أقلام ثقافية

هل سَرَقَ جبرَان؟

freeyad ibrahimأثناء قرائتي لمؤلف النّبي للكاتب والشاعر والرسّام اللبناني-الأمريكي جبران خليل جبران تعثرت على بعض السرقات الأدبية. وفيما يلي بعض منها:

نص نثري لجبران:

"اليسَت الكأس التي تترعونها خمراً عين الكأس التي احترقت في مَوقدِ الخَزّاف؟"

يقابله نص شعري لعمر الخيّام:

وَجَامٍ يَرُوقُ الْعَقْلُ لُطْفاً وَرِقَّةً وَيَهْفُو عَلَيْهِ الْقَلْبُ مِنْ شِدَّةِ الْحُبِّ

تَفَنَّنَ خَزَّافُ الْوُجُودِ بِصُنْعِهِ وَيَكْسِرُهُ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ عَلَى التُّرْبِ

نص نثري لجبران:

" ثم أليس النّاي الذي يشجوكم بألحانه عين الخَشَبة التي حفرت السكين أحشاءّها؟"

يقابله نص شعري للشاعر الفارسي نظامي كنجوي المتوفى عام 1228 ميلادية.

(النص الأصلي باللغة الفارسية):

بشنو أز ني جون حكايت ميكند

أز جداييها شكايت ميكند.

وترجمتي له:

أنصت الى الناي كيف يحكي قصته

ويبث شكواه من الفراق ويبكي محنته

ومن الملاحظ ان في هذا النص الشعري تشبيه تمثيل: أي صورة بصورة

(ضمنيا): أي صورة العاشق الذي يبث شكواه لهجر الحبيب بصورة الناي الذي أُجبر على هجر موطنه: مزرعة القصب- فالنّاي عادة (أو كانت) تصنع منه. والثقوب التي حفرتها السكاكين في جسد الناي شبهت بأفواه تشدو شاكيا الم هذا الفراق .

أعود واقول قد تكون هناك علاقات تناص بين نصين، ولكن الذي حدث بين جبران والخيام وبينه وبين نظامي لهو شئ مختلف. فلو كان المستعار هو فكرة من جنس المستعار منه فيسمى هذا اقتباسا او استعارة.

فمثلا يقول أو علاء المعري المعري:

خفف الوطء فما اظن اديم الارض الا من هذه الأجساد

وبالمقابل يقول الخيام:

أجلُ عن وجهك الغبار برفق

فهو خد لكَاعب حسناء

فهنا استعارالخيام فكرة من المعري من جنس المستعار منه وهي استمرارية العالم في الأنحلال والتركيب دون انقطاع .

وان كان المستعار من عين المستعار منه وهذا الذي حدث بين جبران والشاعريين الفارسيين فيعد الأمرسرقة أدبية (حلالا كانت أو حراما).

فلفظة خزف وكأس- لفظتان خياميتان محظتان- لم يسبق اليهما أحد- فلو استخدم جبران ألفاظا أخرى مستقاة من جنس الفكرة لكان لي نظرآخر.

وهكذا فان لفظة (ناي) المعبّرة عن ألم الفرقة عن الموطن والخلان لهي لفظة بل ظاهرة نظامية كنجوية بحتة لم يسبقها اليها احد كما اعلم!

و ممن يقرب وجهة نظر السرقة خاصة أن جبران استخدم كلا اللفظتين (كأس والخزّاف) معا و في نفس المكان.

وبالمناسبة ليست هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها جبران اللفظتين مقترنتين. فقد فعل ذلك- في اماكن أخرى كما في (ولأن الكأس التي يقدمها لكم وان هي حرقت شفاهكم فالطين الذي صنعت منه هو الطين الذي بلله الخزاف – النبي - باب الألم: ص 106)

وكذلك استعار جبران خليل جبران من فريدريك نيتشة ، خلاصة رأيه في الأديان عامة. فقد كتب الفيلسوف الألماني: (أرى أن الدين يستخدم بطريقة نفاقية مرائية ريائية. فرجال الدين ومسني الشرائع يحرمون على عامة الناس متع الحياة ومباهجها وملذاتها لا من اجل الدين ونشره وحمايته ولا من اجل نشر المحبة والطيبة والفضيلة فحسب بل لأن هؤلاء هم أنفسهم محرومون من هذه المتع والملذات أصلا لسبب أو لآخر وبسبب القيود التي فرضها عليهم معتقداتهم انفسهم ، فيجدون سعادة ومتعة حقيقية في شجب والتنديد بكل من يريد ان يحيى حياة حرة بلا أغلال ولا قيود. غيرة وحسدا.)

ويقول جبران خليل بما يشبه نظرية نيتشة:

(ما قولكم في الكسيح الذي يكره الراقصين؟

وفي الثور الذي يحسب الظبي والأيّل في الغاب من المخاليق المتشردة؟

وفي الأفعى الهرمة التي تعذر عليها نزع جلدها فباتت تعيب على غيرها من الافاعي العري وقلة الحياء؟

وفي الذي يبكر في الذهاب الى العرس حتى اذا تخم من كثرة الأكل عاد من العرس وهو يقول ان كل الولائم هَتكٌ للقانون، وكل الذين يشتركون فيها يمتهنون الشريعة؟

– البني- ترجمة ميخائيل نعيمة ص 96)

وأجزم بأنه هناك معاني وصور اخرى استعارها جبران من شعراء وكتاب آخرين وخاصة الشاعر الأنكليزيى (وليم بليك) المتوفي قبل ولادة جبران بنصف قرن تقريبا. وربما سيصبح هذا البحث مادة لمقال لاحق.

وأعود لصياغة نظريتي توخيا للشمولية:

(لو كان المستعار من جنس المستعار منه فهو تناص أو إقتباس أو توارد الخواطر

والأفكار، ولو كان من عينه فهو سرقة).

 

فرياد ابراهيم (الزّبَرجَد)

 

جولـة مع الاسم (يارا)

faroq mawasiإلى يارا تميم الأسدي، وإلى كل يارا تحب أن تعرف معنى اسمها:

ولا تنسوا أن تشاهدوا فيروز في أغنية (يارا):

وصل إلي أكثر من استفسار كتابةً ومخاطبةً عن اسم (يارا) وكيف أضيف إلى الأسماء العربية؟

أقول ثمة أسماء كثيرة من أسامينا بحاجة إلى شرح المعنى، وبداهة فمن الضروري أن يعرف الفرد منا معنى اسمه الذي يصاحبه ليل نهار وفي السراء والضراء، بل هناك من يحب أن يعرف من سبقه إلى هذا الاسم - إذا أمكن- .

فإذا كان الاسم قديمًا ومن التراث وأعلامه فعلينا - مثلاً - بكتاب الاشتقاق لابن دريد ، فثمة شرح لمعانٍ مثل : هشام ، لؤي ، سفيان وعثمان ....إلخ

وهناك مصادر حديثة عربية تتناول معاني الأسماء، أذكر منها:

موسوعة أسماء الناس ومعانيها (جزءان) – إعداد جمال مشعل .

موسوعة الأسماء لحسين بركات .

معجم أسماء العرب بإشراف جامعة سلطان قابوس – 1991 (جزءان)، وقد أعده محمد بن الزبير، بالتعاون مع الهيئة العلمية المؤلفة من: السيد محمد بدوي، فاروق شوشة، محمود فهمي لحجازي وعلي الدين هلال.

وأذكّر إن نفعت الذكرى أن في صفحتي هذه قبل أيام تحدثت عن اسم (رلى) فمن فاته الأمر فليعد، ولن يخسر!

لنأت إلى الاسم يارا:

ذكر حسين بركات أن الاسم مستحدث لا أصل له.

لكن "معجم أسماء العرب" استقصى المعنى، ورأى أن الاسم هو فارسي الأصل – من كلمة (يار) - المادة الأصلية للمصدر الفارسي (يارَستَــن): بمعنى قدرة واستطاعة وتمكُّن. وقد أُلحقت به اللاحقة الفارسية (الألف) التي تفيد اسم المعنى. وتبعًا لذلك فلفظة (يارا) محرفة عنها. بينما نجد أن معنى (ياره) في لغتهم: سوار، طوق، جرأة.

وقد بحثت في معجم فرهنك فارسي – عربي لمؤلفه محمد حسن بوذرجمهر (دار نوفل ، بيروت – 2002) فوجدت أن (يار) تعني صديق، رفيق، مساعد، محب، وأن ( يارا) و( يارئي) و (يارﮝــي yargi) تعني كل منها : العزم والجرأة.

وهناك اللفظة التركية (يارا) بمعنى الجرح، وأنا أستبعد ذلك .

ومن يدري فقد تكون التسمية محرفة عن (أيار)، وهو في الأصل لفظ سرياني سمي به شهر الربيع المعروف لنا، بل المعروف لدى العرب قديمًا، فهذا أبو العلاء المعري ينشد:

تشتاق أيار نفوس الورى

                                     وإنما الشوق إلى وِرده

فهل تبغي فتاة أجمل من هذا المعنى، ويرى من يدعوها أنها شهر الربيع؟!

غير أن الاسم (يارا) عرفناه اسمًا لديوان شعري أصدره الشاعر اللبناني سعيد عقل سنة 1960– دعا فيه أولاً إلى الفينيقية، وثانيًا إلى الكتابة بحرف لاتيني. وفعلاً صدر ديوانه بحرف لاتيني مع أن الكلمات عربية – وقد يكون ظنًا من الشاعر أننا نلحق بذلك العالم الغربي المتحضر؛ وظنًا كذلك منه أن هناك ضرورة لتغيير الحرف العربي بسبب كثرة أشكال بعض الحروف (نحو الهاء- مثلاً).

وخابت التجربـــــة غير مأسوف عليـــها!

(ملاحظة في هذا السياق : بحثت عن كتاب "يارا" لضرورة بحثية، فليتني أحصل على تصوير له!)، فأرجو ألا يضن به من يملكه.

أما شهرة الاسم (يارا) فقد تأتــــت – حسب تقديري – مؤخرًا، وذلك بعد أن غنت فيروز أغنيتها الرائعة (يارا)، وهي أغنية عذبة في كلماتها وفي غنائها- وللمشاهدة:

http://www.youtube.com/watch?v=4ZnHASkopzA

وإليكم الأغنية التي كتب كلماتها سعيد عقل (وبحروف عربية):

يارا

يارا الجدايلـــها شقر

الفيهن بيتمرجح عمر

وكل نجمة تبوح بسرارا

يارا

الحلوي، الغِفي عا زندها خيا الزغير

وضلت تغني والدني حدا تطيـــر

والرياح تدوزن أوتارا

يارا

الحلوي الحلوايي تعبو زنودها

ونتفي واصفرو خدودها

وبإيدها نعست الاسواره

ولمن أجت يارا

تحط خيا بالسرير

تصلي: "يا ربي صيّروا خيّــي كبير"!

وللسما ديها، هاك الدين الحرير

انلمت الشمس وعبّت زوارا

 

نشرت المقالة أولاً في صحيفة "فصل المقال" 3 أيلول 1993.

....................................

 

بعد أن نشرت المقالة كانت هناك مشاركات جميلة أودعتها كتابي في اللغة- "من أحشاء البحر".باقة الغربية: إصدار أكاديمية القاسمي- 2007، ص 202-210.

ومن أجمل المشاركات ما كتبه صديقي في أستراليا الأديب اللبناني حبيب فارس، حيث واصل البحث مع صديقة باحثة إيرانية، حتى أجمل وأرسل لي:

وردني من صديقتي الإيرانيّة ما يلي:

1) تستخدم كلمة يار على هذا النحو: صديق – شريك - رفيق – حبيب.

عندما يضاف إليها (الألف) الذي يوازي حرف النداء (بالعربية)، يصبح معنى يارا: يا صديقي – يا شريكي – يا رفيقي – يا حبيبي ...

مثال على ذلك هذا البيت من قصيدة للشاعر حافظ:

ده روزه مهر كَردون افسانه است وافسون نيكى بجاى ياران فرصت شمار يارا*

معناه:

[هذه الأيام العشرة من غزْل الشمس هي كالأسطورة والوهم، فكن كنزًا لطيفاً مع أصدقائك يا حبيبي] .

هنا وردت كلمة يارا بمعنى (يا حبيبي).

2) الاستخدام الثاني لكلمة يارا: سلطة – إرادة - قوّة - شجاعه – جرأة – قدرة ...

أمثلة على ذلك:

- بيت من قصيدة للشاعر عنصري:

به نام ايزد جونان شده ست همت او كه نيست كس را ياد خلاف او يارا**

معناه:

[إرادته هي التي أوصلته لهذا المستوى، إن شاء الله، أحداً لن يجرؤ أن يجعلها ضدّه]

في هذا البيت وردت كلمة يارا بمعنى (إرادة).

- بيت من قصيدة الشاعر العطار:

در آن مقدام كه خورشيد وماه جمع شوند نه ذره راست مجال ونه سايه را يارا**

معناه :

[عندما تستوي الشمس مع القمر لا وقت للخليّة أو قوّة للفيء]

هنا جاء معنى يارا (قوّة).

- بيت من قصيدة الشاعر سعدي:

نبايد زدشمن خطا در كَذاشت كه كَويند يارا ومردى نداشت**

معناه :

[لا أحد ينبغي أن يتجاهل العمل الخاطىء للعدو، لأن ذلك يعني انعدام الشجاعة والرجولة]

هنا جاء معنى يارا (شجاعة).

* ديوان حافظ (اللغة الفارسيّة): حرّره وقدّم له هـ . إ . سايح (اسمه الحقيقي هوشانغ إبتهاج) – 2002- طهران، إيران ، دار نشر كارنايم.

 

** معجم دهخودا (اللغة الفارسيّة).

استنتاج : إذا كان إسم (يارا) مأخوذًا من الفارسيّة، فالأرجح أن يكون من الاستخدام الثاني لكلمة (يارا)، لأنها كلمة كاملة لم تخضع للإضافة أو الحذف، وبذلك يكون معنى (يارا) الأكثر قرباً للمنطق: شجاعة ، جرأة ، إقدام ...إلخ.

أرجو أن تفيد هذه المعلومات البحث.

 

.........................

*ملاحظة: في كتابي المذكور أعلاه اجتهادات أخرى لمن أحب أن يتابعها.

 

آلوندرا دي لا بارا وآرتورو ماركيز .. قيثارتان مِن بلاد السِحر والجَمال

المايسترو سنيورا "ألوندرا دي لا بارا" هي أميرة فاتِنة في الـ33 مِن عُمرها، تعشَق الموسيقى وتعزفها بمَهارة وتحمِل شَهادة الماجستير في مَجال قيادة الفرق السمفونية، تقيم حالياً بالولايات المُتحدة الأمريكية، لكن جذورها مِن المَكسيك تلك البلاد الجَميلة الساحِرة بعَظمة حَضارتِها وطيبة شَعبها. رَغم صُغر سِنّها إلا أنها اليوم واحِدة مِن أشهَر قادة الفرق السمفونية، ومِن أجمَل مَن حَمَلت أنامِله عِصي قيادتها، ولدَيها اليوم فِرقتها الخاصة التي قامَت بتأسيسِها عام 2004 في نيويورك لدَعم المَواهِب الموسيقية الشابة في القارة الأمريكية، أسمَتها أوركسترا الأمريكتين. قبل أشهُر إستضافتها أوركسترا برلين لقيادَتِها في حَفلة سمفونية عُزفت فيها 6 مَقطوعات لمُؤلفين موسيقيين مِن أمريكا اللاتينية حالفني الحَظ لحُضورها والإستمتاع بها. تجربة نادرة لا تتكرّر يومياً أن يرى المَرء إمرأة تقود بحِرفية وإقتِدار وبلمسَة أنثوية فرقة سمفونية تعزف مَقطوعات تجمَع بَين موسيقى أمريكا اللاتينية بخصوصِيّتها التراثية المَعروفة وبَين البناء السمفوني الأوركسترالي.

مِن المَقطوعات التي عُزفت بالحَفل كانَت"أل تروبيكو" للموسيقار المَكسيكي كارلوس شافيز، و"تانغازو" للموسيقار الأرجنتيني آستور بيازولا، و"هابانغو" للموسيقار المَكسيكي خوسيه بابلو مونكايو، لكن أبرَزها وأجمَلها كانت مَقطوعة "دانزون رقم 2 / Danzón no. 2" للموسيقار المَكسيكي "آرتورو ماركيز / Arturo Márquez" التي ترَكت في نفسي كما في نفوس أغلب الحاضرين أثراً جَميلاً دَعانا للتصفيق مُطالبين بإعادة جُزء مِنها في نهاية الحَفل، والتي أحبَبت أن أتحَدّث عَنها في هذا المَقال.

(دانزون رقم 2) مَقطوعة ضَخمة كتبَت للأوركسترا بمُرافقة البيانو ويَستغرق عَزفها قرابة 10 دقائق، ألفها عام1994 الموسيقار المَكسيكي آرتورو ماركيز الذي ولد سَنة 1950 ولايزال على قيد الحياة، والذي إمتاز باستخدامه للموسيقى المَحلية المَكسيكية وتطويعَها في قالب أوركسترالي، وعَزفتها لأول مَرة بنفس السَنة أوركسترا المَكسيك السمفونية بقيادة فرانسيسكو سافين، وترافق ذلك مَع انتفاضة حَركة باتِستا ضِد الحُكومة المَكسيكية. هي حَتى الآن المَقطوعة الأشهَر لماركيز مِن ضِمن8 مَقطوعات دانزون، فمُنذ عزفِها لأول مَرة قبل 20 عاماً أصبَحَت واحِدة مِن أشهَر المُؤلفات العالمية سَماعاً وعَزفاً بالحفلات الموسيقية الى جانِب أشهَر مُؤلفات أساطين الموسيقى العالمية، ليسَ فقط بالمَكسيك حَيث تعتبر النشيد الوطني الثاني بَل في كل العالم، وهو أمر سَنفهَمُه ونحسِّه إذا إستمَعنا للمَعزوفة بتركيز وإمعان، فهذه المَقطوعة هي خلطة سِحرية وتجسيد رائِع للموسيقى المَكسيكية التي لا يُمكن مُقاومة أنغامَها المُثيرة الراقِصة عِند سَماعِها ولكن في قالب سمفوني رَصين وبناء أوركسترالي أخّاذ.

لابُد مِن الإشارة الى أن موسيقى الدانزون هي بالأساس مُوسيقى راقِصة كوبية الجذور ولها أيضاً شَعبيّتها في المَكسيك وبورتو ريكو، وهي تعتبر في دُول أمريكا اللاتينية كالفالتز Waltz في الدول الأوروبية، وقد كان آرتورو ماركيز مُبدعاً وفذاً في تجسيد طَبيعة هذه الموسيقى بمَقطوعتِه الرائِعة "دانزون رقم 2". تبدأ المَقطوعة بلحن رَئيسي أول هاديء بطيء على الكلارنيت والأوبو يَأخـذ بالإسراع شَيئاً فشَيئاً بمُشارَكة الوَتريات، ثم يَتوقف هذا اللحن بدُخول البيانو مُنفرداً مُمَهداً لصُعود كل الأوركسترا وبداية عَزفها للحن الرَئيسي الثاني القوي السَريع الذي يُجَسّد روح الرَقص اللاتيني إلى أن يَصِل للذروة، بَعدَها يَنخفِض أيقاع العَزف مُجَدداً ليُعيدنا للحن الرئيسي الأول تدريجياً مَع البيانو وكمان مُنفرد يَتبَعَهُما دُخول مَهيب شاعِري للوَتريات ثم الهَوائيّات يَنتهي بوقفة تمَهّد صُعود الأوركسترا كامِلة في تسارُع لحني مُتقن البناء يُختتم بإعادة عَزف للحن الرَئيسي الثاني بقوة وسُرعة راقِصة وتناغُم ساحِر حَتى يَصل الى ذروة تنتهي بخاتِمة انفِعالية مُفعَمة بالعَواطف تليق بمِثل هكذا عَمَل يَبدوا أن مُؤلفه قد قرّر له مُسبقاً أن يَتخلد.

هي مِن وجهة نظري المُتواضِعة عَمَل رائِع ومُتكامِل يَستحِق الإستِماع والإستِمتاع بتوليفة أنغامِه الفريدة، وفي الرابط أدناه تسجيل لأوركسترا الأمريكتين السمفونية وهي تعزف مَقطوعة دانزون رقم 2 بقيادة مُؤسّسَتها المايسترو الوندرا دي لا بارا :

http://www.youtube.com/watch?v=onB1-1xt8Ic

 

مصطفى القرة داغي

السينما والقضية الفلسطينية

husam aldujaniالمقاومة أو النضال أدواته واشكاله متعددة، فهناك المقاومة الشعبية والمسلحة، وهناك مقاومة المقاطعة الثقافية والاقتصادية، وهناك نوع من المقاومة نحن بأمس الحاجة إليه كفلسطينيين وهو النهوض بالقضية الفلسطينية وتأصيل الحق التاريخي بفلسطين للرأي العام الدولي، وكشف زيف الادعاءات الصهيونية بأنها واحة الديمقراطية والسلام، وتصوير عنصريتها واجرامها ليكون شاهداً عليها أمام دعاة الانسانية بالعالم، وربما يلعب الفن وعلى وجه الخصوص السينما دوراً هاماً في تحقيق هذا الهدف، عبر تكثيف الاهتمام بصناعة الأفلام الوثائقية بكل اللغات العالمية لتعبر عن حقيقة الشعب الفلسطيني وما يتعرض له من بطش وارهاب من قبل الاحتلال الصهيوني.

وربما ما دفعني للكتابة بهذا الموضوع هو جهود بعض المخرجين الفلسطينيين لاستثمار هذا المجال في خدمة القضية الفلسطينية، ولعل ما سعى إليه المخرج الكبير سعود مهنا منذ عام 2011م وحتى اليوم لإنجاز مهرجان العودة السينمائي هو خير دليل على حجم التقصير الرسمي في دعم ومساندة هذا الجهد، ولم يكن السيد مهنا هو الوحيد، فقد وصلتني رسالة من المخرج الفلسطيني الشاب ابراهيم النواجحة والمخرج الشاب طارق حميد، تتضمن الرسالة فكرة القيام بعقد المهرجان العالمي للسينما الفلسطينية بجهود فردية ذاتية، وقد تواصلا مع العديد من المخرجين والجاليات الفلسطينية والعربية في الدول الغربية من أجل ترجمة الأعمال المشاركة بالمهرجان، وحسب ما أفاد النواجحة لي بأن هناك ست وثلاثين عملاً باتوا جاهزين لديهم، وأنهم بانتظار انجاز بعض الاعمال الأخرى، وهذا الجهد الفردي يحتاج لمأسسة ومساندة من صناع القرار، ومن قبل السفارات المنتشرة في ربوع المعمورة، وأن يكون ضمن استراتيجية عربية اسلامية لإعادة صياغة الرأي العام الدولي  بما يخدم المصالح القومية، فهناك ثلاث تصنيفات للجمهور وهي: الجمهور العنيد- الجمهور الحساس- الجمهور اللامبالي.

والجمهور الحساس على وجه الخصوص والذي يضم النساء والشيوخ والأطفال تؤثر به السينما تأثيراً كبيراً، ومن هنا نستطيع المساهمة في تشكيل رأي عام دولي مناصر للقضية الفلسطينية ولمشروعها التحرري، لذا اتمنى على الجهات المسئولة والحريصة على القضية الفلسطينية بأن تساند مثل تلك الجهود وأن تعمل على دعمها ومأسستها، من اجل تحقيق الهدف المنشود منها.

 

حسام الدجني

باحث في مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

 

رؤية من أجل الحياة

ahmad alhiliمرّت علينا وعلى العالم أجمع يوم 14 شباط ذكرى عيد الحب أو فالنتاين كما اعتاد الأوربيون والمسيحيون أن يطلقوا على هذا العيد، الذي يتبادل فيه العشاق التهنئة مع حبيباتهم، و(فالنتاين) لمن لا يعرف هذا الاسم هو أحد قديسي الديانة المسيحية، كان قسّيساً عاش في العاصمة روما في القرن الثالث الميلادي، عُرف عنه أنه كان يضطلع بدور إقامة الزيجات بين المتحابين، وكان يدأب على التوسط لإصلاح ذات بين العشاق إذا حصلت بينهم خصومة، ولكن السلطات الرومانية ألقت القبض عليه وجرى الحكم عليه بالإعدام .

بوسعنا أن نتساءل هنا ؛ ترى كيف تحولت فاجعة مؤلمة كهذه إلى عيد وكرنفال للفرح لم يسبق له مثيل؟

أعتقد أن الإجابة على مثل هذا السؤال تحتاج إلى أكثر من وقفة تأمل، لا سيما فيما يتعلق بمقدرة الشعوب الحية على تجاوز مآسيها الماضية والمحن والتي مرت بها في عصورها المختلفة، بحيث تتحول مثل هذه الوقائع، بمرور الزمن إلى معنى آخر يشير إلى الأمل ويكرّس المفاهيم والقيم الإنسانية، من الضروري جداً أن يحدث ذلك إذا أرادت الشعوب والأمم النهوض من كبواتها والانطلاق إلى الأمام بثقة لا تتزعزع .

بالنسبة لنا، بوسعي أن أرى أن النقيض من ذلك يحدث لدينا، فمجتمعاتنا، لا تتوافر لديها الرغبة في الانعتاق من الماضي المؤلم، بل ولا تتورع عن إضفاء هالات من القداسة على فعلها الكارثي هذا، ونلاحظ هنا أن هناك من يدأبون ويثابرون على تفريع المأساة وتعميق الجراح بغية استدار تعاطف الجماهير وضمان أن لا يخرجوا من هذا الطوق الحديدي الجهنمي .

كثيراً ما نسمع عبر المنابر وأثناء المجالس أن ثورة الإمام الحسين هي انتصار للمظلوم على الظالم، وأن الدم في هذه الثورة انتصر على السيف، طيّب هذا كلام جميل وفي الصميم، ولكن، ماذا بوسعنا أن نرى في واقع الحال؟

إن الذي نراه ويتكرر أمام أعيننا في كل عام هو استحضار مروّع لكل عناصر الحقد والكراهية وإذكاء للرغبة الجامحة في الثأر والقتل، إن الذي نراه هو أن الإمام الحسين يتم قتله وتقطيع أوصاله في كل عام مئات آلاف المرات على يد محبيه والموالين له بصفة خاصة، إنهم يعمدون إلى استحضار هذه الفاجعة بطريقة سوقية تكرّس القتل وتحتفي بالمأساة بل وأستطيع القول إن عملهم هذا يتضمن قدراً كبيراً من التشفّي، والإ فما معنى أن نقول إن ثورة الإمام هي انتصار للدم على السيف؟

كان الأحرى بالجميع أن يقيموا كرنفالاتهم ويحتفوا بدلاً من أن يتفجعوا ويلطموا .

 

(الفلنتاين) ألوان أونلاين وقلوب أوفلاين.!

ahmad ibrahimإن كنت ترى عيد الحب لونه أحمر، فلعلّك تعلم ايضاً ان (الأحمروالأبيض) لونان لايتجانسان قدرمجانسة (أبيض وأسود) في المحاكم أمام القضاة من الإبتدائية للإستئناف والتمييز، و(أحمروأخضر) في الشوارع أمام سيارات السير ومشاة المرور..!

ورغم ذلك نزل بابا الفاتيكان وهو أبيض وأبيض من الرأس لأخمص قدميه إلى ساحة الحب المكتظّة بأحمر وأحمر يدعو لبطولة عيد الحب، ويرتّل تراتيله للبطل والبطلة وهما أيضاً من الرأس للقدمين أبيض وأبيض، مهما تعددت أعدادهما إناثاً وذُكراناً، وتفاوتت أعمارهما شُبّاناً وأهراماً، وتنوعت ألوانهما أعراقاً وألواناً.

واللون الأحمر ليس بالضرورة أنه رمز الحب في كل مكان، فإنه أحياناً مؤشر النزيف والإستنزاف في أسواق الأسهم والبورصات العربية من جانب، ومن جانب آخر قد يدلّ على شلاّلات الدماء في دول الربيع العربي.!

إذ وعلى التيّار المعاكس لما فعله بابا الفاتيكان بساحة الحب في الجبّة البيضاء للورود الحمراء، فعل الآخرون بتفجير حافلة تقل سائحين كوريين بسيناء، فأسقوا عدسات الفضائيات الكأس الأحمر لثلاث جثث وأشلاء جثة رابعة، ونزيف اللون الاحمر لجروح العشرات في محافظة جنوب السيناء، حيث كان قد زارها 32 سائحا كوريا، لعلّهم كانوا يبحثون عن عيد الحب السلمي بالورد الأحمر بين معتنقي مذهبٍ إسمه إسلام وشعاره سلام.!

إلاّ أننا نتوقف هنا اليوم مع حرفين (حاء وباء: حبّ) لرأسين بحرفين (حاء وحاء: حب حلال) .. ونتسائل لماذا المحتفلون بحبّ فلنتاين الذين نعتبر حبهم من نوع آخر: حاء وحاء (حب حرام)، أنّ حمراوات حبهم الوردية تدوم دون خريف؟ .. وعيدُ حبهم ورورد تلو الورود حمراء وحمراء من المراهقة للشيخوخة ولحد دارالعجزة والنعوش.!

بينما حبنا (حاء وحاء: حلال حلال) يذوب ويتلاشي أحيانا في المهد قبل ان يلد أمام القاضي في المحاكم الشرعية، واحيانا في العش الزوجي قبل ان يفرخ، وأحيانا في القصور والفلل قبل أن يكتمل الديكور والأثاث، وأحيانا في الحفل قبل أن تطفأ الشمعة الأولى، ثم واحيانا في المطبخ قبل ان يتذوقا الكعكة الأولى.!

وقد إلتقيت قبل أعوام، في ساحة الحب لمدنية بودابست الهنغارية بسيدة تسعينيه على الكرسي المتحرك بجوار عجوز بعكازين، وضعت يدي على كتف العجوزة المرتعشة وأنا أمازحها، وكلّي ثقةُ بأن مزحتي لاتقطع رقبتي بسكين الغيرة البدوية العراقية من موصل لبغداد، ولايُهشم رأسي ساطور السيناء من أسيوط لأسوان .. لامست كتفها وأنا أهمس في أذنها بشفتين كادت تلامسها (انتِ نجمة يا سيدتي) .. فهز لي العرّيس القعيد جنبها رأسه المرتعش محييا مبتسما شاكراً لي على غزلي لعروسته، وأدارت العجوزة هى الأخرى رأسها دوران الرقبة الهزازة بالبطارية المحتضرة وهي ترد على غزلي: (وانت قمر يا أحمد) .. طبعا هي تعرف إسمي لأننا كنا في رحلة بحرية معا منذ ثلاثة أيام في باخرة واحدة فوق نهر دانوب، ونزلنا منها توّاً الساحة المشمسة لمدينة بودابست التي إحتفلت بعيد الحب في نهار مشمس يندر حصوله في الخريف الأوروبي، والكلّ سار يلوي على حبيتبه إلاّ أنا المسكين العزوبي الوحيد بينهم في الباخرة وفي الساحة، وحبيبته في دبي، لاتحب الأسفار الا بين المطبخ وغرف النوم، ومذهبه لايسمح له التصويت للوجه الحسن أينما وجد على أنها تحفة عيد الحب دون عقد القران أمام لحية القاضي.!

سألتها العجوزة كم رقم عيد حبكما هذا العام سيدتي.؟

فقالت انه الرقم ستّين يا أحمد، تزوجنا قبل ستين عاما وكل منا كان في الثلاثين من العمر.!

سألتها عن سرّ السعادة المستدامة منذ ستين سنة بإحمرار الورود، ودون إحمرار الخدوش والركلات.؟

فقالت وهى تشير الى العجوز القعيد، إنه يعاملني وكأنه لم يتزوجني بعد.! .. وكأنه متحمس لخطبتي من بكرة.! .. وفعلا إستمر يخطبني يوميا منذ ستين عام، يهمس في أذني كل صباح "أنا معجب بك وسأتزوجك إلليلة.!" .. وهكذا نحنا نحتفل كل صباح بفطور الخطبة، فيتبعها غداء النكاح وعشاء الزفاف، وهكذا من سفرة الفطور للعشاء يومياً كل منا يحاول ان يظهر للآخر أجمل ما فيه، ويتغاضي في الآخر أقبح ما فيه.!

ومن الصعب جدا على طرف إخفاء عيوب طرف، إن لم يتغاض الطرف الآخر عن عيوب الطرف الأول .. وإن إجتازاها تلك الصعوبة، فها هى الرحلة بدأت تتحول الى ثمن السعادة الزوجية الثمينة تعيد لهما عيد الحب كل صباح، ويتجدد لهما شهر العسل كل ليلة.!

- إذن عيد الحب ليس يوم الفلنتاين في العام باللون الأحمر...

- ولا شهرا من العمر ببرطمان العسل...

- وإنما هو العمر كله بقلوب للود والحب البقاء بأونلاين...

-   وللحقد والكراهية والعداء أوفلاين...

 

بودّي وإحترامي ....

أحمد إبراهيم – دبي

 

سجناء الأيقونة: جيفارا والمعري

لئن أردتَ أن تغتال عَلماً من الأعلام الساطعة في تراث الإنسانية، فما عليك سوى أن تحقن قدراً كافياً من سُمِّ القداسةِ الناقع في أوردة ذكراه؛ فسرعان ما تشحُب صورته وتشوه ملامحُه، فلا يعود هو نفسُه -إن بُعث من قبرِه- بقادرٍ على التعرف على وجهِه، ناهيك عن الآخرين.. لئن كانت بُغيتُك أن تسلبَ المرءَ عطرَ سيرتِه الرقراق، فلتمنحه قليلاً من أقمطةِ الألوهة المنمنمة بخيوط الذهب الساذج؛ فغلالات التقديس هي أخبث ضروب الأكفان وأثقلها وطأةً، هي سُجفٌ صفيقة تحول بين أعيننا المحملقة وبين الملامح المتفردة للإنسان الذي يقبع وجهه -خلف الأقنعة الذهبية- على شفا الدثور..

طالما كانت صورةُ جيفارا على "التيشيرتات" باهظة الثمن تستفزني غاية الاستفزاز، وتصيبني بنوعٍ من "الغثيان الروحي"، بينا بسمةٌ أليمة على وجهي تشهد عما يعتمل في جوفي من مرارةٍ يخالطها مذاق السخرية: "لقد ناضلتَ يا رفيقي خيرَ نضالٍ -حتى استوفيتَ أنفاسَ غربتِك- في معركتك مع الرأسمالية، لتصبح في النهاية صورةً -محض صورة- على باذخ أردية عدوك اللدود".. تتقلصُ البسمة بين شفتيّ حين إخال كل تيشيرت -تاحَ لناظريَّ ممهوراً بصورة جيفارا- رصاصةً "منسوجة" تخترمُ جسدَه: جسد جيفارا الذي أثخنته التيشيرتات الأنيقة بما يجاوز ما ألهبه من رصاصات معدنية، جسد جيفارا الذي يُصلب كل يومٍ على صُلبانٍ من القطن الفاخر تحمل أختام الرق الحداثي، أي أسماء الماركات الباهرة..

جيفارا -محنطاً على صدرِ المنسوجات- يؤنبني في الطرقات، يستصرخني أن أتجرد لإنقاذه وأمد يداً لأمحقَ الأيقونة التي تحيق به؛ فأشيح بوجهي خَجِلاً لا أُطيق حتى الاعتذار منه..

لم ينجُ -أيضاً- من سُمِّ القداسة وزنزانةِ الأيقونة أعظمُ شعراء مجرة درب التبانة: أبو العلاء المعري الذي ينطوي كل حرفٍ أملاه على رماحٍ يقظة وسيوفٍ مشهرة تنتصر للعقل وتذود عنه جحافل الظلمة وأرتال الخمول البليد.. شيخ المعرة الضرير الذي سلخَ عمره ينحت بأظافير نثره وبراثن شعره سبيلاً بيننا وبين نور الحق ذي اللهجة البليغة، ها هو يتلوى من ألم الحقنة الزُعاف..

يقول العلامة أحمد تيمور باشا في معرض حديثه عن وفاة أبي العلاء: "وقبره معروف إلى اليوم أي سنة 1327 بالمعرة، ولأهلها اعتقاد كبير فيه، ويزعمون أن الماء إذا بيت في قارورة عند قبره، وشربه في الغد صبيّ به حُبسة في لسانه، أو بلادة في ذهنه، زال ذلك عنه ببركة أبي العلاء".. هنا انتهى الاقتباس وقد رماني بثالثة الأثافي.. "ببركة أبي العلاء"؟.. أهنالك نكتةٌ أشدُ وقاحةً من هذي؟.. أأبو العلاء الذي ظلَّ يحارب الخرافة وينتهب من لحمها المترهل بسياطٍ غير شفيقة من كتاباته، يصيرَ قبرُه لقمةً دَسِمة في فمها الفاغر، أقائل "كذب الظن لا إمامٌ سوى العقلِ مشيراً في صبحه والمساء"، يصيرَ قبرُه موطناً لخرافةٍ كذوب؟!..

كم كان شيخ المعرة يُدين تلك الحوانيت الشائعة –في كل العصور- التي يقصدها البسطاء؛ ليبتاعوا منها سلعَ الخرافة المشحونة بسراب الوعود دافعين عقولهم وإرادتهم (وبالطبع بضع دنانير من قوتهم الشحيح) ثمناً لها.. أكادُ أظنُ أن المعري لو لمح في مرايا الغيبِ أن قبره سيصير حانوتاً للمعجزات وقِبلة زائفة للطالبين الشفاء لأدواء أبنائهم، لما تردد هنيهةً في الانتحار (أو على الأقل التوقف تماماً عن الكتابة).. لقد قال شاكياً "أراني في الثلاثة من سجوني.. فلا تسأل عن الخبر النبيث.. لفقدي ناظري ولزوم بيتي.. وكون النفس في الجسد الخبيث"، ولم يكن يعلم أن سجناً رابعاً سيُضاف إلى سجونه وما أضيقه من سجنٍ: التقديس، أن يصير مجرد "بركة"..

في الليلة التي قرأتُ فيها النص المذكور آنفاً عن قبر المعري، ظللتُ أرِقاً، وفي حلقي غُصةٌ، أو بالأصح، وفي حلقي قارورةٌ كالقوارير التي يغُص بها حلق قبر المعري ولكن قارورتي كانت مترعةً بالرماد الآسن عوضاً عن الماء.. غافلني النومُ، فإذ بي وسط ضبابٍ أحمر كثيف.. تهللتُ لذلك؛ لأن الأحمر كان اللون الأكثر وفاءً لذاكرة أبي العلاء.. كان يقول "لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأنهم ألبسوني حين جدرت ثوباً معصفراً، لا أعقل غير ذلك".. كنت أغذ الخطى مبهور الأنفاس لا أعرف وجهتي، فإذ بي في قبر أبي العلاء، أقعيتُ بإزاء القبر المطموس اللاصق بالأرض وأخرجتُ من حقيبتي المهترئة ضميمةً من الأوراق.. كنتُ أنتظر مجيء أبي العلاء لأعرض عليه ما تحويه الأوراق من نقاطٍ ألغزت عليّ من أعجوبته "رسالة الغفران" حتى يزيلَ عُجمتها المزمنة؛ فقد حال جهلي الغزير دون تفقُه معانيها.. وكنتُ قد أضمرت بين الأوراق بعضاً من النصوص الهزيلة التي تلعثم بها قلمي المتقزم؛ آملاً أن يُنقحها شيخ المعرة ويكشف لي ببصيرته الثاقبة عن سوءاتها.. انتظرتُ ولم يأتِ أبو العلاء فأصابني خدرٌ وافترستني القيلولة..ثم استفقتُ من القيلولة -ولم أزل في الحلم- لأجد أكداساً من القوارير قد اجتاحت تربة القبر وزاحمتني المكان.. كانت القوارير تصدر ضجةً عالية: آلاف الصراخات وقد انصهرت في بوتقةٍ واحدة لفمٍّ مصروع.. في غمرة الغضب انتصبتُ، وشمَّرتُ عن ساقيّ كي أسحق أكداس القوارير الصواخب كما لو كانت عقارباً تترصدني.. انسكب الماء من أحشاء القوارير المهشمة، فإذ به يستحيل أسراباً من الجراد تهوِّم في الهواء مدمدمةً، تنقض على أرواقي المبعثرة لتلتهمها ولا توفر منها شيئاً، ثم تلتف إلى موضعي وأزيزها يصُم أذنيّ.. هرولتُ مغمض العينين مذعوراً وأسراب الجراد تلاحقني، وإذ بصوتٍ يشق أجواز الفضاء قائلاً: "قالوا العمى منظرٌ قبيح.. قلت بفقدي لكم يهون.. والله ما في الوجودِ شيءٌ.. تأسى على فقده العيون".. أخيراً استفقتُ من الكابوس -وأنا في سريري- مقروراً مخضلاً بالعرق الراجف.. وعلى الرغم مما ألمَّ بي من ظمإٍ لم أفتح "الثلاجة" مخشاة أن أجد قارورةَ الماءِ تزأر في وجهي وتبصق سرباً من الجراد.. تململتُ في سريري لماماً، ثم قررتُ أن أنبش مكتبتي بحثاً عن ديوان "لزوم ما يلزم" لنجيب سرور.. التلميذ النجيب الذي لم يضع قارورةَ ماء على قبر معلمه متلهفاً حدوث معجزة، بل أدار مع روحه المتوقدة حديثاً حافلاً بخفق الحياة ومضمخاً بمِسك الشعر الذي لا يستمرئ دنسَ المساومة..

قال أبو الرضى عبد الرحمن بن نوت المعري في رثاء أبي العلاء: "والعلم بعدك علمٌ فات منصله.. والفهم بعدك قوسٌ ماله وترُ".. هذا البيت الجميل يصلُح -للأسف- توطئةً تُغري بأن نذبح أبا العلاء بنصل التقديس، لكن أمثال "نجيب سرور" هم مَن يرفضون هذا الصِنف من الرثاء، هم مَن يشحذون بأفكارهم منصل العلم ويضفرون بإبداعهم وتراً لقوسه، يحملون مشاعل الحق ذُخراً في أرواحهم حتى يتسلّمه القادمون غير منقوص ولا مُصفَّد بهالات التقديس التي تغشى أحداق العقل فلا يعود يبصر شيئاً..

بدلاً من أن نرتدي "تيشيرتات جيفارا"، علينا أن نقتبسَ جمرةً من حميم نضاله؛ فوجوهُ الأحباءِ تُرقم بالإبر على أشغفةِ القلوب.. وبدلاً من أن نضع "قوارير الماء" على قبر المعري، علينا أن نقرأه وندير معه حواراً مُرهِقاً قد يصل إلى محاكمته؛ فقبورُ الأحباءِ لا تنتظر إلا قواريرَ الدمِّ والعرق.. فطيورُ المعرفةِ لا تصدح بغنائها في صحراء التقديس الجدباء ولا تقيم لصغارها أعشاشاً من الذهب العقيم..

 

في ظاهرة الحنين الى الماضي

لازلنا نلحظ ان جيل شريحة كبار السن من الشيوخ والكهول يميلون لاستذكار الماضي في مجالسهم العامة، ولا يترددون في الحديث عن ان الحياة كانت أحلى، والنفوس كانت أصفى، والالفة كانت اصدق ايام زمان مما هي عليه اليوم، ويذكرون لذلك أمثالا شجية عن مزايا ذلك الزمن الحلو الذي عاشوه مع أقرانهم في تلك الحقبة، توكيدا لوجهة نظرهم، وتقريعا للمهووسين برفاهية العصر.      

واذا كان استذكار الماضي الجميل يظل جزءا من متعة الحديث في المجالس   للكثيرين من جيل شاخ، حينما يحضرهم الحديث عن موضوع العلاقة مع الماضي، فانه يلاحظ ان حسهم وان كان مرتبطا بإدراكهم لكل تفاصيل الماضي، الا ان سحر العلاقة الوجدانية معه يرتبط عندهم بمقدار بعد الفاصلة الزمنية عنه، فكلما تقدم بهم السن زادهم الحال شوقا للماضي البعيد، لأن فيه أغلى مراحل العمر، وهي مرحلة الشباب، لذلك نجدهم أكثر من غيرهم تعلقا بالماضي، ونتلمس ذلك جليا في شعرهم، وفي حكاياتهم، حيث يستحضرون الجزء الأكثر شجناً من تلك المرحلة في توصيف الماضي، في حالة من التوق المرهف لتجارب ولّت ولن تعود.

وتشير العديد من الدراسات كما يذكر الدكتور حكمت الحلو الى (ان ذكريات الانسان منذ بداية وعيه ولحد موته مخزونة كلها في اللاوعي وليس هناك من خبرة مر بها يمكن ان تتلاشى او تندثر، وفي بعض الاوقات تقفز بعض الخبرات القديمة الى منطقة الوعي فتظهر بكل ملامحها وصورها وتفاصيلها دون ان نستدعيها، ذلك انها وجدت لها مجالا للانسلال من اللاوعي الى الوعي) الامر الذي يسوغ لنا تعليل التسامى فوق ما بات يصفه البعض بالنوستالجيا المرضية، ذلك ان توق تلك الشريحة للماضي يرتبط بمرحلة الصبا والشباب، وتجاربهم النضرة فيه، لذلك فهم يستعيدونه استشعارا لسعادة وجدانية، لكي يتجاوزوا بها تعاسة غربة الحاضر، بعد هذه الرحلة الطويلة من العمر حيث ارهقهم على ما يبدو الانشغال بالحاضر المثقل بإرهاصات صخب الحياة المعاصرة، وضنك الخشية من مفاجآت مجاهيل الغد، اضافة الى التهيب من صعوبة التكيف مع معطيات الواقع الجديد، الذي فرضته متغيرات العصرنة المتسارعة، وما رافقها من تداعيات كبرى في البناء الاجتماعي، والثقافي ,والتقني، وما نجم لهم عن ذلك من اغتراب عن هذا الواقع، لصعوبة تعايشهم مع متطلباته العصرية بطريقة سلسة، بسبب سرعة توالي ايقاعات هذه المتغيرات، التي فاقت سرعة استجابة التحولات الاجتماعية والمعرفية لها، الامر الذي جسّم عندهم معاناة العزلة بفجوة الجيل في حياتهم الراهنة بشكل ملموس، حيث يسعون عندئذ لتجاوز مرارتها بلجوئهم لإعادة إنتاج صور الماضي، واستيلادها بذهنهم بطريقة وردية.

ومعروف ان التحولات والمتغيرات في الماضي كانت تجري بشكل تدريجي وبطيء، وتأخذ وقتا طويلا نسبيا قبل أن تفعل فعلها في البنى الاجتماعية، والثقافية، وبذلك تمنح الناس فرصة كافية لتمثل تلك التغيرات، والاستعداد للاستجابة لها، والتكيف معها على نحو مرن، بعكس الحال اليوم، حيث تتدفق التحولات متسارعة بطريقة قفزات ضفدعية في مختلف جوانب الحياة، بات يتعذر على جيل كبار السن مواكبتها كما ينبغي، فصار ترادفهم   مع الخلف محفوفا بالكثير من الصعوبات، الامر الذي افرز نوعا من الاغتراب المحبط في اوساطهم جعلهم يحسون كأنهم غرباء عن حقيقة الواقع الاجتماعي الذي يعيشونه اليوم مقارنة بما اعتادوه في ما مضى من عمرهم، وهذا ما يدعوهم للحنين المفرط الى الماضي، والانشداد اليه، ورغبتهم بالاستمرار بالعيش على نفس طريقة الماضي، حتى مع قناعتهم بان احجامهم عن التعاطي مع هذه المتغيرات لن يؤدي إلى نتيجة تذكر.لذلك فلا غرابة في ان نجدهم يحنون باستمرار الى الماضي في مجالسهم، ويتغنون بنمط حياتهم الاجتماعية السالفة، رغم كل ما افرزته الحداثة لهم في واقعهم الجديد من ايجابيات ورفاهية، لم تكن في متناول ايديهم في ذلك الماضي الذي ما برحوا يحنّون اليه.

إعترافاتي الموثقة في عيد الحب

hadi  jalumreiتوسل قيس بن ذريح الشاعر بشقيقه الحسين بن علي بن أبي طالب، ليخطب له لبنى الحبيبة من أهلها فقد رفضوا وصالهما برغم كل الوجاهات التي ذهبت الى مضارب أهل لبنى وأعمامها المتصلبين .

كجلمود صخر حطه السيل من عل كما كان إمرؤ القيس يصف حصانه وهو يقطع الفيافي مسرعا كطائرة كونكورد قبل إحالتها على التقاعد لتكون معلما من معالم مطار شارل ديغول في ضواحي باريس يشاهدها المسافرون أمثالي، وكان من عادة العرب في صدر الإسلام إنهم يلحون في طلب المقاصد من أهل المكارم من شيوخ قبائل العرب، فإذا وجدوا صدا سارعوا الى من يحتفظ بوفرة من الجاه والنفوذ والمكرمات، ولم يكن مثل الحسين في وجوده الروحي ليتدخل ويحسم نزاع القوم بطلب يد لبنى لشقيقه قيس. الحسين حسم نزاع القوم بالحب، بينما حسم أعداؤه نزاعهم معه بالموت، ولكي لايتوهم أحد بعلاقة الحسين بقيس فإن الخاطب كان شقيقا للحسين في الرضاعة.

بعد أسابيع طلق قيس لبنى، ولم يجن كحال قيس بن الملوح الذي لم ينل الوصل بليلى العامرية، وبقي نهبا للوساوس وسكنه الهيام فأصابه الخبال، وهام على وجهه في الفيافي والقفار ينشد في حب ليلى ماأودى بحياته، وأخذ بمجامع قلوب العاشقين من بعده فخلده الدهر، وصار مثلا في عذابات المحبين وإخلاصهم الذي لاينقطع حتى بعد موتهم وفناء أجسادهم، وكأن أرواحهم هي من ينظم الشعر ويشهد على المأساة الراتبة.

الفرق بين القيسين إن أحدهما هام بإمراة، وحين نالها تركها ( مطلقة) تبحث عن راتب من دائرة الرعاية الإجتماعية، والثاني هام بالحب، فبقي معه، ولم يفارقه حتى بعد موته، كأنه عشق المعنى، ولو إنه حظي بليلى لتركها كصاحبه الذي طلق لبنى، وربما كان ذلك هو السبب الذي دفع البعض ليكتب، إن الزواج يقتل الحب، بينما الفراق يحييه ويطيل من عمره، فزواج قيس بن ذريح بلبنى لم يخلد كما خلد حب قيس بن الملوح لليلى العامرية، وهذا هو قيس كما خلده شعره، وفي لمحة منه يقول.

اذا نظرت نحوي تكلم طرفها -- وجاوبها طرفي ونحن سكوت فواحدة منها تبشر باللقاء --- وأخرى لها نفسي تكاد تموت

إذا مت خوف اليأس أحياني الرجا --- فكم مرة قد مت ثم حييت

ولو أحدقوا بي الأنس والجن كلهم -- لكي يمنعوني أن أجيك لجيت

ألا يانسيم الريح حكمك جائر ---- عليّ اذا أرضيتني ورضيت

ألا يانسيم الريح لو أن واحدا ----- من الناس يبليه الهوى لبليت

ولو خلط السم الزعاف بريقها ----- تمصصت منه نهلة ورويت

في عيد الحب لاأجد أحلى من شعر قيس وعذاباته لتروي عني ظمأ روحي إليك

سيدتي، وأنت تعرفين ماتعانيه الروح حين تصدين، أو تغضبين، أو تتجاهلين،

أو حين تبكين وتنتفظين وتتنهدين، وتجهلين إنك قاهرتي.

 

هادي جلو مرعي رئيس مركز القرار السياسي للدراسات

العراق . بغداد

 

أحبب وافعل ما تشاء (2): المحبّة أساس العدل

madona askarشغل مفهوم العدالة أذهان الفلاسفة على مرّ التّاريخ، إلّا أنّه يبقى مفهوماً غامضاً، خاصّة أنّه على أرض الواقع، لا نبالغ إن قلنا إنّ العدالة مغيّبة، أو لنقل إنّ العدالة تطبّق إمّا بشكل جزئيّ، وإمّا بحسب مفهوم كلّ إنسان للعدالة. والمفهوم يختلف بين إنسان وآخر، وبين بيئة وأخرى، وبين طبقة وأخرى. فالعدالة يمكن أن تحمل في معناها المساواة بين الجميع بالحقوق والواجبات، وأن يخضع الكلّ بشكل متساوٍ لقوانين وضعيّة؛ كأن نقول مثلاً إنّه على المواطن أن يدفع الضّرائب المتوجّبة عليه، ولكن بالمقابل أين العدالة في تطبيق هذا القانون في حين أنّ مستوى الدّخل يتفاوت بين مواطن وآخر؟ أو كأن نقول إنّه من حقّ كلّ مواطن أن يحيا بكرامة فيؤمَّن له السّكن والتّعليم والمأكل... ولكن أين العدالة إذا ما كان المسكن المؤمَّن دون الشّروط المطلوبة أو إذا ما كان المنهج التّعليميّ دون المستوى الفكري المطلوب؟ إلى ما هنالك من تساؤلات وتباينات.

لعلّ الطّغاة على مرّ التّاريخ كانوا على قناعة أنّهم يطبّقون العدالة فيما يخصّ الإبادات الجماعيّة، أو لعلّ الجماعات الدّينيّة المتطرّفة تؤمن أنّها تطبّق العدالة فيما يخصّ إقصاء المخالف لهم دينيّاً وإعدامه، أو أنّ فرداً ينتقم من آخر بالتّعنيف أو القتل على اعتبار أنّه يحقّق عدالته الشّخصيّة. بالنّسبة لونستون تشيرشيل، إمّا أن تكون عادلاً وإمّا أن تكون قويّاً، وذلك في قوله: "أجمع تاريخ البشرية على حقيقة أنّ الأمم لا تكون عادلة دائماً عندما تكون قوية. وعندما تتمنّى تلك الأمم العدل، فهذا يعني أنّها لم تعد قوية".

بالمقابل، قد يكون أقرب مفهوم للعدالة، أو المعنى الأصح لسلامة تطبيقها هو أن تفعل لغيرك ما تبتغيه لنفسك. فيقول جمال الدّين الأفغاني: "أقرب موارد العدل القياس على النفس"، وتقول إليونور روزفلت: "ليس من العدل أن تطلب من الآخرين ما لست أنت مستعداً لفعله"، وبالتّالي المقياس الممكن اعتماده لتحقيق العدالة هو الذّات الشّخصيّة للإنسان. ولكن هذا المقياس يبقى ناقصاً وغير فعّال ما لم يرتبط بالمحبّة. فما تبتغيه لنفسك هو الأفضل والأكمل، إلّا أنّك إذا حصرته في نفسك وقعت في فخّ الأنانيّة، وبالتّالي ستكتفي بنفسك دون الانفتاح على الآخر.

أن تحبّ نفسك هو أن تحترمها كقيمة معتبراً أنّ كلّ نفس أخرى هي قيمة بحدّ ذاتها وتستحقّ المحبّة. من هذا المنطلق ستمنح الآخر ما تريد أن تمنحه لنفسك على أكمل وجه. كما يمكن لهذا المنطق أن يتّسع ليشمل الجماعة كلّها وحتّى المسؤولين عنها، فالحاكم أو المسؤول أو القاضي، أو أيّ شخص موكل إليه تطبيق العدالة ينبغي أن يمتلئ من المحبّة كيما يتمكّن من إبقاء إنسانيّته متيقّظة في تطبيق العدالة. ويجب أن نوضح أنّ حضور المحبّة في تطبيق العدالة لا ينفي الحزم والصّرامة والوضوح، إنّما يمنع المساومات والرّشاوي والتّحايل على القوانين، مانحاً الكرامة الإنسانيّة الأهمّيّة الأولى والأخيرة.

حيث تكثر المحبّة تحلّ العدالة، فالمحبّة هي الدّافع الأوّل والأقوى لرفع القيمة الإنسانيّة وانتشالها من بؤسها على جميع المستويات. فأن تحسن إلى فقير على سبيل المثال ليس عدلاً، وإنّما هو إشفاق على حالته أو مساعدة له، وفي بعض الأحيان وللبعض، استثمار للسمعة إعلاميّاً وفي أحيان أخرى إرضاء لله للبعض الآخر. وأمّا العدل الحقّ فهو أن تعيش مع الفقير وتشاركه فقره فتنقذه منه وترفع كرامته الإنسانيّة. وكي لا نُفهَم خطأ، من الجيّد أن نرضي الله في الإحسان للفقراء ولكن من الإنسانيّة أن نخدم الله في الفقراء والمظلومين والمغبونين. ففي الإحسان أنت تعطي ممّا عندك، وأمّا في المشاركة فأنت تعطي ذاتك، وتلك قمّة العدل وذروة المحبّة. كما أن العدل يقضي بمحاسبة مجرم أو سارق أو متمرّد على القانون، وهذا حقّ، وأمّا ارتباط العدل بالمحبّة فهو المحافظة على الكرامة الإنسانيّة رغم كل ما يصدر عنها من أخطاء.

المحبّة أساس العدل، فعدل بلا محبّة قد يجنح إلى الظّلم، كما قد يتحوّل إلى قوّة مسيطرة تستغلّ مبدأ العدل في سبيل احتقار الكرامة الإنسانيّة. ومحبّة بلا عدل، استهتار ولامبالاة وغضّ النّظر عن الخطأ وعدم السّعي إلى تصويبه.

 

نساء العالم يتزعمن الإضراب الجنسي .. ويسجلن أقوى الانتصارات في عالم السياسة

khadom finjanنوع غريب من الإضرابات النسائية لم نسمع بها، بدأت فكرتها سينمائياً في تونس على يد المخرج الفرنسي (رادو ميهايلينو) في فيلمه (عين النساء)، والمقصود بالعين هنا إحدى منابع المياه العذبة في جوف الصحراء الكبرى، حيث تتعرض النساء للاضطهاد والتعسف، ويتحملن جحيم الرمال الساخنة من أجل حمل جرار المياه الثقيلة لأزواجهن المتقاعسين المتبطرين، فأضربن عن المعاشرة الجنسية بغية الضغط على الرجال المتمسكين بالتقاليد البالية، وواصلن إضرابهن حتى جاء اليوم الذي تنازل فيه رجال القبيلة عن جبروتهم.

ثم انتشرت فكرة الفيلم في شرق الأرض وغربها، فانطلقت من جزيرة (مينداناو) الفلبينية أول شرارات الحظر الجنسي على الرجال من أجل إنهاء القتال المتأجج هناك، وسارت نساء (ليبيريا) على النهج نفسه عام 2003 احتجاجاً على اندلاع الحروب الأهلية الدموية، ثم بدأت نساء (توغو) إضراباً شاملاً عن المعاشرة الجنسية استجابة لنداءات زعيمة المعارضة (إيزابيل أميغانفي) من أجل إقالة رئيس البلاد (فوريه غناسينجبي)، الذي ورث السلطة عن أبيه، وأطلقت مجاميع غفيرة من نساء (كينيا) حملة وطنية عام 2007 تحض النسوة على مقاطعة الجنس احتجاجاً على استمرار الخلاف بين رئيس الدولة (مواي كيباكي) ورئيس الحكومة (رايلا آودينجا)، في حين أعلنت النساء في مدينة كولومبية صغيرة تنظيم إضرابهن الجنسي الثاني من أجل إصلاح الطريق المؤدي إلى مدينتهن النائية.

أما آخر الإضرابات الجنسية فهو الإضراب الذي نظمته النساء اليابانيات من أجل الحيلولة دون ترشيح (يوشي ماسوزي) لمنصب عمدة العاصمة طوكيو، ويعود رفض المرشح (ماسوزي) إلى تعليقات سلبية أطلقها عام 1989، شكك فيها بكفاءة المرأة اليابانية في تولي المناصب السياسية.

ترى ماذا لو أضربت نساؤنا عن معاشرة أزواجهن من أجل الضغط على برلماناتنا العربية ؟، وماذا لو اتبعن هذا النوع من العصيان المدني للضغط على الحكومات العربية حتى تنفيذ مطالبهن؟.

الأمر لا يحتاج إلى التفكير فالمرأة هنا مغلوبة على أمرها، ولن ينجح إضرابها في مواجهة الرجل المتسلح بالقوانين والتشريعات، التي تفرض عليها الطاعة والرضوخ والانصياع لأوامر الرجل.

لكننا نوجه أصابع الاتهام هنا إلى هذه القطعان الكبيرة من قوافل الرجال الذين باعوا ضمائرهم، وتآمروا على شعوبهم وتنكروا لأوطانهم، فانساقوا على غير هدى خلف سراب القوى الظلامية الغاشمة، من دون أن يفكروا في يوم من الأيام في التضامن معنا، والمطالبة بحقوقنا المهدورة منذ زمن بعيد، حتى ضاع الخيط والعصفور، ولم يعد وراءنا وراء بين الشعوب والأمم.

والله يستر من الجايات

 

الرئيس "ماو" لا يقرأ وحكامنا يقرؤون؟!!

الرئيس ماو سيتونغ (26\12\1893-9 \9\1976) هو الأب الروحي والفكري والسياسي المؤسس لدولة الصين الحديثة المعاصرة.

ففي يوم 1\10\1949 أعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية، كدولة الحزب الواحد.

وفي عام 1957 أطلق مشروع القفزة العظمى للأمام، وفي عام 1966 إنطلقت الثورة الثقافية الصينية لإعادة ترتيب آلبيات التفكير الشعبي الجماهيري، وتعليم الناس كيف يفكرون بأسلوب جديد يخدم مشروع القفزة العظمى للأمام.

هذا الرجل هو الذي صنع الصين بكل ما تعنيه كلمة صناعة، وتعبر عنه وتلخصه، مما يؤكد بأن الشعوب تحتاج لقائد يعرفها ويدرك مسيرة الأجيال في الوطن الذي يكون قائدا فيه.

ويُحكى أن الرئيس ماو من المدمنين جدا على القراءة، فهو يقرأ وبشكل يومي ومتواصل مدى حياته، وحتى آخر يوم كانت الكتب حوله، فأيامه مفعمة بالقراءة.

وعاش حياة بسيطة زاخرة بالمعرفة والدراسة والتأمل، وإنغمس بتأريخ بلاده، حتى إستطاع أن يكتشف قوانين الصيرورة والإنطلاق اللازمة، والملائمة للقوة والتقدم والسيادة الإبداعية.

وبتعمقه في دراسة تأريخ بلاده وتراثه أصبح من فقهاء التأريخ الصيني، والعارفين بدقائق البواعث والمحفزات ومكامن الطاقات ومنابع القدرات، فاستثمر تلك المعرفة ووظفها بحكمة وقدرة قيادية وحنكة، أثمرت نتائجها.

فأصبحت الصين على ما هي عليه اليوم، تهيمن على الأرض إقتصاديا وتغمرها ببضائعها ومصنوعاتها وإنتاجها الزراعي والغذائي، فقد إنبثقت الطاقات من العقول والأعماق، وتوظفت بإيجابية وإبداعية غير مسبوقة، حتى لأصبح من الصعب اللحاق بالصين، التي وصلت إلى هذه المرتبة الإقتدارية في بضعة عقودٍ لا غير.

ومن المفارقات، أن أحد قادة دولنا، عند زيارته للصين، سأل الرئيس ماو النصيحة في القيادة، فنظر إليه مندهشا ثم إبتسم وقال: أنتم أصحاب التراث الطويل، الغني بالتجارب والأفكار، وتسألني النصح!!

ثم أضاف: إقرأ تأريخكم!!

وكأنه أراد القول بأنه هو أولى بالسؤال وليس السائل!!

ترى هل أن المسؤولين في بلداننا يقرؤون؟

وهل لديهم إلمام حقيقي وفهم موضوعي للتأريخ؟

لم يتأكد أنهم يقرؤون، فعلى مدى القرن العشرين، تبين أن أول الذين كانوا يقرؤون هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ويُحكى أنه كان يقضي الليل ساهرا في مطالعة كتاب.

وعندما يقرأ المسؤول ينعكس ذلك في كلامه وسلوكه وقراراته، وينبؤك عما فيه قوله وفعله.

وما يحصل في بلداننا يشير إلى أن المجتمع مُبتلى بالذين لا يقرؤون، ويجهلون التأريخ، أو يرونه كما يتم تصويره لهم، أو أنهم لا شأن لهم بذلك، ما دام كل شيئ جاهز على طاولة التنفيذ!!

 

ولا يمكن لمجتمع أن يكون إذا أسلم أمره لقادة لا يقرؤون!

 

فهل سنتعلم شيئا قليلا من الرئيس ماو، أو أن نأخذ بنصيحته ونقرأ تأريخنا ونتفقه فيه لكي نعيد ترتيب آليات تفكيرنا، ونصنع عقولنا المعاصرة؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

لِمَ أحب الكتابة؟

أحب الكتابة لأنني أشعر، وأنا أكتب، بأنني مرتبط بأعماق إنسانيتي. فالكتابة مجال مترامي الأطراف في حياتي حيث أشعر بالسيطرة التي تكاد أن تكون مطلقة. يمكنني، وأنا أكتب، أن أكون أي شيء وأن أفعل أي شيء. لا يوجد شيء مغرِق في التخيل أو التوهم. يمكنني أن أضيّف حفلة عشاء فاخرة، أو أن أخترق النفق المفضي إلى مركز الأرض أو أن أشيد مدينة من الذهب والماس ومن الفضيلة والإنسانية.

تتيح لي الكتابة فرصة كل يوم أو ليلة لأن أجلس أو أن أستلقي مع أفكاري وبنات خاطري وأنا هادئ. أعتقد بأن من المهم أن أجلس بينما تكون نفسي هادئة. الكتابة تهدئني. وتجعلني متأملا وتساعد في إبقائي ساكنا وسلميا في عالم مسعور جدا؛ عالم تقل فيه القيم الرفيعة الفاضلة السامية تدريجيا وأحيانا دفعة واحدة، رهنا بالمكان وطبيعة الأحداث.

أحب أن أكتب لأن الكتابة تذكرة لي بمدى الحرية التي أمتلكها. ومن المحزن أنه توجد حكومات ذات نظم سياسية مختلفة في جميع أنحاء العالم تشعر بأن الكلمة المكتوبة تهددها. والكُتاب الذين يعيشون في تلك البلدان يعانون من التمييز ضدهم ومن الاضطهاد ويودعون خلف القضبان الحديدية، وتخضع كتاباتهم للمراقبة، وتتعرض حياتهم للتهديد يوميا – كل ذلك لأنهم ببساطة يحبون أن يفعلوا ما أحب أنا أن أفعله: أن أكتب. ومن ثَمّ تصبح الكتابة تحديا لكَ ولكِ ولي؛ لجميعنا، لمواجهة الحقيقة أنه ليس الناس جميعا أحرارا ولبذل الجهود لتغيير تلك الحالة.

تجعلني الكتابة أشعر بأنني سيد نفسي ووقتي في حماي وحديقتي التي يمتزج فيها النرجس الأصفر والورد الأحمر وخضرة التمنيات الإنسانية.

يتأثر كل كاتب بأي شيء قرأه في يوم من الأيام. ويكون هذا التأثر مستترا أو مكشوفا. إن مختلف القصص والكتب والدراسات والمقالات التي قرأها الكاتب أو سمعها تكون قد تسللت على نحو من الأنحاء إلى أفكار الكاتب وموقفه سواء أكان واعيا أو غير واع بذلك.

إنني أحب فكرة أنني أجلس على شكل من الأشكال، حينما أكتب، مع جميع الكتابات التي قرأتها في وقت من الأوقات، وأجلس أيضا على شكل من الأشكال مع الكُتاب الذين كتبوها. وقد أجالس هذه الكتابات، فينشأ بيننا تعارف. وقد تنشأ بيننا صداقة وقد تتعزز أواصر تلك الصداقة. وقد يدور بيننا تحاور نتبادل عن طريقه الأفكار والخواطر. أحب أن أعتقد بأنني مرتبط بأناس مثلي أحبوا أيضا ما سالت به أقلامهم، وانهمرت به عواطف نفوسهم شعلة من الكتابة.

أحب الكتابة في مختلف الأزمنة، ومنها في هذا الزمن الذي يمكن فيه الوصول إلى والتواصل مع كثير من الناس.

أشعر بأنني ذو حظ بحبي للكتابة لأن محبتها تزيد من إنتاج وصياغة العبارات الحاملة للمعاني والأفكار الإنسانية والواقعية.

أحب الكتابة الحرة لأنها أداة للإعراب الحقيقي عما يدور في الخاطر ويعتمل في النفس ويتحاور مع ما نعرفه عن العالَم الخارجي والداخلي.

أحب الكتابة لأن المواضيع والمسائل التي من الممكن تناولها بالكتابة كثيرة ومن الممكن أنه لا حصر لها. ولعل الكاتب لا يستطيع أن يتناول جميع تلك المواضيع والمسائل. والكتابة وسيلة طيعة لإرساء الاتصال بيني وبين المواضيع والمسائل التي لعلها لم تحظ بقدر واف من التقليب والتناول.

عن طريق الكتابة أعرب عن الروابط بيني وبين البشر والكون. وتتيح لي الكتابة فرصة للتعليق على المواد المكتوبة ونقدها وتتيح لي الكتابة أن أشاطر الناس تجاربهم وأن يشاطروني تجاربهم في العلاقات الاجتماعية وحياتهم الفكرية ومعضلاتهم الحياتية. وتولّد الكتابة المناقشات الشيقة والشائكة، وتساعد الكتابة على تحقيق نمو البشر ونضجهم.

وأرى أنه يجب أن تكون الكتابة صريحة ونزيهة، ومستحقة للثقة ومعولا عليها. الكتابة بهذه الصفات تعلمنا الصراحة والنزاهة.

وتساعدنا الكتابة على الاطلاع على أسرار الفرد والكون والروح والعاطفة. والكتابة، لأنها صريحة ونزيهة ومتعمقة، خلاقة. بها يعرب الإنسان عن نفسه. وتنقلني الكتابة عبر عتبات الطهر والنزاهة إلى الطبقات العليا للذات. عن طريق الكتابة تنشأ الصداقات، وبالتالي تسهم في نشوء وتعزيز التماسك القيمي والاجتماعي.

وأحب الكتابة لأنها انعكاس لنفسي. أرى فيها نفسي وموقفي وشخصيتي وفرديتي. أرى كتابتي فأرى فيها صورة ليست غريبة، مألوفة، ونفسا تحلق في الأعالي بعيدة عن البشر وقريبة منهم.

وأكتب لأنه يحلو للكاتب عادة أن يكون لكتاباته قراء كثيرون، فلكثرة القراء والناقدين دور المحفز له على مواصلة التواصل الفكري المكتوب. ولا يُقصد بالكتابة الإعراب كتابيا عن الفكر فقط ولكن نشرها وتحقيقها أيضا. ومما يدعو إلى سرور الكاتب مشاهدته الناس يتبنون تلك الأفكار وينفذونها. ويسر الكاتب أيضا أن يرى الناس يحصلون على نتائج إيجابية من تحقيق أفكار الكاتب ومواقفه ورؤاه. فهو يُسرّ ليس فقط بذلك ولكن أيضا برؤيته اغتباط الناس بتبني أو قبول فكره وشعورهم بإنجاز المنجزات نتيجة عن ذلك.

ويشكو الكاتب من جهل الناس، وهو منهم، أو بعضهم بحقائق الدنيا وبقسوتها ويتألم لألمهم ويتحسر لمعاناتهم ولذلك يطيب له نشوء الوعي لدى الناس بالحقائق المؤلمة في واقع الحياة وبانتشار النفاق واستفحال المادية واستعصاء الفقر والجهل والمرض والمذلة لدى الشعوب وعدم اليقين والافتقار إلى الاستقرار النفسي.

والكتابة عملية مستمرة، بمعنى أن الكتابات لا تشمل جميع جوانب الموضوع الذي يجري تناوله ولا تشمل كل الجوانب التأملية أو الفلسفية أو الفكرية أو النفسية أو الروحية أو العاطفية للموضوع أو المجال الذي يجري تناوله. الكتابة أتصورها أنها تناول أو تصدّ مستمر لكل كاتب أو امرئ أن يشارك فيه أو أن يدلي بدلوه فيه. خلال هذه العملية المستمرة المنطوية على التواصل والتنسيق والتنظيم والبناء والهدم والفتق والرتق تجري زيادة التناول تعمقا، ويجري توليد وتوفير مزيد من الخيارات والبدائل والرؤى لمختلف الجوانب الثقافية والفكرية والنفسية والإنسانية.

 

اساطير تأريخية حول عيد الحب (فالنتاين)

ramizi akrawiوالبعض يطلق عليه عيد العشاق، وفي هذا اليوم عادة ما يتبادلون التهاني والورود الحمراء ويرتدون الملابس ذات اللون الاحمر تعبيرا عن شحنات الحب المكبوتة داخل شرايينهم ، ذلك الحب الذي لا يظهر الا يوما واحدا في السنة وهذا العيد ليس عيدا دينيا كما يعتقده البعض .

واختلف الرواة في سرد هذا العيد وقالوا: ان عيد الحب (عيد العشاق) هو عيد من اعياد الرومان الوثنيين، اذ كانت الوثنية سائدة عند الرومان قبل مايزيد على سبعة عشر قرنا. وهو تعبير في المفهوم الوثني الروماني عن الحب الالهي. ولهذا العيد الوثني اساطير عند الرومان وعند ورثتهم من النصارى ومن اشهر هذه الاساطير : ان الرومان كانوا يعتقدون ان (رومليوس) مؤسس مدينة (روما) ارضعته ذات يوم ذئبة فامدته بالقوة ورجاحة الفكر. فكان الرومان يحتفلون بهذه الحادثة في منتصف شهر فبراير من كل عام احتفالا كبيرا وكان من مراسيمه ان يذبح فيه كلب وعنزة، ويدهن شابان مفتولا العضلات جسميهما بدم الكلب والعنزة، ثم يغسلان الدم باللبن، وبعد ذلك يسير موكب عظيم يكون الشابان في مقدمته يطوف الطرقات. ومع الشابين قطعتان من الجلد يلطخان بهما كل من صادفهما. وكانت النساء الروميات يتعرضن لتلك اللطمات مرحبات، لاعتقادهن بانها تمنع العقم وتشفيه.

وقيل انه تخليدا لذكرى موت القديس فالنتاين احد ضحايا الكنيسة النصرانية الذي مات في روما اثر تعذيب القائد القوطي ( كلوديوس) له حوالي عام 296م وبنيت كنيسة في روما في المكان الذي توفي فيه عام 350م تخليدا لذكراه وذلك لانه كان في يوم من الايام يقوم بابرام عقود الزواج للمتحابين رغم منع التشريع الروماني في ذلك الوقت بامر القيصر فقد كان يقوم بعمله سرا حتى اذا ما فضح امره سجن في احد القلاع ومن ثم اعدم . وبعد ذلك اصبح العشاق يؤمون قبره في ذكرى يوم اعدامه الذي يصادف الرابع عشر من فبراير من كل عام ومع مرور الايام تغيرت المفاهيم واصبح بمثابة يوم عيد لهم ، ونجدهم في ذلك اليوم وليلته يتبادلون التهاني ويتباهون بارتكاب المعاصي والفواحش ويحتسون الخمور حتى لا يعي أي منهم من يحب ممن يكره وكل من يراهم امامه في نظره سواسية كاجسام متمايلة تلعب بها الريح كيفما تشاء فيصبح احدهم كالتيس لا يفرق بين الحب والطحين .

ولما اعتنق الرومان النصرانية ابقوا على الاحتفال بعيد الحب السابق ذكره لكن نقلوه من مفهومه الوثني (الحب الالهي) الى مفهوم اخر يعبر عنه بشهداء الحب، ممثلا في القديس فالنتاين الداعية الى الحب والسلام الذي استشهد في سبيل ذلك حسب زعمهم. وسمي ايضا (عيد العشاق) واعتبر القديس فالنتاين شفيع العشاق وراعيهم .

وكان من اعتقاداتهم في هذا العيد ان تكتب اسماء الفتيات اللاتي في سن الزواج في لفافات صغيرة من الورق وتوضع في طبق على منضدة ويدعى الشبان الذين يرغبون في الزواج ليخرج كل منهم ورقة فيضع نفسه في خدمة صاحبة الاسم المكتوب لمدة عام يختبر كل منهما خلق الاخر ثم يتزوجان او يعيدان الكرة في العام المقبل يوم العيد ايضا .

وقد ثار رجال الدين النصراني على هذا التقليد واعتبروه مفسدا لاخلاق الشباب والشابات فتم ابطاله في ايطاليا التي كان مشهورا فيها لانها مدينة الرومان المقدسة ثم صارت معقلا من معاقل النصارى ولايعلم على وجه التحديد متى تم احياءه من جديد. فالروايات النصرانية في ذلك مختلفة لكن تذكر بعض المصادر ان الانكليز كانوا يحتفلون به منذ القرن الخامس عشر الميلادي ، وفي القرنين الثامن عشر و التاسع عشر الميلاديين انتشرت في بعض البلاد الغربية محلات تبيع كتبا صغيرة تسمى (كتاب فالنتاين) فيها بعض الاشعار الغرامية ليختار منها من اراد ان يرسل الى محبوبته بطاقة تهنئة وفيها مقترحات حول كيفية كتابة الرسائل الغرامية والعاطفية .

وقيل ايضا ان قصته تتلخص في ان الرومان كانوا ايام وثنيتهم يحتفلون بعيد يدعى (عيد لوبركيليا) وهو العيد الوثني المذكور في الاسطورة السابقة وكانوا يقدمون فيه القرابين لمعبوداتهم من دون الله تعالى. ويعتقدون ان هذه الاوثان تحميهم من السوء وتحمي مراعيهم من الذئاب.

فلما دخل الرومان في النصرانية بعد ظهورها وحكم الرومان الامبراطور الروماني (كلوديوس الثاني) في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج لان الزواج يشغلهم عن الحروب التي كانوا يخوضها فتصدى لهذا القرار (القديس فالنتاين) وصار يجري عقود الزواج سرا فعلم الامبراطور بذلك فزج به في السجن وحكم عليه بالاعدام .

وقيل ان الامبراطور المذكور سابقا كان وثنيا وكان (فالنتاين) من دعاة النصرانية وحاول الامبراطور اخراجه منها ليكون على الدين الوثني الروماني، لكنه ثبت على دينه النصراني واعدم في سبيل ذلك في 14 فبراير عام 270م ليلة العيد الوثني الروماني (لوبركيليا) فلما دخل الرومان في النصرانية ابقوا على العيد الوثني لوبركيليا لكنهم ربطوه بيوم اعدام (فالنتاين) احياءا لذكراه لانه مات في سبيل الثبات على النصرانية كما في هذه الاسطورة او مات في سبيل رعاية المحبين وتزويجهم .

وتذكر رواية ثانية ان المسيحية لما انتشرت في اوروبا لفت نظر بعض القساوسة طقس روماني في احدى القرى الاوروبية يتمثل في ان شباب القرية يجتمعون منتصف فبراير من كل عام ويكتبون اسماء بنات القرية ويجعلونها في صندوق ثم يسحب كل شاب من هذا الصندوق والتي يخرج اسمها تكون عشيقته طوال السنة حيث يرسل لها على الفور بطاقة مكتوب عليها: (باسم الالهة الام ارسل لك هذه البطاقة) تستمر العلاقة بينهما ثم يغيرها بعد مرور السنة!! وجد القساوسة ان هذا الامر يرسخ العقيدة الرومانية ووجدوا من الصعب الغاء الطقس فقرروا بدلا من ذلك ان يغيروا العبارة التي يستخدمها الشباب من (باسم الالهة الام) الى (باسم القسيس فالنتاين).

 

اعداد / رمزي عقراوي / دهوك

 

اقتيات على ذكريات الماضي

هاتفني زميل لي من ايام الدراسة المتوسطة مساء ذات يوم، بعد طول فراق، وكنت ساعتها مضطجعا في فراشي،وسنان العينين، أتأمل في تخاطر غريب، مشاهدا من حياتنا الراهنة المثقلة بكل ارهاصات استلاب الحداثة الذي ينغص علينا ما افرزته العصرنة من معطيات ايجابية، مقارنة بمفردات حياتنا البسيطة ايام زمان.

ومع أن لكل إنسان، قدّر له أن يعيش حياته على طبيعتها، ذكرياته الخاصة به، وبغض النظر عن خزين ذكرياته المتراكمة عنها في مخيلته..فلا شك ان طريقة استرجاع تلك الذكريات،هي النكتة التي تثير الانتباه، في تعاطي المرء مع ذكرياته، إذ يبقى هو الشخص الوحيد القادر على الدخول إلى مكنونات ذات صدره، والتنقيب في دهاليز ذاكرته، لتثوير مكنوناته منها، واسترجاعها، والتفاعل الحسي المرهف معها،كلما اضطرته معمعة الحياة وضغوطها، للعودة لها،للاستعانة بتجربته الماضية على شظفها.

ومع ان البعض منا، عندما يسترجع ذكرياته، يسترسل مليا في تصفح ملف ذكرياته المطوية في سجل مخياله،حتى تطغى عليها مسحة الانشراح، ليتخذ منها واحة وارفة للحبور، بعيدا عن ارهاصات واقعه المؤلم،فأننا نجد البعض الآخر، يحس بعاطفة جياشة، يشعر معها وكأنه لازال صبيا يطارد على عصاه، مع صبية الحي، كما يقولون، مع انه قد بلغ من العمر عتيا، وطوحت بملامح محياه الأيام،بينما نجد البعض الآخر،تطغى على استرجاعه ذكرياته الغابرة، مسحة التشاؤم، لتتمظهر في تجاعيد وجهه ملامح الوجوم، تعبيرا عن حياة مؤلمة، عاشها ببؤس، وعانى شقاءها بقساوة ردحا من الزمن،بقياس كل ما ينعم به اليوم من رخاء ويسر،مما يعطي الانطباع بان الية استذكار مراحل حياتنا الماضية غالبا ما تكون متماثلة وجدانيا الى حد كبير مهما تباينت تجاربنا الشخصية،لاسيما اذا ما جرى استرجاعها بشيء من العاطفية المحضة، والتلقائية العفوية، التي تأخذنا في صورها الوجدانية المركبة، في رحلة من الانزياحات العاطفية المتخارجة عن حقيقة تلك الذكريات بشيء من الحس المرهف، الذي   يتخطى احباطات الحال المرهق بسلاسة.

وعندما سألت زميلي عن حاله،في اطار تبادل التحايا معه،استرعى اهتمامي ما اجابني به بصريح القول من (اننا يا اخي انما نعتاش اليوم على ما يختزنه عقلنا الباطن من ذكريات الماضي) استشعارا للسعادة،لكي نتجاوز بها تعاسة غربة الحاضر، وصعوبات الحياة، بعد هذه الرحلة الطويلة من العمر.وبذلك فقد ادهشتني بحق عاطفته الجياشة، وطريقة تعبيره بهذه التلقائية عن ما يجول في خاطره، وما يكابده من معاناة العزلة بفجوة الجيل في حياته الراهنة،التي يسعى لتجاوز مرارتها بلجوئه لإعادة إنتاج صور الماضي، واستيلادها بذهنه بطريقة وردية، ليشاطر زملاءه الاحساس بوحدة المعاناة، ويشاركهم الحنين الى الذكريات، رغم كل الفوارق الشخصية في معايشتها.

وبغض النظر عن التفسيرات النفسية لمثل هذه الظاهرة من الحنين الى الماضي بهذه الطريقة الوجدانية المؤثرة، التي عكستها عبارة زميلي لي،ومن دون الحاجة للدخول في تفاصيل التأويلات العلمية البحتة لها التي غالبا ما تختزلها في نوستالجيا باهتة،فأنه يبدو ان هذه الظاهرة تظل حقيقة انسانية ماثلة بيننا نعيشها بين الحين والآخر،فلطالما شعرنا اننا نقتات فعلا على تخوم حافات ذكرياتنا، كلما سنحت لنا الفرصة بخلواتنا الفردية بالعودة الى تلافيف الذاكرة، والتسكع في وهادها السحيقة، تلمسا لبصمات ماضينا الجميل التي تغمرنا بجرعة سعادة معنوية،كلما هربنا اليها من صخب حياتنا المعاصرة، حتى وان بدت لنا سعيدة في كثير من جوانبها،وطافحة بالرفاهية.

 

همسات ما بعد التفجير

saleh altaeiقامت الدكتورة الأديبة والناقدة أسماء غريب بترجمة هذا النص إلى اللغة الإيطالية ونشرته، وقد أضفت إليه فيما بعد بعض المواد لم ترد في الترجمة لذا وجب التنويه.

(1)

مع كل تفجير إرهابي يحصل في أي جزء من العالم، ولاسيما ما يحصل في بلدي العراق، وتحت أي مسمى، ولأي سبب؛ أشعر وكأني الضحية، فهل للجلاد شعور؟

(2)

كلما دارت عجلات الزمن؛ تركت آثارها واضحة على جبيني.

(3)

كلما أطفأت شمعة من شموع أعياد ميلادي أشعر أن الظلام يزداد قربا مني.

(4)

يعثر الحظ أحيانا فيسقط؛ ثم ينهض من جديد، ولكن كم حظ وُلدَ وهو ساقط.!

(5)

إذا كان سقوط تفاحة قد غير قناعات العالم، فلماذا لا يغيرها سقوط عشرات آلاف الأبرياء بالتفجيرات العبثية؟!

(6)

يكذب من يقول أن الوسامة ليست بالمظهر، فالشكل هو المفتاح الحقيقي للوسامة، وتبقى كل تلك الصفات التي يتحدثون عنها مجرد مكملات للشكل، لكن ماذا يعمل من صادر التفجير شكله ومظهره؟!

(7)

جميعنا لا يفترض أن نكون حيث نحن الآن، فلكل واحد منا حكاية وأمنية، الحكاية ترسم صورة واقعنا الذي نحن عليه، والأمنية أمل لم يتحقق، ولو تحقق كان سيغير صور الحكاية بالتأكيد، لكن هل تتحقق الأماني بالتزامن مع التفجيرات؟!

(8)

لا أعتقد أن لرغباتي علاقة بالسلام العالمي، فالفرد مهما سما يبقى في نظر القيادة السرية للكون مجرد رقم تافه، وصعلوك لا يذكر، ولا يجلب الانتباه إلى أن ينثره التفجير قطعا غير متجانسة، ترسم صورة سريالية لهمجية الإنسان.

(9)

أعجب لمن يؤمن بأن الإله يسمح لمن أخلص في عبادته ولمن أوغل في الإجرام أن يجتمعا سوية في الجنة، ذاك لأنه لم يشطط ولم يخالف قواعد الدين، وهذا لأنه يعتقد أن الدين الخالص لا يتحقق إلا بتفجير الأبرياء وقتلهم.!!

(10)

بعد أن استهلكت خمسة وستين ربيعا امتطيتها لأجوب آفاق الدنيا أحدق في أوجه الشعوب المختلفة وعاداتهم لم تسنح لي الفرصة لرؤية إنسان يقتل إنسانا آخر لمجرد خلاف في الرأي باسم الدين، إلا عند من لا دين لهم.

(11)

قضيت عمرا طويلا أدرس علم الأديان المقارن، فلم أجد دينا يكره السلام، ولم أجد دينا يحث أتباعه على كره البشر، فخرجت بمحصلة مفادها أن الدين محبة, وحيث لا دين تجد الكراهية.

(12)

بعض الناس عاشوا بدون أحلام ولا آمال ولكنهم وصلوا القمم؛ في وقت لا زال الحالمون يهيمون في السفوح منتظرين تحقق آمالهم، وقد يفاجئهم التفجير فيسرقها منهم.

(13)

من سخرية القدر أن كل الذي بنيته في سنين كفاحك الطويلة ممكن أن يحطمه تفجير في ثوان معدودات، والأشد سخرية أنك قد تتحطم وتتهشم مثله ولكن بعد أن تحرق قلبك الحسرة على فقدانه، حيث تتمنى أن تكون قد مت قبل أن تراه ينهار.!

(14)

حينما أشتد عصف الريح فرحتُ لأني توقعت سقوط المطر، ولكن حينما عصف التفجير سُرقت الفرحة من قلبي.

(15)

أولُ كلمة نزلت من القرآن (اقرأ) بنت دينا قائما على الحقيقة والعلم، فأي حقيقة وأي دين بنت كلمة (فجّر)؟

(16)

من شروط الذباحة في الإسلام أن تسقي الذبيحة ماء قبل ذبحها، وأن لا تذبحها أمام أختها، فعلي أي دين يسقي الإرهابيون ضحاياهم الذل قبل ذبحهم، ثم يذبحونهم أمام أولادهم وأهلهم؟!

(17)

مارسنا الكثير من الغباء في سعينا لتطوير أنفسنا؛ فأصبح التفجير أعظم منجزاتنا، وأول ما استخدمناه ضد أنفسنا.

(18)

يجب أن نكون أذكى إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا فالعالم لا يحترم الأغبياء.

 

وفي أدناه الترجمة الإيطالية التي تفضلت بها الدكتورة أسماء غريب

 

Sussurri del dopo bomba

Sāliḥ al-Ṭā'ī (Iraq)

          (1)

          Non appena accade l'esplosione di un qualsiasi ordigno in qualsiasi luogo del mondo, specie se è l'Iraq; mio Paese, mi sento diventare la vera preda di tutta la vicenda terroristica. Il boia avrà pur inteso questo, dico avrà pure dei sentimenti o no?!

          (2)

          Più girano le ruote del tempo, più i loro segni diventano evidenti sulla mia fronte.

          (3)

          Con ogni compleanno che festeggio e, con ogni candela che spengo, vedo il buio avvicinarsi a me sempre di più.

          (4)

          Qualche volta può capitare che la fortuna inciampando cade, ma poi si alza subito. Ci avete mai pensato invece alle sorti che vengono al mondo già fallite sul nascere?!

          (5)

          Se solo la caduta di una certa mela era riuscita una volta a cambiare le convinzioni rigide del mondo, come mai oggi, la caduta di decine di migliaia di persone innocenti, non riesce a fare la stessa cosa?!

          (6)

          Mente colui che presume che l'eleganza non sia legata all'aspetto esteriore di una persona, l'apparenza è la chiave dell'accuratezza e dello stile altero, tuttavia restano solo parti complementari le altre qualità dell'Uomo. Ora ditemi cosa può fare una persona la cui classe ed eleganza sono state sequestrate dalle esplosioni degli ordigni?!

(7)

          Nessuno fra noi avrebbe mai immaginato di trovarsi un giorno in una situazione simile a questa di oggi. É vero che ci accumunano storie e desideri, storie che delineano le nostre realtà e desideri che sono speranze non realizzate ma è anche vero, che se fosse accaduto il contrario e i sogni fossero diventati realtà, forse questo avrebbe cambiato il volto delle nostre storie. Nei tempi degli ordini, questo non vi sembra una meta impossibile da raggiungere?!

          (8)

          Non penso che i miei desideri abbiano a che fare con la pace mondiale; l'individuo per quanto possa essere nobile ed elevato, agli occhi della direzione segreta del cosmo, non è altro che un numero futile e un insignificante bighellone. Nessuno se n'accorgerebbe di lui fin quando non viene frammentato e sparso nell'aria da qualche scellerata esplosione che fa del suo corpo un dipinto surreale che testimonia la ferocia e la crudeltà dell'Uomo.

          (9)

          Mi meraviglio di come Dio possa mettere insieme in paradiso due persone così opposte: una fedele e straordinariamente devota e l'altra delinquente in modo atroce e feroce. La prima perché non ha mai disubbidito alle norme della religione, la seconda perché pensa che la vera devozione non si concretizza se non assassinando innocenti e facendo esplodere in aria altri!

          (10)

          Dopo i gran viaggi fatti per il mondo lungo i miei sessanta cinque anni scrutando i volti dei popoli e curiosando costumi e abitudini, ho realizzato che un uomo può arrivare ad uccidere un'altro che non condivide la sua stessa visione e opinione solo quando è privo di vera fede e religione.

          (11)

          Lunghi sono gli anni che ho passato studiando religioni comparate e devo dire che non ho mai trovato una religione che odia la Pace, o che confessa l'odio fra gli uomini, quindi l'Amore dovrebbe essere dove c'è fede, mentre l'odio si manifesta solo dove la fede viene a mancare.

          (12)

          Ci sono uomini che riescono ad ottenere il massimo dalla vita senza aver sognato o desiderato nulla prima e, ci sono altri che pur essendo dei gran sognatori continuano ad errare tra le valli aspettando che si realizza qualche sogno o desiderio, questo se prima non spuntasse qualche esplosione e fa volare tutto in aria, vita, desideri e sognatori compresi.

          (13)

          Fa parte dell'ironia della sorte vivere con l'angoscia di veder un giorno crollare tutto ciò che hai costruito con grandi sacrifici a causa di un delittuoso ordigno. La cosa diventa più assurda ancora quando si continua a vivere pensando che anche tu oltre ai tuoi sogni potrai diventare frammenti sparsi in aria, quindi l'unica cosa che ti rimane è desiderare la morte prima di vedere crollare tutto intorno a te facendoti bruciare disperatamente il cuore.

 

A cura di Asma Gherib.

Tutti i diritti riservati – Vietata la riproduzione anche parziale. Per altri utilizzi si prega di chiedere l’autorizzazione alla curatrice e, comunque, di citare la fonte.

        

لماذا لم اعد أحضر الندوات والنشاطات الثقافية..!

shaker faredhasanفي الماضي البعيد الجميل كانت حياتنا تعج وتزخر بالنشاط الثقافي والأدبي الهادف الواعي، وكانت الندوات والأمسيات الثقافية، التي كان يشارك فيها نخبة طليعية واسعة من مثقفينا ومبدعينا، تستقطب أعداد هائلة من المشاركين من مختلف الشرائح والأعمار والأجيال . وكانت تعتمد على العمل الجماعي المخلص والأيمان الصادق والتخطيط الصحيح والسليم، وبدوافع وطنية وثورية وإيمان عقائدي غريزي، بعيداً عن أي ضجيج أو صخب، وعن أي دوافع وأهداف شخصانية وذاتية، وهدفها بالأساس تفعيل العمل الثقافي وتحريك الحياة الاجتماعية وبث الوعي بين الأجيال الصاعدة والناشئة، وخلق جيل مثقف متنور وواع .

لكن للأسف أن واقعنا اليوم مختلف تماماً، فقد تغير كل شيء بفعل ثقافة الاستهلاك والعولمة، وتبدلت المفاهيم والقيم والمعايير الاجتماعية، وبرزت النرجسية، مما افقد الندوات قيمتها وبريقها ووهجها، فغدت ذات أهداف حزبية وسياسية صرفة ولها دوافع مخفية، وتحولت إلى منصات استعراضية وتمثيلية حباً بالظهور والتقاط الصور لنشرها في المواقع الالكترونية والصحف المحلية ..! وفضلاً عن ذلك فإن الندوات لم تعد تجذب الجيل الشبابي الجديد، وما قيمة الندوة إذا لم يحضرها الشباب الصاعد، الذين هم أحوج للتوعية والتثقيف والتسلح بالثقافة والمعرفة والوعي ..؟!

ثم فإن المشاركين في هذه الندوات هم نفس الوجوه والشخوص، وكذلك المتحدثين الذين يتجاوز عددهم في أحيان كثيرة عدد الحاضرين والسامعين .

انطلاقاً من كل ذلك، واحتجاجاً على هذا الواقع السيئ والرديء قررت منذ سنوات، كما فعل الشاعر اللبناني أنسي الحاج، الانزواء في صومعتي ومقاطعة الندوات والمهرجانات الثقافية التهريجية وعدم حضورها والمشاركة فيها، وذلك حفاظاً على نقائي وعقيدتي وإيماني ووفاءً لمبادئي وقيمي التي أومن فيها، وتكريس وقتي في القراءة التزود بالمعرفة والكتابة ونشر الكلمة، لما لها من وظيفة اجتماعية وفعل تعبوي تحريضي ودور فاعل وهام في بلورة وتنمية الوعي ونهضة الشعب والمجتمع وبناء الإنسان . وكم كان الشاعر والقاص والمفكر الفلسطيني الكبير ابن قريتي مصمص، أحمد حسين، صادقا ومحقاً حين قال :

شعب المصيبة نحن في عصر زنت فيه الحضارة وانزوى الشرفاء

نعم هذا هو حال الشرفاء والأنقياء ينزوون كي لا يتلوثون ولا يسقطون أو يدجنون ..!

          

أجيالنا مسؤولية مــن؟

khoulod alhsnawiمما لاشك فيه إن موضوع نشأة الإنسان بالشكل الصحيح بحاجة إلى خبرة كبيرة ودراية إذ لابد لنا من أن نجد ضالتنا بهذا المجال، وهي كيف ننشأ جيلا صحيحا بإتباع أساليب تربوية سليمة فهذا الموضوع بحـر كبير لا يمكن أن نخوض غماره بسهولة ويسر بمجرد طرحه بمقالة أو كتاب أو أطروحة، فهو يحتاج إلى دقة ومهارة ووقت طويل، إذ أن أي خطأ ولو كان بسيطاً ممكن أن يؤدي إلى كارثة لا تحمد عقباها..لكن ممكن أن نمرعليه ببساطة من باب الفائدة والاطلاع ليعيننا على إصلاح ما فسد من أخلاق أولادنا ومحاولة تجنب مسبباتها قدر الامكان . إذ يجب أن يكون سلوك الفرد في تفاعله الاجتماعي قائما على احترام للقيم الأخلاقية والمثل الإنسانية التي تربط الأفراد فيما بينهم فيتحرك الفرد في الوسط الاجتماعي من موقع احترامه لنفسه وشخصيته واعتقاده بالقيم الاجتماعية لا من موقع عقدة وحاجة كامنة في اللاشعور ومثل هذا السلوك هو المطلوب وهو الذي يعتبر علامة على الصحة النفسية السليمة .

قال الإمام الصادق (ع):ـ (ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه) لقد أصبحت هذه المسالة بعد الدراسات النفسية من المسلمات كالتجبر والعناد وغيرها من الأمراض النفسية ذات العلاقة الشديدة بتربية الإنسان، فكلما كانت طفولته ضمن المسار الصحيح وتعويده على الثوابت السليمة والعناية به من كل الجوانب كان أفضل، واهم شيء العناية النفسية فإنها تنعكس سلبا او إيجابا على الفرد أولا وعلى المجتمع ثانيا وبالنهاية يكون هذا المجتمع هو الوسط الراعي لتلك الشخصية والتي ستؤثر به بشكل مباشر من حيث صحة نشوءه فإذا نشأ ذا شخصية قوية أصبح المجتمع قويا بامتلاكه هذا العنصر الإيجابي الذي سيساهم ببناءه وارتقاءه مساهمة فعالة والعكس صحيح لذا وجب الابتعاد عن أسلوب التوعُّد أو التخويف بأمور مخيفة، كالتأنيب المستمر والإشعار بالنقص والذنب بالنتيجة يتكون لديه ضمير شديد الحساسية يجعله يحاسب نفسه أو غيره على كل

صغيرةٍ وكبيرةٍ بتشدُّدٍ وانفعال، وكذلك خوف من المحاسبة بما يؤدي إلى الامتناع أصلاً عن القيام بأي نشاط خوفاً من العقوبة أو التعنيف واللوم، وعدم القدرة على المطالبة بحقوقه، والخوف من إشباع الحاجات خوفاً من العواقب، شخصية قلِقة متردِّدة، ينمو لديه شعور بالعجز عن مواجهة المواقف . فمن أبرز الطرق النافعة لإشباع الحاجة النفسية لدى المراهق تدريبه على قمع بعض الرغبات، دون تخويفه ولا العطف الزائد عليه، حتى لا يتحول العطف إلى تدليل، وإشغاله بهوايات فنية يتقنها، ولا بُدَّ أن نعلِّم المراهق تحديدا إنَّ الحياة ليست كلها مباهج ومسرَّات، وأنه يجب عليه أن يتعوَّد الصبر واحتمال المكاره فيُحِسَّ بقيمته ويرتقي بمركزه الاجتماعي.. ونربيه على تحمُّل شظف العيش فلا نترفَّه في تلبية طلباته جميعاً حسنها وسيئها، فينشأ وقد عرف الجهد والعمل لان المراهقة مرحلة خطرة جدا وهي محطة انتقال مهمة من الطفولة إلى الشباب فلابد أن نزرع قيم وأساسيات تنمو مستقبلا وتزهر لأنه تعود بمرحلة الطفولة على أسلوب خاص ولابد من التمهيد للخروج منه إلى أسلوب آخر يعلمه التهيؤ لمرحلة الرجولة وتحمل المسؤولية مستقبلا وأخيراً نقول:

إنَّ المسؤولية ليست مسؤولية الدولة فحسب وإن كان يقع عليها العبء الأكبر، ولكنها مسؤولية مشتركة بين الجميع لإنجاح التعامل مع المراهقين، وهو ليس أمر الوالدين أو الأسرة فقط بل كل العائلة والأقارب، بل الحي والقرية، والمدرسة والمرافق العامة والمؤسسات المختلفة في الدولة. إذ إنَّ ما يتم بناؤه في البيت قد يُهدَم في الشارع أو المدرسة أو أمام شاشة التلفاز  وغيرها كثير من الوسائل الاخرى المتوفرة حاليا بسبب التقدم التكنلوجي السريع. إنَّ المقصود أن يعرف كلٌ مِنّا دوره وأن يتذكر أنّ هؤلاء أبنائنا وهم قطعةٌ مِنَّا، وأنَّ بنائهم بناءاً قوياً متيناً يعتبر نجاحاً لنا واستمراراً لعطائنا في المستقبل، وبِذا نخاطب: الوالدين، الأخوان والأخوات، جميع الأقارب، المدرِّسون والمدرسات والإعلاميون والتربويون عموماً ثم الدولة في أعلى قمتها وكل من كان في موقع المسؤولية في أيِّ مجال، أن اتقوا الله، وقوموا بما يمليه عليكم دينكم وأحسِنوا معاملة أولادكم لتكونوا سبباً في إصلاحهم فتسعد بهم البلاد والعباد، وتؤجرون على ذلك إنْ شاء الله تعالى .

 

خلــود الحســــــــناوي

 

شعراء النثر .. الولع بالشعر - عند العراقيين- ولع فريد ..

لقد فاق العراقيون جميع نظرائهم بهذا الضرب من التعبير قديما وحديثا. وبينما يرى البعض في ذلك وسيلة مهمة من وسائل الارتقاء المعرفي، يقول آخرون إن هذا اللون من الثقافة أسهم إلى حد كبير في الحط من قيمة الوقت عند العراقيين، لاسيما الشعراء منهم، والنأي بهم عن العمل المثمر، والإعجاب بالنفس إلى حد التأليه. ويستشهد أصحاب هذا الرأي الأخير بشعراء قصيدة النثر، فأشعارهم بحسب زعم هذا الفريق مبهمة، وتصيب القارئ بحالة من الضيق والكآبة، بل النفور من عالم الأدب بأسره، وذلك لغموض ما يكرره شعراء النثر من ألفاظ مخرومة بـ (الحبق)، وآلهة الرخام، الممزوج بوعورة الفقاع على (إسفلت) ماخور اللهب الفضي المنهال على أعشاش الكرز، والكستناء في ضراوة الطهر الماثل بين خنصر انكيدو والخوخ المسلوق!

الطريف أن شعراء قصيدة النثر عندما يستمعون لأحدهم، وهو يسترسل في خرم الحبق بآلهة الرخام تنتاب أكثرهم غيبوبة من الذهول انبهارا بالمنجز الإبداعي الذي لم يفهموا منه شيئا على الإطلاق. ترى هل السر في هذه الغيبوبة يكمن في قاعدة: (إصغي لمنجزي الإبداعي مرة أصغي لمنجزك الإبداعي ألف مرة)؟ الله أعلم.

شعراء النثر يستطيعون بمنتهى السهولة، واليسر تعليل عشرات التناقضات الموجودة في قصيدة أحدهم استنادا إلى نظرية النص المفتوح التي تسمح بمئات آلاف التفسيرات للـ (حبقة) الواحدة. وعندما تتجرأ على سؤال أحد هؤلاء الشعراء الجبابرة عن معني (الحبق) الممزوج بوعورة الفقاع، فعليك أن تفهم أولا بأنك من جنس لا يمت بصلة إلى الإبداع الذي تمخض عن: خرم الحبق في إسفلت رخام الماخور..

هؤلاء الشعراء في غالبيتهم العظمى لم ينظموا بيتا واحدا وفقا لأوزان الخليل التي لا يقيمون لمبتكرها وزنا أبدا، ويحمِّلونه المسؤولية كاملة عن ضياع: اللهب الفضي المنهال على أعشاش الكرز والكستناء، ابتداءً من أواخر القرن الهجري الثاني وحتى أيام نازك، وبدر اللذينِ يُضمر لهما شعراء (الحبق) حقداً رهيباً نتيجة عدم إكثارهما من قذف الإسفلت في جبهة أنكيدو .

هؤلاء الشعراء حاروا طويلا في الإتيان بتوصيف واضح لما ينثرونه من شعر فوق الخوخ المسلوق. فهم يأنفون بإباء شديد أن تختلط أشعارهم العظمى بأشعار السلفيين السفلى .

وبسبب هذا الاستنكاف الناجم عن سلق الخوخ بسرعة شديدة، فقد توصلوا بعد لأيٍ إلى اختيار (الجنس الرابع) اسما   لقصائدهم مبهمة الأصل . لكن إجماع أربعين مثليا جنسيا في بغداد على تسمية أنفسهم بأصحاب (الجنس الثالث) أفسد على شعراء النثر فرحة الانتماء، فتنصل بعضهم سريعا عن هذه التسمية القابلة لتأويل الشعراء الرجعيين ..

من يدري فقد يربط أحد الخبثاء ربطا خبيثا بين المنجز الإبداعي لصاحب الجنس الرابع، ومنجز صاحب الجنس الثالث..

 

لطيف القصاب

 

 

من مروج العمارة

ibrahim alkayatفي الماضي كان الراوي هو المسعودي علي بن الحسين، وكنيته أبو الحسن، ولقبه قطب الدين، من ذرية عبد الله بن مسعود. وقد أورد ذلك بنفسه في كتابه الشهير الذي يقول عنه: لقد وسمت كتابي هذا بـ "مروج الذهب" لنفاسة ما حواه.

كان المسعودي مؤرخا وعالم فلك وجغرافيا، وكان كثير الأسفار، وتحدث مليا عن البلدان. لكنه ما علاها على بغداد، كونها مسقط رأسه. وكان شيعياً معتزلياً، حتى أولى الأحداث المتعلقة بالامام علي بن أبي طالب في مروجه اهتماماً كبيراً. وعن معركة صفين ذكر أن معاوية بن أبي سفيان حرك قواته نحو أعالي الفرات في وادي صفين، فاحتلها ومنع تقدّم جيش الإمام علي، وـ نكاية ـ حبس الماء عنهم. فطلب منه الإمام أن يسمح لجيشه بالاستقاء، فأبى معاوية. وأضرّ الظمأ كثيراً بأهل العراق، وزدات الحاجة لكسر الحصار، فأذن الامام لهم بالهجوم على شاطئ الفرات، وتمّت إزاحة قوّات معاوية عن ضفّة النهر. ولكنّ الإمام لم يقابل معاوية وأهل الشام بالمثل، اذ فسح لهم المجال لأخذ الماء ما احتاجوا اليه.

وفي الماضي القريب يكون الراوي مصطفى العقاد، وهو مخرج ومنتج سينمائي سوري المولد (1930) أمريكي الجنسية، درس السينما بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وبعد تخرجه عمل مساعدا للمخرج العالمي "الفريد هيتشكوك" حيث تدرب على يديه ونال خبرة كبيرة من خلال عمله معه.

اشتهر في هوليوود ومن أشهر أفلامه "الرسالة" الذي يتحدث عن نشأة الاسلام، و"أسد الصحراء" عن عمر المختار الذي قاوم الاستعمار الإيطالي لبلده ليبيا أوئل القرن العشرين. وكانت البطولة في الفيلمين كليهما للممثل أنطوني كوين. واستشهد العقاد عام 2005 في انفجار ارهابي ضرب فندق غراند الحياة بعمّان.

في فيلم "أسد الصحراء" الذي انتج عام 1981، يدور حوار بين عمر المختار وأحد الثائرين من رجاله، كان قد منعه من الإقدام على قتل ضابط إيطالي لحظة أسره. يحتج الثائر ويصرخ مستنكراً: "ولكنهم يقتلون أسرانا". فيجيبه عمر: " لكنهم ليسوا قدوة لنا".

واليوم يصبح الراوي شاعرا هو كاظم غيلان، الذي ظهر اسمه اخيرا في قوائم السجناء السياسيين. وفي زيارة لأثيرته "العمارة" عرج على دار شقيقته (أم كامل)، وهي سيدة كريمة مسنة تعاني من ضعف في سمعها. فأفرحها بخبر ظهور إسمه، وأسرّها أنه سيتسلم المتراكم من مستحقاته وهي عشرات الملايين من الدنانير. فأجابته وفي قولها خصلة من سماحة الامام علي وسماح الحكيم عمر المختار:

ـ خويه أبو جويدة، لا تنسه اللي كتب عليك وكسر ركبتك، صحيح هو مات وآنه أدعي من الله كود لا يرضه عنه، بس خطية عاف وراه عيال وعائلة محتاجة، ومن الزينات لو تناوشهم جم فلس لمن تستلم، واجعلها زكاة..

 

اعتني بنفسك....

khayeri aryanفي كل مرحلة من مراحل حياتنا تكون هنالك رغبة قوية وملحة لتغيير أشياء في حياتنا كانت مغلوطة ....

تذكر واعلم ..

أن أول خطوة عليك القيام بها هي الثوره الأولى والأهم في داخلك ..

أن المحاربه من أجل فكرة .. دون وجود فكرة عنها .. تعتبر من أخطر الأمور التي يمكن أن نفعلها....

في كل مرة تشعر أنك منهك .. متوتر .. متخبط .. انظر إلى الأشجار وفكر كيف تنمو ..

تذكر أن شجرة كثيرة الأوراق والثمار وقليلة الجذور وغير قوية سوف تسقط مع أول هبة ريح ...

بينما الشجرة ذات الجذور القوية المتلاحمة حتى وأن كان ورقها وثمرها قليل .. لا يهمها تقلبات الطقس وتبقى صامدة ...

الجذور والثمار والأوراق يجب أن تنمو بشكل متناسق ومتوافق .. وعليك أن تكون مع الأشياء وتكون دائما

فوقها فقط بهذا الشكل تستطيع أن تعطي الظل والحماية .. فقط على هذا النحو تستطيع أن تمتلئ في الفصل الصحيح بالثمار والزهور والأوراق ...

وعندما تُفتح أمامك عدة طرق ولا تعرف أيها تختار .. لا تسلك واحدة صدفة .. لكن اجلس .. وانتظر ..

خذ نفس عميق مع الثقة وتذكر ذلك النفس الذي أخذته يوم أتيت الى العالم دون أن تكترث لأحد ..

انتظررر .. انتظررر .. انتظر مرة أخرى .. ابق واقفاً دون حراك .. وبهدوء .. اصغ إلى نداء قلبك ..

وفقط عندما يتحدث إليك .. انهض وقف واذهب معه حيثما يأخذك ..

وأخيرا اعتن أولا بنفسك واعمل على التغيير داخلك واشحن نفسك بالقوة والطاقة ولا تنظر إلى نفسك من خلال الآخرين ولا تنظر إلى عيوبهم وتنشغل بها فتنسى عيوبك وتنسى تحسينها .

وإليك هذه القصة وتأمل: انتقل رجل وزوجتة إلى منزل جديد وفي صبيحة اليوم الاول وبينما كانا يتناولان وجبة الفطور قالت الزوجة: مشيرة بإصبعها من خلال النافذة المطلة على شرفة جارتها انظر إلى غسيل جارتنا إنه ليس نظيفاً ، انها تستخدم مسحوق غسيل رخيص أو ربما لا تجيد الغسيل. ودأبت الزوجة إلى إلقاء نفس التعليق في كل مرة ترى جارتها تنشر الغسيل .. وبعد شهر اندهشت الزوجة عندما رأت الغسيل نظيفا على حبال جارتها وقالت لزوجها .. أنظر لقد تعلمت جارتنا أخيرا كيف تغسل ..

فأجاب ألزوج: عزيزتي لقد نهضت مبكرا هذا الصباح ونظفت زجاج النافذة التي تنظرين منها .

 

جهاد النكاح

1shaweqi moslmani- (لا إكليروس في الإسلام!)  

ـ فتوى "إرضاع الكبير" للشيخ عزّت عطيّة.

ـ فتوى "لا حرج إذا أراد الزوج ممارسة الجنس مع زوجته بعد ساعات من موتها" للشيخ عبد الباري الزمزمي.

ـ فتوى "قيادة المرأة للسيّارة تعرّض مبيضها للخطر" للشيخ صالح اللحيدان.

ـ فتوى "تناول المرأة للخيار أو الموز أو الجزر يستثيرها جنسيّاً ولا بدّ من تقطيعها من قبل محرم كي لا تمسكها بحجمها الطبيعي". لمأذون يعيش في أوروبّا!.

ـ وأخيراً: فتوى "للرجل أن يتّخذ 50 سوريّة ملك يمينه" للشيخ ياسين العجلوني.

 

2 - (فراس الشوفي \ الأخبار)

"... تشير المصادر إلى أن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" طلبت من كلّ القرى، إجمالاً، إعلان ولائها لها، وفي أغلبيتها قرى سنيّة، وهي تعاملت مع القرى بسياسة العصا والجزرة، فمن يلتزم ويعلن ولاءه للدولة لا يصيبه ضيم، فيما يتعرّض المعارضون للتنكيل والتهجير والقتل الممنهج ومصادرة الأراضي والممتلكات". وتؤكّد المصادر أن بعض أمراء "الدولة" تعاملوا في بداية سيطرتهم على إدلب بنحو إيجابي مع القرى الدرزية، لمعرفتهم أن الدروز لم ينحازوا منذ بداية الأزمة إلى جانب النظام السوري، بينما تغيّرت الحال قبل فترة، ليصل الأمر بالهيئة الشرعية إلى الطلب من الدروز "إشهار إسلامهم" فيما تقول مصادر أخرى إن "الهيئة طلبت من المسؤولين عن خلوات الدروز إضافة قباب ومآذن إلى مباني الخلوات، لتصبح رسمياً مساجد للمسلمين، وكذلك طلبت إليهم التقيّد بالأحكام الشرعية المتعلّقة بالأزياء عند الذكور والنساء، وحفّ الشوارب عند الذكور".

 

3 -(جهاد النكاح)

كنّا بزواج المتعة والعرفي والمسيار حتى صرنا بأعلى درجات الكفاح: صرنا بجهاد النكاح!.

 

4 - (اسكندر حبش)

"حين قرأنا الليل

في كتاب قديم..".

  

5- (وجهة نظر)

من علامات جبروت الشخصيّة: القدرة الفائقة على التدثّر بالحبّ، أو التظاهر به.

 

6 (لا شيء)

لا شيء في الوجود، مهما بدا باهراً، أو ساحراً، يُلفت نظر ميْت!.

 

7 (كُرةُ العاج)

كُرةُ عاجٍ مُزخرفة داخل كرة عاج مُزخرفة داخل كرة عاج مُزخرفة، وقيل، وعلى نحو ما، إنّ ذلك يُمثِّل الأغطية المُركّبة لروح الإنسان. عندما يلعب موظّفٌ كبير بالأفكار، فيما أظافره الطويلة تلفّ بين الأفلاك، هل هو في يوم تخيّلَ شفةَ فيل مدمّاة، مرتعشة؟ أو كائناً يموت في قارّة بعيدة؟ أو رجلاً ملوّناً بالأسود مُتعَباً؟ أو خنزيرَ تجارة وشساعةَ رحلةٍ خطِرة؟. قوّةُ الإتّحاد في الأقاصي المثقّفة أدركها كونفشيوس من أجل حكمة إدارةِ الصين.

David Wansbrough شاعر أسترالي.

 

شوقي مسلماني

 

أحبب وافعل ما تشاء (1): في المحبّة تسكن كلّ القيم

madona askarالقيم هي المبادئ العليا الّتي توجّه سلوك الجماعة وتساعدها عل التّمييز بين الصّواب والخطأ كالتّسامح، والحقّ والقوّة والعدالة والإرادة ... ومن خلال اكتساب القيم والسّعي للحفاظ عليها يرتقي الإنسان بإنسانيّته حتّى يبلغ كمالها.

كلّ إنسان يحمل في داخله القيم، لأنّه هو بذاته قيمة، ولكنّ الفرق بين إنسان وآخر هو السّعي لتعزيز هذه القيم والسّلوك بها رغم كلّ العوائق. كذلك كلّ إنسان يحمل في ذاته جوانب مظلمة تحول بين إرادته في سلوك هذه القيم وبين عدم سلوكها. بمعنى آخر، غالباً ما يكون الإنسان في صراع بين إرادة الخير الّتي فيه وإرادة الشّرّ. فكم من مرّة قمنا بعمل لا يتوافق وإنسانيّتنا ثمّ تساءلنا عن سبب الفعل؟ وكم من مرّة أردنا أن نسلك بإنسانيّة وتراجعنا؟ وهل نسلك في القيم الّتي نحملها ونكتسبها، بإرادة حقيقيّة أم أنّنا أحياناً نتغنّى بها وحين يتطلّب منّا موقف ما السّلوك بإنسانيّة نتراجع؟

إنّ الإنسان تركيبة غريبة، وتحتاج إنسانيّته للبنيان. هو في هذه الحياة مشروع إنسان إلى أن يحقّق في ذاته إنسانيّته فيصير إنساناً. من الصّعب على الإنسان أن يظهر صورته الحقيقيّة الكاملة وذلك لأنّه لا يعلم حقيقته بشكل كامل. كلّ ما يعرفه يبقى يسيراً أمام المعرفة الحقيقيّة وبالتّالي ما لم يبحث عن ذاته في ذاته، يبقى عابراً في هذا العالم، عاش على هامش الحياة ومرّ فيها دون أن يحقّق ذاته وكيانه الإنسانيّ. الإنسان بناء خارجيّ وداخليّ، ويُبني الخارج بالعناصر الطّبيعيّة كالهواء والحرارة والطّعام والشّراب.. ويُبنى الدّاخل بالقيم الّتي بدورها تنعكس على الظّاهر وعلى فعله الإنسانيّ.

هذه القيم، لا بدّ أنّها تحتاج إلى مقياس، أو إلى نبع تستقي منه كلّ قيمة، كيما تكون موجّهة بشكل إراديّ، نابع من قلب الإنسان، دون مصلحة أو شرط. فإن اختار الإنسان أن يسلك في القيم لسبب ظاهريّ فكأنّه لم يسلك، وبالتّالي ستكون إرادة الخير للبنيان هشّة، وتسقط مع أوّل مواجهة لصعوبة أو ضيق.

القيمة العليا أو النّبع لكلّ القيم هي المحبّة. والحديث هنا عن انفتاح عقليّ وقلبيّ على الحياة وعلى الإنسان، وليس عن محبّة عرضيّة لأفراد معيّنين يحملون خصائص تجمع النّاس ببعضها. المحبّة القيمة، هي الانفتاح على الجميع بالعقل والقلب، دونما الذّوبان في بعضنا البعض، وإنّما كي نساهم معاً في بناء بعضنا البعض.

أحبب وافعل ما تشاء. حين تنفتح على الآخر وتحبّه لن تتمكّن من إيذائه أو الانتقاص من كرامته الإنسانيّة، وبالتّالي بالمحبّة يتحقّق الاستقرار في الجماعة وتتحقّق القيم المرجوّ الوصول إليها حتّما نرتقي معاً إلى الإنسان الحقيقيّ فنبلغ إنسانيّتنا.

 

 

التبني الأدبي

يمكننا تنبع فكرة التجديد الأدبي في خضم عملية الإبداع التي نختصرها في تلك المراحل:

مرحلة التحضير-الحضانة-الإشراق-التنفيذ.[1],والتجديد يمكنه ان يمر بأي مرحلة من تلك المراحل ,سواء بالتحضير والتفكير بالعمل لتخطي الحاجز القديمة, وتبقى أهم من مرحلة الإشراق التلقائية العفوية التي لا سلطة هنا إلا للقريحة, بينما مرحلة التنفيذ التي تمتزج بالتنقيح يمكنها أن تعطي وجها جديدا للعمل ويمكن لموجات التجديد أن تجد قوة بدعمها تنفيذا كمبنى ومعنى, إما كإنجاز كتفرد أو بالاستعانة بمن يتبنى الموهوب الذي يبحث عن ملامح جديدة في أعماله كما نلاحظ دوما في الشرائح الجديدة.

لكن فكرة تلمع هنا عن سلطة الاستقلالية ,وامتداد السلطوية للمتبني, بحيث يمارس سطوة ديكتاتورية تجعله يكسي الموهوب شخصيته وقلمه ليكون امتدادا له, بينما لكل قلم ملامح خاصة ينفرد بها دوما, وغالبا تظهر هذه في التجمعات الثقافية يقول علي عطوان هنا:

حول خضوع الكثير من هذه التجمعات الثقافية، لسلطة التبني من قبل جهات معينة، و كيفية تجاوز تلك السلطة، لمحاورة الآخر، أجابوا:

على التجمعات الثقافية أن تتوفر على الاستقلالية الكاملة.[2]ويكاد مفهوم التبني غائبا عن التحديد لسقفه عمليا.

ويكاد يكون المفهوم غائبا عن حلبات الأبحاث ,رغم حضوره فعلا, ولم يعالج بعد بأبعاده الهامة والحساسة, فرب متبن مخلص أنجب موهبة معوجة والعكس صحيح,

وربما كان التبني كاملا أو جزئيا.

فالكامل يعتبر متابعة لكل أركان الموهبة تصويبا لغويا ومعنى ومبنى.

أما الجزئي, فهو متابعة من بعيد ,ودفع وتشجيع بملاحظات ,للبيب يعرف ماذا يريد, وكيف يوجه وينمي موهبته.

يعرف الأستاذ راهيم حساوي, في مقاله :التبني أدبيا والذي نشر في العدد 104 من مجلة "دبي الثقافية":

هو مشروع له فائدة تتمحور في نقل الصراع ,من الصراع الدائر بين المواهب الشابة ,إلى صراع بين أصحاب الشأن الذين هم عبارة عن قامات كبيرة, في الحقل الذي هم فيه.

 

لماذا قدم التعريف أستاذنا على أنه صراع؟, هل هو صراع فعلا تنافسي؟, أم هو عطاء ودفع للأعلى؟

اما بالنسبة للتجديد للمحترفين ,والموغلين بعالم الأدب, فإن الإنجاز الحقيقي يكون إما بتجاوز سقف من سبقوه, أو بطرح أسلوب ولون إبداعي جديد, أو بالتحرك ضمن نطاق الفكرة الجديدة.

اما عن فكرة التبني معجميا:

في التنزيل العزيز: وإِنَّ أَوْهَنَ البُيوت لَبَيْتُ العنكبوت؛ وأَنشد سيبويه فيما تَضَعُه العربُ على أَلسنة البهائم، لضَبٍّ يُخاطِبُ ابنه: أَهْدَمُوا بَيْتَكَ، لا أَبا لَكا وأَنا أَمْشِي، الدَّأَلَى، حَوالَكا ابن سيده: قال يعقوب السُّرْفةُ دابة تَبْني لنفسها بيتاً من كِسارِ العِيدانِ، وكذلك قال أَبو عبيد: السُّرْفة دابة تبني بيتاً حَسَناً تكون فيه، فجعَل لها بيتاً.[3]

فهل مفهوم التبني هو ان يبني المحترف بيتا جديدا إبداعيا للموهوب؟

 

[1] للمزيد:

http://www.gulfinnovation.com/Ar_Bus...nnovation.aspx

[2] http://www.annabaa.org/nbahome/nba79/012.htm\

[3] المصدر:

http://www.baheth.info/all.jsp?term=...A8%D9%86%D9%8A

 

الفديرالية والديقراطية!!

من المعروف في الدراسات الجامعية وحتى قبلها، أن الطالب إذا لم يواكب مواد الدرس فأنها تتراكم، ويجد نفسه لا يفهم ما يقوله المدرس في المحاضرات المتلاحقة، وهذه من الأسباب الرئيسية لتعثر التعليم ورسوب الطالب، وإصابته بإضطرابات نفسية وسلوكية وشعور أليم بالفشل والضعف والقصور.

فالعلة ليست في درجة ذكاء الطالب وعدم قدرته على التعلم والإستيعاب، وإنما لإنشغاله بأمور وموضوعات أبعدته عن القيام بواجباته المدرسية والجامعية كما ينبغي، لكي يكون قادرا على الإرتقاء بمعارفه إلى المستوى المطلوب للنجاح.

وهذا ينطبق على مجتمعاتنا التي رسبت في مدرسة الديمقراطية، وما عادت تفهم مفرداتها وتستوعب قوانينها ومعاييرها، وماهي حقيقتها السلوكية والتطبيقية، فما تعلم المجتمع مبادءها وأصولها في البيت والمدرسة والشارع، ولا عهد نظاما سياسيا يشير إليها من بعيد أو قريب.

أي أن المجتمع مثل الذي لا يعرف القراءة والكتابة وعليه أن يدخل مدرسة محو الأمية لكي يتعلم ويعرف.

ومجتمعاتنا لم تدخل في مدارس محو الأمية الديمقراطية، وإنما وجدت نفسها بغتة تتحدث عن الديمقراطية، ومثلها كالأمي الذي وجد نفسه عليه أن يقرأ ويكتب فورا، وهو لم يكتب حرفا أو يقرأ كلمة في حياته.

وهذا مأزق حضاري خطير لم تنتبه إليه الثورات العربية، وحسبت أن الناس مثقفة وواعية ديمقراطيا، ولهذا أصبحت الديمقراطية ذات تعريفات مشوشة، ووفقا لقياسات الرغبات والغايات والتصورات الضيقة، والمندحرة في الصغائر والخنادق، والجحور المظلمة والزوايا الحادة الخانقة.

وفي حقيقة الأمر أن مجتمعاتنا تعيش أمية ديمقراطية مروعة، وتحاول أن تُظهر نفسها على أنها عارفة بها، وخبيرة بأصولها وثوابتها وقيمها وأخلاقها، ومثلها كالذي يطلق لحيته ويضع طرة على جبينه ويبدو بهياة العارف بالدين، وهو لا يفهم آية واحدة من القرآن الكريم، فيخدع الناس ونفسه ويجني على الدين وأهله.

وما أكثر المُدعين بالديمقراطية، وهم أجهل الناس بها، لكنهم يرفعون راياتها ويصولون ويجولون بإسمها، وما قدموا لمجتمعاتهم إلا الويلات والتداعيات، والفقر والفساد والحرمان من أبسط متطلبات الحياة.

ووفقا للجهل العارم، فأن الطرح السائد والمتواتر يتصف بذات المواصفات، ولا يتفق مع مبادئ وأساسيات الديمقراطية، التي عليها أن تعزز الحرية الواعية المسؤولة، والكرامة الإنسانية والوطنية والمصالح المشتركة، والوحدة الوطنية وتعزيز قدرات الإتحاد المتنوعة، وأن تكوّن نظام حياة جامع يؤهل المجتمع للتفاعل الإيجابي، وإطلاق القدرات النافعة المساهمة بالقوة والرفعة والغد الأفضل.

وعلى ما تقدم تترتب أوهام وأضاليل وتصورات قاصرة، تستند على تداعيات تفاعلات دائرة الأمية المفرغة، التي تلد ما لا يحصى من الرؤى والأفكار، المأسورة بآليات التواصل السلبي مع مفردات الواقع المحتدم بالويلات.

وهذا يعني أن أي قرار ينجبه رحم الإضطراب والتخبط سيمتلك درجة عالية من الخطأ، وربما يكون خطيئة شنيعة، ويندرج تحت ذلك، جميع الطروحات الناجمة عن الجهل الديمقراطي العاصف في أرجاء المجتمع، والذي جعل الديمقراطية مطية للتشرذم والإنقسام، والتشويش والتشويه، وميدانا للتفاعلات القاصرة المكللة بالخسران.

المنطق الفدرالي (المجهول) هو أحد المفردات التي تحتضنها خيمة الجهل الديمقراطي الوخيم، إضافة إلى هذيانات الأقاليم وتبعاتها وما أوجدته من إتجاهات صعبة.

فلنمحو أميتنا الديمقراطية أولا، قبل أن نتحدث عن مصطلحات أخرى، نحن أشد جهلا بها وغربة عنها!!

 

د-صادق السامرائي

مطبات ابو زيد في نقد الخطاب الديني

الانتقاد من اهم اولوياته ان الشيء المنتقد موجود وثابت نصا من غير ان يقوم المنتقِد بتاويل النص وفق مفهومه واتهام الاخرين به ومن ثم القاء سفاسفه النقدية لهذا النص، ومثل هؤلاء قد يكون اصل ما يريدون اثباته فيه بعض الصحة الا ان انتقاده الاهوج يذهب به بعيدا عن المنطق وقد يساعده على ذلك ان حامل الفكر الذي ينتقد متعصب ولا يفقه في النقاش فيكفر الاخر فتكون صبغة التكفير وعدم التفكير من الاتهامات التي يروجها اصحاب الافكار الحديثة النقدية للخطاب الاسلامي .

وقبل كل شيء لابد لنا من تشخيص الخطاب الديني فمثلا حامد او زيد هو يعرف الخطاب وفق افكاره ويبدا بنقده بالرغم من ان الخطاب الديني له عدة اوجه بسبب مرونة اللغة العربية وتعدد المذاهب ،حسب راي حامد ابو زيد " التفريق بين الدين والتدين: الدين هو عبارة عن مجموعة من النصوص المقدسة والثابتة، والتدين أو الفكر الديني هو الإجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص، وهي إجتهادات تختلف من عصر الى عصر ومن بيئة الى بيئة"، ولكن اجمالا يمكن فهم الخطاب الديني هي الافكار التي تاتي بها السماء الى الارض وتكون باربع اتجاهات وهي تقويم علاقة الانسان بخالقه ومع نفسه ومع المجتمع ومع الموجودات الاخرى كان يكون الحيوان والنبات. هذا هو الدين واما النصوص التي تثبت هذه العلاقات الاربع فيكون الحديث عن تفسيرها وتاويلها بحث اخر وهو ليس حكرا على شريحة دون غيرها كما يدعي ابو زيد فانت تستطيع ان تفسر ما تشاء وتطرح ما تريد من اراء بدلا من اشغال قلمك وفكرك في نقد الاخرين لتاويلات انت اولتها ومن غير وضع الحلول لما تعتقده خطا بل مجرد الانتقاد .

فعلاقة الفرد مع الله هي من خصوصية الفرد فان كان يتقن هذه العلاقة فانه لا يحتاج لا الى فقيه ولا الى علماني ولكن ان اشكل عليه بعض جوانب هذه العلاقة فمن المنطق ان يستنجد باصحاب الاختصاص فلو اشكل عليه امر في الصلاة او الصوم او الحج فانه يسال الفقيه لا ان يسال النجار.واما علاقة الفرد مع نفسه فهذا ايضا من خصوصياته والدين يطالب الفرد بان يكون بافضل صورة علما وشكلا واجتماعيا، والاهم علاقة الفرد بالمجتمع فهذه العلاقة تثبتها النصوص الدينية (قران وسنة) وهذه النصوص لها رجالاتها في تفسيرها ويستطيع حامد ابو زيد ان يلجها.

اما تجديد بعض المفردات التي كانت تستخدم في زمن الرسول والصحابة فهذه ليست مشكلة كان تستبدل الجزية برسوم الاقامة لان سابقا ليست هنالك دول بل اديان والان اصبحت دول فالمسلم يدفع رسوم الاقامة في بلد مسلم اخر والمسيحي يدفع رسوم الاقامة في بلد مسيحي اخر، واما الحديث عن الجواري في الكتب الفقهية هي لتوضيح الاحكام الشرعية في ذلك الزمان والتي اغلبها لم يتطرق اليها في الرسائل العملية لمجتهدي الامامية ، وليعلم من يعتقد ان هنالك امور لا يمكن لها ان تحدث اليوم فان هذا التصور خاطيء لاذكر هذا المثل : في نهاية الثمانينات كنت اقرا عن اذا تنجس ماء البئر وعن المسافة التي يجب ان يحفر البئر عن مكان الكنيف (البالوعة) وفي حينها قلت هل يحصل هذا؟ وبالفعل في حرب بوش الاب والابن التي تعرض لها العراق اصبح هنالك مكاتب لحفر الابار والكثير ممن تعرض للاشكالات التي تطرقت اليها كتب الفقه من نجاسة ماء البئر وكيف تطهيره؟

لك الحق يا ابو زيد كل من يدعي انه الاعلم وغيره الجاهل ولا يحق للاخرين ان يخالفوه ومثل هذا يجب فهم خطابه ونقده لا القاء سيل من الكلمات اللاذعة كان تتهمه بالجهل واستعباد العقل والغاء شخصية الاخرين، اثبت هذه التاويلات من خلال النصوص ومن ثم انتقد

كتاب ابو زيد نقد الخطاب الديني اغلبه ثغرات ولا مجال لرده بمقال

 

نحو مفهوم حيادي للجنس في فرنسا

tara ibrahimاللون الوردي هو لون للاناث واللون الازرق هو لون للذكور حسب قانون شفرة الألوان التي أصبحت تميز جنس المولود وتعطيه الطابع الذكري أو الأنثوي، الأمر الذي يعتبر حديثا ولا يتجاوز الخمسين سنة من حيث العمل به، ففي الماضي كان اللون الأبيض هو لون البراءة الذي كان يزين حديثي الولادة دون تمييز. الغريب في ذلك والذي يمكن أن يعتبر من المفارقات أن اللون الوردي كان يرمز في السابق الى الفرسان واللون الأزرق كان يشير الى مريم العذراء، كي تختلف المعايير الآن لربط الوردي بالفن والرقة والجمال والأنوثة أما الازرق فهو لون الذكورأو كما يطلق عليهم أولياء العهد المباركين من السماء.

الأمر لايقتصر فقط على الألوان بل وعلى طريقة التعامل وأسلوب الحياة التي تفرض أن تكون الأنثى أنثى والذكر ذكرا، فمثلا كثيرا ما نسمع العبارة "لاتبك مثل البنات" أو "أنت فتاة ولست قادرة على فعل ذلك"..الخ من الأمورالتي تعمق الاختلاف ما بين الجنسين وتمنح كلا منهما طابعا خاصا يميزه عن الآخر، مما دعا الهيئة العامة للقضايا الستراتيجية أن تقدم تقريرا طويلا ومفصلا الى وزيرة حقوق المرأة لإلغاء هذه الإختلافات على أثر دراسات معمقة من قبل مختصين في التربية والتعليم وعلم الأجتماع والنفس على الرغم من أن هذه القضية هي قضية كلاسيكية ولكن يبدو أن الأمر يتفاقم بسبب نمط الحياة التي أصبح يزيد الطين بلة كما يقال، فلقد تذمر الكثير من الاباء والأمهات هذا العام لدى رؤية (كاتالوك) العاب الأطفال وفيه صور أولاد يلعبون بسيارت وبنات يلعبن بالدمى، الأمر الذي يؤدي بالأطفال الى التساؤل لماذا هذا الإختلاف ؟ قد يعود السبب الى الإعلانات التجارية وسياسة التسويق التي باتت تحتل مكانة كبيرة في هذا المجتمع وتثيرفيه الصورأمورا مثيرة للتساؤل والجدل.

ينص التقريرعلى توصيات يجب اتباعها والعمل بها في جميع المجالات، كتدريس الف باء المساواة في المدرسة الابتدائية وتدريجيا.، حيث يتم تدريب المعلمين على توعية البنات والأولاد على أنهم لايجب أن يضعوا حدودا لقابلياتهم دون سبب معين، هذه العملية التربوية عملية حرجة وصعبة لتعليم الأطفال كيفية النظر إلى المستقبل من دون حواجز ومع احترام الجنس الآخر. فالمساواة مفهوم يجب تعليمه كباقي مفاهيم الحياة الأخرى، لايتعلق بنكران الإختلاف الجنسي بل هي رسالة لها معنى عميق وهي أن هذا الإختلاف لايجب أن يبررعدم المساواة.

وتطول القائمة لتشمل المهن، فهنالك مهن مقتصرة على النساء مثل القابلات والحاضنات، حيث تسمى القابلات في فرنسا "المرأة الحكيمة" حتى وان كان جنس الممتهن رجلا، ومهن أخر تقتصر على الرجال مثل سياقة الباص والأعمال التقنية التي تتطلب جهدا بدنيا، لذا فالهدف من التقرير أن يتم فتح آفاق جديدة أمام الرجال والنساءلأمتهان نفس المهنة. يقترح التقرير أيضا أن يتم تغيير الكتب المدرسية للاشارة أكثر الى دور النساء في الماضي كون النساء لعبن دورا كبيرا في تغيير التأريخ الأمر الذي يمربصمت دون الإشارة اليهن، وهذا غير منصف لهن.

 

المثقف والدولة .. بعد الاستعمار والثورة

amir alkhadiriتطرق الكثير من المفكرين والكتاب إلى دور المثقف في الكثير من مجالات الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية فنرى مفكرا يكتب عن المثقف والامبريالية وكيف يجب أن يضطلع بدور فاعل وقوي ومؤثر في محاربة الاستعمار وبلورة جبهة عمل قوية مدعمة بالوعي والثقافة لتجابه كل أشكال السلب الثقافي من قبل المحتل لعقول من يحتلهم وكيفية الإبقاء على علاقة المواطن بمن يحتله علاقة المقاوم تجاه المغتصب مفعمة بالحيوية والديناميكية كي لا تتعرض للسكون أو ربما إلى التطبيع، كي يبقي قيم الرفض تجاه كل ما هو استعماري تسلطي قائمة ومتبلورة وفي حركة دءوبة لدحر هذا الاستعمار بكل آثاره الثقافية والعسكرية والاقتصادية، ثم ينتقل دوره إلى تثبيت وعي المواطن وبناءه في كل الاتجاهات وكل المستويات التي من شأنها أن تعزز الأمن المجتمعي والسياسي والثقافي كي لا تتسع الهوة ويتهاوى المجتمع أمام الفراغ والهشاشة الناتجة عن قصف روافده الفكرية والثقافية تحت نير المحتل والمستعمر على مر الوقت.

كما كتب مفكرون عن دور المثقف والثورة وكيفية صياغة رؤية المثقف في تثوير الوعي لدى الناس، تجاه كافة أشكال الظلم والاستبداد والتسلطية التي تمارس عليهم من قبل الأنظمة التي تحكمهم، والتي ولدت من رحم تشوه قبل ذلك بنيويا بسبب استعمار شوه كل ما له قيمة جوهرية في المجتمع، وأحال النسق العام إلى تعرجات أصابها الاهتراء في سياق البناء التراكمي التاريخي تجاه المستقبل، وقت أن كان المثقف مقموعا من المحتل بل مغيبا ومغتالا ومهجر.

قامت الثورات العربية في عصرنا الحديث وكسر الناس جدر الصمت والخوف والذل، وأسقطوا الأنظمة الشمولية المستبدة البوليسية، وبدأت النخب والمثقفون يسترجعون أدوارهم ومنابرهم من خلال فضاء الحرية، وفي ظل تعطش المواطن لكل الصياغات الفكرية والثقافية والاجتماعية، بعد أن تعرض لتشوهات في المفاهيم والاصطلاحات، أمام كل ذلك يكون المثقف مأخوذا مستنزفا في محاولة البناء والعطاء واسترجاع الدور الطليعي والريادي في المجتمع، ليقود الجموع، ويوحد الأطر، وينشر الوعي، ويثور الضمير تجاه كل ما هو راكد من القيم والفضيلة.

الآن فقط سيقف هذا المثقف أمام جهاده الأكبر ألا وهي الدولة، وما يجب أن ينصب عليه دور المثقف ليس في هدم الدولة، وإنما سيكون الجهد الأكبر والذي يحتاج إلى عبقرية في المرونة والتكيف والمحاكاة والخروج من نصوص الفكر إلى فضاء التطبيق والعمل، والتعامل ببراغماتية وديناميكية مع الاستجابة البطيئة للدولة تجاه أي تغيير في جوهرها وولائها للقيم الإنسانية بدل الولاء لشخص الحاكم، وأجهزتها البيروقراطية وهي تعاند وتقاوم تأثير ولاء جديد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بصورة جوهرية، ما الذي يمكن أن يتم تغييره حتى تتخلص الدولة من سطوتها وتسلطها ومقاومتها لضخ دماءٍ جديدة؟

الإجابة هنا يجب أن تكون متسعة باتساع المفاهيم التي ستحكم هذا الصراع، وهو ليس صراعا لهدم الدولة، وإنما صراع لمواجهة مقاومة تغيير ضمير الدولة، بعد أن كان هذا الضمير مأسورا لنظام الحاكم ورجالاته الذين يسيطرون على مفاصل الدولة، وبالتأكيد ليس هناك مكانا للعنف في كل هذا المشروع الذي سيتبناه المثقف في مسيرته، ولا يمكن أن يكون، سوى أن هذا الأمر يجب أن يسير وفق خطط معدة تماما، بحيث تتشارك فيها كل مؤسسات المجتمع ولوبيّات الضغط والشخصيات العامة، في بلورة اتجاه واضح، وصياغات عملية، والتأسيس لتشاركية حياتية، وخلق مصلحة عامة تقوم على العطاء للجميع لحماية الوطن من تجار الدم والمتطفلين الذين يعتاشون على عرق الفقراء.

 

عامر القديري – كاتب فلسطيني

 

فــن التعامل هو جوهرالكرامة

khoulod alhsnawiلكل إنسان كرامة .. ينبغي صيانتها، كما يجب أن يصون كرامة أخيه الإنسان مهما كان .. ما دمنا بشرا.

المهم في الموضوع .. سواء أكنت وزيراً أم غفيراً!!، كيف نتعامل مع بعضنا البعض؟؟ انه أمرٌ في غاية الأهمية ويجب أن نوليه جانباً من الاهتمام فإن موضوع (فن التعامل) مع بعضنا البعض - كبيرٌ جداً - تعتني به كل الشعوب في العالم .. ولدى الغرب معاهد خاصةٌ يُدرَّسُ فيها هذا الفن وهو ما يسمى بالمهارات الاجتماعية. كيف يتحدث الإنسان؟ كيف يكسب الثقة بنفسه؟ كيف يكون لبِقاً في الحديث مع الناس؟. والإسلام فيه الكثير من كنوز الآداب،ومنها آداب التعامل، وخير من نقتدي به الأنبياء وخاتمهم رسول الله عليهم الصلاة والسلام جميعاً فكان شأنه صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه وتعليمهم أن يراعي أحوال من يتعامل معهم وينزل الناس منازلهم . فالناس منذ خلقهم الله وهم مختلفو الطباع والرغبات والميول إذ يجب على الإنسان أن يمارس إنسانيته ويحسن استخدامها فهي ما تفرقه عن باقي المخلوقات ... وفي ظل الظروف التي يعيشها البلد في الوقت الحاضر وعلى كل المسويات ..

نجد في دوائر الدولة اليوم والحمد لله كثيراً من الموظفين .. الكُفء وغير الكُفء ..

وكلٌ يعمل لخدمة الآخر وليس معنى أنك تعمل في دائرة معينة أن تصنع من نفسك ملكاً والناس حولك حاشية .. إذ لابد أن تتواضع (من تواضع لله رفعه) فلابد أن تجيد فن التعامل مع الاخرين فإنه فنٌّ رفيعُ المستوى فمن السهل أن تخسر احترام الناس لكن ليس من السهولة أن تكسب ودهم وحبهم .

ففي إحدى مدارس البنات المرموقة في بغداد لا أود أن اذكر اسمها .. فقد وجدتُ حالةً غريبة !! ولو أن مثلها كثير في وقتنا الحالي .. وهي أن مديرة المدرسة الموقرة لا تحب أن يزعجها أحد في فترة الفطور إذ أنها تستمتع بتناول

فطورها وبهذا الوقت لا يسمح للمراجع أن يقطع عليها هذه الخلوة إلا ًأنها لا تستقبل المراجعين، هل يصح ذلك بربكم؟ ألا يتوجب عليها أن تعطي هذا الوقت للعمل واستقبال من لديهم استفسار أو حاجة؟! فتجد المراجع ينتظر خارجاً وكأنه داخلٌ إلى المنطقة الخضراء، محضورٌ عليه الوصول الى الإدارة إلاّ بإذنٍ منها،، كي يتمكن من إنجاز معاملته وقد حدث هذا الموضوع في الفترة التي كان يتم بها التقديم للكليات والمعاهد وكما تعرفون يحتاج الطالب الى استخراج وثيقته المدرسية وغيرها من الإجراءات التي يحتاجها،، فالحرس الموجود يمنعه من تخطي مدخل المدرسة .. حسب الأوامر،، وهو بالطبع مجرد إنسان بسيط .. عبارة عن شخص موجود لحفظ أمن المدرسة وهو عمل يشكر عليه بالتأكيد، لا أكثر وليس بخادم كي تصرخ بوجهه المديرة .. انه إنسان .. وشخص محترم لأنه يعمل .

ثم هل من اللائق أن تكون بهذه المكانة ويصدر منها هذا التصرف المشين؟..

ألا يسعها وقتها أن تُتِم فطورَها في بيتها قبل المجيء الى العمل؟

أليس المواطن أحق بهذا الوقت؟

وهل أن منصبها بوصفها مديرة للمدرسة يعطيها الحق في الصراخ على هذا الموظف البسيط الذي يقوم بأداء واجبه وعلى أكمل وجه؟ أي انه لا يضيع وقته بأمور أخرى فتجده يجدّ ويجتهد بعمله أكثر من غيره .

فكرامة الإنسان أغلى من أي شيء .. فكيف تسمح لنفسها أن تهدر كرامة هذا الشخص بهذه البساطة؟

فكيف وهي القدوة للطالبات .. نساء المستقبل! وهل من الممكن أن نتأمل الجيل الجديد وما سيؤول إليه مستقبله وكيف سيتعامل مع المجتمع !؟ وبعد كل هذا وما حدث ..

لابد لنا من وقفة مع النفس ونحاسبها قليلا إذ لمّا كان اكتساب العادة صعباً، نظل في حاجةٍ إلى يقظةٍ ذاتيةٍ ومحاسبةٍ دائمةٍ فاجعل من نفسك رقيباً على نفسك، وجاهد نفسك أن لا تميل مع الهوى وهو أحوج ما نحتاج إليه في هذه المرحلة التي يمر بها البلد للنهوض بواقعه المرير، وطبِّق ذلك مع أبيك، وأمك، وإخوانك، وأقربائك، وأصدقائك؛ لأنهم ألصقُ الناس بك ومن ثم تتحول هذه الحقائق والأساليب التي ذُكرت إلى مهاراتٍ اجتماعيةٍ عملية تساعدنا على التعايش مع الآخرين بطريقة صحيحة هو ما نبتغيه. ليس المقصود مما سبق استعراض السلوك الإنساني، بل التطبيق العملي لتلك الحقائق والأساليب .. لا يسعنا في نهاية المطاف إلاّ أن نقول إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء تراحموا، تحابوا، تآلفوا، ازرعوا الحب بينكم و بين بعضكم ابتسموا للآخرين، فان قسمات الوجه خيرُ معبِّرٍ عن مشاعر صاحبه، فالوجه الصبوح ذو الابتسامة الطبيعية الصادقة خير وسيلةٍ لكسب الصداقة والمحبة وكذلك التعاون مع الآخرين، قال صلى الله عليه

وسلم في الحث على البِشْرِ والتلاطف: "تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ" ولا أرجو من ربَّي إلاّ رحمةً للعالمين والتوفيق منه للجميع هو الغفّار المعين.

 

بقلم : خلــود الحســناوي

 

سيكولوجيا التعب

حديث البؤس مزعج لكنه ضرورة معرفية رغم تململ الملوثين بالغرور والتبجح، فهؤلاء السعداء أو المخدوعين بوهم السعادة لا يسرهم الفراغ المستبد باللوحة، أو الزرقة الجاثمة على صدر المدينة والتي تملأ الفراغ وتعكر صفو الكأس، البؤس طائر أزرق في سماء المدينة، وظفه بيكاسو في مرحلة تدشينية من مراحله الفنية التي تعكس روحه السديمية المتعددة..

نجده في "الوجبة الزهيدة" التي أنجزها في العام 1904 حيث يظهر زوجان أمام مائدة فارغة تحاصرهما التعاسة وشيء من التعاطف الفطري، بدت الزوجة بصفتها حصيلة لتراكم وضعيات متعددة من البؤس، الأكثر تعاسة والأكثر يأسا أو سخرية أو لا مبالاة في الآن نفسه، في حين ارتسمت ملامح الخوف والانكسار والنحول الشديد على محيا الزوج الذي أخفق في دوره كحارس، فهو فارس دون أسلحة.

 أما البروتريه الذاتي والذي رسمه لنفسه في العام 1901 فيراه أحد نقاده كتجسيد لصمت ووحدة مضاعفة: الوحدة ازاء الطبيعة إضافة إلى اهمال القانون الذي وضعه الإنسان نفسه. "وليس ذلك فقرا ناجما عن ظروف بدائية إنه الفقر الناجم عن قوانين وضعها الإنسان: الفقر الذي ينبغي إسقاطه من الاعتبار لأنه لا يستحق الاهتمام مع أنه مقبول شرعيا".. لكن هذا الحزن سرعان سيتحول إلى فعل احتجاجي ولو على نحو رمزي، فالفقير والذي يمثل صورة معتادة سرعان ما يتحول إلى ثيمة اتهامية مبطنة لمدينة يعصف بها اللون الأزرق.

عرف بيكاسو كيف يحيل الزرقة إلى رمز كئيب، الأزرق عنوان مرحلة لونية من مراحل الفنان الإسباني يسودها غضب مكتوم ويأس نبيل لمنبوذ ليس مجرد ضحية، إذ يقترن هذا المنبوذ بشخصية المهرج، في دلالة وإشارة إلى هوية تحتشد داخلها جحافل المنفيين (الفقراء /المرضى /المجانين..الخ) فالمهرج مواطن لفقير ساخر يضحك من تلك الوعود الساذجة لمدينة لا تمنحه إلا مساوئها.

واقعة البؤس هي النصف الفارغ من الكأس، الوجه المتواري لمدنية تحمل معها قيودها وشقاءها وأغلالها. كانت هذه الحسناء بارعة في تجميل البشاعة قبل أن تخفيها بعمليات جراحية، ولنا أن نفحص التحولات التي أنجزها التقدم المدني والحضاري والثقافي على شكل قطيعة خادعة مثقلة بالوعود المعسولة التي لم تفعل سوى مفاقمة الشقاء ومضاعفته، الشقاء اليوم يزدهر في قلب المدينة وليس في أطرافها كما كان بالأمس، صار يتواجد على مرمى حجر بل يكاد يلتصق بالضواحي المترفة والموائد الدسمة دون أن ينال منها حتى الفتات.

 إن التأكيد على الجانب المعتم من الصورة، صورة المدنية الفارهة، تمليه تحولات البؤس ذاتها، يتحول البؤس تبعا لتحولات الفاعل التاريخي الممسك بزمام السلطة، في السابق كانت السلطة رجلا، وبرحيله ترحل السلطة وأخلاقها وقيمها وحارسها، وتبعا لذلك يمكننا تحديد البؤس -بصفته طرفا مقابلا- ضمن طبقة أو شريحة أو عرق.

 وبدخولنا عصر "السيستم" تميعت هذه الملامح وتشظت، انتشر البؤس بل صار متخفيا تماما مثل السلطة ذاتها، السلطة كما يفهمها ميشيل فوكو حيث تجيد ارتداء الأقنعة وتتحدد بوصفها شبكة من التعالقات الموزعة في كل مكان، في السجن كما في المستشفى والجامعة، إنها ذلك المشتمل الذي يتواجه ويتجابه فيه الفاعل مع ضحاياه، أو بكلمات يفضلها ميشيل فوكو: تشتبك السلطة مع البؤس بكل أشكاله: المجنون، المريض، الشاذ، المنحرف.. الخ.

إن الاهتمام بالسلطة في هذا الخطاب الفلسفي ليس شيئا آخر غير الاهتمام بالضحايا، الحسنة الوحيدة للحداثة أنها كسرت الاحتكار الفكري لعلية القوم، لم يعد المثقف حامل لواء المعرفة صعلوكا على أبواب الأرستقراطية أو السادة الأثرياء كما كان بالأمس، حيث الأديب شاعر مناسبة والمفكر ديدنه لحس الأحذية والفيلسوف منهمك بفض الاشتباك أو القطيعة بين "الوجود" و "الموجود".. اليوم وريث هذا الفيلسوف لا يتورع يتورع عن الدخول إلى أقبية السجون ومصحات المجانين والمنفيين كما فعل فيلسوفنا ميشيل فوكو، هل سيتواضع الفيلسوف الميتافيزيقي ليؤرخ للجنون أو ما اصطلح على تسميته بالأمراض العقلية كما فعل فوكو؟ هل يفعلها هيغل؟ هل سيتنازل ابن سينا عن ميتافيزيقاه ليصغي ولو للحظة واحدة إلى عذابات المحاصرين بزرقة بيكاسو؟!

يقول باكو الفيلسوف الفرنسي أن الطوبيا خاصية غربية، وربما جاز القول أيضا أن أدبيات البؤس وواقعه علامة على هذه الخاصية نفسها،  ففي كل وعد ثمة طوبيا تخفي زرقة كئيبة كتلك التي فطن إليها بيكاسو، فهذا الأخير أنطق ضحايا البؤس بما يتجاوز مقولة الوعي نحو معول الفعل، للبؤس طبيعة مازوشية يركن إليها البائس لكنه هنا دعوة لكسره والخروج عليه بمعرفة آلياته الظاهرة والخفية.

 تحطيم البؤس وهو الوظيفة الأساسية التي تشكل اليوم رهان المثقف، سواء تجسد في قصيدة أو لوحة أو فعل اجتماعي، أعم من مجرد معالجات اقتصادية أو اجتماعية أو محكات تلجأ إليها مؤشرات السعادة التي تدهشنا كل عام بتصنيفها بين شعوب سعيدة وأخرى شقية، وكأن امتلاك بيت فاخر أو هواء منعش يكفي لأن يكون المرء سعيدا، السعادة حالة سيكولوجية ومكون ثقافي، إنها محتجبة كما يحتجب البؤس، ولهذا جاز القول نتيجة لهذا المؤشر المدهش أن قبيلة من البدائيين وليس الشعوب الاسكندنافية هي أسعد شعوب الأرض ، إن البدائي سعيد ببؤسه حتى وإن تملك ناطحة سحاب، سعيد لأنه لا يملك الوعي ولا يملك إلا أن يكون ذاته، وغني عن القول أن المحدد الأساسي في قاموس التعب هو لوغوس الوعي ولا شيء غيره.

 

معلومات إضافية