أقلام ثقافية

كيف تعود أنت وكيف تستعيد حياتك؟ .. نحو آليات لتطوير الشخصية

mohamad husamadinوخلف الصمت يكمن الإبصار، وقبل القول تنطق الأفكار ..

 

تمهيد:

التحرر من أى شئ يلزمه أمرين :المشقة فى البداية، والإلتزام بعد العبور. المشقة تكمن فى التخلص من الأحبال والأربطة التى تقيدنا فكريًا. وهنا أمران : (أولًا) وجوب التخلص منها مرة واحدة وبإستمرار (ثانيًا) وجوب التخلص منها بشكل صحيح هادفين إلى أمر صحيح أيضًا. أما الإلتزام بعد العبور من حقل المشقة هو جوهر الإستمرار وإلا لأصبحت مثل من يفرح بلعبة حتى يمتلكها ثم يلقيها بعيدًا. وبذلك يلزم هنا أيضًا أمران: (أولًا) حشد الدافع والتصميم والعناد الموجه صوب الهدف بشكل يقارب للتعصب. (ثانيًا) الإستمرار بشكل متصل دون إنقطاع أو راحة حتى تحقيق أول خطوة مكتملة.

 

كيفية آليات التطوير:

وجوب التخلص من القيود مرة واحدة وبإستمرار؛ لأنك –الأمر الأول- إذا تخلصت من رابط واحد أو عدد من الروابط أو القيود ثم توقفت لأي سبب أيًا كان، سوف تعود لتبدأ من الصفر من جديد، وقد يصيبك ذلك بالإحباط، وقد يحبط ويجهض محاولاتك المستقبلية، ويضعك بذلك داخل دائرة مفرغه من اليأس والعجز. الأمر الثانى إن لم تتخلص منها بشكل متصل ومباشر وعاودت مره أخرى ستجد الروابط أقوى من ذى قبل عما كانت عليه وكأنما هى خضعت للتدريب على يديك فى كل مره تمتنع فيها. لكن فشلك فى التصدى لها وتخطيها يعد تجريح لها، لذا هناك فرق بين تركي لها مع المقدرة أو الفشل فى تخطيها مع إستمرار المحاولة دون توقف حتى أخترقها.

وجوب التخلص منها بشكل صحيح، لأنه أحيانًا عند الإختراق والخروج من القيود تهيء لك النفس مخرج فى ظاهره صحيح وفى باطنه سم، كمن يحاول التخلص من فكره ما أو قيد ما أو إحساس ما، وتساومه النفس. وتلك مرحلة من مراحل الحروب التى تمر بها المساومة. لا تريد تلك القيود، حسنًا، خذ تلك وتقدم لك قيد آخر لكن شكله مختلف يقودك إلى الفشل.

بشيء من التبسيط، أخرج من القيود بفكرة قائدة تؤمن بها وبتصميم وهدف واحد وأفكار مسبقة موضوعة، لا تخرج عنها حتى وإن شعرت أنه جائك وحي جديد لسرعة التخلص منها، إلتزم بما سبق وحددته وكأنك عبد لتلك الشروط التى وضعتها. إنك مجبر على إتمامها دون نقاش دون إلتفات لأي تلاعب فكري أو لفظي أو أنفعالي من نفسك، أو حتى الأخرين.

الحشد الموجه للدافعية والإلتزام بعد العبور هو سر وصولك للقمة، كمن يتخطى أول 7 كم فى تسلقه لجبل بالفعل قد تخطى المجهود الأكبر فى حربه مع شدة الجاذبية الأرضية وكلما إرتفع كلما خف الحمل، ولكن إن توقف؟ سوف يسقط للقاع لذا لا تتوقف نهائيًا إلا عند بلوغك أول خطوة من هدفك بحيث يكون الأمر مغلق عند أمر معلوم بلا عودة للصفر.

الإستمرار فى أقرب وقت لإستكمال الخطوات حتى النهاية، بعدها الهدف الذى حققته ليس هو الحافز أو الهدية، بل هديتك هنا المقدرة ذاتها على بلوغ الهدف نفسه بنفسك.

بعض مجالات الفائدة كمختصر لفعالية الاجراء هنا: المشاعر السلبية، الأفكار السلبية، الدراسة، الخروج من الأزمات، الكسل، الملل، الحزن الطويل، التفكير المستمر الطويل، الركود، الإحباط، الفشل،..... إلخ

المطلوب: وضع جدول زمنى إلزامي، وتوقيت بدء مناسب، ليس قبل الزواج مثلًا أو قبل الامتحانات، لائحة قيادة كخريطة تمشى عليها، فقط بدل التضاريس ستكون خريطة أفكار وزمن.

 

بقلم: محمد حسام الدين

باحث في كلية التربية، قسم الصحة نفسية، جامعة عين شمس. مرشد ومعالج نفسي في عدة مراكز مصرية للخدمات النفسية والأسرية والتربوية

 

قبضة الخوف

الحالات التي تنتاب الإنسان كثيرة ومنها الخوف، الذي يعتبر دليل على قوة إدراكه وردة فعل طبيعية لمحاولة البحث عن الأمان في حياتهِ أو تجنب خطر مُحدق. والواقع يحمل الكثير من المحفزات لتولد شعور الخوف عند الإنسان وبدرجات متفاوتة تختلف شدتها باختلاف الحدث القائم أو على وشك القيام أو المتخيل. وبرأي خبراء الصحة النفسية، الخوف ما هو ألا صمام آمان يقوم بتحذير الإنسان من وجود خطر واجب تجنبه.   

الحياة البشرية كما نعهدها تسلسل متواصل من المخاطر والأحداث والتجارب كما هي سلسلة من المسرات والأمل والدفء يعيشها الإنسان ويُعيشها للغير، مولدة بينهما مخاوف في الحالتين، تصارع سكون اللحظات وبقائها في زوايا النفس. كما نجد الحياة سيرك متحرك وهي بمجملها تحدي وصراع متعدد الأوجه، يتزاحم في حضرتها الإنسان من أجل أن يكون هو! وعمومًا مع تطور الشعوب وتزامنها مع كل التطورات الحديثة المتلاحقة تزايدت مشكلات الخوف وأصبحت مصطبغة بتوتر وقلق وشعور بعدم الأمان والاستقرار.  

 

الخوف من الشيخوخة: The Fear from aging

مخاوف الحياة التي تثيرها في الإنسان كثيرة، منها الخوف من: الفشل، المجهول، العمل، المرض، الوحدة، المسؤولية، المبادرة، المغامرة، القوة، الآلام، المصاعب، المستقبل، الشيخوخة، الموت .... الخ. وأحيانا كثيرة قد يكون الخوف من الخوف نفسه! وسنتحدث عن الشيخوخة كأحد الأمثلة على حالة الخوف، التي هي في صورتها تعتبر التجربة الأليمة التي يشعر فيها الإنسان بالعجز وهجوم المرض عليه والعيش بوحدانية وصمت وانحلال حياتهِ وقربها من الموت.

الشيخوخة أن صح وصفها هي خريف الحياة أجمل فصل من فصولها، سرعان ما تدبّ في الحياة لتسقط أوراق العمر فيها ورقة بعد أخرى بعد أن أدت رسالتها فاسحة الطريق لأوراق أخرى لتنمو.

 والخوف في جوهره ما هو ألا إحساس الفرد بأنهُ لم يعد باستطاعته أن يحيا الحياة مثلما كان في شبابهِ، يعتبرها مرحلة النهاية والعجز، جاعلاً هذه الفكرة تتغلغل في أفكاره وتنعكس على تصرفاتهِ، شاعرًا بشعور أليم وبأنه لم يعد له مكان في صميم الحياة التي طالما أجتهد فيها، بغض النظر عن الأمراض المرافقة للمرحلة والتي يكون لها دورها ومفعولها في الحياة. والشيخوخة كما يقول عنها (أندريه موروا Andre Maurois ): هي الشعور بأنهُ قد فات الأوان وأن اللعبة قد أنتهت وأن المسرح من الآن فصاعدا قد أصبح ملكا لجيل آخر".

نعم، الحياة لا تتوقف وفي استمرار وهذا حالها يذهب جيل ويأتي جيل آخر، تذهب حياة أنتجت بكل قدراتها وتأتي حياة أخرى لتستفيد من تلك الخبرات وتنتج لها ولمن بعدها بصورة أفضل. ولكن يجب عدم التفكير السلبي قبل بلوغ اللحظة، عدم عيش المرحلة بالأفكار قبل تلمسها، عدم جعل شبح الخوف بابًا للكثير من الأمراض النفسية والعضوية، لما السقوط قبل بلوغ المرتفع؟! الحياة بجميع مراحلها هي حياة منتجة ومثمرة، هي في حركة واستمرار، ولكن هذا الخوف هو من يجعل الحياة تبدو في نظرهم جامدة، راكدة، خاملة! ذلك التفكير هو من يعجل بالأمور ويجعلها واقعية مع الزمن. الإنسان هو من يستدعيها في واقعه . 

بإمكان كل إنسان طرد خوف الشيخوخة من ذهنهِ، كون هذا الخوف هو من يستعجل بشيخوختهم ويجعلهم يصلون إلى حياة طريقها يأس وخمول وركود، مع أن الواقع غير ذلك فالإنسان في خريف عمره يكون أكثر إنتاجًا وأكثر حكمة ورزانة، بدليل هنالك رجال ممتازون قدموا أعمالاً فيها الخبرة الطويلة والحكمة ومزايا تتجلى في مرحلتهم العمرية والشواهد كثيرة أمثال: فكتور هيجو Victor Hugo، الذي كتب أجمل قصائده في مرحلة متأخرة من حياته، كذلك الروائي الفرنسي بول كلودل Paul Claudel كتب الكثير من رواياتهِ بعد سن السبعين، الموسيقار الألماني (فاجنر Wagner) فرغ من (بارسيفال Parsifal ) في التاسعة والستين من عمره.... وغيرهم. هذه أكبر الأدلة على أن من يفكر بالشيخوخة قبل أوانها ويخاف منها أنما يكون فاقد لمبررات وجودهِ.

  فالخوف كل أشكاله لا يجوز أن نعطيه مساحة وحرية للتغلغل في النفس، وعلى الإنسان أن لا ينظر إلى مرحلة الشيخوخة بأنها قرب النهاية، ويعطيها مبررات الخوف منها.  

 

سهى بطرس قوجا

 

ما فاتك شيء

fatima almazroweiمن الطبيعي أن تحدث خلافات بين بعض الفتيات والشباب من جهة، وذويهم خصوصاً الأبوين من جهة أخرى، وأحدد الفتاة والشاب عندما يكونان في سن المراهقة، أو في مقتبل العمر وخبراتهما قليلة ومتواضعة.

الخلاف عادة يتم في أمور مستقبلية مثل الدراسة أو الوظيفة ونحوها، حيث يقرر الشاب أو الفتاة ويتحمس ويندفع وهو يفتقر للخبرة وغير ناضج، أو الرؤية غير شاملة لجميع الجوانب، وتبعاً لهذا الواقع يحدث الاصطدام مع رأي الأبوين اللذين لهما مخاوف وينظران لجميع التفاصيل بدقة وحذر.

للتوضيح أكثر، أسوق قصة رسالة وصلتني قبل بضعة أيام من فتاة، تشكو خلالها من تسلط أبيها ـ لاحظوا تسلط ـ وتقول «بعد جد واجتهاد وبذل كل ما بوسعي للنجاح بتفوق، وحصولي على درجات عالية مكنتني من الحصول على بعثة خارجية لمواصلة تعليمي، اصطدمت برفض والدي للسفر بحجة صغر سني، إنه فعلا شيء يقهر».

أرسلت لها عدة تساؤلات، حتى اتضحت لي الرؤية كاملة حول تفاصيل الموضوع، ببساطة متناهية كان البديل للفتاة موجوداً، بمعنى أن التخصص الذي ترغب تعلمه ودراسته خارج البلد موجود في بلادها، هذا أولاً، أما ثانياً فالأب لم يرفض كما ذكرت، بل طلبها أن تنهي البكالوريوس، وأن تكون البعثة للماجستير والدكتوراه، ومنها أيضاً أن تكون قد كبرت أكثر واكتسبت خبرات، فضلاً عن هذا تكون قد تعلمت اللغة الإنجليزية بشكل أكثر احترافية.

ما نصل له، أن الأب لم يحطم مستقبل ابنته، لكنه رسم خطوطاً عريضة معقولة لهذا المستقبل وفق اختيارات الفتاة نفسها، لم يرد هذا الأب وضع ابنته في أتون تحدّ لا يعلم بنتيجته هل تنجح أم تفشل، أمّن لها التعليم داخل البلد، مع النظر للمستقبل للسفر والدراسة .. هكذا هم آباؤنا وأمهاتنا.. فقط يحتاجون أن نفهمهم

 

فاطمة المزروعي

 

حديث في اللغة (24): (طالما) و(ما دام)

faroq mawasiلا نقول: أحترمك طالما جدت بمالك،

بل نقول: أحترمك ما دمت تجود...

 (طالما) مركبة من الفعل (طال) + (ما الكافة)، فالفعل فيها لا فاعل له، إذ أن الكافة هي العوض عن الفاعل.

تعني (طالما) كثيرًا ما، فنحن نقول: طالما حزن على أبيه، وطالما أنفق من ماله، وخلافها: قلما زارنا، وقلما يفعل.

يقول إبراهيم طوقان في نشيد له:

طالما استعبدوا *** وأذلوا الرقاب

ونحفظ من نونية ابن زيدون:

لا تحسبوا نأيكم عنا يغيّرنا *** إذ طالما غيّر النأي المحبينا

يا روضة طالما أجْنتْ لواحظَنا *** وردًا جلاه الصَّبا غَضًا ونِسرينا

 

ملاحظة:

تكتب (طالما) و مثلها (قلما) كلمة واحدة، فإذا فصلنا بين (طال) + (ما) وقلنا: طال ما سافرنا، قل ما سافرنا فإن (ما) تكون هنا موصولاً حرفيًا، وتُعرب فاعلاً في محل رفع.

 

أما (ما دام) فهي تفيد استمرارية الخبر، ويكون ما قبلها مرتبطًا بما بعدها:

أثني عليك ما دمت تتطوع وتتبرع،

 فالثناء مرتبط بالتطوع .

يقول ابن الرومي:

وأعذرُه ما دام للعذر موضعٌ *** وأنظرُه ما دامت النفسُ تنظر

والمتنبي في بيته الغزلي:

زودينا من حُسن وجهكِ ما دام ** فحسنُ الوجوه حالٌ تحول

 

ملاحظة:

ما دام – تعرب (ما) مصدرية ظرفية، ومعنى مصدرية أنها تجعل ما بعدها في تأويل مصدر، ومعنى أنها ظرفية أنها نائبة عن المفعول فيه- وهو (المدّة).

و(دام) لا تعمل إلا إذا سبقتها (ما)، وإعراب (دام) -  فعل ماض ناقص (وهو جامد ليس له مضارع مثلاً).

 (ما دام) لها اسم مرفوع (أو في محل رفع) وخبر منصوب (أو في محل نصب)- أي أنها من النواسخ. قال تعالى:

"وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا"- (مريم 31)، فالتاء اسمها و (حيًا) خبرها.

...

نخلص إلى التذكير:

لا نقول:

لا أصافحه طالما دافع عن الظلم والظالمين،

بل أقول:

لا أصافحه ما دام يدافع عنهم.

فطالما دافع عن مواقف غريبة، وطالما ناقش في ذلك مع الأسف.

 

عظمة المرأة ليست في الأمومة فقط !!

hamid taoulostكثيرة هي المقالات التي كتبت في حق المرأة في يومها العالمي، احتفاء بها وتمجيدا لدورها العظيمة في شتى المجالات وعلى رأسها كلها، دورها الفريد والمتفرد في صنع أعظم بناء، ألا وهو «الإنسان»، الذي تتحمل من أجله آلام الولادة -التي أقل ما قيل عنها أنها تعادل آلام سبعين كسر - مدفوعة إلى ذلك بغريزة الأمومة،  التي لا يمكن الحديث عن المرأة في جميع أحوالها دون الحديث عن الأمومة كأقوى خاصصية ووظيفة، ارتبطت عند المجتمعات القديمة بأنها هي مصدر الخلق واعمار الكون .

شيء جميل، بل من أوجب الواجبات أن نحتفل بالأم، ونحتفي بالأمومة،  لكنه رغم كل ذلك، أمر مستهجن اختصار كينونة هذا الكائن - الذي عانى الوأد على مر تاريخ العرب، كمصير لكل من تخرجت للوجود صبية وليست ذكرا - وحاجاته النفسية، والجسدية، والاجتماعية في الأمومة فقط، وتضخيم هذا الدور لديها على حساب غيره من أدوارها الجليلة الأخرى، بحجّة أنّه الدور الأهمّ، والرسالة الوحيدة في حياتها،  والتي تتفرد بها وتتميز عن الرجل، وننسى أنّها قبل أن تكون "أُمّا" هي إنسان جنسه أنثى، ننعثه مجتمعياً امرأة.

ولا أقصد بهذا الطرح الإساءة لدور الأمومة أو التقليل من ضرورته وأهمّية وجوده في الحياة، كما يمكن أن يتبادر لبعض الدهنيات المريضة، وأؤمن بالعطاء والعاطفة الفريدة التي تنطوي عليها الأمومة التي لا يختلف حولها اثنان. لكن أقصد التنبيه فقط إلى مدى خطورة استحواذ دور الأمومة، وتلبسه شخصية المرأة، إلى درجة إلغاء كل الأدوار الأخرى التي تؤديها وبفعالية، وتكريس الصورة النمطية التي تربط ما بين الأنثى والأمومة، على اعتبار أنه لا شرعية لوجود الأنثى إلا بطاقة الخصوبة والإنجاب الذي يعتبر المعيار الوحيد لوجودها الإيجابي اجتماعيا، المعيارية التي لا تنال المرأة ذلك النصيب من التقدير والإكرام إلا به وعليه، أي عندما تنجب وتصبح أماً فقط، إلى درجة أن آمنت المجتمعات غير المتقدمة بأنه لا يعقل أن يكون الكائن الإنساني امرأة دون أن يكون أماً، أي لا شرعية لوجود أنثوي بدون انجاب وإنجاب الذكور بالتحديد، هذه المعيارية  المفتقرة  في الكثير من وجوهها، للمعاني الإنسانية وقيم الحرية، تمثل للأنثى في وجودها عنفاً صارخاً ، لا يقل عن عنف إعتبارها وعاء لتفريغ كبت الذكر الجنسي  وما يشكل من قهر جنسي، ناتج عن ذلك التفكير المتخلف الذى أفرزه الفقه الصحراوي البدوي، والذي عمل ويعمل الرجل والمرأة، على حد سواء، وبشتى الطرق لتكريسه كثقافة مجتمعية، وإن كان بأهداف مختلفة، حيث وجد الرجل في الأمومة، وعبر عصور التاريخ، السلاح الأجدى لاستعباد الأنثى، والوسيلة المثلي لإقصائها عن الميادين التي يصول فيها ويجول على هواه والتي تزيد من سلطويته الذكورية، ووجدت المرأة في ثقافة تقديس المجتمع للأمومة، فاستغلتها لأغراض دفينة متنوعة المرامي والأهداف، من توطيد مكانتها في محيطها وفي المجتمع، أو الحفاظ على الزوج وتقييده، عند من ترى أن الأمومة جزء مهم في تمكين المرأة، واستقرار علاقتها الزوجية، أو للانتقام من الرجل والمجتمع عند من تعتبر أنهما أقصياها بعيداً عن كلّ ما ترغب في تحقيقه من المكانة، العلمية أو الاجتماعية أو الاقتصادي أو السياسية ؛ رغم عدم اعتقاد النوع الأخير من النساء أن الأمومة أمر طبيعي وحتمي، وغريزة فطرية مقدسة، كما نظرت إليها الأديان السماوية، والتي لم يخرج الإسلام عن منظومتها، التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: "تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم". بل ترى فيها ما تراه معظم الحركات النسوية المعاصرة، أنه دور اجتماعي، فُرض على المرأة منذ أقدم العصور، ويحتاج الى استعداد نفسي كبير يمكّن المرأة من أن تعيش جميع أدوارها التي تتكامل وشخصيتها الإنسانية بتوازن من خلاله، فلا يطغى دورٌ على آخر ..

 وإذا كانت الأمومة بالنسبة لبعض النساء أمرا فطريا وغريزيا، فإنها بالنسبة للبعض الآخر لا تتعدى كونها إرث نظام ديني بطريركي ذكوري كان وراء ردة فعل عنيفة لنساء متعلمات ك"سيمون دو بفوار" التي رفضت الأمومة واعتبرتها "عبودية التناسل"، و"فرجينيا وولف" التي ثارت على الصورة النمطية للمرأة الزوجة غير الأنانية والنقية والجميلة والسامية وشبهتها بـ"ملاك البيت" الذي يجب أن تقتله كل امرأة بداخلها لكي تنجح وتبدع، و"ثبيتي رولن" التي قالت عن الأمومة أنها "الأسطورة محطمة الأرقام القياسية لأطول الضلالات عمراً في التاريخ".

ومهما كان من أمر الأمومة، وما قيل فيها وعنها، فإن حنان الأم لا يوازيه حنان لأنها الأصل والأساس والجذر والمنبع والمنبت والمنشأ. وكلنا يريده أن يبقى دائماً وأبداً حتى وإن كبرنا وحتى لو شخنا.. وهي تستحق كل تكريم لأنها هي الأخت... والإبنة... والزوجة... وهي فوق كل ذلك الأم والمدرسة فهي التي تربي وتوجه وتقوم وتعلّم وتنَشئ وتدير وتدبر الشعوب الطيبة، كما قال فيها الشاعر صادقا:‏

        الأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعباً طيب الأعراق

 

حميد طولست

 

تماثيل بوشكين في العالم

توجد تماثيل لبوشكين في الكثير من بلدان العالم خارج روسيا، ويقدرون عددها تقريبا بحوالي (200 تمثال)، وهذا رقم غير اعتيادي بتاتا بالنسبة لاديب روسي عاش ومات في روسيا طوال حياته ولم يسافر منها الى خارج بلده ابدا (وهذه ملاحظة مهمة جدا في هذا المجال، وتعني ما تعنيه بهذا الخصوص، اذ انها تشير وتؤكد – قبل كل شئ – ان هذا الشاعر قد اصبح واحدا من رموز روسيا)، و نتوقف في مقالتنا هنا قليلا عند هذه الظاهرة الغريبة جدا، والطريفة والمتميزة فعلا في آن واحد .

نود ان نشير - اولا- الى تلك البلدان الاجنبية التي يوجد فيها تمثال واحد لبوشكين (او أكثر من تمثال واحد له بعض الاحيان)، وحسب ترتيب حروف الهجاء العربية لتلك البلدان طبعا، وهي (48) بلدا وكما يأتي –

ابخازيا // اذربيجان // ارمينيا // اريتريا // اسبانيا // استونيا // المانيا // اندنوسيا // اوزبكستان // اوكرانيا // ايطاليا // بلجيكا // بلغاريا // البوسنه والهرسك // بنما // بولندا // بيلاروس // تركيا // تركمانيا // تشيكيا // تشيلي // الجبل الاسود// جورجيا // الحبشة // رومانيا // سلوفاكيا // الصين // العراق // فرنسا // فنلندا // قبرص // قرغيزيا // كازخستان // كندا // كوبا // كوريا الجنوبية // المانيا // المغرب // مصر // المكسيك // منغوليا // مولدافيا // النرويج //النمسا // الهند // هنغاريا // الولايات المتحدة الامريكية // اليونان // .

 توجد ثلاثة بلدان عربية – كما هو واضح اعلاه - وهي العراق والمغرب ومصر بين تلك البلدان . نتوقف قليلا عند بلداننا العربية قبل كل شئ .

 تم تدشين التمثال النصفي لبوشكين في حدائق كلية اللغات بجامعة بغداد في عام 2011 باحتفال مهيب شاركت فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعة بغداد واتحاد الادباء والكتٌاب العراقيين وسفارة روسيا الاتحادية في بغداد . والتمثال هذا هو هدية من الرئيس الروسي مدفيديف جوابا على هدية الرئيس العراقي جلال طالباني لتمثال نصفي للشاعر العراقي الكبير الجواهري عام 2009 في جامعة فارونش الروسية، وقد خططنا(شخصيا) لاقامة هذين التمثاليين عندئذ في مركز الدراسات العراقية – الروسية في تلك الجامعة (عندما كنت رئيسا له) بالتنسيق مع الجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسية، والتي كنت نائب الرئيس فيها (انظرتفصيلات ذلك العمل الرائد في مقالتنا بعنوان - قصة تمثال بوشكين في جامعة بغداد)، وكان من المفروض ان يتم تدشين تمثال بوشكين في جامعة بغداد عام 2010، ولكن الروتين عرقل ذلك مع الاسف، لهذا فانه يعد التمثال الثاني لبوشكين في عالمنا العربي، اما التمثال الاول فقد تم تدشينه بمصر في عام  2011 ايضا، ولكن قبل ثلاثة اشهر فقط من افتتاح التمثال في بغداد، ولم يكن هناك اي تنسيق بين الحدثين، والصدفة لعبت دورا في كل ذلك ليس الا . تم افتتاح تمثال بوشكين بمصر في مكتبة الاسكندرية الشهيرة، وذلك ضمن ايام الثقافة الروسية هناك، والتمثال كان هدية من فنان روسي ومؤسس ورئيس الاكاديمية الطبية الدولية، ويعد هذا التمثال تحفة فنية بكل معنى الكلمة ويجسُد بوشكين كاملا و واقفا وملتفتا الى جانبه الايمن، وقد تم افتتاحه في اجواء مهيبة ورائعة، وشارك بعض الطلبة المصريين بالقاء قصائد لبوشكين في اطار فني جميل و متميٌز . التمثال الثالث لبوشكين في العالم العربي تم تدشينه في المغرب في احدى مدارس مدينة اكابر المغربية عام 2015، وقدم عضو مجلس الدوما الروسي ليخاتشوف هذه الهدية (محبة وتقديرا للمغاربة ...كي يفتح آفاقا اخرى من الدبلوماسية الشعبية بين المغرب وروسيا) كما جاء في وسائل الاعلام المغربية آنذاك .

لا مجال طبعا للاسترسال هنا في الحديث عن تماثيل بوشكين في بقية بلدان العالم وقصصها بمثل هذه التفصيلات، التي تحدثنا عنها في بلداننا العربية، ولكننا نود ان نتوقف قليلا عند بعض الملاحظات البارزة في هذا الموضوع .

1 – تم تدشين اول تمثال لبوشكين خارج روسيا عام 1837(بعد وفاته مباشرة) في روما، وقد شارك الروس في روما حفل التدشين ومنهم مجموعة من الادباء والفنانين كما تشير المصادر، وان هذا التمثال قد تم نصبه بمبادرة من المثقفين الروس في روما آنذاك اعتزازا وتقديرا لبوشكين وللتعبير عن حبهم لشاعرهم الكبير، الا انه لم يبق الان اي أثر من هذا التمثال مع الاسف .

2 – شارك الرئيس الروسي فلاديمر بوتين في حفل تدشين احد تماثيل بوشكين في ايطاليا (في الذكرى السنوية 201 لميلاد بوشكين)، وكانت رحلة بوتين تلك الاولى الى الخارج بعد تسنمه منصبه رئيسا لروسيا الاتحادية في ذلك الوقت، ويشير بعض المعلقين السياسيين الى هذه الحادثة ويرون فيها محاولة من قبل الرئيس الروسي الجديد آنذاك ربط اسمه باسم بوشكين، لأن بوشكين - رمز روسيا امام الشعب الروسي وامام العالم ايضا . وبغض النظر عن صحة او دقٌة رأي المعلقين السياسيين هؤلاء ام لا، الا ان الموضوع – مع ذلك - يبقى مثيرا وطريفا، ومن المؤكد انه سيكون – في نهاية المطاف وفي كل الاحوال – لصالح بوشكين ومكانته الساطعة في تاريخ الادب الروسي والعالمي بلا ادنى شك .

3 – يوجد تمثال لبوشكين في الحبشة (اثيوبيا) تم تدشينه عام 2002، وكذلك يوجد تمثال له في اريتريا تم تدشينه عام 2015، باعتبار ان بوشكين هو واحد من احفاد هانيبال، الافريقي (الذي ينحدر من تلك المناطق)، والذي قدموه هدية الى القيصر الروسي بطرس الاعظم في القرن الثامن عشر، والذي اصبح جنرالا بارزا في الجيش الروسي آنذاك، وكما هو معروف في تاريخ روسيا عموما و تاريخ الادب الروسي خصوصا .

4 – بقيت تماثيل بوشكين العديدة جدا في الدول التي انفصلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 دون تغيير، ولم تنظر هذه الدول الى تلك التماثيل بتاتا على انها رمزا لروسيا كما هو الحال بالنسبة لتماثيل كثيرة اخرى (تم نصبها اثناء الفترة السوفيتية)، وبالتالي بدأت بازالتها من اراضيها او اهمالها او حتى التقليل من قيمتها الحضارية، وكذلك الحال بالنسبة للدول الاشتراكية سابقا. لقد فرض بوشكين شخصيته الادبية وقيمته الفكرية على الجميع، واصبح أعلى من تناقضات السياسة والاعيبها وتغيراتها وتقلباتها، رغم انه يعد رمزا لروسيا منذ ذلك الحين والى حد يومنا هذا .                                                                          

 أ.د. ضياء نافع

 

الحُبُّ من أول نظرة فلسفة إسلاميّة خالصة

هل صحيح أن الحب من أوّل نظرة هو الحبّ الصادق الذي ينفذ إلى القلب مباشرة، هو الحبّ الذي يدوم ويبقى رغم المتغيّرات والتباينات في الأحاسيس والمشاعر، ماذا يقول الشابّ المُقبل على الزواج؟ وماذا تقول الفتاة التي تنتظر فارس أحلامها بكل شغف؟ ذلك الفارس الذي سيملأ حياتها حبًّا ودفئًا، وما موقف الإسلام من الحبّ من أول نظرة؟ هل هي متوافقة مع الشرع والفطرة أم أنها عمل محرم قطعا؟

من الفطرة التي فطر الله الناس عليها أن الشابّ يطمح إلى إكمال نصف دينه عبر زواج شرعي كما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الفتاة تنتظر فارس أحلامها بفارغ الصبر لتكمل معه مشوار حياتها وتكوّن أسرة وتنعم بأطفال يملؤون عليها حياتها فرحا وسرورا، ولكن ما السبيل للوصول إلى شريك الحياة من الجانبين؟، فقديما كان الشباب لا يتعارفون لأن الأمر موكل لأولياء الأمور وهم الذين يختارون لأولادهم وبناتهم الأزواج والزوجات، لكنها طريقة لم تنجح طويلا لأنها خلّفت كثيرا من المشاكل منها النفور وعدم التوافق بين الزّوجين، واختلاف وتباين في الأفكار والمشاعر والميول.

وبما أنها سبّبت جرحا في القلب، إذ ربّما يتزوج الشاب بناء على رغبة من الأب أو الولي دون حبّ ودون ميل للفتاة التي اُختيرت أن تكون زوجة، وكذلك الأمر بالنسبة للفتاة فقد يختار لها وليّ الأمر منْ لا تشاركه المشاعر نفسها ولا يميل قلبها إليه، فيحدث جفاءٌ كبيرٌ في العلاقات ونفورٌ بين الزوجين لأدنى نزاع بينهما، وربما يحدث الشقاق الذي لا ينفع معه إلا الفراق، لأن هذه العادات عاندت الفطرة وأحدثت شرخا كبيرا في مشاعر الشباب، قد يدفعهم إلى التمرّد عليها أو إلى إغفالها وتحدّيها.

وكلما ازدادت ثقافة الشباب وسفرهم إلى البلدان شغفت أنفسهم وتطلّعت إلى حرّيّة الاختيار، لأن القلب هو الذي يختار القلب الذي سيشاركه الحبّ ولأنه سيعيش معه بقية الحياة وسيتشارك معه في السرّاء والضرّاء، فإذا توافق القلبان تآلف الجسدان وصارا وحدة متكاملة متناغمة لها نفس الجذور والأوراق اليانعة، تفاهمٌ وتناغمٌ وتناسقٌ وتوافقٌ، وانسجامٌ ووئامٌ، وهذا ما يسعى إليه كل طامح في الحياة، فالرغبة في الاقتران أمر فطري في الإنسان يحتاج إلى تنسيق ومتابعة كما هو الشأن في الشراكات، فالله عز وجل خلق الذكر والأنثى، وخلق كذلك المشاعر والأحاسيس والميول، ولولا ذلك ما حدث تناسل وإنجاب، فالحمد لله على هذه النعمة الغالية .

وعندما نخوض في غمار الحبّ لا نطلق الأمور على عواهنها، فالإسلام وإن كان لا يعارض فطرة الإنسان ويسمح له بتلبية رغباتها إلا أنه وضع ضوابط وأسسا خوفا من الانفلات والدخول في متاهات أخرى تعود بالضرر على الفرد والمجتمع، فقد سمح الدين بالنظرة التي تجلب الحبّ، ويؤمن بالحبّ من أول نظرة ولكن في إطارها الشرعيّ الذي لا تشوبه أي شائبة، وحدّد لها أركانها، بحيث تكون النّظرة معمّقة، إذ تتحدث العينان بما لا يستطيع أن يعبّر عنه الفم، والدليل على ذلك ما ورد عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا" فقد أباح الإسلام للرجل أن ينظر إلى الفتاة التي ينوي الزواج بها في جوّ عائلي وفي حضور أولياء الأمور الذين يكونون شاهدين على حاجة الطرفين إلى مثل هذه العلاقة.

سمح الإسلام للشابّ أن يرى خطيبته وهي تتجلّى في أبهى صورة، قد تنشأ حينها علاقة خفيّة بين الخطيبين، وقد تتبادل العيون عبارات الحبّ والوئام، وقد يسمح للطرفين بالتحدث لبعضهما البعض لبعض الوقت حتى يتعرّف أحدهما على الآخر من خلال هذه الجلسة الشاعرية العاطفية أو بالأحرى الرومانسية بالتعبير الحديث للكلمة، الرومانسية الإسلامية الشرعية، بعيدا عن أيّ شبهات، وقد علّل الحديث النظر إلى الخطيبة عندما قال صلى الله عليه وسلم: " فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي أن تدور الصحبة بينكما وأن يُوفّق بينكما، وتكون حالتكما حالة طيبة إذا أقدمت عليها وقد عرفت ملاءمتها ومناسبتها وجمالها وكمالها مما يحدث في النفس إما اقترابا منها أو نفورا، وليس ذلك عيبا بل هو أمر تنادي به الفطرة وتتطلّبه العلاقة والشراكة، فالحياة الزوجية شراكة قبل أن تكون علاقة جسدية، وهي إنما تقوم في الأساس على الحبّ والودّ والوئام، فبالحبّ ينسى الطرفان المشاكل التي قد تحدث بينهما، وبالودّ يتبادل الطرفان الاحترام والثّقة، وبالوئام يعيش الطرفان بسلام، على أنّ الإسلام أعطى الحقّ الكامل للفتاة أيضا أن تنظر للرجل الذي جاء لخطبتها، ومنحها حقّ الرّفض أو القبول، فهي التي ستقترن بهذا الشابّ وهي التي ستتزوّجه وهي التي ستتحمّل كل التبعات إن وافقت على طلبه، وهي وإن وكلت أمرها لوليّها لكن رأيها مطلوب شرعا ولا يحقّ لولي أمرها أن يجبرها على فعل لا ترتضيه، فهي قد بلغت من  الرشد والعقل والتكليف ما يجعلها مؤهّلة لاختيار من تشاء.

وفي المقابل نهى الإسلام عن النّظر المحرّم الذي يقع خارج هذا الإطار الشرعي خوفا من العلاقات المشبوهة، ولذلك أمر الشباب بغضّ البصر وعدم إطلاق العنان له من ذلك قوله تعالى : "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون" فالله عز وجل ينبّهنا في هذه الآية الكريمة أن ما نفعله معلوم عنده سبحانه وتعالى، وهو الخبير بأمور العباد الذي خلقهم من العدم، ورغم ذلك فقد جعل النظرة الأولى الخاطفة دون تحديق لك، ولكن إذا تمعّنت النظر في المرأة أو تمعّنت المرأة النظر في الرجل فقد يورث ذلك الحرام ولذلك هو يحرّم هذا النوع خوفا من الوقوع في براثن الفساد. فكثيرًا ما يتبادر إلى أسماعنا في عصرنا الحاضر ما يسمى الحبُّ البريء أوالعلاقة البريئة أو ما يسمّى الزمالة، هي زميلتي أو هو زميلي، فيجيز لنفسه أن يختلي بها رغم علمه بأن الخلوة بأجنبية حرام قطعًا؛ لأنه ما من اثنين إلا والشيطان ثالثهما، قد يوقعهما في ما لا يحمد عقباه؛ لأن الإنسان ضعيف مهما أبدى من قوة إيمان وعزيمة وإصرار، وكذلك الفتاة قد يغريها الكلام المنمّق المعسول الذي يمدحها ويمدح جمالها وهيئتها وربما وصف عينيها ووجنتيها وكامل تفاصيل جسدها وهي تسمع بحياء، لكنها في قرارة نفسها تستمتع بما يقال لها من مدح وثناء، وربما يقع في نفسها شيء من الانجذاب نحو الشخص الذي يحدّثها خاصة إذا كان ممن تفضّله في حياتها أن يكون فارس أحلامها.

هذا النوع من العلاقات لا يورث حبّا بل يورث ندما، لأنه نوع من العلاقات العابرة التي لا تؤسّس بل تدمّر، ولذلك نرى أن الإسلام وإن كان يبيح النظرة إلا أنه في الوقت نفسه يحرّم النظر بخلوة لأنه يؤدي بالضرورة إلى الفساد، وقد عمل الغرب كثيرا على إفساد الرؤية الشرعية واستبدالها بهذا  النوع من العلاقات، ونجح في ذلك نسبيا في مجتمعاتنا العربية التي تعاني من حالات طلاق متفشّية إلى حدّ كبير والسبب الحبّ قبل الزواج كما تروّج له وسائل الإعلام الغربية والمسلسلات العربية والأجنبية ولكن هذا النوع ثبت فشله، إذ سرعان ما تفتر العلاقات بعد الزواج بعد أن علم كل طرف تفاصيل الآخر فينشأ الخلاف والشقاق والنزاع  وقد يؤدي ذلك إلى الطلاق وتفكّك الأسر ونهاية لتجربة امتدت لسنوات قبل الزواج وبضعة أشهر بعد الزواج.

فالإسلام لا يخالف الفطرة لأنه يعلم علم اليقين أنها من صنع الخالق عزّ وجل ولكن أمر بضبطها لأن الإنسان بطبعه يميل إلى المتعة واللذة، فإذا لم يكبح جماحها سالت شهوته في مستنقع المعصية ابتداء من النظر إلى الابتسامة إلى اللقاء وكلها قواعدت وإن بدت عادية في عالمنا اليوم إلا أنها جاءت بنتائج عكسية، فكيف نستطيع أن نقنع شبابنا اليوم أن العلاقات لا تنشأ على الطريقة الغربية التي صارت مقلّدة في هذا الزمان أكثر من أي وقت مضى من التعرّف على شريك الحياة إلى الخطوبة والدبلة وحفل الزفاف، ولا غرو إذا تنبّأ ذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قال: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ؟".

 

فوزي بن يونس بن حديد

 

أسئلة الكتابة: الفعل التجربة الذات الآخر .. أو ما معنى أن تكتب؟

mohamad alazouziكلام لابد منه: الكتابة سؤال عصي الإمساك بناصيته سواء قمت بطرحه على نفسك بمحاولة الإجابة إذا كنت عارفا بخبايا الفعل منخرطا فيه مدركا لشروطه السيكولوجية السوسيوثقافية... بما تمثله من أساس في بلورة الفعل ودفعه إلى التحقق والتأصيل وجوديا كفعل أساسي ومحوري أوعلى الأخر لتلمس مختلف الأوجه التي يتبدى للخارج أو ضمن المتن الإبداعي لتجارب إبداعية أخرى لها رؤيتها المميزة والخاصة للفعل كشروط وظروف .

سؤال لن يمنحك الخيط الذي به تتلمس الطريق بيسر للإحاطة بجوانب الإجابة عنه والتخفيف من قسوة وإلحالية التساؤلات المرتبطة به المسنودة بمفاتيح يمكن أن تكون مداخلا نحو فهم أعمق وأشمل لفعل وتجربة الكتابة في علاقاتها بمختلف الترابطات والوشائج التي تولدها أو تتوالد ضمنها وتحاول الدفع بها نحو أفاق تتسع وتتعمق بإتساع التجربة وتعمقها "إن لحظة الكتابة للحظة هاربة مثل سراب لأنها تلتمع من بعيد،فكيف القبض عليها ؟سيرمي لها الكاتب المعني بالأمر بصنارة الإنتظار إلى أن "تأتي" إليه (1) .

أسئلة اللماذا ولمن وكيف وأين ومتى ...وغيرها المسنودة بتموضعاتها المختلفة أكانت علاقة بالذات الكاتبة أوتمفصلات الكتابة كفلسفة ورؤية أوتموقع الذات ودرجة ذلك التموقع ضمن واقع سوسيوثقافي و يتم عبرها محاكمة ونقد الفعل ورد الفعل لنشدان كتابة استشرافية تنهل من معين الأمل والحياة كروافد وتتغيى تطهير الذات من الأدران العالقة بها...

حرقة الفعل كمحاولة للقبض على الهارب والمنفلت باستمرار بأسره باللغة وإعطاء وجوده وجودا أبقى بتمتيعه بحياة لانهائية وبأجنحة جمالية للتحليق ككائن حاضر في عالم جمالي يتغيى الخروج من المأساة بقهر جنوحها الجموح لصنع العدم والعبث والفوضى... الملهاة كسخرية يجب التخفيف من إفراطها.

تصادمات التجربة مع أكثر من جهة وصيرورة وسيرورة التحولات التي تنخرط فيها بوعي أو بلاوعي بغية بلوغ

الواقع المأمول إنشاءه لإضفاء جدوائية على الفعل والتجربة معا باجتراح أفق أوسع وأرحب  ونحن نبحث عن الجواب في سياقات التجارب الأخرى التي انخرطت في التجربة (الكتابة) بكل ما يعتريها من معاناة وإكراهات تبعا للظروف والشروط التي ولدت فيها نفسية ثقافية إجتماعية إقتصادية سياسية...

 

الذات والفعل:

وتبقى الجوانب النفسية والمرتبطة بذات المبدع هي اللبنة الأساسية في فعل الكتابة لتوزعها على الحالات والمواضع الموزعة مابين السعادة الحزن الإنشراح والألم لطبيعة الحالات التي يكون عليها جسد المبدع ودرجة تفاعله مع المحيط بمختلف تلويناته "إننالانكتب أونرسم إلا في لحظات الوحدة والضعف وعندما  نعانق وهم الفرح السعادة فإننا نوثرأن نعيشه أولا" (2) كما يرى الروائي والناقد المغربي محمد برادة على لسان أحد أبطاله يحضر فعل الكتابة كمحاولة للخروج من حالة الحزن التي يحياها المبدع أوالألم والمرض فيتحول الفعل من مجرد تنفيس إلى رغبة في المقاومة والصمود كما يقول الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس"منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان وكانت الكتابة وللمسرج بالخصوص أهم وسائل مقاومتي"(3) وعن الظروف التي يمكن أن يكتب ضمن شروطها وتأثيراتها خصوصا حين يغيب الأمن بمختلف درجات حضوره وعلى أكثر من مستوى وصعيد يقول الكاتب الجزائري واسيني الأعرج "يستطيع الكاتب أن يكتب مهماكان مقدار الخطروالتهديدالمحدق به،لأنه يدخل في سباق مع الموت وتكتسب حياته معناها من فعل الكتابة"(4).

تجربة أخرى ترصد التحولات التي تطرأ على الذات الكاتبة ما قبل الفعل ومابعده قبل الشروع وبعد الإنتهاء منه"عندما أكتب أو أنهي كتابا أحس بأن أجزاءا مني قد بترت وأنني لم أعد نفسي"(5) تقول الروائية الفرنسية مارجريت دوراس.

 أنطولوجيا تدخل الكتابة مع الذات في علاقة جدلية الذات تحقق فعل الكتابة وتأسس له والكتابةتعطي للذات معنى ماأسمى تصبح معه الكتابةوالذات وجهين لعملة واحدة أنا أكتب إذن أناموجود ووجودي له قيمة ومعنى ضمن الحياة وسياقاتها المختلفة حتى وإن انبنت على الألم "إن الكتابة نفسها ألم لأنها نابعة من الشعور به بغض النظر عن غايتها .(6) و "بشرط أن تقبض ... على جمرة الذات الملتهبة والحقيقة الهاربة إلى مناطق النسيان"(7)

 

أفق التجاوز:

لكن تبقى جوانب أخرى  لها إرتباطها بالكتابة كفعل وتجربة تمتح  من معينهما الذي لا ينضب بدونها لا تمثل الكتابة إلا مجرد تمرين إنشائي لا غير لا يقوم إلا بتسويد بياض الورق وإنتاج عمل ضحل فاقد المعنى والجدوى والرؤية الملزم إمتلاكها.

التجربة المعيشة بتلوناتها وتشعباتها بما تحمله الكلمة من قوة ورغبة في الإنطلاق والتحرر والإنقذاف لمعترك الحياة وآتونها بوضع الذات على محك التجربة الأعمق والأجدى "...التعثرات الملموسة هي التي تجعلنا ندخل في علاقة حقيقية مع الحياة..."(8) وفي نفس السياق يقول إدريس الخوري "لا تفعل الكتابة شيئا أكثر مما تصف، إنها تصف الحالات والإنكسارات والفضاعات "(9) .

 فالتجربة خيط مسارات الذات وهي تكابد أهوال الواقع تحولاته من أقصى تخوم اليأس إلى أقاصي الحلم جسرالنجاة نحو الحياة عبوره يعني تخطي كل المثبطات والحواجز المادية واللامادية بأغلالها النازعة لكل ماهو استشرافي 

حيث تمثل" كل ممارسة للكتابة هي فرصة لتحقيق أعمق للذات والكون والآخرين..."(10) وبصيغة أخرى"عندما تصبح التجربة أقوى من الندم ينمحي الشعوربالذنب"(11)

الحلم وفعاليته في الدفع بالذات ومن ثم الكتابة لاجترح أفق أعمق للفعل بتجدده المستمر"إننا لا نختار أحلامنا ولكن لها صلة بوعينا ولاوعينا كثير من إحلامنا تكشف لنا عن سر ماعشناه وما سنعيشه أحلامنا هي قدرنا،وما شئنا من سحرها ومالم نشأ،وكثيرا ما أنارت لنا جزءا من حياتناالمظلم وألهمتنا مبتغانا..."(12)

 

على سبيل الختم:

  لكن إلتماسها بالآخر بتوع تصوراته ومواضاعاته أكانت ذاتا موازية للأنا ندخل معها في علاقة تفاعل إيجابي أو الآخر الذي يجهلنا كذات ويتململ موقفه بين القبول والرفض والآخر الذي يقف كحامي لحوزة مسيجة بالأسوار المعلن في وثوقية قل نظيرها مخلفا ردات فعل من المبدع الذي يلجأ للمواجهة أو الرضوخ أو مراجعة وسائله وأساليبه  بإعادة تشكيل لغته الخاصة لتفي بالمضمر والرسالة المراد إيصالها 

 

محمد العزوزي  شاعر وقاص

...............................

هوامش

1 ـ إدريس الخوري ـ الصوت والصدى مقالات في الأدب والحياة ـ منشورات فكر ـ ص 55 و 56 ـ ط 1 ـ 2009

2 ـ محمد برادة ـ الضوء الهارب (رواية) ص ـ ط 2 ـ نشر الفنك

3 ـ سعد الله ونوس ـ باب قالوا مجلة العربي العدد 450 الصادر بتاريخ ماي 1996

4 ـ واسيني الأعرج ـ نفسه

5 ـ مارغريت دوراس ـ نفسه

6 ـ إدريس الخوري ـ سبق ذكره ـ ص 66

7 ـ نفسه ـ ص 63

8 ـ محمد برادة ـ ورد ورماد رسائل محمد برادة ـ محمد شكري  ص 74 ـ ط 1 ـ 2000

9 ـ إدريس الخوري ـ سبق ذكره ـ ص 66

10 ـ محمد برادة ـ سبق ذكره ـ ص 38

11 ـ محمد شكري ـ وجوه ص 5 ط 1 ـ 2000

12 ـ نفسه ـ ص 155 و156

 

 

أخي إلياس خوري.. هل توصّلتَ برسالتي؟

hamodan abdulwahedقرأتُ ما كتبتَه في القدس العربي يوم 4 أبريل 2016 عن "فزاعة التوطين والاستعباد الجنسي" دفعة واحدة وكأنّك جالس أمامي أو بقربي تتكلّم إليّ وأنا أسمعك دون أن أقاطعك. قرأتك وسمعتك إلى درجة أنني أخذت بدوري كلماتي وقذفتها دفعة واحدة حتى أنهيتها أو بالأحرى أنهكتني !  هذا هو حال الكتابة الحقّة : أمواج عنيفة، مرتفعة ومرتطمة، تخبط صاحبَها رامية به إلى الأغوار، وتستدرج قارئَه إلى 'هَوْلِها' المظلم في حركيّة هائجة وإيقاع قوي سريع غير منقطع، ثم تتقدم به إلى الأمام لتلفظه، كحوت يونس، على شاطئ ما !

كلماتك، ياصاحب الضمير اليقظ، حيّة بالمعنى الحرفي لِما تعبّر عنه أي أنها منفعلة غاضبة ساخطة ثائرة، جريحة مؤلمة حزينة، لكنها بالخصوص شجاعة وصائبة، بل أكثر من هذا وذاك هي صادقة ومخلصة لنفسها أي للقيم التي تدافع عنها وتدعو لها.

أنت بهذا تحقّق لكتابتك خاصية قلّما توجد في كتابة الآخرين من المفكرين والمحللين والأدباء. أقصد الانسجامَ بين الكتابة والرؤية الإنسانية (الحضارية) للمفكّر كفرد اختار لنفسه أن يكون من بين المُرمى بهم في شدق " حكمة " طاحونة الأحداث. وأنت تعرف أنّ الكلام فعل حقيقي كما الكتابة هي الأخرى كلام ينبع من الأحشاء وله واقع يؤكّد أنه جزءٌ لا يتجزأ ممّا يكتب الكاتب عنه ويتحمّس له ويحلم به ويصبو إليه. إنّ القرّاء لَيُحِسّون أمام كلام كتابتك أنهم أمام مثال ملموس لمقاربة ابن جنّي للكلام حين قال في ' خصائصه ' ما معناه فأصاب : وإنما الكلام من الكَلِم أي أنه نتيجة مباشرة لحاجة الجراح والآلام في الإفصاح عن نفسها بأصوات وحروف وصياغة تخرجها إلى الوجود المرئي لعلّها تلقى صدى إيجابيا عند الأحياء .. لكن، للأسف – لا جدوى من إضافة ' الشديد ' أو صفة أخرى من صفات القوة السلبية المتعدّدة لحالة الأسف - لا حياة لمن تنادي ..

وأنا أقرأ هذه الصرخة العالية المتفرّدة ضدّ الانحطاط وضدّ الفضيحة وضدّ التعفّن وضدّ التفسيرات المتفذلكة الهاربة من الحقيقة المُرّة الساطعة العارية، وضدّ الانهيار الأخلاقي المثير للاشمئزاز، أراكَ محمرّ الوجه، مقطّب الحاجبيْن، تشير بيدك في كلّ اتجاه، تضرب بقبضتك على الطاولة، تقوم من مجلسك، ترمي بنظرك إلى أفق ما، تتكلم بسرعة البرق وقوة الرعد... كلّ هذا ليس لأنّك لا تفهم ما يحدث لنا بل لا تفهم كيف لا يفهم كلّ مسئول أنه يقود البلد والوطن إلى الهلاك اليقين بعيون مفتوحة مائة بالمائة. اسمح لي هنا أن آخذ منك عبارة أعتبرها خلاصة الخلاصات المتعلقة بواقعنا الشكيزوفريني (المنفصم ذاتيا) الذي يمكن تعميمه دون مبالغة على مرضنا الجماعي العضال : " هؤلاء السوريات اللواتي تلطخت أجسادُهن وأعمارُهن أشرف وأنقى وأطهر منا جميـــــعا، إنهن مرآتنا التي تنتصب في وجوهنا كي تقول إنه آن الأوان كي ننظر ونرى. نظرة واحدة في هذه المرآة تكفي كي تكشف كل شيء، ونكون وجها لوجه أمام هذا العار الذي صار عارنا جميعا ".

عارنا، ياأخي إلياس، أنّنا داعشيون حتى النخاعة، بل إننا أدعش من داعش لأننا بكل بساطة ما زلنا نصرّف – كما فعلنا لمدة طويلة في الماضي- فعل ' دعش ' في الحاضر، وحالنا يقول أننا سنتفنّن في تصريفه إلى المستقبل القريب والبعيد، بلهجة الأمر وتحت كلّ أشكال الإثبات.

الداعشية، كفكر وسلوك مترادفيْن للهمجية والبربرية والوحشية والتخلف، هي الوجه الذي يرفض أن ينظر إلى نفسه في المرآة. إنّ عقيدته قائمة على تكسير المرايا والايمان بالتوهّم والأشباح والموتى. ونحن، على كثرتنا، دواعش عوالمُها نُحتت من شظايا هذه المرايا الراقدة في سجون وسراديب وعتمة كبت جنسي مسموم، وإحباطات متكرّرة مدمّرة للإرادات !

بصراحة، كم أتمنّى أن أكون بجوار إنسان مثلك نتكلّم ونتناقش كي أستفيد من رؤاك ووجهات نظرك. لكن بما أن هذا غير ممكن تبقى الكتابةُ المتكلّمةُ الجسرَ الذي يسمح بالعبور إلى الجهة الأخرى والارتماء في فضاءات الآخرين ورؤاهم التنويرية. إنها تسمح بالتقريب بين العقول والقلوب، وتعمل على الجمع بين الأفكار والمواقف، والدفع بالمشاعر والأحاسيس إلى التداعي والتفاعل في زمن عربي إسلامي يبتعد أكثر فأكثر عن ذاته وثوابته، ولا يفهم أنّ المخرج الوحيد يكمن بالأساس في التفاتة إنسانية إلى الآخر الذي يطالب بحقه الطبيعي في أشياء اسمها الكرامة والحرية والعدالة.

 

حمّودان عبدالواحد ، باحث عربي وأكاديمي من فرنسا

 

عدن .. حبيبتي

balkis alrobaieعشقتُ عدن موطني الثاني، ارضا وشعبا، وعدن بادلتني ذات المشاعر. عشتُ أحلى سنوات عمري في عدن، الوطن الذي لم يبخل عليً بشيء، بل أعطاني كل شيء

 هذه الأيام يعتصر قلبي من الألم حين اشاهد ما فعله بكِ الأوغاد يا عروسة البحر وساحرة الالباب، الغافية بهدوء على سواحل البحر العربي. عدن كنتِ المدينة الآمنة التي لا يُطلق فيها الرصاص على البشر كما يُطلق على الأرانب .. عدن يا وطني بالاختيار .. منحتيني الأمان الذي افتقدته في وطني . أحبكِ زوجي د. ابو ظفرودائما كان يقول لي ( افضل مكان لكم في هذه الدنيا هو عدن وليس غير عدن . انكِ تعيشين في بلد الأمان والرعاية التي يفتقدها الانسان حتى في وطنه).

 عشقتكِ يا عدن وحفظت كل شوارعك وحاراتكِ في خورمكسر والمنصورة والشيخ عثمان ودارسعد حيث ثانوية الشهيد عبود التي كنت أعمل فيها وصهاريج الطويلة وقلعة صيرة و..و.. . أدمنت فيك رائحة البحر والبخور والفل والمشموم والكاذي .أحن اليك اليوم كحنيني لسماوتي الحبيبة. فيك وجدتُ نفسي ولم أشعر بالغربة كلما اشاهد الغربان الصغيرة والنوارس، اتذكرك ياحبيبتي، وكلما اشم رائحة الكزبرة

تسميها العدنيات (كبزرة)، أسرح في اجواء سوق الشيخ عثمان . في احدى رسائله في يناير 1979 كتب لي ابو ظفر قائلا: ” أنا منذ مدة ليست ببعيدة في عدن .. حيث الجو ربيعي ولكنه رطب . عدن مدينة صغيرة قياسا الى بغداد ولكنها بسيطة وجميلة ونظيفة وأهلها طيبون (الوزرة) لباسهم الشعبي . السفور ظاهرة عامة بين نسائهم وحتى المحجبات يتصرفن بحية اكبر بالنسبة للمحجبات في بلدنا . عدن مدينة ."هادئة لقلة مرور السيارات في شوارعها . تكثر فيها الغربان الصغيرة بدل الحمام .في عتق وعدن تستوقفني ذكرياتي مع الغالي ابو ظفر رغم قصرها عدن يا من كنت ملاذي الآمن بعد هروبي من قبضة الجلادين..أحببتكِ وبكيتُ لفراقكِ رحلتُ عنك مرغمة أثر الحرب الغاشمة عام 1994 تبقين” أنتِ بعيوني الحبيبة،أنتِ للانسان طيبة .. أنت في قلبي الوطن يا حبيبة يا عدن ” هكذا غنى لك جعفر حسن وقال عنك الروائي صبري هاشم في روايته " قبيلة الوهم " :” العدنيون طيبون بحياتهم قانعون،بجحيم شموسهم سابحون وببحارهم فرحون، أخلاقهم لاتناسب قسوة ."صخورهم ولاحرارة شموسهم ولاهياج رمالهم .. العدنيون فنارات ترشد كل سفينة عدن التي سخت عليً بخيرها مازلت احمل في ثنايا روحي حبي لها وللاهلها الطيبين 

 

المنقلب والمتحول (4)

qusay askarكيان الكيان: الكون والكيان والكينونة  هو الحدث وكون  (بتشديد الواو) تعني احدث وهذه معان عامة لغوية وفلسفية تطالعنا في اللغة الادب والفلسفة والفيزياء، فالكيان والكون والكينونة هي مصادر لكلمة كان، اما في فكرنا المعاصر فقد قلبناكلمة كيان الى معنى سلبي في حالة الوصف والإضافة  لأسباب قد تكون سياسية  او اجتماعية فنقول الكيان الصهيوني، وكيان الغدر. الكيان المتهالك.

 

خرط  او خريط

خرطت الشيء بمعنى حتته وهو ان تقبض على الشيء من اعلاه وتمرر يدك الى اسفله ونستخدم كلمة خرط وخريط في العراق للكلام الفارغ الذي لا معنى ولا قيمة له فهو من المتحول بوجود علاقة الكثرة والسرعة المتأتية  من عملية الخرط، والهبوط من علو الى أسفل.

 

خريطة

تعني الخريطة لغة" وعاء من أدم وغيره يشرج على ما فيه، و الخريطة مثل الكيس مشرج من أدم أوخرقٍ، ويتخذ ما شبه به لكتب العمال فيبعث بها، ويتخذ  أيضاً فيجعل في رأس البلية وهي الناقة التي تحبس عند قبر الميت" والخريطة او الخارطة بالمعنى المتعارف عليه جغرافيا وهي المخطط الذي يُبين السهول والجبال والتضاريس الطبيعية  والحدود السياسية لمكان ما او بلد او العالم وجمعها خرائط في من باب الإيجاد.

 

زمرة

الزمرة هي الجماعة او الفوج من الناس وجمعها زمر قال تعالى " وسيق الذين كفروا الى جهنم زمرا"وقال تعالى" وسيق الذين اتقوا ربهم الى الجنة زمرا" ان زمرة مفردة لاتختص بالخير وحده ولا بالشر وحده مع ذلك انقلب معناها العام في عصرنا الراهن فلا تدل على الإيجاب قط ان أيا منا نحن المعاصرين لا نقول عن مجموعة نحترمها زمرة لأطباء او المهندسين او الأدباء بل نقول دائما زمرة البغي والعدوان زمرة الغدر والخيانة فهي من الكلمات المنقلبة.

 

فلتة

الفلتة الامر يقع من غير احكام والكلمة تعني معنى سلبيا لا إيجابيا فمن معانيها فجاة وغلطة اما في العصر الراهن فقد انقلب مفهومها الى معنى إيجابي في اذهان الناس اذ نقول عن اي طالب متفوق متميز عن اقرانه انه فلتة ونقول عن اي طبيب بارع حاذق هو فلتة لكون الكلمة بمفهومها الجديد أصبحت تعني العبقري في حين كان معناها القديم اقرب الى الهفوة او الزلة.

 

صليب

الصليب مشتقة من كلمة صلب وهي من المعاني السلبية لكن الكلمة انقلبت لسبب ديني الى معنى إيجابي فأصبح الصليب مقدسا عالميا ويدخل في رموز الزينة مثل القلائد ويشار اليه في الصلاة عند المسيحيين ويعد رمزا أدبيا وفنيا وفلسفيا وطبيا  إيجابيا وقد  بقيت كلمة صليب تحمل المعنى السلبي في حالة تحولها الى صفة كما في قولنا الحروب الصليبية، فهي كلمة مزدوجة منقلبة الى خير اذا بقيت اسما وتحمل في الوقت نفسه معنى سلبيا اذا أصبحت صفة .

 

عجمي او أعجمي

كلمة أعجمي تعني من حيث اللغة كل ما هو غير عربي من القوميات الاخرى كالفرس والهنود والأحباش الا ان العقلية العربية المعاصرة قلبتها لأسباب عنصرية الى كلمة سيئة حين عنت بها قومية معينة بصيغتين للتحقير وللدلالة على عدم الاصالة وهما عجمي وأعجمي والمقصود بهما الفرس فقط .

 

تقوقع

كلمة قوقع غير عربية وفي القواميس اللغوية نجد كلمة حلزون الا اننا نحن المعاصرين تداولنا شفاها وكتابة كلمة قوقع ونعني بها الحلزون ثم كلمة قوقعة لجزء من الإذن واشتققنا من كلمة قوقع او قوقعة كلمة تقوقع لمن ينطوي على نفسه فنقول تقوقع في بيته فلان وفلان متقوقع وهكذا وهي من الإيجاد في الاسم ثم الانقلاب في الفعل.

 

أثرة

اناني تعني الأثرة اذ الحقنا ياء النسبة الى ضمير المتكلم" انا "على الرغم من كون ذلك لا يجوز لكن تبدو كلمة أثرة غير مقبولة في الحديث وكتب الادب والتعامل اليومي. يقول صاحب اللسان الأثرة بفتحتين الاستئثار والتفرد ويبدو اننا اذا أردنا ان نستغني عن كلمة "اناني " قلنا عن شخص يتصف بتلك الصفة انه " ذو أثرة " معنى ذلك نضطر لذكر كلمتين " مضاف ومضاف اليه" بدلا من كلمة واحدة لذلك استغنت الذاكرة العربية عن أثرة وابقت الشائع المتداول الذي هو كلمة اناني من انانية.

 

اللَّات

هي احدى آلهات العرب الثلاث قبل الاسلام حيث ذكرت في القران الكريم " أفرأيتم اللَّات والعزى ومناة الثالثة الاخرى" ولا تحمل من معنى إيجابي قط وفق دن التوحيد الاسلام مع ذلك فقد أبقى العرب على معناها التراثي والجمالي والنفسي كونه يمثل خصوصية تاريخية فسموا مواليدهم ب عبد اللَّات وهو من المنقلب بالاضافة لأسباب تراثية وجمالية وتاريخية.

 

عور

عورت ( بتشديد) الواو عن الماء رددته، وفلانا عن حاجته رددته عنها والتعوير الرد ونقول نحن فلان عور "بتشديد الواو" فلانا بمعنى اذاه او المه او سبب له ضررا فهي من المتحول.

 

مؤامرة

 لغة من امر وهي المشاورة  وتعني كل شيء إيجابي غير ان العقلية المعاصرة قلبتها الى معنى اخر هو محاولة قلب نظام الحكم والتخطيط لإيقاع الاذى بالآخرين، فهي من المنقلب من الإيجابي الى السلبي.

 

تطبير

طبر في اللغة العربية قفز واختبأ والطبر ركن القصر وطبرية بلدة  الا اننا ضعفنا الفعل طبر واشتققنا بعد تضعيفه

المصدر" تطبير" واسما اخر "مضموم الفاء" طبر  آلة التطبير فانصرف الفعل المضعف الى معنى اخر هو جرح الجسد بالطبر وهو الآلة الحادة التي يستخدمها المطبر بضم الميم وتضعيف الباء وكسرها.

 

دريد

من درد ويعني ذهاب الأسنان ودريد مصغر ادرد الذي مؤنثه درداء الذي لاسن في فمه وعلى الرغم من سلبية الاسم وربما قبح شكل الفم من دون أسنان الا ان " دريد" اسم شائع فهو منقلب من القبيح الى الجميل فالانقلاب جمالي.

 

غرام

الغرام هو العذاب والهلاك والغرامة العقوبة،في معنى العذاب قال تعالى" ان عذابها كان غراما" وفي معنى الهلاك ايضا يقول الطرماح او بشر بن ابي خازم

وَيوْمَ النِّسارِ وَيَوْمَ الجِفا... رِ كَانَ عِقَابًا وَكَانَ غَرَاما

والغرام في لغتنا المعاصرة يعني الحب او معاناة الحب وهو من التحول.

 

غراب

الغراب من الطيور التي يتطير بها فنعيبه ورؤيته مبعثان للقلق عند العربي وفي العصر الراهن هناك من يحمل اسم غراب  واظن ان التسمية الحالية تتجاوز المعنى السلبي اما لانه مجرد اسم او  لكون كلمة غراب انقلبت من المعنى السلبي الى مجرد معنى لايدل على اي مدلول سلبي.

 

السوق

السوق مصطلح اقتصادي ومكاني غير ان كلمة سوق تصبح بالوصف معنى سلبيا عندما نقول السوق السوداء فهي تنقلب لكونها  موصوفا لصفة تتعلق بلون ذي معنى سالب في اذهاننا ولعل في إلحاق كلمة سوداء بالسوق  نتج عن تفكير عنصري.

 

فستق

ان كلمة فستق تعني نوعا من المكسرات لكنها تتحول الى نوع اخر بالاضافة وذلك حين نقول فستق عبيد pea nutان اضافة كلمة عبيد ذات المدلول السلبي جعلت الفستق ينقلب  من نوع الى اخر وان كان المضاف اليه ذَا مدلول عنصري وهناك من يخفف من وقع تلك الكلمة  فيستغني عن هذه التركيبة وياتي بدلها بكلمة مركبة من موصوف وصفة  هي  فول سوداني نسبة الى السودان البلد المعروف.

 

الشذوذ

شذ لغة انفرد او ندر عن جمهوره واسم الفاعل شاذ لكنها تتحول بالتمييز الى معنى سلبي حين نقول شاذ جنسيا غير ان كلمة شاذ جنسيا بدأت تتلاشى هي والكلمة الاخرى " غير السوي"abnormal التي لا يقرها الفكر الاوروبي ولا مباديء حقوق الانسان الى كلمة مثلي اي من كانت له ميول جنسية لمن هم من جنسه نفسه آما في البلاد العربية فان  الصحف الان ووسائل الاعلام تجنبت كلمة شاذ وبدات تستخدم كلمة مثلي.

 

سحاقية/سحاق/مساحقة

من سحق ومساحقة كما في لسان العرب كلمة مولدة ولم تعد وسائل الاعلام تتداولها نظرا لتغيرات العصر فحلت محلها كلمة مثلية .

 

مرحاض

من رحض غسل والمرحاض المغتسل والمرحاض بيت  الخلاء  لم تعد هذه التسمية مقبولة من حيث التطور ولا من حيث الناحية النفسية والذوق فشاعت بدلها كلمة حمام  وكلمة دورة المياه وأحيانا يستخدم العربي الكلمة الأجنبية تواليت لانسياقها مع الذوق العام.

 

غجر غجري

ليس هناك من معادل للكلمة وهي من باب الإيجاد.

 

سجارة سجائر

كلمة مستحدثة بعد اكتشاف أمريكا دخلت العربية ٠ايجادي من غير لغة.

تبغ

نبات. وهو إيجادي من غير لغة.

 

دعاية

أصل الكلمة من دعا يدعو ولا تحتوي القواميس القديمة على كلمة دعاية بل (دعاوة) ماعدا نصا للنبي محمد "ص"ورد في بعض الكتب وكتب السيرة الى هرقل فيه" أدعوك بدعاية الله" ومعنى الدعاية بالمفهوم المعاصر

منهج أو طريقة لخلق اتِّجاه مشايع أو معادٍ نحو سلعة أو فكرة أو مذهب بالكتابة او الخطابة أو الإعلان "

وقد انصرف الذهن في العصر الحالي الى التعريف الحديث الذي يعني المصطلح الاوروبي للدعاية وهوpropagandaاما الترويج لفكرة دينية فتختص به كلمة دعوة.

 

هروت يهروت

ورد اسم هاروت في القران الكريم "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ " وهما ملكان وفق الأخبار يعلمان الناس أشياء تقيهم الشر، وورد اسم هاروت في الشعر، يقول بشار بن برد:

وكان تحت لسانها.  هاروت ينفث فيه سحرا

اما في  وقتنا الحالي فقد قلب الناس واشتقوا، قالوا عن الذي يتكلم بكلام فارغ غير متناسق لا معنى له يهروت اي يثرثر وعندما نريد ان نوقف شخصا عن الكلام نقول لا تهورت، ويعني ذلك كف عن الثرثرة.

 

حنفية

لغة حنف مال واعوج والحنف المصدر يعني ان تعوج قدما الانسان حيث يتقابل ابهاما  اليمنى واليسرى والحنيفية دين ابراهيم، والحنفية هي صنبور الماء لم يرد في القواميس العربية ونظن ان الذهن العربي قارن  بين تقوس الصنبور وتقوس الأنابيب المعدنية المتلقية على شكل قوس فأطلق على صنبور الماء حنفية وهو تحول الى معنى اخر .

 

غثيث

غث الجرح تقيح وسال وغث هزل ورجل غثيث اي هزيل اما نحن فنقصد بكلمة غث معنين:

الاول هزيل نقيض سمين، اما غث للجرح فقد تلاشت الكلمة من مفهومنا واكتفينا بكلمة تقيح.

 الاخر وهو إطلاق كلمة غثيث في الخطاب اليومي على الشخص المزعج بكلامه او سلوكه وتصرفاته وهو معنى جديد بحديثنا المعاصر .

 

غلام

كلمة غلام عربية فصيحة  تتردد كثيرا في الكتب القديمة يبدو انها أصبحت من الاسماء الشائعة عند كثير من الشعوب غير العربية كالهنود والباكستانيين والايرانيين والافغان والبنغاليين وعند استطلاعي للأسماء العربية وجدت ان استعمال الكلمة قليل عند العرب في التدوين الكتابي والاستعمال الشفوي فضلا عن ان الذين سموا باسم غلام من المعاصرين يعدون على الاصابع وخلال استطلاعنا لكثير من العرب في العراق وسوريا ولبنان تأكدنا من ان العرب لا يحبذون ان يسموا مواليدهم باسم غلام ويرون ان غير العرب يسمون بها فهي وفق تصورنا من المنقلب.

 

تأمين

لغة أمن الامام تأمينا اي قال  امين  وهي من الأمان والأمن ضد الخوف اما نحن فقد استخدمنا كلمة تأمين  بمعنى ضمان ويؤدي التأمين دورا مهما في حياتنا العملية وهناك شركات التأمين  بمعنى شركات الضمان فكلمة تأمين من المتحول.

 

قُصي الشيخ عسكر

 

مدينتي كطائر العقاب

نسيم البحر في مدينة اولوسند داعب ذكرياتي العراقية العتيقة، كنت واقفا على الجسر الكبير في وسط المدينة وبجانبي صديقي روجر، كان قد حدثني كثيرا عن مدينته ودعاني الى جولة فيها بعد انتهاء مهام العمل، كم كان فخورا بمدينته كما كنت مزهوا بحضارة بلاد الرافدين.

كانت النوارس بصياحها توقض ذكريات جسر أم الربيعين العتيق بكل ما يحمله من معاني للمدينة، ونوارسه وترحيبهن صباحا بكل أطياف الشعب العراقي.

فأخبرته عن العتيق وكيف يقام عليه كل صباح معرض للازياء الشعبية، الشال والشبك الكوردي، الصاية والزبون، الشراويل، والمكرومة واليشماغ. مهرجان بكل معنى الكلمة.

957-mad

أجابني مبتسما ونحن كذلك لدينا يوم في السنة هو اليوم الوطني يرتدي ابناء المدينة الزي الشعبي (البوناد) للمنطقة التي هم أصلا منها ويخرجون الى المدينة.

اجبته منتصرا في هذه الجولة.

- لديكم فرحة بتنوع ملابسكم يوما في كل عام أما فرحتنا بجمال فسيفساء مدينتي فهي يومية.

هز رأسه موافقاً. كم كنت فخورا بهذا النصر.

بعد أن صعدنا الى الجبل المنتصب كمراقب على المدينة، جلسنا على قمته في مقهى اسمه (صالة الجبل) واصبحت المدينة وكل خلجانها تلمع أمامنا على مد البصر كجوهرة تحت أشعة الشمس، أخفيت عن روجر امنياتي بأن تصبح مدننا العراقية بهذا الجمال، لأنني توا قد تفاخرت عليه وانتصرت في جولة عراقية نرويجية نادرة الحدوث.

فاجأتني كلماته وهو يقول لي هل سمعت بحريق اولوسند؟

- قلت له لا . أجابني وهو يشير الى المدينة بكل أرجائها

-  مدينتي الحبيبة ..هذه احترقت كلها في يوم عاصف أخذ الحريق 850 بيتا وترك ما يقارب عشرة آلاف نسمة ونصف بدون مأوى. وبدأ يشير الى الاماكن التي احترقت بالتفصيل ويشرح لي بحماس، لم يبقى شيء يذكر من المدينة.

انطفأت الجوهرة أمامي كما انطفأت نينوى ذات مساء.

بدأت بعض الكلمات تدور برأسي وتستدعيني للمقارنة، احترقت، أحتلت، أشتعلت المدينة، أنتهكت المدينة.الخ الخ.

 هبت نسمة هواء عليلة جعلتني أفتح ذراعي وأغمض عيني واتنفس بعمق هواء نينوى، وعندما فتحت عيني أيقنت أنه توجد أحلام اسمها أحلام اليقظة، لكنها لا تدوم تطويلا.. الواقع كفيل بها.

قدم لي روجر سيجارة على غير عادة النرويجيين، وقال ما رأيك بسيجارة أمام هذا المنظر الرائع.

شكرته موضحا: مع الأسف تركت التدخين منذ سنين.

نظرت الى المدينة وحدثت نفسي.. هذه المدينة كانت ذات يوم خرابا وأعيد بنائها، هذا يعني أننا قادرين على بناء مدننا.

فسألته أين بدأ الحريق؟

أجابني مستغربا، لقد أحترق معمل التعليب الاساسي في المدينة؟

شكرت الله في سري، أن معاملنا سليمة، صحيح واقفة عن العمل لكنها لم تحترق.

شعرت أنني سوف آخذ بعض الأفكار وأنقلها الى العراق لنستفاد منها في إعادة بناء مدننا.

سألته ما الذي حدث مع آلاف المشردين قال لي بقوا في المدينة وعاشوا فيها.

قلت في نفسي ، كذلك في العراق هناك كثير من الاهالي لم يغادروا المدن المحتلة.

فجال ببالي أن اعرف مكان سكنهم، فسألته أنت قلت لي أن 850 بيتا احترق في ذلك اليوم، اين سكن الناس؟

- هذا الحريق حدث في 23 كانون الثاني عام 1904 بحدود الساعة الثانية والربع، وعندما وصل رجال الاطفاء الى مكان الحريق كان النيران قد ارتفعت لعدة أمتار فوق المعمل، كان الهواء عاليا فقابل رجال الشرطة دخان كثيف وأمطرت السماء شرارا عليهم، فأضطروا لضرب الاحصنة بالسوط لتتقدم واضطروا اخيرا للهرب بعيدا وأشار الى شارع في طرف المدينة، لأن العاصفة في ذلك اليوم حرصت على نقل النيران بين البيوت الخشبية بسرعة مذهلة، واستمر الحريق لخمسة عشر ساعة.

كان الكثير من ابناء المدينة واقفين في تلك الليلة، في هذا المكان الذي تقف فيه الآن وينظرون الى بيوتهم تأكلها النيران وهم بلا حول ولا قوة في مواجهة غضب الطبيعة. فعاشوا اربعة سنوات في كرافانات، لتصبح مدينة اولوسند أحدث مدن اوربا في عام 1907.

سألته

 - هل كان خيارهم البقاء في المدينة؟

- شركات التأمين عرضت عليهم مبالغ من المال للعيش في المكان الذي يريدونه حتى ينتهي العمل، لكنهم اختاروا البقاء في مدينتهم.

- لماذا، اختاروا البقاء؟

استعجب السؤال وكأنني أحمل أفكارا من كوكب آخر، وأجابني بهدوء.

- لأنها مسقط رأسهم، ألم تسمع بشيء اسمه الوطنية وحب الأرض؟ المدينة تعيش بحب ابنائها.

- نعم، نعم بكل تأكيد.. نحن كذلك.

نظرت اليه بنظرة ناقدة تعني وكيف تظن غير ذلك. شعرت أن موازين المقارنة بدأت تختل .

ما كان يغيضني في حديثه تمسكه بلهجته هو واصدقائه، وتركيزهم على استبدال معظم حروف الراء الى غاء، امعانا بخصوصيتهم، وأنا إبن الموصل ولهجتي مثل لهجتهم، لكنني في عام 2011 شذبت اذاني على طول فترة رحلتي باحثا عن القاف والغاء.. ذهب انصاتي عبثاً.. سمعت العجل واليول.

أمسك روجر بكتفي وسألني تبدو شاردا.. أجبته نافيا وطرحت عليه سؤالا جديدا:

- من أين جاءوا باليد العاملة لبناء المدينة؟ سألته لأتعرف على العقود التي أبرمت وكيفية توقيع عقود اعادة البناء مع الشركات الاجنبية.

- الكثير من الناس الذين فقدوا بيوتهم، هم أصلا من قرى مجاورة. عادوا بعوائلهم الى قراهم وهم عادوا للعمل في إعادة بناء المدينة. وكانت الشركات المحلية مع بعض الخبراء الألمان كافية لأنجاز المهمة.

- الم يؤدي هذا الحدث الى خلافات بين الناس، وحدود الملكيات؟ وحجم التعويض؟

- لست متأكدا مما تعنيه؟ ونظر في عيني ينتظر توضيحا لكنني بقيت صامتا، فاسترسل.

- في ليلة الحريق فتحت ابواب كل البيوت للجميع، وفترة العيش في الكرفانات عززت أواصر الترابط بين الجميع.

استعذت بالله في سري، وسألت نفسي لماذا لا يوحدنا الألم والوجع الأنساني.

بدأت هذه المقارنة تزعجني. ففكرت بيوم تحرير المدن العراقية وكيفية التعامل مع الضحايا..فسألته.

- كم عدد الاشخاص الذين لقوا حتفهم في تلك الليلة؟

قال لي متأثرا، كانت ليلة عاصفة وجو مثالي للحريق، رغم ذلك تكاتف الناس، وارسلوا ابنائهم لمساعدة بعضهم البعض. فمع الأسف ماتت سيدة تبلغ من العمر 76 عاماً كانت مهتمة جدا بأخراج مقتنياتها من البيت. وبعض الناس أصيبوا بحروق بسيطة.

فلم أتمكن من أخفاء ابتسامتي، ثم ضحكت وانا أنظر الى المدينة تتحول الى جوهرة جديدة أمام عيني.

سمعت صوته وبنبرة مربي فاضل.

- حتى انسان واحد فهو كثير، ألا ترى ذلك يا محمد؟ أجبته بكل تأكيد بكل تأكيد.

ضحكت مجددا وقلت له لقد قررت العودة الى التدخين أعطني سيجارة وقهوة ودعنا نتمتع بجمال الطبيعة.

قلت في نفسي، ليست أكثر من مقارنة فاشلة، تراثنا وأصولنا أعرق منهم بألف مرة.. نفخت التراث والثقافة مع دخان سيجارتي، فتلاعب به النسيم وضاع ليس بعيدا عن وجهي.

وبقيت انظر في الافق البعيد وأكرر في نفسي ستنهضين يا عنقاء، ستنهضين يا عنقاء.. وستغسل يا نهر الموصل آثار القدم الظلامية.

 

محمد سيف المفتي

 

 

نوروز أقدم الأعياد في الحضارة العراقية القديمة

zaheed albayatiبحثت عن اعياد نوروز كثيرا ولم اعثر على دراسة موضوعية وتاريخية رصينة و شاملة افضل من بحث الصديق الروائي والباحث د. نصرت مردان التي سبق وان كتبها بلغة انسانية رائعة .. لذا احببت ان انشرها بمناسبة اعياد نوروز 2016 مع المودة..وكل نوروز وانتم بخير ..

 

أقبل نوروز

وانتهت الأحزان

أنظر يا أبي من النافذة

نوروز يبذر الحب

نوروز يملأ الأرض محبة

 

(اغنية تركمانية قديمة)

 

شعوب تفرقها اللغات والأعراق ويوحدها الاحتفال بالعيد العراقي القديم (نوروز)

 

ليس هناك من مناسبة تجمع شعوبا ذات مشارب وثقافات مختلفة حول معاني إنسانية قائمة على المحبة والتآخي والخير مثل الاحتفال بعيد نوروز الذي يعتبر عيدا مشتركا لشعوب عديدة تختلف في اللغة والعرق والمذهب في دول آسيا وأفريقيا ودول البلقان في عالمنا اليوم. حيث تتحدهذه الشعوب في الاحتفال بهذه المناسبة باعتبارها عيدا للربيع والخصب أو بداية لعام جديد حسب تقاويمها التاريخية.

 

نوروز عند العراقيين

ظل العراقيون يحتفلون بعيد الربيع (نوروز)في سومر وبابل وفي نينوى لقرون طويلة حتى سقوط بابل على يد الفرس (٥۳٩ ق. م) وقد اقتبس الفرس هذا العيد مع ما اقتبسوه من ميراث الحضارة العراقية العريقة من كتابة ولغة وعلوم وفنون ومعتقدات دينية. ومن ضمنها العيد العراقي الذي أطلقوا عليه في لغتهم اسم (نوروز) والذي بدأوا يحتفلون به حسب السنة البابلية الذي كان يبدأ في ۲۱ آذار (مارس). سماه السومريون (زكموك) والبابليون والآشوريون (أكيتو) أي عيد رأس السنة. في هذا اليوم كان الكاهن الأعظم يصلي للآلهة مردوخ ويقوم الكهنة الآخرين بالطقوس الدينية الأخرى لأيام متتالية. وفي اليوم الأخير تتم تلاوة أسطورة الخليقة وتقدم الصلوات والقرابين في اليوم الخامس. كما كان الملك يقدم تقريرا عن إنجازاته في السنة المنصرمة، ويطلب من الإله مردوخ المغفرة لذنوبه وآثامه. وفي المساء يذبح ثور أبيض. وفي اليوم السادس تنظم مسيرة ضخمة في شارع الموكب حيث يتم إحراق دمى ملونة بعد الانتهاء من المراسيم الرسمية. وفي اليوم العاشر يتم الاعتراف بشرعية حكم الملك من قبل الإله مردوخ. كانت المواكب التي تحمل تماثيل الآلهة تعود إلى بابل عبر الطرق البرية ولهذا أمر الملك نبوخذنصر ببناء شارع الموكب الذي كان يمتد من دار العيد إلى باب عشتار. وقد انتقلت تقاليد الاحتفال بهذا العيد إلى سوريا مع انتقال الميراث السومري إلى الساميين ومنها على سبيل المثال لا الحصر عبادة (تموز) أو أدونيس مع عشتار. ولا يقتصر تأثير هذا العيد عند هذا الحد بل يظهر أيضا بشكل واضح في الاحتفال بعيد الفصح المسيحي الذي يعتبره المسيحيون عيد القيامة، أي عودة السيد المسيح إلى الحياة بعد صلبه تماما مثل احتفال العراقيين بقيامة (تموز) وعودته إلى الحياة لتعود معه الربيع والخصب. واعتبر العباسيون عيد الربيع عيدا رسميا محرفين اسمه الفارسي (نوروز) إلى (نيروز). وأصبح الاحتفال بهذا العيد أمرا شائعا.

أما في العراق فإلى جانب الاخوة الأكراد الذين يحتفلون بعيد نوروز باعتباره ذكرى انتصار (كاوه) الحداد على الملك الطاغية (الضحاك)، يحتفل سكان كركوك والقرى التركمانية بهذه المناسبة، حيث يجتمعون في ليلة ۲۱ نوروز في الأزقة والحارات، ويبدأ الأطفال بالغناء وهم يحملون المشاعل في الطرقات وفي سطوح منازلهم. وفي المساء يتم كسر الجرار القديمة، ويسمى العامة هذه الاحتفالات باحتفالات (هلانا) وهو في الأصل احتفال خاص بـ (مسيحيي القلعة) التركمان الذين يحتفون به بذكرى إرسال (هيلانه) أم الملك قسطنطين جموعا من المسيحيين من استانبول إلى فلسطين للبحث عن الصليب الذي صلب عليه السيد المسيح، وبغية إضاءة الطريق طلبت إشعال المشاعل عبر التلال والجبال والطرق والمنافذ المؤدية من استانبول إلى فلسطين. ومع الزمن ونتيجة لمشاركة المسلمين التركمان جيرانهم من أبناء جلدتهم المسيحين في هذه الطقوس الاحتفالية، أصبح الاحتفال في نوروز بهذه المناسبة تقليدا عاما يحتفل به سكان كركوك من التركمان في أحياء مختلفة. ويذكر كريم الكعبي في كتابه " التراث الشعبي في ميسان "، أن أرياف محافظة ميسان تحتفل أيضا بهذه المناسبة في ۲۱ آذار، حيث يقومون بشراء الخس والشموع على عدد أفراد الأسرة ثم يضعون الرز واللبن والسمسم والسكر والحناء في (صينية) كبيرة ويطلقون على هذه المواد (جوه السلة) وبعد فترة من الهدوء والصمت يبدأؤن بتناول ما في الصينية. وفي اليوم الثاني يخرجون للتنزه في البساتين عصرا ومعهم الأطعمة ثم يعودون بعد الاحتفال إلى بيوتهم.

 

نوروز عند الإيرانيين

نوروز يعني بالفارسية (اليوم الجديد) وهو حسب الميثولوجيا الفارسية، يوم دخول الشمس برج الجدي في ۲۱ مارس (آذار). لقد اعتاد الزرادشتيون في إيران الاحتفال بالعام الجديد في شهر (فروردي الفارسي الذي يقابل شهر آذار). بعد أخر أربعاء من العام القديم (جرشمبة سوري) حسب التقويم القديم المستعمل من قبل الأخمينيين الفرس (٥٥٨ ق. م) حيث كان العام الجديد عندهم يبدأ يوم دخول الشمس برج الجدي. وقد انتقل هذا التقليد فيما بعد منهم إلى الساسانيين (۲۲٥ ـ ٦۳۲) حيث كان يتم ذلك ضمن طقوس احتفالية تشعل فيها النيران، وكان العامة يترشرشون بالماء. وذلك ليومين حيث كان اليوم الأول يسمى (نوروزي عامه) واليوم الثاني يسمى (نوروزي خاصة). وكان قدماء الملوك الإيرانيين يلبون كافة طلبات رعاياهم في هذا اليوم. وثمة روايات ايرانية تروى بهذه المناسبة فيوم نوروز هو يوم وصول الملك جمشيد التي تروى عنه الأساطير إلى أذربيجان التي اعجب بموقعها فنصب عرشه هناك، وأشرقت الشمس في ذلك اليوم تماما فوق العرش لتزيده مهابة. وتذكر رواية أخرى أن الملك جمشيد أطلق سهما عند القنص على أرنب بري بهدف اصطياده لكن سقوط السهم على الأحراش والأعشاب أدى إلى اشتعال الحرائق، وكان هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها الفرس النار فخروا أمامها ساجدين ليتقوا شرها. لكن هذه الروايات اصطبغت بالصبغة الإسلامية بعد انتقال عادة الاحتفال بعيد نوروز من الفرس إلى العرب بعد أن تم تحريف تسميته إلى (نيروز)، وذلك بعد سقوط الدولة الساسانية على أيديهم، حيث اكتسب عيد (نوروز) مع الزمن تفسيرات جديدة منها:

۱ـ أن الله خلق الكون في نوروز أي عند تساوي الليل مع النهار.

۲ـ أن الله خلق آدم في يوم نوروز.

۳ ـ بعد غواية إبليس لأدم وحواء تم نفي آدم إلى جزيرة سرنديب وحواء إلى جدة حتى تم اللقاء بينهما بعد أن غفر الله لهما في جبل عرفات يوم نوروز.

٤ ـ وطأ النبي نوح اليابسة في وادي اغدير الواقع في جبال (آغري) يوم نوروز.

٥ ـ عثر على النبي يوسف في الجب يوم نوروز.

٦ ـ شق النبي موسى البحر بعصاه وأنقذ المؤمنين به يوم نوروز.

٧ ـ خرج النبي يونس من جوف الحوت يوم نوروز.

٨ ـ حينما خلق الله الإنسان، كانت جميع النجوم في برج الحمل وفي نوروز وضعها جميعا في أفلاكها.

نوروز في الدول الناطقة بالتركية

مثل جميع شعوب الأرض فان للأتراك أساطير عدة حول يوم نوروز لعل أشهرها ملحمة (اركينكون) التي تقول:

" اتحد جميع الأقوام بأمرائهم وخاناتهم ضد عشيرة (كوك تورك) التي لم يبق ثمة مكان لم تصل إليها سهامهم. دارت رحى الحرب لعشرة أيام متواصلة، وحينما أعيت أعداءهم الحيلة لجأوا إلى الخديعة. تظاهروا بالهزيمة، تاركين مواشيهم في العراء. انطلت الحيلة على كوك تورك الذين أخذوا يطاردون الأعداء الذين سرعان ما عادوا إلى الهجوم فدخلوا الخيام وسبوا النساء وقتلوا الأطفال وألحقوا البقية بالعبيد.

كان للأمير كوك تورك ايلخان عددا كبيرا من الأولاد قتلوا جميعا ماعدا نجله الأصغر (كايان) ومن حسن الطالع أنه كان قد تزوج قبل عام. كما كان لأخيه ولدا يدعى (توكوز) وكان هو الآخر متزوجا ورغم أسرهما إلا أنهما سرعان ما أفلحا في الفرار، وقد وجدا عند العودة إلى الوطن عددا كبيرا من الخيول والمواشي هناك. واتفقا على ضرورة الاختفاء عن الأنظار مادام لم يبق لهما إلا الأعداء. اختارا كهفا في جبل معزول لا يصل إليه أحد، وفير بالأشجار والفواكه أطلقوا عليه اسم (اركينكون) واستقروا فيه مع الخيول والمواشي.

في الشتاء تناولوا اللحم وفي الصيف الحليب. أزداد عدهم هناك وضاق بهم المكان هناك مع الزمن، ورزق كل منهم بأولاد كثار ومواش أكثر. وبعد أربعمائة عام بالتمام والكمال قالوا، لقد سمعنا من الأجداد أن ثمة أراض فسيحة خارج (أركينكون) وكان وطننا هناك فلنحاول العثور على طريق العودة خفية في الجبال. لنصادق كل من يصادقنا ونعادي كل من يعادينا، ونحارب من يحاربنا. . قال أحدهم وكان حاذقا في الحدادة: هنا معدن من حديد لو أفلحنا في صهره لظهر أمامنا الطريق إلى الخارج. وافقوا على العرض فوضعوا اعتبارا من فسحة الجبل وحتى قمته طبقات من الفحم وأخرى من الحطب ثم أشعلوا النيران. وبقدرة الخالق احترقت النار وانصهر جبل الحديد وظهر أمامهم في التو والساعة طريق يسع لمرور ناقة، فانطلقوا عبره إلى الخارج. منذ ذلك اليوم أصبح من عادة (كوك تورك) اعتبار ذلك اليوم عيدا قوميا حيث يقوم الخاقان بطرق الحديد الساخن على السندان تذكيرا بذلك اليوم وحمدا للخالق. وهكذا انطلق (كوك تورك) من جديد وثأروا لهزيمتهم بعد أربعمائة عام. ولا تزال المصادر الصينية تطلق اسم (أركينكون) على الكهف الذي لجأ إليه أجداد الترك. ويحتفل الصينيون بقدوم الربيع وهم يحملون محاريثهم. أما طرق الحديد في هذه المناسبة فتقليد تركي مغرق في القدم حتى أنه يعتبر إيذانا بالبدء باحتفالات نوروز في الجمهوريات الناطقة بالتركية، يقوم به رؤساء تلك الدول بعد استقلالها عقب سقوط الاتحاد السوفيتي.

في التقاويم التركية القديمة يقابل برج السرطان ۲۱ حزيران ـ ۲٠ تموز وعند إضافة ٩ أشهر و۱٠ أيام يصادف تماما شهر مارت (آذار)، ويعتبر ۲۱ آذار هو عيد رأس السنة الجديدة ويسمونه (ينكي كون ـ اليوم الجديد) كما يؤكد ذلك ك. ك. يودهاين في كتابه (المعجم القرغيزي). وهو يوم ميلاد آدم حسب أسطورة أخرى. ويذكر تشو تشاي، أن الأتراك القدماء كانوا يحددون السنوات على ضوء اخضرار الأشجار وقدوم الربيع الذي كان يعني بداية سنة جديدة بالنسبة لهم. كما أن (قوتادوغو بيليك)، وهو أول مثنوي تركي كتب في كشغر عام ۱٠٦٩، يعتبر ۲۱ آذارـ ۲٠ نيسان بداية للربيع، وعيدا قوميا للطوائف التركية.

وتذكر الرحالة اليزابيث أ. باكون في أول رحلة لها إلى سهوب روسيا الجنوبية خلال ۱٩۳۳ ـ ۱٩۳٤ أن سكان قازاغستان كانوا يحتفلون بعيدين خلال العام الواحد أولهما عيد نوروز بمناسبة بدء السنة الجديدة وعيد (القمز ـ وهو اسم مشروب شعبي يعد من حليب الفرس). وذكرت أن السكان كانوا يغادرون خيامهم إلى السهول والمراعي حيث يرتدون أجمل ملابسهم ويعدون أفضل أنواع المأكولات، ويقومون بتحطيم الجرار والأواني الفخارية كجزء من الاحتفال، ويشعلون النار يطوفون حولها أو يقفزون من فوقها. ويطلق القرغيز اسم (نوروز) على أول أيام السنة الجديدة حيث يعدون طعاما بالمناسبة يسمى (نوروز كوجو) من دقيق الذرة والبرغل، وتستمر الاحتفالات لمدة اسبوع.

أما في سمرقند وبخارى وأنديجان في أوزبكستان فيتم الاحتفال أيضا في ۲۱ آذار (مارس) حيث تعلن العطلة الرسمية لمدة اسبوع أيضا. ينطلق فيها السكان إلى السهول القريبة من الينابيع، وتمتليء مكان الاحتفالات بالعازفين والراقصين، وفي اليوم الأول يبدأ التهاني بين الحاضرين، ويقدم طعام العيد (آش) للضيوف وهو غالبا ما يكون وجبة من الرز (بيلاو) إلى جانب الشاي والفواكه، وتحتم التقاليد على الضيوف تناول شيئا من الطعام المقدم لهم حتى لو كانوا شبعى. ويتم في هذه المناسبة تنظيم سباقات الخيل والمصارعة. وفي مدينة (قازان) يصنع بالمناسبة كعكعة نوروز وحساء خاصا يسمى بـ (نوروز شوربه سي).

كما يحتفل أتراك القرم بعيد نوروز في ۲۱ آذار كعيد للربيع تتساوى فيه ساعات الليل مع ساعات النهار. ويقوم الأطفال بزيارة البيوت وهم محملين بباقات النرجس يوزعونها على البيوت مقابل الحصول على الحلوى والبيض الملون وبعض الهدايا وتعد بمناسبة أكلة خاصة تسمى (نوروز آشي ـ طعام نوروز)، وفي المساء يقفز الشباب والفتيات بصورة زوجية من فوق أكوام التبن التي يضرمون فيها النيران. وفي تركستان الشرقية بالصين فان للأويغوريين تقليدا خاصا في الاحتفال بعيد نوروز يختلف عن بقية الأقوام التركية، حيث يبدأ الاحتفال بتلاوة من القرآن الكريم يتبعه قراءة لملحمة (أركينكون):

أركينكون أركينكون

زالت الجدران

وشاخ الرجال

ولا يزال طريقنا مجهولا

هل ثمة مسافة طويلة للبحر؟

أينعت الأزهار

وحل الصيف

اليوم يوم عيد

يوم العودة إلى أركينكون.

 

 

لقد عمل السوفييت جاهدين على طمس معالم الاحتفال بعيد نوروز الذي كانت الجمهوريات الناطقة بالتركية (تركمانستان، اوزبكستان، قرغزستان، أذربيجان، قازاغستان) تعتبره جزءا لا يتجزأ من هويتها القومية.

وتؤكد اليزابيث أ. بكون، أن التركستانيين رفضوا رغم الضغوط والتنكيل الانسلاخ من واقعهم القومي. ومن جانب آخر تؤكد هيلين غاريه دي انغوسيه أن المسؤولين السوفييت سمحوا باحتفالات نوروز بعد إضفاء طابع سياسي عليه وتسميته بـ (عيد الربيع والفلاحين).

وحول المعتقدات الخاصة في آسيا الوسطى يذكر مير رحيموف رئيس قسم الإلحاد في أكاديمية الفلسفة بطاجيكستان أن الحزبيين أعدوا أغان بالمناسبة لتحريف معناها الحقيقي:

كيف أستطيع الجلوس بهناء

ورفاقي يعملون في الكولخوز

يعبدون الطرق

ويبذرون البذور

في الحقول يوم نوروز؟

توروز في المجتمعات الشيعية والعلوية والبكتاشية التركية

وفي المجتمعات الشيعية والعلوية والبكتاشية التركية يحتل نوروز مكانة مقدسة عند هذه المجتمعات. حيث يعتبر البكتاشيون (فرع من فروع الشيعة التركية) نوروز يوم ميلاد الإمام علي (رض) كما أنه بالنسبة لهم أيضا يوم زواجه من فاطمة الزهراء (رض). أما الشيعة فيعتبرونه اليوم الذي أعلن فيه الرسول (ص) الإمام علي خليفة له. أما التركمان في مدينة آرضروم فيعتبرونه يوم بعث الموتى وانطلاقهم للمرح كدليل على انتمائنا الى الهوية العراقية، واحياءا لذكرى أول عيد احتفل به العراقيون منذ آلاف السنين. في الحياة.

وبالنسبة لبكتاشي البلقان فهو يوم معجزة حاج بكتاش ولي (مؤسس الطريقة البكتاشية) بإرسال نبع (صو دولو) إلى ألبانيا لينبعث من جبالها. وفي أذربيجان تستمر احتفالات نوروز لثلاثة أيام ۲۱ ـ ۲۳ يسبقها احتفالات مسبقة قبل اسبوع تسمى (آخر جرشمبة ـ الأربعاء الأخير) حيث يودع الأربعاء الأخير الذي يسبق نوروز الذي يعتبر أول يوم من السنة الجديدة باحتفالات خاصة. وفي يوم نوروز يشارك الجميع في الاحتفال حتى الذين يبتلون بوفاة أحد أقاربهم حيث تقتضي التقاليد أن ينطلقوا بعد تقبل العزاء إلى الحقول أو الى ضفاف نهر (آراز) للمشاركة في الاحتفالات.

ما أحرانا كعراقيين أن نحتفل جميعا بهذا العيد العراقي القديم الذي اقتبسته منا فيما بعد الشعوب الأخرى، كدليل على انتمائنا الى الهوية العراقية، واحياءا لذكرى أول عيد احتفل به العراقيون منذ آلاف السنين.

الباحث: د. نصرت مردان

المصدر: موسوعة تركمان العراق

 

بمناسبة عيد الأم: ستبقين أمي

nabe  odaفي صباح اليوم الأول بعد وداعك (29–11–2000) وعلى غير العادة كانت جريدة “الاتحاد”* ملقاة على باب بيتك.. ودافع قوي يشدني لأقرع الباب وأذكرك انك، على غير عادتك.. لم تأخذي الجريدة بعد.

وقفت طويلا متأمّلا الباب الموصد بحيرة.. متخيّلا إيّاك وراءه.. وانك بين لحظة وأخرى ستفتحين الباب وأشاهد وجهك بهدوئه والابتسامة التي لا تفارقه.. وستأخذين جريدتك، تماما كما تفعلين كل صباح.. وأن ما ظننته وداعا أبديا لك هو حلمٌ مزعج، وهمٌ ثقيلٌ سرعان ما يبدّده ظهورُك. كانت الجريدة الملقاة أمام بابك تقول عكس ما نعرف، كنت أريد أن أصدّق، كنت أنتظر، كجريدتك… أن ينشقّ الباب لتملئيه بتفاصيلك المعروفة لي، ثم تأخذين جريدتك.لا يمكن أن نفقدك بدون أي إنذار مبكر وأنت في قمة نشاطك وعطائك وصحتك… لم أكن مستعدا لأتعوّد على غيابك الأبدي، على بابك الموصد وعلى جريدتك المنتظرة.

حين قرر ابنك الطبيب أن يجري لك فحصا، بعد أن ثارت لديه الشكوك بمرضك، حاولت إقناعه أنْ لا ضرورة لهذه “الغلبة” وأنك، ما عدا قليل من الإمساك، تعالجينه بالدواء المناسب، لا أدري إن كنتِ تخفين آلامك هنا؟ لكن وجهك الذي يجعلك تبدين أصغر من عمرك بعقد أو عقدين يؤكد ما تصرين عليه بأن صحتك جيدة ولا تستوجب القلق والفحوصات المتعددة التي حاولت التهرّب منها. لماذا لا نصدّقك؟ لكن طبيبك يصرّ على موقفه وهو ليس كأي طبيب.. إنما هو ابنُك. كان قراره ملزما.. وكان ضجرك من قراره واضحا جليا، واصلتِ بين فحص وآخر حياتك الطبيعية، كنتُ أشعر بسخريتك من قرار “تعذيبك” بالفحوصات.. وكانت “ألاتحاد” تنتظرك كل صباح أمام باب بيتك. كان لا بد لي أن ألقي نظرةً كلَّ صباح عند بابك فأرى أنك سبقتِ الجميع في استلام صحيفتك. كنت تبقين باب بيتك أقلَّ بقيراط من الإيصاد الكامل، لأن قهوتك جاهزة بانتظار كل من يطرق بابك من أبنائك بل حتى بائعات اللبن والبقول..

انظر اليوم إلى الباب الموصد بعجز عن التصديق، برفض لقبول ما أرى، بإحساس مجنون متفجّر انك لا بدّ تقفين، كما أعهدك.. وراء الباب الموصد، أو تجلسين بمكانك المعهود، تطالعين جريدتك وتحتسين قهوة الصباح.

وقفت طويلا أمام الباب وأنا بين دافع الإقدام ودافع التراجع.. وشعور بالثقل يتزايد وأقاوم دمعة تكاد تطفر من عيني.

قبل أن تصبحين مجرّد ذكرى فاجأتِني بأن “أرشيفك” يحوي مختلف المجلات والصحف التي نشرتُ فيها منذ السبعينات، أي مع أول عمل أدبي نشرتُه. بدأتِ تنقلين لي دفعاتٍ تلوَ دفعات أعدادا مختلفة من مجلات “الجديد”، “الغد”، “الأسوار”، “نداء الأسوار”، “الآداب”، “الكاتب”، “البانوراما” وغيرها.. ففوجئت بكتابات نسيتها، بل غابت تماما عن ذهني.

كم تألّمت في الصباح الأول بعد فقدانك، حين نظرت لصحيفة “الاتحاد” مسجّاة أمام بيتك، دون أن يجرؤ أحدٌ منا أو من أولادنا على التقاطها للاحتفاظ بها لك، كما تعودنا في أيام وجودك خارج البيت.

أبقينا جريدتك تنتظر علّك تطلين أخيرا، علّها تكون معجزة تعيدك إليها وإلينا. يعيد لي أشدّ قرّائي حماسة ومثابرة. هل أستطيع أن أكتب الآن وأنا على يقين بفقدانك مع ما يعنيه فقدانك لي..؟

ماذا يسعني اليوم أن أقول أمام بابك الموصد؟ أمام جريدتك المنتظرة بخشوع أن ينشق باب بيتك..؟ ربما أطمئنك إذا قلت إني سأبقى مخلصا لقلمي ولما زرعتِه فيَّ من حبٍّ للمطالعة والكتابة.. وإن نسيتُ، فلن أنسى أبدا أنك جعلت من “الاتحاد” كتابيَ المدرسيَّ الأول والوحيد، الذي تعلّمت على صفحاته القراءة وأنا في طريقي لجيل الخامسة ولم أكن بعدها بحاجة لأي كتاب مدرسي آخر لتعلُّم القراءة.

بفقدانك سأعزّز ما كسبتُه منك في طفولتي، علّني أجد فيه عوضا عن غيابك.. ستبقين حية فينا.. ستبقين أجمل ذكرى مع إطلالة كل فجر.

ستبقين أمي!!

 

..........................

*- الإتحاد – صدرت باسم “مؤتمر العمال العرب” في فترة الانتداب البريطاني، اليوم ناطقة باسم الحزب الشيوعي، هي الصحيفة اليومية العربية الوحيدة في إسرائيل. من أبرز محرريها: المؤرخ د.إميل توما، الكاتب إميل حبيبي والشاعر والمفكر سالم جبران. لعبت الاتحاد دورا تاريخيا، سياسيا وتنويريا هاما. علمتني والدتي القراءة على صفحاتها منذ بداية وعيي، نفتقد اليوم للصحيفة التي تثقفنا على اقلام محرريها وكتابها ونهجها. من المؤسف ان هذه المادة (عن أمي) سبق للإتحاد ان رفضت نشرها... لكن التاريخ أكثر قداسة من الذين حولوا حاضرهم الى مهزلة!!

 

نبيل عودة

 

الخيانة العاطفية في أغاني أيام زمان

abdulkarim qasimبرغم كوني لا اهتم بالأغاني بشكل عام، خاصة الحالية لكن، حالي حال الكثير من العراقيين؛ ظلت بعض الأغاني عالقة في الذاكرة عن طريق الاستماع الاضطراري الى محلات التسجيل، حفلات الزفاف والمناسبات، أثناء الصعود في سيارات الأجرة التي تسير بين المحافظات، المقاهي، أثناء الخدمة العسكرية وغيرها.

سواء كنت تحب أو تكره الأغاني أو المطربين لكنك مرغم على الاستماع لها حتى ترنحت في الذاكرة. هي ليست من نمط أم كلثوم أو فيروز، لكنها أغاني مشهورة. تحاكي الوجدان الجمعي والعاطفة المكبوتة والمشاعر الجياشة في الفترة التي يسميها الناس الزمن الجميل: سبعينيات القرن الماضي.

مناسبة الكتابة عنها هي:

أولا ـ قبل مغادرتها الذاكرة عند الناس الذين عاشوا تلك الفترة والذين لم يعيشوا فترتها.

ثانياـ ان الحالات الوجدانية المبثوثة فيها، لغة العتاب واضحة للظروف المحيطة والتي تسمى القسمة والنصيب وللناس الذين تنطبق عليهم وتسببوا فيها.

ثالثا ـ ان وصف السلبيات فيها نادرة أو قليلة بحيث صورتها تلك الأغاني واستمرت على شفاه الجماهير.

بالقياس الى الأغاني الحالية التي تعد اغلبها على بعضها فاشلة في الكلام واللحن وأداء المطرب والرقص والمستمعين لها. هي تبعث حالة من التطريب الهستيري دون أن ينتبه الى كلماتها احد وانها أصلا غير مجازة وتتحدث عن أمور لا أخلاقية يتفاخر بها المغني و المستمع والكاتب، خاصة الخيانة التي ترد فيها عن  الأزواج والأحباب والعلاقات المشبوهة بعضهم لبعض.

انهم غير مستغربين ذلك ويمارسونه بالعمد ولا تعرف من هو الخائن؟ من يحاسب من على خيانته؟ إذا كان المطرب  والملحن والشاعر والمستمعين كلهم خونة !!.

أما الأغاني القديمة، التي لم تغادر الذاكرة هي على شهرتها الى انها مجازة من قبل لجان مراقبة النص الغنائي، تحاكي مشاعر الناس بلطف وعدم خدش الحياء، بإمكان العائلات الاستماع والمشاهدة لها، رغم  كونها  تصرح بالخيانة الروحية.  

في العراق وبلغة الأرقام تعتبر قد سجلت رقما قياسا كبيرا في عدد المستمعين وطول فترة الاستماع لسنوات لا تعد ولا تحصى حتى شكلت على شفاه الناس ما يشبه الحكمة واختبار لسمات شعب أصيل حينما يعاتب الواحد الآخر بأغنية (لا خبر لا جفيه لا حامض حلو) هنا تمت الخيانة في مرحلة الخطوبة قبل شهر العسل.

أما الأغنية التي تقتنع المطربة والمستمعين بالخيانة فيكون رد الفعل قبول الخيانة لكن بنسبة رياضية، هي: أغنية (حديلك واحد من عشرة... يلي بتخون العشرة) وقد تم اكتشاف الخيانة في داخل شهر العسل. 

الأغنية الأخرى للخيانة (بوري)هي:(جوزي جّوز علي... ونه لسه الحنه بديه) هنا تم اكتشاف الخيانة في أول يوم من أيام شهر العسل.

 

عبدالكريم قاسم

 

 

ومن الحيار ما قتل.. شيلان الشّهيدة.

narian omarقالوا عن شيلان: 

قتلها ابن عمّها لأنّه كان يحبّها، ورفضت حبّه.

كيف للمحبّ قتل حبيبته، لو كان يحبّها حقّاً؟ كيف طاوعه قلبه على رمي تلك الطّلقات المجرّدة من الحسّ في ربيع قلبها الذي كان ينبض بالحسّ والشّعور المتدفّق؟

قالوا: كان يريدها ابن عمّها، وهي لم ترده، فهل يستطيع مَنْ يريد شخصاً قتله بكلّ سهولة؟!

 شيلان، الفتاة الكرديّة التي كانت تزهو بشبابها مع قدوم الرّبيع، وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام  بعض طلقات خاطفة، أنهت ربيعها دون أن ترأف بصرخات وتوسّلات زهور وورود ذلك الرّبيع لأنّ ابن عمّها حيّرها، ورآها من حقّه وإحدى ممتلكاته الخاصّة.

ونقول:  كيف له أن يفعل دلك وهو يقيم في ألمانيا إحدى أقوى وأرقى الدّول الأوروبيّة؟

أوروبا وغيرها من الدّول قد تغيّر الشّكل واللباس وطريقة المعيشة، لكنّها لن تغيّر العادات والمفاهيم المتوارثة.

الحيار كان من أسوأ عاداتنا وأكثرها سلبية على مجتمعنا الكرديّ، وقد بدأ يتلاشى شيئاً خلال السّنوات الأخيرة، ولكن يبدو أنّ بعض جذورها ترفع رأسها بين الحين والآخر لتفاجئنا بفجيعة أكبر وأكثر إيلاماً، كما حدث مع هذه الفتاة البريئة، شيلان، الطالبة الجامعيّة، الواعية، التي رأت وبوعيها وتقديرها للحبّ من أنّ موافقتها على الارتباط بعلاقة الزّواج مع ابن عمّها أو مع أيّ آخر من غير وجود الودّ او التّفاهم قرار خاطئ وغير مقبول، ولكن يبدو أنّ الطّرف الآخر  رفض هذه الفكرة، فكرة رفضه من الآخر، واعتبرها تجريحاً لمشاعره ورجولته.

هناك أمور كثيرة، مفاهيم عديدة يجب التّوقف عليها وعندها، ومعالجتها بشكل جدّيّ وفعّال لئلا تتكرّر في مجتعنا، لئلا تعود إلينا من جديد..

 

نارين عمر

 

يأتون كالحلم ويرحلون كالفشل

samir fadilالمدينة كئيبة، جدرانها مغطاة بشعارات كاذبة والجماهير غارقة في بحر العسل الذي يَشِي بأن هزائمنا المتتالية في الحياة هي مجرد نكسات أو أشبه ما تكون بالعثرات سرعان ما يُقيلها الزمن، أو كبوات لا نلبث وننهض منها، فنحن كبار وأبناء تاريخ عريق ووجودنا برمته سليل حضارة ضاربة في القدم.

أدخل المقهى أبحث عن " طاولة حرة " فالحرية عندنا تشمل كل شيء حتى ذوات الألواح والدسر.

لا توجد قاعدة خشبية غير محتلة تنفع منصةً لإطلاق صواريخ القرائح، قرائح " تعبانة سهر، عطشانة سفر".

أهم بالخروج فيبادرني النادل بالتريث والصبر، وينصحني بطول البال، لأن العجلة والاندفاع واستعجال الحلول سياسة لا تنفع في هذا البلد، تماما كما الأدب الذي لا يجدي مع أبنائه السفلة.

أعجبني حديثه المرتب ترتيبا ينم عن ثقافة واطلاع واسعيْن، ثم أخبرني بأنه يحضر لنيل شهادة الماجستير ولهذا فهو يعمل ليوفر مصاريف العيش والدراسة، ودون أن أسأله عن اختصاصه بادرني بقوله : أدب سياسي.

يالله، منذ متى كانت لنا سياسة أدبية حتى نطمع في الأدب السياسي، ومع ذلك دعونا نحمد الله على هذه الهبة القومية التي تستوجب حمد الرب وشكره، فهو الواحد الأحد الذي " لا يحمد على مكروه سواه ".

في باريس عاصمة الأنوار والجن الأشرار والملائكة الأطهار، كانت كنيسة نوتردام محاطة بقصور الإمبراطورية الفرنسية بكل ما فيها من خيانات ومؤامرات...في هذا الجو كتب فيكتور هيغو " أحدب نوتردام ".

وفي الواقع أنه ما من أحدب عَمَّرَ طويلا سوى الصفاقة العربية العرجاء التي لم تكن تخجل من نفسها حتى وهي تنشر غسيلها القذر خارج أسوار " الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة "، فإلى وقت قريب كانت السوربون مسرحا لهذا الهزال العربي المقرف : السوريون يناصبون العراقيين العداء، ثم يتضامن أبناء دمشق وبغداد ضد أشقائهم من الأردن، في حين يشمخ الجزائريون بأنوفهم على الكل ويرمقون الجميع بنظرة لا تخلو من استعلاء وتكبر، وبين كل هذا الهجين يضيع الفلسطيني الذي من مصلحته أن يقف على مسافة واحدة من كل الإخوة الرفاق.

لكي نصنع السلام يجب أن نوقف الحرب، وهذه قناعة استولت في وقت من الأوقات على الكثيرين من الألمان الذين عملوا مع الحلفاء ضد المحور، لأنهم كانوا يرون أنفسهم يقومون بعمل ينسجم مع مبادئهم، وكان السلام أول هذه المبادئ، فلنسلك أيَّ طريق يسكت صوت البنادق حتى وإن كان ممرا لمشاة العدو.

وضعت الحرب أوزارها وعاش هؤلاء " المنسجمون مع أنفسهم " بين الناس دون أن يسمعوا كلمة تقريع واحدة، لأن النوايا تصنع القناعات التي توجه العمل، وفي الأخير حسن النوايا يصنع الفارق.

عندما وصل ممثلان من الدرجة " ب " في هوليود إلى سدة البيت الأبيض أيقنت أن البلاد التي لا حدود للحلم فيها تنفتح على حقيقتين كبيرتين خطيرتين تقرران بأن هاته البلاد لا حدود لها وأنه بمقابل الأحلام لا حدود للكوابيس أيضا، وأن البلاد العارية من الفرص والوعود لا مستقبل لها ويجب أن نقول لها وداعا.

الكلام المتوافر القابل للنشر يجب أن يحل محل عبارات الابتذال التي تسيء للوضع، وحتى لا يساء الفهم.

و بدلا من حديث الاستدانة الداخلية وسندات القروض، دعونا ننطلق من الحقائق التي رسمها الشعب على أوراق التعب والنصب والإرهاق وبعث بها إلا فلاسفة الفقر وفقهاء الإفلاس، دون أن يجد فهيما واحدا يحسن فك شيفرة دافنشي.

حدَّثونا عن التقشف وعن تآكل احتياطي الصرف، ورفعوا أسعار الوقود والكهرباء وجمدوا التوظيف على مستوى الوظيفة العمومية، وأشعلوا الطرق برداءة إنجازاتهم وأسعار نقلهم الملتهبة رغم القسيمات التي يمتصونها من دماءنا، وفي الأخير طرحوا السؤال وتبرعوا بالإجابة بدلا عنا واقترحوا القرض الاستهلاكي من باب النفقات والقرض السندي من باب الموارد، وبعد كل هذا الهرج والمرج سيكونون من الكذابين المفترين إن أثبتوا أن مواطنا واحدا خرج متظاهرا، احتجاجا على هذا المنكر والاستفزاز، كما لن يسجلوا اسما واحدا سيتوجه إلى " بيت مال المسلمين " يطلب عطاءه ما دام هناك شيء اسمه رباً حتى لو كان بنسبة تقترب من الصفر.

لماذا لا تريد الطيور القابعة في بحيرة البجع، أن تقتنع بأننا شعب مسلم حتى النخاع وأن الشواذ يثبتون القاعدة ولا ينفونها، وأننا نفقه جيدا وعلى دراية بأن وطننا في خطر وتحدق به المصائب من كل جانب، ولهذا وضعنا أنفسنا في مستوى الرهان وآثرنا سلامة وأمن جزائرنا على جميع الحسابات الأخرى، وأنه على كعبة الثوار أن تبقى براقة في عيون جميع المتربصين بها فما من أحد يعرف حالنا في الداخل أحسن منا....إلا أحدب نوتنغام فورست.

والأهم من كل هذا أننا صابرون على " وجوه الهمّ "، لا من باب الخوف والطمع، بل لأننا مؤمنون حد الوهم بأنهم جاؤوا مثل أي حلم وسيرحلون مثل أي فشل.

 

فضل سمير

   

أهديك كلمة في يومك العالمي

mohsin alafiحيث يتغير هذا العالم، أنت لن تتغيري إلا إلى ما هو أحسن وأبهى ،لن يكون لك غير تلك العزيمة، على أن تقدمي لهذا العالم، رجالات لنساء متألقات،ونساء لرجال ناجحين،أن تقدمي له أعظم ما فيك من الخصال من صبر ومودة وحنان، وأعظم ما وهبك الله من الصفات،اجتهاد وتقدم وازدهار و.....

دعيني أقول لك : إنك من ورث سر الأرض حين بدأ الخلق،فصرت أنت تلك التي حافظت على سر الحياة واستمراريتها .

لن تثقي بي إن حاولت أن أرسم لك تمثالا من شعاع لا يأفل ضوءه،فأهبك إياه هدية،فلو اخترتُ لك غير شعاع النور، لما  كتب لك البقاء،ولَلَحِقك العدم،كون كل الأشياء تبلى وتتآكل ثم تختفي،وكل الكائنات على هذه الأرض تفنى ويلحقها العدم،وأنت باقية بقاء نور الشمس الذي يهب الحياة لهذه الأرض .وهذا ما يحدث في كل أرجاء هذا الكوكب البائس .

فلو بوّأتك مكانة أخالها عظيمة،أخشى أن يكون صنيعي محاولة فاشلة  مني، لاترقى لما هو  فيك وما هو لك،ولو اخترت أن أمنحك هدية، أجد نفسي أحتار ثم أعجز عن اختيارها، واختيار عنوان لها،ولو حاولت لفَّها بورق أو ثوب،أخشى ألا يروقك ما لُفَّتْ به،فلا استطعت بذلك أن أرسم لك طيفا ولا أن أجد لك شبيها،  ولا نفسي تطاوعني لأرضى عن إهداءاتي لك، فعرضت عن هديتي هاته،وقررت إهداءك وردة،ورغم ذلك احترت حين وجدت الكثيرين وقد فرقوا بين الورود، وأقاموا الحدود باعتماد ألوانها،فالأحمر من الورود  بات للحب،والأصفر منها بات للغيرة،رغم أنه لا حب بلا غيرة،ولا حب بلا صبر، ولا حب بلا تضحية، و....

فعلا عبثوا بمعاني تعبيرات الورود الحقيقية،فأجدني أقرر اقتناء كل الورود التي أجدها عند بائعة الورود،ولكنني أخشى أن يضايقك منظرها، حينما تغدو ذابلة وقد اصفرت وريقاتها،وذهبت بهجة ألوان وعطر  ورودها،لذا أقرر اليوم العدول عن قراري إهداءك ورودا ،وإرجاع الورود لبائعتها، واعتذر لها،ثم لك،ولكل نساء العالم، لأنني لم أهديك شيئا مما يهديه الرجل للمرأة .

 سأسير على نهج الأولين من الشعراء والأدباء والكتاب،فأهديك كلمة في محمولها كل الإحساس،والعطف، والحنان، والمودة،........حين قالوا لك: زينة كل الورود أنت، وعطرها وسحرها أنت، وجمال ألوانها أنت، أنت السر الذي لا يعرف له مدى إلا بك، أنت البلسم الذي يهب هذه الدنيا الحياة،فبِاسْمِي واسم من سمَت روحُهم وعَلَت كلماتُهم،أهديك كلمة في يومك العالمي السعيد هذا،وكل عام ونساء العالم بألف خير .

 

 

للمرأة يوم

amira-albaldawiتنظر بعيدا بعينين  محدقتين في الفراغ  ..خائفتين  لا .. حالمتين لا .. سعيدتين فرحتين الف لا .. وحتى اذا امتلأ الفراغ بالضجيج والناس  فهي واثقة  تحدق الى الامام .. امتدت يد جذبتها بقوة  قيدتها  بقطعة حبل ودفعتها الى الطريق  وصوت يردد ورائها انطلقي ..اسرعي .. طريقك طويل  وصعب وزادك  قليل  والمخاطر بك  تحيط .. لم تتسمر مكانها ولم تبكي ..لأنها هي  من تلد الرجال  .. وعليها  حمل  الأعباء والاثقال .. والحياة بدونها  لاتستقيم ... بيدين مغلولتين مقيدتين عاجزتين  قادت مسيرتها لابد ان تتعثر  .. لم تكن بيئتها  يوما قاسية ومعادية وكارهة كما هي الآن ..كم بادلتها قسوة بصبر وكراهية بحب  وتلازمت  دموعها وابتسامتها  واحزانها وفرحها .. أحاول ان ارسم صورة لها لأهديها  توقفت الفرشاة وضاعت الالوان  وانا  امر على احداثها وصورها واحصائياتها وفجائعها ..ولكن اليوم يومها لا اريدها باكية ولااريد ان ابعث فيها اليأس والخوف والأحباط .. اريدها اليوم  تروي قصتها بتلك العينين لا بالحديث وسأجمع من لؤلؤهما قارورة  واستميحها عذرا اذا شاركتها وجلست بجوارها ولكن من يملأ قارورتي ؟.. لسنا البواكي دموع  ولا زفرات وانين .. انما نروي حكايانا  بالضحايا  والاحداث الجسام  .. يسهل الصعب  ويخف الحمل الثقيل اذا  تكاثر المؤازرين  فما بالك كلما زادت همومك زاد الشامتين  .. لك يوم  .. ستبقين مهما ثقلت  أحمالك نخلة ترفعين الرأس وتشمرين سواعدا لطالما ذادت عن نهريك الخالدين ..انت العراق فليس غيرك يستحق الأسم والصفات .. ويومك ليس يوم  انه  كل السنين ..لك اليوم ننحني  ونقبل منك الجبين .. من الشمال الى الجنوب وشرقا وغربا تجوبين بحثا عن شجاعك، فارسك، قنديلك، فلذة كبدك، تودعينهم  ابطالا و شهداء تستقبلين .. لك اليوم أنشودتي انت موطني وانت أمي وانت الحنين .. هيا معي سنكتب التاريخ جديدا  بتلك الجراح قبل ان  يجف   مداد السنين

 

د.عامرة البلداوي

8/3/2016

 

أنثر حروفي الولهى على فاتنتي .. بمناسبة يوم المرأة العالمي

jawadkadom gloomارجو ان تسمحوا لي  ايتها القارءات، ايها القراء أن أزفّ اليكم تهانييّ بمناسبة عيد المرأة العالمي في الثامن من آذار، ولْتأذنوا لي بفسحة صغيرة لأكتب شيئا عن صغرى بناتي التي تقطر نبلا وتنضح حنانا غير مألوف وتندى بإنسانية طافحة ليس لي فحسب انما اتسعت للأبعدين والأقربين على السواء

هي شغاف قلبي ونضارة بصَري ومعين شِعري ووحْي كتابتي ونتاج صُلبي وصفاء مائي وأرى من خلالها كلّ فتياتنا ونسوتنا التي نطمح ان يرتقينَ الى مصاف المرأة في العالم المتحضّر مع الاحتفاظ بجواهر ودرر أخلاقنا الساميّة التي تتسم بالعفاف والحشمة والخلق السامي الرفيع

ابنتي نحتَها الله بإزميل روحه، نقّعها بماء الطهارات الفيّاضة وغسل محيّاها من ندى السماء وزوّقها بضيائه السماويّ وأخذ من نجومه تألّقها وصبغَهُ في اعماقها ؛ هي اذًاً منحوتة الله بيديه وأول جناه من زرعهِ الرطيب الخصيب الناعم الملمس والآسر الملبس، يسحر العقل والفؤاد، هي نبتٌ تشتهيه الارض ويهفو اليه الماء ويحسده ضوء الشمس ؛ هذا الاخضرار في الروح والانفتاح في العقل والعذوبة في الرواء يندر وجوده الان بين ظهرانينا فكل شيء أضحى امّا يابسا قابلا للكسر او ليّنا راضيا بالعصر او رمادا بخسا او فتاتا لايسمن  ولايغني من جوع او ماء اجاجا لا يطفئ ظمأً او وحْلا يزلق الاقدام ويعمي الابصار .

كم من الينابيع النقية الريّا تتدفق من روحها جرَيانا يترع العطشى ويطهّر الاجساد ويروي الاخضر واليانع ويُحيي اليابس كم من الرقيّ يرتسم في اعماقها حتى كاد ان يطفح سواقي من السخاء والعطاء والمروءة والنبل والتسامي، فانتِ اغنية الشحرور والحسون والكناريّ العاشق تنبعث من اصواتها وتغريداتها حنوّا ودفئا وموسيقى لم تألف او تعرف النشاز والزعيق والصياح  والدويّ، اصوات تطربني وتُحيلني الى قشعريرة تدبّ منها الاحاسيس والمشاعر وتلامس جلدي كما لم تلمسه غانيات هوليوود وراقصات السامبا والتانغو من سمراوات الكاريبي وجعجعة الثورات اللاتينية بنزقها وصدقها وغجريات " الفلامنكو " ودبكاتهنّ الناقرة في أعماقي .

انتقاكِ الورد عريشة له تظللينه من حرائق الشمس وتحمينه من هجير الرياح وتحرسينه من عبث القاطفين الاّ على العشاق المولعين بتقديم زهورهم الى حبيباتهم كي يبقى الحب شرعة وفرمانا تمسكين زمامه ؛ اصطفاك الربيع ناشرةً عطره وسحره واعتداله ونشَرَك ضوعا يغور مازحا في لُبِّي، يفوح عبقا من شميم  نجد وخزامى تيماء بني عذرة وبيلسان الساحل اللازوردي وأقاحي شِعْب بوان وملاعب الزهور الشيرازية فأنت ثمرة قلبي  امتلأت يناعةً واغرورقت بالأريج وتوّجت بميسم الحنوّ والعطف والبهجة .

ماهمّني لو رزقني الله سواك فأنت عندي طِيب الخاطر والغيم الماطر والشهد الساحر والفرح الآسر والبلسم الشافي الوافي انتِ عافيتي التي تقوّمني ووتدي الذي ارتكز وضمادي حين تنزف اوجاعي ومصل دوائي حين أنهك وتجرحني الحياة قهرا وحزّا بسكّينها المسنونة الحواف ؛ انت حبّة الدواء التي تبقيني اتنفس واكتب واسمع كل جمال الالحان وهزج الاقحوان والبيلسان وميس الريحان ومذاق الزعفران وقهوتي الساخنة التي تنتظر ارتشافي .

أسميتُكِ " فاتنا " لاني موقن تماما انك فاتنتي حين يُحزنني الكدر ويغرقني الهمّ وانك من ينتشلني من قيعان الادغال وأكوام الاشواك وبرك الوحل لتنقلني الى حقولٍ خضر وواحات ريّا ومهادٍ مليء بالأحلام والغبطة والجذل كم كان دعائي طائرا الى الله بسرعة البرق حين طلبت من خالقي ان يكرمني انثى من ملائكته لتتمثّل في صورة انسانة افتتن بها في هذه الدنيا السريعة الخطى وأنا الذي تتحرك خطوتي مهلا وخفّة في مشية وئيدة رتيبة لكنها تزخّ فيّ عزما وإرادة بالغتين .

كنتِ وقودا لي يحرّكني من بستان بهجة الى جنائن سعادة وستبقين ماكنة جسدي التي لا تنطفئ وستبقين حصاني الذي يمهّد لصهوتي مقعدا وثيرا لنسرع معا الى شواطئ قُـزحية الالوان، يحرسني طيف شمسي من الوان الفسيفساء الممتعة النظر والتي تصبغها ريشة روحك الفاتنة تماما مثل اسمك، بنعومة يدك الرحيمة التي استعارت نعومة يد الماء فأحسّها تربت على كتفي حانية دافقة بزخّات من مطر الرعاية ويملأني نشوة ودلالا لم ينله جدّنا جلجامش من عشتروت وتهبين لي سلاما اكثر رقّة من رفيف حمامة بيكاسو .

انت جناحاي اللذان يرفعانني الى فضاء البهجة كما ترتفع الصقور الى قمم الجبال فخرا وزهوا عاليين .

أنتِ عكّازي الصلب الذي يعينني في طرقات الحياة المليئة بالمطبّات والعثرات الجسام والأخاديد المخيفة والخنادق الصعبة العبور.

 تحاياي لكِ ولكل امرأة بارّة مثلك، ومعذرةً لك لأني أثقلتُ كاهلك وأعجزتني شيخوختي وأنت الخفيفة الظلّ الوافرة الأعباء كلّ عيد وأنت بخير في يومك الثامن من آذار ولكل نسائنا عسى ان أراكم السنة المقبلة وانتنّ في أسعد حال 

 

جواد غلوم

 

حياتُها .. خيارُها

asmaa mohamadmustafaيحق للمرأة أن تقرر مايناسبها، مثلما الرجل حر في قراره الشخصي .. كلاهما إنسان .. وكلاهما له الحق في اختيار الطريق الذي يراه يضمن كرامته واحترامه لنفسه .. فإذا ما أخطأ الخيار فهو من يتحمل النتائج، فمابال الذكوريين والذكوريات والمتسلطين والضعيفات المغيبات يشعرون ويشعرن بالاستياء إذا فكرت إحدى النساء او بعضهن بطريقة مستقلة تخصها هي ولاتخصهن ؟!! متى يتخلون ويتخلين عن عقدة التسلط وثقافة القطيع ؟!! ولماذا يفكر المجتمع بالنيابة عن المرأة؟! ومن قال إن (عقل) المجتمع كامل متكامل كي يكون قراره هو الأنسب للمرأة؟!

سيقول قائل، طبعا يعترضون ويرفضون لأنّ حق المرأة في تقرير مصيرها يهدد مصالحهم .. وهنا نسأل : هل المرأة خلقت من أجل مصالحهم؟ ماذا عن مصلحتها هي وحقها في الحياة الكريمة ؟

وهل الحياة المشتركة تتطلب التحيز لمصلحة أحد الجنسين على حساب الآخر ؟ ومن قال إن المرأة الناجحة العاملة ستضر بعائلتها؟ لماذا لاتقولون إنّها بنجاحها تزيد من ثقة أطفالها لأنّ نجاحها سيجعلهم يفتخرون بها ويشعرهم بتميزهم، لاسيما حين توازن بين واجباتها الوظيفية وواجباتها الأسرية؟

حتى حين تقرر امراً، فهذا من حقها، لأنها هي من تعرف خصوصية أمورها وهي من تدرك مصلحتها ، حتى لو جاء خيار من خياراتها مغلوطا، فهذا شأنها، تتحمل عواقبه بنفسها، أفلا يخطئ الرجال في قراراتهم؟! فلاتتحدثوا وكإنّ النساء خطاءات والرجال ملائكة لايخطؤون ولايقصرون، كأنّ كلهم يحرصون على ضمان حياة كريمة لنسائهم ..

فكروا بأنّ لاشيء في الحياة مضمون، فربما ثمة قدر يؤدي الى فقدان المعيل كالأب او الزوج او فقدانه عمله، فإذا كان للمرأة مصدر رزق خاص بها تنفق  منه على نفسها وأطفالها، استطاعت المضي قدما،  على العكس من التي بلاعمل او مصدر رزق، تندب حظها وتكتفي بمايمنّ به أخ أو أي فرد من العائلة، بينما كان بإمكانها تفادي ذلك، إن هي شقت طريقها في الحياة بنفسها. وربما لايتوفر لها المعين بعد وفاة الزوج او الأب او الأخ .. فهل تخرج للتسول ويرضيكم هذا؟! او تأخذ بالصراخ في الشارع أنّها ضاعت لأنّ زوجها مات، كما سمعنا أكثر من مرة في ولولة بعض النساء بعد فقدانهن أزواجهن؟!

هذا مثال واحد، وثمة أمثلة كثيرة ضحاياها نساء مكبلات بسبب النظرة القاصرة بعيدا عن حقيقة أنّ الحياة تتطلب التوازن سواء من الرجل او المرأة، وليس تغييب كيان إنسان تحت غطاء وضعه القطيع وموروثاته، فأحد وجوه العنف ضد المرأة تصور الرجال أنّ المرأة يجب أن تمشي وفقا لأهوائهم ومصالحهم وأفكارهم هم، محاولين أن يصادروا حقها في الحياة والخيار والقرار والتفكير، حتى إنّ البعض مازال ينظر الى أن عمل المرأة غير ضروري وأن مكانها البيت بالضرورة متجاهلا او جاهلاً بأحقيتها في أن تقول كلمتها وتقرر ماتريد، سامحاً لنفسه بالإجحاف والتعسف والتطفل على حقها الإنساني في أن تكون كما تريد هي وليس كما يريدون .

وأخيرا فإنّ الأرض خلقت للمرأة كما هي للرجل، ولها الحق في أن تتخذ طريقها بإرادتها، وأن تعمل وتحصل على رزقها بنفسها بلا وصاية ولاتبعية لذكر يسمح لنفسه بأن يخطئ بلاحساب ويمشي على هواه لكنه يمنع المرأة من أن تحصل على حياة تناسبها وتختارها بنفسها ! بل إنّه، وكي يُسكت المرأة ويُسكت من يتحدث عن إحقاق حقها، يحيل الموضوع الى الله والدين، مفسرا الآيات على هواه، متجاهلاً آياتٍ أخرى لأنّها لاتتفق مع مصالحه، ذلك هو النوع الذي ينتقي من الدين مايحلو له ويتناسى الآخر .. فهل يحق للمتحايل المتجاهل أن يقرر بدلاً عن المرأة؟ وإذا كان عقل الرجل وصيا على عقل المرأة، فلماذا خلق الله لها عقلاً أيّها العاقلون؟!!

 

أسماء محمد مصطفى

 

في عيد المرأة "تحيةً لكِ سيدتي"ِ

haidar husansoariإلى كُلِّ إمرأةٍ، أنتِ جميلةٌ أينما كُنتِ، وأينما تكونِ، جميلةٌ بِكُلِّ ما تحملهُ هذهِ الكلمةُ من معنى، جميلةٌ في الأخلاق، جميلةٌ في الرُقيِّ، جميلةٌ في الأسلوب، جميلةٌ في الذكاء، أنيقةٌ في الظهور، أنيقةٌ في الكلامِ والشعور، أنيقةٌ في حزنكِ وفي السرور....

أنتِ: أُمي، التي حملتني كُرهاً ووضعتني كرها، ثم أرضعتني وغذتني، وسهرت عليَّ ليلها، وجاهدت في تربيتي نهارها، حتى غدوتُ رجلا... أُختي، التي شاركتني حياتي وبعثرتي، فكانت كظلي، تداري سوئتي، وتجد ليَّ الأعذار حين أبَقْي... إبنتي، التي أضافت إلى حياتي البسمة والمرح... حبيبتي وزوجتي، التي وهبتني نفسها وما تملك، حتى غدت لباساً لي وسترا... معلمتي التي ربتني، وأنارت ليَّ دربي...

أنتِ: نصفي الآخر، صُندوقُ أسراري، حاملةَ همومي، صديقتي التي أتوجهُ إليها، ساعات قلقي وأرقي، لأغفو بين أحضانها، فتحتويني بكُلي، لِتُزيل عني فاقتي وكربي، وترفع عني ضيقي ومحنتي، حينما يتخلى الآخرون عني...

كلماتٌ تدفقت من قلبي، فهطلت على لساني، كشلالٍ مع نسمةٍ باردةٍ، في صيفٍ أجوف، بردَّ غليلي، فإنشرح صدري، عندما أمسكت بالقلم، لأكتب في عيدكِ أنتِ! وهل العيدُ سواكِ!؟ وهل لهُ فرحة دون حضوركِ!؟ وهل للوجودُ معنىٍ إلا بكِ!؟

قد تنتظرُ المرأة منا كلاماً جميلاً، نُسمعهُ لها، ولكنها لا تدري، بأنها أجملُ من أجمل الكلمات، وأحلى من كل وصف، فلولاها لما عرفنا معنىٍ للحب، ولا تذوقنا طعم الرحمة، ولا كان لنا أملٌ في حياة، يا ضياءً أنار لنا الحياة.... أنتِ معنى الإنسانية...

لأجلِ هذا وغيرهِ، توجناكِ بكلمةِ "السيدة"، فأنت "سيدتي" يعجزُ عن وصفكِ أحدٌ، إلا الذي خلقكِ وأحسن خَلقكِ، وأبدع صُنعكِ، فحباكِ دون خَلقهِ، ورعاكِ في جنتهِ، التي جعلها تحت قدميكِ، فكانت تلك القدمين غاية مطلب العظماء!

بقي شئ...

أُمي، أُختي، إبنتي، حبيبتي وزوجتي، معلمتي وملهمتي، إلى كل المرأة:

هنيئاً لكِ من الأعماق سيدتي، ومباركٌ عليكِ عيدكِ، حفظكِ الله لنا كما آراد، ومثلما أحببناكِ، وهنيئاً لنا بكِ وبمشاركتكِ...

 

حيدر حسين سويري

 

تصويب لغوي: أسمع جَعْجعة ولا أرى طِـحْنًا (بكسر الطاء)

faroq mawasiلا (طَـحْنًا)

ورد في المثل: "أسمع جَعجَعَةً ولا أرى طِحْـنًا".

الجعجعة هي صوت الرحى، والطِّـحْن هو الطحين.

 والمعنى أنني أسمع جلبة ولا أرى عملاً أو نتيجة.

..

يُضرب المثل للجبان يوعِد ولا يوقع، وللبخيل يعد ولا ينجز، وفي أيامنا لكل من يثرثر بدون نتيجة.

...

الفعل (طحَن) الحَب ونحوه ومصدره (طحْن) يعني جعله دقيقًا.

الطحين والطِّـحْن بمعنى واحد، وهو الدقيق.

..

إذن فأصل المثل أن القائل يسمع صوت الرحى (الطاحونة) ولا يرى الثمرة أو النتيجة وهي  الطِّـحْن- أي الطحين.

انظر:

الزمخشري:

المستقصَى ج1 – المثل 704، ص 172.

وقد جاء في كتاب (فصل المقال في شرح كتاب الأمثال) لأبي عُبيد البكري الذي شرح فيه كتاب (الأمثال) لأبي عُبيد القاسم بن سلاّم:

"أسمع صوت حجر الرَّحى وهو يدور دون أن أرى طحينًا.

..

أما الميداني في (مجمع الأمثال) فقد ذكر:

" والطحن الدقيق فِعل بمعنى مفعول كالذِّبح ...بمعنى المذبوح- يضرب لمن يعد ولا يفي .

(ص 491، مادة الجيم)...

انظر كذلك: محمد العدناني: (معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة)، ص 405، المادة 1176.

 

ب. فاروق مواسي

 

سلامي لك أيتها الأنثى في عيدك الأممي

elmrazik almustafaسلامي لك أيتها الأنثى .. أستغفر الوطن عن عيدك الموسمي وفي الأفق عشرات النساء والفتيات مرابطات يرددن نشيد الحرية ويترقبن بين الظلال شظايا بعثرها خسوف الشمس في انتظار سطح القمر المضاء..

سلامي لك أيتها الأنثى الشامخة في وطني

لا شأن لي بالسياسة في هذا اليوم، ولا أمل لي في غد ظالم يحفر قبرا في كل يوم ويحول البلاد دمى..

سلامي لك أيتها الأنثى في ملتقى رمال العشق بعين الشمس

لن أسقط في البكاء، ولن أمشي سرب الجنازات وطريق الضباب.. لأني لا أعشق السقوط في أفق يائس. وأعشق حبة القلب حين لا تطأطئين كبرياء نونك..

سلامي لك أيتها الأنثى وجه الكون

أصلي لك، وبين التحيات أسمع هسهسات العود والكمان لأرى رقصات الفرح في عيدك الأممي..

سلامي لك أيتها الأنثى وأنا رفيقك في الصراع

"يا أغلى من روحي عندي .. إنا .. باقون .. على العهد.."

سلامي لك أيتها الأنثى خلف السور والباب

إن فؤادي نسيم الحب وضلوعي تمشي بجوار النوافذ حتى مطلع الفجر..

سلامي لك أيتها الأنثى الطائرة بين الغدارين الذين زرعوا في بابك ألغاما،

إن أغنياتي رقم بطاقتي والزورق على العهد..

سلامي لك أيتها الأنثى والربيع فواح المروج يبتهج

بسمتي طالت وقلبك فوق الدرب جسمي..

سلامي لك أيتها الأنثى من داخل المقدس أدعوك

أجوب الأرض وليل اليأس يفجر في عمقي زهو الأمل..

سلامي لك أيتها الأنثى راية الوحدة

لم أجد في الجريدة اسمي وأنا الذي عشقت عنادك حتى العظم..

سلامي لك أيتها الأنثى المتمردة على الخرافة

بيني وبينك الشباب يراقب شيخوخة الحطب..

سلامي لك أيتها الأنثى العاشقة للزهر والنار

لم أجد في عينيك صورتي ولم يردد المذيع بياني حتى لما سألتك عن وجع الروح..

سلامي لك أيتها الأنثى في زمن مزامير الغبار

لم أنكسر، لأنك وردة الجمهور وبستان الأيات والمديح..

سلامي لك أيتها الأنثى وأسرارك دمعة في قلبي

كل أنغام الموسيقى كالقبة المتحركة أمام الساحر وعيون المتفرجين مسمرة على عنفوانك..

سلامي لك أيتها الأنثى لأني أعشقك في ليل المعنى

لن تكوني إمرأة باردة وأنت تبحثين عن رومانسية من الصمت والغياب..

سلامي لك أيتها الأنثى من دون دليل المثل العليا

أسراري الهائجة لا تخلو من ضوء رائع عذب، والحقيقة سلسلة من الجبال حين نلتفت إليها نراها عابقة بالجمال..

سلامي لك أيتها الأنثى من دون احتمالات ولا تلاوين المعنى

أنتظر الساعة قريبا منك، ولأن البرد القارس يقرصني أضع الحطب في الموقد.. في انتظارك

سلام لك أيتها الأنثى

 

المريزق المصطفى/ باريس

 

 

حديث في اللغة (21):

faroq mawasiس: هناك سجال مع كتاب يصرّون أن تكتب كلمة التزام : إلتزام........

فقلنا لهم خطأ، لكنهم يصرون أن همزة الوصل تكتب في أول الكلام هكذا – إ

أفدنا أفادك الله!

 عادل

.....

ج: همزة الوصل لا تكتب عينًا مقطوعة – "عـ " إطلاقًا - لا فوق الحرف ولا تحته، لا في بدء الكلام ولا في درجه.

 نكتب المصادر الخماسية والسداسية المبدوءة بهمزة - وهي همزة وصل - مجردة=  ( ا ) ، ويمكننا أن نضع حركة الهمزة إذا شئنا-  الحركة فقط،  فنكتب:

التزامنا ضروري، أو اِلتزامنا...

وكذلك فعل الأمر من الثلاثي:  اِتَّقِ شر من أحسنت إليه، ويجوز ( اتق ....) بدون الكسرة – فهمزة الوصل تلفظ في بداية الكلام للضرورة ...لأننا لا نبتدئ بساكن، ولفظها لا يعني أبدًا أن تصبح في بداية الكلام همزة قطع.

لذلك نكتب:

اعتمد ( وليس إعتمد ) على الله ، انتباهك ضروري ( وليس إنتباهك )، اِعمل صالحًا!

اذكر الله!

اُذكر!

....

ملاحظة:

لا بد من الاعتراف أننا أصدرنا كتب "الجديد في قواعد اللغة" في الثمانينيات، ولم نكن على علم بهذه القاعدة، فكنا نضع همزة القطع على لام التعريف، كما أن كتبنا  المحلية جميعها – بدون استثناء- كانت تنشر همزة القطع على الكلمات في الجمل المبدوءة بهمزة وصل.

 إلى أن تداركنا ذلك -نحن المؤلفين – د.  فهد أبو خضرة، د. إلياس عطا الله، و د. فاروق مواسي -  واهتدينا في أواخر التسعينيات، فشاع ما دعونا إليه من عدم صحة ما مثل:

 إسمي، ألاتحاد، إبنك كريم، ويسرني أن أجد جميع الكتب التدريسية في بلادنا تلتزم اليوم بصحة الرسم الكتابي.

يسرني أن أجد جميع المجلات المحكَّمة في البلاد تنهج هذا النهج الذي سبق أن غاب عن خاطرنا.

...

يقول عبد العليم إبراهيم في كتابه الإملاء والترقيم:

"ومن الخطأ ما نراه من وضع همزة الوصل فوق الألف أو تحتها في مثل:

إجتمعت هيئة الاتحاد.. ومثل إشرح كذا!

 أذكر سبب كذا! أكتب في واحد من الموضوعين! " (ص 42).

انظر كذلك كتاب أحمد الهاشمي (جواهر الإملاء) ص 27.

...

 

ثم إن الرمز عـ (العين المقطوعة) هو اختصار لكلمة قطع، فلا يجوز أن أكتب على كلمةٍ همزتُها همزةُ وصلٍ حركةَ القطع- حتى لو لفظتها اضطرارًا، فلا نكتب:

إثنان أهل الأرض،

لأن كلمة (اثنان) همزتها موصولة، فلا يصح أن أعتبرها مرة مقطوعة (في بداية الكلام) ومرة موصولة (في درجه).

إذن نكتب: اثنان أهل الأرض، وإذا أحببت أن تشكل فضع الكسرة فقط تحت الألف= اِثنان...

...

انتبه: لا تضع القطع على (ال) التعريف، ويمكنك وضع الفتحة فقط في بدء الكلام:

اَلاتحاد، الصنارة، اَلأهرام، الأخبار.

..

في طباعة الكتب غير المحققة كثيرًا ما نجد الخطأ، فلا يظنن أحد أنها مرجع لغوي، إذ إنك لا  تجد هذا الخطأ في كتب المحققين  نحو عبد السلام هارون ومحمود محمد شاكر وأحمد شاكر وفي كتابات المستشرقين وغيرهم.

....

 

نهج بعض الذين يشكلون الكلمة في درج الكلام أن يضعوا (صـ) صغيرة رمزًا مختصرًا للوصل، فلهم ذلك، ولهم ترك الألف بدونها.

...

 

ليبق  شعارنا:

"وقل رب زدني علمًا"!

العودة من قونية

husen abusodقونية مدينة تركية فيها مرقد مولانا جلال الدين الرومي

تعودت كثيرا ان أقف طويلا امام بوابات المدن المقدسة، قبل دخولها وبعد مغادرتها، ووجدت روحي بعد اضطرابها المزمن تشتاق للانعتاق من صخب هذه المدينة والتوجه نحو ضريح مولانا جلال الدين الرومي المحاط بزهور قونية اليانعة وورودها الملونة، اشتهت روحي ان تطيل البكاء هذه المرة امام بوابة مدينة قونية حيث تجليات الأنقياء وصفاء دواخلهم ورقصهم الدائري حول نقطة الحقيقة كما الرقص العبثي للفراشات حول النار المعشوقة.

وصلت المدينة بين الظهر والعصر فصليت هذه المرة رقصا جمعا وقصرا، دورتان بذراعين مفتوحتين في كل مرة

انتشت روحي ونسيت بعض تعبها ووضعت هناك بعض أوزارها التي كانت قد أثقلتها .

اغتسلت سريعا في الجدول القريب وارتديت ملابس بيضاء بلا جيوب ولا أزرار .

ظننت انه من السهل ان اقتحم على مولانا خلوته ولم أدر بوجود أصول وأعراف يجب مراعاتها عند الورود على الصالحين منها الاستئذان، فلمحت على باب حجرته امرأة حسناء فارعة بارعة ترتدي ملابس شفافة بلون السماء الصافية تكاد تظهر كل مفاتنها، عيناها بحران يلتقيان تحت حاجبين أسودين ساحرين وعلى أنف أقنى مرسوم بمهارة بين خدين كتفاحة شُقتْ الى نصفين، والشفاه كرزٌ قُطفَ للتو في أوج الموسم والعنق يتسامى كأبريق فضة، والشعر الكستنائي ينساب على الاكتاف كأنه شلال صغير، والجسد المكتنز يبهر حتى القديسين ويشغلهم عن التسبيح والصلوات.

نظرتْ إليَّ بغنج ودلال وهمست: ما الذي جاء بك؟

قلت اريد التشرف بتراب اقدام المولوي، فسألتني عن ديني ومذهبي فقلت لها :انا مسلم سني العقيدة، فدخلت هنيئة ثم خرجت ولم تأذن لي بالدخول فقلت بل انا شيعي المذهب، فدخلت ثم خرجت دون ان تأذن لي بالدخول وفعلت ذلك عشرات المرات وانا أعدد لها المذاهب واحدا واحداً لعل احدها يروق للشيخ ويحظى بالقبول الحسن فيأذن لي بالدخول ولكن ذلك لم يحدث فعددت لها: اشعري ظاهري زيدي معتزلي سلفي حتى اكملت لها ثلاث وسبعين فرقة وزدت لها عشرا من المذاهب الجديدة، وفي المرة الاخيرة وكان اليأس قد تملكني تماما قلت لها : اخبري مولانا بأني مسلم ومذهبي الحب، وهنا قام الشيخ من رقدته فتهللت أساريره واحتضنني وقال بلهجة المعاتب: لماذا أجهدت نفسك بالمجيء إلينا؟

قلت: جئت لأتعلم العطاء من الزهور التي تحيط بقبرك واتعلم الغناء من البلابل والطيور التي حلت بفنائك جئت تلميذا يريد ان يتعلم مبادئ العشق الاخر.

فأشاح بوجهه عني قليلا ثم عاد وقال: اخرجْ الان الى الحسناء فهي لك فأقضي منها وطرك حتى تشبع ثم عدْ لي.

ملأ السرور قلبي وخرجتُ مسرعا وكانت الفتاة تنظر في البحيرة المقابلة تراقب منظر الغروب وتتأمل أسراب البط العائدة، وضعتُ يدي على كتفها برفق بالغ فاستدارت وإذا بها شيخ كبير عليه سمات الدراويش يلبس الصوف الخشن تملأ التجاعيد وجهه الوقور، فتح ذراعيه مبتسما يريد ان يضمني الى صدره فدخلني في حينه خوف كبير وفزع عظيم، فعدت الى المولوي مستنجدا من هول المطلع وسوء المنقلب وقلت له متوسلا: سامحني أيها القديس النقي التقي فأنا بشر قد غره الشيطان، فنظر إليَّ ملياً وقال: هيامك بالفتاة الحسناء حال الوصول كان سقوطا أولاً، وخروجك مسرعا من عندي طمعا في وصلها كان سقوطا ثانيا، ولا مجال عندنا للسقوط الثالث، ثم كان حريا بك أيها الرجل ان تبحث عني في مدينتك دون الحاجة للمجيء وتجشم عناء السفر وطي المسافات الطويلة، وانت ان لم تجدني هناك فلن تجدني هنا وان وجدتني هناك ستجدني في كل مكان،

ابحث عني يا ولدي في قلبك.

تحول نظري عنه هنيئة ثم التفتُ فلم أجده كما كان ماثلا أمامي

بحثتُ عنه في قلبي فلم أجده أيضاً .

********

حتى وان تناءت اجسادنا، ستبقى نافذة بقلبي تطل عليك

ومنها أمدك بالرسائل الصامتة

تماما كما يفعل القمر(الرومي)

العشرين من يناير 2016

 

8 ﺁﺫﺍﺭ 2016 في ظل القمع للمرأة في الشرق العربي

nabe  odaالسؤال المحرج هل من جديد في واقع المرأة العربية والمرأة في الشرق عامة..؟

الجواب على هذا التساؤل أصعب من السؤال نفسه.

ما زالت تتواصل في واقع الشرق سيطرة ﻋﻘﻠﻴﺎﺕ ﻭﻗﻭﺍﻨﻴﻥ ﻻ ﻴﻤﻜﻥ ﺍﻥ ﻨﺘﻭﻗﻊ ﻭﺠﻭﺩﻫﺎ ﻓﻲ ﺩﻭﻟﺔ ﻭﻤﺠﺘﻤﻊ ﻤﻌﺎﺼﺭﻴﻥ .. ﺭﺒﻤﺎ ﻨﺴﺘﻬﺠﻥ ﻭﺠﻭﺩﻫﺎ ﺤﺘﻰ ﻓﻲ ﺩﻭل ﻤﺤﺎﻜﻡ ﺍﻟﺘﻔﺘﻴﺵ ﻤﻥ ﺍﻟﻘﺭﻭﻥ ﺍﻟﻭﺴﻁﻰ. مع الواقع السياسي والديني السائد  بانتشار العنف الداعشي ضد الإنسان لكونه إنسانا أولا، وتعمق النظرة الدونية للمرأة، لدرجة اسقاط صفتها الإنسانية، يتحول الشرق بتسارع الى  مزبلة تتراكم فيها العقليات المريضة والأصنام الفكرية التي تقدس القتل على الهوية، وممارسة كل أشكال التجاوز لحقوق المرأة الأولية، طبعا هذا لا يعني ان واقع الرجل أفضل كثيرا من واقع المرأة.

8 آذار يوم المرأة العالمي .. لكنه يوم لا يختلف كثيرا للمرأة في الشرق.

 حتى ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺯ المخبول ﻀﺩ المرأة السعودية بات للأسف أكثر رحمة مما تواجهه المرأة إذا وقعت بأسر داعش. 

ما يروى عن عمليات القتل والاغتصاب يندى له جبين الحيوانات، لكن أشباه الانسان الهمجيين لا يبالون بما يواجه المرأة وما تتعرض له على أيديهم من قتل واغتصاب لمجرد انهن من عقائد واثنيات مختلفة. أين نحن اليوم من طروحات "ﻤﺼﺩﺍﻗﻴﺔ ﺤﻘﻭﻕ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ" كما جاء في كتاب ماري ﻓﻭﻟﺴﺘﻭﻨﻜﺭﺍﻓﻁ  الذي صدر في القرن الثامن عشر؟

ﺍﻥ ﺩﻭﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺭﺃﺓ ﻀﺎﺭﺒﺔ ﻋﻤﻴﻘﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘل الشرقي. المشكلة ليست بالمرأة، انما بمناهج تفكير وتعليم وتثقيف همجية تجاوزتها البشرية، لكن أشباه البشر يتمسكون بها.

قالت ﺴﻴﻤﻭﻥ ﺩﻱ ﺒﻭﻓﻭﺍﺭ التي لعبت دورا كبيرا في الحركة النسائية العالمية:" نعلن ﺍﻟﻴﻭﻡ ﺍﻨﻪ ﻤﻥ ﺍﻟﻨﺎﺤﻴﺔ ﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﻜﻠﻨﺎ ﻨﺴﺎﺀ ﻭﺭﺠﺎﻻ ﻨﻭﻟﺩ ﻤﺘﺸﺎﺒﻬﻴﻥ - ﻤﺜل ﺍﻟﻠﻭﺡ ﺍﻟﻨﺎﻋﻡ-، ﺍﻤﺎ ﺘﻌﺭﻴﻑ ﻫﻭﻴﺘﻨﺎ ﻓﻨﺤﺼل ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺒﻭﻗﺕ ﻤﺘﺄﺨﺭ ﺃﻜﺜﺭ ﺒﻌﺩ ﻭﻻﺩﺘﻨﺎ، ﻤﻥ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﻤﻥ ﺃﻫﻠﻨﺎ" .

ﺍﻥ ﺘﻌﻠﻴﻡ ﺍﻷﺩﻭﺍﺭ ﻟﻠﺠﻨﺴﻴﻥ، ﺍﻟﺫﻜﻭﺭ ﻭﺍﻻﻨﺎﺙ، ﺼﺎﺭ ﺍﻟﻴﻭﻡ   في عالمنا العربي ﻤﻬﻤﺔ ﺃﻜﺜﺭ ﺘﻌﻘﻴﺩﺍ ﻤﻥ ﺍﻟﺴﺎﺒﻕ .

الفجوة ﺘﺘﺴﻊ ﺒﺎﺴﺘﻤﺭﺍﺭ بين واقع المرأة في الغرب وواقع المرأة في الشرق، ﻜأﻨﻨﺎ ﻨﺘﺤﺩﺙ ﻋﻥ ﺴﻜﺎﻥ ﻜﻭﻜﺒﻴﻥ ﻤﺨﺘﻠﻔﻴﻥ، ﺍﻭ ﻋﺎﻟﻤﻴﻥ ﻻ ﻴﺠﻭﺯ ﺍﻗﺎﻤﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻨﺔ ﺒﻴﻨﻬﻤﺎ. ﺍﻷﻭل ﻋﺎﻟﻡ ﺒﺸﺭﻱ ﻭﺍﻟﺜﺎﻨﻲ ﻋﺎﻟﻡ ﻴﺨﺎﻑ ﺤﻜﺎﻤﻪ ﺍﻹﻟﻬﻴﻴﻥ ﻤﻥ ﺍﻻﻨﻀﻭﺍﺀ ﺘﺤﺕ ﺍﻟﺼﻴﻐﺔ ﺍﻟﺒﺸﺭﻴﺔ، ﻟﻸﺴﻑ ﻨﻔﻲ ﺍﻟﺼﻴﻐﺔ ﺍﻟﺒﺸﺭﻴﺔ ﻟﻴﺱ ﻋﻥ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻓﻘﻁ، ﺍﻨﻤﺎ ﻋﻥ ﺍﻟﻤﻭﺍﻁﻥ ﺍﻟﺭﺠل ﺃﻴﻀﺎ ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺘﻌﺭﺽ منذ ﺼﻐﺭﻩ ﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﺘﺸﻭﻴﻪ ﺍﺨﻼﻗﻴﺔ ﻭﺠﻨﺴﻴﺔ ﻭﺤﻘﻭﻗﻴﺔ ﻭﺩﻴﻨﻴﺔ  وبالتالي نراه يصبح منفذا بلا وعي لفكر دونية المرأة.

ﺍﻥ ﺍﻟﻨﺘﺎﺌﺞ ﺍﻟﻤﻠﻤﻭﺴﺔ ﻟﻨﻀﺎل ﺍﻟﺤﺭﻜﺎﺕ ﺍﻟﻨﺴﻭﻴﺔ ﺍﺠﺘﻤﺎﻋﻴﺎ ﻭﺴﻴﺎﺴﻴﺎ ﻭﻗﺎﻨﻭﻨﻴﺎ ﻜﺜﻴﺭﺓ، ﻟﻴﺱ ﻓﻘﻁ ﻓﻲ ﺤﻕ ﺍﻟﺘﺼﻭﻴﺕ ﻭﻗﻭﺍﻨﻴﻥ ﺍﻟﻌﻤل ﺍﻟﺘﻲ ﺘﻌﻁﻲ ﺍﻟﻤﺭأﺓ ﺸﺭﻭﻁﺎ ﺃﻓﻀل ﺒﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﺤﻤل ﻤﺜﻼ، ﻭﺍﻟﻘﻭﺍﻨﻴﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﺘﺘﻌﺎﻤل ﻤﻊ ﺍﻻﻋﺘﺩﺍﺀﺍﺕ ﺍﻟﺠﻨﺴﻴﺔ ﻭﺠﺭﺍﺌﻡ ﺍﻟﻘﺘل ﺒﺤﺠﺔ ﺍﻟﺸﺭﻑ.. ﺍﻨﻤﺎ ﻭﻫﺫﺍ ﺍﻷﻫﻡ، ﺠﻌل ﺍﻟﻤﺭﺃﺓ ﺘﺤﻤل ﻤﺴﺅﻭﻟﻴﺔ ﻤﺠﺘﻤﻌﻬﺎ ﻟﻴﺱ ﺃﻗل ﻤﻥ ﺍﻟﺭﺠل  ﻭأصبحت ﻗﺎﺩﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻭﺼﻭل ﻷﻱ ﻤﻨﺼﺏ ﻓﻲ ﻤﺠﺘﻤﻌﻬﺎ..

ماذا تغير من واقع المرأة العربية ؟! كما قلت السؤال صعب والجواب عليه أصعب. لكني اقول ان رؤيتي متشائمة لمكانة المرأة في هذا الواقع العربي .

بالطبع موقف القيمين على "قيمنا" و "أخلاقنا" و "عاداتنا" و "تقاليدنا" و "ديننا".. لن أورده، لأنه نوع من الطرح العبثي الممل..

ان واقع المرأة في شرقنا لا يمكن وصفة بانه تراجع كبير فقط،  بل انهيار كامل حتى للحواجز الأخلاقية،  ما بات واضحا هو غياب أي أمل في الفترة القريبة وربما الأكثر بعدا أيضا، لتحقيق أي تقدم في قضية المرأة طالما ظل مجتمعها قبلياً في مبناه وعلاقاته، يحرمها من الحقوق السياسية المتساوية (وحتى حقوقها الدينية منقوصة ومشوهة) ومن فرص النمو والتعليم والتقدم في تطوير قدراتها الخاصة ووعيها، ومشاركتها في عملية التنمية الإنسانية والاقتصادية لمجتمعها. طبعا آمل ان ظاهرة الارهاب ستختفي قريبا ولا اعرف كيف يمكن لعق جراح هذه المرحلة الرهيبة، على مستوى مجتمعاتنا برجالها ونسائها.

في إطار واقعنا الشرقي المتعثر مدنياً، لن نحرز تقدما في مجال إنجاز نهضة نسائية واجتماعية تغير واقع المرأة، ويفتح أمامها وأمام مجتمعاتنا آفاقاً جديدة، وإمكانيات أخرى تعمق دورها ومسؤوليتها؟

ما زالت  ظاهرة قتل النساء بحجة شرف العائلة تسود مجتمعاتنا. المرأة هي الزانية حتى لو تعرضت للاغتصاب.. 

عدا ظاهرة الارهاب السائدة اليوم هناك ارهاب من نوع لا نذكره كثيرا، ظاهرة من القرون الحجرية بتشويه الأعضاء التناسلية للإناث.، كأن هذا التشويه سينقذ شرف العائلة التي لا شرف لها أصلا بظل أنظمة تتعامل مع الرجل أيضا بتشويه أفكاره وأخلاقه وقيمه!!

هل تغير واقع المرأة في الدول العربية ال 17 من بين ال 21 دولة عربية التي وقعت على اتفاق القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة  ثم قيدته بتحفظات تشريعية "وطنية" او بنسف بعض بنوده التي تتعارض حسب فهمهم المشوه مع "الشريعة الاسلامية"؟

هل اصلا تطبق الدول التي تتحجج بالشريعة الاسلامية، بنود الشريعة على تجاوزات الأمراء والشيوخ والحكام؟ هل سرا الممارسات الجنسية  التي تجري في قصور السعودية والتي انتشرت أخبارها في وسائل اعلامية عربية ودولية مختلفة؟

تساهم المرأة في الدول المتقدمة بحصة تكاد تكون مساوية لحصة الرجل في جميع نواحي الحياة.. في عالمنا العربي أرى ان المرأة، حتى الأكاديمية، تخضع لقيود مستهجنة، يفرضها مجتمعها ونظامها، يقيد بشكل واسع تحركها وحجم قيودها، حتى في المجتمع الأكثر تنوراً، على صعيد الدول العربية، نجد ان واقع المرأة لا يختلف بمجمل مضمونه. لذا ليس بالصدفة ان أكاديميات انهين دراستهن في الغرب يخترن البقاء في الغرب!!

دأبت تقارير الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية، على وضع اليد على واقع مذهل من التخلف في المجتمعات العربية، يطال النساء والرجال، وغني عن القول ان واقع المراة هو الواقع الأكثر سوءاً والأكثر مرارة.. خاصة في موضوعين أساسيين.

اولا البطالة التي تطال نسبة عظيمة من النساء، ومنهن جامعيات.

بالطبع وضع الرجل لا يقل سوءاً، والمعروف ان غياب تخطيط حقيقي للتنمية، وغياب أبحاث أكاديمية حول التنمية وآفاقها واحتياجات الأسواق العربية، والربط بين الاقتصاد ومعاهد الأبحاث (الغائبة) في الجامعات، يقود الى فوضى، او تنمية ارتجالية لا تتجاوب مع المتطلبات الملحة للمجتمعات العربية، ولا مع توفير أماكن عمل حسب احتياجات النمو السكاني. حتى فرص خلق أعمال جديدة يسير ببطء شديد يقود بالتالي الى تعميق استغلال عمل النساء، وهذا يبرز بالأجور المتدنية جداً. وبات إيجاد مكان عمل، صدفة سعيدة تتمسك بها المرأة وتصمت عن واقع إملاقها وسحقها كإنسان.

تقارير البطالة في العالم العربي حسب مؤسسات الأمم المتحدة تتحدث عن أرقام رهيبة تصل الى 30 - 40 مليون عاطل عن العمل، ولا أعرف هل تشمل هذه الأرقام مجمل الراغبين بالعمل، ام فقط المسجلين رسمياً؟ وهل تشمل مجمل نساء الوطن العربي القادرات على العمل؟

حين نجد ان المرأة في المجتمعات الصناعية المتطورة تشكل ما يقارب نصف عدد العاملين، نجد انها في المجتمعات المتخلفة لا تشكل أكثر من 15% وربما أقل كثيرا. 

المؤشر الأخر المرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا الواقع، هي نسبة الأمية المرتفعة جداً بين المواطنين من الجنسين، وخاصة بين النساء.

هل يتوقع أحد ان ينشأ جيل مثقف متعلم في أحضان نساء جاهلات؟

لا ليس تهجماً على المرأة، هذا الواقع ليس من مسؤوليتها. لأنها تخضع لتحكم استبدادي وديني يتميز كل أطرافه بالجهل والغيبيات.

دول عدة كانت أكثر تخلفاً وعصبية تجاوزت واقعها الى مجتمع مفتوح، دمقراطي، تشكل فيه العلوم والاقتصاد قاعدة تطور تضعها في مقدمة دول العالم.. وجعلت للمرأة مكانة متقدمة في وظائفها الاجتماعية والاقتصادية،  المجتمع الياباني نموذجا!!

المرأة في الصين أيضا.. لم يكن وضعها أفضل من حال المرأة العربية.. لكنها تشكل اليوم قوة علمية انتاجية في اطار المجتمع والاقتصاد في جمهورية الصين.. بعد ان أعطيت الحقوق الكاملة المساوية للرجل.

أعتقد ان بدء مرحلة إنشاء اقتصاد بديل للإقتصاد النفطي، سيقود الى تغييرات اجتماعية عميقة، تنعكس أيضا على واقع المرأة العربية. ان أي نهضة اقتصادية، حتماً ستفرض تغييرات عميقة في المجتمع، لا بد ان يكون أبرزها خروج المراة للعمل، والاحتياجات العلمية والتقنية لمتخصصين ومتخصصات في برامج الانتاج الجديد.

اذن كيف سنواجه المستقبل؟ ماذا أعددنا لما بعد حقبة النفط؟

لماذا لا تستغل الأموال الفائضة في البنوك (وتقدر بعدد كبير من ترليونات الدولارات) لإحداث نهضة اقتصادية تعتمد على الصناعات غير النفطية.

لا أظن ان أحداً من المتحكمين بالقرار العربي يعرف الإجابة. ربما يعرف كم يوجد في حسابه المصرفي ليس إلا.... ومشروعه لضم الزوجة الجديدة.

اليوم يضحكون في واشنطن ولندن وباريس وبون وبكين وطوكيو بوجوهنا.. ما زال النفط طاقة أساسية. غدا لن نجد حتى وقوداً لسياراتنا، وسنجر سياراتنا بالجمال. هل سنعود الى أيام الجاهلية قبائل مشرذمة تغزو بعضها بعضاً طلباً للطعام والمشرب؟

حان الوقت لنفهم ان مجتمعا متنوراً متقدماً اجتماعياً واقتصادياً وعلمياً، لن يكون دون مشاركة كاملة للمرأة في التخطيط والإنتاج والبرمجة المستقبلية. وإقرار القوانين وشكل نظام الحكم.

يؤسفني اني لا أرى مستقبلاً لمجتمعاتنا، بنسائها ورجالها... مثل الذي أحلم به.

 

نبيل عودة

 

تهنئة للمرأة بيومها العالمي !

hamid taoulostها قد حل شهر مارس ككل سنة معلناً عن انتهاء فصل الشتاء وقدوم فصل الربيع بحلته الزاهية الفواحة بعبق براعم الزهور الجميلة المتفتحة، حاملا معه بشائر الخير والأمل والعطاء وتجدد الحياة التي أتعبتها أيام البرد القاسية، وبهذه المناسبة التي تصادف يوم "المرأة العالمي" -والمناسبة شرط كما يقول الفقهاء-يسرني أن أتقدم لشريكة عمري بالشكر كله على ما قدمته كمناضلة في شتى الميادين من أجل أن تصل المرأة لمثل ما هي عليه في هذا اليوم السعيد على قلوبنا، ومن خلالها أتقدم لكل نساء العالم، الأم، الأخت، الابنة، الزوجة، الحبيبة، وكل العاملات الكادحات منهن، اللواتي يشكلن القوة الناعمة، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، تلك القوة الثورية التي تعمل خفافيش الظلام، وأعتى الحكومات الدينية وأعنف ميليشيات الإسلام السياسي على إخماد وهج ثورتها وانتصارها، وإبطال دورها الفاعل، والقضاء على جودها الفعال، أتقدم لهن بأحر التهاني وأطيب التمنيات بحياة حرة كريمة عمادها المساواة مع نصفها الثاني ليكملوا بعضهم، ويحققوا للمرأة في المغرب وفي الوطن العربي، ما تم لأختها في الغرب من انجازات ونجاحات وامتيازات في كل الميادين، ضدا على كل قوى الشر وقوى التخلف، التي تضمر لها، مع الأسف، الضغينة والحقد ومختلف أنواع التمييز والعنف والاضطهاد، وتبذل كل الجهود المضنية لحرمانها من حقوقها الشرعية والقانونية  في التحرر والمساواة، التي ليست منة من أحد وإنما هي عطاء رب العالمين الذي بجلها وكرمها، والتي حولها أغوال الكهوف ودعاة دولة الخلافة  إلى ضرب من ضروب الخيال، وجعلوها من باب النفخ في القرب المقطوعة، كما يقال، على اعتبار أنه المرأة عورة وناقصة عقل ودين وجاهلة .

وأتمنى لهن في يومهن العالمي - رمز التغيير وطموح الإنسانية - لهذه السنة، أن يكون مختلفا عن كل السنوات الماضية، خال من شوائب التمييز وسمومه، ومنقى من الاستغلال والعبودية، ومليء بالأهداف التحررية الرامية لعالم أفضل لها ولكل الإنسانية، والذي لن يتحقق بالتهليل والفرح والسرور والابتهاج والغبطة والسعادة - التي هي من حقهن – في يوم يتيم مرة في السنة، ولكن بمواجهة كل القوى التي بايعت الشر والتخلف والانتهاك  على سلب المرأة هويتها الإنسانية، والذين لا يمكن أن يتخيل عاقل أنها ستحزن، يوما ما، أو تفيق من تلقاء نفسها، ويرق قلبها لحال المرأة، وتتخلى عن مصالحها وامتيازاتها وتعلن أنها تابت وأنابت عن الفتك بأحلام هذا الكائن الذي كرمه الله، وتمكنها من كافة حقوقها، لذلك فليس أمامكن سوى أن تتضامن، وتوحد جهودكن لمواجهة كل من يحاول سلبكن هويتكن الإنسانية، ونسف كل السياسات التي تعمل على تحويل نضالكن النسوي إلى شعارات جوفاء تلوكها تنظميات ومنظمات تسمي نفسها جمعيات نسوية تخلط بين الأهداف والمقاصد لتجثم فوق صدر النساء وتعرقل مسيرتهن ونضالاتهن نحو بناء عامل إنساني أفضل، بغرض الكسب والاسترزاق، من عطايا الكثير من الجهات المانحة ..

فليكن يومكن العالمي هذا يا نساء العالم، يوم تضامن ضد حكومات الدين المشوه وسياساتها العرجاء، التي تهدف لعزلكن عن ثورتكن من اجل مستقبل زاهر لأبنائكن -أبنائنا- ومستقبلهم .. وليكن يومكن هذا يوم تضامن ضد كل أشكال العبودية، وثورة ضد كل قوانين العار والخزي والانتقاص والدونية ..

وكل عام وأنتن منتصرات ..

 

حميد طولست

 

هم الكتابة ورائحة الورق

akeel alabodهم الكتابة ما زلت أتذكره يوم كنا نكتب المقالات على الورق ونحرص ان تكون المقالة مكتوبة بين سطر وسطر؛ يوم كنا كما شهريار وشهرزاد ننتظر الصباح لكي نشعر بلذة هذا اللون من التجانس والتجاذب بين الحبر والهم والورق، يوم كنا ننتظر وصول الصحف الى صاحب المكتبة الذي كان يشجعنا هو الاخر على قراءة الجديد من المقالات والأخبار رغم المضايقات الأمنية وأجهزة الحزب الحاكم انذاك. العمود الصحفي الذي تصدره صحيفة الجمهورية، والقادسية ما زالت هويته خاصة بعد إغلاق صحف الأحزاب الاخرى ابان السبعينات،  ورغم ومصادرة حرية الكلمة، العمود الحر كان يحمل مع أنفاسه لغة فوكنر وكاليفينو، وماركيز، وماريوفارغاس يوسا، وجميع احفاد الادب العالمي بجميع تفرعاته بقي عامرا،  لكانه يهتف متمردا ثائرا بوجه السلطة التي فرضت طوقها لتفرض حتى اسماء الصحف وبالقوة ، لذلك صوت المثقف بقي ثائرا ينتظر بوابة ما تفتح أمامه لعله ينال ما يصبو اليه،  ولو بلقمة بسيطة، الحوار الجميل بين المثقفين لم يكن تحتويه صفحات الترويج الخاصة بالفيس بوك كما على نمط هذه الايام، فجلسات مقهى ابو احمد ما زالت في القلب مطرزة بالمحبة والألفة والنكتة الجميلة، و الشعراء والكتاب، نتاجاتهم رغم حصار السلطة الجائرة وجبروتها، أفكارهم كانت لها طقوس مثلما لغة النشر لها طقوس. 

لذلك ذات يوم، قيل ان رجلا في عينيه نعاس، فهو لم ينم طوال ليلة كاملة، جاء ببدلة رثة، لينتج موضوعا عن الفقراء، جاء  يسلمه لصاحب المطبعة، حتى ان صاحب المطبعة انبهر فقط بهم الرجل فما كان عليه الا ان يسارع لنشر الموضوع بسرعة متفانية.

ومعنى الحديث ان للكلمات والمقالات آنذاك  مصنع اسمه القلوب، وقلب الثقافة كان يحمل بين طياته الم ومحبة وحبر، مفردات  لها معنى،  هذا المعنى هو الذي يمنح الكلمة وسام الخلود، اي ليس على وتيرة زمن الكم من الكتابات التي تحمل اليوم مع عجلاتها شيئا مملا لا طعم له ولا رائحة، اقصد ما يكتب على صفحات الفيس بوك وبعض المواقع،  لولا أولئك الذين ما انفكوا يبحثون عن شيء يكاد ان يكون أسمى وأعظم من هذا الذي يروج له اليوم بفعل كل من هب ودب.

 

عقيل العبود 

 

الورق وداعاً

fatima almazroweiتعود للواجهة من جديد قضية جدلية بدأت بوادرها مع انتشار شبكة الإنترنت، وظهور الكتب الإلكترونية، وغيرها من الوسائل الحديثة في النشر مثل المواقع المتخصصة أو حتى المواقع الشخصية. هذه القضية تدور رحاها حول الكتب الورقية، وهل ستنقرض أم أنها ستستمر؟

المتحمسون والمؤكدون على بقاء الطباعة الورقية سواء للصحف أو للكتب وغيرها، أو وجود الورق نفسه للكتابة وإتمام معاملاتنا اليومية، يرفضون مبدأ طرح الموضوع من أساسه، بحكم أننا نجادل في حقائق بديهية قائمة لا يمكن الاستغناء عنها، ودوماً نسمع تخيل العالم دون ورق، فكيف سيكون الحال؟ بطبيعة الحال البعض قد يقول إن وجود الورق في بعض الاستخدامات شيء، وتحول المطبوعات على مختلف أنواعها للعمل الإلكتروني شيء آخر مختلف. لكن يجب ألا ننسى أن الصحافة الورقية شهدت نمواً وتطوراً على الأقل في منطقة الشرق الأوسط، ليس هذا وحسب بل إننا نشاهد تدشين صحف جديدة يومياً في بلاد عدة من العالم.

في اللحظة نفسها يظهر المنادون أو المتحمسون لتوديع حقبة الطباعة الورقية، حيث ينظرون لمثل هذا الحوار، وكأنه جدل تحاول خلاله إقناع شخص بأن الشمس ستشرق غداً، وهو يرفض التصديق، ونحن نقول إن صناعة الورق ستنهار، وستتحول جميع الصحف والكتب للنشر الإلكتروني، وهناك من يرفض التصديق، رغم أن الواقع والتطورات والتقنيات جميعها تقود البشرية نحو هذا المضمار، وأن النتيجة واضحة.

هذا الفريق يسوق أمامك جملة من الصحف الكبرى في العالم التي اختارت وقف مطبوعاتها الورقية والتحول إلى النشر الإلكتروني.

شخصياً، في نهاية المطاف لا تساورني الشكوك أو الظنون بأن صناعة الورق نفسها، ستعاني من مثل هذه التغييرات والتحولات، وبالنسبة لي السؤال ينحصر في: متى؟ وليس هل هذا سيحدث، أم لا؟

 

فاطمة المزروعي