أقلام ثقافية

التاسع من مايو .. يوم الانتصار على الفاشية

في الذكرى التاسعة والستين تحتفل البشرية في التاسع من مايو، يوم الانتصار على الفاشية عام 1945 . ففي مثل هذا اليوم من عام 1945 استسلمت القيادات العسكرية الالمانية للقيادات العسكرية السوفيتية

ففي منتصف ليلة الثامن من مايو عام 1945، وقًعت المانيا في ضواحي برلين اتفاقية استسلام في مراسم ترأسها المارشال السوفيتي جورجي زوكوف وتمً توقيع الاتفاقية بحضور ممثلين عن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

الفاشية والنازية شكلت ظاهرة تاريخية في القرن العشرين وكان لها طابع طبقي وتلجأ إلى الارهاب السياسي وخنق الحريات وتعمًق الاستغلال بغطاء الديمقراطية البرجوازية

ففي كل عام تحتفل روسيا وتشاركها الدول المحبة للسلام بانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية في التاسع من مايو بعرض عسكري كبير في الساحة الحمراء في موسكو

متى تحتفل الشرية بيوم الانتصار على الارهاب !!!؟

 

الذي كشفه لنا تويتر

fatima almazroweiإن مواقع التواصل الاجتماعي على مختلف أنواعها وطرق التعامل معها، وأيضاً طريقة عرض المعلومات فيها، حركت كثيراً من المياه الراكدة أو الساكنة في المجتمعات الإنسانية قاطبة، بل إنها أسهمت في جانب مهم يتعلق بنشر الأخبار وسرعة تناقلها، أما حول مصداقية هذه الأخبار ودقتها فهذا موضوع آخر!

إن موقعاً كتويتر أسهم بشكل واضح في أن شجعنا على أن نتحدث ونعبّر عن ميولاتنا ورغباتنا وتطلعاتنا، وفي الوقت نفسه أسهم دون أن نعلم أو حتى ونحن نعلم في كشف خلجات الروح وحديث النفس، بمعنى أنه أظهر وجهنا الحقيقي وما كنا بالأمس نحاول إخفاءه. نعم لقد أظهر موقع كتويتر الأوجه الحقيقية للكثير من الناس، فنجد أسماء رنانة في مجتمعاتنا وقد سقطت سقوطاً مدوياً بسبب كلمات قليلة لم يلق لها بال فطارت في الفضاء المعلوماتي وباتت حديث الجميع، حتى وإن عاد وحذف كلماته فإنها تبقى لدى الكثير لأنهم حفظوها.

رموز في كثير من المجتمعات دفعت ثمن الأحرف القليلة التي تكتب على تويتر لأنهم استهانوا بقيمة الكلمة وبعددها المحدود جداً، أحدهم يغرد على تويتر ويهاجم بلاده التي عاش على ثراها وتحت سمائها، وآخر يتذمر من صديقه أو زميله وهناك من يكذب ويستمرئ على هذه الممارسة، وجميع ما ينقله ويقوله مجرد أوهام من صنع عقل مريض.

هذه نماذج موجودة على هذا الأثير، لكن المشكلة الحقيقية من وجهة نظري تتعلق بفئة لها قيمة بالغة وحضور في مجتمعاتها، وهي فئة المثقفين أرباب القلم والحرف من المؤلفين والناشرين والنقاد وكل من له موضع قدم في عالم الكلمة، هؤلاء مشكلة سقوطهم أكثر ألماً وأكثر دوياً وفي اللحظة نفسها أكثر حزناً، ذلك أنهم يمتلكون المعرفة أو هي لديهم، وأيضاً يعيشون في نعيم الثقافة وتنوعها، ولكنهم وعلى الرغم من كل هذه القيم الإنسانية الجميلة تجد كلماتهم محملة بالكراهية ومهاجمة بعضهم بعضاً، والتقليل من منجزات بعضهم بعضاً.

يعيشون في ذاتية وأنانية، البعض منهم لم تعد له وظيفة إلا توجيه سيل من كلمات السخرية والتهكم ممن يصغره سناً أو ممن تجربته في التأليف حديثة، ونحن نعلم بأن السخرية والتهكم ليست نقداً، بل إنها أداة تحطم قلب وروح المبدع وتجعله يهرب ويبتعد عن التأليف، وهذا مع الأسف ما يحدث في كثير من الأحيان، تويتر وغيره، كشف لنا الكثير ممن يدعون أنهم قيم إنسانية هم أبعد ما يكونون عنها.

 

الكتابة على وجه الماء!! ..

أقلامنا تكتب على وجه الماء وبمداد الماء! .. فعلى مدى أكثر من عقدٍ كامل والأقلام تكتب وتكتب، وبعضها تناولت الكثير من الأفكار ذات القيمة الحضارية، وتصدت لمشكلات وحللتها واقترحت العلاجات الناجعة، ولا مَن يقرأ، ولا حياة لمن تناديه عقول أصحاب الأقلام الحرة التي سطرت ما هو نافع ومفيد للمجتمع.

والعلة في نأي أصحاب القرارعن الكتابات العاقلة، لأن الذي طغى وساد هو الكتابات الإنفعالية العاطفية الخالية من الموضوعية والتقدير المتأني والتقييم الصحيح، والتحليل العلمي والرصين، ويتحمل مسؤولية شيوعها رؤساء تحرير الصحف والمواقع، التي إنتشر فيها الغث والسمين من الكتابات التي تتسبب في تفاعلات سلبية.

فليس من السهل أن تقرأ ما هو نافع ومفيد، وصادق بطرحة وتناوله الموضوع الذي يتصدى له، وهذا السلوك أعطى الأعذار الكافية لأصحاب القرار لتجاهل ما يُكتب، وإهماله تماما، لأنه عبارة عن "تنفيس"، أو"ترويح" لا أكثر ولا أقل، حيث يصب الكاتب جام إنفعالاته في كلمات تظهر في العديد من المواقع بلا تردد أو ممانعة ، فيحسب أنه صار كاتبا، فينسى أن الكلمة مسؤولية، وأنها تتطلب جدا وإجتهادا وبحثا وتقصيا، لكي تكون ذات قيمة إنسانية وإضافة معرفية.

وفي هذا الخضم المتلاطم الأمواج، إختلط حابلها بنابلها، وما عاد التمييز سهلا بين الصالح والطالح من الكلام.

وهذا غير موجود إلا في مجتمعاتنا، التي حسبت الديمقراطية أن تطلق ما عندك وفيك من الإنفعالات والعواطف والمواقف السلبية الغاضبة ضد الآخر وحسب.

فما عاد هناك ضوابط أخلاقية أو معايير وطنية، ولا حتى إعتبار لأي رأي أو وجهة نظر، وإنما صار الكلام مباحا جدا جدا.

إن تجربة عقد من الزمان أو يزيد تستدعي المراجعة والتقييم الصحيح لما يُكتَب، فقد إكتسب محرروا الصحف والمواقع خبرات ديمقراطية تكفي لتأهيلهم لإعادة النظر فيما يُنشر في صحفهم ومواقعهم.

وإلا فأن الكلمة ستفقد قيمتها، والأقلام الرشيدة ستدوسها سنابك الغثيث، والحياة ستضيع معانيها المعاصرة، وتتحول الأشياء إلى خليط عكر لا يسمح برؤية المسار الصحيح.

فهل سنعيد النظر فيما نكتبه، ونحترم مسؤولية الكلمة واللغة وأهمية الفكرة ودورها في الحياة، ونتعلم أن لا نكتب بمداد العواطف السلبية؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

خارطة الحرف اليدوية والتراثية العراقية

ali abdulhasanalhashimiالتذكارات السياحية التي يسعى لاقتنائها السياح تكاد تكون من الأعراف السياحية واجبة التحقيق في أجندة السائح، فمهما طال أو قصر البرنامج السياحي المعد فأنه لا يمنع السائح من تخصيص بعض الوقت لشراء تلك المقتنيات التراثية كهدايا أو تذكارات يثقل بها حقيبة سفره بكل سعادة وفرح، ذلك أنها تمثل حضارة البلد الذي زاره وأهم ما يميز عاداته وتقاليده التي صاغتها أيادي الحرفيين أرباب الصناعات الشعبية والتراثية المهرة،فيوثق بها تفاصيل رحلته وذكرياته. لذلك أولت الدول السياحية اهتماما خاصا بتلك الصناعات التراثية والحرف اليدوية،ونظمت المهرجانات والأسواق الخاصة بها من أجل الترويج لها وتسويقها والعمل على تطويرها لما تمثله من موروث حضاري وتراثي وما تحققه من إيرادات اقتصادية مهمة وتشغيلٍ للأيدي العاملة ومكافحة البطالة .

ولعل العراق من الدول التي تمتاز بتنوع وتعدد تلك الصناعات والمهن الفلكلورية، بالاضافة الى المهارة النوعية التي يمتاز بها العاملون في هذا القطاع، لذلك نرى أن في كل محافظة من محافظات العراق توجد أسواق متخصصة كانت تستقطب الكثير من السائحين والمهتمين بتلك الحِرف والمهن، لكن الظروف الاستثنائية والحروب المتعاقبة التي مرّ بها البلد وتداعيات الحصار الاقتصادي الذي فرض عليه مطلع التسعينيات أدى الى جمود الحركة السياحية وانحسار كبير بعدد السيّاح الوافدين الأمر الذي جعل الحرفييون واصحاب تلك المهن يلجأون الى اعمال تجارية اخرى بعيدة كل البعد عن حرفهم الفلكلورية التي توارثوها أبّاً عن جد،وبالتالي تغيرت معالم تلك الأسواق بتغير طبيعة أعمالهم .

وبعد أن شهد العراق انفتاحا سياحيا وزيادة  في أعداد السياح،لازالت تلك الصناعات تعاني من الاهمال والنسيان،حيث لجأ التجّار الى تصميم واستيراد تلك التدكارات والهدايا في دول اخرى تحقيقا لمكاسب مادية سريعة دون الالتفات الى عدم اهتمام السائح بها كونها افتقدت لروحية الابداع واصالة التشكيل، كما إنّ بعض اصحاب تلك المهن والصناعات اليدوية المهرة من الذين استمروا بعملهم قد انتشروا في مناطق متفرقة من البلد بعد أن كان السوق يجمعهم،فاصبح من الصعب العثور عليهم وتحديد محالهم والوقوف على طبيعة ونوع منتجاتهم الأمر الذي جعل وصول تلك المنتجات اليدوية الى السيّاح صعباً ايضا.

حبّذا لو ان هؤلاء المنتجين من اصحاب الحرف اليدوية المهرة الذين ينتجون موروثا تراثيا مادياً ذا نوعية جيدة وباستخدام المواد الخام المحلية وتصاميم مستوحاة من تراث يعود لأجيال قديمة ومن الثقافة المحلية أن يتقدموا الى وزارة السياحة والآثار بتعريف عن طبيعة منتجاتهم ومواقع اشتغالهم ليتسنى للوزارة تثبيت مواقعهم على خارطة الحرف اليدوية الوطنية التي ستساعد كثيرا في تحديد مواقع معارضهم لجذب السيّاح اليها،واشراكهم في الفعاليات والاسواق السياحية الداخلية والخارجية بهدف الترويج  والتسويق لتلك المنتوجات،وبذلك يسهم االجميع بتحقيق الهدف الوطني المنشود بأعادة تلك الحرف التراثية الاصيلة الى الساحة السياحية  كواحدة من اهم مقومات ديمومة القطاع السياحي.

 

أقلامٌ أدبية في شِباكِ السرقة الفِكرية .. !!

sara falihaldaboniتواردت مؤخراً وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي فضيحة الإعلامي الساخر (باسم يوسف) المتضمنة سرقتهُ لأحد مقالات الكاتب اليهودي (بن جودا)، والذي يتناول موقف الرئيس الروسي من القضية الاوكرانية .. !

 الأمر الذي عَرَّضَ هذا الإعلامي المعروف ببحثه الشاق عن الحقيقةِ بإسلوبهِ الساخر ونقده اللاذع الى موجاتٍ من الهجوم الإعلامي إضافةً الى هجومِ الشارع العربي نفسه .. بعدَ أن فقدَ مصداقيتهُ بدخولهِ فيفخِ السرقة الفكرية ليكون بالتالي مايدعى الإنجليزية (plagiarist) .. سارقاً لكتاباتِ غيرهِ، مُرصعاً إسمهُ بجُهدِ الآخرينَ .. !!

والأمرُ لايقتصرُ على (باسم يوسف) وحدهُ، الرجل الذي اختار امتهانَ الإعلامَ والقلمَ بديلاً عن مهنةِ الطب، بل تعدى كذلكَ حدودَ الفكرةِ وحدها حتى أمسى من الكُتَّابِ من يسرقونَ كُتُباً بالكاملِ ملمعينَ أسمائهم على أغلفتها، ليكونوا بذلكَ فنانينَ بالتخفي ليتراءى للقارئينَبأنهم هم المؤلفون .. ! ومن هنا لا ننسى جُرأةَ أحد الكُتاب العرب حينَ سرقَ كتاباً للكاتب الأمريكي (مايكل هارت) بعنوان (المائةُ الخالدون في التاريخ .. أعظمهم نبي الإسلام محمد)، واضعاً إسمهُ عليه فشوَهَ بذلكَ شأن النبي الأعظمِ صلواتُ الله عليه وعلى آلهِ، بدلَ أن يرفعَ منهُ، بينما وضعهُ كاتبٌ من بلادِ الكُفرِ على رأسِ القائمة .. !! هذا بالاضافة الى فضيحة الأديب علاء الأسواني بسرقته لرواية (نادي السيارات) التي أكتُشفَ بعدَ فضيحة باسم يوسف إنهُ اقتبسها عن رواية (حفلة التيس) للروائي العالمي المُتأصل من البيرو والحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 2010 (ماريو بارغاس يوسا) ..

مؤسفٌ جداً هذا الحالُ الذي آلَ بالكُتابِ والمفكرينَ العرب الى سرقةِ جهودِ غيرهم والأفظع أن تكونَ تلكَ النتاجاتُ لأشخاصٍ أجانبَ غير العرب بينما كانَ أولئكَ يسرقونَ نتاجاتِ العرب المسلمين كما حصلَ معَ اكتشافات (ابن الهيثم) و(ابن النفيس) و(ابن سينا) وابن رشد، وكمثالٍ اكتشاف الدورة الدموية على يد (ابن النفيس) بينما نسبها (وليم هارفي) لنفسه .. !

وغيرها وغيرها الكثير .. ناهينا عن سرقةِ القصائد والأشعار العربية وترجمتها الى الانكليزية ونسبتها للذات .. !!

388-basimفلو راجعنا مجموعةَ الكُتاب الذينَ انتحلوا كلمات غيرهم ورصعوا بها اسماءهم لوجدنا أن جميعهم لاتنقصهم الشهرة، ولا المال، بل أن الجشعَ في هذه الحال قد تعدى مسألةَ ملئ الخزائن بالأموال ليطالَ الجهود الفكرية بسرقةِ أفكار الغير ونسبتها للنفس .. !

ولو عُدناالى مسألةِ الإعلامي (باسم يوسف) للمحنا وبكُلِ سهولةٍ إعراضهُ عن الإعترافِ بخطأه رُغمَ اثباتِ التهمِ عليهِ، بل لجأ الى الحُجةِ الواهيةِ بأنهُ قد نسي الإشارةَ الى مَصدر المقال .. ساخراً من منتقديه بإبتذال قائلاً: " قائلا: ‘ثانية واحدة بغش المقال بتاع الأسبوع الجاي" .. !!

وأضاف "معلش أصل الصحافة لمت’ناس ملهاش لازمة تعمل برنامج وتكتب مقالات مسروقة وبعدين يجوا يعيطوا ويبقى شكلهم وحش" .. !

تلكَ السُخريةُ في الردِ واللامُبالاة من ناحية (باسم يوسف) بشأن مسألة السرقة الفكرية دفعت أحد النقاد الى اتهامه بأنهُ يرى قيمةَ الإنسانِ فقطفي مايضيفه من ابتذالٍ بينَ ميلاده وموته، وبأنَ أمثالهُ من الكُتابِ سيطويهم النسيان فورَ رحيلهم .. !

بصراحة لااعرف ماالذي يدفعُ كاتباً لهُ أن يأخُذهُ الإلهامُ من أبسط الأشياء .. ولهُ القُدرة على صياغةِ كُل شيءٍ من لاشيء .. أن يقعَ في مصيدةِ السرقة الفكرية، متناسياً أن رصيدَ الإنسانِ سُمعتهُ، وبدونِ ذلكَ لاشأنَ يبقى له .. وبالخيانةِ يتوجب عليه الإنتحارُكما فعلَ يهوذا، وهذا على مايبدو مافعلهُ باسم يوسف رغمَ رفضهِ بالإعتراف، ولكن انتحارهُ لم يكُن بتناولهِ جُرعةَ سُمٍ أو بالشنقِ بالحبل، بل كانت بأن يشنقَ يدهُ عن الكتابةِ الى الأبدوينتحر بروحهِ الأدبيةِ، خصوصاً بعدما ترائى للناسِ على حقيقته مقتبساً بوحهُ عن الكيانِ الصهيوني .. !! واللهُ أعلم كم إقتبسَ قبلاً، خاصةً وأن السرقةَ الفكريةَ أصبحت سحريةً لاتتطلبُ أكثرَ من جرةِ ماوس، كما وصفها الكاتب والمُفكر والفيلسوف (خالص جلبي) بخاصية " إنسخ ياسمسم"!!

والسؤالُ يبقى .. لو أن الإسلامَ سَنَ قَطعَ اليدِ حَداً للسرقة .. فما تُراهُ يجبُ أن يكونَ حَدَ سرقةِ الفكرة؟

نعم .. قد تكونُ القوانينُ الوضعيةُ التي سنها الإنسانُ لاتحاسبُ سارقَ الفكرةِ والكلمة ممن قيلَ عنهم "خطفَ خطفةً فأتبعهُ شهابٌ ثاقب" .. !! ولكن، ليكُن ضميرنا هوَ الرقيبَ علينا والحسيبَ بعدَ الله عزَ وجَل .. !!

 .. .. .. .. .. .. ..

بقلــــم: ســـارة فالـــح الدبونــــي

 

 

لحظة وداع (مُتواقِف)

ghazi altaiتَجَمهَرَ العاملون .. وهم يَعتريهم الحزن الشديد، مشوبا بالآهات والحسرات، لتوديع زميلهم ومسؤولهم في العمل، بعد أن أنهكته الحياة وأخذت سنوات العمل وَهَمِّ الدنيا زهرة شبابه التَّفوا حَولَهُ ليتذكروا- وأصوات الضحكات والتعليقات تملأ المكان- المواقف الفرحة والحزينة التي عاشوها معه خلال مدة عمله الطويلة البالغة أربعون سنة عمل متواصلة، كان خلالها كالعمود الشامخ الذي لن ينحني أبدا، كان لا يعرف الكسل ولا التقاعس، كان دوما يُحَفِز العاملين وخصوصا المتلكئين منهم على المثابرة، ويزرع فيهم: روح الإخلاص، والنشاط، والتفاني، ويساعدهم على حل مشاكلهم، ويطالب بحقوقهم. أن تأخر ترفيع لواحد من بمعيته يعدوا مسرعا ويطرق كافة الأبواب دون كلل أو ملل حتى يظفر بحق صاحبه، وَيُقدِم منتشيا ومعه نسخة من أمر الترفيع ليقول لصاحبه: خُذ أمرترفيعك! أريد منك أن تكون أكثر همة بالعمل؟ كيف لا، وهو مسئولهم والمشرف عليهم، كانوا يودونه ويَكَلِّون له الجميل، وكأنه بمثابة الأب الراعي لأولاده . قلبي كان مُطمئِنا إليه في إخلاصه، وانجاز العمل بالوقت المحدد، نادرا ما كُنتُ أُتابع عمله إلَّا في بعض الحالات التي يحصل فيها تعديلات على التصاميم، لتوضيح له التعديلات في المخططات التصميمية . بالرغم من تحصيله الدراسي المتواضع، لكنه عند شرح المخطط له، وطريقة تنفيذ العمل، كان يستجيب بسرعة كبيرة وفهم وأدراك عالي لما يُراد منه، كان يُدرِك كيف يقود العاملين الذين بمعيتهِ ويتعايش معهم، يشاركهم همومهم ! وأفراحهم ! يتفقدهم واحداً واحد! وعند تأخر أو عدم مجيء أي عامل! كان يتصل بهِ فوراً ليعرف السبب والمسبب، ويحاول مساعدته بشتى الطرق وقدر ما يستطيع!. العامل المِعوَز يحاول مساعدتهِ، كأن يتشارك مع الآخرين بعمل جمعيه ويجعل نصيب المحتاج أول من يستلم، وان تعذر ذلك،يلتجأ لجمع التبرعات لمن يستطع التبرع. كنت ألاحِظ ألابتسامه والفرحة مرسومة على وجهه بعد حل معضلة ما لأحد العاملين!. كان عندما يدخل الى غرفتي بابتسامته المعهودة، أعلم بأنه سيطلب مساعدة مادية أومعنوية لأحد زملائه، كأن تكون إجازة طويلة لأحد العاملين بحاجة ماسة لها، أو إلغاء غياب، أو تسهيل أمر احد المتأخرين عن العمل، أو المشاركة في جمع تبرعات لمتضررٍ من حالةٍ معينه، أو لمُحتاج . ذات مرة دخل علي لحاجة لأحد العاملين، فقلت له: أراك كثير الطالبات لزملائك، وَلَكَ لم تَطلُبُ شيئا يُذكر؟ فأدركني بالإجابة: الحمد لله على كل حال، المهم حل مشكلة (فلان). بالرغم من كونه صاحب عائلة كبيرة، تتكون من عشرة أشخاص، وكل واحد منهم له همومه ومطالبه ومشاكله ؛لكنه كان لن يبوح لي بها، ولكنها كانت تصلني من زملائه المقربين له في العمل، لأبادر لمساعدته قدر المستطاع . كان الجميع يحاول أن يساعده ويردّ إليه الجميل، ذات مره في احد مواقع العمل تعرض لوعكه صحية شديدة، الجميع كان يحاول مد يد العون لمساعدته، وبشتى الطرق، احدهم يمسح على وجهه بالماء البارد، والأخر يفرك على يديه، وثالث على رجليه، وآخر يجهش بالبُكاء، ولكن الحمد لله مرت بسلام بعد نقله الى احد المستشفيات القريبة. كان سبّاقاً في العمل وتجده على رأس الهرم، والمتقاعسين يَهبّون للعمل خجلا منه وتقديرا له . كيف لا، وهو الأب الراعي لمصالحهم، والسند القوي لهم، والمدافع والمقاتل عن حقوقهم، وبكل مايملك من مَقدِره .

كان يكره الجلوس لفترة طويله، وبعد انتهاء العمل في المعمل مبكراً لا يُحاول أن يسترح، بل يبادر وعلى الفور ومن معه من العاملين: بتنظيف موقع العمل، وتنظيم المكائن والمعدات، ومن دون توجيه من أحد.

اقتربت لحظة الوداع لهذا الرجل الطاعن بالسن، ليُغادر حياة العمل ويَخلِد إلى الراحة في منزله المتواضع البسيط، بعد حياة عملية ومهنيه طويله، ولكني اعتقد جازما بان البيت لن يكون مأوى له بنهاره وليله، كونه شخص ديناميكي الحركة . بعد انتهاء حفله الوداع من قبل زملائه. دخل عليَّ بابتسامته المعهودة، لتكشف عن بعض من اسنانه المتساقطة، قلت له: ستودعنا وكلنا حسرات على فراقك – لا فراق ان شاء الله ستكون مواصلتي معكم مستمرة – أتمنى أن يحصل ذلك، وأتمنى أن تعيش بسكينه وسلام وارتياح – لا اعتقد ذلك! لأن هموم الدنيا لن تمضي! ولن تزول! بل دائما تفاجئنا بجديد! وهذا هو حال الدنيا- صدقت وأصبتّ! ودعك من الهموم وتفاءل يا (مُتقاعِد) . وهو يهم بالخروج بعد عناقي استدار نحوي وردد – لا تنعتني ب(مُت قاعِد)! فهذه الكلمة لا أحبذها .. بل قل لي (مُت واقِف)، وسأضلُ واقفاً إلى أن يَجثِمَ جسدي مُجبَراً! أو تحل منيتي! ...

 

بغداد 5/5/2014

 

فاتح ماي في فرنسا عيد مزدوج .. "رمانسية ونضال"

hamid taoulostظاهرة غريبة أثارت انتباهي قبيل الأول من ماي - العيد الأممي للعمال – بأيام قليلة، هي اكتساح نوع من الزهور وتوفرها بأعداد خيالية في كل المحلات والأسواق التجارية العملاقة، وفي الشوارع وفي كل مكان، يعرضها إلى جانب الباعة المتجولين العديد من التلاميذ والطلاب في الشوارع والطرقات، ويقفون بها أمام المحلات التجارية والمصالح ، ويتنقلون بها من بيت إلى بيت، ما ذكرني بالحرشة والملاوي التي تملأ ديانا كلما قرب موعد رمضان، والسكاكين والعطرية مع حلول أيام العيد الكبير. ورود على شكلِ أجراس صغيرة الحجم بيضاء اللون بأوراق خضراء طويلة مفلطحة، تسمى زنبقة الوديان أو زهرة الطلسم Le Muguet، لأنها في الأصل كانت تنمو في الوديان باليابان، لا يمكن للعين أن تخطئ ما سجلته من حُضور في كل مكان من فرنسا، يحملها الصغار والكبار، النساء والرجال، الأغنياء منهم والفقراء كهدية يقدمها في الغالب الذكور للإناث، بمناسبة العيد العمالي . فما سبب هذا التقليد، وما قصته، وما علاقته باحتفالات العمال بيومهم العمالي؟؟..

أسئلة شغلتني وأنا أتابع الرواج التجاري الذي خلقته هذه الزنبقة العجيبة رغم أصولها اليابانية .

وللإجابة عن هذه التساؤلات، لابد من الرجوع قليلا إلى تاريخ الأعياد الفرنسية، التي نجد أنها كثيرة ومتنوعة ومتباينة من حيث الشكل والمضمون، منها الوطني والعالمي والعائلي والمهني وأنواع أخرى كثيرة من الاحتفالات العجيب والغريبة التي يعطونها قيمة ويحاولون تعميقها بتكرارها والاحتفال بها.

من بين اغرب ما يحتفل به الشعب الفرنسي إلى جانب أعياد ميلاد الإنسان والحيوانات، اعياد الحدائق والنباتات والأزهار التي يقيمون لها احتفالات بتواريخ إنباتها أو بدءِ تفتح أزهارها ومواقيت طرحها للثمار، تلك الزهرة العجيبة التي يحتفلون بها في الأول من أيار من كل عام، والذي اعتاد فيه الفرنسيون الذكور ومنذ عقود، بل منذ عصور اهداء زنبقة الوادي -الزهرة التي يسندون لها خاصية القدرة على جلب الحظ والسعادة - للإناث اللواتي يفتن بها .

أما من أين جاء هذا التقليد؟ وما العلاقة إهداء غصن من زنبق الوادي للأحبة والأقارب والأصدقاء بعيد العمال العالمي النضالي الخاص بالنقابات والمنظمات المدافعة عن حقوق العمال المقهورين؟

ولذلك لابد أن نرجع إلى التاريخ الفرنسي مرة أخرى، وإلى، لأن لهذا التقليد قصة قديمة تعود إلى ذلك العصر "عصر النهضة" وبشكلٍ أدق إلى الملك شارل التاسع الذي تلقى في الأول من أيار عام 1561 باقة من هذه الزهور الجميلة كهدية، ويبدو انه سعد بها كثيراً وقررَ أن يهديها بدورهِ في الأول من أيار من كل عام إلى كل نساء البلاط الملكي بهدف جلب البهجة والحظ السعيد لهن. وبفضل هذا الفعل الملكي ترسخ تقليد اهداء زنبقة الوادي في فرنسا، بل وأصبح عيداً يُحتفى به كل عام، انتشر بين كافة فئات المجتمع الفرنسي ومن بينهم العمال والفلاحين الذين تلقفوه مباشرة بعد تخطيه عتبات القصور ليصبح ممارسة متزامنة مع عيد العمال الذي بدأ الاحتفال به في فرنسا في الأول من أيّار 1890، ومنها انتقل إلى الدول الأوربية الأخرى، ومن ثم إلى مختلف دول العالم .

ومن الجدير بالذكر أن المتظاهرين المحتفلين بعيد العمال في باريس عام 1890 كانوا يرتدون ربطة عنق حمراء مثلثة الشكل ترمز لمطالب العمال الثلاثية: 8 ساعات عمل، 8 ساعات نوم، 8 ساعات للراحة والاستمتاع، وقد عُوِّضَت تدريجيا تلك الربطة الحمراء بغصن من زهور زنبقة الوادي المعقود بشريط أحمر، ومع مرور الزمن أصبحت زنبقة الوادي، ومنذ سنة 1907، رمزاً ليوم العمال العالمي وارتبطت بنضالياته وتضحياته، تعطيه ربيعاً متجدداً، ويضيف هو لها رونقاً وبهاءً، ويمنحها ديمومة أُممية، دون أن يبعدها عن الاعتقادات العاطفية بقدرتها السحرية لجلب الحظ والسعادة والتجديد والتواصل مع الربيع وإلهام قوافي الشعراء ..

 

حميد طولست

لَسْتِ عورة

moamar habarكتبت الأستاذة احلام سالم، مقالا بعنوان: "لست عورة !!!"، تطرقت فيه بغضب شديد وبلسان قوي بيّن، لجملة من النقاط المثيرة، التي قد يوافقها فيها القارئ، وقد يخالفها في بعضها. وسبق للأستاذة أن تعرّضت لهجوم شديد من قبل إحدى المنتديات. وصاحب الأسطر يريد أن يشارك الأستاذة في بعض النقاط.

المرأة ليست عورة، فهي كائن كامل يستحق كل التقدير والاحترام. والمرء يستحي أن يظهر عورته أمام الناس، لذلك وجب سترها ولو بورق الشجر، حين لم يكن يومها لباس يستر. والمرأة ليست ممن يستحي منها المرء، بل يفتخر بها، ومن حقّها أن تفتخر بنفسها، فهي الأم، والزوج، والبنت، والعمة، والخالة.

والمرأة طاهرة نقية، وليست من نواقض الوضوء، فالطهر لاينقض الوضوء. والمرأة ليست بأيّ حال من الأحوال أقلّ من الرجل.

وقال العارفون بالمواريث، أن الحالات التي تنال فيها المرأة حقها من الميراث أكثر من الرجل، كثيرة متعددة. وهنالك حالات تأخذ المرأة بالتساوي مع الرجل. وفي حالة واحدة أو اثنين يأخذ الرجل أكثر من المرأة. لكن الناس لاتعرف غير أن الرجل يأخذ ضعف المرأة، ناكرين الحالات الأخرى، التي تأخذ فيها المرأة أكثر من الرجل.

منذ سنوات، قال أحد الفقهاء المعاصرين، أن المرأة المتمكنة في تخصصها، كأن تكون عالمة في التسويق والتجارة، مديرة لمصرف مالي، أو محامية، أو معروف عنها التخصص والبراعة في ميدان معين، لايعقل في هذه الحالة، أن تكون شهادتها أقلّ من شهادة الرجل. وتأخذ بشهادة العارف المتخصص، وتقدم على غيره، ولا يهم إن كان رجلا أو إمرأة.

إن مايتم بين الزوجين من عطاء ووصال، يديم المحبة ويزيد في القربى. وإذا منع أحدهما نفسه عن الآخر، فإن اللعن والطرد يصيب البادئ والمانع، سواء كان الرجل الذي يمنع نفسه عن زوجه، أو المرأة التي تمنع نفسها عن زوجها، وبقدر الضرر الذي يصيب أحدهما، يكون العقاب في الدنيا والآخرة.

وليس من المروءة في شيء أن يمتنع الزوج عن شراء الدواء لزوجه، أو النهوض بعلاجها، أو القيام بتجهيزها بعد موتها، بحجة أن التطبيب والتجهيز ليس من واجباته. فكيف يطيب "للرجل !"، أن يمتنع عن القيام بأقل الواجبات تجاه زوجه، وهو الذي عاشرها عقودا من الزمن، ووهبته جمالها وصباها.

إن الكذب مذموم، سواء صدر من المرأة أو الرجل. وإذا تطلب الأمر لجأ إليه كل منهما مضطرا، لإصلاح ذات البين وتقريب القلوب، وكانت ثمرات ذلك لهما معا. والكذب ليس خصلة محمودة، حتى يحتكرها الرجل دون المرأة، بل العاقل ينزّه لسانه وأفعاله من الكذب ولو مازحا.

إن سورة المجادلة نزلت في حقّ إمرأة ، طلبت بحقّها أمام الملأ، فكان لها ماأرادت. وسيّدنا عيسى عليه السلام، يذكر اسمه دائما مقرونا باسم والدته مريم عليها السلام، فيقال عيسى بن مريم إلى يوم الدين.

إنه من تمام الدين والمروءة، أن يوقظ الزوج زوجه للصلاة، ويجهد نفسه لكي يوقظ أحدهما الآخر ليصليا معا. فكيف يقال بعدها أن المرأة تقطع الصلاة !. وتشبه بما لايستطيع المرء النطق به.

إن المرأة تعين على الصلاة ولا تقطع الصلاة. ألا ترى أن الإمام المتزوج يقدم ويأخذ برأيه عكس الإمام العازب، وكذلك القاضي المتزوج، مايعني أن المرأة هي التي منحته الصدارة، وكان يفتقر إليها حين كان أعزبا، رغم تفوقه وعلمه.

 

...............

أنظر المقال عبر الرابط:

http://www.m3arej.com/article/misc-articles/13305-%D9%84%D8%B3%D8%AA-%D8%B9%D9%88%D8%B1%D8%A9

 

الشعر في الحب والتجريد في الخيال .. أين هو الرابط؟

حين يسعى من يضع النص الشعري في خانة المطلق، فهو كمن يضع المفردة في التجريد المحض أو يقوم بإفراغها، ليس من معناها، إنما حين تكون عائمه في فضاءات قد لا تجد لها صدى عند حدود المحسوسات .. لغة الشعر لها موسيقاها وايقاعها الخاص الذي لا يتجاوز في الإيقاع والمعنى والمغزى .. فلا الإيقاع يخالف المعنى، ولا المعنى يشذ عن الإيقاع، والمسافة بينهما مشدودة بروابط متينة من الشروط .. أداة التعبير في الشعر هي اللغة، وأداة التعبير في الموسيقى هي الأداة ذاتها، ولغتها الإيقاع الرصين المتجانس والمتوازن الذي يضع أساساً للمعنى.

الشعر له كل الأدوات، وفي مقدمته اللغة ومبعثه الموسيقى والإيقاع المتناغم، ومن دون الإيقاع والوزن يخسر الشعر معنى كونه شعراً، وهو المعنى المرتبط بالوزن والقافية .. بغض النظر عن ما إذا كان النص عمودياً أو غيره، ذاك هو الشرط، وقد يكون للنص موازين وقوافي أيضاً، ولا غبار على ذلك أبداً، وهذا من باب الحداثة والإبداع .

قد يكون الشعر موسيقى تُعزفْ، وقد يكون الشعر رسماُ بالألوان، وقد يكون الشعر حركة أنثى مموسقاً أيضاً، والطبيعة وايقاعها وموسيقاها يعكسها الشعر حين يمتزج مع الإندهاش والنوازع والرغبات ليصير توهجاً لا يحرق وقد يحترق بدوافع الشوق.

فالشعر يخضع للشرح بالكلمات والمفردات ولا تخضع الموسيقى كفنٍ لهذا المنطق، إلا من خلال العزف، والعزف وحدة اللغة التعبيرية القادرة على اظهار الجوهر، الذي تظهره المقطوعة، فيما الشعر يفرش جناحيه ويحلق في أجواء ترى حزم الضوء من بين إيقاع طيرانه عبر طقوس الفرح والحزن والألق والسلام والحرب.!!

الحب في الشعر تجلياً قد يحمل النقاء وقد تلوثه الغريزة .. وما دام الحب والكراهية على طرفي نقيض، فهما متلازمتان في وحدة التضاد، إلا انهما ليستا متداخلتين، ومن الصعب الجمع بين الحب والكراهية في آن .. فهل يمثل الجذب المادي حباً؟ أم أن الجذب الروحي يمثله وهو الأساس؟ أيهما الثابت في صيرورة العلاقة بين المادي والروحي؟ هل الجمال ثابت؟ فمن الصعب الحديث عن جمال ثابت لأنه متغير على الدوام، والثابت الذي لا يتغير هو الروح الشفيفة التي تعبر عن الحب.. وهذا يعني أن الحب يختلف، وان الحب في الجمال قد لا يحظى بنصيب الثبات، أما الجمال في الحب فهو المعنى الذي تخلده حتى الكلمات .

والتعبير عن الحب في الشعر حتى لو لم يقترب من المرأة أو يقترب من الرجل، كليهما، يتقاسمان الإقتراب العاطفي والوجداني والإنساني .. هذا التعبير لا يشكل مدخلاً تعبيرياً عن الحرمان من الحب، بمعنى التعبير عن الحب في ذاته ولذاته بعيداً عن الواقع الحقيقي.. وهذا لا يمثل الحب العذري بحال .. لأن جوهر ذلك هو أن الحب يعطي ولا يأخذ، ولا يتوقع أن يأخذ إلا في خلافه .. كما هو حب البحر في سكونه وصمته وهيجانه وفي عنفوانه وصفائه ولونه واتساعه وارتطام أمواجه والزبد العائم فوق موجه واقتراب سواحله الرملية وخلجانه الصخرية واصدافه ومرجانه وعوالمه المخفية .. مثل هذا الحب الصافي في الشعر لا احد يريد أن يكتنز من هذا البحر، كما لا يريد أن يصطاد منه سمكاً ولا ينتشل من اعماقه الكنوز .. حب البحر لا يفتش عن مغزى أو معنى مقابل .. وإذا ما تحول الحب إلى مطالب كف عن أن يكون حباً صافياً يحتضنه الشعر العابق بالصفاء .

الشعر في الحب لا يمتلك غير النص في التعبير عن الرابطة الأسمى، وليس التعبير عن التملك بمعنى الإحتفاظ وبمعنى الهيمنة، لأن في ذلك تتدخل الحرية الإنسانية، التي لا احد يستطيع أن يمنعها من أن تشهر حريتها في الحب سيفاً وان تعبر عن نوازعها بالشعر وبالموسيقى وبالرسم وبايقاع الرقص، وبتلاوين الطبيعة وحركة الريح والطيور والعصافير والأمواج وسكون الليل ونباح الكلاب وعواء الذئاب وأصوات أدوات الموت في الحرب.!!

البعد والإغتراب هل يخلقان الشعر في الحب الصافي؟ وهل يمتنع الحب في الشعر عن الرغبات أو يسقط الغرائز؟ فمن الصعب الإحتكام إلى واقع إبعاد الغرائز ولكن ليس طغيانها بحيث تتحول العلاقة بالأنثى إلى علاقة حيوانية لا غير.. لأن الحب ليس حيوانياً محكوم بالغرائز، أنه أسمى بحكم ارتقاء انسانيته، وهذا هو التجلي الحقيقي في شعر الحب الصافي.

ومعيار النص الشعري هو القدرة على الإبداع .. وكل نص له نكهته وإيقاعه وبعده الجمالي والإنساني والأخلاقي، كما أن معيار النص هذا يفرق بين الحقيقة الواقعية على أساس الإقتراب من حالة التعبير.. وحالة الخيال قد لا تتطابق مع حالة الواقع رغم أن الخيال هو انعكاس للواقع وليس غريباً عنه بأي حال، لأن لا خيال بدون واقع معاش، وليس نسيجاً وهمياً من خيال المنفى .!!

 

شوقي لأفراح لاتأتي

hadi  jalumreiفي الصيف، وفي أوله تحديدا أخاف من لحظة أشعر إني أشيّع فيها الورود والأزاهير والنسائم الربيعية والغيوم ولحظات السعادة التي تنغمس روحي فيها عادة دون مبالاة، أخاف مثل رجل هددته حبيبته إن لم ينجح في وعده لها بنثر الورود بطريقة متسقة على جانبي الممر المغطى بالأشجار الذي تسلكه بين حين وآخر حين تخرج لتتمشى وتنتعش برائحة الكاردينيا. في الصيف وفي أوله يكون الوداع لآخر الغيمات البيض المتجهات شرقا دون أن تلتفت واحدة منها نحوي لتسليني، أو لتقول كلمة واحدة، وأعلم إنها لاتجيد الكلام بل تفتعل الإغراء والغرور معا، وتشتهي السفر حتى لو تركتني موحشا كما في قول الشاعر.

ياغادة الكرخ هذا المدنف الباكي

تركته موحشا في ليل جفواك

يشكو لك على بعد المزار به

قلبا ولبا ونفسا ليس تسلاك

رقي لحال فتى مازال ناظره

يرى العلا والمعالي حيث مغناك

الشاعر هذا يحاكي قصيدة للشاعر الشريف الرضي (ياظبية البان) وفيها من معاني الشوق والوله والتوسل ما يهد الجبال، غير إنها لاتهد، وبدلا منها تهد القلوب، وتسيل الدموع من عيون تعودت البكاء الشفيف حزنا على حبيب راحل لايعود، ولن يعود كأنه تعّود السفر مثل تلكم الغيمات، وهكذا هي أفراحنا التي لاتأتي أبدا، بينما نتشبث بها، ونريدها أن تزورنا، ونسمع لمن يقول، إن الفرح ماض والحزن مقيم. فالفرح لايترك أثرا حين يمضي، بينما الحزن يرتع في الروح ويترك شتى الآثار فيها، والفرح يصنع الحزن لأنه حين ينهي زيارته يترك غصة في النفوس.

في بلدي الحزين تسكت الكلمات متشحة بالخجل فهي لاتشفي الغليل، بينما يسلك الحزن دروبا جربها ويعرفها جيدا،يأتي الحزن معبأ بالديناميت فيمزق الاجساد وينهبها بعصفه الهائل، ويترك الأحشاء تتقطع كمدا حين يصعقها بفقد الأحبة من الصبية والنساء والرجال، فليس من أمل بعودة من تمزقت اعضاؤه وتناثرت. يأتي الحزن بسيارة مفخخة بسرعة هائلة ويقتحم سوقا، أو مدرسة، أو تجمعا للفرح ويقتل الحياة ويضحك موزعا الشماتة على الناس المشدوهين بفجيعة يسببها مشهد الموت، أو حين يتقدم مع مجموعة من القتلة لينشروا الخوف والرعب في الأحياء والدروب دون أن يعبأوا بأحد، أو يهتموا لردات فعل مبعثرة هي الأخرى ولاتملك قرارها، ولاتهتدي الى حل لمأساتها الموغلة في الوجع والراغبة فيه حد الثمالة.

أشتاق بلهفة للحظة الفرح، كاني انتظرها مثل تائه في صحراء يجد نبعا فيغترف منه ولايكتفي ويبقى أثر العطش يحرق شفتيه،ويريد المزيد، ويرغب في أن يملأ قربته من الماء ويحمله معه في الصحراء ليرشف منه بين حين وآخر ليتذكر إنه مايزال معه ولم يفارقه، أحمل شوقي معي أين حللت، أو رحلت، لاأترك الفرص تمر دون أن أعانقه وأبذل الجهد لأتنعم بحضوره. لاأمل ولاأكل من الرغبة بالفرح والبحث عنه. أنا في شوق دائم له

لولا الجنس لانقطع الجنس !!(4)

hamid taoulostالجنس بين المعتقد وعلم النفس: إذا كان الجنس هو الركيزة الأساسية في بقاء النوع البشري، وأنه لولاه لما وجدت الحياة واستمرت، كما كتبت في المقالة الأولى "لولا الجنس لانقطع الجنس" ، فإن الموت هو الحقيقة الوحيدة في هذه الدنيا التي تفني تلك الحياة التي أوجدها الجنس بإذن الله سبحانه، والتي لا مفر منها لأي حياة، مصداقا لقوله عز وجل: " فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ "، وقد يغفل البعض عنها ويسلى لكنها تترصدهم في كل وقت وحين، كما في قوله سبحانه : "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير‏" .

إذ أن الموت -ذاك المجهول- يمثل أكبر لغز في حياة بني البشر وسيظل كذلك مادام لم يحدث أن مات شخص ما ثم عاد إلى الحياة مرة أخري ليروي لنا ما رآه في العالم الآخر من أسرار الموت المخيفة التي تؤرق الإنسان وتشغل كل تفكيره واهتمامه، اللهم بعض الحالات المعدودة والتي حدثت بمقتضى إرادة إلهية، مثل أصحاب الكهف وصاحب الحمار وذلك الذي أحياه النبي عيسي بإذن الله ولغايات ربانية محددة .

ورغم ذلك، فقد امتلأ عالمنا بالأسرار والظواهر الغامضة التي لا تتوفر في غالبيتها على دلائل نهائي أو معقولة لحدوثها، كالعودة من الموت وأسطورة الدخول للجنة -رغم ندرتها وما خالطها من خرافات- التي يسردها من خاضوا ما سمي علميا بتجربة الاقتراب من الموت (NDE) والتي ما هي في الأصل، حسب علماء النفس، إلا مجموعة من "الأحاسيس التخيلية " أو الهلوسات الوهمية التي ليس لها أساس من الواقعية أو الصحة يعيشها بعض الأفراد أثناء غيبوبة متقدمة أو موت سريري، قبل أن يتم إنعاشهم، وتتمحور في اعتقاد أصحابها بأنهم رحلوا إلى الضفة الأخرى ودخلوا الجنة، والتي تعود في مجملها إلى أسباب نفسية صرفة وإلى اعتقادات الشخص الخاصة حول موضوع الجنة والنار والموت التي تتجسّد في تفكيره وكأنها تحصل فعلاً،

ورغم أن علم النفس لم يتمكن بعد من تأكيد إمكانية بقاء المرء في حالة وعي خلال الموت، كما يزعم أصحاب تلك التجارب، فلا تزال تلك المعتقدات مهيمنة على الكثير من الناس في العديد من المجتمعات، وعلى رأسها المجتمع العربي على وجه الخصوص، وليس الفيديو الذي نشره قبل أيام، الصحفي أنوار لكحل لأحد الأشخاص ممن يسمون انفسهم بـ"الـمجاهدين " والذي يحكي فيه مروره بنفس التجربة، إلا دليل على تلك الهيمنة المتحكمة في العقول المريضة ..من خلال قصة خضوع أحد أعضاء داعش المغاربة لأحداث غامضة ، والتي يزعم فها أنه تعرضه لإصابة بليغة،خلال المعارك الجهادية بسوريا، ودخوله على إثرها في غيبوبة جعلته يعيش تجربة الاقتراب من الموت، دخل خلالها الجنة وأسهب في وصف ما رأى بها من "حور العين" اللاواتي وصفا جنسيا فاضحا لجمال أجسادهن وحسن عيونهن الكحيلة و (بزولهن) الأثداء الكبيرة، ولم يتماسك فلمس أردافهن الصقيلة -"المصاصط "، بلهجته البدوية – لمسة واحدة كانت وراء قذفه (بلوغه اللذة القصوى ) خمس مرات، في ممارسة جنسية غير واعية، وأجواء خيالية مثيرة جداً، صنعها له عقله اللاواعي لإشباع رغباته المكبوتة عبر حلم جنسي بورنوغرافي رائع، توج باحتلام او استمناء عاشه "المجاهد"، قبل ان يتم انعاشه.

كان يمكن ألا ينظر لهذا الفيديو/الحوار، نظرة حوارية، ولكن نظرة اعتبارية واعظة، لأن المواعظ حياة للقلوب وبالمواعظ تنجلي الغفلة ـ

لكنه وبتحليل بسيط تغيرت النظرة إليه بسبب ما حمل من تأثير المعتقدات والأساطير الجنسية التي يربطها الشيوخ الدين ورجاله بالدين، وما يسوّقون من صوره النمطية التي تكريس ديكور الجنة في إطار جنسي فقط، يتناقض تناقضا مفضوحا مع المنطق، ويسيء لجسد المرأة الذي ينظر إليه في الدنيا نظرة جنسية وفي الآخرة نفس النظرة، والذي تتسبب في خلخلة جيل شباب محروم جنسيا لأسباب اقتصادية واجتماعية، وتجعلهم منغلقين على أنفسهم رافضين جنس الأرض على اعتباره زنى، يكرهون الحياة، وينبذونها بسهولة عند أول أمر يعطى لهم ليتحولوا إلى إرهابيين مستعدين للقتل وجاهزين لتفجير أنفسهم في الأسواق والشوارع العامة، بكل بساطة واستسهال لتعجيل مصيرهم الأخروي المحدد في الشهادة التي ستدخلهم إلى الجنة ليرتمي كل واحد منهم في أحضان السبعين من حور العين اللواتي ينتظر مضاجعتهن بحرارة ولهفة وشغف.

ـوقد استطاع شيوخ التطرف والإرهاب تهييج الكثير من الشباب لحمل السلاح قصد الموت في معارك خاسرة، يدخلون بموجبها إلى الجنة وكأن الجنة تحولت إلى زريبة يدخلها القتلة والمجرمون الذين يقتلون النفس التي حرم الله قتلها، أو كأن عبادة الله مبنية على طمع في الدخول للجنة وما بها من حور العين، أو خوفا من جهنم ونارها الملتهبة، بينما حقيقة عبادة الله هي أعمق من ذلك التفكير السطحي الذي يحشوا به فقهاء الشر عقول السذج من شباب المسلمين، والذي يخالف في مضمونه كل ما كان الأنبياء عليهم السلام من عميق الإدراك لأخلاقيات ومعاني العبادة الحقيقية، وصحيح التعامل مع الله سبحانه وتعالى، الذي لم يعبدوه لأجل الحور العين، ولا للجنة ونعيمها، ولا خوفاً من النار وشررها، بل عبدوه حباً لذاته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم، يتعامل مع الله بمنطق لا ندرك أبعاده، حيث كان صلى الله عليه وسلم يجد المتعة في الذكر وفي الصلاة، فكان يقول لبلال : أرحنا بها يا بلال، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ثم يجيب عائشة رضي الله عنها بالقول: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم يقل قط أريد الجنة والحور العين، بل كان يقول : أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم وأحبوني لحب الله إياي.

وفي هذا كان عيسى عليه السلام يقول : "قوم عبدوا الله خوفاً من ناره وتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله طمعاً في جنته وتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا الله حبا في ذاته وتلك عبادة الأحرار.

 

حميد طولست

المفهوم العربي الأعوج للحياة!!

العرب يتصورون الحياة مثالية الطباع والأخلاق والسلوك، ويتوقعون من الآخرين الصدق والوفاء والإخلاص بالقول والعمل.

ويتجاهلون أن الدول تتفاعل وفقا لإرادة المصالح والصراع، فلا صداقة ولا رحمة ولا أخوة، وإنما هي آليات اصطراع ، وكلٌ يسعى نحو القوة والإمتلاك، ولا يهمه الأمر إلا إذا تعلق بالمصلحة والقوة.

وكل دولة تريد إمتلاك الطاقة أيا كان نوعها.

هذه التفاعلات قائمة في الأرض منذ الأزل، وهي جوهر أسباب الحروب والصراعات ، فالقوة والطاقة وحب الإمتلاك، كلها آليات ترسم ملامح السلوك الدولي في العالم، وتلك سنة السلوك الدائبة.

فالناس تدفع بعضها لكي لا يعم الفساد، فهي كأمواج النهر التي تعلو وتنخفض، وربما تجتاحها موجة عاتية أو توسونامي شديد التأثير.

والتأريخ حافل بالعديد من التيارات ذات الإرتفاعات والإمتدادات والتأثيرات المتنوعة.

وكم إجتاحت الأرض سيول وقدرات فغيّرت ما عليها وابتدأت مسيرة عصر جديد، والموجة الهولاكية معروفة، والصراعات الطويلة لا تُنسى، والقرن العشرون قد حفل بالحروب الفتاكة المهلكة، لكنها صنعت الحياة الأرقى والأقوى.

واليوم نحن على شفا حروب أخرى ستلد حروبا وحروبا ومتغيرات.

والعرب جاثمون في ديارهم لا يحاربون ولا يهاجمون إلا بعضهم البعض، فيسخرون طاقاتهم المادية والحضارية لإهلاك وجودهم وإنقراض مسيرتهم ونوعهم.

العرب أعداء بعضهم وكلهم!!

والمتربصون لهم يفتكون بهم كما يشاؤون ويرغبون وتقتضيه مصالحهم.

وهم في رحلة التحول إلى طاقة في بطون الآخرين، فهم يقتلون مجدهم ويصنعون مجد غيرهم.

وكأنهم لا يزالون في خيام الجهل والضلال والتبعية والخنوع، والإستسلام وفقدان الثقة بالحاضر والمستقبل.

ولا يعرفون الحياة، أو يحدقون بها من ثقبٍ في صندوق وجودهم الأظلم، الشديد الجور والبهتان والإنحراف والحرمان، وقد تلفحت عقولهم بالدين المشوه، أو بما يؤهلهم لكي يكونوا أشد أعداء دينهم وبسلوكهم الذي يقتل الدين.

فهم يعيشون في فنتازيا الكراسي وفردوس السلاطين الذين تحيطهم هالات الألوهية المتزامنة وقدرات المطلق.

إنه عالم عربي خيالي أضفَت عليه التطورات الجديدة إفتراضات غرائبية، فجعلتهم ينطحون صخور الحاضر ويشوهون ملامح المستقبل.

فهل سيستيقظ العرب من سرابات العصور؟!

سنراها ذاتَ يومٍ إنّها

قد تدانتْ وأبانتْ عُرْيَها!!

 

د-صادق السامرائي

أما كان جل العلماء رومانسيين؟ .. حكاية قصيرة

hashem mosawiفي صيف عام 1847 كان الشاب ويليام طومسون ( الذي أصبح فيما بعد لورد كلفين العظيم، الشخصية البارزة في العلم البريطاني) يتجول في منطقة جبال الألب منتجع السادة البريطانيين، بين شاموني وقمة مون بلان . وهنك إلتقى بسيد بريطاني آخر، أحس بأنه غريب الأطوار و السلوك. ذاك كان هو جيمس جول والذي كان يحمل مقياس حرارة ضخما، وتتبعه زوجته في عربة على بعد مسافة قصيرة، لقد أراد جول طوال حياته أن يبين أن الماء عندما يسقط من علو 778 قدما ترتفع درجة حرارته بمقدار درجة فهرنهايت واحدة . والآن إغتنم جول فرصة شهر عسله لزيارة شاموني (تماما كما يزور الأزواج الأمريكيون شلالات نياغارا) ليجعل الطبيعة تجري له هذه التجربة . فالشلال هنا نموذجي، ومع أن إرتفاعه لا يصل إلى 778 قدما، إلا أن مسقطه كافي للحصول على إرتفاع في درجة الحرارة قدره نصف درجة فهرنهايت . ومع الأسف لم ينجح فعليا في تحقيق هدفه لأن الشلال يتكسر كثيرا الى رذاذ، مما أدى الى فشل التجربة .

إن قصة هذا العالم، مثل غيره من العلماء في أعمالهم العلمية الغريبة ليست عديمة الصلة، بما إستطعت أن أستخلصه من متابعة إنجازاتهم الكبيرة .. حيث أن مثل هؤلاء الأناس هم الذين جعلوا الطبيعة رومانسية، كما أن الحركة الرومانسية في الشعر سارت مع هؤلاء العلماء خطوة خطوه، ولمست ذلك جليا في شعر شعراء مثل "غوته" ( الذي كان عالما أيضا) .. وفي موسيقى موسيقيين مثل   "بيتهوفن" . ورأيت ذلك أول كل شئ في شعر " ورد زورث" .. حيث وجدته بأنه يرى الطبيعة كخفقات متسارعة للروح، لأن الوحدة فيها كانت مباشرة وآنية في القلب والعقل، وكان " ورد زورث " قد مرّ عبر جبال الألب عام 1790 عندما جذبته الثورة الفرنسية الى القارة الأوربية . وقال عام 1798 في قصيدته (دير تنترن) ما لا يمكن أن يقال بشكل أفضل :

" لأن الطبيعة بالنسبة لي كانت كل شئ .. لا يسعني إلا أن أرسم ما كنته آنذاك .. فقد ظل هدير الشلال يطاردني مثل العاطفة "   .

" إذا فالطبيعة بالنسبة له هي كل شئ " .. وهذا ما لم يستطع جول أن يعبر عنه بمثل هذه البلاغة، ولكنه قال بالفعل (إن العوامل الكبيرة في الطبيعة سرمدية وغير قابلة للفناء) وكان بذلك يعني نفس ما عناه " ورد زورث" .

فلا غرو إذا ما إستطعت أن أجزم، بأن كل عمل إبداعي كبير، تمتعت به البشرية، كان يسبقه حلم  رومانسي ومن ثم يتم تحقيقه بجهد العلماء والشعراء الرومانسيين، الذين أدركوا أن الريح والبحر والنهر والبخار والفحم قد نجمت كلها في الأصل من حرارة الشمس . وإن الحرارة إنما هي شكل من أشكال الطاقة، لقد فكر رجال عديدون في ذلك ولكن الرجل صاحب الفضل في تقرير هذه الحقيقة هو" جيمس برسكوت جول "ِ من مانشستر والذي ذكرت إسمه في مطلع هذه الحكاية الظريفة عنه .

  

التأجيج المبطن في وريقة مهملة .. التحديق- أنانا - please disturb me

adnan aboandolisشنت أعتى المعارك من تصريح -خطاب - إستفزار- لكن هذه المرة لاسامح الله - دفع بلاء - حرب من نوع آخر- لو خاضت حينها لأستعملت بها كل الكلمات من عيار الهجاء- غير إنها معركة شفيفة - تدخل العقل الشعري وفضها بسلام، كانت حرب  عطرة- رذاذها أنعشنا، كان من أسبابها-التحديق/ أنانا-please disturb me -  ماذا جرى للشاعر محمود درويش حين أطلق هذه العيارات النارية للقطعة المثيرة، شوشت الجو وتبعثرت الرؤى .

هل كان متقصداً بفعل قوة غامضة -مجهولة -هوس شعري- أوحت اليه أن يشاكس بهذه الصيغ، أهو محض غرور!- جمال - إطراء مبطن - زهو- إعجاب- ولماذا هذه المقولة بالذات"من فضلك بلا إزعاج"،

أعتقد وحسب ماقيل كان نوعاً من الإعجاب، وكلا هما لايقدم للمبادرة،  لأنه مملوء بكبرياء، لذا تكللت بهذه الإرهاصات المتأججة،

ربما يعول ذلك لحساسية ما، ودون من جدوى المبادرة القلبية؟ إلا أن أدت هذه المصادفة الى نتائج من الدعابة والتشفي - لكنما فيها يريح البال لحملها مدلولاً باذخاً من التعبير عن العاطفة الصامتة،  وحتى في أقسى درجات الحوار الساخن والبدائل المبطنة لمفرداتها-حتى ظهرت تجلياتها في إستمرارية فعل الأمر - أزح- به بعض الليونة فيطبق - أمر ما وتوسل وكما في مقطع من تلك الوريقة:

أزح ياحبيبي نظارتيك قليلاً

لأمعن فيك النظر

هل للغروب تميلان

أم لإخضرار الشجر

هذه الأبيات المجبولة بعاطفة ورقة تستهجن رؤاها أن تكون إستفزاز أو تشفي- وفعل الأمر اللين -الرقيق- لم يعمل - بل أبطأ في إنتظار أمر آخر،  لكن المعنى نفذ بصراحة- أمعن- حيث الإمعان - التحديق بقوة والتركيز واطالة النظر- التفحص - مليّاً هما مفتاحي المغالق-

أزح- نوعاً من الإبعاد - كل يندرج في درجات السّلم الوجداني - وفي مصطلحات المودة - إستمتاع نظر -أسئلة تتوالى بلهفة ويستحيل أن تكون تهكم أو سخرية،  وإفتراض أخر- حتى لو كانت فإنها من باب المودة الخالصة.

 

الحب وجود والوجود معرفة

reebar habonأول ما يعيه الكائن الحي إدراكه للوجود، والإنسان يدرك ذاته من خلال الوجود، فهو الأرضية التي ينشأ عليها المجتمع ومنه يستقِ معاييره ومثله من الرابط الأوحد الذي يربط الانسان بالوجود قبل اكتساب الأشياء وهو إدراك الحب عبر نمو الاحساس، وذلك أن إحساس المرء بالمحيط يبدأ من إدراكه للجسم وفهمه للنفس وإيمانه بالحياة، والايمان نتيجة طبيعية تتم عن طريق مراحل يمر بها الموجود، ليتأكد من حقيقة المثل الناجمة عن الحب الذي يمثل الوجود المتقن الجميل، ومن خلاصة الاحتكاك به نتجت المعرفة وترسخت ماهية الحب من خلال الصراع لأجل انتصار القيم الطبيعية والأنظمة والقوانين الضامنة لبقاء الجماعات البشرية وترويض سلوكها لأجل اكتساب المعرفة من مدى استعمال الأدوات الموجودة التي ابتكرت بفضل المعرفيين من اكتشاف النار واستعمال الحجر وبناء البيوت والزراعة ومروراً باختراع الكهرباء والهاتف إلى ثورة الحاسوب والانترنيت، مما اتضحت علاقة الانسان بذاته وتحسنت من خلال الآخر والعالم عموماً.

فقد الانسان ما يربطه بالوجود المعرفة، نتيجة استحكام غرائز السلطة والتملك، والفردية والاحتكار والجهل والسيطرة على الثروة والاستعداء مما أبعدته عن الكينونة المعرفية التي هي الرسالة الحية والواضحة في الحب وممارسته فاستبدله أحياناً كثيرة بمفاهيم مبتدعة معادية للأصل النقي الذي يعود الانسان إليه وهو الحب،فقد هذا الرابط فبدأت مفاهيم الصراع لأجل الصراع مكان نشر قيم الحب من خلال الحضارة التي أنقذت العالم من توالي عهود التوحش والبربرية،والبناء وجمال النظام والتمثل به لتحقيق القوة، فبدأت عصور الارهاب، وأضفيت عليها صفة المقدس باسم الدين والقومية اللذين هما غطاء يخفي مضمون الصراع الأساسي وهو السيطرة والهيمنة الاقتصادية والبحث عن أراض جديدة لتوسيع الثروة والسلطة الانانية التي وجدت من محاربة المعرفيين وأصحاب الملكات والأفكار الثائرة العدو الأوحد الذي يقف ضده مصالحها، والذي يجب الولاء في محاربته،من خلال نشر قيم الجهالة المتطرفة والهيمنة على العقول وزيادة تجهيلها مقابل أفكار التنوير والمعرفة ..

ثمة صراعان أنتجتهما البشرية في احتكاكها بالوجود، صراع المعرفة المتمثلة باقتران العلم بالأخلاق، ضد الجهالة المتمثلة باقتران العلم بالتحلل، فالسلطة استخدمت المثل والأديان والقوميات مروجة القوالب والرؤى الضيقة لتنتج مفهوم الثابت، والمعرفيون وجدوا في الأخلاق وسبر العلم تحولاً في مسيرة الانسان نحو الأفضل، فنشأ من خلال ذلك الصراع بين الثابت والمتحول، المحافظة والتغيير، الأصالة والتقدم وكلهما مرتبطة بالصراع الكبير الحقيقي وهو صراع المعرفة والجهالة..

والوجود إثر هذه الصراعات الدموية استُنزف فبدأ يتجه نحو مزيد من التصدع والتلوث والكوارث التي انتجتها أنانية الانسان من خلال الحروب والابادات والغازات السامة، التي خلفتها الأطماع الانانية الجاهلة،إزاء البعد عن فلسفة الحب والمعرفة

بالمقابل فإن الوجود يتجه للمدنية و الاعمار والجمال والفن والخير من خلال التمسك بالقيمة الجامعة للإنسانية على اختلاف لغاتها وأنماطها وسلوكياتها في الحب التي هي نبض المعرفة الخالدة، ولافارق بين الحب والمعرفة إنهما توأم الوجود..

فالأحاسيس،الادراكات، الفهم، الإيمان، الحدس، التأمل، التفكير، والتساؤل مفاتيح معرفة الوجود،وإن هذه المفاتيح نتاج ارتباط الكائن الانساني بالوجود من خلال الحب الذي يمثل لدى الانسان المفاتيح التي من خلالها بدأ الانسان سبر الوجود لأجل المعرفة..

فالحرية تكمن في الخلاص والطمأنينة والسلام وتحقيق الرفاهية نحو الأفضل وهذه من سنن المعرفة، والاحتكاك الحضاري الذي ابتدعه الانسان المعرفي كفيل بدوام الحياة الصحيحة لمعرفته باستعمال الأدوات بعد عناء،ونتيجة رغبته بالطموح والحياة فقد مرَّ بمعوقات وعثرات إزاء احتكاكه المستمر بالوجود، فما وصوله لقيم النور إلا لمروره بمحاولات جمة وتصديه المستمر لوهم الإخفاقة ولوباء الجهل والغرور والأنانية فكان ينجح ويفشل وهذا النجاح هو من أحدث الصراع..

فقد أدرك بطبيعته الانسانية ميله للإشباع التام كي يتحرر من الجوع الجسدي والجنسي ويبدأ بالبحث عن الفضائل، من هنا نشير بأن نظريات اللجم والكبح سببت في تضخم العقد العنفية والداخلية لدى الناس وأعاقت تحقيق رسالة الحب في سبر المعرفة في الوجود..

إن المعرفة هي الجامعة التي ينضوي تحتها كل البشر،تتقلص من خلالها تناقضاتهم العرقية والبيئية والجنسية والعقيدية لصالح إقامة المؤسسات والاتحادات التي تكفل لعموم الأمم فرصتها في الرفاهية والاستقرار وتأمين الحاجات من خلال مكافحة الجوع والارهاب والأمية والأسلحة المحرَّمة ومنع الاستغلال والمتاجرة بالانسان وتحقيق الحريات من خلال التعايش الحميمي في ظل ثقافة الاختلاف بين الرجل والمرأة لتحقيق متطلبات العائلة السعيدة التي تجسد الاستقرار النفسي الذي يمثل أقصى درجات تماثل البشرية بالشفاء..

إن رسالة الحب التي بشَّر بها الانسان العاقل تجسدت بالحضارة الفكرية والعمرانية والفن ومثلت الحقيقة المطلقة الشاهدة على كدح المعرفيين، والحقيقة المطلقة هي الوجود في وحدته

حيث كانت لنظريات الاقصاء دوراً سلبياً وخطيراً ومساهماً في جرِّ الانسانية لويلات الحروب والمجاعات وتوالي عصور الجهل والانحطاط، وأخذت حروب الانسان الأناني بتجفيف ينابيع الحب والمعرفة على حد سواء،فاستشرت مفاهيم التطرف في الدين والمذهبية والطائفية وأوبئة العنصرية والشوفينية وما شابه ذلك وباتت وسيلة تقويض للانتماءات الروحية والفكرية لدى المعرفيين في الوجود وأضفت على البشرية المزيد من الجهل الروحي والفكري ومزيد من التخبط والضياع والانزواء في النظريات الجغرافية والاقليمية الضيقة،وبدأت عهود الظلام وابتلعت معظم سكان الوجود حيث توغلت المفاسد وسادت الذهنية القومجية الرجعية والذهنية الدينية الأصولية السياسية مكان المجتمع المعرفي الحضاري الذي ينتج عن الحب المبشر بعودة الانسان العاقل والحياة الجديدة في عالم أوشك على الفناء بفعل إحياء الخلاف والانقسام وإلغاء الاختلاف والتعددية لصالح الاستبداد والشمولية.

إن هوية الانسان المعرفي الجديدة هي المعرفة التي تمثل الحياة الجديدة وبداية طور نهاية المعاناة والتمتع بالحريات لتصبح المعرفة الجامعة الشاملة التي تنضوي تحتها خصائص الشعوب على أرضية الوجود الذي يتساوى فيه المعرفيون في الحقوق والواجبات،من خلال طرح أنموذج (الكونفدراسيون) لتحقيق السوق الاقتصادية الكبرى التي تتكافل من خلالها طاقات المعرفيين المنتجين لتحقيق القوة والرفاهية لتحقيق طموحات الانسان الراقية والمبدعة وإحياء الجمال والأدب والعلم لأجل خدمة الوجود وديمومته.

ويمثل الحب القوة الخفية المبدعة والخارقة والتي تستمد جل طاقاتها من التنظيم المتناسق في الوجود ذاته حيث يتجلى الله، المعبود الجميل والأزلي،وفق مسماه القديم الشائع المتجلي في صور الوجود ومحاسنه وتقاسيم الطبيعة الساحرة، لذا فكل ما يحسه الانسان من بهي وجميل يسبغ عليه صفة السامي فما الحب سوى سعادة وصفاء ذهن النفس الانسانية التي تميل بطبيعتها لفعل الخير وعشق الحرية المشتفة من درجة تمتع الانسان بالمزايا والخصائص التي يستمدها من الطبيعة..

الانسان المعرفي لا يلغ وجود الكيانات والقوميات والخصوصيات في الحياة فمبدأ وحدة الوجود هو التنوع، وشمول النظرة لا يلغي بالضرورة النظر في التنوع والغنى الوجودي الذي يستمد منه المعرفي جل طاقاته، لكن للمعرفي الغاية القصوى التي يصر على التشبث بها من وراء هذا التنوع وهو السعي للمعرفة وصون الوجود بمحبة الكائنات في مقدمتها الانسان، فلا يتعصب طالما لا حدود للمعرفة، ويجد في التنوع الإنساني إثنياً ودينياً وعرقياً خصائص محكومة بالتطور عبر العصور والأزمنة واختلاط الأجناس وتأثير البيئات على سلوك الجماعات، ويبحث عن إيجاد البدائل من الحلول والأفكار الجديدة التي لا يتوانى عن طرحها،ولا يجد ضيراً من البحث والتقاء المعرفيين الذين يعيشون في كل بقاع الوجود الشامل، الذي يتعدى فهم واضعي الحدود والجغرافيا والطبقات..

فالإنسان المعرفي هويته في المعرفة،إنه يجد في تعلم اللغات وسيلة للتواصل مع الذين تتجسد من خلالهم حقيقته الجديدة الأزلية، الداعية لخدمة الوجود وتحقيق رسالته في المحبة فلا يقف عند دين أو حزب أو قومية أو طائفة، يؤمن بالتنظيم الطبيعي ولا يضع نفسه عبداً مأجوراً في خدمة فئة ما..

الانسان المعرفي ثائر على مفهوم الحزبية الضيقة والتحزب بكافة أشكاله،ثائرٌ على الايديولوجية الشمولية الثابتة،لأنها ضد التحول المعرفي والوعي المتطور .

الانسان المعرفي يؤيد الاتحادات التي تتم لأجل ترسيخ المرونة في التفكير، ويؤمن بالانسان الجندي والقائد في آن معاً، يؤمن بالنقد إيماناً تاماً ويرسِّخ مفاهيم الحوار والجدل نحو تطوير الأفكار والوصول للأفضل، يقدس الحب والفنون الانسانية التي تخدم الوجود والتفكير المعرفي ويعمل لأجلها من خلال التمسك بالمعرفة، وناقمٌ بشدة على سرطانات الجهل والحقد والعنصرية والتمييز والأنانية والاحتكار، يدين بالحب كمسلك وبالمعرفة كهدف أقصى وبالوجود كانتماء..

والحب هو ممارسة الأخلاق التي تمثل أولى مهام الانسان المعرفي بالحياة كونها تمثل قوميته وعشقه للحياة..

وبالعودة للحزبياتية ونقدها فلابد من الاشارة لتأليه القائد أو الرموز على عماء وتقليد وإرهاب حيث يرى المعرفيون في مفهوم التأليه، تأليه الملك نتيجة تدرج المفاهيم الثيوقراطية التي كانت احدى إفرازات الحاكمية الدينية،هذا التأليه أوغر روح الخضوع في ذات الفئات المغلوبة وجعلتها في غيبوبة عن ممارسة الحياة الديمقراطية ورسوخ العدالة والمساواة، مما حورب العلم وحورب العلماء والمفكرون وأصحاب الملكات الابداعية، وظلت الأديان وسيلة ناجعة بيد هذه المؤسسات لإحكام قبضتها على الشعوب تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم القومية فحدثت المجازر التي راح ضحاياها الملايين تحت غطاء الفتوحات والمستعمرات وقد أبعدت هذه المؤسسات منذ فجر التاريخ الانسان المعرفي، وحاربته بجميع الوسائل نذكر مثلاً:

سقراط، ابن المقفع، عبد الرحمن الكواكبي، أبي العلاء المعري، غاليليو، كريستوفر مارلو وآخرون يمثلون أحد أهم رموز الانسان المعرفي وقد دافعوا عن المعرفة والحب وأدوا رسالة الوجود بكل قوة، وقد أضفي التقديس على الدين والمذاهب والطوائف كما أضفي التقديس على القومية والاقليمية والقبلية فبدأ العالم بشن الحروب المقدسة باسم الرب والحق والتحرير والمقاومة والممانعة وكلها وإن كثرت مسمياتها تصب في خانة محاربة المعرفة التي هي الحب المتجسد في الوجود..

إن توالي نظريات القوة والعنف خنقت لدى الانسان أسمى مواهبه ومدركاته وجعلته يقتل لأجل أن يخلِّف أضراره وبشاعته على الوجود الذي يمثل الملاذ لصيرورة حياته، فشاعت مفاهيم التخريب وتعطيل الفكر، وباتت أداة لتزييف الحقائق واللعب بالعقائد، فالحزب هو هيكل متطور عن الدين وهو تصور نسبي قابل للتحول والنقد والتغيير، فلم يعد أنموذجاً مستوعباً إدراكات وتطلعات الانسان المعرفي الجديد بل يقصيه عن التفكير والتدبر والابداع ويجعله مجرد مقاول وببغاء يكرر الأقوال التي تمثل الدستور الذي لا يتغير وبمجرد التفكير بتغييره فإن ذلك يمثل انحرافاً وخروجاً سافراً بل يخوَّن وربما يدفع حياته ثمناً لأنه بدأ يستشعر أن هذه العقيدة بدأت تتعرض للبطلان وغير قادرة دوماً أن تستوعب تغييرات الحاضر والمستقبل، ولا فارق بين ايديولوجيا الحزب إن كان شمولياً او ليبرالياً وتصوره المحدود الذي يبدأ من نقطة وينتهي منها عن التسليم الأعمى والجاهل لدى بعض أصحاب العقائد الدينية، لقد أدى هذا التحجر إلى قولبة الانسان وتحنُّطه وعجزه عن إدراك المعرفة وإحدى مهام الانسان المعرفي الحقيقية هو استئصال ذهنية التطرف والمغالاة منعاً من الاستبداد والفساد والوقوع في أفخاخ المفاهيم الضيقة المعادية لقيم الحب والمعرفة والنور.

المعرفة انحياز مطلق نحو الحب والجمال ورفض للاستغلال والاقصاء، وتحرير الانسان من كل ما يخنقه أو يقف حائلاً في مسيرته التطويرية من خلال تمثله بالأخلاق وإعماله للعقل واستثمار الطاقة في خدمة القيم التي تنبع من الوجود، والقيم مصدرها تآلف العقل مع العاطفة في خضم الوجود

إن احدى غايات المعرفة في الوجود هو ابراز التعايش والذكاء الراقي والتسامح ضمن التنوع البشري وتغذيته بالتعاون والمحبة وسبر الحياة من خلال العمل والنظام..

 

لولا الجنس لانقطع الجنس (3)

hamid taoulostالميل الجنسي فطرة في جميع البشر يتساوى فيها الجاهل والمتعلم، وهو في أصله أداة إشباع الحاجة الغريزية التي فطر الله عليها المخلوقاته، وجعلها دافعاً للحفاظ على نسلها . لكنه صار عند الكثير من الدول العربية هوساً لا يوازيه هوس، وغلوا ما فوقه غلو، بل تحول عند بعضهم إلى ديانة تنسب إلى تعاليم رب العالمين، وسوقا للفاحشة يُتفاخر فيها بالتفوق في ممارسته اعتباطا وبدون روح إنسانية، أو علاقة رسمية، ويتفاضل فيها بإبراز كل ما له علاقة بمناطق التناسل وأدواته، من قضيب طويل، وشرج اللحيم، وفرج لميم...

ولا أحد يشك في أن متعة الجنس هي جزء من تكوين الإنسان الفسيولوجي، تدفع غائلة الشهوة لديه، وتلطف السلوك الشهواني الجامح عنده، وتمنع خرق شروطه الشرعية وتجاوز حدوده الإنسانية، والتعدي على قوانينه الوضعية، حتى لا ينقلب إلى شهوة حيوانية شبقة متأججة ضارية، وتقي حياة الفرد والجماعة، من أخطار التجارب الجنسية غير المسئولة الضارة، خاصة تلك التي يحاول من خلالها الشباب - قليل المعرفة بالأمور الجنسية - استكشاف المجهول أو المحظور بدافع إلحاح الرغبة الجنسية المكبوتة، والتي إذا اشتدت لديه أعمت بصره وبصيرته، وقادته إلى عواقب وخيمة، كما في قول الإمام الغزالي : "النكاح بسبب يدفع غائلة الشهوة مهم في الدين، فإن الشهوة إذا غلبت، جرّت إلى اقتحام الفواحش" أو كما جاء في القول المشهور أن :"المرء إذا اشتدت شهوته سهل اقتياده من فَرْجه وبطنه، أكثر مما يُقتاد من عقله وضميره "، حيث أنه كلما ألغيت شروط الجنس الشرعية وتُجاوزت ضوابطه القانونية، إلا واتسعت دائرة انشغال الناس به، وتوسعت مساحته وتفاقمت جرأة اقترافه، وترسخت في الأذهان سلوكياته الهجينة بشكل لافت أكثر مما كان عليه حال الأمم في ماضي الأحقاب، ما يدفع للسؤال عن أسباب محددة أدت إلى تأجيج الرغبة الجنسية والانشغال بها لدى العالمين عامة والعالم العربي على وجه الخصوص !! وهل هي أمر طبيعي يندرج في سياق تطور التجربة والهم الإنساني؟ أم هو نتيجة تراجع الكثير من القيم والمبادئ الدينية، وانهيار المفاهيم الأيديولوجية والاجتماعية والثقافية، وتناقص دور التربية والأخلاق؟ أم هو بسبب تسيّد الجسد والتفاخر بالعري؟ الذي أثبتت البحوث والدراسات العلمية والسوسيولوجية والاجتماعية، وأكدته الإحصائيات التي توردها الأقمار الصناعية، غبر خدمة "جوجل تريندس "google trends التي هي باختصار، مؤشر يعرض نتائج كل البحوث وفي كافة المجالات، ويجعلها في متناول كل الباحثين، حيث انه تكفي المرء نظرة واحدة فقط على مؤشر"جوجل تريندس " اتجعله تعرف على حجم الكارثة التي يعيشها الإنسان العربي مع الجنس، ويتبين له بالواضح والمكشوف، أن المنطقة العربية والإسلامية، تعيش معضلة حقيقية تتمثل فيما تعرفه من كبت جنسي فعلي، واختزالها التحرر الجنسي في ممارس الجنس اعتباطا و بدون روح انسانية، او علاقة رسمية (كما سبق) ما جعلها أكثر مناطق العالم انشغالاً بالجنس والبحث عن كلمة.."سكس"..، ومتابعة الغالبية العظمى من شعوبها للأفلام الإباحية، و اكثرها الرئيس تحرشا بالنساء، كما هو الحال في افغانستان ومصر وهي دول اسلامية بامتياز، اما في لبنان والمغرب فقصص الجوعى للحم الأبيض لا تحصى..

فهل آن الاوان لان نفيق من سبات المنكحة الكبرى التي نسبح في مستنقعها، ونعود لرشد العقل ونتجه حيثما كان الدين والتربية والأخلاق، ونعيد للجنس قدسيته كحافظ للنوع ، وقيمته كمحقق للذة الفطرية المنشودة .. ونترك جانبا ما حفل به التاريخ من أخبار فحولة بعض الخلفاء والملوك والسلاطين الأقوياء، وقصورهم المملوءة بعشرات الأزواج وآلاف الجواري و ما ملكت اليمين و اليسار أيضاً المخلوقات كلهن ليس لعبادة الربٍ الواحد الأحد، بل لتلبية رغبات ملاكهم وتحقيق غزواتهم الجنسية الخارقة، كما كان يفعل هارون الرشيد وغيره من زاعمي النبوات والرسالات المنسوبة للسماء ..

 

حميد طولست

 

حقيقة الأول من أيار

khadom finjanالأول من أيار. هو الأول من مايو.. فـ (أيار) هو (مايو) نفسه. وهو بالانجليزية (May)، ويسمونه أيضا يوم أيار. أو يوم مايو. أو (May Day)..

والعاملون في البحر يعلمون جيدا أن عبارة ( May Day ). هي العبارة الشائعة الاستخدام. وتعبر عن نداء الاستغاثة الصوتية المتكررة، التي تستخدمها السفن والطواقم في طلب النجدة. وتستعين بها السفن المنكوبة، لحث المحطات الساحلية في تقديم المساعدات العاجلة. أو لاستدعاء فرق البحث والإنقاذ البحري للقدوم إلى مسرح الحادث، وتقديم العون والإسناد للسفن المحفوفة بالمخاطر.. فهي إذن تبدو لأول وهلة، صيحة عالمية للاستغاثة. وصرخة متداولة على نطاق واسع من قبل السفن والطواقم، في كافة البحار والمحيطات..

وان عبارة ( May Day )، وتعني يوم أيار (مايو). من العبارات الشائعة أيضا في عالم الطيران الحربي والمدني. وتستخدم لطلب النجدة والاستغاثة في الظروف الحرجة.. والأول من أيار. أو الأول من مايو. أو 1/5. أو May Day. هو اليوم العالمي الوحيد، الذي يشترك فيه العالم كله للاحتفال بعيد العمال.. وقد تم اعتباره عيدا عالميا للعمال اعتبارا من عام 1886. وولدت الفكرة في مدينة شيكاغو الأمريكية عام 1886 ، وذلك على أثر قيام الحكومة الأمريكية بتدبير مذبحة للعمال المطالبين بتحديد ساعات العمل بثماني ساعات. قتل خلالها ستة عمال مضربين يوم 1/5/1886. وانفجرت يوم 4/5/1886 قنبلة مجهولة المصدر، أسفرت عن مقتل سبعة عناصر من أفراد شرطة شيكاغو... لكننا لو عدنا إلى الوراء. وفتشنا في السجلات التاريخية، وتعمقنا في كشف خفايا المنظمات السرية. لوجدنا أن هذا اليوم، له حكايات مثيرة للجدل. تنطوي على مفاهيم غامضة، وغايات شيطانية مريبة.. بينما نجد أن فقراء العمال يحتفلون بهذا اليوم، من دون أن يعرفوا لماذا في هذا اليوم بالذات ؟؟..

وان العاملين في البحر والجو يرددون مضطرين اسم هذا اليوم، عبر أجهزة الهاتف اللاسلكي، كلما واجهتهم المصائب في عرض البحر، أو في كبد السماء. وكأنما أريد لعبارة (May Day) أن تكون هي الكلمة السحرية، التي تضمن لهم النجاة من اخطر الكوارث البحرية والجوية. وهم لا يعرفون لماذا تم اختيار هذه العبارة بعينها، وليس غيرها من العبارات المختصرة، من مثل كلمة ( النجدة Help ) ؟..

أذن دعونا نراجع السجلات التاريخية العتيقة، ونتعرف على طبيعة وأهداف الجهات، التي تقدس هذا اليوم، في الفترات الزمنية التي سبقت العام 1886. ثم نناقش الغايات الخفية التي تقف وراء تخليد هذا اليوم بالذات..

فلو عدنا إلى العصور القديمة. سنجد أن الأول من أيار (مايو) من الأعياد الوثنية الشائعة عند القبائل الأوربية، وتقام فيه الاحتفالات السنوية الراقصة لتكريم الأشجار والنباتات. ويمثل عيد الخصوبة.ويطلق عليه اسم ( البيلتان). ويكتب ( Beltaine. أو Beltane ). وهو اسم لشهر أيار (مايو) في التراث الايرلندي..

ويحتفل أتباع طائفة ( الويكا Wicca ) بعيد (البيلتان). وهو عندهم من الأعياد الموسمية الثمانية، في التقويم الوثني لطائفة الويكا، التي تتقن ممارسة السحر والشعوذة الوثنية الشيطانية. وتبدأ احتفالاتهم في الأول من أيار (مايو)، عن طريق نصب عمود طويل، ومزين بالرموز والشعارات الشيطانية الغامضة، يوضع في الساحة المعدة للرقص الجماعي الماجن.

ويسمى هذا العمود ( May Pole ). وتثبت في رأسه أشرطة ملونة من الحرير و الشيفون. بحيث يمكن الإمساك بها من قبل الراقصين والراقصات. وينطلق الاحتفال على أنغام الموسيقى الصاخبة، بالدوران حول العمود. فتتشابك أشرطة الراقصات مع أشرطة الراقصين، بأسلوب متهتك. ويختلط الحابل بالنابل.. ولم تقتصر الاحتفالات الراقصة، بالدوران حول عمود مايو ( May Pole ) على سحرة الويكا. بل أصبحت من الاحتفالات الشائعة في عموم أوربا. ويمارسها الناس خلال ساعات النهار، في المدن والأرياف، في الأول من أيار (مايو)، من كل عام..

والأول من أيار (مايو) مرتبط بولادة الإلهة الرومانية (مايا Maya)، وهي عندهم زوجة المريخ، وأم المشتري.. ومنهم من يحتفل في هذا اليوم لتخليد إلهة الزهور والربيع ( فلورا Flora ). وتقام فيه المهرجانات الراقصة. ويسمى ( الفلوراليا Floralia ). وهو عبارة عن يوم وثني آخر. يحتفل به للترحيب بفصل الدفء والنمو، وجرت العادة في اليونان القديمة على الاحتفال في هذا اليوم بالذات. ويطلق عليه اسم ( فونتيناليا Fontinalia ). وتقوم فيه الفتيات بتعليق باقات الزهور على أبواب بيوتهن، وذلك للابتهاج بأرواح المياه المقدسة.. وتسمي بعض القبائل الوثنية هذا اليوم بـ ( حواء مايو May Eve ). ومازال الأطفال في بعض الولايات الأمريكية، يمارسون اللهو والمرح في ليلة الأول من أيار (مايو)، معتقدين بأن العفاريت تخرج عليهم في منتصف تلك الليلة من خلف التلال البعيدة..

وفي الأول من أيار (مايو) من عام 1776 تأسست المنظمة التي تسمى (منظمة النورانيين). أو حاملي شعلة الشيطان. وهي منظمة خبيثة أسسها المنحرف (آدم وايزهاوبت Adam Weishaupt). وكان يهدف إلى استحداث نظام ظلامي عالمي، يدعو إلى عبادة الشيطان بصورة علنية، ويمهد لظهور الأعور الدجال.. ويعمل من اجل تعزيز قوة مملكة إبليس في كوكب الأرض، وذلك من خلال نشر الفساد والأمراض، وإشاعة الفوضى في العالم. ويرى هذا الملعون. إن هذه الأهداف الشريرة لن تتحقق إلا بتدمير المرتكزات الدينية السماوية.. وكانت هذه الأفكار السوداوية تلتقي مع مساعي الماسونية وغاياتها المسمومة، التي اشتركت مع هذه المنظمة في مضمون الشعار، الذي أطلقته على تنظيماتها فيما بعد. وهو (النظام العالمي الجديد). ويكتب باللغة اللاتينية (NOVUS ORDO SECLORUM).. وما العولمة إلا اختصارا مفضوحا، واختزالا سافرا لتطبيقات ما يسمى بالنظام العالمي الجديد..

ولاحظ معي، عزيزي القارئ اللبيب، إن هذا الشعار الذي تؤمن به تلك الجماعات الظلامية، مكتوب بشكل واضح وصريح، على العملة الورقية الأمريكية من فئة (الواحد دولار). وكذلك يمكن ملاحظة تاريخ تأسيس تلك المنظمة الضالة محفورا في قاعدة الهرم الشيطاني على الدولار. ومكتوبا بالأعداد الرومانية القديمة ( MDCCLXXI ).

فالعدد الروماني ( MDCCLXXI ) = العدد العشري 1776. أليس هذا تطابقا عجيبا بين رموز أكثر المنظمات شذوذا في العالم على الإطلاق. وبين العملة الأمريكية من فئة الواحد دولار ؟؟.. ويحق لكل إنسان عاقل، بعد الاطلاع على الحقيقة. أن يتساءل عن سر هذا التشابه اللامعقول في الرموز، والعبارات الظلامية الشيطانية المفسدة في الأرض، مع أقوى عملة في العالم ؟؟..

وهناك المزيد من الحقائق التاريخية، والممارسات التي مازالت سارية حتى يومنا هذا، والتي تثبت لنا، أن الأول من أيار (مايو) من الأيام المرتبطة بأعياد الطوائف، والقبائل الوثنية، والمنظمات الشيطانية، التي انتشرت في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في الفترات الزمنية التي سبقت تاريخ وقوع الاشتباك بين العمال المتظاهرين، وبين عناصر شرطة شيكاغو.. وأثبتت الوقائع أن إحياء ذكرى عيد العمال العالمي. ابعد ما يكون عن العيد. لأنه في الواقع يوم للتدليس والتدجيل..

 357-khadom

صورة لطقوس وثنية يقيمها عبيد الشيطان في ليلة الأول من أيار (مايو) التقطت عام 2006، وأن العمال مازالوا يعانون من الاستغلال والظلم والتعسف. من قبل أرباب العمل المتسلطين عليهم. وان إحياء ذكرى مأساة العمال عام 1886. قد زيفت وسرقت. حتى أصبح الحكام هم الذين يحتفلون في هذا اليوم، ويخطبون فيه. على الرغم من وقوفهم في الخندق المعادي للطبقة العمالية الكادحة.. وان الغايات الخفية التي تكمن وراء تخليد الأول من أيار (مايو) على الصعيد الدولي، مازالت تثير الشكوك وتبعث على الارتياب، ولا يزال السؤال – في اعتقادي – قائما عما إذا كان التطابق في احتفالاتنا يوم 1/5. مع احتفالات المنظمات الشيطانية. هو مجرد مصادفة عابرة؟؟. في الوقت الذي مازالت فيه المنظمات الشيطانية تمارس احتفالاتها الشاذة في اليوم نفسه.. ويتكرر السؤال مرة أخرى، عما إذا كان التوافق في استخدامنا لعبارة ( الأول من أيار May Day )، كنداء دولي للاستغاثة، وطلب النجدة في البحر والجو. مع الاستخدامات الواسعة للطوائف الوثنية الجديدة، والجمعيات السرية التي تعبد الشيطان؟؟. هو مجرد تطابق وتوافق ساقته رياح المصادفة البريئة، وعممته على السفن والطائرات؟؟.. أنا شخصيا استبعد أن تكون النظرية الاحتمالية قد لعبت دورها هنا. وارى أن نظرية المؤامرة هي التي ينبغي أن تؤخذ بنظر الاعتبار عند مناقشتنا لهذا التوافق والتطابق المفبرك..

 

 

غضب الشمس .....!

abdulrazaq alghalibiنعم، الشمس وقحة جدا و لا تخجل، فعلا، حين تطل على عشاقها بحدقات مفتوحة حارقة و رموش قاتلة كسيوف مسلولة تستبيح عشاقها الموت عشقا او انتظارا لديمومة العشق الازلي ....! تتوق نحوه عناصر البقاء جميعا في كل ثانية من ثواني الزمن، عشق سرمدي التكوين لا مفك من ظلمه و جبروته القسري وتنحسر الامكانية لفراقه...!... تتحرك بغنج ودلال لحظوي يخدر النفوس ويثمل الارواح المترنحة في طوفان سرمدي يذوب حتى يضمحل في اديم مفاتنها المرصع بأشرعة من اطياف ملونة بجمال يسلب العيون نواظرها التي لا تغض الطرف من انبثاق الفجر حتى استهلال ساعة الغسق بعد تعب ليوم طافح بالحس يعتاش فيه سكان الكروية بتجاذب رباني لا ينفك مخلوق من فراقه او الاستغناء عنه، احيانا تتجمل الشمس وتخاصم المخلوقات المشدودة نواظرهم بحبال الانبهار في ضوئها الاخاذ، فتغمض نصف عين فقط فتنتشر العتمة ويبدا العشاق بالابتهال والتضرع لخازن الفردوس كي تفتح هذا النصف من جديد ليمرغ الخلق خدوده المتعبة في طوفان المتعة والخير والجمال ....!؟

القمر مخلوق خجول، بخلاف الشمس، فهو يستحي كثيرا فيغض الطرف وهنا منبع خلافه معها، يقال ومن مقربين، نجوم وكواكب، انه يحسدها ويغار منها كثيرا، اكد اخرون انه لا يجاريها جمالا وفتنة كونه ذكر والذكر لا يقاس فيه الجمال بدرجات الانثى، لذا فهو يلتف بعباءة الليل و يبدأ رحلته عقب انسدال جفونها المتعبة ويسرح في غياهب الاثير بعيدا ليعطي الضوء الاخضر للقاء العشاق والمحبين تحت عباءته الخافتة الساحرة ويشهد كل نبضة قلب وعهد حب، وهكذا صار القمر عنوانا للمحبين وملجأ للهائمين شوقا، يسبح في اثير الاحساس والنشوة تحو موعد لكوكب او نجم ويسهد الليل حبا وشوقا ، تختلس النجوم والكواكب وملائكة الاثير مشهده الوردي حالما يقترب الليل من جدار الضوء، يتسلل خلف جفونها المنسدلة برقة وفتنة وهدوء وهو يغطي جزءا من وجهه بشكل هلالي بظن احدا لم تراه ....!!؟

يحكى انهما كانا شمسان في سماء واحدة، ذكر وانثى، عاشا قصة حب مجنونة يتحاكى بها سكان السبعة من كواكب ونجوم وملائكة ومدار جدلهم لقرون خلت كما يتحاكى سكان الارض بحكاية قيس وليلى، حتى اقترنا وخلفا الكواكب التسعة، بعيدا عن نواظر ابليس الذي كان منشغلا بحكاية ادم وحواء ومن فوق عقدة العلائق المقدسة طالت انفه نسائم الحب فمد يده نحوهما فتفككت عرى الوفاق وتبعثرت، حين زرع شجرة الفرقة ودق اسفين العداء بينهما و الى الابد، اقتسما اليوم بالتساوي نهار وليل واستمروا على هذا الجفاء والمظاهرة لحين الساعة، ربما سيتبدل الزمن وينتصر الخير وتعود الضفتين لتحتضن النهر ويتوحد العطاء وتضمحل بذور الشر وتموت شجرة الفرقة وتنمو بذرة الحب بينهما من جديد....!

تضحك الشمس احيانا من افعالنا المخجلة وتصرفاتنا التي تتجاوز حدود المألوف وجدران الذوق، وتقهقه بصوت عال كالرعد وحين تعلو قهقهتها، تخجل وهي تلحظ الكواكب و الملائكة و النجوم، تنظر نحوها باستغراب فتغطي وجهها بشال من غيوم سوداء وتنزر عينيها مزن من غيث رطب يداعب اوراق الاشجار و الزهور ويمسح عنها غبار الزمن و التعب المثقل بوفر رباني من المن و تعلو طيور السلوى السماء، ويروي هذا الغيث الظمأ المستشري في عروق المخلوقات حين ينفذ ويبلغ غاياتها ويندفع بقوة ربانية ليلقي سره المتكامل فيها ويغلق دائرة الطبيعة المهندسة بأصابع الخالق لتكون فيضا من ربيع في جميع الاجساد ليستمد عنفوان النمو حفيظته المحسوبة سلفا ويقتفي اثر السريان في النسوغ المتحركة بكل الاتجاهات و التي تؤمن ديمومة البقاء وسر الخالق في كرويته.....!!..تستقبل المخلوقات دموع الشمس الضاحكة ونور جمالها الوهاج لصناعة الامل في الحياة والغذاء بالنفوس فتحمر الخدود والشفاه وتتجسد الاجساد وتخضر الاوراق ويتصاعد المواء والبكاء لمولود جديد من امل منتظر يحتضن الاستمرار و يستعد كل مخلوق بتأدية واجبه الطبيعي الملقى على عاتقه بشكل عفوي في دورة متكاملة تتسيدها الشمس والقمر بالتعاقب، انهما نور الله الدائم فينا...!؟

يوما غير محسوب مسود المعالم، ستغضب الشمس، من افعالنا الباهتة والتي لا تحتمل، غضبا شديدا وتغمض عينيها والى الابد...!؟... حينها يودع الجمال الدنيا وتذهب الحياة ويغطى الظلام الاثير والافق وتتجمد البحار والمحيطات والانهر وتسقط اوراق الاشجار وتذبل الزهور وتبدأ بالاختفاء ويحتل التراب والهواء ويضمحل الخط الفاصل بين السماء والارض وتنحسر الطيور والمخلوقات وتتحجر ولم ينقذ الحياة هذه المرة نوح ولا سفينته وحتى تدخل الانبياء والرسل وملائكة السماء و طرد الشيطان من الدنيا لا يجدي نفعا....!؟.... الكل سيخضع لميزان العدل، وما ينفع الا زرع وفير مسبق من خير قد يبدأ حصاده ذاك اليوم........!؟ ازرع خيرا في وطنك....ستفرح الشمس وستفتح عينيها من جديد...!؟

 

الفيس بووك في العراق .. ثلاجة الموتى

aziz alhafedاي بداية اكتب وانمّق وأختار واستطيع التركيز؟ أي كلمات جميلة الحزن صادقة المعاني باسقة الآلم لاتريد ان تقبضها قبضة اناملي لتكون هنا شاهدا على سيول مدمرة من احزان كل يوم في العراق؟ لاداعي للتساؤل ومخالطة الريبة ومعانقة الحيرة .. فإنا أملك السؤال وأملك الجواب واملك بينهما دموعا ليس مُهماً إنها على آهبة الإستعداد العسكري لتلبية نداء الواجب اليومي!! من غرابة التطور أنه في العراق بعد كل الحرمان صرنا لانستغرب ان تكون بائعة الفجل المحترمة المهنة الأمية تملك هاتفا نقالا تعرف كيف تضغط على زر الإجابة والسبب لكي يطمئن عليها آهلها من مصير مجهولية كل يوم في العراق .. لذا دخل الفيس بووك حياتنا كالعالم وأحدث نقلة نوعية وتواصلا إعذروني إذا كنت آرى الجانب الإيجابي المشرق فيه فقط.. لان كل منا ينظر لجهة قصده ومرامه ورؤيته لإي مايفعل .. ومن اغرب الغرائب في حياة الفيس بووك العراقي، علما لإني وضعت هذا التصنيف الإقليمي له..أنه في العراق صار ثلاجة وليس مقبرة لصور الموتى!! فما يكاد العراقي الباقي على قيد الحياة يسمع بوفاة آحد من معارفه حتى يبادر فورا لوضع صورته في الفيس بووك! متناسيا ان تلك البسمات للميت وصورة إشراقة عينيه وشبابه وهو الغالي تمزق البطين والآذين وشغاف القلب بل تقلع الصورة بمخالبها ، القلب نفسه من قفصه الصدري!! فأنت تتامل حيا أصبح ميتا وبتراجيديا لم ترسمها براعات هوليوود نفسها..كنت قد كتبت نفس الموضوع قبل سنوات (أيها البحارنة الأعزاء لا تنشروا صور شبابكم الشهداء) وعذرا إن أقتبست بعض ماكتبت لإن ظاهرة النعي العراقي الفيس بووكي ظاهرة ربما اجد سطوعها عراقيا قبل اي دولة في الكون!!

ألا يخجل الموت من التربّص بالاطفال والشباب والنساء ؟. إنكم تؤلموننا وتؤذوننا وتسحقون صمتنا وصمم أسماعنا بنشر صور شبابكم الذين رحلوا بتراجيديات نسمع كل يوم لها لونا جديدا وسيناريو مستحدثا وتوصيفا غريبا حتى عن التداول نستذوق حزنه القاتم في شفاه أحداقنا وتجعلون مسيرة الدموع تتموج وتتعرج بمسارها من أحداق عيوننا وتقّرح اجفاننا ومآقيها الى قلوبنا تهزّ فيها نخوّة النزف اليومي معكم دون جدوى!! نحن العراقيون أقرب للالم والحزن من حبل الوريد لاننا نعرف عندما تتعانق الاهات والحسرات في مسيرة دم نازف مع غياب ترسمونه لنا بخبر يذوب لإطلالة شاب في مقتبل العمر أو مغادر لسن الطفولة يفرح قلب امه بنشأته لحظة ولحظة لترسله الأقدار معانقا شهقة أب وانفطار قلب ام دائمة النظر للمستقبل المرسوم لوليدها .. يفارق امانيه ومستقبله وهواياته وتبقى لامه ذكريات ملابسه المعلّقة في الاحداق لافي دواليب الملابس، يقينا كانت تشمّ تلك الملابس وتفكر في نوع العطر الذي ستطيبها به، وإذا رحيق الشهادة يعطّربشذاه ذاك جسد المجد المظلوم الموسوم شابا حتى كتبه المدرسية تنادي فراق يديه للابد من دون جدوى ويبقى أصدقاؤه يتداولون الدموع بدل الحوار سنوات ليتشظى عندهم حب الوطن الذي يمحق كرامتهم برصاصه وهوج أفعال مدروس العنف. وكنت أيضا من باب تحسس الألم اليومي كتبت قصة بعنوان ( ثلاجة الموتى) وفعلا هاهي صفحات الفيس بووك تتعطر بصور ضحايا الانفجار في مدينة خانقين العزيزة عندما اندس همجي حقود بين جموع محتفلة بحب الرئيس الطالباني وهم يرونه لاول مرة بعد وعكته الصحية.. ليدمر ويقتل العشرات وفيهم من تخرّج لتوه.. شباب تبحث الدموع عن دم لتبكيهم .. فهل عرفتم لماذا الفيس بووك العراقي اليوم هو ثلاجة الموتى؟ فليدرسها علماء الإجتماع والظواهر الكونية والبيئيون لايهم.. والمهتمين والمستشارين وإعذروني إني قد قفلت حسابي في الفيس بووك لإني آرى بالعين مالايصدمني بالشاشة الكمبيوترية من حزن دافق كل يوم! الرحمة لمظلومي العراق والصبر والسلوان للبطون التي انجبتهم وضّيعت الأحزان لاغير، معالم المحاجر والاجفان فيهّن..من شدة بكاء الفراق.

 

عزيز الحافظ

 

هل أن المذهبَ دينٌ؟!

يتحقق إضطراب مقصود في تأزيم العلاقة ما بين الدين والمذهب، مما يؤدي إلى إنحرافات سلوكية وتداعيات ضارة بالمذهب والدين.

وكل دين فيه مذاهب أو مدارس وتشعبات متعددة، ولا يخلو أي دين من ذلك، وخصوصا الأديان السماوية الثلاثة، أما غيرها من الأديان ففيها من التفرعات والتعددات ما لا يخطر على بال.

وتشعب الدين الواحد ومسارات المذهبية فيه، ليست جديدة، وإنما هي معروفة في الأديان القديمة، في سومر وأكد وآشور وبابل، وفي الديانات المصرية، وغيرها من ديانات الأرض السالفة.

ولا يزال هذا السلوك مرافقا لأي منطلق عقائدي وإجتماعي، فالأحزاب تتفرع أو كما يقال تحصل فيها إنشقاقات، والعائلة الواحدة تتفرع، والعشيرة كذلك ولهذا فيها الأفخاذ وغيرها من المسميات.

والأرض الواحدة تعددت وتنوعت جغرافيا، وأصبحنا نعيش في قارات وأوطان، والوطن تعدد ما فيه بتقسيمات إدارية متنوعة.

تلك حالة سلوكية خلقية لا تشمل البشر وحسب وإنما جميع المخلوقات الأرضية، وربما تكون قانون كوني وثابت وجودي، يتحكم بإرادة الديمومة والتواصل والبقاء المحكم المنضبط، وفقا لنواميس نعرف بعضها ولا نعرف الكثير منها.

ولهذا فأن تفرع الأديان إلى مذاهب سلوك طبيعي، وضروري لإستمرار الدين، والمذهب في حقيقته مدرسة ورؤية وإقتراب وفقا لوعي وإدراك معين، ينطلق من فرد أو مجموعة أفراد، ويتم البناء عليه وتطويره والبحث في معانية ومنظاره، وآليات تفاعله وفهمه ضمن منظومة الدين الذي أوجدته.

ويكاد جميع أئمة المذاهب والمدارس الدينية، يتفقون على أن المذهب عبارة عن عمود من أعمدة الدين الذي يكون خيمتها جميعا.

ولا يمكن للمذهب أن يكون خيمة لوحده، لأنه سيضيع في متاهات التلاحي والخسران، أي أن المذهب لا يمكنه أن يكون دينا، وإنما تعبيرا عن الدين وفقا لمنظار ورؤية ذات معايير وضوابط وأدلة وبراهين.

والمذهب طريق لدين وليس دين، وسبيل لمعرفة الدين، والتفاعل الصادق مع جوهر القيم والمفاهيم الأساسية للدين.

وفي مجتمعاتنا يتحقق إنحراف وتشويه لمعنى المذهب والدين.

فترى الناس تتمترس في مذاهبها، وتحسب أنها صاحبة الحقيقة المطلقة وغيرها على ضلال وإنحراف، مما دفع إلى سلوكيات لا تمت بصلة للدين، من تكفير وتضليل ورجم بالغيب وتدمير للبلاد والعباد.

وتم الإستثمار في هذه الإنحرافات الفكرية والتعبيرية عن هذه المدرسة أو تلك، وفقا لمجتزءاتٍ تعمي الناس عن رؤية المفاتيح الأساسية للدين، وتدفعها إلى الغلو والتطرف والقيام بأعمال السوء النكراء، وهي تدّعي الدين.

والآخرون من غير الدين لا يفهمون، إلا أن هذا يمثل الدين، وأن الدين آثم لأن أبناءه يتقاتلون ويدمرون ويخربون، وكأنهم لا يؤمنون بالرحمة والمحبة والألفة والسلام والتسامح.

وهذا يعطي صورة سلبية عن الدين ويحقق العدوانية عليه، وهو يقول ويبشر بأن أبناء الدين هم أعداء دينهم فكيف بالذين ليسوا بالمنتمين لهذا الدين.

أي أن التفاعلات الجارية بسبب الإنحرافات الإدراكية العقائدية، يتم توظيفها لإعطاء المبررات والتسويغات اللازمة للإنقضاض على الدين.

فهل من صراط مبين، ورؤية واضحة، وإرادة توحيدية، تعبّر عن معاني الوحدانية والرحمة والرسالة الإنسانية للدين، بعيدا عن السلوك المتصاغر المتجاهل لقيم ومبادي الدين العريقة السمحاء التي جاءت لهداية بني البشر كافة؟!!

وهل سنرعوي ونتعلم أن المذهب قوة للدين وليس دينا يهدم الدين!!

 

د-صادق السامرائي

 

هل نراجع لكي نكون؟!!

المراجعة: المعاودة

والرجيع من الكلام: المردود إلى صاحبه

وراجعه الكلام مراجعة ورجاعا: حاوره إياه

"ويرجع بعضهم إلى بعض القول": يتلاومون

الرُجعى: الرجوع

"ثم إلى ربكم مرجعكم"

والمراجعة تذكرنا بأيام الدراسة قبل الإمتحان، حيث نراجع المادة لكي نستعد ونحقق الإجابة الأفضل.

والمراجعة سلوك ينطبق على الأفراد والمجتمعات، فالأفراد يراجعون أنفسهم عقب الإنتكاسات والخيبات وما يحصل لهم من مشاكل ومعوقات، والمجتمعات أيضا تراجع نفسها  بعد مرورها بمشاكل ومعضلات وحروب وصراعات ومنعطفات مصيرية.

معظم شعوب الأرض تراجع نفسها، ويبدو أن المجتمع العربي هو الوحيد الذي يشذ عن هذا السلوك الحضاري المعاصر، فلا تجد مراجعة سلوكية سياسية وثقافية وفكرية وحزبية في مجتمعاتنا.

بل أن اللاحق يكرر خطايا وآثام السابق وهكذا دواليك.

تتغير الأنظمة وتخلو ساحة الفكر والوعي السياسي من المراجعات، ويثور المجتمع ولا مَن يراجع ويستنبط الدروس ويجدد المسارات، وإنما هو دوران في دائرة التداعيات المفرغة.

فلو نظرنا لأي بلد عربي لإتضح إنعدام سلوك ومهارات المراجعات.

ومَن لا يراجع يرسب في الإمتحانات المصيرية!

فما نكتبه لا ينم عن مراجعة حصيفة ودراسة موضوعية علمية للأسباب والمعطيات، وغيرها من العناصر الداخلة في صناعة المأساة.

والذي يطغى هو النكران والإسقاط والتبرير والتجاهل، ومحاولة إستحضار المفردات السلبية، ووصم المرحلة السابقة بها وحسب، وإثارة مشاعر العدوانية والكراهية والبغضاء، وبناء سواتر إنفعالية ذات ردود افعال تدميرية مروعة ودامية.

فمجتمعاتنا التي تحققت فيها الثورات والتغييرات لم تقم بمراجعة واحدة للمراحل السابقة في حياتها، ولم تقييم سلوك الأنظمة التي ثارت عليها، وحسبتها سيئة وحسب.

وهذا غير صائب، فلابد من إيجابيات بمكن البناء عليها وسلبيات يجب تجاوزها، فأي نظام مهما كان هو تعبير عن سلوك المجتمع في مرحلة ما وظروف ما.

وكم من المجتمعات تراجع فترتقي وكم من الشعوب تتجاهل فتنتهي.

وعلى سبيل المثال- المجتمع الراوندي راجع ما حصل من مجازر، وقيّم الأسباب والعوامل التي دفعت لذلك السلوك المشين، وانطلق نحو مستقبل لا يمكن لما جرى أن يتكرر فيه، لأنه قد راجع ودرس واستنبط ووضع الثوابت السلوكية الكفيلة بالوقاية منه.

ويبدو أن المجتمع الرواندي سيتقدم أكثر من المجتمع العربي في العقود القادمة، لأنه جاد ومثابر وحريص على مناهج المراجعات، ووضع الأسس والصياغات لمجتمع زاهر معاصر سعيد.

فهل سنراجع لكي نكون؟

أم سنبقى في تجاهلنا ونكراننا وإسقاطنا وتبريرنا وإنهماكنا في تداعيات الإنقراض السعيد!!

 

د-صادق السامرائي

 

القوة الفكرية

nadum zerjawiتعتبر القوة الفكرية من أهم الأسس التي يمكنها أن تساعدنا على التحرر من كل أشكال العبودية و التسلط القهري، و المس بالكرامة التي هي طبيعة كل إنسان، لقوله تعالى ولقد كرمنا بني ٱدم، يمكن أن نصبح عرضة لكل هذه الأساليب المنحطة وتمارس علينا ونحن أسرى فكريا وأخلاقيا، أي لنا القابلية لذلك، لكن قوة الإنسان تكمن في فكره حيث يمكنه التخلص من عبادة الوثن وقول لا لكل الممارسات التي تمس كيانه، وإن كلفه ذلك دفع الثمن، وهذه هي روح المسؤولية وقمة التحرر، بذلك تجد تقريبا ما يناهز 80 في المائة يعيشون سكيزوفرينيا تلاحظها من خلال سلوكياتهم المتناقضة مع قناعاتهم ومبادئهم وهذا بارز في كل الدول العربية لا سيما في العراق وحتى الخليج المحزن، متى كان الرزق والعيش سببا يجعلنا أن نتخلى عن مبادئنا وفكرنا المحترم، هذه ثقافة مستوحاة من ظلمات التاريخ البعيد ولا زالت متفشية في بلداننا المتخلفة، لكي تحقق ذاتك عليك بالخضوع والنفاق وهذا مؤشر خطير يعكس مدى تدهور قيمنا الأخلاقية مقارنة مع التطور الذي يشهده العالم، تخلفنا عن الركب الذي يحمل معه كل معاني الإنسانية، وسأظل أطارده كي يأخذني معه، فيه يمكنني أن أستنشق طعم الحياة ومعنى الإنسان..

متحف الماضي

shaweqi moslmani1 (قال): المقالات التي تخرج من "اللاب" الإسرائيلي ممهورة بأسماء عربيّة تتكاثر على نحو وبائي.

 

 

2 (كمال اللبواني) 

ظهر الدكتور كمال اللبواني المعارض السوري في لقاء على صفحات الاعلام الاسرائيلي، وفي سؤال لـ "ايلاف" السعوديّة التي تصدر من باريس عن أسباب هذا اللقاء مع موقع "والاه" الاسرائيلي في ظل الظروف الحالية، وما يمرّ به الشعب السوري من قتل ودمار تساءل اللبواني: "ألا يستحق الشعب السوري المحاصر والمشرّد والمعرّض لكلّ انواع الجرائم أن نسعى بكل ما نستطيع وبكلّ الاتجاهات عن مخرج له، وهل السلام وفق مبادرة الدول العربية والقرارات الدولية خيانة، وهل ما فعله ياسر عرفات والملك حسين وأنور السادات كذلك؟".

وشدّد على "أنه افضل طريق وجدته متاحًا نحو النصر والحرية والديمقراطية والعيش المشترك اذا تفاعل معه الطرف الآخر وهذا يحتاج الى جهد ايضًا".

ورأى أن "كلّ الطرق الأخرى لم تنجح ولن تؤدي الاّ الى نتائج تديم الصراع والانقسام والحرب".  

وحول أن الشارع السوري لم ولن يقبل ذلك، أضاف "تذكري اننا سياسيون علينا واجب ايجاد حلول ومخارج لهذا الشعب والقرار في النهاية قراره وحده بعد أن نوضح له الخيارات الممكنة، وهو ما سأفعله وهذا واجبي تجاه شعبي الذي افتخر به واضحّي بأي شيء من أجله".

قدّم الموقع الاسرائيلي اللبواني على أنّه  "رمز المقاومة السورية. رجلٌ يحلم بالديموقراطية والحرية والسلام، ليس فقط داخل سوريا، وإنما أيضاً بين سوريا وجارتها الجنوبية، إسرائيل، يجول العالم محاولاً تجنيد الدعم الدولي لنضال الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد، من جهة، والجهاد العالمي".

واعتبر اللبواني أن الثورة السورية  أوجدت فرصة تاريخية للسلام بين الشعبين "الإسرائيلي" والسوري. فلدينا" أعداء مشتركون ومصالح متشابهة. هذا هو الوقت، وقد يصبح متأخراً في ما بعد".

 واعتبر "أن الطريق الوحيدة للقيام بذلك هو دعم المعارضة السورية المعتدلة. العالم فشل في سوريا، لكن قد تكون إسرائيل على وجه التحديد هي الدولة المستعدة لتحمل المسؤولية والقيام بالأمر الصحيح".

وحول لماذا إسرائيل؟ يوضح اللبواني أنّ "العالم اليوم يعلم ما يجري في سوريا ولا يحرّك ساكناً. وأنا أعتقد أنكم أنتم اليهود بإمكانكم فهم هذا الأمر".

وعن الحل الذي يقترحه ، قال اللبواني " إنقاذ سوريا وحل مسألة الجولان بالطرق السلمية". وأفاد "نحن نرى الآن كيف أن حزب الله يحاول التموضع هناك واستخدام المنظمات الإرهابية لمهاجمة إسرائيل".

ويشير في اللقاء الى أن " إسرائيل محاطة بدول سنية ترى في إيران تهديداً لأمنها. إيران هي السبب الرئيس لعدم الإستقرار في المنطقة. في كل مكان يوجد عنف، يمكن أن نرى التدخل الإيراني".

**

 

3 (بشّار بن برد) 

إذا بلغَ الرأيُ النصيحةَ فاستعنْ

 بعزمِ نصيحٍ أو بتأييدِ حازم

 ولا تجعلِ الشورى عليك غضاضة

 مكانُ الخوافي نافعٌ للقوادم

وخلِّ الهوينى للضعيفِ ولا تكن

 نؤومًا، فإن الحزمَ ليس بنائم

 وأدن على القربى المقرّبَ نفسه

 ولا تُشهد الشورى امرءاً غيرَ كاتم

 فإنّك لا تستطردُ الهمَّ بالمنى

 ولا تبلغ العليا بغيرِ المكارم.

**

 

4 (قال) 

يبحثون عن الحاضر والمستقبل في متحف الماضي.

**

 

5 (الصادق النيهوم) 

كلّ ثقافة غير ناضجة "تتّسم بحساسيّة مفرطة".

لكي لا نشبه أحدا

سأقترح مدخلان لمعالجة ظاهرة التحول، الأول يقدمه الشاعر الاسباني "بيسوا" في "اللاطمأنينة" والآخر يقدمه الفيلسوف والناقد الايطالي "امبرتو ايكو" في روايته الشهيرة "اسم الوردة". مدخلان يشطران التحول إلى ظاهرة جوانية فردية بالضرورة وظاهرة جماعية تتجسد في مقولة الهوية واشكالياتها وتحولاتها عبر التاريخ، مما يفرض علينا تشكيل التحول داخل الطمأنينة وخارجها، حيث نجد تحولا عبثيا لأنه يستبدل الطمأنينة بأخرى (التحول بين المذاهب أو الأيديولوجيات وحتى الجنس) وآخر سيزيفي لأنه يغادر منطقة الطمأنينة والرسو اليقيني نحو محيط لا نهائي من القلق والتبدلات.

أما بيسوا، الشاعر الاسباني (1888-1935م) فلم يكف يوما عن التحول، فهو مصاب "بأنا" منشطرة ومتعددة، يلعب بالتحولات كما بالشخصيات، فهو ينتمي إلى جيل مشحون بالقلق.. يتحسر بيسوا في بداية كتابه "اللاطمأنينة" والذي هو عبارة عن شذرات واعترافات ويوميات ومقاطع على غياب الطمأنينة البدائية لجيله، حيث تهدمت على قاعدة النقد العلمي والميثولوجي والنصوصي سعادتنا لنجد أنفسنا في "أوج قلق ميتافيزيقي"، لكنه يتشرب هذه اللاطمأنينة على المستوى الفردي كحالة ابداعية حاضنة لتشكل لا نهائي لشخصياته الأدبية، فبيسوا يخلق شخصيات أدبية تتبرأ من مؤلفها، تستقل عنه، وتعانده كشخصيات ندية.. لا تمثل كل شخصية مرحلة بل  تتعايش في داخله وتتوالد وتموت وتنبعث، تتصارع وتلتق من جديد.

 ومن بين كل الذوات التي ابتكرها أو التي ابتكرت نفسها: "ريكاردو رييس"، "البيرتو كابيرو"، "ألبارودي كامبوس" و "برنارد سورشي"، تبدو الأخيرة هي الأكثر حياة، "برناردو سورشي" شخصية ملتبسة تتشبث بموقفها المعاند والمساير معا لشخصية المؤلف، إلا أن "اللاطمأنينة" كحالة لا شخصية هي ما سيحظى بقوس النصر في مملكة روح الشاعر، اللاطمأنينة هو كتابه الخاص، هي انجيله الأقرب إلى روحه، مرساه الذي يستقر فيه مركبه العاصف: "روحي أوركسترا خفيفة".

وهكذا نجد "في اللاطمأنينة" ذات دون ملامح شخصية.. هناك حيث روحه المتعددة الشيزوفرينية، وحيث استمرارية في اللا استمرارية، وطمأنينة في لاطمأنينة، سيعثر أخيرا على شخصيته: "الوضع الدائم للاكينونة".

يتجه كتاب "اللاطمأنينة" إلى ارساء تناقضين، تناقضه الأزلي بين الذات والذات وبين الذات وخارجها، الحالة الصحية حالة انفصامية، ليس الشاعر سوى سمفونية من الاستحالات والتحولات لا تأخذ شكل تاريخ شخصي، ليس هنالك من سير تطوري للشخصية، كل الأزمنة تتداخل فيما يسميه "المرور الجواني للحياة".. إن بيسوا مجموعة من التحولات تتعاصر في داخله، كم هائل من الفلسفات التي يرفضها أو يقبلها، لكنها تتعايش في داخله لأنها تمثل "أناه"..

بيد أن هذا الاقتلاع الدائم لكل ما هو متجذر ونهائي يمثل تجربة ليست مريحة تماما، بيسوا يدرك ذلك جيدا، اللاطمأنينة تجربة وحالة ابداعية لكنها مفزعة ومرعبة، لأن تلك المتاهة من الأفكار والتناقضات والاعتقادات لم تعد خارجية، إنها حالة باطنية مستقرة في قاع الشاعر: بيسوا هو نفسه متاهة، وهكذا يتحول امتداح القلق إلى مناجاة وشكوى مريرة تتفجر على شكل كتابة شذرية: "يا إلهي.. يا إلهي.. من أكون؟.. كم من ذوات أنا؟ ما هو هذا الفاصل بيني وبيني؟ من هو هذا الذي حللت محله بداخلي؟"

بيسوا ليس امتثاليا، لكنه يتعايش مع كل فكرة سبق وأن رفضها، وما الموقف الانكاري لديه إلا رفض متأصل لكل الحواجز والاكراهات التي تجمد مجرى الحياة والمتاهة الداخلية لروحه، ما يشكل تقاطعا مع مناخات رواية امبرتو ايكو"اسم الوردة"، فالمتاهة السيكولوجية هنا تتحول عند "ايكو" إلى متاهة من الهويات التي تفرز نقيضها الهرطيقي، "كل الهرطقات راية لواقع الاقصاء.. اكشط الهرطقة تجد تحتها الجذام". وما هو مطلوب في النقد الديني هو بالضبط اظهار هذا الجذام نفسه.

تتحرك الرواية في خطين أو متاهتين، متاهة من الهرطقات وأخرى من الكتب، المكتبة متاهة والجماعات الدينية متاهة، متاهة بإزاء وداخل متاهة، أما المفتاح والذي سيفك الأحجية "أحجية توالد الهطرقات وتتابع جرائم القتل التي شهدتها الرواية" فهو كتاب مفقود يقتل من يمسه، ولن يتم العثور على هذا الكتاب إلا بعد احتراق مكتبة الدير واخفاق كل محاولات التقريب بين الجماعات الدينية المتصارعة، كأن هذا الفشل دعوة للحياة نفسها التي وجدها "بيسوا" في سيولة لا نهائية من التحولات التي تتعايش داخل وحدة متنوعة.

إن كل شيء في فلسفة إيكو يستمد قيمته من خاصية الحذر، وتبجيل المتعدد، بحيث يبدو كل نهائي زائف: "تجزم بعض النظريات النقدية المعاصرة بأن القراءة الوحيدة الممكنة لنص ما، هي القراءة "المغلوطة". الأمر الذي يؤكد شرعية ونزاهة كل الهرطقات، بما أن سوء الفهم قدر حتمي لا مناص منه، وبما أننا لا نكاد إلا "أن نقول الشيء نفسه تقريبا" حيث كل شيء ترجمة غير مكتملة "الترجمة الجذرية أمر مستحيل" فالمطلق "لا يوجد إلا في اضطرابات الروح"، وهي الخاتمة التي اختارها ايكو لروايته.

 عبثا يحاول المتحول الإمساك بمطلق شبحي، هذا ما تريد قوله الرواية و"لا طمأنينة" بيسوا، فالحياة –كما هو النص تماما- لا تعاش إلا بقلق، وأي محاولة لإنهاء التنافر داخل النفس أو في المجتمع، ستجابه برفض وإدانة في خطاب ينكر الشموليات وكل طمأنينة بدائية، يجدر بنا التعايش مع التناقضات بدل تجاوزها المستحيل، في  رؤية للحياة قد تبدو محافظة، لكنها ضرورة استراتيجية في وسط كوميدي من التحولات الوثوقية في الجنس والدين والمذهب، وهي أيضا تجربة لا تليق إلا بأبطال.. يقول ألبير كامو: "التجربة الأشد خطورة، ألا نشبه شيئا".

 

 

اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف

كثيرة هي الكتب التي يتم إستنساخها وطبع أغلفة لها وبيعها على قارعة طريق الثقافة ، المتنبي ، كتب عراقية وعربية وعالمية تم إستنساخها بطريقة الإستساخ السريع وتوزيعها وبيعها بأسعار بسيطة حيث أدت تلك العملية الى فقدان المؤلفين بصورة عامة والعراقيين منهم بصورة خاصة لحقوقهم التي يكفلها قانون النشر العراقي وحقوق الورثة لأولئك الذين توفاهم الله وما أكثرهم .. كتب للدكتور علي الوردي وغيره من الكتاب العراقيون كانت الأحداث بعد عام 2013 مؤاتية جداً لسرقة حقوقهم في النشر حينما تم إتباع أبسط الطرق في نشر وتوزع كتبهم القيمة أملا في الحصول على أكبر فائدة مادية دون الإتفاق مع المؤلف أو من يرثه .

نحن بحاجة بهذا اليوم الى إستذكار أدبائنا ممن فرطت المؤسسات الثقافية الرقابية بحقوقهم من خلال ضعف رقابتها على المنشورات ودور التوزيع وضبط المخالفات في هذا المجال .. لقد كان إختيار الأمم المتحدة لـ 23 نيسان "إختياراً طبيعياً فقد أرادت فيه اليونسكو التعبير عن تقديرها وتقدير العالم أجمع للكتاب والمؤلفين وذلك عن طريق تشجيع القراءة بين الجميع وبشكل خاص بين الشباب وتشجيع استكشاف المتعة من خلال القراءة وتجديد الاحترام للمساهمات التي لا يمكن إلغاؤها لكل الذين مهدوا الطريق للتقدم الاجتماعي والثقافي للإنسانية جمعاء " ففي هذا التأريخ الرمزي من عام 1616 توفي كل من ميغيل دي سرفانتس ووليم شكسبير والاينكا غارسيلاسو دي لافيغا. كما يصادف يوم 23 نيسان ذكرى ولادة أو وفاة عدد من الأدباء المرموقين مثل موريس درويون، وهالدور ك. لاكسنس، وفلاديمير نابوكوف، وجوزيب بْلا، ومانويل ميخيا فاييخو " .

أنهم يمجدون أدبائهم ويضعوهم في مقدمة الحرب على التخلف بل في مقدمة الصراع الإنساني لمجابهة التخلف في حين اننا لازلنا نرواح في مكاننا لخدمة أدبائنا ممن هم على قيد الحياة وتكريم اولئك الذين تلاقفتهم يد المنية وخطفهم الموت من بين أيدينا قبل أن نفطن الى أننا مفارقوهم ومفارقو أدبهم الكبير وإنجازهم الخلاق ليس للعراق فقط بل للإنسانية جمعاء.

لقد غادرنا حياتنا الكثير من أدبائنا المشهود لهم بالمقدرة العالية والكفاءة الواضحة حين ترجمت مؤلفاتهم الى العديد من لغات العالم في حين لن يهنئوا بتلك الميزة العالمية التي نقلتهم إليها مقدرتهم الإبداعية وقابلياتهم التي نرى اليوم أن من الصعوبة تكرارها وعلى مر زمن طويل سيأتي لا أعتقد بأننا سنصادف في ماتبقى من أعمار شاعرة على غرار شاعرية نازك الملائكة أو شاعراً على ترتيبة الجواهري أو بدر شاكر السياب أو البياتي أو قاصاً كما عبد الستار ناصر أو على غرار المترجم غائب طعمه فرمان أو عالم الإجتماع الدكتور علي الوردي وغيرهم من أعمدة العراق الأدبية التي عجل اليها قدر الله قبل أن تحضى بمكانة التكريم .

حتى اليوم ينام قانون رعاية الأدباء تحت قبة البرلمان بإنتظار إقراره وبالطبع سوف لن يقّر في دورة البرلمان الحالية وسيؤجل الى دورة البرلمان القادمة على أمل أن يتعطف رجال التشريع العراقي في إقراره وإيجاد الأطار الحقيقي لصور الأدباء التي تتركز في ذكرتنا والى الأبد عسى أن نحفظ لهم الهيبة التي يستحقوها والمكانة التي مهما حصل من أحداث سياسية كبيرة في البلد فلن تنال من مكانتهم الأدبية في قلوبنا بل على العكس تزيدنا شوقاً لهم ولما جادت به نفوسهم المعذبة من أدب ، سيبقى غضاً ، غير قابل للإنهزام أمام جيوش التخلف في الزمن البغيض .

أنهم أدباءنا وكما يقول وليم هازلت إن "ادب أي أمة هو الصورة الصادقة التي تنعكس عليها أفكارها"، أنهم ضمير أمتنا وحري بنا أن نضعهم في مقدمة ركبنا الحضاري لكونهم قادة التحضر الإنساني وسيبقون كذلك وهم جميعاً أهل لتلك القيادة التي أثرت التأريخ الإنساني على مر العصور .. حفظ الله العراق.

 

زاهر الزبيدي

 

الديمقراطية لا تلدها الأنظمة الدكتاتورية؟!!

المجتمعات التي تحكمت بها أنظمة دكتاتورية على مرّ العصور والأجيال، لا يمكنها أن تبني الديمقراطية، بمجرد تغييرها لتلك الأنظمة.

فمجتمعاتنا لا تمتلك خبرة ومعرفة بنظام حكم غير دكتاتوري!

فما عرف الديمقراطية أجدادنا، ولا آباؤنا وأمهاتنا، وما شممنا رائحتها في البيت والمدرسة ومكان العمل، ولا نمتلك أبسط مهاراتها، كالحوار وتبادل الآراء وتحملها وإحترامها، والقدرة على التوافق والبحث عن الحل.

ولا أظننا نمتلك (جينا) ديمقراطيا واحدا (صبغة وراثية)، فكروموسوماتنا خالية تماما من أي حامض أميني ديمقراطي الملامح والتأثيرات!!

فكيف ندّعي الديمقراطية هكذا بين ليلة وضحاها؟!

البارحة كنا في الديكتاتورية، واليوم نحسب أننا في الديمقراطية!

هذا إدّعاء وسلوك لا يتفق وبديهيات الأمور على الإطلاق!

فالديمقراطية تربية متواصلة عبر أجيال وأجيال، والدكتاتورية كذلك، وتربيتنا الدكتاتورية أطول بعشرات القرون من تربيتنا الديمقراطية التي ما عهدناها حتى اليوم، لكننا نتصورها ونتوهمها ولا ندركها كمنهاج عمل وحياة.

وهذا يعني أن مجتمعاتنا غير مؤهلة للإنتقال الفوري من حالة إلى حالة مغايرة لها، مما يفسر النتائج الوخيمة التي أدت إليها هذه الإنتقالة الخطيرة، الغير مدروسة، والأشبه بالفوران أو الهيجان الذي أوجده الشعور الأليم بأن الكيل قد طفح، وأن لا بد من التغيير.

فعندما صدحت الحناجر "الشعب يريد"، خلت الساحة من المفكرين والمُنظرين والستراتيجين الذي يرسمون خرائط تحقيق الإرادة الجماهيرية، وإنما وجدت الجموع الثائرة أنها تواجه المجهول بكل ما يترتب على ذلك من مخاوف وتوجسات وحيرة وإضطراب وشعور بغياب الأمان.

جموع خرجت من أسر الدكتاتورية، لتجد نفسها أمام حالة غريبة عنها وغير مؤهلة للتفاعل معها، كأسرى الحروب والمعتقلات الذين أقاموا عقودا في زنازين الإعتقال، وعندما أفرج عنهم بغتةً ، فضل الكثير منهم العودة لزنزانته لأنه لا يمتلك مهارات صناعة الحياة.

فمجتمعاتنا وكأنها تعاني من التمعهد الدكتاتوري، وليس من السهل عليها أن تتشافى من هذا العوق الحضاري، الذي جردها من المسؤولية وأفقدها الإحساس بقيمتها ودورها الإيجابي في المجتمع.

والعلة التي واجهتها أنها ما حظيت بقيادة واعية ديمقراطيا، وذات خبرات وتجارب تساهم في تأهيل المجتمع للدخول في المرحلة الجديدة، مما دفع إلى التشظي والتمحور والتخندق والإنتماء لفئات ومسميات، وعناوين ترضي حاجاتها النفسية الأساسية للشعور بالأمان، وعدم التيهان في بيداء المجهول، الذي إنفتحت أبوابه وهبّت عواصفه وأعاصيره التي لا قِبَل لها بها.

فالمشكلة أن المجتمع فقد نظام المرحلة الإنتقالية التأهيلي، اللازم لإمداده بالمهارات والآليات الضرورية لدخول مدن الديمقراطية ومجتمعاتها وكياناتها الحضارية المعاصرة.

وتقع المسؤولية على المثقفين والمفكرين الذين أغفلوا مسؤوليتهم في إعداد برامح التأهيل والتثقيف والتوعية المكثفة، وعدم إطلاق النظريات الديمقراطية المتفقة وخصوصيات المجتمع، وما فيه من المكونات التي تستدعي الدراسات والأبحاث، وهذا أدى إلى كتابة دساتير أو كُتِبَت، بسرعة غير معهودة في المجتمعات التي بنت تجاربها الديمقراطية العريقة.

 

د-صادق السامرائي

 

لماذا فقدنا الابتسامة ؟؟..

hamid taoulostلماذا اختفى الضحك من حياتنا.. رغم أنه صار أسهل من ذي قبل.. ولماذا نكاد لا نعثر على فنان موهوب قادر بفطرته على نزع ابتسامة من ثغر، أو ضحكة من قلب، كما فعلها فنانوا الزمن الجميل ببساطته وبساطة فكاهتنا .. أولئك العمالقة الذين صنعوا للمغرب عامة وباب المكينة بفاس الجديد -أحد أهم الأحياء بمدينة فاس، والذي تقام فيه مهرجان الموسيقى الروحية العالمي - الريادة في الفكاهة والدراما وجميع مجالات فن مسرح الشارع (الحلقة)

مثلما فعل "حربا" الفنان الذي لن يتكرر دمامة منظره واتساخ ثيابه، فقد، كان رحمة الله عليه، لا يتمتع أية وسامة أو حسن هندام، حيث كان هو نفسه يسخر من شكله، ما جذب إليه الجماهير فصار المضحك الباكي الذي جعل الضحك سهلا يتسلل ببساطة إلى قلوب الناس ونفوسهم بفضل عبقريته الفذة وموهبته الأصيلة وفطرته الصادقة  والكثير من المميزات الابداعية التي تشبع بها فنانو ذاك الزمان البسيط بساطة أهله، والذي لا يصدق على مدعي الفن والإبداع بقنواتنا الوطنية رغم ما تمتلكه  من امكانيات تفوق في أحيان عديدة كبريات المحطات العالمية وأضخم الفضائيات الكونية، فأين تلك الفكاهات "البايخة"، التي بثتها إحدى القناتين الوطنيتين تحت مسمى "كاميرا مجنونة" *، من  فكاهة "حربا" المليئة بالحكمة والتفلسف، رغم بساطتها الصادقة "الي كتقتل بالضحك"، والتي لا زلت أذكر منها سكتشه المشهور الذي يسخر فيه من نفسه وحاله والذي يبدأه بقوله: جا واحد النهار "كثير" الشاعر، كتعرفوه ياك؟؟ جا هاذ الشاعر عند وكذلك كان كتعرفوا "عبد الملك بن مروان" -ويطفح في شرح سيرته، ويفطن انه أطنب  فيعود إلى قصة "كثر": وقالو: ان تسمع بالمعيدي خير من ان تراه، او هو "كثير" يطير لو " أي اهتز كثير غضبا وقالو واحد البيت ديال الشعر وووواو:

ترى الرجل النحيف فتزدريه .... وفي اثوابه اسد هصــــــــــــــــــورُ

ويعجبك الطرير اذا تـــــــــــراه .... فيخلف ظنك الرجل الطريـرُ

ويعقب على ذلك بقوله: اووا لا تحكرونيش فحتى واحد منكم ما عارف أشنو تحت حوايجي غير أنا "، محركا خصره بإيحات جنسية، ما يثير ضحك الناس . ثم يستمر في سرد سكتش آخر سياسي له صلة بالأول، وقد استوحاه  من قصة تيمورلنك الذي دأب على احراج جلسائه بأسئلة من الصعب الاجابة عليها، وفي يوم من الايام حضر مجلسه رجل، فأراد تيمورلنك ان يحرجه كما غيره، فسأله : كم اساوي بنظرك ؟، فرد الرجل بثقة : انت تساوي 1000 ريال فقط، فرد تيمورلنك : ان هذا ثمن ثيابي التي ارتديها، فرد الرجل نعم هذا ثمن الثياب، اما انت فلا تساوي شيئا. فتساءل كيف ذلك ؟ فرد الرجل : الانسان يقاس بعمله، على اساس واحد فقط، وهو ان كان بلا عمل او ان كانت اعماله تعود على الاخرين بالضرر ودون فائدة، فانه لا يساوي شيئا، وعند تقييمهم عملكم معشر السيتسيين، فلا تساوون شيئا سوى ثمن ثيابكم التي ترتدونها، وغالبا ما كان يختم سكيتشه برد ابي العلاء المعري –دون نسيان تأكيده على واش عارفين المعري-عندما عابوا ثيابه:

ان كان في لبس الفتى شرف له... فما السيف الا غمده والحمائلُ.

محركا بنفس الإحاءات خصره، المثير للضحك، والتي كان عشاقه ومريديه ينتظرونها، والتي ما يكاد حربا، رحمة الله عليه،  يقوم بها حتى تسري البهجة في أوصالهم، وتعلو الابتسامة وجوههم ؛ وذلك والله هو شأن الفنانين العباقرة الأفذاذ، وتلك سمة الإبداع الحقيقي مصدر الإسعاد والمتعة الكبيرة التي نفتقدهما في قناتينا الوطنيتين رغم عدد التقنيين وزخم التكنولوجيا المتطورة والمكلفة، التي تخرج كلفتها (ميزانيتها) من ظهر الشعب الذي قسم ظهره فقر البرامج وبؤس الفرجة وسخافة الفكاهة وزيف الدراما وتصنعها، وشح الابتسامة التي أصبحت حاجتنا إلى صادقها شديدة جدا  في زمان بارت فيه الابتسامة وشاخت الضحكة ..

 

حميد طولست

...................

* الكاميرا المجنونة، هو برنامج قال عنه أصحابه أنه كاميرا خفية من نوع جديد، تمت تجربتها في العديد من البلدان، ليتم العمل بها على القناة الثانية كسابقة في العالم العربي . ولكن ومع الأسف الشديد، فقد اكتشف أن برنامج "الكاميرا المجنونة " الذي يُقدم على أساس أنه كاميرا خفية ما هو إلا تمثيل كذلك، وهو ما كشف عنه بعض هواة التَّصوير الذين كانوا قريبين من مسرح تصوير إحدى الحلقات التي لم تُبثّ بعد، و التي تظهر شخصا يحاول التقاط الكرة لرميها إلى أصحابها، ليفاجأ بمتنكر في زي "غوريلا" يخرج عليه من خلف حاجز و يخيفه.

 

أهمية التنوع الثقافي في مواجهة الانغلاق والتشدد

adil amirبالرغم من عملية الاجتثاث الكبيرة والتشويه المريع الذي تعرّض له جسد الأمة جغرافياً وسياسياً واقتصاديا .. وحيث أفلح الاستعمار في تمزيق عالمنا الإسلامي تمزيقاً لم يسمع بمثله..

فبعد إن كانت امتنا أمة واحدة ودولة واحدة وشعب واحد .. تم تقسيمها إلى أكثر من خمسين دولة صغيرة متناحرة متضادة تقطعها وتقسّمها الحواجز والحدود .. وإنه رغم ما يظهر من قتامة التمزيق وفعاليته في الإجهاز على الوحدة الإسلامية وعلى مشروع إحيائها واستعادتها,

فإن خطره وضرره ربما لا يصل إلى نفس مستوى الضرر الذي أحدثه ابتلاء الأمة بآفتي الجمود والتطرف.. لأن هذا اللون المدمر الفتاك أمتد إلى تمزيق الروح وقصف الفكر وتغيير الوجدان وتشويه معالمه, وهذا لا شك هو الأعظم أثرا والأقوى خطراً من أي تمزيق آخر أجمل خصائص تيار الجمود والتطرف وملامحه في نقاط مبيناً خطورة هذه الظواهر التي أفقدت أصحابها نور البصيرة ونعمة التفكر والتقدير السليم لأولويات الإسلام ومنها : الركود الفكري وتعطيل العقل مما أوقعهم في مهاوي التخبط والتقليد الأعمى لسيَر الماضين وطرق تفكيرهم وأساليبهم. غير أن ذهنية الجمود والتعصب والتطرف خرجت من كل استفادة منكفئة على ذاتها منعزلة عن العالم الخارجي وغير قادرة على قراءته لضيق النظر, فهم لا يرون عالم الآخرين وأفكارهم ويرفضون الاعتراف بحقهم في الحوار.. وإنه بجمودهم ونظرتهم هذه حمّلوا الإسلام ما ليس فيه, وشوهوا صورته وزيفوا حقيقته وذلك بسبب قلة الفهم والعلم والإخلاص فيهم,

وإن من أبرز مظاهرهم: عدم الإقرار بمبدأ التعدد والتنوع في الرأي إضافة إلى انغلاق الفرد وجموده على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الأمة وقضاياها.. الميل إلى التشديد والتضييق والتزمت مع الغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة وسرعة الغضب مع التحرك كدعاة بخلاف الهدي الإلهي﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾النمل125

يُعد مفهوم التطرف من المفاهيم التي يصعب تحديدها أو إطلاق تعميمات بشأنها، نظراً إلى ما يُشير إليه المعنى اللغوي للتطرف من تجاوز لحد الاعتدال. وحد الاعتدال نسبي، يختلف من مجتمع إلى آخر وفقاً لنسق القيم السائد في كل مجتمع. فما يعتبره مجتمع من المجتمعات سلوكاً متطرفاً من الممكن أن يكون مألوفاً في مجتمع آخر، فالاعتدال والتطرف مرهونان بالمتغيرات البيئية والحضارية والثقافية والدينية والسياسية التي يمر بها المجتمع. وقد حاولت العديد من التوجهات النظرية معالجة وتفسير الاتجاهات المتطرفة وتحديد أبعادها ومسبباتها وخصائصها لدى الشباب.

هذه التوجهات النظرية المتعددة لم تكن متضاربة في تحليلها، ولكن يرجع هذا التعدد والتنوع إلى تباين وجهات النظر في معالجة الجوانب المختلفة لتلك الاتجاهات في علاقتها بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع. كذلك يرجع هذا التنوع في المنطلقات النظرية التي تعالج تلك الاتجاهات المتطرفة في ما يتعلق بأوضاع الشباب واتجاهاتهم وقيمهم السلوكية وحركاتهم السياسية إلى نماذج الامتثال والمسايرة والرفض والمغايرة مع النسق القيمي السائد في المجتمع.

إن الشخصية المتطرفة ما هي إلا إفراز طبيعي للتناقضات الاجتماعية والسياسية للمجتمع، تظهر في أشكال وصور مختلفة، منها انتهاك القواعد التي أرساها المجتمع كقيم اجتماعية تميزه، وإظهار العداء المقصود تجاه ما اعتمده المجتمع لنفسه وأفراده من أيديولوجيات وعادات وتقاليد، ويتجسد هذا الرفض المقصود والعداء السافر في أعمال التخريب، والخروج عن المشاركة الاجتماعية، والابتعاد عن الجماعة ومخالفتها، بصورة فردية أو جماعية أو تنظيمات متطرفة.

يعتمد التطرف اتجاهاً عقلياً وحالة نفسية تُسمى بالتعصب Prejudice للجماعة التي ينتمي إليها، والتعصب حالة من الكراهية تستند إلى حكم عام يتسم بالجمود وعدم المرونة، وأنه قد يكون على مستوى الإحساس، وقد يُعبر صاحبه عنه. وقد يوجه إلى جماعة بكمالها أو إلى عضو فرد يمثل هذه الجماعة. ويُلاحظ أن الأكثر ميلاً إلى اعتماد النظرة التعصبية هم المتطرفون. وفي حالة غياب الحوار واللغة المشتركة، يكون الدفاع المتشدد عن المبادئ التي يؤمن بها الفرد المتعصب.

إن التعصب هو انحراف عن معيار العقلانية لعدد من المعايير السلوكية المثالية، يكون على شكل حكم متعجل، ورفض تعديل مسبق أو تعميم مفرط، أو التفكير في إطار القوالب النمطية، ورفض تعديل الرأي في ظل ظهور دلائل جديدة، ورفض السماح أو الاهتمام بالفروق الفردية.

وبالتالي فالمتطرف المشحون بصبغة تعصبية وغالباً ما ينعزل عن الفكر السائد، خاصة في الحالات التي يمثل فيها الأقلية عن الأغلبية. وقد يصل التطرف إلى نهاية مقياس الاعتدال، إما بسبب شطط في الأفكار أو السلوك، أو بسبب أساليب قمعية يقوم بها النظام مع معتنقي هذا الفكر. ويتحول المتطرف من فكر أو سلوك مظهري إلى عمل سياسي. هنا يلجأ المتطرف إلى استخدام العنف في تحقيق المبادئ التي يؤمن بها الفرد أو جماعته الدينية أو السياسية أو الفئوية. وعندما تستطيع الجماعة المتطرفة أن تحقق بعض الانتصارات، أو تملك وسائل العنف والقوة، قد تلجأ ـ سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي أو الدولي ـ إلى استخدام الإرهاب الفكري أو النفسي أو المادي ضد كل من يقف عقبة أمام تحقيق أهدافها.

 

عن منع عروض "وطن على وتر" وقمع الإبداع ..!

shaker faredhasanقبل عدة شهور نشروا بوستراً على شبكة التواصل الاجتماعي "الفيسبوك"، تضمن تكفيراً لعدد من المبدعين والمثقفين الفلسطينيين المقيمين داخل الخط الأخضر، وأهدروا دمهم جرّاء مواقفهم الفكرية والسياسية إزاء المؤامرة على سورية وتجاه ما جرى في مصر من عزل محمد مرسي والإخوان المسلمين عن سدة الحكم، وقبل أسابيع هاجموا العرض المسرحي "وطن على وتر" في أم الفحم عبر بيان هجومي وتحريضي سافر، وفي الأسبوع قبل الماضي منعوا بالقوة العرض نفسه في الطيرة وعكا وفي عدد من القرى والبلدات العربية بحجة الإساءة للشريعة والإسلام، وفي الوقت نفسه اعترضوا ومنعوا عرض الفيلم العربي "المخلص" في مدينة سخنين.

هؤلاء هم مجموعة من الشيوخ المتاسلمين الداعشيين والأصوليين السلفيين المتطرفين التابعين والمنتمين للحركة الإسلامية ممن يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين والمجتمع وفكره وحرياته دون أن يخولهم أحد بذلك . وتندرج سلوكياتهم وممارساتهم التعسفية في إطار الكبت والإرهاب الفكري والتحريض الكلامي والقمع الثقافي وتكميم الأفواه والتعدي على حرية التعبير والتفكير، وحرية الرأي والموقف والفكر والمعتقد وحرية الإبداع. وتشكل هذه الظواهر والممارسات المرفوضة محاولات بائسة لزرع الفتنة وضرب النسيج الوطني والاجتماعي الوحدوي لشعبنا، وتضييق الخناق على حيز الإبداع وهامش الحوار المنفتح.

إن منع عروض "وطن على وتر" يعتبر تراجعاً خطيراً وتدهوراً ثقافياً مقلقاً يقوض منجزات شعبنا الثقافية وحرية المعتقد والفكر والعقيدة والإبداع الفني والثقافي، وبمثابة اعتداء ودوس فاضح على الحريات والنقاش العقلاني والجدل الفكري والأيديولوجي الحضاري في المجتمع، وينم عن رؤية وفكر وطرح أحادي لا يرى إلا نفسه، ويعادي كل فكر تحرري وتقدمي ونقدي متنور، ويعتدي على كل من يخالفه الرأي ووجهات النظر، وهذا هو صلب العقيدة والمنهج التكفيري الذي ينحدر من المنبع الفكري الوهابي .

إننا إذ ندين عمليات المنع والتهديد والوعيد والترهيب التي قامت بها المجموعات التكفيرية المتأسلمة من نشطاء الحركة الإسلامية، ونرى فيها أمراً خطيراً يعيد إلى أذهاننا محاكم التفتيش، وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء، وتأسيساً لمرحلة جديدة في غاية الخطورة تتعلق بالحريات العامة وخاصة الأعمال الفنية الإبداعية، وندعو ونناشد جميع قوى الخير والنور والتقدم في مجتمعنا وكل المؤمنين بحرية الكلمة وحرية الرأي التصدي لكل الممارسات التكفيرية القمعية وفرض الأفكار والمعتقدات بالقوة والعربدة، وضمان حرية التعبير للجميع .                                                                                      

تكوين الأفكار!!

التوجه الجديد في المجتمعات المتقدمة ومنذ الدراسة الإبتدائية وما قبلها، يسعى نحو تعليم التلاميذ آليات وكيفيات تكوين الفكرة وإسنادها بالحجج والأدلة، لكي تبدو واضحة وذات قوة وقدرة على الإقناع والتفاعل والعطاء.

أي أن التلاميذ يتعلمون كيف يفكرون ويتفاعلون بعقلانية ومنطقية، وسببية ذات معالم واضحة ومشتركة.

فالفكرة لابد لها من البراهين لكي تعطي المعنى وتؤسس للدور الجدير بها.

وفي هذا التوجه تحفيز لقدرات الإدراك وتأهيل العقل لكي يكون المنار، والقوة الفاعلة في رسم معالم السلوك.

ومحاولة جادة ومثابرة للإرتقاء بالإنسان بعيدا عن العواطف والإنفعالات، والإندفاعات الهوجاء التي تورثه الويلات والتداعيات، إذ يتعلم التلميذ صناعة الرؤية والموقف ووجهة النظر، التي قد تتغير إذا وجدت حجة قادرة على ذلك، أي أن ما يراه لا يتمترس في صناديق إنفعالية عاطفية، وإنما يكون جاريا في نهر الحياة، ويتعرض لتحدياتها وإختباراتها، وأمواجها الفكرية والثقافية والإدراكية.

وفي هذا الأسلوب من التعليم تشجيع للعقول على الإبداع والعطاء الأصيل، وتأهيل للإبتكار والإتيان بما هو جديد.

فعندما يتعلم التلاميذ كيف يفكرون ويكوّنون الفكرة، فأنهم سيستخدمون عقولهم بوقت مبكر، وسيحققون إضافات حضارية في أعمار لا تتجاوز العشرين، ذلك أن عمر الإبداع الحقيقي والتغيير الجوهري، يكون مسلحا بأدوات التعبير الخلاق عن إرادة التجدد وصناعة الأصيل.

إن هذا السلوك يحدد الفصل ما بين المجتمعات المتقدمة والمتأخرة، ويرسم معالم المستقبل، حيث ترى التلميذ في مجتمعات متأخرة مطمورا بالعواطف والإنفعالات، ولا يمتلك قدرات التفكير الحر المعزز بالبرهان والحجة والدليل، ولا يستطيع التعبير المنطقي عن الفكرة بالكلام والكتابة، وإنما يحتار فيما يقوله ويكتبه.

وهذا واضح في معظم المقالات المنشورة في صحف تلك المجتمعات، إذ يبدو فيها الإنفعال سائدا والعقل والمنطق مغيبا، وكثيرا من السب والشتم وإستخدام المفردات النابية والمنفعلة، التي تدريك بأن صاحبها لا يمتلك شيئا من أدوات المنطق، وقدرات تكوين الفكرة وتعزيزها بالأمثلة والحجج، التي توضحها وتزيد من صحتها ودرجة صوابيتها.

وهذا يعني أن معضلة التأخر تربوية بحتة، ومن صنع الأجيال، التي لا تعرف كيف تبني حاضرها وتسعى لمستقبلها، ومَن لا يعرف تربية النشأ الجديد، لا أحسبه بقادر على إمتلاك مستقبل زاهر.

وما يجري في واقع معاناة المجتمعات أن الأجيال تُربّى على تفاعلات سلبية فاسدة مناهضة لذاتها وموضوعها ومدمرة لكيانها الوطني والإجتماعي، وبعاطفية عالية متأججة لا يمكن للعقل أن يكون له دور فيها، وإنما هي سَوْرة إنفعالية ذات طاقات تدميرية وتخريبية هائلة، وبسبب ذلك تجني المجتمعات المزيد من التداعيات والصراعات الخاسرة، ولا يمكنها الخروج من مأزقها الأليم، إلا بإعادة النظر بآليات تربيتها وتفكيرها ورؤيتها، والإرتقاء بأبنائها إلى مدارات العقل والمنطق، والنظر الحضاري المعاصر الرشيد.

فهل سنفكر أم سنبقى في دوامة المنفعل؟!!

 

د-صادق السامرائي

معلومات إضافية