَسـكُب الرقّـةَ والـدّلالا

فوقَ الشفاهِ الظامئاتِ الحامياتِ الحانيه..

من ذا يوفّي سحرَكِ الحلالا؟، وحُسـنَكِ المـدمّـرَ الـقَـتّـالا

يُـجشّـــمُ الـلـذّةَ و الأهـوالا، حالانِ، ألأحلى أمرّ حالا

إذا أجـلـتُ فكريَ الجـوّالا، فـي كيفَ صيـغَ حسنُكِ ارتجالا

أتـعـبَـتِ الأســــطـورةُ الخَـيـالا ...

وتستمر القصيدة في الوصف، والوجدانيات والشكوى والحنين والتغزل والغزل:

(فرصوفيا): والحسرةُ الحرّى تُريح الكَبِدا، واحسرتا أنّي وُلِدتُ تحتَ أطلالِ الردى

جئتكِ فـي (الستّينَ) ما أشقى وأدنى عددا، إذ مَيْعتي تهرّت اللّحمةُ منها والسّدى

(فرصوفيا): آهٍ على شَرْخِ صِباً تبدّدا، آهٍ على صادحِ أيكٍ لم يجد عندي صَدى

غَرّدتُ إذ ناح وأمسِ نُحتُ لما غرّدا، لم أغترف غيدَك إذ كنت الفتيّ الأغيَدا ...

ثم ينتقل الشاعر الخالد ليسجل ويصف ما علق بذاكرته من اجواء زيارته السابقة لـ (فرصوفيا – وارسو) عام 1948 كما سبق القول، فكتب:

(فرصوفيا): والدم يَستَبقي مدى الدهر دَما، والموت بالعزة يبني لحياةٍ سُلّما

(فرصوفيا): أمسِ رأيتُ الحَجَرَ المكوّما، كان جنيناً وفؤاداً ويداً ومِعصَما

جيلٌ تأبّى أن يُطاطي فَرَموه فرَمى،  لولا الرجولاتُ أراح نفسَه واستَسْلَما

(فرصوفيـا): ما أبدَعَ الأمثـالا، يستـنهـضُ الجيـلُ بهـا أجيـالا....

وبحسب التاريخ الموثق، وأنا شاهد عيان هنا، تلقى الجواهري عام 1986 - وهو مغترب عن بلاده، ومقيم في براغ -  دعوة رسمية لزيارة بولندا، وحضور مؤتمر عالمي، جديد، للمثقفين، من اجل السلام، تستضيفه وارسو، بمشاركة نحو 200 كاتب وعالم ومفكر وأديب اجنبي، من نحو 50 بلدا، اضافة لزهاء 200 آخرين من اقرانهم البولنديين،  وقد لبى الشاعر الخالد تلك الدعوة بعد تمنع وتردد، وكان - في تلك المشاركة الجديدة في المؤتمر الجديد- واحدا من قلة سبق ان شاركت في المؤتمر العالمي، الاول، للمثقفين دفاعا عن السلم في العالم، الذي انعقد عام 1948 في مدينة فروتسواف البولندية، كما اسلفنا.

ووفق معلومات خاصة(4) فقد رافق الجواهري الخالد خلال تلكم الزيارة الثالثة الى وارسو، الناشط الطلابي والوطني، الفقيد شاكر الدجيلي،  كما التقى معه طلبة، وسياسيون عراقيون كانوا يدرسون  او يقيمون هناك، وكانت الزيارة في كانون الاول 1986..

وبعد اختتام الفعالية، وعودة الجواهري الى براغ، تحدث لنا ، ولنخبة من صحابه واصدقائه، بإنتشاء ولأكثر من مرة، عن مشاركته في تلك الفعالية الثقافية- السياسية المميزة، وما رافقها، مستعيدا بعض ذكريات ولقاءات عن زيارتيه الاولى والثانية، السابقتين لبولندا..كما نشر عدد من وسائل الاعلام العراقية والبولندية عن تلك المشاركة الجواهرية. (5).

 

توثيق: رواء الجصاني

...........................

احالات وهوامش

 (1) كتب السيد احمد حسين، متابعة مفصلة بشأن الزيارة الاولى للجواهري الكبير الى بولندا، ونشرتها مجلة "الثقافة الجديدة " عام 1998 وكذلك في شبكة الانترنيت على الرابط:  http://www.althakafaaljadeda.com/ahmad_hussain.htm

ومما جاء في تلك المتابعة: ان تلك الفعالية كانت بعنوان " المؤتمر العالمي الأول للمثقفين- للدفاع عن السلام"  وقد افتتح صباح يوم الأربعاء 25 آب/ اوغسطس 1948 على قاعة كلية الـ«بوليتكنيك» (Polytechnic) في مدينة فروتسواف.

(2) كتاب "ذكرياتي" الجزء الثاني / الاربعينات – الفصل المعنون: مؤتمر المثقفين العالمي.

(3) ديوان الجواهري / قصائد الستينات ..

(4) تفضل علينا د. صالح ياسر، مشكوراً، بتوفير بعض معلومات ذات صلة، حصل عليها في تموز2016  عن زيارة الجواهري الثالثة الى وارسو عام 1986..

(5) أعـدَّ وكتب د. مجيد الراضي، متابعة حول الزيارة الثالثة، والاخيرة، للجواهري الى وارسو، ونشرها في القسم الثقافي من جريدة " الغد الديمقراطي" اوائل العام 1987..

 

قيس العذاري: حي الشام!

كلما مررت بشارع الشام قرب جسر الشام في بغداد، اسميه باب الشام، يقع على طريق بوابة بغداد الجنوبية المؤدية الى الحلة ومدن الجنوب، واذا كنت قادما من الحلة او من مدن الجنوب الى بغداد لا بد ان تمر به في الطريق الى مركز او وسط بغداد، يعتصرني الالم، وتزداد قناعتي بتقصير حكومة حيدر العبادي نحو السوريين، ومساعدتهم بتـأمين اقامتهم بدون شروط، في بغداد،وجلبهم من مخيمات الدول "العربية" البائسة والمخزية.. توجد هنالك بالقرب من شارع وجسر الشام ارض مهملة يمكن ان يبني فيها مدينة للسوريين تتوفر هذه المدينة على خدمات عصرية،يديرها السوريون انفسهم، فنحن لا نشعر بفرق بيننا وبين السوريين،والحدود وهمية فيما بيننا . مدينة تجمع شتات السوريين،هذه المدينة لا تكلف اكثر من ثمن بضعة مدافع او بضعة طائرات كما يقال .وتشكل لجنة من سوريي بغداد او السوريين المقيمين في بغداد ليختاروا اسم مدينتهم، واقترح تسمية المدينة "حي الشام" .قد يخفف ذلك من معاناة السوريين وغضبهم من الاخوة الاعداء في دول تسمي نفسها عربية !! سيقع "حي الشام" بعد بنائه على الجانب الايمن من شارع الشام وجسر الشام في بغداد، قرب بوابة بغداد الجنوبية، وساكون سعيدا ومطمئنا كلما مررت بحي الشام قادما كالعادة من البوابة الجنوبية لبغداد الى احياء وسط بغداد ..وهذه تعتبر من اولويات مجلس الوزراء ورئيس الحكومة حيدر العبادي، لان بناء مدينة او "حي الشام" في بغداد، لا يقل اهمية عن مكافحة الارهاب والتكفير . علامة حضارية وجهد اضافي وضروري لمكافحة الارهاب والتكفير، وما يولده من ماس واحزان. "حي الشام" او مدينة الشام نقطة في بحر، ف"حي الشام" او "مدينة الشام" سيقع على الجانب الايمن من شارع الشام وجسر الشام في بغداد، وقد يخفف من معاناة السوررين مع مبادرات مشايهة لايواء العرب المشردين من بطش الانطمة وحروبها .. ولكن الاهم ان ينام المعري قرير العين، وهو الضرير ,, فحين اتى الى بغداد بزمانه لحضور مجالس النحويين في كرخ بغداد، سمع ان ابا حيان التوحيدي صاحب الامتاع والمؤانسة،يعتاش على الحشائش لضيق الحال، فغادر مجالس النحويين في كرخ بغداد،وعاد الى معرة النعمان .

 

قيس العذاري

 

عقيل العبود: الأهوار

akeel alabodنقاء تجمعه صفتان؛ الزرقة بداخلها باقات العشق المعطر بخضرة الربيع، الصباحات كما المساء  تشبه في تعانقها هذه الأقواس المنحنية من سقوف البردي والقصب.

امتداد السنابل، فضاء تغور أنفاسه في عالم لا علاقة له بذلك النمط من الترتيب، فالأرض والماء والسماء، امتداد لكوكب واحد. القارب، زورق تحركه ماكنة صغيرة.

العالم في جميع ارتباطاته كيان يعشق فن الألفة والألوان.

الأحياء تشبه في تصنيفاتها هذا النوع من التراتب؛ كائنات مائية، وأخرى ارضية، وصنف تحتويه هذه القبة التي تحتها نستنشق عبير الورد ورائحة العنبر. دجاج الماء الحذاف، الخضيري، البركة، الشختورة، السلية، الأسماك، تسميات يقابلها هياكل لحيوانات تعشق الارض كما الماء، الجاموس بكيانه الضخم حيوان يألفه الجميع، الأهالي جميعا يترفعون في ذلك المكان عن الجاه والمناصب وحكاية الطبقات؛ ابو فلان بالنسبة للجميع هو صاحب المضيف الذي به ومن خلاله العامة من الناس يشعرون بمواطن قوتهم او ضعفهم.

القصص مواقف على أساسها تتألف الموضوعات.

لذلك الأجواء بمحبتها يحتفل المطر. 

 

عقيل العبود

 

فاروق مواسي: سؤال في اللغة: حول همزة (ابن) وحذفها

faroq mawasiهناك من يطالب بإثبات همزة (ابن) في أول السطر حتى ولو وقعت بين علمين، فما رأيك في ذلك، وهل لك أن تركّز لنا مواضع حذف همزة (ابن)!

نجوان- معلم للغة العربية

................

 

لنبدأ في مواضع حذف همزة (ابن):

* تحذف همزة (ابن= بن) إذا وقعت (ابن) بين علَمين، وكانت هي نعتًا (أو بدلاً) للاسم  قبلها،

 فنقول: جعفرُ بنُ محمدٍ توجه إلى سعيدِ بنِ العاصِ...

لاحظ أن كلمة (بن) تابعة في الإعراب لما قبلها، وما قبلها سمعناه غير منوّن (للتخفيف). أما الاسم بعد (ابن) فيكون مضافًا إليه.

 لا فرق بين العلمين أن يكونا اسمين، أو كُنيتين= أبو الفضل بن أبي عليٍ

أو لقبين= سيف الدولةِ بن زين العابدين،

ويمكن أن يكون العلم الثاني جَدًا أو أمًا للأول= محمد بن أسماء، الفرزدق بن دارم.

يشترط في حذف الهمزة أن يكون  العلم الأول غير منون= عليُّ بن أبي طالبٍ

فإذا نوّن –والتنوين هنا جائز في العلم قبل (بن)- أعيدت الهمزة= قرأت لعليٍ ابن أبي طالبٍ خطبة الجهاد.

يشترط في العلم أن يكون مفردًا = محمدُ بن أبي بكر،

 انتبه إلى عودة الهمزة في غير المفرد:

 روى هذا الأثر عبدُ الله ومحمد ابنا عمر.

يشترط  في حذف الهمزة -كما قلت- أن تكون (ابن) اسمًا تابعًا= نعتًا أو بدلًا، فإذا لم يتوفر هذا الشرط نكتب الهمزة:

محمد ابنُ الحنفية-   جوابًا لمن سأل، ابن من محمد؟

ابن هنا خبر مرفوع.

كان زيادٌ ابنَ أبي سفيان على رأي المؤرخين.

(ابن) هنا إعرابها خبر كان منصوب، وليست نعتًا (أو بدلاً).

 

تمرين تطبيقي:

انتبه لماذ كتبت الهمزة في:

أنا فلاحٌ ابن فلاح.  (لم  ترد "ابن" بين علمين ونحوهما).

طارق هو ابن زياد مَن فتح الأندلس. (فصلت "هو" بين العلمين).

 

سمع فلانٌ الروايةَ من الحسن والحسين ابني علي كرم الله وجهه. (وردت "ابن" غير مفردة).

حدثنا سعيدٌ ابن المسيِّب قال... (ورد العلم الأول منونًا، فوجبت إعادة الهمزة).

سألني ابن من أبو عبيدة، فأجبت: عبيدةُ ابنُ الجرّاح. (ابن إعرابها خبر، ولم تكن اسمًا تابعًا).

 

جواب الاستفسار الأول:

همزة (ابن) أول السطر

يشترط اللغويون كذلك إثبات همزة (ابن) في أول السطرحتى لو سبقها علم ولحقها علم آخر، وكأنهم اعتبروا أن هناك فاصلاً قد فصل بين العلَمين.

 

اجتهاد:

خلافًا للغويين أرى أن تُحذف الهمزة  حتى في بدء السطر- إذا كان حذفها واجبًا في وسطه أو في نهايته، وذلك بسبب الطباعة الحديثة وظروفها، فالكلمات تتنقل من مواضعها تبعًا للزيادة والحذف، فلا يُعقل أن نظل نلاحق كلمة (ابن)، ونثبت الهمزة كلما رأيناها أول السطر، فمن يضمن أن الأسطر ستظل ثابتة مثبّتة، وقبل ذلك هل إثباتها ينقص المعنى أو يزيده؟

 

فائدتان:

* أشرت في حلقة سابقة كانت في موضوع حذف الألف-  أن ألف (يا) النداء غالبًا ما تحذف مع كلمة (ابن)= يابن آدم، يابن الأكرمين.

وفي بعض المصادر يرون أن الحذف هو في همزة (ابن)= يا بن آدم، يا بن الأكرمين.

(لاحظ الفرق في الكتابة في كل رأي!)

** كلمة (ابنة) تنطبق عليها شروط (ابن)، ولكنها قليلة الاستعمال، فنكتب:

عائشة بنة طلحة، وفي لغتنا المعاصرة غالبًا ما نستخدم (بنت) بدل (ابنة).

 

أ. د فاروق مواسي

.......................

المصادر:

أبو رزق. الإملاء الصحيح، ص 15.

أحمد الهاشمي. جواهر الإملاء، ص 145.

حسين والي. كتاب الإملاء ، ص 116.

عبد السلام هارون. قواعد الإملاء، ص 40.

عبد العليم إبراهيم. الإملاء والترقيم، ص 76.

 

بسّام البزاز: الترجمة والشطرنج

إذا أردتَ أن تلعب شطرنجا في الترجمة أو أن تحلّ لوحة صعبة من الكلمات المتقاطعة في الترجمة. فعليك بترجمة الشعر أو النثر الذي يرقى إلى مرتبة الشعر أو يدانيه مرتبة.

فكلاهما، الشعر والنثر الرفيع، يستدعيان لترجمتهما أكثر من الكلمات، ويتجاوزان في مطالبهما القاموس والقواعد والثقافة.

إنّهما رياضة الترجمة الحقيقية. إنّهما رياضيات الترجمة.

الشعر والنثر الرفيع يستدعيان روحا شاعرة وإحساسا يفهم إحساس من شعرَ ومن نثر.

يتطلبان أن تفهم المراد والمقصد.

أن تعيش الحالة وتستوعب دوافعها

أن تعرف لماذا الفرح هنا والحزن هناك

لماذا الجبال ولماذا النار

لماذا " الزمان " وليس " الوقت "

لماذا " السنين " لا " الأعوام ".

لمَ يُكثر هذا من " القمر " وذاك من " البحر "

ما دلالة كلّ ذلك؟

وما دلالة ذلك في روح المؤلف وفي حياته وسيرته.

الشاعر والناثر لا يكتبان أحداثا. ولا يسردان قصّة متتابعة الأحداث متواترة الحوادث

بل يصفان مشاعرَ متضاربة وينهلان من بحر لجيّ متلاطم الأمواج هي النفس الشاعرة.

عليك الغوص في ذلك البحر لتستخرج مكنوناته ومكنونات صدره وفكره.

عليك تحليل النص قبل ترجمته. معرفة ظروفه وظروف كتابته وكاتبه قبل الخوض فيه.

وإلا وضعتَ الكلمة جنب الكلمة

والحرف لصق الحرف

وخرجتَ برقعة شطرنج تأخذ في الحسبان ترتيب القطع لا استرتيجيات اللعب

وخرجتَ بكلمات متقاطعة أفقيا (أو) عموديا

وليست أفقيا (و) عموديا في آن معا.

 

د. بسّام البزاز

 

هيثم القيّم: ورود مِن بستان الـعَلمانية (7-9)

haytham alqaim1- الجانب الأخلاقـي: في الجانب الأخلاقـي  يمكن الحديث عن مستويين من القيـَم الأخلاقـية:

- مستوى ثابت تشترك به جميع المجتمعات البشرية من الشرق الى الـغرب ومن الشمال الى الجنوب .. أي هناك قيم أخلاقـية تُـعتبر من صـُلب صفات البشر الأسوياء، كالصدق، والنزاهـة، والعدل، والأمانـة، والشهامـة، والـنظافـة، والشجاعـة في قول الحق، واحترام الـوقت، وأحترام العمل والأبداع، واحترام الآخـر المُختلف، ورفض الظـُلم والعبودية ..! أذ لا يمكن أن تجد شخصاً واحداً في العالم يقول لك : أن الصدق مثلاً قيمة أخلاقية سيّـئة ..!

وهذه القيَم طـَرَحها الفكر البشري عِـبر مسيرتـهِ قبل الأديان .. وجاء الأسلام لـيؤكـّـد في جوهـر رسالتـهِ على العديد منها .. وفي الحقيقة لا تكاد تخلـوا منها أي نظرية أو فلسـفة أو دين ...!!

- مستوى مُتحرّك، نسبي، مُتغـيّر .. يعتمد على طبيعة المجتمعات، ونوعـية الموروث الأجتماعي والأعـراف والمفاهيم التي تسود كل مجتمع، وطبيعة الـنظرة للحياة ودور الأنسان فيها ، كـ قيَم الشرف،  النظرة الى المرأة، مفردات السلوك المجتمعي، العلاقات الـبيـنيّة بين الأفراد، القيم العشائرية، القيم الدينية ..!

هـذه القيم تختلف من مجتمع لآخـر .. وتتغـيّر بمرور الزمن في المجتمع الـواحد ... أي ماهو مقبول منها في مجتمعنا العراقي مثلاً .. غير مقبـول عليها في مجتمع آخـر ...! وما مقبول منها في مجتمعنا قد يكون غير مقبول عندنا غـداً ..!

فمثلاً قـيَم الفصل العشائري والنهوة في مجتمعنا شيئ مُعتاد ولا يزال نافـذ .. لكنـّـه مرفوض ومُـستهجن في مجتمعات أخـرى .. أو مفهوم الشرف في مجتمعنا الـذي يرتبط بـعـفـّـة المرأة .. أي أن الرجل والعائلـة والعشيرة، يرتبط شرفهم بـعـفـّة نسائهم .. بينما في مجتمعات أخـرى لكل فرد شرفـهُ الشخصي الخاص بـه والذي يعتمد بالأساس على مدى أقترابه أو بُـعدهِ عن المستوى الأوّل من القيَم التي وردَت أعلاه ...!

هـذا النوع الثانـي من القيم الأخلاقـية هو ما يتمـسّك بأذيالـهِ،  الأسلام السياسي وتوابـعه .. ويبـني عليـه موقـفهُ الـرافض للعـَـلمانية ...!! مُتناسياً عن عـمد  نسبيـّة هذا النوع من القيَم .. وأنـهُ ليس بالضرورة أن نتبـنّى نحن ما يتبـنـّاه غيرنا منها ... ومُــتـغافلـين عن حـقيـقة أن المجتمعات البشرية في حالـة تطوّر وصيرورة مُتجدّدة .. وما كان مرفوضاً بالأمس قد يصبح مقبولاً غداً .. والعكس صحيح ...!!

 

2- الجيش والتشكيلات الأمنية ألأخرى:

في النظام الـعـلماني لا يُسمح للجيش والشرطة والأجهزة الأمـنية بالعمل أو التدخل في السياسة أو حتى مِن المُشاركــة في الأنتخابات السياسية في أغلب البلدان ..! الـقوى الأمـنية بكل أشكالها مهمّـتها حمايـة الـوطن والـمواطن والدستور (أن أقـتضى الأمـر) ...! لـكي لا يـُصار الى أستخدام القوى الأمنية في التنافس أو الصراع السياسي مِن قِـبل السلطة أو الأحزاب أو ذوي الـنفوذ ..!

          

3- الفصل بين السلطات:

في النظام الـعـَـلماني يكون الـفـصل بين الـسلطات الرئيسية الـثلاث (التشريعية – التنفيذية – الـقضائيّة) حقيقياً، ولا يُسمح بالتداخل بينهما .. وبالـتالـي كل سلطة لها مهامّـها وواجباتها الـمُحدّدة دستورياً وقـانونياً .. ولايحق لـطرف التدخـّـل في مهام وأداء الـطرف الآخـر .. ألاّ في حالـة المصلحة العامة للوطن والمواطن، أذ لكل كيان من هذه السلطات أستقلالـيّته الأعتبارية والقانونية والمادية .. ولا يجوز التداخل أو التأثير بينَ أو مِن أحداها على الأخرى .. وخصوصاً السلطة الـقضائية ..!!

 

هيثم القيّم - مستشار ثقافـي / منظمة بلاد السلام لحقوق الأنسان

 

فاطمة المزروعي: الاتصال حاجة

fatima almazroweiتعتبر وسائل الاتصال من أقدم المخترعات والمبتكرات البشرية، والتي نبعت من الحاجة وليست الرفاهية، فالحاجة للتفاهم مع الآخرين ومعرفة ما لديهم، وجمع الأفكار وتنسيق وتخطيط المهام والأعمال، كانت بديهة وحاجة لا بد من القيام بها.

وحتى يومنا هذا يعد التواصل والاتصال، من أهم خصال التميز والإبداع، ويعد واحداً من أفضل الأمور التي يمكن للفرد أن يستغلها استغلالاً جيداً من أجل الارتقاء في حياته.

نسمع كثيراً، ونقرأ أيضاً قصصاً عبر التاريخ وفيها لمحات عن كيفية التواصل والاتصال بطرق شتى، وكانت البداية من الإنسان البدائي، حيث لم يكن للغة أثر واضح، ولكن بسبب عقل الإنسان كان اخترع طرقاً يستطيع بها أن يفهم غيره، فلم يتوان عن استخدام النار في التواصل، وفهم الآخر بما يريده، ويستخدم الدخان للإشارة إلى رسالة يريد إيصالها، ومدة الإشعال والمرات المتكررة، وما إلى ذلك من دلالات في المعنى المراد، واستمرت عجلة التطور، حيث بدأ الإنسان بالكتابة عن طريق رسوم تعبيرية كدلالة على فكرة أراد إيصالها، لتظهر بعد ذلك الكتابة المسماريّة عند السومريين كأولى الأبجديات، ومن بعدها أتت الكتابة الهيروغليفيّة في مصر عند الفراعنة، ليظهر بذلك الاتصال وطرقه المباشرة فيما بين البشر، وكل حقبة زمنية محددة تخترع طريقة أسهل من التي قبلها.

ما أصل إليه أن الاتصال قبل أن يكون علماً، هو حاجة لنا جميعاً، فإذا أخفقت في تحقيق تواصل جيد في عملك ومنزلك ومجتمعك، فمن دون شك أخفقت في ركن أساسي ورئيس يمس حياتك برمته

تارا ابراهيم: وداعأ أيها البيت العتيق

tara ibrahimمرة اخرى قدمت الى منامي ايها البيت العتيق .. تحاول ان توصل لي رسائلك التي عجزت عن فهمها وتفسيرها .. لقد حاولت ان انساك ولم تعد في طي ذكرياتي .. كنت ومازلت حلما استيقظت منه ولم اعد أتذكره .. ماذا تود ان تقول لي؟ هل عدت لتقول أنك موجود؟ .هل تشعر بالحزن؟ هل يعاملك ساكنوك الجدد بما يليق؟ هل تعانقهم كما كنت تعانقنا بحنانك في الايام الخوالي؟ كم من طفل يلعب امام فنائك اليوم كما في الماضي؟ هل ترى تجمعاتهم وتسمع ضحكاتهم البريئة امام بابك؟ هل ما زلت مليئة بالالغاز الذي كان الجميع يود ان يعرف خفاياه وأسراره؟.

منذ اكثرمن عقد ونيف .. حلقت بعيدا عنك لعلني اجد بيتا آخر .. حنانا آخر .. املا في إقتلاع جذوري التي غرستها فيك .. ولكن يبدو ان جذوري هي اعمق مما كنت اعتقد .. ربما قد نسيت بعضا منها فيك وهي التي أبت ان تتركني .. هل لك ان تقول لي كيف يمكن اقتلاعها  وإلى الابد؟؟ .

ايها البيت العتيق .. هل تود ان تقول لي همسا انك متعب؟ متعب مما يجري، ويائس مما يحدث؟ .. فقد آويت الكثير من الناس .. واطعمت افواه الكثيرين .. وزارتك الملائكة عشرات المرات بحثا عن الصوت الرخيم لجدي وهو يتلو الايات ويسجد عندما يقتضي .. وجرحتك رؤية آثارالتفجيرات والرصاص من حولك .. وكنت ملاذا لكل محتاج وفقير .. حلت عليك البركات حينا ولعنات العقب الحديدية حينا اخر .. اغرقتك مياه الامطارمن نهيرة صغيرة اياما .. واحرقتك شعاع الشمس اياما اخرى.

هل قتلك الصمت؟ هل الظلم اضناك؟ كم من ارهابي يمر امام بابك الآن؟ كم من قاتل وخائن وسفاح يريد ان يطرق بابك على أمل يجد احدا ليفتك به ممن احببتهم يوما؟ كم من قدود جميلة وعيون سود ذليلة تمرأمام عتبتك؟ كم فقدت من جيرانك؟ كم منهم وريا الثرى ناقص بعض من اشلائه؟ . على مدى الايام كنت الشاهد الذي لاينطق .. الشاهد الاخرس !! .. كم من شرخ احدثته فيك هذه المأساة؟ .. هل ما زلت قويا بعد كل هذه السنين؟.

 كلا لقد فقدت روحك .. لأنك كنت تستمد القوة من افكارنا وارواحنا .. والآن من يمدك بالقوة أيها البيت العتيق، الجهلاء سليلي العنف والحقد الاسود؟ كم محبط انت؟؟ .. كم من الكآبة اصابتك؟ من قمة واوج الايام الى اتعس واحبط الايام .. متى ستقاوم؟ والى متى ستبقى واقفا على قدميك مرتجفا، اصبحت بائسا جراء وضع قاس لايرحمك .

سأقول لك وبكلمات وجيزة ايها البيت العتيق، انت لم تعد بيتي .. انت لست إلا خيال وسراب .. ولن تكون بيتا للاخرين!!، ولن تستطيع اقناعي بانك مازلت هناك بكبرياء .. وانك بانتظاري .. بانتظارنا .. لا لن نعود الى حيينا .. لا لن نطرق بابك مجددا .. لا لن اعدك بالعودة .. فلا تعيش في خيال واوهام .. لا تنعم باحلام اليقظة .. دعني وشأني لامسح دمعي بين وجوه وسيماء غريبة لاتمت الى وطني وانا اسيرعلى ضفاف البحرالابيض وفي شوارع وأزقة جزيرة سيشيليا . . فـ "وداعا ايها البيت العتيق" .

 

د. تارا إبراهيم - جزيرة صقلية - إيطاليا

 

 

عبد الجبارنوري: روسو.. هجاء التنويروفساد الحداثة

abduljabar noriجان جاك روسو1712 -1778 جنيفي وُلِد فيها وبقي في سويسرا أكثر من خمسة عشر عاما وهو كاتب وأديب وفيلسوف  ومفكر من الطراز الأول وعالم نبات،  تجد  في روسو الصفاء والنقاء والصوفية وهو رائد من رواد حركة التنوير التي مهدت للثورة الفرنسية   1789يعد من أهم كُتاب (عصر العقل) وهي فترة من التأريخ الأوربي، أمتدت من أواخر القرن السابع عشر إلى أواخر الثامن عشر، ساعدت فلسفة روسو في كتابه الأول (العقد الأجتماعي) في تشكيل الأحداث السياسية التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية، وأثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة وفي الأنثروبولوجيا المجتمعية .

عرض أفكاره وآراءه مواضيع عديدة لها المساس المباشربالفرد والمجتمع ونوع الحكم متحديا بها آراء فلاسفة ومفكري عصره السائدة، فلهُ نتاجات  أدبية ثرّة بشكل رسائل ومحاضرات، وصبّ عصارة فكره وجهده في أربع كتب هي : العقد الأجتماعي، أصل التفاوت، الأعترافات، والكتاب الرابع (هواجس المتنزّه المنفرد بنفسهِ) وحاول روسو أن يترجم خلجاته وآلامه وهواجسه وأحلامه وأشمئزازه من التفاوت الطبقي في المجتمع بين طبقة ثريّة موسرة بأفراط تهتم بالبذخ والمظاهر والتفاخر وطبقة واسعة من الفقراء المعدمين، وكان يتألم على الدوام بهاجس أنساني، وقرر أن يمضي فيما بقي من حياته في بيان الأتجاهات الجديدة للتنمية البشرية المجتمعية .

 

معتقدات "روسو" ذات الأتجاهات الحداثوية

-أنه فيلسوف المتناقضات، يشارك في التنوير ثم ينقلب ضده ويعرّفهُ جيداً ثم يرفضه براديكالية وفضاضة أوشك أن يقول : أن الحداثة خطأ كبير، وأن علينا البحث عن علاج منها، في خطابه الأول في مشاركته مسابقة أكاديمية ديجون، تناول فيه الفنون والعلوم، أعلن روسو أغرب الآراء حول الفن الذي أعتبر أن له وظيفة تنكرية، أذ نستعمله لأخفاء أضطهادنا، يجعلنا ننسى أننا لسنا أحراراً، بل أسوأ من ذلك : أنه يجعلنا أن نحب عبوديتنا، والفن والعلوم تعتبرفي رأي روس  كجزء من رفاهيتنا تعزز اللامساواة والتمزق لأنها توجد  حاجات كمالية جديدة  بديلة عن الخبز أنها ثغرة هشاشة مفروضة علينا، وبهذا المعنى يكون حسب رأي روسوالتنوير والحداثة أنحطاطا وفسادا وليس تطورا وشارك بآراءه هذه المفاجئة والغريبة والأقتحامية الجريئة في مسابقة تلك الأكاديمية لسؤالها هل للعلوم والفنون أثر في بناء الأنسان والمجتمعات ؟ ففاز بجائزة مالية من تلك الأكاديمية .

- ويقول روسو في كتابه الرابع " هواجس المتنزّه المنفرد " ما نتيجة أن نولد في زماننا ؟ وأية فضيلة ستأتي من أن تكون غنياً بأي ثمن ؟ أن فلاسفة السياسة القدماء يتحدثون عن القيم والأخلاق، والآن يتحدثون عن المال والأقتصاد، ويرى أغلب فلاسفة الفترة الراهنة له: أن " جان جاك روسو " يتميّز عن فلاسفة (الأنوار) وعن فولتير بالخصوص الذي يعتقد بأن التقدم العلمي يمكن أن يحقق للأنسان السعادة على الأرض،  ويمنحه القدرة على أن يكون سيد نفسه متحرراً بذلك من كل العوائق التي تكبل طاقاته، أما روسو فقد شكك في قدرة العلم في القضاء على على شقاء الأنسان في العالم، بل ذهب إلى حد التأكيد على أنه أي العلم يمكن أن يسبب له كوارث ومتاعب أشد وأقسى من تلك التي عرفها من قبل، وهذا ما أثبتهُ الواقع مثلما خلفت لنا الحربين الكونيين من كوارث ودمار للجنس البشري وممتلكاته  وحضارته .

- بدأ روسو الحديث عن الفنون والعلوم لينتقل إلى الأستهلاك ثم اللامساوات الأقتصادية، ثم يذهب إلى هجاء التعليم في نصه المتحجر والمتطرف، ويبدو للمتلقي أن روسو ينظم إلى أعداء التنوير في زمانه إلى جانب الأرستقراطيين والكنيسة، لكنه ليس محافظاً مثلهم لأنه لا يرغب بالمحافظة على الوضع الراهن، بل كان يريد وضعا أكثر راديكالية لأنه يرى دعاة التنوير الذين يزعمون محاولة خلخلة واقع مجتمعاتهم، هم في الحقيقة يعززون المكونات الأساسية لهذا الواقع .

- وكتب روسو هذه الهواجس في كتابه الرابع " هواجس المتنزّه المنفرد " أزمة الخوف والحذر وفوبيا أرهاصات اللاوعي وأحلام اليقضة والتي سببها إلى ما عاناه أو صوّر لهُ أنهُ يعانيه من ضروب الأضطهاد الموجه لهُ من كل صوب عندها يغرق في السويداء  وهو في براءة رأيه في متاهات أعماق اللاوعي لهذا الفيلسوف الناقم على نفسه من أثر عقدة الأضطهاد وعلى الوضع القائم وفلاسفة السوء الذين يبشرون بالمدينة الفاضلة المزيفة والكاذبة يرى في نفسه قد يكون صنع القليل من الخير، لكنه في حياته كلها لم يفكر بصنع الشر مطلقا، عندها لم يكن يجد مخرجا لهذه الأزمة النفسية وهمية كانت أم واقعية ألا بالهروب للأمام بالعزلة والوحشة  بنزهاته الأنفرادية ليصل إلى هواجسه أو أحلامه التي تبدو في كتابه هذا بعشرة نزهات تستثير عنده مشاعر عميقة يتلذذ بها لأنها توافق كسله الجسدي من حيث الأبتعاد عن كل عمل، وتتناغم مع غزارة تخيلاته وتدفق رعشاته وأحتدام أرهاصاته من الوعي واللاوعي في آنٍ واحد .

- عند مطالعتي لكتابه الرابع والأخير " هواجس المتنزّه المنفرد " ترجمة الدكتور بولس غانم الصادرة من المنظمة العربية للترجمة بيروت 2015، يتحدث الفرنسي جان جاك روسو عن عدة مفاهيم وقضايا منها الحرية، الحقيقة، الصدق، الكذب، السعادة، الفن، الأدب، والثورة  وجدت أن روسو بدراسة واسعة لعلم الأجتماع السوسيولوجي الجمعي بشهادة عالم الأنثروبولوجية الشهير (كلود ليفي شتراوس) يقول: أن روسو معلمنا وروسو أخونا الذي لم نعترف لهُ بالجميل كما ينبغي، أنهُ مؤسس علوم الأنسانية الحديثة من كل فلاسفة عصره .

- سكب في كتاباته الرومانسية  اللاهوتية المشبعة بغنائية أسلوبه وفلسفته وأيمانه بطبيعة الأنسان الطبيعية التي أفسدتها الحضارة وضحها بشكل جلي في اللغة الأدبية، و بين فيها الرغبة في تخليد الحب بالذكرى، وشدد على اللاهوت العاطفي الجديد، وتفنن في في أبراز الشعور بالطبيعة والطبيعة البشرية .

- هاجم روسو في كتاباته ورسائله وفي هذا الكتاب بالذات كل الأتجاهات الحضارية في البذخ عند النظم الأجتماعية السائدة، وندد بالدور المفسد للحضارة حيث ناقض طروحات الأنسكلوبيديين وفولتير الذين يسعون للآنوار والبذخ، مهدداً بها النظم القائمة بقيمها الجارية، ولكن العالم الذي رفض الأصغاء أليه دفع روسو أن يترجم خلجاته ووهواجسه وأحلامه في كتابة هذا الأنجاز الأدبي والتعليمي التربوي، ولكنه أشار إلى هاجس (المؤامرة) المفردة التي يقصدونها بالذات وهي المواقف المضادة له من المجتمع ومن جيل الفلاسفة، ولكن صموده وسكينة روحه الهائجة جعلت من جميع (تيمياته) الرومانسية وأفكاره الحداثوية الثورية الغريبة وأحلام يقضته في المتنزه المنفرد التفهم والأستيعاب وتقبل آراءه المرفوضة  تستوعب وتقبللها من قبل الجبهة المضادة لأفكاره الحداثوية التي بعثت هزة كهربائية في التوعية حيث أصبح كل من العالم والفيلسوف الفرنسي (شاتوبريان ولامارتيني ورونيه) هم ورثة الحقيقة للمتنزه المنعزل وخاصة الشعور بالطبيعة وهروب الزمن لدى روسو.

 

 

جودت هوشيار: البياتي في ذاكرة طلبة البعثات في موسكو

jawdat hoshyarلم أكن أتوقع قط أن يثير مقالي الأخير "عبد الوهاب البياتي في موسكو .. ملاحظات وإنطباعات " كل هذه التعقيبات، التي وصلتني على بريدي الألكتروني  من كتاب وشعراء وصحفيين وخاصة من زملاء الدراسة في موسكو، الذين يبدو أنني أثرت أشجانهم . وسأشير هنا الى بعض هذه التعقيبات مع ملاحظاتي حولها، وهي كلها جديرة بالتدوين،وربما سيستفيد منها من سيكتب الجديد عن سيرة البياتي وشعره المثير للجدل ، لأنها تتعلق بشاعر احاط نفسه طوال عشرات السنين بهالة دعائية صنعها بمهارة لا نظير لها في تأريخ الشعر العربي .

قالت كاتبة صحفية أنني كنت قاسياً على البياتي، ووصفت تفضيلي دراسة الهندسة بأنها بلوى . فقلت:

-  لو قرأت يا سيدتي، ما كتبه الشاعر رشيد ياسين في كتابه " الثعلب الذي فقد ظله " عن مهاجمة البياتي العنيفة لجميع الشعراء العراقيين والعرب، وعن الحجم الحقيقي لموهبته الشعرية، وما كتبه الأستاذ الدكتور عبد الآله الصائغ عن بعض تجاربه المريرة مع البياتي، لو قرأت كل ذلك، لما كتبتِ هذا الكلام،  فمقالي عن البياتي  ناعم بالمقارنة مع ذكريات الآخرين عن هذا الشاعر الذي ملأ الفضاء الثقافي والأعلامي العربي ضجيجا عن نفسه وشعره عندما كان على قيد الحياة، ولم يعد أحد يهتم به اليوم أو يقرأ شعره.

ووصفت هذه الكاتبة – التي اكن لها الأحترام – تفضيلي دراسة الهندسة بدلا من الادب بأنها بلوى ابتلينا بها في العراق . ولا  أدري لماذا تكون الهندسة بلوى، والدول تبنى، والشعوب تتقدم بالعلوم والتكنولوجيا . أما الأبداع الأدبي فأن الأنسان يتعلّمه من محاولاته وتجاربه في الممارسة الدؤوبة لعملية الخلق الفني ومن امعان النظر في تجارب كبار الكتاب في العالم، وليس عن طريق الدراسة الأكاديمية . كما أن العمل في مهنة أخرى يتيح للكاتب أن يكون في خضم الحياة، ويكتسب تجارب حياتية تثري نتاجاته الأدبية، ويؤمن له مستوى لائقاً من المعيشة، وأن يكتب بحرية كما يشاء .ولا أدري لماذا قفزت الى ذهني – وانا اقرأ هذا التعليق – إحدى طرائف الشَّاعر الفيلسوف جميل صُدقي الزَّهاوي  في مجلس «المبعوثان» العثماني، الذي كان يناقش مسألة جباية الضَّرائب، وكانت أُوقفت أوقاف تمنح غلتها للأئمة الذين يقرأون «صحيح البخاري» في البواخر. وعلق الزهاوي على هذه المناقشات قائلاً : «إننا نعرف أن البواخر تسير بالبخار لا بالبخاري، فلماذا لا تُنفق تلك الواردات على نشر التَّعليم ليتقن النَّاس استعمال البخار ما دام هو الذي يُسيّر البواخر، بدل أن ننفقها على قراءة البُخاري، الذي ليس له في تسييرها منفعة» .

وكتب لي  شاعر عراقي مغترب يقول : " لقد كشفت الوجه الثاني للبياتي " وكانت اجابتي ان البياتي كان له وجه واحد لا وجهين . وجه عابس لا يعرف البسمة،، فهو متجهم أبداً من دون سبب، وهذا ما كان يلحظه على الفور كل من خالطه أوالتقى به ولو مرة واحدة في الحياة . واشك إن كان له في الحياة صديق مقرب حقاً. هذا هو الأنطباع العام عن البياتي لكل من عرفه. و الهالة التي احاط نفسه بها كرائد مجدد في الشعر العربي الحديث، تبددت بعد رحيله، لأنها كانت هالة خلقتها العلاقات النفعية المتبادلة بينه وبين النقاد المحيطين به، وصغار الشعراء المقلدين له . لم أقرأ حتى الآن، رغم مرور حوالي 17 عاما على رحيله مقالاً ايجابيا واحداً عنه .

وقال شاعر عراقي مغترب: أن البياتي كان دائما يركب الموجة السياسية والأيديولوجية الرائجة، بما يعزز  مكانته الشعرية وذيوع اسمه . وكانت اجابتي لهذا الشاعر : " أنا أفهم أن يغيّر الأنسان قناعاته الفكرية واتجاهه السياسي أوالآيديولوجي  بعد ظهور حقائق جديدة تعمّق وعيه، وتزيل الغشاوة عن عينيه. وهذا لا يحدث في العادة بين ليلة وضحاها، بل تدريجيا . فالأيمان بإتجاه آيديولوجي معين، ليس قميصا تخلعه اليوم لتلبس غيره غداّ .

عندما وصل البياتي الى موسكو في نوفمبر 1959 كان النقاش في الأوساط الأدبية  ما يزال على أشده حول رواية (دكتور زيفاغو) التي نال عنها الشاعر الروسي العظيم بوريس باسترناك جائزة الآداب لعام 1958 . وكانت الرواية قد صدرت لأول مرة باللغة الروسية في روما في العام نفسه . لم يكن البياتي قد قرأ الرواية بطبيعة الحال، وكان يجهل اللغة الروسية تماماً، ولم يكن بوسعه قراءة أو فهم الترجمة الأنجليزية، حتى لو كان قد حصل على نسخة منها، لأن لغته الأنجليزية لم تكن أفضل من لغته الروسية، ولكنه مع ذلك شن هجوما لا أخلاقيا شرسا ضد باسترناك والكتاب والشعراء الروس والأجانب،ومنهم بابلو نيرودا، وفرنسوا مورياك، وأندريه موروا، والبيركامو، وجون شتاينبيك، وبرتراند راسل، و هوارد فاست وعشرات غيرهم من كبار كتاب وشعراء العالم، الذين وقفوا الى جانب باسترناك في محنته. أما البياتي فقد كتب قصيدة هستيرية نشرها في الطبعة الأولى لديوان " كلمات لا تموت" ثم حذفها في الطبعات اللأحقة، يقول فيها مخاطباً الروس :

 " يا اخوتي الخضر العيون/ اننا سنجعل من جماجم سادة البترول والعملاء والمتآمرين/ لعبا لأطفال الغد الضاحكين/ فليصنعوا الف زيفاغو والآف الدمى/ ومزيفي التاريخ والمتهرئين / انٌا سنجعل من جماجمهم منافض للسجائر" . وهذه الجمل لا تمت الى الشعر بصلة، بل أنها نثر رديء كتب بلغة يترفع عنها أي مثقف .

 البياتي يجعل من جمجمة باسترناك – أعظم شاعر روسي في القرن العشرين - وجماجم من هبّ للدفاع عنه (منافض للسجائر) . ولم يخجل البياتي ولم يرف له جفن، وهو يكتب هذه الأسطر في وقت يتشدق فيه بصداقته المزعومة لناظم حكمت - فقد كان صوت هذا الشاعر الأنساني العظيم في المحافل الثقافية الروسية، في تلك الفترة، أعلى الأصوات المدافعة عن باسترناك وحقه في الأبداع .

كان البياتي قبل سفره الى القاهرة في أواخر عام 1964 يعتبر نفسه شاعراً يساريا، ويحشر نفسه ضمن الشعراء اليساريين الكبار مثل ناظم حكمت وأراغون ونيرودا، ولكن عندما شرع بحزم حقائبه استعدادا للرحيل الى القاهرة نشر في الصحف اللبنانية والمصرية  عدة قصائد تقريرية مباشرة أشبه بالشعارات في مديح عبد الناصر . حدث هذا عندما كان آلاف اليساريين يقبعون في السجون المصرية، ومات عدد منهم تحت التعذيب .

لكل طالب بعثة قصة مؤلمة مع البياتي . لم يكن احد منا يشعر بوجود ملحقية ثقافية عراقية في موسكو ترعى شؤوننا، ولكننا كنا مضطرين لمراجعتها في قضايا رسمية تتطلب موافقتها، كتغيير الأختصاص أو الأنتقال الى مدينة أو جامعة أخرى . وكان الشاعر -  نصير الضعفاء والمظلومين - حجر عثرة أمامنا، لا يسهّل أمراً الا لقاء منفعة ! هؤلاء الطلبة الذين ترك البياتي ندوباً في قلوبهم، عاتبوني بقسوة : لماذا لم تكتب عن مسألة مخصصاتنا المنهوبة، وأنت تعرفها جيداً . قلت لأصدقائي – زملاء الدراسة : لو كتبت كل ما أعرف عن البياتي " لبدا الأمر وكأنني أنتقم منه.

كان كل طالب بعثة يستلم ( 90 ) ديناراً عراقياً سنويا، لتغطية كلفة الملابس والكتب (ما عدا الراتب الشهري الذي كان بالروبل الروسي) . وكان الدينار في ذلك الوقت يعادل أكثر من ثلاث دولارات أو جنيها استرلينيا.

ملحقنا (الثقافي) كان يصرف مخصصات الملابس والكتب بالسعر الرسمي الروسي للدولار الأميركي، الذي كان يعادل اقل من نصف روبل، في حين كان سعر الدولار في السوق وفي المتاجر المخصصة للأجانب أكثر من ثلاث روبلات . وبعملية حسابية بسيطة فأننا كنا نستلم أقل من سدس المبلغ المخصص لنا. وعندما كنا نحتج، كان المحاسب يقول لنا : "والله تستلمون ما تستلمون أنتم أحرار ". وكانت الحاجة تدفع بنا أحيانا الى استلام المبلغ على مضض . ولم يتغير الحال الا بعد أن إشتكى عدد منا لدى السفير العراقي في موسكو .

وأمامي الآن رسالة أخرى مطولة من زميل كوردي، درسنا معا سنة في الكلية التحضيرية. ثم تفرقت بنا السبل . بقيت أنا في موسكو وذهب هو الى لينينغراد ، بعد تخرجنا عملنا معاً لعدة سنوات في منشأة هندسية في العراق،  قبل أن يشد هو الرحال الى المملكة المتحدة في أوائل السبعينات، بعد أن أذاقته مديرية البعثات مرّ العذاب بسبب اهمال البياتي لواجباته  الوظيفية تجاه (طلبة البعثات) . الرسالة أقرب ما تكون الى مذكرات أليمة، لذا أقتطف منها بعض الفقرات فحسب . يقول الصديق في رسالته : " في صيف عام 1961 قدمت الى الملحقية عريضة اطلب فيها الموافقة على تبديل تخصصي من الهندسة الكهربائية الى الهندسة الميكانيكية، ثم سافرت الى العراق، وعندما رجعت بعد شهرين بقيت ليلة في موسكو . وفي اليوم التالي اقتنيت تذكرة سفر بالقطار لكي ارجع مساءا الى لينينغراد ،  ثم ذهبت الى الملحقية . كانت معاملتي جاهزة ولا تحتاج الا الى نوقيع الملحق . سألني البياتي :

- متى رجعت من العراق ؟ قلت :

- البارحة .

- هل جلبت معك جريدة (صوت الأحرار)

- نعم .

- وهل فيها مقالة عامر عبدالله حول كذا وكذا؟

- نعم . قرأتها في الطائرة

- اجلب الجريدة، وبعد ذلك سأوقع أوراقك !

- ولكن ليس لدي الوقت الكافي، حيث أن موعد تحرك القطار الى لينينغراد بعد بضع ساعات.

- ان لم تجلب الجريدة لن أوقع على أوراقك !

ويمضي الصديق قائلاً : " لم أتمكن من من إقناعه، فقررت السفر، على أن اكمل المعاملة في وقت لاحق، ولكن لم أرجع مرة أخرى الى أن حدث انقلاب 8 شباط وتم فصلي من البعثة وسحب جواز سفري لأسباب سياسية، مع العلم أني لم أكن سياسيا ولم أنتم الى أي حزب طوال حياتي .

عندما رجعت الى العراق بعد اكمال دراستي في سنة 1966، تم اعتقالي حال وصولي الى المطار ولكن اطلق سراحي بعد منتصف الليل في اليوم نفسه، بعد تدخل شخصيات كردية في بغداد . التحقت بكلية الأحتياط، فأذا بهم يستقطعون ثلث راتبي الشهري لتسديد مصاريف البعثة . وبعد أن اكملت العسكرية وعينت في منشأة صناعية  قرب بغداد، استلمت كتاباً من مديرية البعثات يتضمن الأستمرار في إأستقطاع ثلث راتبي، لأنني غيرت فرعي من دون موافقة رسمية . وفي سنة 1971 قدمت استقالتي وغادرت العراق الى بريطانيا . مديرية البعثات طلبت من كفيلي أن يدفع المبلغ المتبقي من مصاريف البعثة، لأنني لم اكمل سبع سنوات خدمة، في حين انهم صرفوا عليّ أقل من أربع سنوات قبل أن يفصلوني . أكتب لك هذا لتعرف كم تعذبت مع البعثات . وكان نصف هذا العذاب بسبب عبدالوهاب البياتي، حيث لم يقم بواجبه كما يجب . قرأت قصائد البياتي " رسائل الى ناظم حكمت " مما جعلني أتصور ان ناظم حكمت كان من أصدقائه المقربين . أعرف الطبيب الذي ذكرته فقد زرته في شقته مرة أو مرتين " .

 أكتفي بهذا القدر من رسائل زملائي، لأنني لو سردت محتويات بقية الرسائل التي وصلتني لشغل ذلك صفحات عديدة

المجد الزائف يزول، والشعر الرديء  يموت . وتبقى الذكرى، حسنة كانت أم مؤلمة . رحم الله البياتي وغفر خطاياه

 

جــودت هوشيار                 

 

جلسة مغرية مع الشيشة المصرية !!

hamid taoulostرغم  إختلاف الروايات حول أصل الشيشة "الأرجيلة" وتضاربها بين الأصل العربي والهندي، فإن تدخينها يعد أمرا عاديا لدى المصريين، وفعلا مألوفا ضمن حياتهم اليومية، لا فرق عندهم في ذلك بين الرجال والنساء، الشيب والشباب، وهي عادة قديمة ضاربة بجذورها في تاريخهم العريق، وقد ارتبط تعاطيها بفئات المجتمع الدنيا، من مترتادي المقاهي الشعبية من الحرفيين والعاطلين والمنفلتين اجتماعيا، الذين كانت بالنسبة لهم بمثابة  "أداة مزاج وتسلية" يستهلكونها في الزوايا الصغيرة التي كان يتجمع فيها بعض الخارجين على القانون، الأمر الذي أكسبها أنذاك صورة سلبية، جعلت منها سلوكا غير مرغوب، وظلت عالقة في أذهان غالبية المصريين بمختلف طبقاتهم، إلى بداية القرن العشرين حيث تبددت الصور الذهنية المشينة ومل مسببات انحصارها، وعاودت الديوع والإنتشار بمساهمة الانفتاح الاقتصادي،  وتغول الثقافة الاستهلاكية، اللذان انتشلاها في النصف الثاني من السبعينات من انحصارها المفرض اجتماعيا، فاسحة المجال لإنتشار تدخينها على نطاق واسع وبين كل الطبقات الاجتماعية، إلى درجة أنها إكتسحت بيوت المصريين، حيث كانت الزوجات يعددنها، ويشاركن أزوجهن في بعض الأنفاس كدليل على المودة بينهم، وزيادة في الاستمتاع بالجو الأسري، وبمبررات أخرى مختلفة، ما بين التعود عليها، وتفريغ الهموم، والبحث بشكل لا شعوري عن أساليب للتسلية لقتل وقت الفراغ، وغيرها من المدخلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداعمة لمناخ تعاطي الشيشة، كارتفاع البطالة، وتحسن أوضاع الطبقة الوسطى إقتصاديا، وتمدن الريف المصري بعد عودة العاملين في الخليج، الذين كانوا وراء زيادة مشروعات مقاهي الشيشة العصرية " الكوفي شوب" التي شهدت توسعا غير مسبوق،  والتي أقامها في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات أبناء الطبقة الوسطى القادمين من الخليج الذي سافروا إليه في وقت الفورة النفطية، على اعتبار أنها مرتفعة العوائد وقليلة الجهد، والتي لا يكاد تخلو منها حارة أو شارع، لتواؤمها مع غنى وعصرنة النزعة الاستهلاكية المتزايدة لدى أبناء الفئات الميسورة الذين يرغبون في أجواء تجمع ما بين الحداثة الغربية  والتقليدية الشرقية، البعيد عن تلك المقاهي التقليدية التي تقدم الشيشة والمشروبات البسيطة بأسعار غير مرتفعة ..

واللافت كذلك في أمر الشيشة في مصر، هو أنها ليست مجرد أداة للتدخين أو وسيلة لقتل الوقت أو "تظيبط المزاج"، كما يقول المصريون، بل تحولت إلى رمز وطني، وصارت معلمة سياحية يتهافت عليها السياح، وصناعة رائجة تنتشر ورشاتها في مناطق الحسين والجمالية والعتبة بوسط القاهرة، ويتم تصديرها إلى دول الخليج ولا سيما قطر والإمارات والبحرين، وإلى دول أوروبية مثل النمسا وألمانيا وهولندا وبريطانيا، بالإضافة إلى دول شرق أسيا مثل ماليزيا، ما يذر على مصر عملة صعبة ويوفر مناصب شغل عديدة .

 

حميد طولست

 

القلم

akeel alabodاداة لها حافة، بها تكتب الحروف، ومن خلالها تتشكل الكلمات، الطول فيها بقطبين تشكله؛ الاول عند الكتابة يبتدىء كانما ممسوكا به، وفقا لانفاس كائن يجيد لغة التفكير، لذلك حصرا تم اتخاذه وسيلة ليس للارتباط بمعان تتدلى الوانها من جهة بها تستضاء هذه المساحات من السطور. صماء تلك الآلة عندما تكون بلا يد تمسكها، لذلك الحديث وسيلة من وسائل هذا الصمت الذي يسكن مع اوجاع روح مليئة بالصور. المشاهد نفسها؛ أنماط يندرج البعض منها في نقاط تلتقي بمماسات تشبه تلك الخطوط التي تلتقي عند نقطة هنا اوهناك لتعلن نوعا من الارتباط مع الدائرة، ذلك عن طريق نقطة ما.

لذلك القلم وسيلة وجسر يرتبط القلب بها، كما الروح، هو يشبه في مديات ارتباطه تلك العلاقة الممزوجة مع نقطة الدائرة، هكذا ارتباطه مع عقل الانسان، كأنه بطارية ضوئية تتشكل مماساتها بين نفس الانسان وعقله، ذلك لعل الشحنة هذه اوتلك تنتج باللون حرفا به تستضاء السطور.

لهذا ليس قيمتها، اي هذه المساحة الممتدة بين الورقة وأروقة الفكر، بسببها ربما يعتقل إنسان، وربما ايضا بسببها يطلق النار على انسان.

هنا الورقة تلك الصفحة التي ربما تكون ذابلة بفعل الاعاصير، علاقتها معه تشبه علاقة شاهد يحتاجه الحاكم للإدلاء بشهادته.

إذن هو عنوان به يتسنى لتلك النبضات ان تعلن دقات حزنها اوفرحها، بها وعن طريقها يعلن النور عن نفسه وسط الظلام.

 

عقيل العبود  

 

رحيل مُبدع.. شجنٌ يدوم سكن روح!

ahmad algharbawiمع رحيل الفن الصادق يموت قلب يخفق.. ويحتضر شجن يبدع.. وتذبل أوراق تنتظر الإخضرار مع أوّل قطرة ندى.. مع انسحاب السّحر مُرحباً بضىّ الشروق.. يتنسّم إبداع الربّ.. قبيل أن يَهبه لنفوس بشر.. يلقبون حامل عبئه بالفنان..!

والفنان الحقيقى يتقطّر من مىّ عينيه صفا الروح.. تلاقى قبلة نورس جائع.. يتعلّم لغة الطير.. يحفّه موج شارد.. فرخ رقيق يتعلم فى لهوه.. ويعبث فى طيره.. حِسّ راقٍ.. ربما تعلن عنه دِمعة أبيّة.. متّشحة بكبرياء نفس.. تئن شجناً دائماً.. !

فلاهى انسابت بين جفنيه فأراحت الفنان المبدع.. وتظلّ تترجرج بين جفنيه.. روح معذبة.. تَرى فيها رغبة عاشق يتطلع لخلود عشقه من خلال تنوّعه.. وتنقيبه الدائم عن وسائل تعبيره.. ليرضى معشوقته..!

فنان يتطلع فى أعماله.. يصمت كثيراَ.. ليتحدّث بأروع ابداعاته.. يفجر مشاعره.. وعلى أوتارها يترنّم خلقاً فنياً لكلّ الأزمان.. وتتكسّر نشوته الفنيّة.. تتناثر إبداعاً عالمياً.. رغم إنها تنضح من بئر محفور فى وطنه.. وبكدّ وعرق منتهى الوطنيّة..!

ولما لا ويقول فنان نوبل الخالد نجيب محفوظ (إن العالمية هى الإغراق فى المحلية..!)

أحيانا تعيش معه رومانسية معذبة.. ملتحفة بخشونة وصوف اللاسّة والعمّة.. وعصا تحمى المال والسلطة..!

وتجرح ونزف وجعاً ويأساَ.. وتموت تضحية وبطولة.. وغيرها..!

إنه عالم الزيف أو الحقيقة.. لا أدرى..؟

عالم افتراضى يجسّد الخيال.. وينثر الحلم.. وينقل الوقع.. يزيفه تارة ويجمله فى أخرى.. وينقله كماهو مرات ومرات.. بدعوى المصداقية والواقعية..!

ويهديك أثواب القيم والمثل والمبادئ.. وهى تنحسر أمام سوط المجتمع الاستهلاكى المادى.. وتحوّلات الرؤى.. التى لاتملك صفات الفارس.. إلا فى المشاعر.. وتفتقد أسوار تحصّنها من غول المادة والجاه والسلطة وشهوة الانتقام.. وتطلّعات الطبقات الدّنيا نحو المّادة.. وتنسحب فى خجل وحياء لغة القلب..!

أمام الكاميرا يواصل حياة فنّه فى أتم صحة وعافية.. !

كثيراً ما يتجاهل الإعياء.. يظن أنه لا يمكن يمرض.. فالخلود وهمه وحقيقته.. ولذّة الخلق الفنى تدفعه ليعتقد أنه أبداً..

أبداً لايمكن أن يرحل..!

أبداً لايمكن أن يزوره الموت..؟

ويشده الابداع يوماً بعد يوم.. بقرة مغمضة العينين تدور فى ساقية نشوة الخلق الفنى..!

تحسّه وتحياه حقيقة .. رغم أنه لاترى شيئاً.. إنه دوّار االإبداع..!

وإن شاء القدر معاقبة فنان خاصمه إبداعاً..؟

احرم ممثل حقيقى من سيناريو أيضا حقيقى.. حتّة حتّة يموت( جوّا نفسه ) ..!

لكنها لعبة الأقدار.. !

ويصمت الفنان الحقيقى طويلاً.. يغمره طول الزمن تعتيقاً.. ويسحرك جمال مذاقه بفعل تخمّر الأيام.. وروعة قِدم أريجه..!

وفى غمامة صدقه .. فانتازيا يصرها العقل خيال ووهم مؤلف.. حلم مبدع.. حتى يجسّدها فنان حقيقى مكدّس حتى النخاع بروح الخلق الفنى.. موصول بحسّ إبداعى.. اختصّه به الله وحده.. دون سواه من الفنانين..!

وإذا بالخيال يفجؤنا حقيقة واقع.. وسراب الحدوتة مىّ حكى.. وعذب وصف.. وقناعة منطق.. يحملها على أكتافه فنان ما أن يختفى عن الصورة حتى تشتاق لأدائه.. وبما يأتى به شبعاً من رؤاه..!

فيقنعك باللامعقول.. بمبررات أداء عبقرى.. وموهبة نادرة.. ويتحوّل إلى لحم ودم.. تغلف وتنساب من صدق مشاعر وأحاسيس.. دون نقص أو عجز.. أو عيب شائبة فى مشهد أو لغة حوار أو.. أو..الخ

يوهب الله منهم طغيان حضور الفنى.. له القدرة علة أداء يسحرك.. يجعل المشاهد يلغى النصّ الأدبى من تساؤلات جماليات ذاك الحلم المرئى.. ويغطى على كل مافيه من عدم اكتمال.. ولما لا..؟

وهو عطاء آلهى لمن وهبه الله الموهبّة.. وسعى فى مضمار الفن يتمرس ليل نهار على  ثقافات العالم .. ولايكتفى فقط بحارة الابداع.. ليغدو جوكر فى جميع مناحى الابداع..!

وغيره.. وغيره..

وتنضح الأرض بعبقرية الممثل.. الممثل المبدع.. الممثل المبع الفنان.. الممثل المبدع الفنان العبقرى..!

 عبقرية الفنان.. ( تشيل) عملاً فنيّا.. ليضعه فى مسيرة أجيال يمنحها القيمة والثراء والمتعة.. ويشعرها أن من بين جنبيها شئ عظيم يسمّى الإحساس..!

فيثمر لنا حياة فنية لاترحل أبدا.. تحمله على أجنحتها سحابات.. تعلو به.. وتتسامى بندى الربّ رقيّاً وارتقاءاً..!

يجد دائما شجناً عاشقاً لرؤياه..!

وعندما يختفى هذا العبقرى.. تترنّح الموهبة.. ويتبعثر الفكر.. ونتوه بحثاً عن حيواتنا الضائعة.. وأحلامنا المنسية.. وغذاء أرواحنا المُشّعة.. تظلل أجيال شابة من الفنانين دون عمد أو قصد..!

ضىّ من نور ينتشى به العقل ..فى عوالم تضجّ.. تحزن وتفرح.. تحب وتكره.. تثوروتغضب.. تتنطّط جوّانا وتزيّت حياتنا حركة وحياة.. !

وعندما نقيم سرادق عزاء.. ونتوجّس خيفة.. ونرتجف من صباح غد.. نهرب فيه يومنا من غثّ حاضر.. يفتقر إلى أقل من (الضئيل) من ما يسمّى بإبداع فنى..!

إن رحيل ابداع حقيقى يعنى موت قلب..!

وافتقاده يعنى خواء روح..!

ومعه يرحل الكثير الكثير من رقىّ الإحساس.. وتسامى الإبداع الفنى..

 

بقلم: أحمد الغرباوى

 

محاضرة

akeel alabodالمحاضر بصحبته ملخص بالمعلومات؛ التفاصيل لم تزل حاضرة في ذهنه، خازن المعلومات الدdrive، اي الفلاش، ملفات من خلالها يتم استعراض الموضوعات، والحاضرون بلهفة يستمعون.

مادة الدرس، ملخص تبتدىء فصوله بالمقدمة، وتنتهي بالغاية من البحث، والخاتمة.

مشروع البحث دائماً امر قائم، يشغل عقول الحاضرين، لعلهم بعد انتهاء الدرس، يتوصلون الى فكرة ما جديدة، اويستانفون ما يبدو لهم من أفكار ومسائل.

موضوع المحاضرة لهذا اليوم The Concept of Human Being- كتب الاستاذ وسط السلايد الخاص بالمحاضرة كعادته، عند منتصف مربع ال PowerPoint-الغاية من المحاضرة: كيف يتم تحرير البشر من ظاهرة العنف الديني؟

اما العنف الديني فمتعلق بنقطة مفادها انك تنظر الى من ينتمي الى دين اخر بطريقة تبتعد بموجبها عن مفردات نظرتك الانسانية، بعد تصنيف الناس هنا، اوهناك، بناء على مفردات الانتماء الديني فقط، فيقال عن  فلان مسلم، اوسيخي، اومسيحي، اوصابئي، وهكذا حيث يتم نسيان مفردات الانتماء الإنساني.

 فالموضوع هو مفهوم الكائن البشري، والمفهوم معناه اننا يجب ان ننظر الى المفردات الانسانية لهذا الكائن، دون النظر الى انتمائه الديني، أوالعرقي، اوالقومي، اوالسياسي، اوالمذهبي، اوالمناطقي، الا مع الضرورة كالزواج مثلا.

فنحن هنا في المؤسسات الجامعية، ننتمي الى بعضنا البعض بناء على مفرد الأغراض والشروط التعليمية، والتي تتطلب منا البحث الدراسي، الالتزام بقوانين الجامعة، كالاحترام، والمحافظة على ألبيئة التعليمية، the protection of educational environment، من خلال محاربة الغش، والتسيب، وتجنب جميع مظاهر العنف، والتمييز.

فأنا الان انتمي إليكم في هذه الجامعة، ليس بعنوان انتمائي الديني، انما بعنوان انتمائي الإنساني اولا، وما تتطلبه شروط الكفاءة العلمية، والاخلاق، والالتزام ثانيا، وهذا مثال يمكن تطبيقه على الطبيب، والمهندس، والعامل، وجميع أصناف المجتمع، حيث  هكذا تتشكل المجتمعات وتنمو.

انت مثلا ترتبط بصديق لك من جنس اخر، او دين اخر، أوبلد اخر، اوثقافة اخرى دون ان تكترث للاختلافات هذه، فارتباطك مع إنسان ما، انما على اساس مفردات ما يجمعك به، فالنموذج الاخلاقي، اوالعلمي لك قد يكون بوذيا، اومسيحيا، أوما شابه،

 فمفردة الأخلاق تأتي  بالمرتبة الاولى، كما مرتبة العلم في هذا الباب، حيث بهما تحيا البشرية جميعا، وبهما ترتبط الثقافات والأديان، والامم جميعا، وبهما يسود السلام، وبهما تتالف الشعوب، وبهما يصار الى برامج وخطط جديدة، وبهما تتهافت مقولة السياسة، هذه التي بسببها يئن العالم تحت وطأة الحروب.

إذن غاية البحث اعزائي الطلبة، وخلاصته، هو اننا يجب ان نعزز مفردات انتمائنا الإنساني مع العالم، لا انتمائنا الديني، اوالعرقي، اوالقومي بناء على مقولتي العلم، والاخلاق.

 

عقيل العبود     

 

إليكِ أنتِ يا طيّبة..

eljya ayshسال الكثير من الحبر في الحديث عن المرأة ومواصفاتها، وحاول كل واحد أن يرسم  لوحة لهذه الأنثى، ليست تلك المرأة التي كتب عنها أحمد  العدوية، التي بلغ صيتها، إنما هي امرأة من نوع آخر، في وجهها تقرأ كل اللغات، كل شيء فيها يتكلم،  قد يخشى أحدنا التقرب منها،  ظنا منه أنها "ساحرة"، أو "جنيّة" تظهر في هيئة بشر، أو ربما هي واحدة من  "الآلهة" التي قرأنا عنها في كتب التاريخ، ...لا... هي بشر مثلنا، تأكل ما نأكله، وتلبس ما نلبسه، تنام وتنهض وتمشي، وتقضي حاجتها مثلنا تماما، ذكرها الله في كتابه وأحسن وصفها..،  "الطيّبة" وصف نادر تتصف بها المرأة، وليست الطيبة بالمعنى الذي يُرَدَّدُ في مجتمعنا بـ:"  ( نَاسْ مْلاَحْ)، ولكن لها معنى روحي، لا يفهمه إلا القليل من البشر، المرأة الطيبة بشرٌ ولكنها مَلاكٌ  في نفس الوقت، هي تلك التي تتحمل جنون الرجل وشطحاته وعناده وهمجيته المعتادة، فهذه المرأة التي خرجت من ضلع رجل، لها طباع وخصائص تنفرد بها عن غيرها،  تشعر أن هناك معاني كثيرة متعددة، تستتر وراء هذا الكائن البشري لو أحسنت معاملته، وأن هذه المعاني تكلفك أشق الجهد وأضناه في سبيل بلوغها، والوصول إليها.

يحلو للكثيرين إلصاق تهم أو مقولات متجنية أحياناً بالمرأة، ولكن لو نظرنا إلى انفتاح المجتمعات على بعضها وعلى الشعوب غير المتجانسة في الوقت الحاضر، وما تتميز به من انقسامات  لوجدنا حياة المرأة تختلف من مجتمع لآخر، وقد بدأت حياة الأسرة في المجتمع المسلم تتغير وتذهب نحو التفسخ، وظهرت جمعيات تدعو إلى التحرر المطلق والاستهتار المتعمد والمستمر للمظهر، أي الدعوة إلى العري بحجة العودة إلى الطبيعة التي خلقنا عليها الله، لولا بعض القلوب الصافية الطاهرة، التي ما زالت متمسكة  بالقيم والمبادئ، وظلت متشبثة بها رغم ما طرأ على الحياة العصرية من تغير، تقول النظرية الاجتماعية أن الفطرة الإنسانية يستهويها الجمال، وقد نصت السُّنة النبوية على أن مما يغري الرجل في الارتباط بالأنثى جمالها….كل هذا منطقي ولا شك فيه، لكن ما قيمة الجمال إذا كان الجانب النفسي والروحي فيها سيئ وخبيث.

إن الفرق بين المرأة الطيبة والخبيثة كالتي قال فيها الله: "ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء،  تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها،  ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" ( الآية 24-27 من سورة إبراهيم)، فالمرأة الطيبة كالشجرة الطيبة تعطي بلا مقابل، وبلا شروط، والمرأة الطيبة لا تسمع منها سوى الكلام الطيب، هي مثل الشجرة التي يرمونها الناس بالحجارة فترميهم بالثمر، هي باختصار شديد صاحبة القلب الكبير بحب الناس، القلب الذي لا يعرف معنى الكره والعداء، القلب المفعم بالخير والفضيلة،  لا مكان فيه للغرور والتكبر، حتى يخيل إليك أنها تعيش في عالم لا وجود فيه للشر، عالم كله طيبة، هناك  طبعا مئات من الأسئلة في مخيلة كل واحد منا، ولكن ألا  تستحق هذه المرأة الطيّبة أن نثني عليها بل ننحني أمامها إجلالا وتقديرا، لأنها صانعة للحياة والسعادة.

 

علجية عيش

 

حديث في اللغة (33): (كِـلا) و(كِـلْـتا) وإعرابهما

faroq mawasi(كِـلا) و(كِلتا) كل منهما اسم مصوغ للدلالة على التثنية، فـ (كلا) للاثنين، و(كلتا) للاثنتـيـن، وهما يعربان حسب موقعهما في الجملة.

لا ترد (كِلا) ولا (كلتا) إلا مضافة، فإذا أضيفت إلى اسم ظاهر كانت اسمًا مقصورًا تُقدَّر عليه حركات الإعراب الثلاث (مثل كلمة الفتى)، ففي قولنا "سلمت على كلتا الصديقتين"، نعرب (كلتا) اسم مجرور بعلى، وعلامة جره الكسرة المقدرة على آخره، و (الصديقتين)- مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء لأنه مثنّى.

أما إذا إضيفت إلى الضمير، فعندها تلحق بالمثنى، حيث ترفع بالألف، وتنصب وتجر بالياء.

إذا أردت إعراب أحدهما فانتبه هل وردت بعد اسم مؤكد يعود الضمير إليه، نحو:

صدق الشاهدان كلاهما، وصدّقت الشاهدتين كلتيهما.

إعراب (كلاهما)= كلا توكيد معنوي مرفوع، وعلامة رفعه الألف لأنه ملحق بالمثنى، و الهاء ضمير في محل جر مضاف إليه، و (ما) علامة التثنية.

إعراب (كليهما)= كليـ  توكيد معنوي منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بالمثنى، و الهاء ضمير مبني في محل جر مضاف إليه، و (ما) علامة التثنية.

* الضمير قد يكون هاء الغائب (كلاهما، كلتاهما)، أو كاف الخطاب (كلاكما، كلتاكما)، أو نا – للمتكلمين= (كلانا، كلتانا).

ترد الجمل غالبًا بدون اسم مؤكد، ولا تكون أي منهما توكيدًا، نحو: توجهت إلى كليهما، فـ (كلي) اسم مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بالمثنى.....إلخ

كلاكما عزيز عليّ،  فـ (كلا)- مبتدأ مرفوع وعلامة رفعة الألف لأنه ملحق بالمثنى، والكاف مضاف إليه، (ما) علامة التثنية...

(كلا) و (كلتا) كل منهما اسم مفرد لفظًا، مثنى في المعنى، لذلك فعند الإخبار يجوز الإفراد، نحو: كلا الرجلين كريم، وكلتا الفتاتين حضرت، لأن اللفظ مفرد، وهذا هو الأفصح في كلام العرب.

لكن يجوز حمل الإخبار على معنى التثنية: كلا الرجلين كريمان، وكلتا الفتاتين حضرتا.

هذا الجواز جُمع بينهما  في  قول الشاعر:

كلاهما حين جدَّ السير بينهما *** قد أقلعا، وكلا أنفَـيْـهما رابي

مع  هذا الخيار في الإفراد والتثنية فقد لاحظت أن الأغلب يرد في الإفراد، كقوله تعالى:

"كلتا الجنتين آتت أُكُلَها" -  الكهف 33.

ولنقرأ قول المعري:

فذا عمرٌ  يقول وذا علي *** كلا الرجلين في الدعوى غبيُّ

والمتنبي كان يهجو رجلين قتلا جرذًا، وكان ذلك في صباه:

كلا الرجلين اتّلى قتله *** فأيكما غلّ حرَّ السلب

صريع الغواني:

ولنا بها كأسا هوى كلتاهما *** توهي القويَّ وتفتـر الأوصالا

ففي الأبيات المذكورة وردت كل من (كلا) و (كلتا) مبتدأ وعلامة رفعه الألف، وكان الإخبار واردًا بلغة الإفراد.

 

أ.د  فاروق مواسي

 

الفراشة

akeel alabodبرقة كانت تحاول ان تجتاز فضاء من فضاءات شارع، ابتعدت ارصفته قليلا، لتحاور نفسها بعيدا عن الضجيج، وزحمة العابرين. السيارة المارقة كانت تسير بسرعة تفوق معدلات السرعة المفروضة على السائقين. لم يبق أمامها الا برهة قصيرة للحيلولة دون ان ترتطم بتلك الكثافة التي كان سائقها يسوق بسرعة مذهلة.

طارت بعيدا، حيث كتب لها ان تنجو كما يبدو، والسبب يعود الى انها كائن برقته، لا يمكن لأي كتلة ان ترتطم به اثناء التحليق، هذا ما فكر به صاحبي، لذلك لم يكترث حينما نظر الى طيرانها وهي تتجاوز الجهة العليا من مركبته دون خوف.

لكأنها تحمل عند أجنحتها موجات تشبه في سرعة انسيابها حركة الضوء، ناهيك عن تلك الصبغة التي لشفافيتها تذوب لحظة الامساك بها. الزهرة بالنسبة اليها محيط تنجذب اليه، لكأنها تموت بعيدة عنه، انفاس بها تعطر أثوابها كما لحظة احتفاء، يتبعها عرس من أعراس عالم غض.

الرقة في الزهرة تجعلها اكثر انجذابا للعطر المحلى بانفاس الرحيق. لذلك تذوب تراها في رحلة يجمعها الربيع.

 

عقيل العبود   

حينما يتكلم الوجع

saleh altaeiحينما تزدحم ضحكات الأطفال في الطريق إلى الجنة، فأعلم أن الدواعش كفروا من جديد، وفجروا من جديد!

*  *

في الجنة أطفال يلعبون، والرب ينظر إليهم مسرورا لفرحهم، لكنهم بلا أجساد!

*   *

هناك في السماء والرب ينظر، سألته الملائكة: لماذا تلبس نصف قميص؟

قال: لأن النصف الآخر احترق بالانفجار!

*   *

تعجبت الملائكة وهي ترى وجه طفل، كان يدور في طرقات الجنة، يبحث عن جسده!

*   *

في الجنة أياد تحمل سلال رمضان تنتظر أن يعود لها جسدها لتوزعها على الفقراء!

*   *

لو كانت الحور العين فتيات هوى  لما هان على الله أن يعطيهن للدواعش!

ومهما كانت رحمة الله واسعة لن يغفر للسياسيين!

*   *

زفت الملائكة شابا كان يشترى احتياجات عرسه في الكرادة، ولم تجد عروسه في مكانها لأنها احترقت بالانفجار!

*   *

يخجل العيد أن يطل برأسه علينا

ونخجل أن نعد أنفسنا بشرا وبيننا الدواعش!

 

صالح الطائي

 

احتفالات العيد طقوس كرديّة نقلوها إلى العرب والمسلمين

narian omarكان لأعياد ديريك أجواء مميّزة، ولنا معها ذكريات رائعة ﻻ تنسى، ولكن لنلقي أوّﻻً نظرة على تاريخ هذا العيد وأهمّ المراحل التي مرتّ بها احتفاﻻت العيد وعلى مرّ العصور المختلفة: 

كانت الدّعوة الإسلامية التي دعا إليها النّبي محمد (ص) قد انتقلت إلى مرحلة مهمّة وخاصّة بعد انتقاله وهجرته إلى يثرب التي سميت تكريماً له بالمدينة المنوّرة فيما بعد، وقد ﻻحظ أنّ سكّان يثرب يحتفلون بمناسبتين أوّلها في الأوّل من شوال، والثّانية في شهر ذي حجّة، وفي السّنة الثّانية من الهجرة فرض الصّيام في شهر رمضان، وبعد شهر من الصّيام والقيام كان يأتي العيد، وكانت من أهمّ شعائره صلاة العيد -كان شهر رمضان يسمّى عند العرب ناتق، وعندما أرادوا تغيير أسماء الشّهور تزامن ذلك مع موجة حرّ شديدة أي  الرّمض أو الرّمضاء، ومنه اشتقّ اسم رمضان- واستمرّ الأمر كذلك في العهد الأمويّ إلى أن جاء العصر العبّاسيّ، وفيه تمّ التّطور الأبرز على العيد وطقوسه، فنتيجة اختلاط العرب الكثير بالكرد والفرس انتقلت بعض العادات والتّقاليد الكرديّة إليهم، ومن أبرزها "اﻻحتفاﻻت بالعيد" ومعلوم أنّ الكرد لعبوا دوراً رائداً في الثّورة العباسيّة حيث كان أحد أهمّ وأبرز قادة العباسيّين من الكرد وﻻسيما القائد أبومسلم الخراساني - وتسميه المصادر العربية باسم ابراهيم الزرقاني، بينما بعض المصادر الكرديّة فتسميه بهزاد اي المولود من الحزن- أسرة البرامكة التي بلغت درجة عالية من المناصب قبل أن تحلّ عليهم نكبتهم المشهورة في عهد هارون الرّشيد، والمؤسف أنّ معظم المصادر العربية تنسب الكثير من الشّخصيات الكرديّة إلى الفرس وهذا فيه غبن كبير، فالفرس كانوا تحت حكم أقربائهم الكرد وحتى بعد تمكّن قورش من اﻻنقلاب على جدّه الكرديّ اقتبسوا الكثير من الكرد، وعلى سبيل المثال الدّيانة التي كانت محور الحياة في تلك العصور سواء اليزدانية أو حتى الزرادشتية التي تنسب إلى شخص كورديّ يدعى زرادشت، وعليه اقتبس المسلمون من الكرد والفرس ارتداء الثّياب الجديدة أثناء العيد، وكذلك عادة توزيع الحلوى في يوم العيد وكانت تسمّى الحلوى اﻻيرانية - ايران هنا تعني أرض الآريين وليس كما يظنّ البعض أنّها تعني الفرس- فضﻻ على أنّ قيام الأطفال بالطّواف على البيوت وأخذ الحلوى قد بدأت في هذا العصر، واستمرّت تلك العادات حتى يومنا.

إذاً، فاحتفالات العيد وتوزيع السّكاكر والحلوى، وزيارة الأطفال للبيوت وتبادل الزّيارات بين العائلات والنّاس كلّها طقوس كرديّة انتقلت إلى العرب والمسلمين في العصر العبّاسيّ.

سابقاً في ليلة العيد كنّا نترقّب إطلاق المدفع لثلاث طلقاتٍ متتالية بإيذان العيد، ومن ثمّ تكبير المؤذن أو الإمام في الجامع معلناً بدء العيد صبيحة اليوم التّالي، وبعد ظهور التّلفزيون بدأنا ننتظر إعلان التّلفزيون عن أوّل أيّام العيد، كما نتشوّق لرؤية النّشرة الجويّة، لنتعرّف على الجوّ في يوم العيد. 

كنّا نتلقّى ثياب العيد من أهلنا بتمام الرّضا ودون أيّ اعتراض، وصبيحة العيد كنّا نتوجّه إلى بيوت الجيران أوّلاً وكيسنا بين يدينا يتلهف لتلقي السّكاكر والحلوى الّلذيذة، ثمّ نتوجّه إلى مقابر المدينة حيث تعجّ بالرّجال والنّساء الذين يزورون قبور أهلهم وذويهم، وبعد أن كنّا نحصل على نصيبنا، نعاود طرق أبواب بيوت الحارات والأحياء لنحصل على حصّتنا.

بعد الانتهاء من ذلك كنّا نتوجّه إلى ساحة قريبة من المطحنة الكبيرة على طريق عين ديور، وفيها كان هناك رجل يجلب في كلّ عيد ألعاباً مختلفة وجميلة، وفي موازاة السّاحة كان يكمن بيت الحاج محمد ايسو صاحب أشهر وأحبّ مرجوجة إلينا نحن الصّغار، وكنّا نتأرجح فيها وقتاً طويلاً، وهو يقول وينادي.. يا حجي محمد فنردّ بأعلى صوتنا… يو.. يو

بعدها كنّا نتسابق على صعود ذلك الباص العتيق أو الدراجة ذات الثّلاثة دواليب لتقلنا إلى بيت الشّيخ ابراهيم حقّي -طيّب الله ثراه- في قرية "بانه قسري؟ لنأكل ونشرب عندهم،  وكنّا نفرح كثيراً، لأنّنا نأكل من بركات الشّيخ وبيته، وكنّا نتوجّه فيما بعد إلى قبّة الإمام علي، نطوف حولها سبع مرّات، ونعقد ونربط الخيوط وقطع الثّياب المعلّقة بشجرة مزروعة بحوش القبّة بالإضافة إلى حكّ حجر الفخّار بحائطها تيمّناً بتحقيق أحلامنا ودعواتنا وأمنياتنا.

كنّا نقوم بكلّ هذا طيلة أيّام العيدين الفطر والأضحى، حين كان للعيد رونقه، وطعمه وملذّاته، وحيث كان الجميع من دون استثناء من الرّجال والنّساء والشّبان والصّبايا والكبار والصّغار في المدينة والقرى التّابعة لها يتبادلون تهاني وزيارات العيد خلال أيّامه الثّلاثة أو الأربعة وحتِّى فيما بعدها بأيّام وأيّام، وكانت تُحَلّ خلالها المشاكل العائليّة والاجتماعيّة المختلفة والعويصة، وكانت أيّاماً للعفو والتّسامح وتناسي الأحقاد والخلافات.

وهناك ذكرى ترفرف في ذاكرتي كلّما أتذكّر العيد، فعلى الرّغم من أنّنا كنّا نجمع أكياساً من الحلوى والسّكاكر إلا أنّنا -أبناء وبنات الحارة- لم نكن نحسّ بطعمه إلا بعد أن نذهب إلى حانوت العمّ "موسى العطّار" ونشتري منه حلوى كانت تسمى "حامض حلو" معقودة بخيط طويل على شكل سلسلة، وكان حانوته بجانب بيتنا الواقع حينذاك على طريق عين ديور.

 

نارين عمر، بهجت أحمد

 

هذا الشاعر.. هذه القصيدة.. هذه الاغنية

khalidjawad shbaylإلى الشاعرة وئام ملا سلمان، إن هي إلا استراحة مرتحِل ألقى بعصاه هنيهة، وسيواصل رحلته بعد العيد! الذي استقبله البهاء زهير م.الرمل:

قد أتى العيدُ وما عِن – دي له ما يقتضيهِ

غاب عن عينيّ فيهِ – كلّ شيءٍ أشتهيهِ

ليت شعري كيف أنتم – أيها الاحباب فيهِ

***

أما القصيدة فشاعرها زهير بن محمد المهلبي العتكي الملقب بهاء الدين والمكنى بأبي الفضل والمشهور ب البهاء زهير(581ه-656ه/1186م-1258م)، ولد بمكة ونشأ بقوص من صعيد مصر؛ من العصر الأيوبي، ترجمته وافية في وفيات ابن خلكان، شاعر الرقة والعذوبة واللغة السهلة المنسابة الى القلب قبل الأذن، هو شاعر القصائد المُرقصة بموسيقيتها، وسلاسة سكبها في البحور الخفيفة القصيرة، لا تجد في كلماتها غوامضّ ولاشواردّ، فطارت سمعتها وحفظها عشاق شعر الغزل وغنّاها المغنون.

 هو محب للدنيا بغير إسراف، وهو محبوب عند كل من عرفة، سجّل عنه ياقوت الحموي البغدادي (547-626ه)- في معجم الأدباء - الذي التقاه عند مكثه في القاهرة وقال فيه كلِماً طيباً في بساطته وتواضعه، وكان يقضي حاجات الناس غير منتفع منهم عند الملك الصالح بن أيوب، الذي اتخذ من شاعرنا نديماً وصديقاً وفيًاً وجليساً لطيفاً اصطحبه معه في رحلاته وغزواته في الشام وأرمينيا.. لكون زهير شاعراً رقيقا حُلوَ الحديث واسع الثقافة!

من يقرأ قصائد زهير ويُنعم النظر فيها سيدخل في روح الشاعر الخفيف وسيكتشف أن شعره أقرب إلى هموم الناس في عواطفهم ويبدو في لغته سهلاً ممتنعاً واضحاً مفهوماً، فالبهاء شاعر مصري بكل معنى الكلمة فيه من مصر خِفة ظلَّها وسرعة بديهتها ومرحها والفة ناسها وحبهم للنكتة والمرح ولا أدلَّ على ذلك من مداعبته جارته الأرمنية بقصيدة من الطويل:

تكلّمني بالأرمنية جارتي – أيا جارتي ما الأرمنيةُ من طبعي

وفي أصعب ظروفه وحزنه على ولده لم يعدم خفة الشعر ورشاقة الأسلوب وهو يخاطب نفسه راثياً إياه، لذلك جائت على شكل مونولوج داخلي حتى لو اتخذ صيغة المخاطب،  على الوافر مستهلها:

نهاك عن الغواية ما نهاكا – وذقتَ من الصبابة ما نهاكا

وطال سراك في ليل التصابي – وقد أصبحت لم تحمد سراكا

بروحي من تذوب عليه روحي – وذق يا قلب ما صنعت يداكا

وعندما أقول هو شاعر غنائي، لا بالمصطلح الشعري فحسب بل كان وما يزال المغنون يجدون في شعره كنوزاً مثالية للتلحين والغناء للخصائص التي ذكرنا بعضها، ففيها من غناه أرباب المقام العراقي واخص منهم المطرب الكبير يوسف عمر من البنجكاه/رست قصيدة م.الرمل:

كلّ شيء منك مقبولُ – وعلى العينين محمولُ

والذي يرضيك من تلفي – هينٌ عندي ومبذول

أما صباح فخري فغنّى إحدى روائع زهير من الطويل قصيدة:

حبيبي على الدنيا إذا غبتَ وحشةَ – فيا قمري قل لي متى أنت طالعً

وغنّت الفنانة الكبيرة عفيفة اسكندر العديد من الأغاني للبهاء وكثيراً ما اختارها لها العلَامة الدكتور مصطفى جواد والأديب فؤاد عباس ومنها هذه م الرجز:

باللهِ قل لي خبرَكْ – فلي ثلاثٌ لم اركْ

يا أسبقَ الناسَ إلى – مودتي ما أخّرَكْ

وغنًت ايضاً م. الخفيف:

غبت عنّي فما الخبرْ؟ - ما كذا بيننا اشتهرْ

أنا مالي على الجفا – لا ولا البعد مصطبرْ

أما ناظم الغزالي فغنّى له من الوافر:

يامن لعِبت به شَمولُ – ما ألطف هذه الشمائلْ

نشوانُ يهزهُ دلالُ – كالغصن مع النسيمِ مائلْ

***

وعودة الى قصيدتنا:

 يعاهدني لا خانني ثمّ ينكث

 

يعاهدني لا خانني ثم ينكثُ – وأحلف لا كلّمتُه ثم أحنثُ

وذلك دأبي لا يزالُ ودأبُه – فيا معشرَ الناسِ اسمعوا وتحدّثوا

أقول له صِلني يقولُ نعم غداً – ويكسر جَفناً هازئاً ثم يعبثُ

وما ضَرّ بعضَ الناسِ لو كان زارنا – وكنّا خلوْنا ساعةً نتحذّثُ

أمولايَ إني في هواك معذَّبٌ – وحتى مَ أبقى في العذابِ وأمكُثُ

فخذ مرّةً روحي تُرِحْني ولم أكُن - أموتُ مراراً في النهار وأُبعَثُ

وإنّي لهذا الضيم منك لحاملٌ – ومنتظرٌ لطفاً من الله يحدثُ

أعيذك من هذا الجفاء الذي بدا- خلائقُك الحسنى أرقُّ وأدمثُ

تردد ظنُّ الناس فينا وأكثروا – أقاويلَ منها ما يطيبُ ويخبُثُ

وقد كرمت في الحبِ منّي شمائلي – ويسألُ عنّي من أراد ويبحثُ

 

عندما سمعت هذه القصيدة مُغنّاة لم أكن أتصورها من بحر ثقيل كالطويل، وذلك لخفة الشعر وانطلاقته وسهولته، حتى تصورت أن بعض الأبحر يثقل وبعضَها الآخر يخفُّ وفقاً لشاعرية الشاعر وحسن تحليقه في القصيدة وقدرته على موائمة القصيدة للبحر وكذلك على حسن استخدام البحر نفسه أي أن لغة القصيدة وجمالها يمنح البحر مزاياً إضافية تتعدى تفعيلاته!

والشيء الآخر هو أن هذه القصيدة ذات قافية بروي الثاء! والثاء هو حرف اللثغة فمن كان أدردً يحول السين الى ثاء فيقال عنه ألثغ.. وقد ذهب الثاء بكثير من سين الاسبانية فحولّها إلى لثغاء على خلاف الفرنسية اللاثغة بالراء فتزداد غَنجاً على لسان بنات السين!!

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجد أن القوافي الثائية وهي نادرة حيث لابن الرومي عاشق القوافي النادرة عدة قوافي ثائية وكذلك الحال مع أبي العلاء المعري؛  جاءت ثائية البهاء زهير بصيغة أفعال عدا مرة واحدة اسم تفضيل "أخبثُ" ولا تجد بينها اسماً غيره قط! زد على ذلك فواعل الأفعال مضارعة عدا مرةً واحدة أمر " تحدّثوا" تكون بضمائر مستترة: الأنا والهو والأنت والنحن، ومع ذلك استطاع أن يروضها ضمن سياق القصيدة المنساب بتلقائية كأنه خرير يصحب انسياب الجدول!!

لحن الأغنية من الجهاركاه وهو من أكثر الأنغام بهجةً وروحانية  يشمل مقامات مثل خلوتي وماهوري والطاهر.. وطالما نسمعه في صلاة العيد في التكبيرات ضمن تلاوة العيد، الأغنية من تلحين الملحن العراقي اليهودي صالح الكويتي (1908-1986)، وعندما أذكر دينه لسبب ن روائع ألحانه والحان أخيه داوود (1910-1976) كانت تذاع من الإذاعة والتلفزيون من دون أن يذكر اسمهما رغم انهما أثريا الغناء العراقي بروائع الالحان العراقية الأصيلة المطوَّرة فلا بد من رد الاعتبار لهما وتكريمهما فالعراق أولى بهما من إسرائيل!

 أدت هذه الأغنية سليمة مراد (1905-1974) ذات الصوت القوي الجميل والذي يظهر جماله في الجوابات بشكل خاص وهو من طبقة الميزو سبرانو.لقد اشتهرت هذه المطربة المتميزة بأصالة الأغاني البغدادية من مقامات وبستات وحتى الأغاني الريفية مثل - الأبوذية- التي قدمتها بفضل كلمات الشاعر عبد الكريم العلأف والحان صالح الكويتي. وفي عم 1935 حين زارت أم كلثوم العراق حيث قدمت حفلاتها على مسرح فندق الهلال، ذهلت عند سماعها لسليمة مراد وهي تغني "كلبك صخر جلمود ما حن عليّ" فطلبت منها ان تدربها على الأغنية وغنّتها أم كلثوم وسجلتها على اسطوانة بصوتها!

ويلاحظ أن أغنية " يعاهدني" ذات تمبوعال وإيقاع سريع وهو الجورجينا؛ وهي تمثل إنموذجاً جلياً على قدرة الفنان صالح الكويتي على تطوير الغناء العراقي مع المحافظة على أصالته.. وقد سجّلت على فيديو في الكويت لها ولزوجها ناظم الغزالي (1923-1963) الذي أحيى عدة حفلات.. حيث لم يتحصل التلفزيزن العراقي يوم ذاك عام 1962 على جهاز فيديو وبذلك حرِم كثيرٌ من الفنانين العراقيين من توثيق أغانيهم بالصوت والصورة للأسف!

https://www.youtube.com/watch?v=BwSkMyCSac0

 

خالد جواد شبيل

رام كم هنغ 3 تموز/يوليو 2016

 

 

العصفور

akeel alabodطائر مليء بالزقزقات، أنثاه، تحب الأشجار والسماء، تلتقط حبات القمح، لعلها تفلح في إطعام فراخها الصغار.

بيتها قش تخلفه التفرعات النحيفة، المتهاوية من الأشجار، أو أعواد الخشب الصغيرة، تلك التي تذروها الريح في ايام قد تكون عاصفة، اوربما في خريفات تصفر فيها أعشاب نباتات يملأها الذبول، لتتساقط وريقاتها.

السعادة بالنسبة اليها، هو تلك الرقائق، والأعواد، تلتقطها بدقة بارعة، عبر منقارها الصغير، هذا الذي عندما تراه، لم تكن تصدق انك من خلاله يجمعك عالم متكامل، يضم بين جوانحه هذا الدفء المتناسل من عاطفة تجتمع فيها لغتان صامتان؛

الاولى، هذه العاطفة التي تنتظر البويضة فيها شرنقة منها ينبثق دفء الزقزقة القادمة، 

اما الثانية، فهي ألفة ترتبط حباتها بذرات القمح المتناثرة عند مطبات الأنهار، او الارض اليابسة ربما، الام تلتقطها هدية،  لعلها تحتفي مع صغارها الذين يتطلعون دائماً ، الى إشراقة  الشمس، ولحظة الولادة.

لذلك تراها عبر منقارها الصغير  نفسه تزق الصغار رحيق المحبة.

صغير بحسب الوصف منقارها، لكنه يفترش السماء برائحة النهار، كما تفترش الارض بذور محبتها إكراما لهؤلاء الذين عبر جناحيها يكتحل العالم، مبشرا بولادة قمح ًو ربيعات وعصافير، ذلك عبر القش الناحل من فصل الخريف.

 

عقيل العبود

 

صروح بغداد في رواية "الإنهيار" لرسلي المالكي

yousif hadayحال قراءتي لرواية "صروح اسطنبول" للروائي التركي أحمد أوميت، ابتدرني سؤال حول استنساخ هذه الرواية بأخرى، نسميها"صروح بغداد". يبدو أن الفكرة نفسها داعبت مخيلة الروائي العراقي رسلي المالكي فكتب روايته الاولى "الانهيار".

تقوم رواية صروح اسطنبول على بنية بسيطة جدا، تتكيء إلى حد ما على رواية شيفرة دافنشي من حيث حبكتها البوليسية والاشتغال على الرموز. بيد أن فكرة دان براون كانت تقوم على الغور تاريخ الديانة المسيحية والمشاكل الكنسية في بداية نشوئها، على العكس من رواية أحمد أوميت التي توغلت في التاريخ التركي القديم، وجاءت فكرتها جلية في عنوانها، وهي تسليط الضوء على الشواخص العمرانية في مدينة اسطنبول وظروف بنائها، وأهم المعماريين في تاريخها. وعليه فإن رواية "الانهيار" لرسلي المالكي تكون أقرب إلى رواية "صروح اسطنبول" منها إلى رواية "شيفرة دافنشي". فرسلي المالكي في روايته البوليسية القائمة على رموز وشيفرات، لنا أن نطلق عليها رواية "صروح بغداد". حيث يجول بنا الكاتب في كل أنحاء بغداد وتاريخها القديم والحديث، يشرح لنا ماهية شواخصها وظروف انشائها، فنزور معه مقبرة الانجليز، ونصب الحرية، وندخل في دهاليز الجندي المجهول، وكنيسة الارمن ومقام الخضر، كما يعدد جسور بغداد، ويغور في تاريخ الف ليلة وليلة، وكل ذلك بزمن روائي قصير حيث يقوم مهدي ومها بالبحث عن الكنز بطريقة شبيهة للطريقة التي كان يبحث خلالها المحقق التركي مع معاونيه علي وزينب عن المجرم المجهول.

 رواية "الانهيار" ليست محاكاة بقدر ما هي تقليد، ولكنه تقليد محبب أظهر لنا عملا فريدا يسلط الضوء على "صروح بغداد".   

 

يوسف هداي ميس

 

لوحة الفنان بين علم النفس وفكرة الألوان

akeel alabodنظرت تماماً الى الشجرة، وهنالك قربها توزعت بصيرتي صوب ساقية قريبة، الى كوخ فلاح كان يمسك بيده اداة لحراثة الارض، ما يسمى بالمسحاة،  وهنالك ايضا كانت الشمس، قد أشرق منها بعض الأقراص.

الحمار كان يدور صوب منخفض مائي، بصحبة حاوية، كانت تتعاضد معه، لإسقاء ذلك المكان من الحقل.

البط، والدجاج ، والتنور، والديك، كانوا أشبه بفصيل حراسة متقدم، وفي الزاوية تلك، الزهرة الحمراء، كانت تحوم حولها نحلة، كأنها جاءت من مكان بعيد، طمعا بأداء مهمتها لصناعة العسل.

الديك وقف في مكان ثان، وراح يصيح بصوته، كأنه يبشر بميلاد يوم جديد، البط كأنه يدور حول منتجعه، تلك الساقية التي احبها منذ زمن بعيد.

الفلاح يحرث تلك البقعة، التي امتدت بعض خضرتها، لتتعانق مع البعض الاخر.

الطيور ابتدأت أجنحتها ترفرف في السماء، الفضاء رغم انه بعيد، لكنه امتد صافيا نقيا، كصفاء تلك الزرقة من ماء الساقية. 

اللوحة بقيت في ذاكرتي متسقة بمكوناتها، تتجاذب معها لغة التنوع، اللون لكل صنف من أصنافه حكاية، ولكل حكاية من حكاياته طباع ومزايا، تختلف في صورها، واطيافها من مكان الى مكان.

الألوان منابعها تختلف، باختلاف المكان، تأثيراتها  تعكس ذلك النوع من الإحساس القابل للانبساط، والامتداد، فالعين ترى اللون، وتذهب به الى العقل، ويذهب العقل به الى النفس، ومن النفس، الى العقل ثانية، حيث الأحساس مفردة تنتمي الى النفس؛ تترجم ما تشعر به النفس، والفنان مهمته مطابقة اللون، مع الصورة التي أمامه، وتشكيلها بطريقة تنسجم مع الموضوع.

فاللون الأخصر، يتناسب مع لون الخضرة والأشجار، اما الأحمر في اللوحة،  فهو الشفق، ويقترب إليهما في الانسياب اللون الأزرق، حيث في موضوعه يجتمع الصفاء، مع البهجة والسرور.

وبهذا تكون اللوحة قد افلح صاحبها في توزيع مسارات هذا التجاذب، والتنافر، الذي يشبه في علم النفس شخصية الانسان، وطباعه المختلفة.

ولهذا تجد ان لكل لون في اللوحة طبع، ولمجموعة هذه الألوان طباع، والطباع هذه وفقا لفلسفة الألوان وموضوعاتها، تشكل هارمونيا يمكن الاستفادة منها في التجاذب الموسيقي، حيث صياح الديكة في الصباح، علاقته ترتبط بمؤثرات  الشروق، وألوانها، وهدير الأمواج، صوته يرتبط بحركة الريح، واختلاف اتجاهاتها، وحفيف الأشجار، والمطر تناغمات لها مسارات وتجاذبات، تشبه انطباعات النفس، واستجاباتها.

وفكرة القول، انه وفقا لموضوعة المدارات الحسية للصورة، وتجاذبات اللون، وهارمونيا الصوت، يمكن التأثير على الحالة النفسية، واستخدام  الملاحظة المذكورة، للقيام بتجربة يمكن اتباعها كعلاج في الطب النفسي.

 

عقيل العبود

 

من (أور) إلى (أورو)

khadom finjanلم تنتبه المراكز العلمية حتى الآن إلى التطابق الجغرافي والتشابه الديموغرافي المذهل بين أهوار جنوب العراق، وأهوار (البيرو) في قارة أمريكا الجنوبية.

لو سنحت لك الفرصة للتجوال في أهوار (أورو Uro) الأمريكية، ستشعر على الفور أنها نسخة مستنسخة من المسطحات المائية المحيطة بعاصمة الحضارة السومرية (أور Ur)، حتى يخيل للمتجول إن السومريين غادروا بيوتهم القصبية في (أور)، وانتقلوا قبل عشرات القرون، من قارة آسيا إلى قارة أمريكا بمركبات فضائية خرافية، لينشئوا حضارة أخرى بالاسم نفسه (أورو)، ويشيدوا أكواخ القصب والبردي على الطريقة الشائعة في هور العمارة، والأدهى من ذلك إن اللغة التي يتحدثون بها هناك اسمها لغة (العمارة Aymara). وربما تتسع دائرة الدهشة عندما ترى الناس هناك يتنقلون فوق الماء بواسطة القوارب المصنوعة من القصب والبردي، والمتناظرة من حيث الشكل والمواصفات مع القوارب الشائعة في أهوار العراق، ولها انحناءات وتقوسات تشبه إلى حد بعيد تقوسات (المشاحيف) و(الأبلام)، وتجدهم يستعملون المردي في قيادة تلك القوارب والتحكم بها.

أغرب ما تشاهده هناك الجزر العائمة المصنوعة من تراكمات القصب والبردي، وكأنك تتجول في هور الجبايش، فتشاهد تقوسات الأكواخ الكبيرة، التي تشبه مضايف جنوب العراق، وربما تفاجئك التراكيب الهندسية، التي تحمل ملامح التناظر بين مدرجات زقورة (أور) ومدرجات أهرامات (المايا)، فكل ما تشاهده هناك يوحي إليك بإيحاءات تأخذك من حيث لا تدري في رحلة خيالة نحو مركز الحضارة السومرية جنوب العراق.

ما يلفت الانتباه أيضاً في معتقدات السكان. أنهم يعبدون آلهة (الشمس)، بمعنى أنهم يعبدون (أوتو)، وهو إله الشمس عند السومريين، وابن الآلهة (عشتار)، ويلفظ بالأكدية (شمش)، والغريب بالأمر إن سكان  أهوار (أورو) أو (هورو) في البيرو، يطلقون اسم (تيتيكاكا Titicaca) على أكبر مستنقعاتهم المائية، وتعني (آلهة الشمس)، لكن الأكثر دهشة، إن تلك الأهوار كانت هي الملاذ الآمن للثوار الفارين من بطش الحكومة البوليفية، شأنها شأن أهوار جنوب العراق، التي  كانت هي المأوى المنيع، الذي لا تصله السلطات في كل الظروف والأزمنة.

ختاما نقول: كم كان المستكشف الكبير (صموئيل نوح كريمر) على حق، عندما أكد في كتابة الموسوم (يبدأ التاريخ في سومر History begins at Sumer) على أن معظم السلالات البشرية خرجت من رحم الميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين)، التي انجبت الرجال الذين أقاموا أركان مهد الحضارات، ولا نستبعد أن يكون سكان (أورو) ينتسبون إلى المملكة السومرية في (أور)، وإلا بماذا تفسرون هذا التناظر والتطابق والتشابه بين الاثنين؟؟.

 

كاظم فنجان الحمامي

 

واحة في محيط الرمل

shaweqi moslmaniـ ما يُدرَك مِنَ البعض قد يطرأ للكلّ. 

ـ الثرثرة هي عندما لا يريد أحد أن يسمع أحداً.

ـ الشريعة الهمجيّة لا تزال ذاتها: اكتسحْ قبل أن تُكتسَح.

ـ من يحقد على غيرك انتظرْ منه دورك.

ـ تعدّدت الطوائف والموت واحد.

ـ ليس بالحظّ فقط يحيا الإنسان. 

ـ يعتقد "حسَنُ النيّة" إنّ الخير يُبعث لا يُصنع.   

ـ يعتقد "حسَنُ النيّة" إنّ الخير ينزل لا يصعد.

ـ ما أصاب المرءَ التردّدُ إلاّ قتله. 

ـ لا يعجّل بالأجل مثل الإهمال والكسل.

ـ عندما تطول أظافرُ المرء انظرْ في حالته الصحيّة والنفسيّة.

ـ طاقته على الكلام أعلى بما لا يُقاس من طاقته على الفعل. 

ـ إذا رأيت أذنين طويلتين تنبتان فجأةً في رأس، اعلمْ إنّ صاحب الرأس هذا كائن ميؤوس منه. 

ـ من يترك العقل له المتاهة.  

ـ من يعمل بالسياسة، ومهما كان شأنه أو موقعه، يجب أن يفكّر كقائد، ولكن في زمان الإنحطاط يفكّر كثيرون كمرتزقة.

ـ يا فرحتي أن أعلم بما سيكون ولا خيار لي برفضه؟.

ـ يجب أن تؤمن بنفسك وأن تكون إنساناً إنساناً.

ـ لا يكفي أن يكون معك حقّ يجب أن تعرف كيف أيضاً تعبّر عن هذا الحقّ. 

ـ الحياة هذه ليست بالمجّان. 

ـ يا أخ العفاء، الإستمساكُ يكون بجذوعِ المختبرات العلميّة كثيراً.

ـ لا بدّ أن يكون حازماً، حكيماً، قاسي القلب، من لا يلتفت. 

ـ أكبر سؤال يواجهه الإنسان هو الموت.

ـ النسيان واحة في محيط الرمل.

 

(2)

ـ ليس صديقاً من يدّعي إنّه لا يُخطئ.

ـ من لم يعش ألف سنة كيف يجرؤ ويقول إنّه يعرف؟.

ـ لا أكون صادقاً مثلما وأنا أقول: لا أعرف.

ـ الحقيقة المطلقة أن تقول: "لا أعرف".

 

(3)

العطاء من أكرم مجوهرات السعادة.

ـ المحبّ  يُطلق سراحَ مَن يحبّ.

ـ المُحتفى به من جنس المحتفي.

ـ أجمل الفن مجالس إخوان الصفاء.

 

(4)

الشعر يحضر ليملأ الفراغ.

ـ الشعر أبعد ما يكون عن لعبة "استحضار الأرواح".

ـ لولا التفاؤل لم ينطق الشعر بحرف. 

ـ الشعر وجه آخر للتفاؤل.

ـ الشعر أمل.

 

شوقي مسلماني

 

أقفال

khashie rashidحين ينسلخ لغز ما من تدافع أبعادٍ حسّيّة تكون قد أيعنت لتأخذ نموذجاً نهائيّاً في التّداخل القادم لا محالة، يصبح كما مشتقّ أنثويّ يستغلّ استنفاده المبكّر، ليس في هذا إلا شكٌّ واضح. فإنّ الحوادث النّاجمة عن اقتياد هكذا هامش قد تكون مترنّحة في القرار، فتتعدّد المسارت التحليليّة محاولة تقزيم التقارب الذي يتشكّل، شيئاً فشيئاً، على طول امتداد الإدراك وتفاصيل أثره، وهو إلى المطلق. كما العبث مع النّفس في انتفاضٍ مفاجئ مباشر على لحظةٍ لا تقدّم أي جديد مختلف.

أعلم أنّ الكثير يرونه بهيئات، ربّما أجمل، أنا لم أتفنّن في أيّة منها، لست بارعاً في هذا، هم أرادوها أبعد...!!

قد تكون هي، وهو كلّ هذا...!! لا يخحل حين يردّد ما كان يقوله له، ولا يخفي كلّ ما اقتبس منه، بل إنها أمنية والدته وأمانته له، تركها فيه حين لم يكن، وذهب مع الدّعسوقة دون وداع، أخذته بين جناحيها، هي أخذت جهاته السّت على بقع كلّ جناح وتركته مع البقيّة الغامضة...

تعالوا نركع لهذه اللقمة كي ترحم معدة من يحيينا عموماً، هيّا بنا لتجهيز شهادة عقليّة وحسّيّة تحت أقدام ذلك الملاك الحامل لحرّيّتنا، يتغذى وطناً في كلّ لحظة، إنّه الوطن بعينه، يطيّن رغيفه، إناؤه مليء بأسمائنا، يشرب دموع وعرق أصدقائه، دعونا نرفع لأجله لافتات من قلوبنا في وجه العهرة هذه المرّة، فلنحمه تاريخاً... قد لا تكون له عودة إلا ليقبّل جبينه وعينيه... دعسوقته تأخذ توأمه وتحطّ على وشاح رقبته.

لموعدٍ يجتازه زمناً، يعانده في كلّ سولكيّاته، يلاحقه كما لو أنّه لم يذهب قط، إنّه لا يكون، أو يأتي دون أن يكون هو، كلاهما يخنقانه في أنفسهما، ينتظران ما بعد ذلك المدار العاطفي، أحدهم يصفه بالحالة الفزاعيّة الدائمة لفوضاه، وآخر يصفه بإجمالي الذروات الداخليّة التي أُنشأت في عمق المصائب المؤجّرة من حلقات لاتوازن جنسوي... يقبل ما قد لا يقبله مستمعي أحاديثه على مصطبات كلّ ما رحل، دون بحثٍ عن أعذار. تكبره في الطّلب، فيزداد الضّبط على شراهة نوعيّة عشقٍ أكثر شراسةٍ من أيّ وقتٍ مضى.

قيل الكثير عنه في ذلك الوقت، أمّا الآن فكلّ العامّة نسته، لم يعد له وجود فيهم، إلا أنّه لا يزال حيّاً، في مكان آخر، ينسج بعض أمورٍ لأزمنةٍ تكاد تصطفّ في خفاء حقد، يعيش كما غيره، لكنّه قلّما يخرج من الغرفة، حتّى وإن خرج فإنّه لا يملك عيوناً، أعني أنّه يخرج مغمض العينين، إنّه يخاف النّور، هو لا يرى، هو لم يكن يريد رؤية الكثير من الأشياء... وأخيراً أعطاه مَن قبله ما يريد. وتلك الإمرأة، ذات الشّعر الأسود الفاحم، حين ارتدافها، يترك الكثير من نفسه معها.

فجأةً؛ تبوّل على أجمل وأعقل فتاة كانت في المجموعة، كان ذلك حين جلسوا في صفّ واحد في تلك الحديقة، الحديقة الحبلى بذكريات جميعهم، كانوا مجموعة صغيرة من الأصدقاء والأحبّة، لا أعلم كيف وصلوا إلى هناك ولماذا، البعض كان يغنّي والبعض صامت ينظر للبحر ـ الحقيقة أن المدينة لا تطلّ على بحر، إنّها دماء شهداء فحسب ـ فجأة صراخ الفتاة، أمسكوا ذلك الشّخص بسهولةٍ فهو لم يوقف تبوّله، كأنّه كان مقتنعاً بذلك، هذا يعني أنّه لو لم تبتعد لكانت قد تبللت بشكلٍ كامل، لم يقترب أحد، لم يتدخّل أحد، الحديقة أصبحت فارغة في لحظات، البعض هرب خوفاً على قططهم وكلابهم، واختبأ من تبقّى، الأصدقاء من كلّ طرف انهالوا عليه بالضّرب، اقترب من صديقته ودفعها مباشرة للبحر ومن ثمّ اتّجه للبقيّة، وجهه على الأرض وتسيل الدّماء من كلّ مكان، بعد صياحٍ وجدالٍ قصيرين أوقفهم، فدار الحوار النّاقص التّالي بينه والشخص:

ـ لماذا؟

* كنت في حاجة لذلك.

ـ ولماذا هنا؟

* كانت آخر لحظة، لم أتحمّل بعد.

ـ لماذا عليها؟

* أنا لم أخطّط لذلك، وأعلم أن ليس كلّ مكان يكون لائقاً لذلك، لكن لم أكن أملك أيّ خيار آخر... لم أعد أرى كلّ شيء.

ـ هل أنت أعمى؟

*أحياناً...

أقسم؛ ليست كما تبدو، إنها فقط كما الإرجاز مفاخذة... لسان حال فراغ فكريّ ما.

هناك عودة لا ترونها، لا تدركونها، لا أنتم ولا أنا نعي ما يحدث بنا هذه اللحظة، نصرخ بلا انقطاع، نحن نؤخذ مع ترنيمة عذاب زمنيّة، نُسحب، نَسرق، أعمارنا طويلة لدرجة أنّنا نبحث عن طريقة لتقصيرها، لا نثق بمساواة مقاسات الزّمن من حيّز لآخر، نحن لا نؤمن بالتدفّق الإنسانيّ في التجارة، نحن كورقة نقديّة نُنقل من يد لأخرى، نصبح وليمة، هدفاً وسبباً في كلّ شيءٍ، نحن محرقة... لأننا هكذا ولأن كلّ ذلك ليس إلا حصيلة استكلاب الأغنياء. هيّا بنا نقترب أكثر، نتعمّق أكثر، نخرج من وراء السّتائر، نبدأ حديثاً عن أنفسنا قليلاً ـ قد لا تكون أكثر من تأثير إبرة موخوزة في هذا الظلام ـ أنا هنا وهناك، أنا لم أعد قادراً، الحياة في شكل كلّ وضيع ومنحطّ تثقب صدري بقبضتها، بكلّ قواها، لا أعلم إن كنت أريد البقاء أكثر بصورة كذبة زمنيّة، محاولاً إخفاء نجوم كنت أملؤها في عيونكم حين يهمس الموت لي كلّ مرّة، قد تكون هزيمة من إحدى التحوّلات الروحيّة، أنا الآن أبتعد، لا أتسابق، أنا في فقدانٍ دائم، قريباً سنفترق دون أن أنهي تجميع نفسي منكم، وهذا يعني عصيانكم الدّائم واستمرار تعاهد لاإراديّ...

كيف يمكن أن يصبح هذا حلماً؟

الحيلة في تعرّف الزّمن على ما لم ينتبه له الذّنب حين الإقرار في تشكّله، ولاشكّ في أنّه بادّ معه مقابل ازدرائهم الذي قد يكفيه أحد أعماره، ليس لأنّه لا يأبه، إنّما يتداخل هذا التصوّر الغير معرّف في اعتبار ضمان استمراريّة لاعقلانيّة، إفريز الفكر هنا يتعدّى التعبير بكلّ ما أوتي من تفاصيل، فليس احتساب هذا التّفريط العمقي أيضاً إعتدالاً أو توسّطاً لهم.

أسقطهم وأسقطهم... أسقطهم على شهواتي التي تبدّلت لأجلهم في هذه الأسطر، أسقطهم لغةً وفكراً، وبكلّ ما أملك، فأنهي سقوطهم بـ لامعنى.

 

الكاتب: خاشع رشيد

 

الاعتزاز باللغة

fatima almazroweiكثير منا يلاحظ في مجالس عدة أن الحديث الذي يدور باللغة الإنجليزية على الرغم من أن الذين يتحدثون مع بعض هم عرب، ولا يوجد بينهم من لا يتقن العربية.

مثل هذه الملاحظة تجعلني أتساءل عن سبب تجاهل لغتنا الأم الحية والثرية بالكلمات والمعاني، والتوجه للغة أخرى، لا أجد إلا أن هذه الممارسة نوع من الموضة، أو من «البرستيج».

وقد نلتمس الأعذار لبعض الأفراد، لكن أن تجد مؤسسات حكومية، تدور معاملاتها ومخاطباتها باللغة الإنجليزية، فهنا تكون المعضلة الكبيرة من جوانب عدة، من أهمها أن في مثل هذا تخطٍ تام لتوجيهات حكومية تشدد على استخدام اللغة العربية، وأن تكون اللغة الأم الأولى.

وفي نطاق القطاع الخاص، الوضع أكثر ضبابية حيث لا تزال الكثير من الجهات جميع معاملاتها وشؤونها، صغيرها وكبيرها، تتم بغير اللغة العربية، ومنها من تُصدر الفواتير باللغة الإنجليزية متجاهلة التعليمات في هذا الشأن.

لست ضد الإنجليزية ولا أي لغة أو ثقافة، بل مرحبة، ولكن نريد اعتزازاً بلغتنا تماماً كما نلمس اعتزاز الفرنسي بفرنسيته في باريس أو الإسباني بإسبانيته في مدريد، والروسي بروسيته في موسكو، والصيني بصينيته في بكين، والياباني بيابانيته في طوكيو، وغيرهم الكثير من القوميات التي لها لغاتها والتي تحافظ عليها وتمنحها الأولوية في جميع التعاملات.

العلماء يدركون أهمية هذا الجانب ولهم كلمات قوية، لعل منهم المستشرق الإيطالي الذي طُبعت محاضراته عن الآداب العربية كارلو نلينو، والذي قال «إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضاً»، وعلى الرغم من قسوة هذه الكلمات، إلا أنها تنم عن خطورة التنكر للإرث والجذور، واللغة هي أول الدفاعات في هذا المجال، لتكن لغتنا العربية جزءاً من يومنا وتفكيرنا لأنها هويتن.

 

فاطمة المزروعي

 

(باب الحارة) و(مأمون وشركاه) وماردوخ علاقة نسب!!

روبرت مردوخ الصهيوني اليهودي صاحب شبكة (ام بي سي) وشريكه وليد الإبراهيمي مالك المجموعة العربية منها يقومان بتنفيذ أكبر مشروع إعلامي عربي يسوق الكيان الصهيوني عربيا من خلال ما تنتجه أو تشتريه قناة (ام بي سي) من برامج أو مسلسلات، مثل مسلسل باب الحارة الذي يصور للمشاهد الوجه الطيب الزائف لليهودي المتمثل بزوجة معتز دون التلميح للجانب الصهيوني البشع لذات الشخصية على صعيد تفاعلها الواقعي في الوطن العربي وخاصة فلسطين المحتلة كنتيجة طارئة لاحتلال فلسطين عام 48.. كذلك اشتراط القناة على المنتج المصري سينرجي (تامر مرسي) مقابل شراء القناة لمسلسله الفكاهي السطحي "مأمون وشركاه" وعرضه على شاشاتها، نظير قيامه بإبراز نفس الجانب الطيب والاجتماعي البريء المزيف من الشخصية الصهيونية المزيفة والأمريكية من خلال شخصيتي جاد اليهودي الراقي السخي وصاحب الأفكار المدهشة، والسفير ذي الطابع الاجتماعي الطيب، والمنخرط بارتياح في الحياة الشعبية المصرية، بطريقة فيها استخفاف بالعقل العربي وكرامته. كل ذلك إرضاءً لشروط المشتري الرئيس في هذه الصفقة، المتمثل بقناة ماردوخ الصهيونية بنسختها العربية (ام بي سي) . والغريب أن ماردوخ من خلال المسلسلين يفرض على المنتجين تسويق الشخصية العربية القلقة، المهزومة السطحية، البخيلة المراوغة، إلى جانب الشخصية الإسلامية الهمجية الإرهابية، مقابل الصهيوني البريء من قتل الشعب الفلسطيني، الراقي بأفكاره المدهشة، والذي في عرف القائمين على المسلسل كأنه لم يحتل فلسطين بالقوة ولم ينكل بشعبها ويتنكر لحقوقه المشروعة المهدورة ليظهر إعلاميا كالحمل الوديع. فما بالك والشخصية الأمريكية المتمثلة بالسفير رغم جبروتها العالمي على صعيد الواقع ورفضها للآخر ودعمها للكيان الإسرائيلي إلى جانب عربدتها في المنطقة العربية؛ إلا أنها بدت في المسلسل حسب رؤية صاحب القناة وشروطه للمنتج؛ شخصية طيبة إلى درجة السذاجة ومن ثم شيطنة الشخصية العربية في مصر وتحميلها كل الموبقات رغم الرتوش التجميلية لبعض الشخصيات. من هنا ينبغي أن يدرك المشاهد العربي هذا القبح الإعلامي العربي الذي مهما صنع الأكاذيب سيبلى بالفشل الذريع، لأن التاريخ العربي أصدق أنباءً من ماردوخ وشركائه. والعقل العربي مهما ناله من عطب فهو على أقل تقدير يعتبر أذكى من أن تنطلي عليه هذه الحيل الإعلامية الرخيصة. أما القضية الفلسطينية، وعناصرها المتمثلة بالضحية الفلسطينية المنتهكة الحقوق، والأرض الفلسطينية المسلوبة والكيان الإسرائيلي القاتل المحتل المعربد في المنطقة، فهي أكبر وأكثر جلاءً من كل الأكاذيب الباهتة.. المحمولة على متن الفن الهابط، الذي يمتطي صهوته ممثلون وصوليون كنا نحبهم ذات يوم.

 

بقلم بكر السباتين

 

الجواهري بضيافة ملك المغرب وقصيدة عاصفة

rawaa jasaniيحل محمد مهدي االجواهري ضيفاً على العاهل المغربي الحسن الثاني، عام 1974 في الرباط وطنجة ومراكش. وإذ يُحتفى به بكل استثناء، صرحاً عراقياً وعربياً أول، يغتاظ متنطعون ونهازون "ثقافيون!" إلى جانب سياسيين "ثوريين!" من ذلكم الزمان، ليهاجموا المحتفى به من "جبهات" وبلدان عدة، وبتحريض  أحزاب، وأنظمة "ثورية!" ايضاً، ولكن على طرائقها الخاصة...

ومن بين تلك الهجمات مقالات ومواضيع "أدبية!" حاولت أن تهز دوح الشاعر العظيم، وتطال من تاريخه، وتصفه "مهادناً" مرة، و"مرتداً" مرة ثانية، لأنه قبل استضافة ملكية حلم بها المهاجمون ذاتهم، ليلاً ونهاراً، بل وسعوا إليها بكل دأب، ولكنهم لم ينالوا وإن بعضاً يسيراً منها، فراح غضبهم وحسدهم، يتجسد في مزاعم وتقولات وأكاذيب بائسة، و"ثورية" مدعاة أكدت السنوات التالية واقعها وحقيقتها، فانكفأ أصحابها، لا يُعرف لهم صوت أو صدى... وأمام كل ذلك لم يجد الجواهري من وسيلة دفاع مناسبة، سوى الشعر فكتب، تحية.. ونفثة غاضبة:

سماحاً إن شكا قلمي كلالا، وإن لم يُحسن الشعرُ المقالا

أتبغون الفُتوة َ عند همّ، على السبعينَ يتَّكلُ اتكالا...

فما شمسُ الظهيرة وهي تـَـغلي، كمثل الشَّمس قاربت الزَّوالا

 

وبعد هذه الافتتاحية الجواهرية "التقليدية" يجوب القصيد وفي أكثر من ثمانين بيتاً في الوصف والفخر، وحتى الغزل، ليصل إلى المواجهة المفروضة... وقبل أن تنطلق ساعة الصفر، راح الشاعر يمهد للآتي، ملمّحاً لبعض يسير من تاريخه وصرحه الخالد ومسيرته المتفجرة أبداً بالمواقف والتحديات، وإن زعم هذه المرة بالتعب والرغبة في الاستراحة من معترك الحياة، بعد صعاب جمّة وهجرة واغتراب، ومعاناة من بعض أهل الدار وغيرهم، على مدى عقود:

حماةَ الفكر.. قِيْلةَ مستنيب، يجنبُ نفسَه قيلا وقالا

تنقلَ رحلُهُ شرْقاً وغرباً، وحط هنا بسوحِكُمُ الرِّحالا

يحاول بعدَ دنيا من عذابٍ، عن الدنيا وما فيها اعتزالا

فصونوه من العادِينَ ضبحاً، ووقوه التماحكَ والجدالا...

ففي جنبيَّ نـَـفْسٌ لو تراءت، لكُمْ لرأيتُمُ العَجَبَ المُحالا

أَسُلُ النصلَ عن جُرح ٍ نزيف ٍ، فأَلْقي تحت حُفْرته نِصالا

... وخلافاً لكل "المزاعم" التي باح بها العديد من الأبيات السابقة، وغيرها، تفنن الجواهري في وسائل المواجهة، ودروب الردّ على المعتدين، لينبيء – بقصد، أو غير قصد – أنه ما برح في عنفوان الشعر والعطاء، وان شمس ابداعه لم تغادر موقعها برغم السنوات السبعين، وبقيت تغلي بكل الكبرياء والاقتدار... ولكي يثبت ذلك علناً مع سبق الاصرار، راح يضيف:

وقلتُ لحاقدينَ عليَّ غيظاً، لأني لا أُحبُّ الاحتيالا

هَبُوا كلَّ القوافِلِ في حِماكُمْ، فلا تَهْزوا بمن يَحْدُو الجِمالا

ولا تَدَعوا الخصامَ يجوزُ حدّاً، بحيثُ يعودُ رُخْصاً وابتذالا

وما أنا طالبُ مالاً لأني، هنالكَ تاركٌ مالاً وآلا

ولا جاهاً، فعندي منه إرث، تليدٌ لا كجاهـِـكمُ انتـِـحالا

... ثم، ولكي يختم القصيدة بمثل مطلعها، في تناسق وسياق مرسومين بدقة متناهية كما يبدو، يطلق الشاعر الكبير عنان مخزونه المتراكم، واحتياطيه اللامحدود، للرد على القوالين، منوّهاً إلى تجاربه السابقة مع مثلائهم، وربما جالت بذهن المتابع هنا قصائد الأربعينات والخمسينات الجواهرية الشهيرة، حين يقرأ الأبيات الأخيرة من هذه اللامية "الدفاعية" الفريدة:

حَذار ِ فإنَّ في كَلِمي حُتوفاً، مخبأة ً، وفي رَمْل ٍ صلالا

وأنَّ لديَّ أرماحاً طِوالا، ولكنْ لا أُحِبُّ الاقتِتالا

تَقَحَّمْتُ الوَغَى وتَقَحَّمَتْني، وخَضتُ عَجاجها حَرْباً سِجالا

فكانَ أَجَلَّ مَن قارعتُ، خصمٌ، بنُبْل ِ يراعه رَبِحَ القِتالا

فكم من قَوْلة ٍ عندي تَأبَّى، لها حسنُ الوفادة ِ أنْ تُقالا

ستُضرَبُ فيهم الأمثالُ عنها، اذا انطَلَقَتْ وجاوَزَت ِ العِقالا

وعندي فيهمُ خبرٌ سَيَبْقى، تغامَزُ منه أجيال تَوالى

حّذار ِ فكم حَفَرتُ لُحودَ عار ٍ، لأكرمَ منكمُ عَمّاً وخالا

... وهكذا وبتلكم الكلمات والتعابير "الثائرة" وهو وصف يستخدمه الجواهري كثيراً، تخلص القصيدة إلى مبتغاها، وليبقى التاريخ شاهداً على ان التحذيرات التي جرى اطلاقها قد فعلت مفعولها، فلم يرد المعنيون، وبعضهم ممن لا يمكن ان تبخس كفاءاته الأدبية والسياسية... ونحجم حالياً عن التصريح بالأسماء ذات العلاقة، وربما نعود لتقديم المزيد من "الكشوفات" في أوقات لاحقة.

 

قراءة وتوثيق: رواء الجصاني

 

أطراف الحديث نكهة ثقافية بلون الموسيقى والمطر

mohamad rashedلم أتصور أبدا او يساورني الشك ولو مرة واحدة أن برنامج (أطراف الحديث) يمر مرورا عابرا لعدد كبير من المشاهدين خصوصا المثقفين دون التوقف عنده ومشاهدته أكثر من مرة ومناقشة محتواه ...أطراف الحديث برنامج راقي يترقبه المشاهد...تتسامى من خلاله روح الثقافة.... ويثير عنده العصف الذهني... ويمنح المتلقي متعة التواصل ويمطرنا من خلال ضيوفه نكهة ثقافية بألوان الموسيقى والتشكيل والغناء والشعر والمسرح والسينما والقصة . هنالك حلقات من المفترض ان تدرس في المدارس والجامعات ضمن مشروع التنمية البشرية لأنها تبث فينا قدسية المواطنة ... وقيم الإنسانية ... ومعنى الحياة ... وروح التسامح، من الحلقات التي بقيت عالقة في ذاكرتي كانت مع ضيوف في قمة الرقي الإنساني والفني والديني والرياضي والموسيقي والاجتماعي (الفنان يوسف العاني / الفنانة كارولين ماضي /الدكتور احمد الكبيسي /الفنانة هند كامل / الرائع مؤيد البدري/ الموسيقار نصير شمه / الدكتور علي عبد الله/ الدكتورة منى يونس بحري) الشيء الجميل تم تكريم هذا البرنامج ومقدمه الدكتور السامرائي ضمن كرنفال (يوم المثقف العراقي) الأول عام 2015 في مدينة العمارة بحضور شخصيات ثقافية كونه أضاف غصنا لشجرة الإبداع العالمية .

 

محمد رشيد

...................

* برنامج (أطراف الحديث) إعداد وتقديم الدكتور مجيد السامرائي يبث من خلال قناة الشرقية

 

 

على سراجٍ شفيفٍ أُناغي دَمْوَزَةَ عَشتار! .. رسالة ناصر عطالله إلى آمال عوّاد رضوان

amal awadفي البدءِ، كانتْ رغبةٌ نحيفةٌ بارتواءِ العروقِ مِن مَناهلِ اللّغةِ وإطفاء العطش، علّ المَفاصلَ ترتوي ويزولُ عطشُها، فتعتدلُ وتشتدُّ، ليتمَّ ارتداءُ الحُروفِ الشّعريّةِ الشفيفةِ، والاقتداءُ بحُسْنِ الحديثِ مِن مَسالِكِ اللّغةِ، والتّحزُّمِ النّاعمِ في فَواصلِ آمال عوّاد رضوان، المُسيّجةِ في "أُدَمـْـــوِزُكِ وَتـَـتـَـعَــشْــتـَـرِيــن"، ذاكَ البزوغُ الأخيرُ لوِلادتِها الشّعريّةِ، والمُكتظُّ بالهواءِ المَغسولِ طلحًا نقيًّا، والمُعتّقُ الراقي لذائقةٍ باتتْ مَدروسةً في اصطفافاتِ الأدبِ الرّائدِ.

تلكَ شهادةٌ خجولةُ التّسويقِ والتصدير، في مَجرى حَديثٍ حسَنِ الذّوقِ، مَطبوعٍ على الشّعرِ وَسَرْدِ فِكْرِهِ، معَ كبرياءِ هذا العطاءِ المُعزّزِ في نفسِ الشّاعرة العربيّةِ آمال عوّاد رضوان، الهائمةِ بدليلِها الإبداعيِّ في تَجوالِ مُريديها وتَطوافِ مُناصِريها، كسُيّاحٍ مُتصوّفينَ يَتفسّحونَ بينَ أرجاءِ نصوصِها وآثارِها، فأحسنتْ حينما أيقظتِ الكلمةَ، وأبدعتْ حينما حَفرَتْ بأظافرِها الرّحيمةِ جسدَ المَعاني، لتُفجّرَ سروةَ المشاهدِ الرمزيّةِ في لوحاتِها الإبداعيّةِ الطازجة.

بحثٌ فيّاضٌ جَرى للكشفِ عن "أُدَمـْـــوِزُكِ"، للوقوفِ على تلّةٍ تُطِلُّ على معناها، وفيها للكسرةُ على الكافِ "كِ" دليلٌ وصهيلٌ، ولكن ما أوجعَ هذا التّتويجَ، عندما تنعطِفُ عليهِ قسوةُ الاستدلالِ بالأماني المُستدْرَكةِ، لفهمِ الصّياغةِ في مَباني النّصِّ عند آمال عوّاد رضوان، فالتّعشتُرُ المُذَكَّرُ هرَبَ إلى الياءِ المُؤنّثةِ، ووقعَ في النّونِ المَحفوفةِ بالدّفءِ، لتُلقيَ الشّاعرةُ سلّتَها القشّيّة مِن شرفتِها العاليةِ، لبائعٍ مُتجوِّلٍ يَبحثُ عن زيدٍ لعَمْرٍو؛ (السّارقُ الّذي ضرَبَهُ زيْدٌ لأنّهُ سَرَقَ الواوَ مِن داود)، فيعودُ البائعُ المُتَجَوِّلُ إلى كوخِهِ سالمًا آمِنًا مِن "عشقيّاتٍ" مُتمرّدةٍ، هاجمتْ ساقيةَ المُعّذبةِ بنارِ الحُبِّ، بكلّ جرأةٍ وتجَنٍّ وظُلمٍ.

وها الصّحراءُ الطائرةُ المَزحومةُ بالغمامِ، تَحرُسُ سماءً يابسةً أمامَ اشتياقِها وشهوتَها:

يَابِسَةٌ سَمَاوَاتِي/ أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي/ أَأَظَلُّ.. أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟/ أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ.. بَــ ~~ يــْـ ~~نَ .. وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ .. بَــ ~~ يــْـ ~~نَ.. جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!/ عَلَى خَدِّ شُعَاعٍ.. مُضَمَّخٍ/ بِــــالْـــــ~~دَّ~هْـــ~شَــ~ةِ / ثَ رْ ثِ رِ ي نِ ي .. صَدًى/ لِأَرْسُمَ .. بَعْثَــكِ الْمُشْتَهَى!

أيُّ بعثٍ مُشتهًى يأتي مِن رُخامٍ يَنزُّ حنينًا، على أطرافِ النّصِّ المُكتنِزِ بالظّمأ؟   

أيُّ بعثٍ مُشتهًى ذا الّذي يأتي من شفتيْنِ تتّقِدانِ عبثًا لعزفِ ابتسامةٍ، في مدًى يُحاولُ أنْ يتّسِعَ، مِن أجلِ العزفِ على أوتارِ العاشقةِ البَحريّةِ؟

أيُّ بعثٍ مُشتهًى ذا الّذي يأتي، والقلقُ المُقلِقُ عندَ الشاعرةِ، تارةً في حنايا الإفصاحِ يتبدّى، وتارةً في خبايا الصّفحِ يَتبدّدُ، عندما تُعْتِقُ العاشقَ مِن حِبالِ الضّياع، فيُلامسُ الأرضَ، ويَسكَرُ مِن نزْفِ أنفاسِ العاشقة؟

في غاباتِ الشاعرةِ الّتي تعجُّ بالنّمورِ، يَترقّبُ المُحِبُّ المُعَزِّزَ لشوْقِهِ في امتطاءِ مُحاولتِهِ، فيُسحِرُ التّسبيحُ سُكونَهُ، ويُدبِّبُ جغرافيا الذاكرةِ بتعشيبةٍ مُقدّسةٍ حادّةٍ على مرايا المُستحيلِ، لتنضُجَ الذّاكرةُ أكثرَ، ولتتمرّدَ على النّسيانِ، ولتثورَ على الغفلةِ وتفويتِ المُنتحرةِ أشياؤُهم، فالمَكنونُ النّفسيُّ للعاشقِ مُلتهِبٌ جدًّا، وإيقادُهُ يَتجذّرُ حنينًا وشوْقًا لمَعشوقتِهِ، تلكَ العاشقةُ الّتي امتدّتْ سيرةُ حُبِّها في خلجاتِ العاشقِ وخلجانِهِ قرونًا، فيُقسِمُ عبْرَ نافذةِ رِقّتِها، أنّ سُحُبَهُ احترقتْ لهفةً عليْها، وكأنَّ الحريقَ نِعمةُ المُحِبِّ في حبيبتِهِ، وأنَّ سُحُبَهُ تتكئُ على بكائيّةِ غيمةٍ بعدَ غيمةٍ، لتتَشَبّعَ حواضِرُهُ جُنونًا، ويَتحوّلَ خضوعُهُ حُلمًا في انتظارِها.

يا إلهي، كيفَ تتوهُ الصّنّارةُ والشِّباكُ في لجّةِ بَحرٍ، طافتْ قيعانُه بالعطايا؟       

أيُّ دُرَرٍ يَصطادُ مثلي هذا الصّيّادُ المُغامرُ، واستكمالُ الرّحلةِ المائيّةِ المُلوّنةِ معَ الشاعرةِ آمال عوّاد رضوان، زوّادتُهُ طولُ نَفَسٍ!؟

وأيُّ نفسٍ ذاك الذي لا يَنقطعُ، وهو يَغرقُ مِن عُلوِّ موْجةٍ، إلى قاعِ العطايا المَنثورةِ على أصدافِ اللغة؟

نهَمٌ صَريحٌ في عشتاريّةِ الشاعرة آمال عوّاد رضوان، عندَ عاشقٍ لا تَنحسِرُ لمَشاعرِهِ الجيّاشةِ وديانٌ ولا أنهارٌ، فتَخرجُ الشاعرةُ عن حَدِّ الكلامِ إلى الصّدوح فتَقولُ: أُدَمْــــــوِزُكِ.. وتَـــتَـــعَـــشْـــتَـــرِيـــن/ أُلْقِي عَلَيْكِ.. مَلَاءَاتِي الْخَضْرَاءَ/ فَتَسْتَعِيدُ أَعْشَاشِي/ تَـرْتِـيـبَ عَـصَـافِـيـرِهَا/ وَتَتَسَرْبَلينَ.. أَنْهَارَ خُصُوبَتِكِ!

أيُّ خلودِ لذّةٍ تلك الّتي أشهرَتْها ربوعُ الشاعرةِ آمال عوّاد رضوان، في حنايا صدرِ الدّنيا الضيّقِ، المُنغَمِسِ بالاقتتالِ والفِتنِ والكراهيّةِ، لتُغطّيه بكلِّ هذا الحبِّ الأسطوريِّ الراقي، وتُخفي قُبْحَ الواقعِ الموْجود، بعفّة الجودِ في قلبِها الأوسَع والأشسع؟   

الدّورانُ العاطفيُّ عندَ الشاعرةِ لا يَتعبُ مِن تنغيمِ الولَهِ الإبداعيِّ، على مقامِ مَجازٍ صوفيٍّ مُزركشٍ بخيطِ حريرٍ، يَطوفُ ويلفُّ على حوافِّ كلِّ نصٍّ، ليَتوبَ كلُّ كارِهٍ عن كراهيّتِهِ، وكلُّ حاقدٍ عن حقدّه، ويُعزّزَ كلُّ مُحِبٍّ حُبَّهُ.

شاعرةٌ مِن طرازِ آمال عوّاد رضوان، بلا شكٍّ، يَغرسُها الأدبُ العربيُّ في مكتبتِهِ مسيرةَ مسَرّةٍ، ليستنبتَ يراعَها، ويُقشّرَ لحافَ غيْمِها إبداعًا.