أقلام ثقافية

قِفْ .. لا تَنْشُرْ (٢)

nazar haidarليس هناك قوةٌ في هذا العالم قادرةٌ على ان تمنعك من نشرِ شَيْءٍ ابداً، الا قوة الضمير وسلطة العقل والمنطق والحكمة التي تميّز بها بين النافع والضار عندما تريد ان تنشرَ شيئاً ما.

وبالمناسبة، فانا لا اقصد هنا التّوقّف عن نشر ما يخصُّ الارهابيين فقط، ففي اخبارنا وصورنا وأفلامنا الكثير جداً، كذلك، من الكذب والفبركة والدعاية المبتذَلة والرّخيصة التي يُشَمُّ منها عن بعد رائحة التشفّي والطّعن والترصّد والكيديّة والتّسقيط والتّشهير واغتيال الشّخصية والسعي لافشال النجاح او على الأقل الطّعن به، والتقليل منه.

دعوني هنا اسوقُ مثالين؛

الاول؛ عندما انتشرت في الآونة الاخيرة، وعلى نطاق واسع، أبيات من الشّعر، والذي يسمونه العراقيون تندراً بحرِ الخَرُط، منسوبة لأمير المؤمنين وامام البلاغة وسيد اللغة العربية علي بن ابي طالب عليه السلام!.

كان من الواضح جداً ان جهة مغرضة نشرت البوستر، للطعن بأمير المؤمنين (ع) الا انّه انتشر بسرعة البرق انتشار النار في الهشيم وكأنَّ فتحاً أدبياً عظيماً قد تم انجازه او اكتشافه.

ولم يتوقّف البوستر عن النّشر والتّداول حتى تدخّل احد العلماء موضّحاً ومبيّناً وشارحاً وكاشفاً عن الحقيقة من خلال إماطة اللثام عن جوهر الموضوع.

ولو انّ المصدر الاول الذي بادر الى نشر البوستر كان قد بذل ابسط جهدٍ معرفي او مقارنة بسيطة لأكتشف زيف البوستر بل ولسَخِرَ منه ورماه في سلّة المهملات.

الثاني؛ عندما فبرك مجهول الهوية خبراً عن سفارة جمهورية العراق في واشنطن، ليطير في اليوم الثاني حاطاً رحاله على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي!.

لحدّ الان قد لا يكون في القصّة ايّة اثارة او استغراب، فلقد تعوّدنا على استهداف الفاشلين والموتورين ومن يخسر امتيازاته عندما يتم الكشف عن دَجَلِهِ مثلاً او تلاعبه باوراقه الثبوتية وخاصة اختصاصاته وشهاداته وغير ذلك، استهدافهم للنّاجحين من الذين يحقّقون تميّزاً في فترة قصيرة من تسنّمهم لمواقع المسؤولية، كما هو الحال مثلاً مع سعادة السفير الاستاذ لقمان الفيلي، وفريق عمله، الا ان الغرابة في الامر عندما تكتشف انَّ (بغداد) تلقّفت الخبر المفبرك ورتّبت عليه أثراً من نوع ما وكأنّها كانت تنتظره على أحَرٍّ من الجمر!!.

هنا يُثار التساؤل؛

ترى! هل من المعقول انّ (بغداد) تستعجل الامور، وبهذه الدرجة، لترتّب على كلّ ما يُقال ويُنشر في الاعلام؟ وهي تعرف قبل غيرها ان الكثير مما يُقال هو كذب ومُفبرك ومزوّر ولا أساس له من الصحة؟!.

هذان مثالان، والأمثلة كثيرة لا تُعٓدُّ ولا تحصى، فيما يخصّ حالنا، اخبارنا ومنشوراتنا وصورنا وأفلامنا، الى جانب الانتاج التّضليلي الذي ينشره الارهابيون والذي غزانا بشكل مخيف!.

اعودُ وأكرّر القول بانّه لا توجد قوّة في هذا العالم لها السلطة عليَّ وعليك وعلى ايّ أحدٍ لتمنعنا من نشر شَيْءٍ ابداً الا سلطة الضمير والعقل، ولذلك فانا هنا لا أُدافع عن أحدٍ ابداً وانما أدافع عن عقلي وعقلك، ولذلك قيل في الحكمة المشهورة؛ [حدّث المرء بما لا يُعقل، فانْ صدّقكَ فلا عقلَ له].

كذلك، ومن جانب اخر، فليس هناك من يمكنه ان يجبُرك على نشر شيء ما اذا لم تكن مقتنع به او لم تشأ نشره، فليس لاحدٍ سلطةٌ عليك لاجبارك على ذلك، الا سلطة واحدة فقط هي سلطة (الاستسلام) او ما يسمّيه القران الكريم بـ (الابسال) في قولهِ تعالى {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا} وهي السلطة التي يتولّاها العقل الباطن، لكثرة تكرار الخطأ بلا وعي، فعندما يستسلم الانسان لشيء ما يبدأ بفعله وتكراره بشكل اوتوماتيكي، لا إرادي، حتى يكونَ جزءٌ من شخصيّتهِ فلم يعد يمتلك القدرة على التوقّف لإعادة النظر مثلًا لتغيير الموقف والحال.

ومن باب الشيء بالشيء يُذكر؛ يُروى ان رجلاً صادف في طريقه (قشرة موزة) طبعاً ليس المقصود بها (موزة قطر) ابداً!، فتوقّف عندها فوراً، محدثاً نفسه بالقول؛

يا الهي! ما هذه الصّدفة؟ لماذا يتكرّر المشهد معي؟ قشرة موزة مرّةً اخرى؟! هذا يعني انّني سأطأها بقدمي مرة ثانية فاسقط على الارض فتنكسر رجلي مرّةً اخرى فتأتي الإسعاف لتأخذني الى اقرب غرفة اسعاف في المستشفى ليعالجوني مرة اخرى، بالصّب، ما يعني أنّني سأمكثُ في بيتي فافقد عملي لعدة أسابيع اخرى!!!.

ذات مرّة عتبتُ على صديقٍ نشر صورة مفبركة، وهو يعلم بذلك علمَ اليقين، فأجابني؛

لقد تعوّدنا على نشر كلِّ ما يصلنا! يبدو ان قدرنا هو ان ننشر الاكاذيب!!!.

يتبع

من المعجم الروسي – العربي للامثال والحكم الروسية (5)

استمرارا للحلقات السابقة، اقدم للقراء الحلقة الخامسة من سلسلة مقالاتي عن الامثال والحكم الروسية مع ترجمتها الحرفية والتعليق حولها.

 

الترجمة الحرفية –   تعيش مع الذئاب – اعوي مثلهم .

التعليق – يضرب في ضرورة التصرف حسب الظروف التي تحيط بالانسان . يوجد مثل عربي مناظر لهذا المثل الروسي وهو – اذا لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب .

 

الترجمة الحرفية - لا نحافظ على ما نملكه، ونبكي عليه عندما نفقده

التعليق - يضرب عندما لا يعي الانسان قيمة الناس والاشياء حوله، وعندما يفقدها يتأسف عليها . يوجد بالعربية امثلة عديدة في هذا المعنى منها مثل معروف باللهجة العراقية هو – جرٌب غيري تعرف خيري، وهناك بيتان من الشعر ذهبا مثلا، البيت الاول هو –

رب دهر بكيت منه فلما   صرت في غيره بكيت عليه .

البيت الثاني هو –

دعوت على عمر فمات فسرني   عاشرت اقواما بكيت على عمر .

 

الترجمة الحرفية – تسير بهدوء، أبعد ستكون

التعليق – يضرب في ان التأني في العمل يؤدي الى التقدم بانجازه . يوجد بالعربية العديد من الامثلة في هذا المعنى منها – من تأنى نال ما تمنى .

 

الترجمة الحرفية - الصديق القديم أفضل من صديقين جديدين

التعليق – يضرب لتفضيل الصداقة القديمة التي امتحنها الزمان . يوجد بالعربية مثل مناظر وهو – أفضل الاصدقاء هم القدماء .

 

الترجمة الحرفية - من يصمت لا يذنب

التعليق – يضرب للنهي عن الكلام لأنه قد يؤدي الى المشاركة بالذنب . توجد امثلة عديدة بالعربية في هذا المعنى منها – السكوت مركب السلامة / رب سكوت أبلغ من كلام / قلل كلامك تأمن ملامك / سلامة الانسان في حفظ اللسان ...

 

الترجمة الحرفية – الوحيد في الساحة ليس محاربا

التعليق – يضرب في ان الانسان بوحده لا يستطيع القيام بعمل كبير، وانه يحتاج لمساعدة الآخرين ومساندتهم من اجل تحقيق ذلك . يترجم بوريسوف هذا المثل في قاموسه كما يأتي – جندي واحد بالميدان لا يساوي شيئا، وهي ترجمة موفقة تجمع بين الترجمة الحرفية والمعنى العام للمثل، الا انها لا تعبر عن روحيته بشكل واضح ودقيق، اما في القاموس الكبير المعاصر لجابر ابي جابر فنجد ترجمة اخرى وهي – زهرة واحدة لا تصنع بستانا، وهي ترجمة جميلة فعلا ولكنها تبتعد ايضا عن روحية المثل، وربما يمكن القول   ان المثل العربي المعروف – ( يد واحدة لا تصفق ) هو الاقرب الى هذا المثل الروسي.

 

الترجمة الحرفية – ادخلوا الماعز الى حقل خضار

التعليق - يضرب لمن يحصل على امكانية تحقيق اهدافه الشخصية البحتة بلا مراعاة لاي اعتبار آخر . يترجم جابر هذا المثل في قاموسه الكبير كما يأتي – وضع الخراف تحت حماية الذئب، وهي ترجمة صحيحة . يوجد بالعربية مثل مناظر وهو – أمٌن غنمه عند الذئب، ويوجد مثل بغدادي طريف في نفس المعنى وهو – ودٌع البزون شحمة (البزون هو القط .

 

الترجمة الحرفية - عثرة القدم افضل من عثرة اللسان

التعليق – يضرب لحفظ اللسان من الثرثرة وبالتالي الوقوع بأخطاء تؤثر على حياة الانسان وعلاقاته مع الآخرين . توجد امثلة مناظرة بالعربية لهذا المثل الروسي منها – الذي يعثر برجله يقوم والذي يعثر بلسانه ما يقوم / عثرة القدم احسن من عثرة اللسان وأسلم .

 

الترجمة الحرفية – السعداء لا يلاحظون الوقت

التعليق – يضرب في ان الناس في الاوقات السعيدة لا يتابعون الزمن ولا يأخذونه بنظر الاعتبار . يوجد مثل عربي في هذا المعنى وهو – ليل السرور قصير .

 

الترجمة الحرفية – الصبر والعمل يمحوان كل شئ

التعليق – يضرب للحث على الصبر وبذل الجهود للوصول الى الهدف المنشود . يترجمه بوريسوف – الصبر مفتاح الفرج، ويترجمه جابر – من جد وجد، او، من صبر ظفر، وكل ذلك صحيح باستخدامهما للامثلة العربية المعروفة، ويمكن لنا ان نضيف مثلا آخر وهو – ثمرة الصبر الظفر .

 

الترجمة الحرفية - الكلب الاسود لا يصبح أبيضا بالغسيل

التعليق – يضرب لاستحالة تغيير طبيعة الناس . يوجد مثل عربي في هذا المعنى وهو – كثرة الغسيل لا تبيض الفحم، ويوجد مثل طريف باللهجة العراقية مناظر لهذا المثل الروسي وهو – وضعوا ذيل الكلب اربعين يوما بقصبة و لم يتعدل، وباللهجة المصرية – ديل الكلب عموما ما يتعدل ولو علقٌوا فيه قالب ...

"عزيز علي" وواقع الحال !!

مائة عام ونيف مرت على ولادة الرمز العراقي الكبير "عزيز علي" واربعة عشر عاما مرت على وفاته .. عاش 87 سنة حفر فيها في الوجدان العراقي، أسماً zayd alheliوموقفاً وظاهرة، ما لم يستطع غيره ان يحفره، فبقى صوته وألحانه وزجله وشعره، يلف سماء العراق بشكل عجيب، حتى كادت "مونولوجاته" تضحى لازمة يرددها الأبناء مثلما رددها إباؤهم وأجدادهم، وهذا لم يحصل إلا لقلة من النوادر.. وكان "عزيزعلي" أهم تلك النوادر !

و عزيزعلي من رعيل عراقي أصيل، أسس لمشروع نهضوي ذاتي متعدد الأختصاصات والمواهب وكانه شكل رد فعل معاكس لقرون من الدعة وحرّك نزعة الأنعتاق العراقي ... لقد وظًف هذا الفنان الكبير الأهزوجة والأمثال الشعبية والقصة والطرفة في حبكة شعرية، مبسطة مفهومة وجميلة، وطرق بكل هذا الكم والزخم الفني المؤطر سياسياً وأجتماعياً على أبواب المجتمع، فتلقفه الناس كل حسب مدى فهمه ومستوى أدراكه .. وما تزال قصائد "عزيز علي" ومونولوجاته حاضرة في الوعي العراقي لصدقها وألتزامها الوطني ومقاربتها هموم الناس وآهاتهم اليومية ..

كان للفنان "عزيز علي" فلسفة في صيرورة النفس البشرية، فهو يقول انه (يعتبر الأقوال والأفعال الحسنة التي تصدر عن الأنسان ذي المعدن الطاهر الثمين إنما هي تحصيل حاصل، لابد لها ان تكون حسنة .. إما ذو المعدن الردئ، فعذره معه، اذ لا يجب ان نتوقع من أقواله ومن افعاله ماهو اكثر من قابلية معدنه!)

وعزيز علي لم يكتشف في نفسه ظاهرة موهبته الفطرية التي يفتقدها اكثر السياسيين حنكة ودراية، تلك هي قوة إستشعاره للأحداث والحوادث، فقد كانت مونولوجاته، مقالات ورسائل انذار مبكر للحاضر المريض فيما هي كانت في الواقع تحاكي الواقع المستقبلي وكأنها تعيشه بكل تفاصيله .. لذا فأن كل مونولوجاته التي نستمع اليها ونتناغم معها، تصلح لحال اليوم، فحين نستمع اليها نكوّن وصفاً دقيقاً لواقعنا السياسي والأجتماعي وأرهاصاته وتداعياته وإنكفاءاته وأمراضه .. انه يبرهن على براعته السياسية، رغم انه لم يكن منتمياً لأي حزب سياسي .. وقد قال يوماً في حديث، انه لم يذهب الى مجتمع الكبار ولم يسلك هذا الدرب أبدا رغم الدعوات الكثيرة التي كانت ترده لأن عقيدته كانت تتعارض مع مصالح اولئك اضافة الى انه لم يسخّر فنه للأرتزاق والكسب والثراء ولو " فعلت ذلك لأصبحت مليونيراً "

وبكلمة صغيرة اقول: ان الرائد الكبير " عزيز علي " كان شجرة تصارع الريح اللئيم وتشرب الجفاف بانتظار المطر، الذي لن يهطل ... أبدأ !!    

 

من الحكايات الشعبية العراقية العابرة للحدود: قصة حب "آرزي وقنبر"

zaheed albayatiالحكايات الشعبية المتوارثة باعتبارها مرآة ساطعة تعكس مدى الاحاسيس والمشاعر الانسانية الصادقة والنبيلة في مناشدة الخير والمحبة والآمان بين أفراد ومجتمعات الشعوب والامم وفي الحقب التاريخية المختلفة، والصراع الأزلي القائم بين تلك القوى الخيرة وبين قوى الشر والكراهية والعدوان من أجل اسعاد المجتمعات وبث الحياة والوئام والسلام كما اليوم يواجه العراقيون انواعا مختلفة من قتل الحياة واشكالا عديدة من الكراهية المفخخة والناسفة لمشاعر الحب في قلوبهم واستهداف انسانيتهم بعد مصادرة احاسيسهم وايمانهم .

ومخزون التراث الشعبي العراقي مليء بحكايات وقصص الحب الشفاهية مجهولة المصدر التي كان يقبل على سماعها الشباب والأطفال حينما كانوا يلتفون حول جداتنا في اماسي الصيف وليالي الشتاء وينصتون اليهن بشغف بالغ وهن يحكين قصص الحب المثيرة آنذاك وبشكل يوازي ما يتم تداوله اليوم عبر الفيس بوك والتويتر وغيرها من شبكات النت والتواصل الاجتماعي، ولربما يضاهي مسلسلات التلفزيون وافلام السينما التي يتم متابعتها في عصرنا هذا ! ومن تلك الحكايات الشعبية قصة حب (آرزي وقنبر) التي اعادنا الى الغور بها من جديد هو عثور الباحث محسن حسن علي البياتي على مخطوطة عراقية لتلك الحكاية في مكتبة المتحف العراقي قبل اسابيع قليلة، مكتوبة باللهجة التركمانية العراقية ذات الحروف العربية والتي يعود تاريخ كتابتها الى اكثر من" 365 "عاما، ليضع حدا للجدل القائم على أصل الحكاية ومنذ أكثر من نصف قرن بين عدد من الباحثين الفلكلوريين العراقيين المختصين بهذا الجانب ما رجح كفة المنادين بعراقية الحكاية عن اعجميتها، حيث اوضح لنا السيد محسن وهو خبير آثاري عمل أكثر من ثلاثين عاما في المتحف العراقي بأن المخطوطة التي تتكون من 28 صفحة، ذيلت بتوقيع (الملا محمد – طوز خرماتو 1068 هجرية) .

679-arzوتعد "آزري وقنبر" من أكثر الحكايات الشعبية شهرة وتداولا في الاوساط الشعبية العراقية وخاصة بالمناطق التي يقطنها المكون التركماني، والتي كتب عنها كبار الباحثين العراقيين التركمان امثال الراحل د. ابراهيم الداقوقي، الراحل د. عبد اللطيف بندر اوغلو، الباحث الكبير عطا ترزي باشي، والباحث د. محمد مردان وغيرهم كثير .

تعتبر حكاية آرزي و قنبر من الحكايات الشبيهة بقصة حب مجنون وليلى، وشيرين - فرهاد وغيرها من الحكايات الشعبية التي تتداولها الألسن منذ مئات السنين، وهي من الحكايات العابرة للحدود الى دول الجوار كايران وتركيا واذربيجان والدول الناطقة بالتركية والفارسية، الأمر الذي جعلها مثار جدل عميق بين الباحثين الفلكلوريين وبالأخص عندما رجح الراحل د. ابراهيم الداقوقي بأن تكون الحكاية التي سمعها من بعض الشيوخ والعجائز في قصبة داقوق قد تكون غير عراقية حينما أشار الى ذلك في كتابه "فنون الادب الشعبي التركماني " عام 1962.

في حين كان الباحث الفلكلوري عطا ترزي باشي أول من خالفه الرأي مؤكدا عراقية الحكاية حينما دونها على لسان أهل كركوك ونشرها في كتاب باللهجة الكركوكلية بطبعتين عامي 1964، 1967 والحقها بطبعة ثالثة بالحروف اللاتينية عام 1971.

اما الأديب الراحل د.عبد الطيف بندر أوغلو، فقد كان متناغما مع رأي ترزي باشي، بالاصرار على عراقية الحكاية حينما نشرها في جريدة يورد الوطن عام 1992 بعد أن تم تدوينها على لسان زوجة عمه هيبت خاتون، بلهجة قضاء طوز خورماتو .

فيما اعتمد الباحث د. محمد مردان، في نشر الحكاية ذاتها بكتاب حمل نفس العنوان عام 2008، فنقل أصل الحكاية المنشورة من قبل ترزي باشي لتطابقها مع رواية والدته التي كانت تحدثهم بها مع اخوته حينما كانوا صغارا يجلسون حول منقلة الفحم في ليالي الشتاء، ولكنه أضاف لها وأغناها بدراسة مسهبة في ضوء المنهج المورفولولجي .      

وتدور الحكاية "الملحمة الشعرية " حول قصة حب بين قلبي شاب يتيم الأب والأم (قنبر) مع ابنة عمه (آرزي) منذ الطفولة، سيما بعد تعاهد والديهما على تزويجهما منذ الطفولة حين يكبران، ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، بعد وفاة والديه بشكل مبكر، فانتقل ليعمل راعيا للغنم عند عمه، ولكن زوجة عمه تلعب دورا خبيثا لتفريقهما والحيلولة دون زواجهما !

ومن شدة عشقه لآرزي والهيام بها، تحمل قنبر المزيد من الصعاب والعميق من المكابدات التي لا مفر منها الا من خلال آلة الساز (البزق ) التي لازمته طول عشقه التي عزف عليها احلى الحانه وغنى عل أنغامها أجمل قصائده الشعرية .

وعبثا حاول قنبر، الاقتران بحبيبته آرزي، الا انه فشل بسبب خبائث زوجة عمه التي كانت تكيد له وتحاول إبعاده عن ابنتها بشتى الوسائل ! وحينما قامت بتهيئة حفل الزفاف لابنتها من شخص ميسور الحال، بالاستعانة بعجوز شريرة لعبت دورا خبيثا في تمرير الفتن والمكائد، لتفريق الحبيبين العاشقين، الأمرالذي صدم قنبر بعد سنين من الاحباط واليأس، فخر صريعا ليلفظ انفاسه الأخيرة وهو يضع رأسه في حجر آرزي، لحبه الصادق لها، مودعا حياته بطريقة مأساوية ولكم من هول الصدمة لم تحتمل آرزي فراق ابن عمها الحبيب فعبرت عن وفائها لصدق حب قنبر وذلك بانهاء حياتها، فانهار جسدها على حبيبها صريعة وهي ترسم بدمائها قصة حبها الذي أدمى قلبها قبل جسدها تناغما مع لحن الوفاء، ليرحلا سويا كما بدءا الحياة سويا في قصة للحب الصادق والتضحية من أجل الوفاء لذلك الحب بقيت متداولة ليومنا هذا، جيلا بعد جيل، كجزء لا يتجزأ من الأدب الشفاهي العراقي، الذي ربما يعكس بشكل أو بآخر عن حجم الحب الذي يحمله هذا المكون العراقي للأرض والوطن وعن مدى وفائهم لانتمائهم الأصيل الى الهوية العراقية، وحبهم المفرط لكل اخوانهم من النسيج الاجتماعي العراقي المنوع الجميل والاخلاص لوحدة العراق .

 

زاهد البياتي – كاتب وباحث

قِفْ .. لا تَنْشُرْ (١)

nazar haidarهذا العنوان اخترتَهُ لاسمِ حملةٍ وددتُ ان أطلقها بعد ان بدأت أشعر ُبأنّ الارهابيين باتوا يتغلّبون علينا بالتّضليل الّذي يصنعونهُ بتقنيّة عالية لنقومَ نَحْنُ بنشرهِ بالنّيابة عنهم، فنساعدهم على تحقيق اهدافهم إمّا غباءاً او جهلاً او غَفلةً، لا فرق، فالنّتيجةُ واحدةٌ، حتى أصبحنا ظَهرهُم المركوب وضرعَهم المحلوب!.

فلقد بتنا نتبنّى الكِذبةَ ونروّجها، مثل المغفّلين، بدون انتباه او تمحيص او تثبّت، وكأنّنا نلهو {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ} {لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ}!.

ولقد وصف أميرُ المؤمنين (ع) مرّة دور التضليل الذي كان يمارسه الامويّون بقوله {أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ}.

الا ان الفرق في نقطة واحدة؛ فاذا كان الطاغية معاوية قد وظّفَ، وقتها، مجموعة من الغُواة، يدفع لهم المال لإنجاز المهمة، فانّ الارهابيّين اليوم سخّروا الملايين ووظّفوهم في نشر تضليلهم ولكن بالمجّان من خلال تعبئتِهم عبر مختلف وسائل التّواصل الاجتماعي.

أولئك كانوا يرتزقونَ على تضليل الأمويّين، امّا هؤلاء فمرتزقةٌ بالمجّان.

لقد بدأ تضليلهم يضرّ بِنَا كثيراً، فلقد اصبح إنتاجهم من الاخبار والصور والافلام والتقارير المكذوبة والمُفبركة شُغلنا الشاغل، ننشرها ونتبادلها ونتناقلها ونتحدّث بها ونتخاصم بسببها ونستشهد بها ونضمّنها مقالاتنا وآرائنا، وكأنّها مسلّمات لا يرقى اليها الشكّ قيد انملة، فلا احدَ يجرؤ على التشكيك بها او التوقّف عندها او الطّعنِ بها او السؤال عنها او ردّها، ولذلك ينبغي علينا ان نتوقف قليلاً ونتساءل ونشكّك ونبحث ونتحقّق ونتثبّت ونسأل قبل ان نتعامل مع أيّة مادّة تصلنا.

اذا شَككنا بها سألنا، واذا تيقّنّا من كذبها ضربنا بها عرضَ الحائط.

اذا تأكّدنا من صحّتها، تساءلنا؛ هل نُحقق بنشرها أيّة فائدة او مصلحة؟ فاذا كان الجواب بالنفي، احتفظنا بها واجّلنا البتّ بأمر نشرها الى اشعار آخر.

قد تكون المادّة صحيحة ومحتواها سليم ولكنّ الغرض منها سيّء او مشبوه، ترادُ بها فِتْنَة، هنا ينبغي ان تتوقف عندنا لوأد الفتنة، فـ {الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}.

نَحْنُ الان في حالةِ حربٍ شرسة لا ينبغي ان نغفلَ عن كلّ حرفٍ نهمُّ بنشرهِ، فقد يكون سبباً في تقوية جبهة العدو او إضعاف جبهةِ الحق.

ولذلك أمر الله تعالى المسلمين ان يُرجِعوا اخبار الحرب والأمن الى القيادة فقط، رسول الله (ص) فهو وحدهُ من يبتُّ بها، فقال تعالى {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}.

انّ الفوضى العارمة التي نعيشها الان في نشرِ كلُّ ما يصلنا، وجلّهُ كذِبٌ مُفبرك، يضيّع علينا فرصَ النّصر ولا يُقلّل من التّضحيات ابداً، ويزيدُ في المعاناة، ولذلك ينبغي ان نّعمل من انفسنا على انفسنا اجهزة ضبطٍ وفلترةٍ اداتُها ووازعُها الضمير الحي والعقلُ اليقض والخبرة المتراكمة واستحضار التجربة، مهمّتها التمييز بين الغثّ والسّمين، من جهة، وبين السّمين الذي ينفعُ والاخر المضرّ الّذي لا ينفعُ، ففي المأثور [ليس العاقلُ هو الذي يميّز بين الخير والشرّ، وانما العاقل هو الذي يميّز بين افضلِ الخيرين، من جهة، وخير الشّرّين، من جهة اخرى] امّا الذي يعجزُ عن ذلك فليسأل ولا يستعجل، وقد قال تعالى {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} فالسؤال ليس عيباً الا انَّ نشر الاكاذيب والفبركات هو العيب بعينه، قد يصل الى حدِّ الجريمة.

لقد كان رسول الله (ص) يأمر عيونه بإشهار اخبارهم على رؤوس الأشهاد اذا كانت حسنة وايجابيّة، امّا اذا كانت سيئة او عجزوا عن تمييزها لا يعرفون ما اذا كانت جيدة ام سيئة فكان يأمرهم بنقلها له سراً.

ولقد عاهد امير المؤمنين (ع) أصحابه ان لا يَخفي عليهم أمراً الا في حرب او مكيدة.

لماذا العجلة في نشر كل ما يصلنا؟ ما الذي أجبرنا او يجبرنا على ذلك؟ وما هي الفائدة؟.

لقد تشدّد القران الكريم كثيراً جداً مع الخبر فوضعَ قيوداً وقواعدَ عند التعامل معه، نقلهُ او تحليلهُ، لانّ خطرهُ عظيمٌ في المجتمع، كيف؟!.

كم كتابا يجب أن تقرأ قبل أن تصبح كاتبا؟

asya rahahlaيبدو أنك لا تقرئين التاريخ .. قال لي أخٌ صديق، على هامش محادثة وديّة راقية .. انتهت المحادثة وبقيت أفكّر في قوله .. وانتبهت إلى أنّني فعلا لم أقرأ كثيرا في التاريخ لسبب بسيط هو أّنني لم أحبه، أبدا، لا هو ولا أخته الجغرافيا، حتى أنّ أعلى علامة كنت أتحصّل عليها في مادة التاريخ، في الثانوية، كانت عشرة من عشرين وكان أستاذي الفلسطيني في ذلك الزمن، ذكره الله بكل خير، وهو يمنحني ورقة الإجابة، يعلّق قائلا " لقد منحتك المعدّل من أجل الأسلوب وليس المعلومات .. " الكتب الوحيدة التي لها علاقة بالتاريخ، وشدّت انتباهي وقرأتها بشغف في سن مبكّرة، كانت ألف ليلة وليلة وكتب جورجي زيدان .. / ربما بسبب بنائها القصصي واعتمادها على الحكي / ..قرأت جميع قصص زيدان تقريبا، مع أنّي عرفت بعد ذلك أنه متأثّر بالمستشرقين وأنّه زوّر التاريخ الإسلامي، لكني لم أهتم كثيرا، أولا لأني قد قرأتها وانتهى الأمر وكنت صغيرة، وثانيا لأن ليس المستشرقون وحدهم من يزوّرون تاريخنا، فنحن نفعل ذلك أيضا وببراعة . قول صديقي جعلني أفكٍّر كثيرا في أمر القراءة والكتابة والعلاقة بينهما ..و هو موضوع قد أسال ومازال الكثير من الحبر ..كان أستاذي في الثانوية يقول لنا .." اقرؤوا .. اقرؤوا : التاريخ، الفلسفة، السير، علم النفس، اقرؤوا الروايات العالمية.. "

و هو محق طبعا لأنّ الكتابة لا تأتي من فراغ أبدا،لابد أن يمتلئ الكأس لكي يفيض، وأذكر هنا قول الانجليزي " وِل سِلف " في موضوع كتابة القصة تحديدا.. ( ...هذا إذا كنت قرأت كمَّاً هائلاً من القصص سابقاً، أما إذا لم تكن قد فعلت ذلك، فلا شأن لك بكتابة القصص ).. في الجامعة تخصّصت في اللغة الانجليزية / لازلت أتذكّر صداع المحاضرات عن تشومسكي /.. لم أتخصّص في الأدب العربي ولا النقد ولا أملك الكثير من المعلومات عن المذاهب الفكرية والمدارس الأدبية ولا عن الحداثة التي لا ألتفت لها كثيرا خاصة التي تتبنّى الغموض وتؤيد إغلاق النصوص بالقفل والمفتاح باعتبار ذلك مؤشرا على الإبداع والتميّز والجودة ..

و أنا أكتب الآن، تذكّرت أغنية شهيرة .. " في مهب الريح " للمغني والشاعر الأمريكي روبرت تسيمرمان ( Bob Dylan) :

كم من الطرقات ينبغي للرجل أن يقطعها قبل أن ندعوه رجلاً؟

/ how many roads must a man walk before we can call him a man /

ووجدتني أتساءل ..نعم .. وكم من الكتب ينبغي للكاتب أن يقرأها قبل أن ندعوه كاتبا أو أديبا؟

تصوّرت لو أنّ أحدهم يكدّس مجموعة من الكتب ويقرّر في نفسه " سأقرأ كل هذه وحين أنتهي منها سأكتب وسأصبح كاتبا وأديبا !" .. ليت الأمر بهذه البساطة ..إنّ فعل القراءة نفسه ليس أمرا يسيرا.. أقصد القراءة الواعية الذكية، فما بالك بالكتابة .. الأمر إذا أكبر من هذا وأعمق، وأكثر تعقيدا حتى بالنسبة للكاتب نفسه . اليوم لا أستطيع أن أقول بأنّي على اطّلاع بكل ما يحدث في الساحة الثقافية، آخر المستجدات، الإصدارات، الحوارات، الترجمات، المناهج النقدية الحديثة، وآخر الروايات والدراسات / أكيد بسبب كسلي عن القراءة ومحيطي المنغلق، وندرة التفاعل مع عالم الأدباء .. حتى الأديب الياباني " موراكامي " المرشّح لنوبل، لم أكن أعرف بوجوده.. ولولا أخبار هذه الجائزة لكنت ظننت أنّه الأخ الشقيق لــ " ماروكو " في الفيلم الكارتوني ! كنت ولازلت أقف أمام المصطلحات الأدبية الجديدة الغريبة حائرة، وكنت أحسب أنّ السميولوجيا مثلا لها علاقة بالجيولوجيا ! وفقط مؤخّرا، وبفضل " جوجل " بدأت آخذ فكرة عن معنى التحليل السيميائي للنصوص الأدبية . صحيح، لم أقرأ كثيرا في السنوات الأخيرة حيث سقطتُ في مثلث برمودا / التدريس / وكرّست له كل وقتي وطاقاتي، ولكنني الآن أكتب ..أكيد من وحي الموهبة الحقيقية التي لا تموت مهما تعثّرت ..من مخزون قراءاتي الكثيرة في شبابي وباللغات الثلاث، العربية والفرنسية والإنجليزية / لقد قرأت كثيرا فعلا .. عن الحب والحرب، عن الطلاق والزواج، عن الإيمان والكفر، عن المرضى نفسيا والشواذ، عن العباقرة والمجانين، عن الفقراء والمقهورين، عن الشعراء، عن الملائكة والشياطين ..عن الإنسان في كل حالاته / ومن وحي تجاربي في الحياة وعلاقاتي بالناس ومعلوماتي في علم النفس والفلسفة ولغتي التي أدنى ما أستطيع أن أقول عنها أنها سليمة جدا .. هكذا صرت أكتب وسأظل أكتب .. الشعر والمقال والقصة القصيرة.. وليغفر لي التاريخ .

 

أشياء أحاول تعريفها ثانية

wadea shamekhبعد صيام شعري أفطرت على حورية السؤال وفطنة الحواس، بهذا النص

 

أشياء أحاول تعريفها ثانية

لم يَدرْ في خلدي قَط أن أسافر بعيداً عن ذاتي كي أدوّن لذةَ الإعترافات من الأقاصي.

لم يكن من عادتي أن أهجر تلال الكتب الصفراء الُمُتربة وهي تفترشني حلما وواقعا ..

لم يكن قراري إذن .. هناك حمل سري نبت في أحشائي فتورمت الرغبة في البوح .

التفاحة أو الحيّة .. الخطيئة وقانون الجاذبية، الله والعدم .. المرأة وحراب الشهوات، الرجل وأمراضه ..

ربما أنا في الطريق الشائك ولكني غارق في العزيمة لعدم قبول الأشياء والكائنات بهيئتها الشائعة

................................

في طريقي الموغل في الشوك والريبة والمدجج بالمخاطر حدّ الإحتراق .. أراني أقف عند الحافات الحادة من القول .. شفتاي غادرتا سواحل الخجل، وسبابتي تنوب عنهما حينما تحضر " أناي " المتوقدة.

لا أتذكر أنني أشد شجاعة من اليوم ..

لن أقف تحت سقف بلاهة اليقين والوصايا ..

سأعرّف الأشياء ثانية .

...........................................

سأتدرب على إرتداء حواس جليلة، رفيعة القيمة، عالية الهمة .. حواس ترتدي عطر البهجة ومرايا الأسئلة .

سأهدي كل كتبي الى مكتبة مدينتي العامة .. وقبل هذا سأمحو كل أثر لي على سطورها .. سأرمم عذريتها ثانية .

لن أقول بعد الآن الى حبيبتي: أنا أحبك قبل أن تكون شفتاي صالحة جدا لرسم رعشة قلبي أولا ..

لدي أسرار مخطوطة على جلود الغزلان والماعز وورق البردي، وعظام وحوش البرية، وقماشات متأكلة، ومسكوكات صدأت لفرط غفوتها .. أوراق مقدسة .. وصور غائمة الملامح لشخوص وأماكن قبل الميلاد وبعده ..، لدي أختام واسطوانات ومسلات ورقم طينية، لدي طوابع بريدية لعصور غابرة .. لدي حزمة غليظة من سياط وصور لظهور متقيحة، لدي مناديل بيض عليها دماء العذارى، حكايات في صفحات متآكلة عن صور فن صناعة الكراسي .. لدي أسرار أخرى سوف أودعها في حسابي الشخصي في بنك " الكومن وليث"

......................

السير على الساحل أو الجلوس في مقهى بلا ذاكرة يعني أنك في حوار جمالي صرف، لامكان فيه للماضي المنحوت من النحاس ولا الحاضر المُكبّل بالقلائد .. أنت تسير، تتنفس رائحة المستقبل دون غبار .

حين يكون التأمل قدرا، وتصنع أبجديتك الخالصة فلا فرار من إعادة تعريف الأشياء، الكائنات .

لم يعدّ لفكرةٍ واحدة أن تغزو عقلي، لا أمرأة لسرقة قلبي، لا كأس لتهوري، لا وشاية لسواد الآخر .

التفكير الكثير يسلبني تأملي .. وانا حائر الساعة بين قلبي وعقلي والآخر مني ؟؟

............................

الفشل ليس نهاية العالم، وكآبتي ورقة في مشروع الليل الكوني

سأبدأ بتعريف الأشياء قبل بلوغها العلن ..

ضجرت من الأشياء والكائنات وهي تتوحد في خليقة واحدة ..

سئمت من الواحدية والتعددية وهلامية الكون ..

تفاحة واحدة، حيّة، جاذبية واحدة، كون شاسع النهايات !!

كيف أهذي والنظام يحاصرني بجماله ؟

....................................

الزمن يسيل في ذاكرتي والأشباح يدقون مسامير حظوظهم على أبوابنا المُخلّعة بالنواح .

فراشتي قائمة على جناج " ستيف ماكون"..

"داستون هوفمان" أثر السلامة

والزمن سائل جدا

..........................

الحيطان .. لدي رغبة كامنة في محوها .

الأسوار والأسرار معا .. لدي قحط غامر في تحويلها الى مساحات شاسعة من الضوء والخضرة .

لم يَعد لدي الطاقة لإحتمالِ الشرطي الذي يوقظني من سكرتي وجموح خيالي ..

شرطي ينشط في دمي ُسكّرا وينام على شرايّني دسماً ..

لم يعد مزاجي صالحاً لتقبل الأيام كعزاءات دائمة ..

 

الدواعش يحرقون مكتبة الموصل

shaker faredhasanداعش، هذا التنظيم الإرهابي الظلامي التكفيري السلفي الوهابي، المعادي للإنسانية، الذي لا يمت للإسلام ولا للدين بصلة، لم يكتفي بحرق الطيار الأردني الكساسبة، ولا بجرائمه الوحشية الفظيعة التي تقشعر لها الأبدان، ولا بأعمال القتل والنهب والذبح والحرق وقطع الرؤوس واغتصاب النساء، وتهجير المسيحيين من مدينة الموصل بعد الاستيلاء عليها وفرض رؤيتها ومعتقداتها على جميع مناحي الحياة فيها، وتنفيذ جرائم بشعة ضد مكوناتها ومواقعها الدينية .

نعم، لم يكتفي الداعشيون الظلاميون، أعداء الفكر، وأعداء الإسلام، وأعداء الإنسانية، بهذه الجرائم والأعمال التي يندى لها الجبين، بل أقدموا على تفجير وحرق مكتبة الموصل المركزية الواقعة وسط المدينة، التي تعتبر واحدة من أقدم المكتبات التاريخية في نينوى، وتحتوي على آلاف الكتب الفلسفية والتاريخية والتراثية والفكرية والأدبية والمراجع العلمية إضافة إلى المخطوطات النادرة .

وداعش بعملها الإجرامي هدا تسير على خطى وهدي النازيين الألمان والمغول التتار الذين غزوا بغداد واتلفوا آلاف الكتب القيمة في مختلف صنوف المعرفة، وعبروا نهر دجلة على جسر من الكتب التي أحرقوها وقذفوا بها إلى مياه النهر .

إن هذه الفعلة الشنيعة التي اقترفتها أيدي داعش التكفيرية، تمثل خطوة أخرى في التطهير العرقي والتدمير المنهجي للتراث والتاريخ العراقي واضطهاد الأقليات، وكذلك تدمير للتنوع الثقافي والتعددية الثقافية والفكرية في العراق، وتكشف مدى حقدهم وبربريتهم وهمجيتهم ووحشيتهم وجنونهم وتعصبهم الأعمى وجهلهم القاتل ونزعتهم المعادية للرأي الآخر وللفكر التنويري الاشراقي . وهم يبغون من ورائها قتل الفكر وإغلاق نوافذ المعرفة والإجهاز على فكر وثقافة التنوير، وحجب نور الوعي عن الناس .

إن تدمير وحرق مكتبة الموصل لهو عمل همجي إجرامي بشع يندرج في خط الهجوم على المعرفة والثقافة والتاريخ والتراث والذاكرة، ومحاربة مجنونة للفكر المستنير، وسلوك بربري يجافي السماحة والانفتاح على الثقافات والديانات والأفكار المغايرة، واعتداء سافر على حرية التفكير والمعتقد والاجتهاد، وعلى الكلمة المضيئة التي تصيبهم بالرعب والخوف والهوس والجنون .

إنه عمل مدان ومستنكر ومرفوض جملة وتفصيلاً، ومهما أحرقت هذه العصابات والمجموعات الإرهابية من كتب وأسفار أكلتها نيران الجهل والتعصب والتخلف والانغلاق، فلن تنجح في تمرير مشروعها الظلامي بحجب نور المعرفة والتفكير والوعي، فالكلمة المضيئة كالرصاصة أقوى منهم، وهذا ما أثبتته تجارب التاريخ الذي لم يتعظوا منه .

إن الرد على ممارسات وسلوك الدواعش وجريمتهم الجديدة بحرق مكتبة الموصل، لن يكون سوى بالمزيد من الوعي المعرفي ونشر ثقافة التنوير وتذويت الأفكار النيرة التي تدعو للحرية والعدالة والديمقراطية واحترام الفكر الآخر، وترفض الطائفية والمذهبية والتعصب والتطرف والغلو الديني .

تربل سكس (666): المراقبة والمعاقبة

wadea shamekh2العلاقة بين الخير والشر كمفهومين إنسانيين مطلقيين إتخذت أبعادا متنوعة، ولبست أقنعة متعددة، وأُحُضرت قسرا في حقول غير أرض منابتها .

فالفكرة الأساسية بُنيت على الصراع بين مصدرين، قوتين متناقضتين في تفسيرهما للوجود الكوني أولا والانساني ثانيا، وكانت الأساطير والملاحم هي اللبنات الاولى التي غذت فكرة الكائن البشري بأخبار صراع الخير والشر في العالم العلوي "، السماء،" وكيف نقلت لنا " إسطورة الخلق البابلية " مثلا، أخبار صراع الآلهة في السماء وكيف حسمت أمر توحدها والقضاء على الآلهة المعارضة .

كما شكلت الحكاية " المقدسة " لقصة الخليقة مرجعا مهما وأشارة عميقة على حضور مصدري الخير والشر بقوة ووضح شديدين .

......................................

بين فكرة الصراع هذه بين الخير والشر إستفاق الإنسان على قرع طبول الحرب بين معسكرين، جيشين يعدّان العدة والعدد لمحاربة بعضهما بشكل رمزي أو حقيقي . وكان الإنسان هو البضاعة الرائجة بيد الإسياد من كل الفريقين .

وهكذا غذت هذه الفكرة نشوء هويات متعددة للإنسان تخطت هويته الإنسانية الأولى ومرجعيته الإنسانية الأولى , فصار الكائن يحمل وجوها وأقنعة هي بمثابة هويات متعددة لوجوه الأول وصدى لصورته الأولى ..

صار الإنسان إحتمالا بين إحتمالات متعددة، وليس فاعلا مطلقا في القبول والرفض .. تعدد الرواة على تاريخه، وتعاقب الزمن على صياغته ومحو آثار خطواته، وإعارته جبينا صلدا لا تتكلس قطرات " الحياء" عليه ..

................................

من هذا الجبين الأملس والمحو المستديم للإنسان ملامح وأفكارا بفعل ُمركّز مدفوعا بالاشتغال المنظم بين عاملي الصرع " الخير والشر"، أقام الأسياد مناخا من التيّه للكائن البشري ليكون بلا هوية أصلا، نتيجة لتعدد الهويات وتراكم غبار سياطها وذهب شهواتها وفضة حكمتها .. لتكون هويته القادمة هي . الهوية السائدة ..

وفي عصرنا الحديث الصناعي والتقني والحضاري والمدني والفلسفي، وعصر الدهاقنة والعيارين والشطارين،، حيث غاب الحديث عن الثنائيات والأقطاب وخصوصا بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي، كقطب كان له حضوره في تشكيل المعادل في هوية الإنسان في كوكبنا الأرضي .. فصارت حنطة الكائن وشعيره بين فكي " مطحنة واحدة" ..

......................................

في تسعينيات القرن الراحل، فكرت أمريكا في أن تكون " الأخ الأكبر" بعد غياب القط والفار معا .. فصار مشروع " البطاقة الوطنية " كخارطة واحدة للمواطنة في امريكا، ولكنها ليست هوية الأحوال المدنية أو أي بطاقة تعريفية عند مواطن من شرقنا المتخلف .. انها " البطاقة الذكية" والتي تحتوي على تفاصيل دقيقة جدا عن حاملها .. ولكن هذا المسعى قد أخفق من قبل ما تبقى من " الخير" في نفوس الإنسان لانه سيجعل الأنسان مكشوفا تماما وعاريا أمام " الأخ الأكبر " .. وهكذا أسقط " الخير" الكامن في الإنسان محاولات المحو والتشيؤ

..................................

مع التطور التقني في منظومات السيطرة ومراقبة الأنسان والطبيعة معا .. ومع طموح الانسان وجموحه للكشف عن " خارطته الجينية" . لفك لغز وجوده . سعى الاسياد لإستثمار هاجس الانسان الوجودي ثانية .. ليبتكروا العودة الى صراع الخير والشر من منظور ميتافيزقي اي أنهم إعادوا للشيطان سطوته الرمزية عبر الرقم " 666" .. وبهذا حفزوا عقولا مركزية لجوعها الإنساني في الشر لضمان السيطرة على الحشود البشرية المليارية الجائعة لإصلها " الخير" .. وبين صراع الخير والخير الجديد نشأ إفتراض جديد، قوامه حفظ الإنسان من هذا الصراع وذلك بحمايته ذاتيا

فالبطاقة الوطنية الجديدة المقترحة عالميا مثلا، ليست كهويات المواطن في المجتمعات المتخلفة " كهوية الاحوال المدنية، وشهادة الجنسية، وجواز السفر .. الخ"، إنها هوية تقنية بالغة التعقيد، وهي البطاقة التي تختصر كلّ هويات الكائن البشري وتُذوبها في بوتقة واحدة .. سيكون الإنسان فيها عارٍ تماما من أسراره، فجاء ابتكار تقنية غريبة للبطاقة الوطنية أطلق عليها "Chip " .

لا تعني مفردة " Chip " هي الرقاقة او القطعة الصغيرة أو فيشة اللعب، والذي يقترح تعريفها القاموس،"، ولكن هذا المقترح الجهنمي هو عبارة عن إختصار الإنسان كلّه في "كاميرا "صغيرة تنزرع في جسده وفي موقعين أثنين .. أخطرهما بين نهايتي الحاجبين، واخرى عند بداية باطن ساعد اليد اليمنى .. رقاقة الكترونية صغيرة، ولكنها كاميرا لمراقبة الإنسان ..في هذه الرقاقة كل تاريخ الإنسان الاقتصادي والعائلي والطبي واسرار تعاملاته الماديه ... الخ ..

هو مقترح لكي يكون الإنسان مالك الوقت ولكنه سيكون عبدا لصاحب الوقت أيضا ..

.............................

إن البطاقة الوطنية " "Chip " تتوافر على مهارة تقنية عالية، بحيلة مذهلة يصنعها السادة في المجتمعات البشرية المتقدمة مدنيا وحضاريا لكي يتم من خلالها تحويل الانسان الى شاشة مكشوفة لمراقبته في كل تفاصيل حياته .. وهي في الطرف المعلن عنها وسيلة تقنية غاية في الجودة لاحترام زمن الانسان في التصرف بأمواله وممتلكاته وأفكاره.

لنأخذ مثلا تطبيقيا عن هذه الفكرة الجهنمية .. فلو أن إنسانا وافق على وضع هذه " Chip " وسط عينيه ليتخلص من ضياع وقته في مراجعة الدوائر والبنوك الخ، كما أنه يريد الحفاظ على حياته من الخطر عبر ربطه بمنظومات الحماية الصحية إذا تعرض الى طارىء صحي، والى مراكز الحماية الأمنية إذا تعرض الى حادث أمني يهدد حياته .. فهو يحقق ربحا واقعيا في وقته وفي حمايته تماما، ولكنه في الطرف الآخر سيخسر حياته الشخصية وتفاصيله الدقيقة وسيكون مستعبدا لآله الدولة وأجهزتها المعلوماتية >>سيكون حامل Chip " مواطنا إفتراضيا تماما لأن سيكون مصدرا للمعلومة التي يستخدمها " الأخ الأكبر " للهيمنة على حياة المجتمعات .. فلم يعد النظام الدكتاتوري التسلطي والانظمة الشمولية وسياسات القمع واليد الحديدية التقليدية هي السائدة، بل انها أصبحت تستثمر هيمنتها وشموليتها على الكائن البشري من خلال التقنية الجديدة وما تنتجه العقول العلمية من ثورات متواصلة في عالم الاتصالات ..

........................

ال" Chip " سواء في وضعها بين الحاجبين أو عند بداية باطن ساعد اليد اليمنى، فأن الكائن هنا سيكون عبارة مصدرا ثرا لمجموعة من اجهزة الدولة الرقابية .. وسيكون حتما جنديا مكرسا لخدمة النظام بل ربما يصل الامر الى قيامة بدور " الجاسوس" العلني على نفسه وعلى أسرار حياته بالكامل .

وسوف يكون هذا الإنسان محاصر بقيم يُصدّرها " الآخر" لضبط مسار حياته او لنقل بصورة أخرى " عبودية ذهبية" .

هؤلاء العبيد المجانيون سوف يكون لهم دور مباشر وحاسم في خلق أنظمة المراقبة والمعاقبة، في خلق المجتمعات " الثيو.. تقنية " أذا صح الإشتقاق .. مجتمعات تعيش على صراط الشفرات المبثوثة من قبل السلطات العليا .

وبواسطة الترغيب المفرط لهذه البطاقة بإستعراض فوائدها الكبيرة للمواطن والمجتمع سوف تتلاشى فرصة الكائنات البشرية في الدفاع عن نفسه كذات معارضة لهذا المشروع الجهمني .. سيكون الرفض مضاد للتطور، سيكون الرفض تمردا وعقوقا غير مبررين في دولة الديمقراطية والقانون .

.....................................

مع البطاقة الوطنية الجديدة .. سيكون زمن الكائن متاحا جدا للقيام بجملة مشاريع اقتصادية واجتماعية ونفسية وإستخبارية وسيكون المواطن متورطا بالمشاركة فيها، لأنه كان مصدرا مهما من مصادر المعلوماتية لجدوى تلك المشاريع .. مثلما ساهمت المواقع الالكترونية بتعددها " كالماسنجر، والفيس بوك، والتويتر، والسكايب .. الخ" في تقديم المعلومة المجانية لجهات المراقبة والمعاقبة .. سيؤدي صاحب البطاقة الوطنية ذات الدور، بل وبشكل أدق لانه سيكون مغذيا مباشرا لمنظومات المراقبة .. ثم أن الانسان الذي يضعها بين حاجبية يخسر فرصة الخلاص منها لأن ذاك يؤدي الى موته فورا .. وهكذا تصبح الهوية الإنسانية جزء من جرح ماثل في جبينه، صخرة سيزيف لا يقوى على الخلاص منها .

هذه الأفكار الشريرة بإمتياز تدخل من باب المنفعة العامة الى غرف الكائن وحياته حتى تبدو نسيجا من انسجة جسمه

هكذا تنتج المدنية الحديثة إستخدامات مثيرة للغاية، فلابد للمواطن أن يكون مُحصنّا ضد صناعة " أغلاله الذهبية"

لابد من مراقبة ومعاقبة، لابد من دستور للحياة، لابد من سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائة، ولكن العدالة على حد تعبير " مونتسيكو" هي فصل السلطات .. لأن العدالة لا تتحق إلا من خلال خصوصية السلطات وكذا خصوصية المواطن .. لكي ننعم بمجتمع خالٍ من أمراض السلطات وعبوديتها .. وأن نتخلص من " المواطن العبد" والسلطة " المستعبدة"

نحن في حاجة الى عقد إجتماعي يبرر وجودنا في الحياة كمواطنين فاعلين .. ولسنا متلقين سلبيين لمصدري الخير والشر .. علينا أن نكون أوعية إنسانية فاعلة ومشاركة وليست آوانٍ مستطرقة بلهاء .

..............................

*- "عذرا للسيد "ميشيل فوكو" إذ إستعرنا عنوان كتابه "المراقبة والمعاقبة" ليكون عين مقالتنا، كما إننا أستفدنا من أفكار هذا الكتاب أيضا

 

ملاحظة على الهامش

shaker faredhasanفي الماضي حين كانت تقام ندوة أدبية أو أمسية أدبية بمناسبة صدور ديوان شعر جديد أو مجموعة قصصية جديدة أو أي عمل أدبي إبداعي، كان المشاركون يتحدثون عن الكتاب أكثر من صاحبه، فيبرزون مكامن الضعف والجمال والإبداع فيه، ويقدمون الملاحظات النقدية حول الهفوات فيه كي يستفيد من هذه الملاحظات في عمله القادم وفي كتاباته المستقبلية .

أما اليوم، وللأسف، فقد اختلف واقع الحال، والمشاركون يتحدثون عن المؤلف أكثر من الكتاب، فينفخون صاحبه وينعتوه بألقاب وصفات لم تقل لا في المتنبي ولا في أبي العلاء المعري ولا في السياب والبياتي، ولا في طوقان ودرويش ويوسف الخال وأنسي الحاج وشوقي بزيغ ومحمد شمس الدين وغيرهم، وحينها يحس بالغرور والانتفاخ الطاووسي، ويزيد وزنه أكثر من عشر كيلوغرامات في تلك الأمسية، ويصدق انه أشعر الشعراء وأعظم الكتاب، وانه سيد الكلمة ومبدع المرحلة . فاتقوا اللـه يا أصحاب الكلمة والقلم، وقليلاً من التواضع والصدق والصراحة، وكفى مديحاً وإطراءاً ونفاقاً ومجاملة وممالأة ورياءً ونفخاً وتسويقاً وتلميعاً، وليتوقف الانحدار الثقافي الذي تعيشه ثقافتنا وأدبنا في هذه البلاد ..!! .فحياتنا الثقافية تحتاج للصدق، وللنقد البناء الهادف ..النقد العلمي الموضوعي المنهجي والجمالي الواقعي، وللكلمة الهادفة ، وليس للنقد المجامل المنافق المرائي، نقد الاستكتاب السائد في أيامنا هذه .

 

اللفظ الصحيح لبعض الأسماء: ابن خَـلْدون والبِـيروني

faroq mawasiمن الضروري جدًا أن نلفظ الأسماء العربية بصورة صحيحة، وخاصة أسماء المدارس، فكثير من المدارس تسمى (ابن خـُـلدون)، ومع الاسف أسمع لفظها هنا وهناك بضم الخاء، والصواب:

خَـلْـدون (بفتح الخاء).

حري أيضًا بطلاب تلك المدرسة – على الأقل- أن يعرفوا من الرجل باختصار:

(1332- 1406)، هو مؤرخ وعالم اجتماع ومربّ، ولد في تونس وتوفي القاهرة، له مقدمة ابن خَـلدون.

فهل سمعتم يا مديري المدارس ومعلميها؟

...

مدرسة أخرى أسمع لفظها خطأ هي (البيروني) يلفظونها بفتح الباء (بَـيـْروني)،

والصواب:

بِـيروني (بكسر الباء)، وقد توفي سنة 1048 ، وهو مؤرخ ورياضي من علماء المسلمين فارسي الأصل، من مؤلفاته (الآثار الباقية من القرون الخالية)، (القانون المسعودي) وفيه فوائد جمة في علم الفلك.

...

لا أريد أن أتحدث عمن لا يلفظ أسماء الأعلام صحيحًا، فبعضهم لا يلفظ طَـرَفة (بفتح الراء) وزهير بن أبي سُـلمى (بضم السين)، وابن سِـيـدَه ( بكسر السين وبفتح الدال قبل الهاء)... إلخ.

...

الخلاصة: يجب فحص كل اسم/ علم نلفظه في الأدب والتاريخ والدين .... إلخ

هذا إذا أردنا صحة اللفظ، أما إذا أردنا (كله واحد)، فهؤلاء لا أخاطبهم هنا!

 

التربية القويمة

fatima almazroweiكثير من الآباء والأمهات لديهم هاجس كبير يتعلق بتربية أطفالهم التربية القويمة التي تجنبهم الوقوع في براثن الألم أو التعرض للقسوة والحاجة. الآباء والأمهات يتعبون جسدياً ونفسياً في مرحلة الرعاية والتربية لأطفالهم، ففضلاً عن السعي الذي لا يعرف الكلل لتوفير لقمة العيش، وأيضاً المأوى والملبس لأطفالهم، تجدهم أيضاً يصوبون أعينهم على المستقبل، وما قد يحدث في الغد. هذا الهم يظهر في كثير من كلمات الآباء والأمهات، أو في طريقة تربيتهم وتوجيههم لأطفالهم. مع الأسف، أنه في أحيان كثيرة يفشل الأبناء في تقبل مثل هذا الحرص الإيجابي واستثماره الاستثمار الأمثل، بل إنهم في أحيان يقاومونه تماماً، فيتسببون بألم بالغ لذويهم. ولكن ما هو السبب في مثل هذا الرفض والمقاومة؟!.

القصص من الواقع عديدة ومتنوعة، أسوق واحدة منها تتعلق بإحدى السيدات التي قالت: "لدي ثلاث أبناء ذكور، جميعهم في سن المراهقة، الأكبرعنيد تماماً، وقد تبعه أخوه الأصغر منه، تجدهما لا يتقيدان بالنظام في البيت، ويريدان الخروج والعودة كما يحلو لهما، بحجة أنهما ليسا أطفالاً، هذا السلوك انعكس على تحصيلهما الدراسي. في المقابل، أخوهم الأصغر منهما، عندما أوجهه لأي أمر أو أنصحه بأي عمل، أجده مباشرةً يترجم كلماتي لواقع، بسبب هذا تطور، فلغته الإنجليزية قوية، وبات مثقفاً، لأنني كلما أوصيته بالقراءة، ترك الذي في يده وتناول كتاباً، وهذا التميز يمكن للكل ملاحظته من أسلوب كلامه ومن ملبسه واحترامه وهدوئه، وهذا جميل، لكن غير الجميل أن أخواه بدآ يُرجعان هذا التميز لاهتمامي به، وأنني أوليته عناية أكبر منهما، وهذا غير صحيح نهائياً، بل إنه، وبسبب صغر سنه في السنوات الماضية، كانت كثير من الهدايا لا تذهب له، وإنما لهما.

من خلال هذه القصة، والكثير مما نسمعه، يتضح لنا أن هناك معضلة قديمة في التواصل بين الأبوين مع أطفالهم، فلا يكفي أن توجه لهم النقد والأوامر، وتقول إن عليهم الطاعة العمياء، خاصةً لجيل اليوم، لابد من الجلوس معهم والشرح وضرب الأمثلة، ببساطة، محاولة إقناعهم. الأب الذي يجلس مع أطفاله ويقص عليهم ما مر به من آلام وهموم وعثرات، ثم يقول لهم إنني أريد أن أجنبكم كل هذا الطريق، سيكون أكثر إقناعاً، وسيجد أن الاستجابة له أكثر وضوحاً. وفي قصة تلك السيدة، وكما هو واضح، فجوة تواصل مع طفليها، فلو كانت هناك لغة حوار وتفاهم ونقاش معهما، لما سمعتهما يتحدثان عن أخيهم الأصغر بأنها اهتمت به أكثر منهما، فكلماتهما هذه لم تأت من فراغ أو من اختراع مخيلتهما.

أبناؤنا في مرحلة المراهقة، مع جنون هذه السن، هم حساسون جداً، وأيضاً مشتتو التفكير والاهتمامات. يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: " التربية ترقية لجميع أوجه الكمال التي يمكن ترقيتها في الفرد". وهذا هو الهدف من التربية، محاولة الصعود بأطفالنا نحو مصاف الخير والسعادة والإنجاز والتميز، وهذا لن يأتي بالأوامر والنواهي القاسية الصارمة، بل يأتي بكثير من الحب وإظهار هذا الحب، والتوجيه بالرفق، ومنحهم فرصة للتجربة دون ضرر عليهم، وإشباع فضولهم والسن الذي يعشونها بالثقة بهم.

اسلام اليوتيوب

husen abusodاليوتيوب وما أدراك ما اليوتيوب وهو هنا كناية عن عالم الانترنت ككل بما فيه الفيس بوك والتويتر والبالتوك والواتساب وغيرها.

واليوتيوب عالم ملون يدخله الانسان بإرادته وﻻ يخرج منه الا اذا شعر بالتعب والارهاق،وبعد ان شعرت يوما بالتعب واﻻرهاق ظللت استعيد ما رأيت طوال عدة ساعات متواصلة من التجوال في دهاليز اليوتيوب ﻻ سيما ما يتعلق بالدين اﻻسلامي، والحق باني لم اجد الاسلام كدين واحد يدعو الى اﻻعتصام بحبل الله وعدم التفرق،لكني رأيت التفرق والتشرذم واﻻسقاط الفظيع للافراد والجماعات فهذا عدنان ابراهيم يتحدث ضد عثمان الخميس الذي يتحدث ضد الشيعة وهذا العريفي يتحدث ضد السيستاني، وذاك الفلاني ضد العلاني، الشيخ الغزي ضد احمد الوائلي، وياسر الحبيب ضد السيد كمال الحيدري ورأيت الوهابية يردون على الصوفية والصوفية يفندون عقائد السلفية، والبريلوية الاحناف ضد الديوبندية اﻻحناف، السنة ضد القاديانية الاحمدية، رأيت المسلمين يعادون اﻻسلام ورأيت رجال دين مثل احمد القبانجي يشكك في صدق النبي وصحة القرآن، رأيت اناسا (طفشوا) من شيء اسمه الاسلام وبدأوا يحاربونه تحت ستار العلمانية،وامام هذا السيل من الهجوم الاسلامي على الاسلام يقف خط اخرمن خارج الدين الاسلامي يهاجم الاسلام وهو أمر يعده البعض معقولا بعض الشئ امام هجوم المسلمين على المسلمين وعلى الاسلام، أنه عالم في منتهى الغرابة، رأيت في اليوتيوب دعوات الى التجديد والتصحيح، رأيت الاسلام التنويري واﻻسلام التكفيري واﻻسلام الشيعي والاسلام السني والاسلام السلفي، رأيت كل هذا واكثر ولكني لم أر أبدا الاسلام المحمدي. أذن اين الاسلام? ومن الصحيح اذن؟ هذا طبعا فضلا عن الخلافات السياسية بين الدول الاسلامية وكثرة اﻻحزاب وفضلا عن الكتب الكثيرة والادبيات الغزيرة في الرد والنقض والتفنيد ونقض النقض وهي بالاﻻف بل بمئات الالوف، وخلصت في النهاية الى ان هذا الدين الذي كان اصلا لعقا على الالسنة، تحول الى تجارة ومكاسب وعجائب وغرائب وطقوس واسقاطات، والانترنيت صار يتناقل هذه العجائب والغرائب والاسقاطات، في(ﻻ وقت) اعني على الفور فتزيد بذلك الهوة بين المسلمين يوما بعد يوم حتى صار حلم العودة الى الاصل مستحيلا، بعد تزايد الكتب الإسلامية من حديث وتفسير وعقائد، وصار لكل مذهب كم هائل من الكتب يحتار معه الذي يريد ان يعتنق الاسلام حديثا فلا يعرف اين رأس الاسلام وأين اقدامه، واي المذاهب اقرب الى الصحة كي يتبعه ويتعبد بمقتضاه . ولا اقول امام هذا الاحباط الكبير الذي يصيب الروح والجسد في ان واحد سوى قول الله تعالى في هؤلاء:(ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء).. وانادي بصوت مخنوق :اذن اين الإسلام؟

ان الدين الاسلامي له مشكلة كبيرة وهو اختلاط اﻻصل بالنقل والصحيح بالسقيم والوضعي بالسماوي والابيض بالأسود ولحل هذه المشكلة نحتاج الى خبير ومفكر محايد ومخلص يؤمن بالثابت والمتغير ومثل هذا الخبير عملة نادرة في يومنا المتشظي الى ميول ورغبات وأهواء، وهل يحق لي ان اكرر ندائي واقول ثانية : اذن اين هو الاسلام؟.

حسبتُك عَوناً فظهرتَ فِرعَوناً

jawadkadom gloomنسمع بين آن واخر من خلال متابعتنا لمجريات العمليات العسكرية التي يشتعل أوارها في اجزاء واسعة من بلادي بين اجلاف داعش الارهابية من جهة وبين قواتنا المسلحة وعناصر الحشد الشعبي والبيشمركة من مقاتلينا الابطال من جهة اخرى ان الولايات المتحدة وطائرات قوات التحالف الدولي كثيرا ما تقوم بإسقاط الاسلحة والأعتدة والمتطلبات اللوجستية من الجوّ الى الامكنة التي تسيطر عليها قوى الارهاب

هذا الامر المربك المثير للقلق والتشكيك حدث عدة مرات وليس لمرة واحدة حتى نبرّر ونقول انه خطأ عسكري او تقني غير مقصود فقد تكرر مرارا بشكل يدعو الى الريبة بان قوات التحالف ليست بمنأى عن الاتهامات التي تطالها لإدامة الحرب لاستنزاف قدراتنا وإضعاف قواتنا العسكرية من خلال الدعم الخفي لعناصر داعش حين يضيق بها الخناق

نحن نعرف تماما ان داعش تتغذى عسكريا ولوجستيا وإمدادات بشرية مقاتلة عبر مسالك ليست بأيدينا وانما يسيطر عليها الجانب التركي اضافة الى ممرات تحت سيطرة داعش انطلاقا من الرقّة السوريّة الى قسم كبير من بقاع محافظة الانبار الواقعة تحت سيطرة هؤلاء الوحوش الدخلاء وهناك طوابير شاحنات ملأى بالأسلحة والاعتدة يتم شحنها بين فترة واخرى لتوزّع علانية وسط الحشود الموالية للإرهاب مثلما يحدث كثيرا في الفلوجة ، كما ان بعض مطاراتنا صارت محطات لطائرات متعددة تقوم برحلات مكوكيّة محمّلة بكل مايغذّي الحرب ويطيل من أمدها ، فهذا كله معروف لدينا لكن ان يصل الامر الى ان التحالف الدولي هو الاخر مصدرٌ ممول للفصائل المسلحة لداعش فهذا مما يشكل خطرا كبيرا وينبغي الوقوف عنده مليّا

فليس اخطر ممن يدّعي انه جاء لنصرتك والوقوف الى جانبك ومن ثم تكتشف ان هناك من يدعم عدوك في الخفاء مثلما يقول اهلنا " حسِبْتكَ عونا فأصبحت فِرعَونا "

اكاد اشك – والشك اساس اليقين على حد قول الفيلسوف ديكارت – بان الولايات المتحدة وذيولها من التحالف ترمي بحبالها لا لتضييق الخناق على رقاب الدواعش وانما ليمدّوا حبال النجاة بغية انقاذهم وإعادة الانفاس اليهم

أوقن جازما ان هذا الذي نسميه تحالفا دوليا من الاغراب وبعض الأعراب منه ؛ يعمل على تقويته وتنشيطه وإعادتهِ لا الى إبادتهِ ويسعى الى إنمائهِ لا الى إنهائهِ

متى نبقى واهمين يتقاذفنا الضلال والعمى واللاأدرية والأمعيّة ؟؟

مخطئ من يظنّ ان الخيط الابيض قد اختلط مع الخيط الاسود ولم نعد نفرز مابين الاثنين ، لقد تبيّنَ الناهض من السافل والمثقل باللحم عن الناحل وتراءى لنا الحابل والنابل معا بوضوحٍ تامّ

مصيبتنا انّ رعاتنا السياسيين يتسامرون مع الذئاب ليلا ويبكون مع الأحمال الوديعة نهارا

رفقا أيها المبتلون والمحزونون من أهلي وعشيري وأبناء بلادي ، كم من الخفايا والدسائس والمكائد تنطلي علينا !!

 

جواد غلوم

خبرتنا وتعدد ألوان الحياة

fatima almazroweiالبعض منا تنقصه الخبرة الحياتية الحقيقية التي يمكنها أن تساعده في فهم كثير من الأمور التي يتعرض لها، ولا يجد تفسيراً مناسباً يمكن أن يخفف من وقعها عليه خاصة إذا كانت ذات طابع قاسي. وعندما أقول الخبرة الحياتية لأننا فعلاً نلاحظ سلاماً وتسليماً لدى الأكبر سناً -الأمهات والجدات أو الآباء والأجداد- تسليم بكثير من المواجع التي يجدونها، يتمثل هذا التسليم في هدوء شيق ونفس طويل وعدم توتر أو غضب. وأحسب أن هذا نتيجة طبيعية لإفرازات الزمن وتراكم الخبرات الحياتية التي جعلتهم يدركون أن أي صعاب تحدث في دنيانا هي شئ طبيعي يمكن التعامل معه بتوتر ويكلفنا نعمة الصحة، أو أن التعامل مع المشاكل والعقبات بروية وسعت صدر فنستفيد حل هذه المشاكل وأيضاً تمتعنا بصحة نفسية وجسدية دائمة.

بطبيعة الحال معظمنا يدرك ويعلم بمثل هذه الجوانب لكن تبقى مسألة تطبيقها على أرض الواقع شيئاً آخر مختلفاً تماماً، وأعتقد أن العلم بمثل هذه الجوانب شىء وتطبيقها شئ آخر مختلف تماماً، فالتطبيق يحتاج لتدريب ومرونة ويحتاج لفهم وتطبيق على أرض الواقع بمعنى أن تكون لدينا حساسية محددة تشتغل عندما نبدأ بالغضب تذكرنا أن نعود لطبيعتنا. توجد قصة تدل على أن الفتيات والشباب سريعون جداً في اتخاذ قرارات حياتية مصيرية دون هوادة أو تفكير، فهم يفهمون كثيراً من الأحداث ويقرؤونها بشكل خاطئ بشكل تام، وتبعاً لهذا الفهم يتخذون قراراً قد يكلفهم حياتهم.

توجد قصة تم تداولها على نطاق واسع منذ فترة من الزمن عن شاب في إحدى الدول الأوروبية أنهى تعليمه الثانوي، وأرسل أوراقة لثلاث جامعات كبرى بهدف مواصلة تعليمه الجامعي، فكانت الجامعة الأولى الأكثر شهرة وشروطها أكثر تعقيداً وتعجيزاً ولا تقبل أي طالب. أما الجامعة الثانية فكانت الأخف في هذا المجال، لكن الجامعة الثالثة كانت تقبل الطلاب بشروط أخف بكثير وتتمتع بمرونة كبيرة في القبول، بعد فترة من الزمن تلقى هذا الشاب خطاب اعتذار عن قبوله من الجامعة الثالثة، أحبط وتلبس به حزن بالغ، وبعد عدة أيام أخرى تلقى خطاباً من الجامعة الثانية أيضاً كان يحتوى على اعتذار لعدم قبوله، عندها قام بالقفز من أعلى جسر في المدينة منتحراً، لأنه لم يتم قبوله في الجامعات الأقل شروطاً، وبالتالي فإن أمله في القبول في الجامعة الأكثر تشدداً وتطلب نسباً عالية من الدرجات مستحيل، لكن المفاجأة أنها هي الجامعة التي أرسلت له قبولها وترحب به للانضمام للحياة الجامعية. هذه هي شعلة الشباب التي تفتقر للخبرة والمعارف الحياتية، فحتى لو لم يتم القبول النهائي هل هناك ما يبرر عدم الانتحار وقتل النفس؟.. إطلاقاً لا يوجد أي مبرر.. لكن أوردت هذه القصة للدلالة على أهمية الكثير من القرارات التي تتخذ في الحياة، وهي قرارات لا تمت للواقع بأي صلة، وهي تسبب أذى بالغاً، نحتاج لندرب أنفسنا على كيفية التعامل مع الضغوط ولنردد دوماً لعله خير، فلا تعلم قد تغضب بسبب عدم حصولك على شئ تتمناه والخير هو في تجنبك له.. هذه هي الحياة ألوان متعددة ومتنوعة.

من المعجم الروسي- العربي للامثال والحكم الروسية (4)

استمرارا للحلقات السابقة اقدم للقراء الحلقة الرابعة من سلسلة مقالاتي حول الامثال والحكم الروسية، ويتكرر هنا طبعا نفس الاسلوب والمنهج السابق، اي الترجمة الحرفية للمثل الروسي والتعليق حوله .

 

الترجمة الحرفية- السنبلة الفارغة ترفع رأسها عاليا

التعليق – يضرب في ان الانسان الفارغ يتعالى على الناس ويكون مغرورا. يوجد بيت شعر عربي في هذا المعنى ذهب مثلا وهو –

ملأى السنابل ينحنين تواضعا   والفارغات رؤوسهن شوامخ .

 

الترجمة الحرفية – الحقيقة بالنار لا تحرق وبالماء لا تغرق .

التعليق – يضرب في ان الحق يسود رغم كل شئ . يوجد بالعربية مثل مناظر من حيث المعنى وهو – الحق يعلو ولا يعلى عليه .

 

الترجمة الحرفية – البساطة اسوأ من السرقة .

التعليق – يضرب في ان السذاجة والبساطة والافراط في الثقة تجاه الآخرين تجلب المشاكل . توجد بالعربية امثلة عديدة في هذا المعنى، منها – بعض الحلم ذل، الافراط في التواضع يجلب المذلة ...

 

الغراب المذعور يخاف حتى من الشجيرة .

التعليق – يضرب في ان الانسان المذعور يصبح حذرا اكثر مما ينبغي حتى في تلك الحالات التي لا تشكٌل خطرا له . يترجم بوريسوف في قاموسه الروسي – العربي هذا المثل هكذا – من لسعته حية يخاف من الحبل، وهي ترجمة صحيحة من حيث المعنى باستخدامه ذلك المثل العربي المعروف .

 

الترجمة الحرفية – المهنة لا تتدلى على الكتفين .

التعليق – يضرب في ان المهنة التي يتعلمها الانسان ليست عبئا عليه بل مفيدة له . توجد بالعربية   امثلة عديدة في هذا المعنى منها (باللهجة العراقية) – (الصنعة – محبس ذهب) (الصنعة تعني المهنة والمحبس يعني الخاتم) / (الصنعة – ام حنينة)...

 

الترجمة الحرفية –   من العين يسقط – من القلب يخرج .

التعليق – يضرب في ان الابتعاد عن بعض يؤدي الى عدم التواصل بين الناس . يترجمه بوريسوف في قاموسه – اذا بعدت عن شخص بعدت عن قلبه، وهي ترجمة صحيحة . يوجد مثل عربي في هذا المعنى وهو – البعيد عن العين بعيد عن القلب .

 

الترجمة الحرفية – صياد السمك يرى صياد السمك الآخر عن بعد .

التعليق – يضرب في ان الانسان يجد دائما نظيره . يترجمه بوريسوف في قاموسه – وافق شن طبقه، وهي ترجمة صحيحة وموفقة جدا . توجد بالعربية امثلة عديدة في هذا المعنى منها – الطيور على اشكالها تقع / كل جنس يميل الى جنسه ...

 

الترجمة الحرفية – مع من تختلط، منه تقتبس .

التعليق – يضرب في ان الانسان يتقبل طباع الذين يختلط معهم ويتأثر بهم. يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – ان القرين بالمقارن يقتدي ( وهو عجز بيت الشعر المعروف الذي ذهب مثلا – عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ...)، وهي ترجمة صحيحة، و نجد في القاموس الروسي - العربي المعاصر الكبير باشراف جابر ابي جابر ترجمة اخرى لهذا المثل وهي – من عاشر القوم اربعين يوما صار مثلهم،وهي ترجمة صحيحة ايضا . توجد امثلة اخرى بالعربية في هذا المعنى طبعا ومنها المثل العالمي الشهير – قل لي من تعاشر اقول لك من انت .

 

الترجمة الحرفية – الاسكافي بلا حذاء .

التعليق – يضرب في ان الشخص الذي يعمل شيئا محددا للاخرين لا يمتلك امكانية ان يعمل ذلك لنفسه . توجد بالعربية امثلة عديدة في هذا المعنى منها الاسكافي حافي / باب النجار مخلوعة / الحايك عريان ...

 

الترجمة الحرفية – من النعجة الجرباء قبضة صوف في الاقل .

التعليق – يضرب عندما تحصل من البخيل وبمشقة ولو شيئا ما . يترجم بوريسوف هذا المثل في قاموسه كما ياتي – شعرة من جلد خنزير مكسب، او، شعرة من جلد كلب مكسب، وقد أضاف في كلا الحالتين كلمة (مكسب) الى المثل العربي المعروف لتوضيح المعنى، وهي اضافة موفقة.

 

الترجمة الحرفية – العالم ليس بلا ناس طيبين .

التعليق – يضرب في انه يوجد دائما اناس طيبون في عالمنا . يوجد مثل بالعربية في هذا المعنى وهو – لو خليت قلبت .

 

الترجمة الحرفية - العجلة تثير ضحك الناس .

التعليق – يضرب في ان الاعمال التي يؤديها الانسان باستعجال غالبا ما تكون غير موفقة وتثير سخرية الآخرين . يترجم بوريسوف هذا المثل مستخدما المثل العربي المشهور – في العجلة الندامة وفي التأني السلامة، وهي ترجمة صحيحة وموفقة . توجد بالعربية امثلة عديدة في هذا المعنى منها – التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان / من تأنى نال ما تمنى / الخطأ زاد العجول / من اسرع كثر عثاره ...

المجد الحقيقي الوحيد !

fatima almazroweiنرتدي كثيراً من الملابس الجميلة والبعض منا قد يكون ملبسه من آخر الموديلات أو الصيحات في عالم الأزياء، وهذا ليس عيباً أو شيئاً مستغرباً، بل الذي يبعث على الاشمئزاز في النفس ويدعو فعلاً للسخرية، ألا ترافق هذه الأناقة قيم أخلاقية ومبادئ جميلة يتحلى بها الشخص.

لدى البعض منا هوس فعلي وواضح باقتناء كل جديد وارتداء كل حديث والمسابقة في عالم التميز وإظهار نفسه بشكل خلاب، لكن لا يرافق مثل هذا الاهتمام عناية بالجوانب التي لا تقل أهمية بل هي على درجة عالية من الأهمية مثل كيفية التعامل مع الناس، التواضع، حسن الخلق، الكرم والتسامح.. إلخ. ببساطة متناهية البعض يهتم بالقشور ولا يهتم بالأساسيات والعمق، يهتم بالخارج والمظهر ولا يهتم بالجوهر والمبدأ. وهذه مشكلة حقيقية، عندما تشاهد أحدهم يجلس بين من يفترض أنهم أصدقاؤه، ويتحدث معهم دون مراعاة لكلماته فيقطر لسانه سمّاً وتخرج منه كلمات جارحة، ويصدر أحكاماً غير موضوعية ويقيم الناس ويصنفهم فيخرج هذا ويدخل هذا وينال من ذاك ويستصغر الآخر، فهذا في حالة مزرية من التعالي تتطلب علاجاً نفسياً. كثيرون هم من يخدعون بالمظهر الذي يكتسي أو بالمركبة التي يسيرون فيها فلا تصبح منطلقات أحكامهم موضوعية أو طرق عيشهم مقبولة، بل حتى أحاديثهم وطريقة مناقشتهم تصبح ضبابية غير واضحة بل غير منطقية، والسبب ببساطة متناهية هو أن منطلق أفكارهم غير سليم وبداية تفكيرهم أيضاً غير سليمة.

وهنا المشكلة بحق مع هؤلاء. بمعنى أنك مهما حاولت أن تبلغهم أنهم يخطئون في الحكم على الآخرين، وأن نظرتهم مشوبة بمادية ليست في مكانها الطبيعي، ذلك أن العلاقات الإنسانية يفترض أن تكون منزهة وبعيدة عن مثل هذه الجوانب، وبرغم هذا فإنك في وهلة من الزمن ستشعر بأنك كمن يضيع وقته دون طائل أو دون فائدة.

مرة أخرى، ليست مشكلة أن يسعى الإنسان للحصول على المادة والكسب، لكن المشكلة أن تطغى على جوهره وتصبح هي منطلق حكمة والمعيار الذي بوساطته يحكم على الناس، وهنا الخطأ، عندما تشاهد البعض من هؤلاء تشعر بأن الأرض نفسها تتحمله بصعوبة من غطرسته وغروره ولا تعلم ما السبب؟ في الوقت نفسه تشاهد نماذج مشرقة تملك الأموال والعقارات، وتنزل للأسواق وتقابل الناس بعفوية وببساطة متناهية، فلم تنسهم الأموال من هم ولا أصدقاء الطفولة ولا الجيران والأقارب، فعلاً بتنا نشتاق لجوهر كثير من الناس لا سطحيتهم ومظهرهم.. يقول أحمد بن محمد الواسطي، في أبيات جميلة حول هذا المعنى: " كم جاهلٍ متواضعٍ.. ستر التواضعُ جهله، ومميزٍ في علمِه.. هدمَ التكبرُ فضلَهُ، فدعِ التكبرَ ما حييتَ.. ولا تصاحبْ أهلَهُ، فالكبر عيبٌ للفتى.. أبداً يقبح فعله". وأكاد أجزم أنه لا توجد أمة من أمم الأرض، ولا شعب من شعوب المعمورة ولا حضارة قامت وأثرت العالم، إلا كانت فيها معان من التحفيز للاهتمام بالجوانب الإنسانية وبالجوهر وعدم القسوة والتعالي على الآخرين، يقول الروائي والشاعر الفرنسي ألفرد دو موسيه: " ليس للرجل سوى مجد واحد حقيقي، هو التواضع". لنتعلم فضائل التنزه عن الماديات ونهتم بعمق الإنسان وطبيعته..

قصة الدموع التي لا تنتهي

fatima almazroweiللدموع مهمة أساسية تساعد العين على أداء وظيفتها على أكمل وجه، فهي تغسل العين من أية أتربة أو ميكروبات وتقوم بتغذية القرنية، وتشكل سياجاً للمحافظة على العين، وتزيد من بياضها، فالقرنية وكما هو معروف تعتبر العضو الوحيد في جسد الإنسان الذي لا يحتوي على أوعية دموية بسبب شفافيتها، ولذلك تعتمد في تغذيتها على السوائل المحيطة بها وهذه السوائل هي الدموع، وغني عن القول إن انخفاض معدل الدموع، أو حتى إذا توقفت بسبب أي عارض فإنه سينتج عن هذا مشاكل عديدة للقرنية منها حدوث ما يعرف بجفاف العين، وهذه تصنف مباشرة كحالة مرضية، ويعتبر التقطير في العين بمادة تم تصنيعها وفق خصائص تشبه الدموع أول علاج وهي تقوم بمهمة الدموع التي توقفت أو التي قل إفرازها عن المعدل الطبيعي.

برغم هذا الإعجاز في وظيفة الدموع تبقى لها وظائف أخرى لا تقل أهمية للعين مثل دورها في عملية انكسار الضوء وفي حدة الإبصار، ولذلك فإن من يُصب بجفاف الدموع أو انخفاضها عن المعدل فقد يعاني سوءاً في البصر أو تدهوراً في قوة الإبصار. هناك جانب آخر في مهام ووظيفة الدموع، وهي وظيفة بالغة الأهمية وبعيدة عن الجوانب الطبية وبعيدة عن صحة العين وسلامتها، وهي متعلقة بالصحة النفسية للإنسان، ولأن الإنسان يعبر عن كثير من مشاعره في كثير من المواقف الحياتية بالدموع، فإنه تم تصنيف هذه الدموع على حسب الحالة التي تعتري الإنسان، ولذا ظهرت أنواع الدموع فبتنا نعرف أن هناك دموعاً تسمى البريئة وهي التي نشاهدها على وجنتي كل طفل، و دموع الحب، التي نشاهدها على خد كل حبيب عند فقده حبيبه أو بسبب فراقه وبعده، وهناك الدموع الحزينة وهي التي تعبر عن الألم ومشاعر من الإحباط، ولا ننسى ما يسمى بدموع الفرح، والتي تصل بالإنسان للتعبير عن سعادته وفرحته فلا يجد سوى الدموع، وهناك دموع أخرى مشهورة وهي دموع التماسيح، والتي ذهبت مثل في الخداع والمكر. الدموع عرفت في جميع مراحل التاريخ الانساني بأنها دوماً متحدة مع القيم الإنسانية كالحزن أو الفرح أو الألم ونحوها، لكنها لم تعرف أنه يتم استخدامها بخداع حيث تظهرك محب ولهان وأن هذه الدموع خير برهان ودليل على ألمك وأملك، وانت تخفي خلفها الانتهازية ومحاولة القضاء على من وثق بدموعك.

وهناك دراسات وبحوث ونظريات علمية حاولت معرفة سر الدمعة، من الناحية النفسية وأثرها على سلامة عواطف الإنسان، بل أن هناك من تحمس لما يعرف بعلم الدموع، واعتبره علماً قائماً مستقلاً بحد ذاته، بل وعقد لكل أنصار هذا العلم مؤتمر طبي في عام 1985م في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان العنوان الرئيسي لهذا المؤتمر البكاء الكثير يعني الحياة الأطول، ومن نتائج هذا المؤتمر الدعوة لضم تحاليل الدموع مع تحليل الدم والبول، مؤكدين أن نتائج تحليل الدموع ستساعد الأطباء على اكتشاف حالة المريض واعتلالاته التي تصيب الجسد. واضح أن الدموع لها قصة أزلية رافقت الإنسان، وأن أثرها بالغ في حياتنا، وهي قصة نشاهدها كل يوم وأحداثها مختلفة ومتنوعة لكن الدموع وحدها كانت هي الأكثر تعبيراً ووهجاً وأثراً.

الشّعر يتألّم بغياب أنسي الحاج

madona askarلماذا ينبغي الرّحيلْ، لمن هُمُ بهاء الكلمة وجذورها المتعانقة في أحشاء الحرفْ؟

الشّعر يتألّمْ ويبكي، ويفتقدْ، بهاء شاعر حلّ في أرض جديدة وسماء جديدة،

حيث الحقيقة فرح لا يخجل أمام الحزنْ

والحبّ يحلّق حرّاً طليقاً

ولا يختبئ من الوحشيّة

والفوضى

والذّعر

والهمجيّة...

أنسي الحاج، أترعتَ الكؤوس السّبعْ حتّى فاضت غمراً نقيّاً أذهلَ الحضورْ...

أنّى للأنقياء أن يستريحوا في شقاء العالم؟

لهم منازل الوحي في السّماءْ

نعيم في موطن الجمالْ...

رحلتَ ولا يمكننا الانتظارْ

ويمكنكَ...

فانتظرنا...

أرسل لنا مع الصّباحات الجميلة

شذرات وحيٍ

تنعش ما تبقّى من حياةْ

تلهم محبّين تائقين إلى الخلاصْ...

ولا تدعِ الشّعر يتألّمْ

ويبكي...

ويفتقد...

وينتظرْ...

إستطيقا القبح: كل ما هو قبيح يمكن أن يكون جميلا

hamoda ismaeli(الشاعر يعرف كيف ينحط بالحياة، معتقدين بأنه يتقبل ذلك، غير أن هذا ليس هدفه، لأنه يستفيد جيدا من رحلته. يستخرج من القبح والتفاهة شكلا جديدا من السحر) .. بودلير

عندما نتحدث عن الإستطيقا كمصطلح فلسفي، فإننا نتحدث عن الإنتاج الفني: الفن باعتباره جمالا، كحضور مدهش. الإستطيقا عند الإغريق هي كل ما يترك إحساسا جميلا. لأجل هذا الكلمة الإغريقية "إستسيس" aisthesis (إحساس) تعني اشتقاقيا "علم الإحساس".

سوسيولوجياً يتضمن الجمال معنيين: المعنى الفيزيقي المتعلق بالجسد الإنساني بما في ذلك تمظهر (شكل) الأشياء، والمعنى الميتافيزيقي الذي ينتمي للحياة الباطنية (الجوهر). هذا المعنى الأخير (الميتافيزيقي) يعتبر واحدا من أهم المفاهيم الفلسفية منذ كانط لغاية هايدغر. هناك بعض التفاسير التي تقدم الجمال والقبح على اعتبار أنهما مفهومين أحدهما يقابل الآخر. لكن بافتراض أن القبح ليس ما هو عكس الجميل، فما هو إذن؟

القبح هو رؤية مغايرة، جانب آخر؛ كمثال امرأة جميلة بإيطاليا القرن السادس عشر ميلادي، ربما امرأة قبيحة بزمن الفراعنة. ما يعني أن القبح والجمال تعريفات سوسيولوجية مؤقتة، تتغير عبر الحقب الزمنية، وحسب مختلف المجتمعات البشرية بالعالم.

القبح مثل الجمال كذلك يتضمن معنيين: داخلي وخارجي. ولدينا مثل متداول يفسر جيدا هذه الفكرة، يقول : "الجمال قشرة خارجية، أما القبح فيتغلغل حتى العظام".

الآن، لو تقبلنا أن القبح ليس عكس ما هو جميل، هل يمكن أن نجد جمالا ضمن ما هو قبيح؟

ذلك هو مشروع بودلير، الشاعر الذي معه يمكن بعمق القبح أن تنبت بذور الجمال. مستلهما من إدغار ألان بو - أب الرعب - بهدف أن يصير مثل رامبو: بودلير يصبح ساحرا، يقوم بتحويل الحقد، القرف، الغضب، البؤس، إلى أزهار بمدينته الوغدة، باريس التي تنتج الشر. هنا بودلير يغني "أزهار الشر".

مع إدغار ألان بو، بودلير، فيرلان - الصديق الحميم لرامبو، المالنخوليا (الاكتئاب) ليست حالة نفسية سلبية، إنما أرض غامضة عجائبية : معرض للمجانين. وكما يقول جون غريغور : "من المهم إدراك أن قبحنا، مهما كان، يخفي بعض الجمال".

في فَنِّ الخِطابِ

nazar haidarلكلِّ خطابٍ مُتلَقٍّ، وتارةً الهدفُ منه التّأثير واُخرى التّشهير، وتارةً يرادُ لذاته (المُتلقّي) واُخرى لغيره (الرّأيُ العام).

امّا اذا كان للتّشهير والتّسقيط ولنشر الغسيل القذر فلا شُغل لنا به، فهو لا يهشُّ ولا يبشُّ في عمليّة الإصلاح والتّنوير.

امّا اذا كان للتأثير من اجل الإصلاح والتغيير سواء لذات المتلقي او للآخرين، الرأي العام، فينبغي ان يكون علمياً وموزوناً ومنطقياً وعقلانياً ومنصفاً.

لقد حمّلنا القرآن الكريم مسؤولية الإرشاد والدعوة والتبليغ لرسالات الله تعالى ثم حدّد الطريقة والاسلوب، فقال تعالى في ثلاث آيات:

{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

الملفتُ للنّظر في هذه الآيات هي انها تأمر باستخدام الأسلوب (الحسن) في الدعوة ولكنّها تصرّ على استخدام الأسلوب (الاحسن) عند الجدال والنقاش والحوار، اي انّ هناكَ اختلافٌ في صيغة الأداء، لماذا؟.

من خلال التّدبّر في السياقات القرآنية يبدو لي انّ في الامر سراً، وهو؛

انّ الدّعوة الى الله تعالى ورسالاتهِ هي عمليّة تبليغيّة محضة ليس اكثر، امّا الجدال والنقاش والحوار ففيها جانبُ تحدّي بين الطّرفين، خاصّة اذا كان على رؤوس الأشهاد، ينتبه لها الرّأي العام أكثر من انتباهه لمجرّد التّبليغ، ولذلك ينبغي ان يكون المحاورُ اكثر دقّةً وأكثرُ انتباهاً وهو يختار المفردات والمصطلحات والحجج والبراهين، وأكثرُ التزاماً بأخلاقيات الجدال وأكثر انتباها لمشاعر الرأي العام لانه يُجادل ولا يُبلّغ، ولذلك فالعيون مُفتّحة عليه والعقولُ مستنفرةٌ والكلّ يترقّب أيُّ الفريقين يسقط في اختبار المصداقيّة؟.

طبعاً؛ هذا اذا كان المجادلُ والمحاورُ يبتغي التأثير في الآخر او في الرأي العام من خلال محاججة الخصم.ّ

وَمِمَّا لا شكَّ فيه انَّ التأثير لا يَكُونُ الا بالشّرط الّذي حدّده الامام امير المؤمنين عليه السلام عندما نهى أصحابه عن سبَّ اهل الشّام، جيش معاوية بن ابي سفيان، قائلاً لهم؛ {وَلكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ}.

فاذا كان القصدُ من وراء المجادلة:

اولاً؛ إصابة القول.

ثانيا؛ الابلاغ في المحاججة.

اذن؛ ينبغي ان يكونَ الحديثُ وصفاً وذكراً، وصفاً للأعمال وذكراً وتذكيراً بالاحوال، بعيداً عن لغةِ التّسقيط والاستهزاء، فانّ ذلك يساهمُ بشكلٍ كبيرٍ في عملية تنوير الرأي العام، اما اذا كان الغرضُ من كلّ ذلك هو المِراء على حد قول الامام عليه السلام {فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ} وتوظيف فرصة لتصفية حسابات او افراغ شحنات إضافية من الحقد والضغينة والكراهية، فلا فرق في ان يكون الكلام أيّ شيء، لانه ميؤوس منه وغير هادف ابداً، بعدَ ان انتُزعت عنه ايّة إمكانية للتأثير.

لذلك نلاحظ انّه عليه السلام كان يوظّف كلّ حوارٍ وجدالٍ يجري بينه وبين معاوية عبر المراسلات الكثيرة لتنوير الرّأي العام، لانه على يقين بان المحاور، معاوية، لن يتاثّر بِشَيْءٍ بعد ان خٓبِرٓهُمُ فعرِفهُم على حقيقتهم، وانّما كانت عينُه على الرّأي العام سواءً في صفوف جيشه او في صفوف جيش العدو، ولهذا السّبب وظّف الامام كل انواع المحاججات النّقلية والعقليّة والمنطقيّة والبلاغيّة لإفحام معاوية ليس لذاته وانما للتّاثير بالرّأي العام وتنويره.

يتّضح لنا من كلِّ ذلك ان العِبرة ليس في المحاججة او النقد او الحوار وانما في الهدف منه، فاذا كان الهدفُ هو لتنوير الاخر وتبيين خطأه لتنبيهه بما يُصلح حاله، او حال الرأي العام، لا فرق، فينبغي ان نبذلَ جُهدنا في البحث عن (أَحسنِ) الحديث، امّا عدم الاكتراث بالهدف فلا يزيدُ النقدَ والحوارَ والجدالَ شيءٌ ابداً، عندها استخدم ما شئت من اللغات، حتى السوقيّة منها، اذ:

مازاد حنّونُ في الإسلامِ خردلةً

ولا النَّصَارَى لهم شُغلٌ بحنّونِ

وبرأيي؛ فانّ واجبنا اليوم ينصبّ باتّجاه التأثير للتنوير والإصلاح والتغيير وليس للتسقيط والتشهير، أليس كذلك؟.

 

١٨ شباط ٢٠١٥

الظلم والإيمان

falah almishealهل توجد علاقة بين الظلم والإيمان، أو مايقابلهما من علاقة بين الكفر والعدالة؟

يسود إعتقاد "خاطئ" لدى غالبية شعوب الشرق المسحوقة، بأن العدالة قرينة الإيمان والإنتماء للدين والملتصقين بشرائع السماء، وان الكفر هو المنتج الأول للظلم، وانتهاك حقوق الإنسان وكرامته .

كما ترسخ الإعتقاد بأن مجتمعات أوربا والغرب، مجتمعات كافرة، ومجتمعاتنا العربية والإسلامية بكونها مجتمعات إيمانية، تؤدي فرائض الدين وتتبنى تعاليم الشريعة وفقه المذهب الذي تتبناه ...!

المجتمعات ذات الطابع الإسلاموي والمحكومة بسلطة إسلامية، أنموذج تاريخي للفساد والسقوط الأخلاقي والإنتهاك الإنساني والتخريب الحضاري وسرقة المال العام وتبني كل أنواع الحرام والظلم وإرتكاب أبشع مجازر القتل والإبادة والإنتقام ....!؟

كل ذلك يجري تحت إدعاء إسلامي، وتخريج فقهي يتساوق مع شراهة الحاكمين وإنحطاطهم الروحي .

المجتمعات المتحررة من الدين، أي الدول العلمانية مثل أوربا واليابان وامريكا، فهي تقيم رعاية خاصة لأنسانها، تستقبل المشردين والمظلومين وتعاملهم مثل رعاياها، في ظل سلطات تقيم العدل وسلطة القانون وتحترم حقوق الإنسان وتكفل معيشته ورفاهيته وصحته، كما تحرص على أمنه وتطوير آفاقه وتحسين دائم لعيشه وسعادته .

الآن يوجد اكثر من خمسين مليون عربي أو اكثر، ومن كافة الدول العربية بلا استثاء، هاربون من جحيم وظلم الحكومات العربية ومجتمعاتها، فأصبحوا لاجئين في هذه الدول وينعمون بخيراتها ومجتمعاتها الراقية ماديا ً ومعنويا ً...!

هنا تنعكس المعادلة فيكون الظلم قرين الإيمان بواجهاته الدعائية، والعدالة قرينة الكفر في سلوكياته المعلنة .

الفرق في الوعي والتطور الحضاري جعل الضمير يحل بدلا ًعن الدين في المجتمعات الصريحة والنظيفة، بينما شاع الدجل والخرافة في سلطات التدين التي تنزع نحو استباحة المحرمات بتفويض سماوي، كما تدعي، زورا ً وبهتانا ً، ومن هنا تجد السياسي الإسلاموي وغطائه الفقهي، أشد عداءً وتحديا ً لقوانين الرب ورسالاته السمحاء، فيرتكب الإسلاموي عن قصدية موجهة جريمة مزدوجة، شذوذ السلوك وجرميته،و تحطيم مفاهيم الشريعة وإغتيالها .

لم ينعطف الظلم على سرقة الحقوق، وإحلال المفاهيم الظلامية ومشاريع تجهيل الشعب والمجتمع المبرمجة بواقعية يستجيب لها التخلف الإجتماعي، بل اكتشفنا موسوعات أخرى تشير لطرق التعذيب الجسدي والقتل والإبادة والحرق وانتهاك البراءة وتدميرها، سحق الآخر بفاشية مطلقة، والعودة بالمرأة لعصر أبي لهب وزمرته ..!

اسلاميونا صاروا يحملون النار لاليستضيء بها الجاهلون، إنما لحرق كل مراحل التطور الزمني في 1500سنة من عمر العرب والمسلمين..!؟

المثقف والتأثير الثقافي

mobarak abaeziفي كل مرة، ينتج الناس حدثا مخصوصا يتم استهلاكه بشكل دوري عبر وسائط إبلاغ المعلومة المختلفة، ولو شاء أحدنا أن يحصي الأحداث المندوبة للاستهلاك الجماهيري على امتداد سنة واحدة، لاستحال عليه الطريق وصُدت دونه الأبواب. وهي، فضلا عن كثرتها، تُخلق لتسلية الناس وإخمار عقولهم لعلها تميط وجوههم عن القذارات الاجتماعية المختلفة.

ليس الأمر بسيطا كما نشاء أن نقنع أنفسنا، ففي كواليس كل حدث، هناك من يعمل في الخفاء لإظهار ما يجب أن يظهر، وإخفاء ما يجب أن يختفي، وفي كل خفاء أو تجل، لا يسع الناس إلا أن يستهلكوا كل شيء بعقول مخمورة وأذهان غائبة بعد أن جلسوا طويلا على مقاعد دراسة لم تقدم لهم يوما أدوات التحليل النقدي لما يلوح في آفاق الدنيا من أشياء أو أحداث أو ظواهر.

أما منتجو ثقافة الاستهلاك هاته فسينبهرون بقوة انتشار الأحداث التي صنعتها أيديهم، ويعتبرون هذا الانتشار وسيطهم لبلوغ السقف والنظر إلى الشعب من سدة الصيت الذائع، ثم يقتنعون بعد برهة أن أعمالهم هي السداد والفعل اليقين، فتشكلت لدينا فسيفساء مجتمع مريض؛ صحافة مريضة، ومدرسة مريضة، وإدارة مريضة، ودولة مريضة، وشارع مريض... أما هو، ذلك الإنسان الذي يطلق عليه عادة اسم "المثقف"، فينكفئ في زاوية مظلمة شديدة الحلكة، يجلس القرفصاء متدثرا بأسمال سميكة، ويتأمل الأشياء من بعيد بعينين متوجستين أذبلتهما المأساة.

مناسبة هذا الكلام هو ما أصبحنا نراه في المشهد الإعلامي من انزياحات عن الرسائل الحقيقية الموكولة للإعلام؛ ففي كل لحظة نسمع عن أحدهم قام بتسريح "قوادس" الرباط وأنقذها من فيضان، فينال بذلك حظوة إعلامية لم ينلها أكبر المثقفين المغاربة عل الإطلاق. وقد نسمع عن طفلة تُستقبل في برنامج واسع الانتشار مثل "رشيد شو" لمجرد أنها قالها عبارة "الأرنبات وداك شي"، فيسقط في يد ذاك الكاتب الفلاني الذي يسعى إلى تبليغ رسالته سنوات دون أن يصل عدد "المبلّغين" إلى ألف شخص؛ تماما كما حدث مع أحمد بوزفور الذي رفض جائزة منحت له على مجموعة قصصية لم ينشر منها سوى 600 نسخة.

ناهيك عن رواد الهرج والمرج من المطربين والمطربات، والممثلين والممثلات، الذين يحصلون على القسط الأوفر من التغطية الإعلامية في أوقات الذروة. وهذا ليس رفضا منا للغناء أو التمثيل، بل تسليما منا بدور المثقف الذي يمكن أن يوازي الأدوار الأخرى في التنوير والتثقيف، والتسلية أيضا. وهنا لا تنفك تحضرني قصة الراحل إبراهيم الفقي حينما أخبره منظم مهرجان ما أنه كان ينوي إحضار هيفاء وهبي عوضا عنه، وهمس له أنه لم يكن يعرف أن المثقفين يستطيعون استمالة الجمهور بذاك الشكل.

أما حصيلة الثقافة في المغرب برمته فلا تعدو أن يعكسها برنامج يتيم اسمه "مشارف" بإمكانياته المحدودة. لهذا ظل المثقف حبيس برجه في أعلى السماوات، يحضن كتبه الصفراء خوفا من ألوان الطيف، في وقت كان الجدير به أن ينفث في كل الاتجاهات لعله يحظى بما يستحق.

نحن نتذكر دون شك المهدي المنجرة والصورة النيرة التي تركها عن نفسه دون أن يترك الألسنة تلوكه كثيرا، فقد كان الرجل واعيا بأن المثقف لا يجب عليه أن يترك حبل النزاهة يفلت منه، لأنها وحدها التي تصونه وتحفظ حرمته، لهذا زهد عن المناصب السياسية لكي لا تلطخ سمعتَه كما حدث مع أصدقاء النضال القدامى. ومع ذلك فقد فُتحت له أبواب التأثير الثقافي دون غيره من المثقفين، لكنه لم يستغلها كما كان مطلوبا منه.

إن التأثير الثقافي يحتاج إلى إصلاح للإعلام، وتنزيهه عن صغائر الأحداث، وبعث دور المثقف من جديد، وتبويئه المكانة التي يستحق بين الناس، فبدون هذا وذاك، سنظل أسيري ثقافة الاستهلاك الشعبي للسفالات والدناءات.

عنوان أزمتنا ثقافي محض

hasan jamieقبل الأزمة الإقتصادية يجب أن ننتبه الى أن عنوان أزمتنا ثقافي بامتياز، كان حالنا أفضل يوم كنا نقرأ نجيب محفوظ ودرويش وطه حسين وكارسيا ماركيز، ونسمع فيروز ونناقش في الملتقيات والندوات في مدارس الفلسفة وروائع الأدب العالمي، كان فينا قدر من العقل النقدي والمنطق، أما اليوم فتراجعت مكانة هاته

القيم في حياتنا لصالح أجهزة التحكم عن بعد والغيبيات وثقافة الدعاة فصرنا قبائل وطوائف عدنا لبدائيتنا في لحظة نحن أحوج ما نكون فيها للثقافة والمعرفة واستعادة العقل النقدي الذي يقبل الآخر ولا يقصيه أو يستأصله، أما وزارة الثقافة فتخرج إلينا بحزمة قرارات لمعاقبة المثقفين وحرمانهم من نافذة مفتوحة على الإبداع بدعوى

فقر الميزانية المالية المخصصة لهذا القطاع ؟

الثقافة والتعليم والإعلام حقول متداخلة لا يمكن لمشروع إصلاحي أن يقف على قدميه من دونها، معركة الإصلاح في جوهرها ثقافية تعليمية إعلامية، السياسة

مجرد مخرج من مخارجها ولن ينصلح حال السياسة من دون حياة ثقافية فكرية فلسفية سليمة .

لم تدرك الحكومة بعد حقيقة الأزمة ولو كان لدى وزرائها وعي بحقيقة الأزمة وإيمان بقيم العصر لحشدوا أغلب الموارد والدعم اللازم لمعركة النتوير وبناء الوعي حيث تكاد أجيال بكاملها أن تغرق في مستنقع الأفكار الظلامية والعدمية، المدرسون والتلاميذ وأساتذة الجامعات جلهم صاروا أسرى ثقافة تحط من قدر العلم والعقل النقدي، ثقافة تمجيد القبيلة والطائفة والحزب الواحد وتزدري قيم الحرية والإختلاف وتبني أسوار العزلة والإنغلاق، وفي غياب تقدير المثقفين وأهل الفكر

يتصدر المشهد أكثر الناس جهلا وحقدا فعمت ثقافة الكراهية حياتنا من أصغر دوائر المجتمع إلى أكبرها، وتراجعت مكانة الهوية الوطنية وحب الإنتماء لصالح

ولاءات قديمة دفنها المجتمع منذ عقود أو هكذا اعتقدنا .

المبدعون في حقول الأدب والشعر والمعرفة عموما نماذج تحتذى في العالم المتحضر هم مرجعيات المجتمعات وذخيرتها في أوقات الأزمات ومعين الشعوب

في مسيرة نهضتها وتقدمها، لكن في بلادنا احتل فقهاء {دم الحيض} والجهلة مكان العلماء يتصدزون الشاشات وتنظم لهم المهرجانات بدعوى دعم الإعتدال .

شعارات الإضراب العام جلها اقتصادية تنموية وواحد في المائة منها ثقافية فكرية وهنا تكمن المعضلة حينما تغلب سياسة الإستهلاك على معركة التنوير

تنقلب الحقائق وندخل دوامة أجنحتها بين الإجرام والتطرف أيها المسؤولون لا تجعلوا من شباب هذا البلد حطبا للإجرام والتطرف إنقذونا ...

الطلاق ليس نهاية العالم!

fatima almazroweiعند انهيار الحياة الزوجية، وهو ما يعني وقوع الطلاق بين الزوجين، تكون هناك آثار مدوية على الجميع، ومع الأسف فإن الأرقام في هذا السياق لا تبشر بخير، فبعض الإحصائيات تشير إلى وقوع 13 حالة طلاق يومية على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة، أما على مستوى العالم العربي بصفة عامة فحدث ولا حرج، فالأرقام مخيفة ومتصاعدة، وهذا يعطي دلالة كبيرة على واقع اجتماعي قد يكون متردياً في تلك البلدان التي تتزايد فيها حالات الطلاق، خاصة مع عدم وجود مراكز أسرية قوية تهتم بالمرأة والطفل وتعيد التوازن للأسرة. نحن نتحدث عن أهم مؤسسة يمكن أن توجد في أي مجتمع صحي قوي وهي الأسرة، وعندما يحدث خلل في أهم ركائز المجتمع كهزة تتعرض لها الأسرة بسبب الانفصال فنحن نتحدث عن شر حقيقي يتربص بتماسك ووحدة المجتمعات. كما أسلفت فإن للطلاق آثاراً أكثر فداحةً وخطورة خاصة على الأطفال وعلى الأم، وإذا كنت أكثر تحديداً فهو ذو آثار مدوية على نفسية المرأة المطلقة التي قد تفقد توازنها تماماً، وقد تشعر بعدم الأمن، وتتزايد متاعبها ويبدأ شعور بعدم الثقة والرضا عن النفس يحيط بها، ولن أبالغ إن قلت بأنها قد تصاب بهزة نفسية، وفي أحيان قد تنعدم رغبتها بالحياة، خاصة إذا كان هذا الانفصال غير مبرر أو تم وفق مشكلة لا أساس لها من الصحة أو فيه ضبابية، أو حدث الطلاق بشكل مستعجل وفي وقت وجيز.

عندما أحدد المرأة وأصف وضعها بأنه الأكثر خطورة فلأن المرأة هي التي تربي الأطفال عند الانفصال، وعندما تفشل بالقيام بهذا الدور لأي سبب من الأسباب، فنحن نتحدث عن جيل محطم ينشأ وهو محمل بالعقد وهالات عظيمة من المشاكل والأمراض النفسية. وإذا حدث الانفصال والمرأة لا أطفال لديها قد يكون الوقع أكبر وأكثر ألماً.

اعتبر علماء الاجتماع والمتخصصون في البناء الأسري ودارسو مؤثرات الطلاق أن الأيام الأولى من الانفصال هي الأخطر على المرأة، لأنها تشعر بالضعف والدمار النفسي لانهيار زواجها، ففي الأيام الأولى تشعر بالوحدة وأيضاً بعدم المقدرة على التأقلم مع الوضع الجديد، وتبدأ تبعاً لذلك بتأنيب نفسها وتضع ذنب ما حدث على كاهلها، رغم أنها قد تكون مظلومة تماماً، وهذا يقودها مباشرةً نحو عدة أمراض نفسية خطيرة. أسرد قصة لمديرة مدرسة إعدادية، متميزة بتفانيها وتنظيمها لدرجة أن مدرستها تصنف من أفضل البيئات التعليمية، طلقت من زوجها، انهارت تماماً، وبدأت في لوم نفسها وانعزلت وأخذت إجازة طويلة من عملها، ولأنها كانت من وسط متعلم التفت أسرتها حولها وصديقاتها وتمكنوا من إخراجها من حالة الإحباط والاكتئاب، وعادت وانطلقت في حياتها أكثر نجاحاً وتوهجاً، هي نفسها تقول:" سبحان الله، لم أعلم أن للحياة جوهراً آخر ومعنى آخر أجمل وأفضل إلا بعد تغير حياتي جذرياً، طوال سنوات زواجي كنت أشاهد لوناً واحداً، اليوم الوضع تغير". تزوجت بآخر وأنجبت أيضا.

والمطلوب هو التفاؤل والنظر للأمام دوماً وعدم اليأس، عدم النظر للحياة الزوجية بأنها الحياة الوحيدة الجميلة، ولكل امرأة حدث انفصال في حياتها الزوجية اعلمي أن الطلاق ليس نهاية العالم، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً.

مع مصطفى في قراءات معاصرة

moamar habarمقدمة الصديق، أقرأ وأسمع للزميل الأستاذ مصطفى العمري، كلما أتيحت الفرصة وفي الحلقة الأولى، من، حصة قراءات معاصرة، عبر الفضائية الأمريكية، الماس، يرى أن الحصة، تعتبر،

نافذة على زمن مغلق، ضوء خافت لظلام دامس، ومن خلالها، يتساءل كعادته بجرأة، عن كل ماهو مكبوت، ويتطرق لمواضيع أهملت، ويبحث عبر الزمن، عن أسباب الخلل، التي أودت بخير أمة، إلى أمة محترقة، محاولا في نفس الوقت أن ينتج لهذه الأمة المحترقة،

سؤال مصطفى، يتساءل قائلا، هل الأمة تتفاعل مع الحركات النهضوية المعتدلة، أم تتفاعل مع الحركات المتشددة؟، فيجيب دون تردد، إنها تتفاعل مع الحركات المتشددة ، وتبتعد وتحارب، الحركات التنويرية،

الخلل في البيئة العربية والإسلامية، بعد هذا السؤال المرير، والإجابة المريرة، يرى أن الأمة بحاجة إلى تشخيص، وأن سبب التخلف في،

النصوص التي تغيرت من مرحلة إلى مرحلة، والنص الذي نسب للرسول صلى الله عليه وسلم، هو نص محرف، ويعلل ذلك قائلا،

كتبت السنة النبوية، بعد أكثر من 200 سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالذات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وبعد أن كثر القوالون والوضاعون، والتي لم تكتب يومها ككتب، إنما ذهبوا إلى الأقطار والأشخاص، لينقلوا عنهم السنة، ويبقى هذا رأي الكاتب وصاحب الحصة، وكل من يرى عكس ذلك، فليناقشه بأدب في ماذهب إليه،

نصوص أحرقت المجتمع، يقول بأعلى صوته، لسنا بحاجة إلى حديث نبوي، يدعو إلى سبي النساء، وقتل الناس، والذبح، لأن رسول الله قبل الدعوة، كان يلقب بالصادق الأمين، فكيف به يقول، جعل رزقي تحت رمحي، وجئتكم بالذبح، وأمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، هذا لايعقل،

إذن، المجتمع العربي لايحترق، بنصوق فنانين، ولا برسامين، ولا بعلمانيين، المجتمع العربي، يحترق بنصوص إسلامية بحتة، هذه النصوص سيطرت على المجتمع العربي، وتمسكه مسكا حتى لايخرج،

حركة المعتزلة، يركز كثيرا على المعتزلة، ويرى في الحركة، أنها، إعتمدت على العقل، وأن النص عندها، يمر على المختبر العقلي،

والمجتمع العربي عموما، حاول أن يعيد إنتاج أشخاص، يمثلون الفكر المعتزلي، كالوردي، والكواكبي، لكن هذه الحركة عادة ماتقمع من أصحاب المتشبثين بالنصوص،

بلاء المجتمع الإسلامي، يقف على الحياد، ودون أن يميل لأحد، فيجهر بالقول، وهو العراقي العارف بالوضع، أبتلي المجتمع الإسلامي بأمرين،

المجتمع الإسلامي السني، الذي ابتلي بدوره، بنصوص متشددة، فكان العنف والدمار.

المجتمع الشيعي، الذي ابتلي بدوره، بالتخريف، والتحريف، وإلغاء للعقل تماما، حيث يجعل من الفيل يطير، ويجعل من الشخص يطير من هنا إلى هناك،

ثم يتساءل بمرارة، هل أحاديث، جئتكم بالذبح، وأمرت أن أقاتل الناس، والتي يرددها هذا وذاك، هل تصلح لتكون دعوة للآخرين، أين إسلام الرحمة، إسلام الرأفة، الإسلام الذي يدعو إلى الخير،

داعية بـ 10.000 دولار، معظم المشايخ الذي يخرجون على الفضائيات، هم منتفعين بالإسلام، من الناحية المادية، وقد انتفخ حسابهم الشخصي، قبل اعتلاءهم المنابر، وكمثال على ذلك،

الشيخ الذي سُئل انك تتقاضى مرتبا قدره عشرة آلاف دولار، أقسم أن الكلام غير دقيق وانه لم يتعاطى من الفضائية جنيها واحدا، و لما سألوه بعد الحلقة كيف أقسمت انك لا تتعاطى جنيها واحدا، قال لأَنِّي استلم بالدولار و ليس بالجنيه

نحن سبب التخلف، يتطرق إلى مسألة تحميل الأخر كل بلاوينا و مصائبنا، يعني نظرية المؤامرة، ثم يدحض الفكرة، بقوله،

قبل 500 سنة، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية، ولا الصهاينة، ولا صفين، ولا الخوارج، إذن نحن سبب هذه المحرقة، التي تتعرض لها الأمة، وليس الغير، فنحن مطالبون إذن، بتقديم إسلام رحيم، وأن نغير التاريخ، ويجب على كل مسلم أن يتساءل عن موروثه، لماذا هذا الخراب؟، وهذا الدمار؟، ومطالبون أن نراجع الموروث بهدوء،

العقل العربي، ينقل عن المفكر محمد عابد الجابري في كتابه "تكوين العقل"، العقل العربي عقل يعتمد على الارتجال والبديهة، ويختم حصته، بقوله،

عندما يترك العقل، لكي يمارس وظائفه الطبيعية، سيصل إلى الحقيقة.

في ذكرى رحيله: حين صرخ احد القساوسة بحرق موليير حيا

qasim alsaidiعندما كان ينظر للمرة الأخيرة للقاعة الملحقة بقصر اللوفر حيث ستعرض فيها مسرحيته (مريض بالوهم) شعر أعضاء فرقته من غياب روح الفكاهة والمداعبة لهم على غير عادته وأثار انتباههم كذلك الشحوب الواضح على وجهة والذي لا يحتاج إلى ماكياج كثير كي يظهر للمتفرج بدور المريض !

بدا العرض ومجاهده كبيرة في إن يبقى متماسكا لكن محاولاته تذهب عبثا فقد انهارت قوته وسقط مغشيا عليه وسط ضحكات الجمهور الذي كان يعتقد أنها جزء من مشاهد المسرحية

عندما حمل إلى داره ساءت حالته و تدفق الدم غزيرا من فمه بعد انفجار شرايين رئته ورفض طلبا "ملحا" من خادمة إن يجلب له طبيب ليعالجه

وأصر على إحضار القس من كنيسة (سانت اوستاش) المجاورة لكن من سخريات القدر إن ترفض تلك الكنيسة إرسال القس فاليوم عاصف والشخص مهرج وإثم في نظرهم فهم حانقين عليه بسبب مسرحيته (طرطوف) والتي هاجم فيها الأدعياء من رجال الدين المنافقين والذي حدا بأحد القساوسة بان يصرخ مناديا بحرق مولير حيا"

ذهب أخ زوجته إلى كنيسة أخرى واحضر معه قسيسا لكن بعد فوات الأوان فقد فاضت روحه إلى بارئها ..وعندما حانت مراسيم دفنه رفضت الكنيسة دفنه في مقابر المسيحيين لكن تدخل الملك لويس الرابع عشر واتصاله بكبير أساقفة باريس اشترطت إن تكون المراسيم تنحصر بحضور أربعة قساوسة فقط وان لايقام احتفال ديني له !!

تم التقييد بتعليمات الكنيسة لكن تم الإخلال بأحد الشروط حين خرجت باريس كلها لتودع فنانها العظيم الى مثواه الأخير

موليير الذي ولد في عام 1622 وتوفي في17 فبراير 1673 والذي يعتبر أبو الكوميديا ,صور عادات عصره بملابس شخصياته التي تخفي تحتها الإنسان في كل العصور فهو لم يدرس المسرح أكاديميا" لكنه كان يتمتع بموهبة كبيره في تحليل الشخصيات الإنسانية وتصدى بفنه و بشجاعة للعيوب والرذائل والقيم البالية وانتقد ما أفرزته الصالونات الأدبية من ظاهرة الحذلقة

و لم يتردد في نقد التدين الزائف في مسرحية (طرطوف) أو يهتم لغضب الكنيسة عليه عندما اعتبرته قد تجاوز الخطوط الحمر التي لا أحدا" يجرؤ على تجاوزها فالكنيسة نجحت في منع تقديمها للمسرح عدة مرات لكن موليير لم يستسلم فيقدم الالتماس تلو الالتماس إلى الملك لويس الرابع عشر من اجل السماح بعرضها وينجح ويعيد تقديمها للجمهور مرة أخرى

ثلاثون عاما قضاها ممثلا ومخرجا ومعدا لإعمال زادت على الأربعين تقف في مقدمة مسرحياته الخالدة (البخيل – مدرسة النساء – مريض بالوهم –النساء العالمات -عدو البشر- طرطوف— الأزواج الخائنون)

كان موليير واضحا في رؤيته للمأساة الكبيرة في الحياة البشرية من خلال الالتقاط الواعي لأحاسيس الناس ومشاعرهم كان يريد إسعادهم وإضحاكهم وهو يخفي عنهم تعاسته وحزنه وهي اعلي درجات الانتصار على الألم واليأس

ماذا لو عاد موليير للحياة وزارنا وشاهد وضعنا البائس المضحك والمبكي !!

من المؤكد انه سيمزق مسرحياته ويبدأ يكتب من جديد

 

أتساءل عن العقل .. أين هو؟!

fatima almazroweiفي أحيان كثيرة نستغرب كيف وصل العقل الإنساني الذي يتميز بخصائص فريدة من التفكير والاستنتاج، وفي هذا العصر الذي يتوهج بالمخترعات والمبتكرات، كيف وصل لمرحلة الجمود والتصلب والتوقف دون التمييز بين كثير من المواضيع الحياتية التي نعيشها يومياً. أدرك أن كثيراً من الجنح والجرائم تحدث مع سبق من الإصرار والترصد، وهو ما يعني الفهم بأن هذا خطأ ولكن يتوجه المجرم لممارسة جريمته وارتكابها في ظل خفوت واضمحلال للضمير مع إدراك العقل للخطأ بل يقوم بتوظيف أفكار لتحقيق النزوة الإجرامية، لكنني أشير إلى جانب آخر ومختلف تماماً عن هذا السياق، وهو وقوع كثير من الشباب في عدد من الدول فريسة سهلة تحت الخطاب الإرهابي المتطرف، وعندما أتسأل عن العقل هنا، فلأنه تتورط في هذا الانحياز الظالم وهذا الجنوح المؤلم نخب تتلقى تعليمها في كبرى الجامعات والمعاهد والكليات، وفي تخصصات علمية نادرة وهو ما يعني أنهم في مرحلة تعليمية عالية، ورغم هذا يتمكن تنظيم إرهابي يسفك الدم ببرودة أعصاب، ولا يميز بين الطفل ولا المقاتل ولا بين الرجل المسن أو غيره، بل تنظيم خارج التاريخ تماماً عندما يخطف النساء، ويقوم بسبيهن وبيعهن كأنهن سلع، وهذا جميعه حدث ويحدث على يد تنظيم مثل ما يسمى داعش، هذا التنظيم يقوم بتجنيد فتيات وشباب في مقتبل العمر من مختلف الدول حتى الأوروبية، قبل أيام قرأت خبراً عن طالب طب من إحدى دول الخليج كان في واحدة من أهم الجامعات الغربية في بعثة تعليمية من بلاده، وفجأة تنقطع أخباره، وبالتقصي تظهر الأخبار بأنه سافر نحو داعش وانضم لهذا التنظيم المتطرف. طالب طب يفترض فيه وفي مهنته أن من أهم واجباتها إنقاذ حياة الناس ومعالجة جراحهم ومداواة آلامهم، يذهب لتنظيم يسفك الدم البريء ويتسبب في تشريد الأطفال والنساء والقضاء على الأخضر والتسبب في بؤس الإنسان، فأين العقل من مثل هذا الشاب؟ بل كيف تمكن شخص يمارس هوايته الإجرامية وهو ملتحف بالخوف يخشى النور مثل الخفاش، أقول كيف تتمكن مثل هذه الخفافيش على شبكة الإنترنت من التأثير في كثير من الفتيات والشباب وبكل هذه البساطة تجندهم، هنا أتسأل عن العقل الإنساني المتطور، العقل الذي شرب العلوم واطلع على الحضارة وعاشها كيف أنتكس وتراجع وتدمر وعاد للعصر الحجري، كيف لهذا العقل أن اقتنع وأرخى السمع لمثل هذه الأصوات الظلامية القاتمة. ولكنني عندما أتصفح موقعاً مثل »تويتر«، وأجد كل تلك السموم، وكل ذلك الغثاء من الكلمات السوداوية المحملة بالتطرف والكراهية أدرك أن هؤلاء لديهم رغبة في رؤية الدمار في كل مجتمع، لديهم شهوة غريبة لسفك الدماء والتدمير، جولة على مواقع التواصل ستبلغكم بحجم مشكلتهم و مدى ضررهم، هذا الضرر الذي تنبهت له دول أوروبية وبدأت في محاكمة أبنائها الذين حاولوا الانضمام لمثل هذه التنظيمات الإرهابية، وأعتقد جازمة أنه يقع علينا عبء أكبر في مكافحة هذه الأصوات النشاز، ومحاربتها، وذلك بسن المزيد من الأنظمة والقوانين التي تجرم التعاطف مع الفكر الضال وتحرم ترويج أفكاره.. وقبل هذا وبعده يجب علينا جميعاً أن نظل نسأل لماذا هناك فئات وإن كانت قليلة تلتحق بتلك الجماعات الإرهابية؟!

لا حب في زمن الكراهية!

latif shafiqبتاريخ 15 شباط 2013 أي قبل سنتين بالضبط، وفي هذا اليوم من العام الحالي تذكرت بأنني كتبت مقالة بعنوان الحب في زمن الكراهية والعنوان مقتبس من رواية للكاتب الكولومبي غابريل كارسيا ماركيزا (الحب في زمن الكوليرا)، فقررت أن أراجعها عسى وأنني سأجد ما قد تغير مما ذكرته فيها من أحداث وتطورات، فكانت النتيجة مخيبة للآمال وسأذكر بعض ما ورد بتلك المقالة وأظن أن من قرأها وحتى إن لم يقرأها البعض فسوف أستمر بالكتابة إلى يوم يقرأ ون وسيجد بأننا راوحنا في مكاننا أو بعبارة أدق بأننا ذهبنا إلى المجهول والأسوأ منه وهو ما يحز بالنفس ويؤلمها هو ما أصاب الفقراء والذين لا ذنب لهم وممن ترك دياره وشرد ونهبت ممتلكاته وظلت عيونه شاخصة إلى السماء عسى أن الغمة تزول وتنقشع غيمة الشر وتعود الحياة لسابق عهدها بالألفة والمحبة.

لقد ذكرت بمقالتي قبل سنتين أن في مثل هذا اليوم ضربت سواحل الشمال الشرقي من الولايات الأمريكية عاصفة ثلجية استمر تساقط الثلج خلالها لمدة يومين وبدا كل شيء هناك أبيضا وشمل ذلك السماء والأرض والأبنية والأشجار والماء وكان ذلك أمرا متوقعا ومألوفا عند مواطني هذه المناطق وبالفعل فقد تكرر ذلك هذه السنة أيضا وبنفس اليوم والتاريخ والحالة، وقد تشكل هذه الحالة بالنسبة لنا نحن القاطنين هنا الأمر الأول الذي لم يتغير في حياتنا خلال سنتين قضيناها في الغربة.

وإن الأمر الثاني والذي ذكرته في مقالتي السابقة والذي لم يتغير أيضا هو أنني وكما ذكرت كنت أتطلع إلى السماء الصافية الزرقاء من نافذتي التي أقبع خلفها بسبب شدة برودة الجو وحملتني مخيلتي على بساط زرقة السماء إلى بلدي العراق وبالذات إلى بغداد وتذكرت كم كانت رائعة تلك السماء ويبدو أن شيئا لم يتغير فيها أيضا وهو الأمر الثالث المتعلق بالمقالة السابقة وكما ورد وكالآتي: ولكن ما يحز بالنفس أن تلك السماء الخلابة وضوء شمسها الذهبي قد سودتها أيادي الإثم والعدوان وأنست أهلها الطيبين الأفراح والليالي الملاح والذي مع كل الأسف مضت نحو الأسوأ وإن الجناة والقتلة استمروا بجرائمهم وطغيانهم وزادوها أضعافا مضاعفة مستحدثين وسائل جديدة وعديدة في تنفيذ مخططاتهم الجهنمية من قطع رؤوس البشر وحرقهم وهم أحياء ويندرج هذا الأمر تحت مفهوم التغيير نحو الأسوأ خلال السنتين وأكثرها سوء هو قطع جزء عزيز من أرض الوطن من قبل عناصر الشر والإرهاب المتمثلة بداعش ومن ساندهم من أبناء الجلدة.

إن ما يهم من هذه التذكرة وربما قد تنفع من يعنيه الأمر هو مفردة كلمة (الحب) ومعناها النبيل، وارتباطها بمناسبة دأب الكثير من شعوب العالم أحياءها سنويا وفي مثل هذا التاريخ وهي ما أطلق عليها تسمية (عيد الحب) وإن هذه المناسبة وبغض النظر عن مصدرها والجهة التي ابتكرتها فإن ما تحمله من معاني تجعل الكثير من الناس أن يعتبرها مدعاة لحب من هم أعزاء على النفوس وتدفعهم للتفاؤل والفرح، ويظهر أن قوى الظلام والتي تمارس الشر وزرع الضغينة والأحقاد بين الناس تعمل جاهدة وبكل الوسائل والمفاهيم لإبقائهم ضمن دائرة الخوف والتهديد والوعيد تارة باسم العادات الاجتماعية وتارة باسم الدين والمحرمات والمقدسات، في وقت لم يتناول لا الدين الذي ينشر المحبة بين بني البشر ولا العادات الاجتماعية العريقة ولا ما ورد باسم الله الرحمن الرحيم تحريم أو منع الناس من أن يحبوا بعضهم بعضا .

كنت قد قلت في مقالتي السابقة أنني أتحرق شوقا لمعرفة ما سيقوم فيه أبناء وطني بهذه المناسبة وهل ستكون فعالياتهم بما ينسجم مع ما تعنيه كلمة الحب وتدفعهم للاحتفال بيومه أم أن قوى الظلام ستحول دون ذلك ؟ وهنا يمكنني القول إن جانبا مما تمنيته قد تحقق فإن ما تناقلته بعض الفضائيات قد أظهرت لقطات مفرحة عما جرى هنا وهناك وفي بغداد بشكل أعم،إلا أن إمرا مؤسفا قد حدث في مكان ما عكر صفو هذه الفرحة ومنعت الناس من تبادل التهاني والهدايا تعبيرا عن المحبة والتسامح وفي ضمنها تقديم تلك التهاني والهدايا للأمهات اللواتي بحاجة لها لتخفف عنهن الأحزان وتأثير الملابس السوداء التي غطتهم طيلة عقود من السنوات وكذلك تقديمها لأفراد قوى الأمن والجنود المدافعين عن الوطن ضد أعداء الحياة ليشعروا بمدى حب الشعب لهم وتثمينا لتضحياتهم وبالفعل فقد أقدم البعض على مثل تلك الخطوة النبيلة خلال هذه المناسبة. إن يوما وحدا في السنة تقام فيه الأفراح ويتبادل الناس من خلاله التهاني وتقديم هديا ترمز للحب والمودة كفيل بأن يجلو عن النفوس المهضومة أياما طوالا من البكاء والأحزان وإن بث روح الخوف من المجهول والتلويح بعذاب مرير والاعتداء على من يقيم مثل هذه المناسبة باسم عيد الحب بحجة الخروج عن الأعراف والدين والمذهب والمقدسات لا تقره قوانين السماء والأرض ومخالف لما زرعه الله سبحانه وتعالى في نفوس بني البشر من المحبة مقابل الشر والبغضاء ليعيشوا بسلام آمنين إلى يوم الدين والحساب. وهنا نطرح سؤالا مشروعا لنتبين من خلاله الخيط الأبيض من الخيط الأسود (لماذا يستهجن ويشجب العالم أعمال داعش وينعتها بأبشع الأعمال الإجرامية ويتفق أكثر المسلمين مع هذا الوصف، ألم تقدم هذه القوى الظلامية على جلد وإعدام وسبي واغتصاب الفتيات والنساء وتدمير المدن وتهجير سكانها بحجة مخالفة الشريعة الإسلامية وحسبما رسمتها عقولهم المريضة من ممنوعات لم تقرها الشرائع والأديان السماوية.؟) فالحب أسمى ما منحه الله لعباده فلا يحق لأي إنسان أن يزيله من قلوب الناس فاعتبروا يا ألي الألباب.

 

لطفي شفيق سعيد

شروزبيري 17 شباط 2015

          

الانعزال الثقافي

ربما لن تتقبل قارئنا العزيز أن نقول لك: أنت رغم ثقافتك العميقة لم تخرج من الاستعباد الثقافي ، فلا نقصد هنا اللغة ولا الحوار ولا .... إنما نقصد حسن تفهم الآخر والانفتاح الإيجابي الثقافي، لمعرفة ماذا يدور في دماغ الطرف الآخر...

أن أسمعك هذا لا يعني أن أتبنى رأيك. ان أحاورك هذا لا يعني أن تقتنع برأيي...لكن المهم أن أفهم ماذا تعني كلماتك بالنسبة لي...فأفصل مابين أنا وانت..بمسافة أمان دون خلاف ...

 

فكريا:

أن أتحرر من قولبتي الثقافية وأتقبلك رغم أنك من غير ثقافتي، لنتحاور معا دون تشنج، دون أن أتبنى ثقافة من لم يكن معي فهو ضدي...

هي ثقافة الهجوم الشرقية التي رغم أن هناك كما كبيرا يدعي الانفتاح الثقافي ولكن عندما يكون على خطأ يمضي واربا خطوته لئلا يعترف بخطئه.

وإن حاول ضمنا أن يتحرر مما كبله وموافقته ضمنا عما سمعه ، فهو عاجز عن التحرك خارج دائرة ثقافته، أو إيجاد حلا وسطا يضمن له كسب إيجابية الآخر دون التخلي عن الأصل في نفسه.

عنصريتنا العرقية ، جعلتنا متعصبين دون موضوعية ولاعقلانية، وعلى الصعيد الاجتماعي فالمسلم الغربي يجد صعوبة في الزواج من مسلمة مثله لأنه بات عنصرا غريبا عن الغرب وعن الشرق!

هو مثال واضح عن فكرتنا...إن ثقافة الهجوم هي من واقع التخلف الذي نعيشه والاستعباد الذي تعودنا عليه طويلا..

إن التخلص من الجمود الثقافي الذي نعيشه والقشرة الظاهرة عن الانفتاح المزيف، لدليل على أننا في حالة محاولات للوصول للمرونة الثقافية لكننا لم نصل بعد..

 

دينيا:

من جهة أخرى، نجد أن الإعلام الغربي يغذي تلك النزعة المخربة، بحيث يجعلنا بين حجري رحى، بين النفور منها عمليا، عندما تتجسد لنا فزاعة مخيفة تكرس الموت، وهي ليست كذلك أبدا، وبين أن نتمسك بثوابتنا، فنجدها تزعزعنا من حيث نملك الحق والفكر والحكمة يوما ما. .فتجعلنا نراجع في ذاتنا مالا يمكن تغييره، ليخترق الجو من يريد تغيير بعض مسلمات فكرية ودينية في معتقدنا، بينما الحقيقة أن هناك بونا واسعا مابين الإسلام الإعلامي والإسلام الحقيقي....وهنا مربط الانفتاح.

 

أدبيا:

يعاني الكتاب رغم وجود قنوات تقنية، من عزلة فكرية ،بحيث يذهب ما يكتبونه من كتب هباء، فلا دور النشر قادرة على التوزيع بجدارة، ولا الانتشار أفقيا.

ولا حتى الجهود الفردية قادرة على أن تطال هذا ماديا حتى، ولا حتى التيار العالمي المتجه لتكسير الأصول التاريخية والفكرية التراثية يريد لها الحياة كفكر حر حيادي عموما، إن هؤلاء الكتاب اليتامى يريدون افكارا لامعة ونظيفة تناطح تخاذل الطرف المقابل وطعنهم الدائم.

التيار المتاح حاليا هو التيار الفردي الذي يحاول الانتشار أفقيا في القنوات المتاحة عبر النت قبل الانتشار المعروف عموما.

فالنتاج الورقي بين أيدين،ا ولنقل المجلات والدوريات الورقية مصابه بمرض الشللية أو السيطرة عليها من جهة معينه، والنفود لها يحتاج معارف شخصية عموما. فأين الحركة الثقافية الموضوعية؟

وحتى في الغرب هناك تيارات وشللية كذلك بطريقة أخرى أكثر معقولية ،لذا فالجهد الفردي للمستطيع سوف يكون حوله هالة قادرة على ترك طيف حضور، أو أثر فكري هام ، يجعله عصاميا معتبرا عموما، وهذا ما نجده عبر توالد المجلات الالكترونية في الشابكة، لأنها باتت المنافذ الطبيعية في زمننا، في زمن لا يقرا الورقي الا الندرة، ورغم هذا تتضارب الجهود الفردية بما يتطلب منك الغربلة والفرز دوما