أقلام ثقافية

الليل والانسان بين العلم والأدب

narmeen tahirbabaالأمر لا يخلو من صعوبة، فمنذ بدء الكون، على الرغم من أن هذا البدء لم يبت به لحد الآن بنحو علمي ونهائي، كان الليل والنهار وكانا صورتين متقابلتين، متضادتين، متداخلتين .. لا غنى لأحدهما عن الآخر .

إنه نظام (الأزواج) في الطبيعة لكي تستمر الحياة، ماء ويابسة،حر وبرد خير وشر، رجل وإمرأة، سماء وأرض، ثلج ونار، ليل ونهار .

ومنذ أقدم الأزمنة قامت الطبيعة بتوزيع الأدوار توزيعاً دقيقاً تجرَ أية تغييرات على تلك الأدوار بالرغم من ملايين السنين التي مرت .

ارتبط النهار بالنشاط والحركة والعمل واليقظة وارتبط الليل بالهدوء والسكينة والراحة والنوم، حتى ان الوظائف العضوية لجسم الانسان تكيفت لهذا التوزيع وأصبحت جزءاً من فسلجته العامة .

في استفتاء مبني على تحليلات طبية قامت بإجرائه مجموعة مؤلفة من أربعة أطباء عن موضوعة (النوم) ظهر ان الاشخاص الذين تقتضي طبيعة أعمالهم أن يسهروا ليلاً ويناموا نهاراً يكونون عرضة للأمراض بنسبة تصل الى 45% زيادة على اقرانهم الذين ينامون ليلاً ويعملون نهاراً على الرغم من أن ساعات النوم التي يمضيها الطرفان واحدة أو متقاربة جداً .

وتشير استنتاجات المجموعة الطبية الى ان الذين يعانون من حالة (النوم غير الاعتيادي) على حد تعبيرها ترتفع عندهم نسبة الامراض العضوية بنحو ملموس بخلاف الاعتقاد الطبي السائد من أن ما يتعرضون له ينحصر في مجموعة من الامراض النفسية فقط .

ثمة الكثير الكثير مما يطرحه الليل حول نفسه وما يثيره من تساؤلات قد لا نملك الاجابة عنها، فعلى صعيد الأساطير والتراث الانساني مثلاً كان النهار رمز النور والخير والحياة فيما كان الليل رمز الظلمة والشر والموت وبه اقترنت صورة القبر والعذاب وصور الخوف والخيانة والجريمة والأعمال الشريرة .

في القرآن الكريم تَرَدّدَ لفظ الليل في معظم السور الشريفة وإن شئنا التحديد فقد ورد ذكره في 92 آية تناولت صوره ووظائفه وحالاته المختلفة ومع ذلك فالكتاب الكريم يضعنا أمام تساؤل كبير ليس بإمكاننا الاجابة عنه أو الاجتهاد فيه .

لقد جاءت لفظتا (الليل والنهار) مجتمعتين في 44 آية بمختلف المعاني والأغراض وقد احتلت لفظة النهار المقام الأول أي وردت لفظة النهار قبل لفظة الليل في 7 مواضع في حين ورد اسم الليل قبل النهار 37 مرة وهذا الفارق الكبير لم يأت جزافاً، لا ليس من باب المصادفة، ولا هو من وضع البشر، فكلام الله سبحانه وتعالى محسوب بدقة وتقدير وحكمة .

من المعروف ان الخيال الانساني عادة ما ينشط ليلاً ولكن هذا النشاط لا يتوقف على الخيال وحده فمعه تتصاعد حمى المخاوف والشكوك والاوهام .

تُرى لماذا يحدث ذلك كله ؟!

عن هذا الاستفسار يقول علماء النفس : ان حواس الانسان وخاصة السمع والبصر تعمل طيلة النهار على إرباك الذهن وإشغال الفكر وحث المخ على إصدار أوامر متتابعة من شأنها تلقي الصور والاصوات المختلفة وبما ان الطبيعة العملية لأجواء الليل توفر للذهن والفكر والمخ الراحة المطلوبة فان الفرصة تكون سانحة لانشغالات جديدة هي ما يطلق عليها بتحليقات الخيال وانطلاقاته الى عوامل رحبة واسعة من غير قيود ولا عقبات .

ويجب ان نلاحظ هنا بشيء من الاهمية ان (حركة) النهار تصرف المرء عن نفسه الى الآخرين، حيث يعمل ويفكر ويناقش ويتحاور ... إلخ وان (سكون) الليل يصرفه عن الآخرين الى ذاته ولهذا يتأمل (وحدته) أو مصيره أو حاله فيفكر مثلاً بمستقبله (هو) وبالمرض والموت والحب والزواج وشؤون الحياة المختلفة ولكن بنوع من الفردية غالباً ما تثير قلقه وهواجسه .

وعلى العموم فالهواجس الليلية وما يصاحبها من مخاوف تكاد تكون صفة مشتركة بين الناس، واذا استيثنا القلة القليلة من اولئك الاشخاص الذين يعانون اصلاً من مرض نفسي اسمه (الخوف من الليل) أو من الظلام بصورة طبيعية أو تحت تأثير حالة مكتسبة كالتعرض لحادث معين فإن الناس الآخرين جميعهم عرضة للهواجس ولكن بنسب متفاوتة، فهي تزداد عند الشخصيات القلقة او في الظروف غير الطبيعية .

ويؤكد علماء النفس ان لا فرق في ذلك اي في المعاناة من الهواجس والمخاوف بين مستويات الناس الثقافية والمعاشية وان كان للبيئة والتربية دور مؤثر فابن القرية اكثر تماسكاً من ابن المدينة في مواجهة (ماديات) الليل ومخاوفه على الرغم من انه مثلاً أشد إيمانا وإقتناعا بالاشباح والجن والشياطين، ولكن نمط المعيشة والسلوك الاجتماعي للقرية يبني الفرد بناء خاصاً يجعله في موقف القوي لمواجهة متاعب الحياة العامة في الليل والنهار، فهو صبور وشجاع ويتميز بطاقة إحتمال عالية .

وإذا كانت الهواجس الليلية صفة انسانية مشتركة بغض النظر عن التفاوت والمستويات بين الناس فانها والحالة هذه تضع الرجال والنساء على قدم المساواة، إلا أن علماء النفس يزعمون انها تشتد عند النساء بحكم تكوين المرأة الطبيعي وحاجتها الى الحماية والأمن أكثر من الرجل .

ومن طرائف الليل انه وطيد الصلة بالأدباء فان معظم اولئك الادباء ينجزون اعمالهم ومغامراتهم الابداعية في الليل وهم يعزون ذلك بأن الليل يمنح الذهن الصفاء الكافي ويعطيهم الفرصة للتحليق بالخيال ومحاورة الذات واستلهام الصور وو ...... إلخ

ويبدو ان الشارع الشعبي قد أستوحى نوعاً من الصورة التراثية لفهم الحالة الشعرية فراح يطلق على كل مكان جميل هاديء يقل فيه النور وتخيم عليه سحنة قريبة من سحنة الليل المقمر اسم – جو شاعري – ومن الثابت ان الليل في الشعر الانساني عامة وفي الشعر العربي والتركماني خاصة يشكل وحده موضوعاً غاية في الاستفاضة والطرافة، والأمر نفسه ينسحب على ساحة الغناء فما زالت موالات (يا ليل يا عين) تحتل صدارة التراث الغنائي، وما زال الليل مصدر الأرق والشجن والعتاب واللوم والمناجاة والعذاب .

تطلعات في الأفق البعيد

كثيرة هي الأحلام وكثيرة هي التطلعات، لكن قد لا نراها أو قد لا نطالها وقد تتحقق أو لا تتحقق عندما نلمحها في الأفق أما تلوحّ قادمةٍ أو مُفارقةٍ، كون ليس كل ما في هذه الحياة عندما نتمناه ننالهُ وعندما نبحث عنهُ نجدهُ وعندما نلمحهُ نراهُ. هي تبقى أحلام وتمنيات نسبية تعتمد على مدىّ سعيّ الإنسان إليها سعيًا جهيدًا بدون عقبات، مع أنهُ لا ننسىّ بأن هنالك البعض من التطلعات تغرب بسبب آخرين كانوا السبب في قتلها، ولم يبقى منها سوىّ رماد الذكرى أو البكاء على الأطلال منها!

الزمن لا يترك حال على حال، زمنًا في وقت ما خطف الأحبة ولم يترك غير قلب شجون وذكرى تهتف من أجلهم! نعم تلك الذكرى التي تسكننْا والتي نتطلع إليها ونأمل منها الكثير، والتي بقدر ما كانت جميلة بذات القدر هي مؤلمة وقاسية، كون من كان فيها لم يعد لهم وجود، لم يعدّ لهم حضور، لم يعدّ لخطواتهم صوت مسموع. ذلك الوجود الذي كان عندما نغمض العين عليه في حاضرنا، نتذكر أحلى أيام وأجمل أشياء وأعذب أحاديث وأروع ابتسامات وأصدق أوقات ... كنْا نظن أنهم باقين ولكن تطلعاتنا وتوقعاتنا وآمالنا كانت خاطئة ولم يبقى منهم سوى الوحشة وألم ذكريات تدق ناقوسها ما بين أنين وحنين وما بين دمعة وابتسامة وما بين همسة وضحكة! ذكريات تبقى ترنّ في الأعماق وتستمر في الحياة ويكون لها حضورها الدائم رغم كل شيءٍ.  

نتطلع ونمدّ بنظرنا للبعيد فيتملكنا السكون ويأخذنا الصدى الساكن في داخلنا لشخص أو لشيءٍ كنا نتمنى أن يكون في واقعنا لكن لا يكون، فنبدأ نحلم ونتتطلع ونلمْلمّ النفس من البعثرة القادمة من الحزن والألم ومن أشد لحظات الحاجة إلى من مروا على البال، ونحاول أن نعيش الحياة قدر المستطاع ونسايرها بكل ما فيها، لكن ليس بوسعنا وليس بمقدرنا الانفكاك عنها! أنها تكون بين جدران جسدنا باقية لا تأبه المسير والانفكاك. ربما نحن من يكون السبب ولا نطلقها لكي تذهب أدراجها بل نكبلها ونقيدها ونسكنها فينا، علْ البعض منها يُعطي الأمل والآمال للقادم المُنتظر بكل لهفةٍ، ولكن بدون جدوىّ تأتي سنين وتذهب أخرى وما بين القدوم والرحيل لا تحمل شيءٍ فيها، مثلما تحل فارغة هكذا ترحل فارغة! والذكرى هي من تقتات على النفس وتحفر لها فيها مكان تبقى!    

تبقى الحياة تأتينا بمختلف مواسمها، والماضي يأخذ ما يريد ويمضي ويترك في الداخل ما يصعب الخلاص منهُ! ونحن لا نملك أن نغيرهُ لكن لنا لحظتنا في حاضرنا، فلما نؤلم نفسنا ونتحسر على شيءٍ ليس بيدنا أن نغيرهُ ... لا أعلم ؟! ومن يبصر لكل ما يحصل في الحياة يجدها أقصر مما يتصور! فلما يعيشها البعض في ضياع ولما يضيعها من خلال العيش في الانغلاق والانطواء على النفس وحبسها ضمن حدودها الضيقة؟!

وأقول: إن ضاقت لا تحزن ولا تفكر كثيرًا بدون جدوى بلْ وجه نظرك للسماء حيث السحاب السابح في الفضاء الواسع ولا تنظر للتراب موضع قدميك ومدى محدوديته، أحلم وجددّ الأحلام وأجعلها بإرادتك القوية وبعزيمتك تكون في واقعك، فلا مستحيل قادر على الصمود مُطولاً، أنها قوة ثباتك على الشيء والوصول إليهِ والوقوف عليه على الرغم من كل ما يمكنهُ أن يصادفك في حياتك. وأقول كذلك: استمع إلى نفسك أكثر مما تستمع لمْا حولك ولغيرك وأجعل نفسك جوهرة تبرق لتبهّر عين الناظر، فالحياة لحظة يشرق نورها في آخر النفق، فأمشي إليها حتى وإن صادفتك بعض الأشواك في الطريق، المهم أن تحاول وتصل لاحقا وتعيش لتستمر.

 

سهى بطرس قوجا

 

كل ما يهمني هو أن تتكلم

saleh altaeiليس بدعا في طباع البشر أن يتكلموا. فبالكلام عاش الإنسان تاريخيا. والكلام نعمة من الله أسبغها وأنعمها على الإنسان؛ هذا الكائن الفريد، لتتكامل به إنسانيته، ويتجوهر به تفرده عن باقي الكائنات الأخرى. ولكننا استعملنا الكلام مثل كل نعم الله الأخرى، سعيا وراء الشر كما استعملناه في طلب الخير.. فهدمنا به بيوتا وقلاعا ومدنا ، كما بنيناها به من قبل .. وأعلنا فيه حروبنا ، كما أعلنا به سلمنا. وأسسنا لفرقتنا واختلافنا كما أسسنا به من قبل لوحدتنا وألفتنا. ودمرنا به حضارتنا وعلومنا كما بنيناها به من قبل.

بالكلام توحدت الأمم وتفرقت ، ونهضت الحضارات وسقطت، وتطورت البشرية وتأخرت. والكلام كائن حي حساس مرهف الشعور يؤثر في بيئته ويتأثر بها، يفرح حين تفرح، ويحزن حين تحزن، ويمرض حين تمرض، ويتعافى حين تتعافى، ويفتقر حين تفتقر، ويغنى حينما يصيبها الغنى. لا في عراقنا وحده ولا عند إخوتنا العرب أو المسلمين فحسب، بل في كل أصقاع الدنيا تجد ثمة علاقة متينة بين الكلام وهيئه المجتمع، وهو ما أكده العالم الفرنسي "دروغايم"، في قوله: "إن أفكار الإنسان ليست حصيلة نشاطاته العقلية الخاصة به فقط، ولكنها حصيلة البيئة الاجتماعية التي هو جزء منها أيضا(1) وتجد ذلك جليا في زمن بطر حضارتنا بعد أن وفدت إلينا خلاصة حضارات العالم ومحتويات خزائن الأباطرة وخيرات الشعوب التي دخلتها جحافل جيوشنا الظافرة، وجميلات نسائهم، حيث تحول كلام الشاعر علي بن الجهم من الاشتباك بين التيس المقارع للخطوب والكلب الوفي إلى سحر جمال عيون المها ومنظر جسر بغداد الآسر. وفي زمن البطر هذا انقسم أهلنا الطيبون في كلامهم ببعض ما يخص الكلام؛ إلى فرق متباينة كل منها تسعى للظفر بحل لغز من الغاز البطر التي استجدت في حياتهم مع ما استجد كموضوعة (خلق الأعمال) التي انقسمنا فيها إلى ثلاث فرق لكل منها رأي كلامي لا يشبه ما لدى غيرها، فقالت الأولى: إنها صادرة عن المخلوق ولا علاقة للخالق بها، وهم المعتزلة. وقالت الثانية: إنها صادرة عن الخالق، وما العبد إلا أداة مسخرة لقدرة الخالق ومشيئته، ولا علاقة للمخلوق بها، وهم الأشاعرة. وقالت الثالثة: لا هذا، ولا ذاك، ولا جبر ولا تفويض، بل هو أمر بين أمرين، وهم الشيعة.

ولو صمتت هذه الفرق ولم تُدلِ برأيها ما كانت الموضوعة قد وصلت إلى أسماع الناس، وشخصت بين نواظرهم، وبالتالي ما كانوا سيعرفون حقيقة وجهها الأمثل. ولكان اللغط حولها قد اشتد أكثر واثر أكثر. فالصمت قد يثير لغطا وتباينا في الرأي والرؤى بعيدا كل البعد عن جوهر الموضوع واشد أثرا وتأثيرا مما يثيره الكلام . ولذلك دعا المفكرون قومهم إلى عدم السكوت. وأمروهم بالتكلم حتى ولو كان في كلامهم تضاد مع مصلحة القوم العامة، لأن الكلام هو ما يعرض الأفكار أمام أنظار الناس، ويعطيها فرصة التلاقح، والتبلور، والتأثير.

وقد أدركت الأقوام التي تسعى إلى تأسيس ذاتها أن الكلام واحد من الآليات المهمة في السيرورة والبناء. وقد قال الصهيوني (تيودور هرتزل): "كل ما يهمني هو أن تتكلم، حتى لو تكلمت ضد الصهيونية .. لكن لا تصمت إزاء الموضوع .. الحديث عن الشيء ولو بتفاهة، يعرضه على أنظار الناس."(2)

إن حرص الأقوام والأمم على عرض القضايا أمام الأنظار يراد منه تأسيس القواعد والركائز لفهمها ومعرفة أهميتها، وهو رأي سليم جدا، لأن تجارب الحياة أثبتت انه بإمكانك أن تستوعب وتفهم محتويات كتاب مختص في علم العروض مثلا بطريقة أسرع فيما لو كانت لديك فكرة مسبقة عن العروض، أي إذا كانت في عقلك مجموعة أفكار عن علم العروض. وتأسيسا عليه أقول: إن كلامنا في شان معين، مثلا في موضوعة التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي باستمرار ـ رغم كثرة الكلام في هذا الشأن ـ سيرسخ في ذهن المتلقي مجموعة أفكار قد تتيح لصاحبها أن يقتنع بالكلام الجديد الذي سيقال في المستقبل. بما يدفعه إلى البحث عن كلام جديد أو ربما المشاركة بالكلام الدائر، وإبداء الرأي، وطرح المقترحات والحلول؛ التي قد يكون بعضها على مستوى عال من الأهمية والرجاحة، بما يسهم في حل مشاكل عويصة عجزنا عن التوصل لحلها بالطرق النمطية الموروثة.

وقد أحسن "جون لوك" التخمين عندما حاول أن يبرهن على أن جميع معلوماتنا هي نتيجة خبراتنا المبكرة وتأملاتنا التي بدونها تنعدم الأفكار(3) فقط يجب أن لا نتهيب من التكلم، ولا نتخوف من أن يكون كلامنا تافها سطحيا بسيطا غير مؤثر أو غير مقبول، لأنه حتى لو كان كذلك، فانه سيكون محاولة لرفع موضوع ما قد يكون كثير الأهمية إلى مستوى نظر الآخرين، مما يسمح لهم برؤيته وهنا يجب أن لا ننسى أن جميع الأعمال الفكرية العظيمة تبدو بسيطة وبديهية حالما تطرح، كما يرى الباحث "ألان وود"(4)

إن لكل جديد الق يبهر الناس، ويثير حفيظتهم. ولأن الجديد غير مألوف عادة، وثمة من لم يعتد عليه، فهو غالبا ما يقابل بالرفض والانتقاد والاستهجان والاعتراض ولكنه بعد أن يؤسس لنفسه موقعا ثابتا من خلال التكرار، تتغير آراء الناس حوله، مثال ذلك أنه عندما ادخل العالم "ليستر" طرق التعقيم في الجراحة قوبل عمله بسخرية لاذعة حتى من زملائه في المهنة، ثم أصبح فيما بعد مقبولاً من جميع الذين يتعاملون مع الجروح (5) لذا يجب أن لا نتخوف ولا نيأس من ردود أصحاب الذوق السيئ ذوي الاستجابات الفجّة إذا ما اعترضوا على مشاريعنا الثقافية الداعية إلى التغيير نحو الأصح والأحسن وحتى على أقوالنا المجردة. فهذا الاعتراض لا يعني بالضرورة وجود خلل في هذه المشاريع، أو عدم واقعيتها بقدر ما يدلل على وجود نوايا شريرة مسبقة لدى بعض من يتفيد من ديمومة حالة الخطأ التي نعيشها منذ ما يزيد على العشر سنين. وهو ما أكده الناقد "رتشاردز" في تلميحه إلى: أن الذوق السيئ والاستجابات الفجّة ليست مجرد عيوب ثانوية في الشخصية، وإنما هي في الحقيقة شر أصيل، تنتج عنه نقائص أخرى في الشخصية (6) أو كما يقول الأستاذ البلداوي: "إن الذين يقاومون أي تغيير في نظام حياتهم مهما كان لمجرد أن التغيير الجديد لم يألفوه هم معقدون. وكلما كانت مقاومتهم شديدة كان التعقيد المبتلون به شديدا أيضا"(7).

ومن المجدي القول: إن مجموعة ذكرياتنا تراكمية، وهي قابلة للاسترجاع بسهولة، والخبرات السابقة أيضا يمكن استدعاؤها دائما عند الرغبة في ذلك، وهي مع كل مرة تسترجع تثير فينا نفس الإحساس الذي أصابنا لحظة حدوثها الأول. ونحن لا يمكن أن نتجاوز انعكاساتها إلا إذا أسسنا لثقافة جديدة وذكريات جديدة، تحمل قناعات جديدة، تتراكم فوقها، وتعيق استرجاعها بسهولة.

ويقينا أن التأسيس الجديد سيجاهد باستماتة وشجاعة لكي يجد له موقعا في فكرنا الذي عودناه على رفض الحقيقة والتهيب منها، حتى لو كان مصدرها مقبولا لدينا. لقد دعا "كونفشيوس" إلى متابعة الحقيقة، وان لا ننكرها حتى لو كانت صادرة عن شخص لا نرتاح إليه. "لأن الحقيقة جميلة أيا كان مصدرها"(8)

وطبيعي أن الكلام من أهم آليات إدراك الحقائق، ولذا يزداد التعلم طرديا مع ازدياد الكلام المجدي، إذ يرى "ميلر ودولارد" أن هناك ثلاثة عناصر للتعلم هي الباعث، المحرض، الاستجابة (9)

وفي دراسته متغيرات الموقف لاحظ "ودولارد" أن الباعث إذا كان ضعيفا كانت الاستجابة ضعيفة هي الأخرى، وان هنالك باعثاً متداخلا سببه السلوك التنافسي، وهناك باعث الاشتراك، وباعث التكرار، حيث أن التكرار المحرّض بشكل منتظم يساعد على إبراز السلوك الحشدي (10)

ومن هنا أقول: إن الاستمرار بإعلان الحقيقة والجهر بها وتكرار ذلك ثم تكرار الأقوال التي سبق وان قيلت في مناسبات أخرى قد يكون أهم البواعث على إبراز الحقيقة أمام أنظار الناس مما يسهم في حشد إدراكهم لمغزاها وغاياتها، إذ يرى عالم النفس "بافلوف": أن الإنسان بالطبع نظام، وككل نظام آخر في الطبيعة، يكون محكوما بالقوانين الطبيعية المشتركة بين كل ظواهر الطبيعة، ولكن هذا النظام وحيد بين كل الأنظمة التي عرفها في قدرته الهائلة على التنظيم الذاتي والانطباع الأساسي. والأمر الأهم والأكثر ديمومة الذي نحصل عليه من دراسة الفاعلية العصبية العليا بطرائقها، هو المرونة الفائقة لهذه الفاعلية، وقدراتها الكامنة الواسعة، فليس ثمة شيء ثابت غير فعال أو غير ممكن، بل إن كل شيء يمكن انجازه وتغييره إلى ما هو أحسن، شريطة خلق الظروف المناسبة (11)

لذا نحاول من خلال هذه الدراسة أن نخلق ظرفا مناسبا يساعد ويسهم في إذكاء حب الحقيقة بين صفوف شعبنا عسى أن تسهم معرفتنا للحقيقة في إحداث التغيير المطلوب، وهو شيء يمكن انجازه أذا خلصت النوايا.

إن جل ما نحتاج إليه هو إدراك القيمة العليا لهذه الخصلة العظيمة في طباعنا نحن العراقيين، وبعدها كل خطب سيهون، حتى ولو كان هذا الخطب منظومة خلافية معقدة، توارثتها الأجيال مع مواريثها الأخرى منذ فجر تاريخنا، ولا زالت عالقة في أجوائها. وهذه دعوة لأن نتكلم بصراحة مع بعضنا، وليرفض من لا يريد السماع، فلابد أن نجد من يرغب بالاستماع إلينا.

 

.......................

الهوامش

(1) سارجنت و.اي؛ علم نفسك علم النفس، ترجمة باحثة الجومور، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، (د . ت)، ج1 ص 44

(2) أيار، د. فريد؛ دراسات في الإعلام والحرب النفسية، دار الرشيد، وزارة الثقافة والفنون،1979، ص 5

(3) سارجنت ، د. و .اي، مصدر سابق، ص 26

(4) البلداوي، عباس مهدي؛ العقدة النفسية والشعور بالنقص، مطبعة الزهراء، بغداد، 1978 ص14

(5) المصدر نفسه، البلداوي

(6) المصدر نفسه، ص7

(7) المصدر نفسه، ص14

(8) المصدر نفسه، ص4

(9) العطية، د. فوزية؛ المدخل إلى دراسة علم النفس الاجتماعي، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بغداد، 1992، ص121

(10) المصدر نفسه، العطية، ص122

(11) عاقل، د. فاخر؛ اعرف نفسك دراسة سيكولوجية، دار العلم للملايين، ط4، 1977

 

 

الدماغ العالمي!!

أصبح بشر اليوم يتمتع بدماغ عالمي بفضل شبكات الإتصال السريعة، وشركات المعلومات المعاصرة، وعلى رأسها (غوغل)، التي جعلت البشرية في أصقاع الدنيا على مقربة من ذخائر المعلومات والثقافات والأفكار.

فإنسكلوبيديا المعارف والعلوم صارت في تلافيف الأدمغة البشرية، وهذا ينذر بأجيال جديدة تختلف عن جميع الأجيال التي سبقتها .

فأينما تذهب تجد العالم متصاغرا ومركّزا في جهاز تضعه في جيبك، ومن خلاله يمكنك أن تسوح في متاحف الدنيا، وأرشيفاتها المعلوماتية ومكتباتها الثرية، وتشاهد الحياة في كل مكان، وأنى شئت، لأن كاميرات التصوير تنقل الصور الحية ، بل إستطاعت أن تجعلك ترى بيتك وما حوله وأنت بعيد عنه آلاف الأميال.

وفي هذا الخضم المعرفي الفياض تجد مجتمعات عديدة تحاول أن تنكر الحقيقة، وتمعن في الإندساس في جحور الظلماء، وكأنها لا تريد أن تقر بعالمية الدماغ البشري، وتسعى لإعمائه وتقنينه ووضعه في علب مغلقة، فتحرمه من إرادة التمتع بالحياة، لتغريه بأن الموت خير له منها، وفيه تكون الحياة.

والمجتمعات المتأخرة عموما، ترزخ تحت وطأة التوجهات المنحرفة المناهضة لإرادة وطبيعة العصر، فتجدها منهمكة في إثارة التفاعلات السلبية، وتمزيق وجودها، والتطلع نحو التصارع والفناء.

وفي جوهر ما تقوم به، أنها كمَن يحاول أن يمنع أشعة الشمس المعرفية بغربال الجهل والضلال، ذلك أن طاقات تدفق الأنوار أقوى من أي مانع وجدار، وقدرة على التمترس داخل أصلد الصناديق والأتراس.

ولهذا فأن عليها أن تقرّ بضرورة الإذعان لأنوار المعرفة، وتحرير رؤوسها من آليات الممانعة والإندحار، والسعي للتبرير والغش والإختفاء والخداع.

فلا عاصم من طوفان المعارف والعلوم!!

 

د-صادق السامرائي

القراءة كإيمان وسلوك طفيلي

أغراني المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في مقالة له حول التكفيك، وبغير قصد منه، لقراءة وإعادة قراءة دريدا ودولوز ومن لفّ لفهما من وجوه ما بعد الحداثة، وكما هو ديدني رضيت بما يشبه الفهم وبما يشبه القراءة طالما أن كل قراءة هي دائما "سوء قراءة". أغراني نقد المسيري للتفكيك بقدر ما فيه من فتنة. أحببت دريدا وتفكيكه لأن فيه ما يشبهني، وربما لأنني هامشي أمقت المتن وأميل بالمثل إلى كل ما هو هامشي، وربما لأنه يكتب، كأي "لا عقلاني" منحدر من نيتشة وهايدغر، مثلما ترقص راقصة باليه.

أيا تكن دواعي الغواية، الأكيد أن غواية النص كفكر يمتهن نحت الماء جاعلا إياه أداة للمقاومة ضد كل خطابات الهيمنة، تعود أولا إلى طاقته التدميرية، طاقة الهدم الكامنة في كل مفاصله. غير أن للغواية أيضا أسبابها الأخرى، خاصية العبث سبب لا يقل أهمية في الخطاب التقويضي.. مع دريدا خاصة، يؤدي العبث إلى ذوبان الفواصل بين القراءة والكتابة، بين النص وتفسيره، بل إن للقراءة مصيرا حتميا من التورط في المقروء، النقد لايمارس الهدم وإنما يقتات، يصبح طفيليا، هناك ما يشبه القصد "الهوسرلي" كشرط للفهم، كأن النص قبل ايمان مستغلق عصي على الفهم وبالتالي النقد، كما لو كان الأخير مشروطا بالإيمان، بحيث تتقدم المقولة الإيمانية "آمن قبل أن تفهم" على حساب الفهم الذي يسبق الإيمان.

الطفيلية والتورط تجعلان القارئ منتميا لنصه، مؤمنا به إيمانا لحظيا، النص سلسلة من الاقتباسات، والإيمان سلسة من الجحود، بهذا المعنى تبدو القراءة مثل متعة عذرية، فهم الخطاب مشروط بانتماء وقصد ايماني يتجاوز الفرض التعسفي نحو نمط معايشة، بحيث يبدو التفسير ماهية مؤنثة، والقراءة فخ، والنص دعوة.

فخ القراءة يعني شكلا من الإيمان المتحول القلق، في قفزات راقصة يأخذ شكلا نقيضا ماثلا في تعددية وثنية، ليس هنالك من تراكم وإنما قفزات، تحولات مضحكة بين النصوص والأيديولوجيات والخطابات، الطفيلي إذن رحالة بين النصوص، "فينيق" روائي يموت في حكاية لينبعث في أخرى: سيبدو المتلقي ماركسيا حين يقرأ ماركس، مسيحيا حين يقرأ المسيح، تفكيكيا حين يقرأ دريدا..

من هنا جمالية السمة الطفيلية للقراءة، إنني أفهمها دون أن أكون وفيا بشكل كامل لدريدا وتفكيكه، على أنها تحطيم لكل ما هو مؤكد في الذات المتلقية والمتكئة على النصوص، الذات المؤكدة والمتماسكة تتحول إلى ذات سعيدة بهشاشتها، ذات هي محض احتمال، هي فراغ وتقبل أنثوي منتهك بصراع مضني للنصوص والأفكار، إنه يتشكل منها لكن هذه التشكلات سريعة العطب والتبخر، ستتسم جماليات التقلي في هذه اللحظة بعشق من النوع السادومازوشي، النص ذكر يمارس ساديته المحببة لضحيته المريضة، مرض أنثوي لذيذ بالنص وتحولاته وتناقضاته وتوتراته.

سأمد التفكيك إلى أقصى مدى، سأقول مغامرا أننا بحاجة إلى الإيمان ولكن بعد التشبع بالتفكيك "الفريضة الغائبة"، سأتابع خيانتي لدريدا بما يداعب مشاعر المفكر عبد الوهاب المسيري المعروف بموسوعته اليهودية، لأقول أن التفكيك بحاجة إلى الإيمان كمخلص، ذلك لأن التفكيك سيرورة نفي، تقويض لثوابت آخذة في تقلصها، وصولا للحظة العدم، حيث يدمر التفكيك ذاته إن لم يتوقف مستدركا بنوع من التعسف الإيماني.

ترتكز المآخذة إذن، والتي هي الحل في الآن نفسه، على حقيقة مفادها أن التقويض اللامتناهي للإيمان ولكل مدلول متجاوز، لكل ميتافيزيقا، سيؤدي لا محالة إلى عدمية معلقة في فضاء جنوني ذاتي مغلق، بحيث لا يؤدي ذلك إلى سوء فهم وحسب وإنما إلى انعدام كل إمكانية للفهم والتواصل، نهاية الفكر الغربي المركزي لم تبدأ على يد دريدا، وإنما من لحظة التدمير لآخر ميتافيزيقا، مرورا بارساء عقلانية مناهضة للماورائيات، إن مآل الحداثة هو العدم، كأن مآل النقد المزيد من التآكل، مصير التهام الذات بممارسة التفكيك على التفكيك ذاته، ولكن للحؤولة دون ذلك، على التفكيك أن يتحول إلى مطلق آخر، إلى مدلول متجاوز، إلى إيمان، وهكذا يبدأ النقد بتفكيك الإيمان ليصبح هو ذاته إيمانا، لكنه إيمان الآخر المختبئ والمحتجب خلف حجب اللاهوت الثبوتي والمطلق والعقلاني، ولنقل بعبارة منحوتة: إنه الإيمان الشكوكي!

وهنا سؤال مقلق: أليست هذه مفارقة تجعل التفكيك خائنا لذاته؟ ليكن، فهذا الإيمان المتعسف والخلاصي المنقذ سيفتح إمكانية لتموضعات إيمانية منزلقة ومنزاحة باستمرار، هذا الانزياح العزيز على قلب دريدا سيتيح معانقة فريدة، مصالحة بين اللاإنتماء والإنتماء، اللاأدرية واليقين، العدم والوجود.. في التفكيك المنتهي بإيمان كما في القراءة كسلوك ونشاط طفيلي سيولد أفلاطون سفسطائي، فيلسوف دون نسق أو مبدأ أو مركز، فيلسوف دون فلسفة.

تدشن هذه القراءة غوايات وافتتانات وأفخاخ لا تنتهي، كسلسلة مستحيلة من الإحالات: كل نص يحيل إلى غيره حتى ما لا نهاية، ليس للقراءة مرسى إلا العبث، العبث ربما هو المبدأ المتعالي، هو خطيئتنا الأولى والأخيرة، هي نقصنا الفطري الذي يجعلنا في نهم دائم لكمال مستحيل، نحن نؤمن لحظيا، ودائما ما نقرأ على نحو سيء، القراءة دائما فعل ناقص، تحضرني هنا نصيحة لكاتبة مبدعة تحثنا على نبذ الكتابة الكاملة بوصفها معادلا أدبيا للطغيان، الكتابة المبدعة هي دائما كتابة مجنونة تنهل من الفوضى والنقص وحتى الرداءة، كذلك هي القراءة، وكذلك هو القارئ الذي هو دائما قيد التشكل، يتغذى طفيليا على اقتباسات تؤثث وعيه وحصيلته الثقافية، وعلى هذا النحو أيضا، ستبدو القراءة الكاملة، القراءة النرجسية التي تدعي فهما كاملا ونهائيا وايمانا مستقرا، ستبدو كنقبض لقراءة لعوبة راقصة ومعادية للصرامة، قراءة وتلقيات منغمسة في ملذات الكائن الطفيلي الملوث بأخطائه وتراجعاته والمتعطش في الآن نفسه لذلك اليقين البعيد.

الإنسان بين نقاء السبعينات وعصر النشازات

akeel alabodليس القتل امرا مستغربا في دساتير الجناة.. فالمخطط هو إبادة الأرض والنسل والنبات، وما يجري تأكيد لمقولة يشرف على جبروتها الشيطان، ولهذا تستهدف خرائط الأوطان، اما الانسان فحقيقة على اصدائها ترفع عروش السلاطين والطغاة.

لكي يكون حديثي متسقا مع أخي الذي يعيش في بقعة من الأرض فارقتها منذ زمان، استحضرت مفهوما اسمه "الذائقة" وتلك فكرة راودتني قبل ايام مواساة، لعلها تساعدني أن أستأنف رحيق مقالة تم الإعتداء عليها عندما فجأة إغتصبها السلطان، ليرمي بها نحو الحاوية، وهنا مادة لمقدمتين.

اما التعريف اللفظي لهذه "الذائقة"،فهو ما يتم استبطانه في نفس الإنسان، كالحب والكراهية والإحساس بالجمال والقبح والغبطة اوالإرتياح والحزن والفرح، وكل ما ينتاب هذا الكائن الفذ من مشاعر، بما تتضمنه رابطة الأخوة والأبوة والبنوة والصداقة والتلمذة والثقافة والمنطق والاحسان، بل حتى مع درجات الانتماء الى العناوين، وتلك مفارقة بين مسافتين يدخل في مقاديرها لائحتين من الزمن:

الأولى تمتد من نهاية السبعينات الى ما قبلها، والثانية تمتد من الوقت الحاضر الى بداية الثمانينات،أما المكان فبغداد التي اسمها كان يعني العراق.

أنذاك كانت الأشياء تزهو بمفرداتها، تتساوق وفقا لخطوط توافقاتها الطولية والعرضية، الأصدقاء، الأهل، الأحبة، الجيران، المدرسة، المقهى، بائع الصحف، موضوعات تتآلف مع بعضها وفقا لرابطة اسمها الأمل والعشق والجمال، وتلك قضية تجمع بين الوان مكوناتها انغام الموسيقى والمطر والعصافير، ما يجعلها تتفق مع رائحة السماء والأرض والشجر. أنذاك كنا نتسابق لإستضافة من يحتاج العون، نقف معه في محنته، في عوزه، في فرحته، نحترق لإجل سعادة من نحبه. الأخ كان أخا والصديق كان صديقا، والعاشق كان عاشقا، والتلميذ كان تلميذا، والمعلم كان معلما، والمخلص كان مخلصا، والسياسي كان سياسيا، والمثقف كان مثقفا . "الإنسان أثمن رأس مال" هكذا تعلمنا كما في القران، لذلك وبعكسه انزوى الشيطان صوب زواية بعيدة.. فشرطي الأمن كان منبوذا بحسب حسابات ابناء المدينة، والساقط هو من يشي بأبناء جلدته اوحزبه اورفاقه، لهذا لم نكن نعرف في السابق غير مفردات ذلك المنهج الذي توارثناه من آباءنا، ليصبح دستورنا أوشريعتنا المقدسة.

المقدمة الثانية، اليوم تم الإعتداء على "فقه هوية الإنسان " بعدما نمت وترعرعت اعاصير الحرب والسياسات على حساب احاسيس هذا الكائن الرقيق، لتستبدلها بعد تفكيكها واحاطتها بإرادات شيطانية ماكرة،تتماشى مع عصر الموت والسلاح،لهذا وكما نرى، لقد تغيرت معادلات الأشياء حتى استنفذت بذرة الخير ما بحوزتها من عطاء، لعلها تنمو بعيدا.

والنتيجة بناءا على مكونات المعادلة المرعبة، سؤال مفاده هل ان آلة القتل والإبادة تستهدف هذا الجسد الذي نسميه الإنسان أم مقولته الحية اي حقيقته الإنسانية؟

ما الذي تقدّمه الرسوم المتحركة (الكرتون) للأطفال؟

hamoda ismaeliجميل هو عالم الأطفال، بريء، نقي، سامي، وممتع. فإذا كنت تثق بهذا الكلام فيا لبرائتك أنت كذلك إن ذلك لا ينطبق على الأطفال، لماذا ؟ كتفسير سريع كي لا يأخذنا بعيدا عن الموضوع، هو أن الأطفال إذا لم يكونوا نسخة مصغرة عن والديهم، فهم منتوج ثقافي للحي : فيمكن أن تحكم عن البيت أو الحي من خلال الأطفال، الأماكن الفوضوية يكثر فيها صراخهم ولعبهم العشوائي كتفكير والديهم !

إن الجملة الأولى بالموضوع تنطبق على الرسوم المتحركة، الأطفال في الرسوم المتحركة يبدون كذلك، بريئين ولطيفين ويحبون الخير والمساعدة، والأهم من ذلك أنهم لا يتفوهون بكلمات بذيئة (خاصة في الترجمات العربية التي تجعل أصوات الأبطال تبدو خنثوية أكثر منها بريئة). إن السيء في الأمر، هو حينما يبني الطفل ثقافته عن العالم من خلال الرسوم المتحركة، ما يعني أن العالم الذي يشاهده في التلفاز: عالم وردي وجميل ومريح، حتى الأشرار فيه لطفاء وأغبياء لدرجة غير معقولة، لكن العالم الواقعي يختلف عن تصوراته الكرتونية، فهناك شخص كبير وعاقل قد يستغله جنسيا، وهو الأمر الذي لم يسمع به الطفل أو يعرف كيف يتعامل مع الموقف إذا حدث (هذا إذا استطاع أن يميز ما يحدث): طالما أن في الرسوم المتحركة التي تشبه العالم ـ أو العالم بالنسبة له ـ لا يحدث فيها ذلك.

بالنسبة للجميع من الجيل الحالي، أو السابق أو حتى السابق عنه، تربوا على صور الرسوم المتحركة، حتى تداخلت العوالم الكرتونية بعالمهم الواقعي في صغرهم (وأعرف من كبروا ولايزال يتداخل لهم الكرتون بواقعهم !). لهذا، وطالما أن الإنتاج الكرتوني يحافظ على نهجه برسم عالم يوتوبي مثالي للأطفال (لا يقوم فيه الأشرار بأكثر من سرقة البوظة أو لوح التزلج..) يجب إفهام الأطفال، أن الواقع يختلف عن الكرتون، ففي العالم الواقعي هناك البيدوفيلي واللص، بل هناك من الأطفال المستعدين للاعتداء على زملائهم وسرقة أغراضهم واستغلالهم مالياً، وتحريضهم على القيام بأمور سيئة، وهناك من الكبار من يكرهون الأطفال ولا يتحدثون سوى بالعنف وهناك المستعدون لخداعهم عند تعاملهم (فليس بائع الكرتون كالبائع هنا !). والأهم من ذلك إفهام الطفل أن شخصيات الكرتون أكثر ذكاء من الناس الواقعيين، فلا يجب أن يهتم بما يقوله له سكان الحي فبمجملهم أغبياء ! فالطفل يربط نتيجة التربية المشوّهة ضخامة الفكر (الذكاء) بضخامة الجسد ! .

إن علاقة الكرتون بالعالم الواقعي هي أنه طريقة تعويضية صُنعت لأجل الطفل، حتى لا يكره العالم منذ صغره، على الأقل حتى يتجاوز سن مراهقته !

ليس للرسوم المتحركة من سن، ليس بالضرورة أن تكون طفلا لتشاهدها، الإشكال هو في أن الطفل يُسقِط تلك الرسوم على الواقع. لقد تنبهت اليابان لهذا الأمر لدى صناعتها للمانغا Manga، وهي رسوم متحركة موجهة للكبار (أكبر نسبيا من الأطفال) وفيها يتم إنتاج مواضيع معقدة تتضمن صراعات تفضح الواقع بما فيه من شرور واستغلال وأحقاد واعتداءات، بذلك يحاول الأبطال فرض عالمهم المثالي ورؤيتهم البريئة في القصة.. وهذا ما يجب أن يتعلمه الأطفال (مع التركيز على فرض المثالية وهي رؤية تشاركية نسبية تساهم في إسعاد الجميع، وليس الرؤى الخاصة السخيفة كداعش والقاعدة وما سواها من جماعات المانغا التي جاءت من العالم الآخر!).

إن ما لا يعيه كثير من الناس (وهي نقطة جد مهمة)، هو أن جزء من رغباتهم وأحلامهم وأمانيهم ومخاوفهم ساهمت فيه تلك الرسوم المتحركة التي شاهدوها وهم أطفال صغار. أيضاً يخرج الطفل من عالم الكرتون ليتلقى صدمات واقعية متتالية كأنه ولد للتو ! هذا إذا لم يتقهقر (وهو الحصر السيكولوجي) ليعود للطفل الذي تركه بالطفولة متشبثا به لسنوات مستقبله المقبله، هذا ما يجعل كثير من الناس من حولنا يشعرونك وكأنهم لم يتجاوزوا سن الرابعة عشر عقلياً ـ أجساد باتمان، عقول السنافر !

يأتي سؤال هنا: قبل الرسوم المتحركة هل كان الأطفال أفضل ؟ ليس بالضرورة لأن القصص الخرافية والحكايات والأساطير الدينية كانت تتكلف بالأمر، بتشكيل مخيّلة وعقلية أسوء مما يقوم بعمله الكرتون. فتلك الخرافات تلتصق بعقله كأنها هبة ربانية ! فهو لم يشاهد أطفالا ملونين بالتلفاز يحكون عن ذلك، بل سمعه من كبار يبدون عقلاء ! والأطفال يصدقون مجمل ما يقوله الكبار. وما يصدقه الناس في صغرهم، يتطلب ثورة وتمردا لنسيانه بالكبر، فذلك يعتبر ـ لاشعورياً ـ تمرداً على الماضي وتكذيباً لمن كانوا يتلقون من الطفل الاحترام والاندهاش والتبجيل. يصبح هنا تكذيب المخاوف والسخافات ذنبا عظيماً !!

سوبرمان صوفي

ربما أمكن للإنسان الأخير، إنسان المستقبل، أن يكون صوفيا. السوبرمان القادم كما يريده الفيلسوف المعروف "ستيس" هو إنسان المفارقة، إنسان الوجد والإشراق والاستنارة الداخلية، هو ذلك النشوان الذي يستدمج في قلبه الحواس الخمس ويستدخل في وحدته الباطنية كل اختلافات الكون. الإنسان الأخير إذن هو الإنسان الأول، هو الشومان المندهش الذي يفتتن أكثر، يتدين ويتأله أكثر، ولأنه انسان الدهشة فإنه الأول بعد انقراض كل سلالة تمزج الوجد اللاعقلاني بترتيبات المنطق والعقل، إنه المتدين الأخير الذي يبدأ عهده بجريمة: يقتل الأب ويتجاوز اللاهوت والمؤسسة.

اللاهوت المنفي هنا هو بداية لعهد طويل من الاغتراب، حالة شعرية تجمدت في مقولة، قبل أن تتثبت في مؤسسة.. كان الدين في انبثاقه البدئي تفجرا من النشوة، نشوة روحية تداهم ذلك الحالم فتحدث شللا في حسه العام، لينتهي متفردا، مثقفا رسوليا، مبشرا بنعيم داخلي، إنها الكاريزما الأصيلة وهي تتعرف إلى نفسها لأول مرة في التاريخ بصفتها أصل لكل كاريزما، كما لو كانت تأسيسا ثانيا أو تدشينا تاليا للعالم، كأنها تستبق كل رواية "كتابية" للتكوين.

ولكن إذا صدقنا ماكس فيبر، فإن مآل الكاريزما هو الرتابة. تبدأ الكاريزما حرة وفريدة من نوعها، تتخذ شكل تجريب منغمس في الذاتية والتفرد والحلم، وتنتهي على أعتاب المؤسسة واللاهوت، تصبح تكرارا، شكل من البلادة والدوغما والسراطية "الأرثوذكسية"، إنها بالأحرى تصبح اعتقادا مقترنا بعنف: لن تتكرس الكاريزما في صورة اعتقادات ثابتة إلا بفعل تعنيف التفرد ذاته بإكراه مضمر من الجماعة، أي في اللحظة التي يتحول فيها التدين من وجدان إلى واقعة اجتماعية، من مسئولية ذاتية للفرد إلى مسئولية الجماعة.

هذا التحول، هذا المآل الكارثي التقويضي لجماليات الافتتان والدهشة الدينية، يكتنفه اللاهوت بصفته تطويعا قسريا، لجموح روحي منفلت، تطويعا محملا بكل تلاوين العنف، فيما يشبه التدجين لكائن بري غير مروض، لسيكولوجيا همجية بدائية بحاجة إلى عقلنة اللاهوت الذي يتخذ شكل شرط حضاري لثقافة حائرة ومعلقة تتمظهر كمرحلة اغترابية لاحقة للتجربة الدينية الذاتية، مرحلة يؤثثها المزج بين عقل تقييدي وروح جامحة، بين التجربة وتأويلها. فإذا كانت العقائد الدينية بكل أطيافها ليست سوى تأويل لتجربة باطنية هي التجربة الدينية، بحيث تبدو الأخيرة هي الأصل، فإن الاغتراب اللاهوتي المهووس بالمزج يحيلهما إلى شيء واحد: الاعتقاد الأبستمولوجي هو نفسه التجربة الروحية، إن التأويل هنا يحتكر النص لصالحه، يجر النار إلى قرصه، يحتكر الحقيقة الدينية، مرسيا بذلك لاهوته الخاص.

أما التيوصوفيا فدائما ما تضعنا في مسرح من المفارقات التي تتخذ وجودا باطنيا وخطابا شعريا، كتب الفيلسوف الصيني لاوتزو: "ثمة شيء يشتمل على كل شيء. ولد قبل السماء والأرض.. صامت ومستوحش يقف وحده ولا يتغير. يدور دونما خطر على نفسه، وهو أم الكون، لا أعرف اسمه، ولهذا أسميه السبيل، وأسميه بتردد: "المطلق".. المطلق هو العابر، والعابر هو التلاشي، والتلاشي هو الانبعاث".

التصوف يعي ذاته كوحدة بين المطلق والنسبي، بين اللانهائي والنهائي، بين الله والعالم، يعي ذاته كمفارقة ولكن أيضا كعجز، فهو الخطاب الديني الوحيد الذي يجابه المفارقة بالمفارقة، إنه لا يقدم حلولا لإشكالات وجودية وفلسفية أرهقت اللاهوت، وإنما ليس بحوزته سوى الصمت، ثمة اقرار في خطاب التصوف بصفته خطابا عاجزا بالمفارقة القارة في الوجود، فالحل الوحيد، بتعبير "ستيس" هو أنه ليس ثمة حل.

ولكن المزج اللاهوتي وهو يسعى جاهدا لطمس المفارقة وتبديدها بإجراءات العنف والتعسف، ينتهي بسيرورة لا تنتهي من الفصل والانشطار كما لو كان المزج الشاقولي بين تلك الحالات المتعارضة "السماء والأرض، العقل والقلب" يترافق دائما وأبدا مع تشظيات أفقية في جغرافيا الحضارة الدينية، ففي حين تتهاوى الحواجز في المطلق، في ذلك الحيز اللانهائي من التداخلات، ينهمك اللاهوت في تشييدها وتأبيدها، بحيث تتفاقم وتتوزع حالة الإنفصال الناجمة عن الاغتراب اللاهوتي لتؤسس ترسيمة أنطولوجية بين الخارج والداخل، بين الكافر والمؤمن، بين لغة التصوف الشعرية ولغة الثوابت الدينية والعقل الجمعي.

إن المسافة بين التصوف واللاهوت هي المسافة بين السيكولوجيا الدينية والسيسيولوجيا الدينية، ففي الأخيرة تقبع اللعنة والتكفير كظاهرة عابرة تجتاز التمايزات العقدية لتصبح الفروق شكلية وحسب، تصبح المذاهب مجرد تنويع لاغتراب واحد، تذوب الفوارق الجوهرية ما إن تتحول التجربة الدينية من واقعة سيكولوجية إلى واقعة اجتماعية، من قناعة ذاتية إلى قهر تمارسه قوة اجتماعية لا مرئية، لا يبدو الدين للإنسان إنسانيا وإنما العكس: قوة أو سلطة أو هيمنة، وهو في جميع الحالات سيتقلص إلى مجرد استلاب لا يقتصر على ترسيخ الفاصل الخارجي بين عالم المقدس وعالم المدنس، بل يستبطن الانفصال نفسه، يستدعيه إلى الداخل، بأن يضع حاجزا بين الذات والذات، يقيم حالة انفصامية تنشطر الذات على إثرها إلى ذاتين: ذات حميمة خجولة متوارية وأخرى مكرسة للجماعة، وفي حالة التزاحم ستمحو إحداهما الأخرى إلى أن تبدو السيكولوجيا الدينية أو الوجدان والقناعة الداخلية مجرد انعكاس باهت لحقائق سيسيولوجية.

لهذه الأسباب يمنحنا "ستيس" بشارة السوبرمان الصوفي، ذلك الإنسان الخارجي والمتوحد والفريد، ذلك المثقف الرسولي الذي يستعيد تعريف الدين من منفاه، وهو سوبرمان لأنه بطل ذاته، صانع خلاصه الذاتي، وهو كذلك سوبرمان لأنه المنقذ الوحيد للتدين من عاهات التكفير وأدبيات اللعنة والإقصاء، ولأنه أخيرا الفيلسوف الراديكالي الذي يضع حدا لمصادرة اللاهوت للإيمان والتدين بإزاحة الظاهرة الدينية من تعريفات الجماعة والمذهب إلى تعريفات الإنسان والروح.

 

مثقفو العتبات واعتقادهم بان النَعَم يُزيد النِعَم

emad aliقرات وشاهدت الكثير من المواقف المؤيدة للحاكم المطلق والمسيطر على كافة الجوانب الخاصة بالشعب كثيرا، ووصلت الحال بالكثير منهم لحد التملق وحتى اهانة النفسو استبدلوا مهامهم الثقافي الى السياسي وفعلوا ما لم يمت بصلة ما بجوهر الثقافة، لم انتقدهم من قبل كثيرا لانني اعتقد لاي منا الحق في تاييد اي كان وفق اعتقاداته الفكرية او وفق ثقافته ونظرته الى الامور التي تخصه ومنها ما يخص الثقافة بحرية كاملة، ولانهم من حقهم ان يؤيدوا او يعارضوا من يعتقدوا بانه يفيد الدولة من اي جانب كان وفق قناعاتهم، ومن حق اي مثقف ان يكون حزبيا ومنتميا لاية حركة يؤمن بها ويدافع عنها بحرية تامة وبكل ما يمكن ويملك من القدرات والامكانية ولكن بسلام وحرية ضامنة له ودون التعدي على حرية الاخر المعارض معه او المحايدو بشرط عدم الخلط بين مهام السياسة والثقافة، ومن الطبيعي ان يكون السياسي من المثقفين الافذاذ، وهذا يزيد من حسن الاداء السياسي ايضا .

ان كان الفرد البسيط يفعل ما يشاء مضطرا في اكثر الاحيان لصعوبات الحياة واحتياجاته وضروراته، يمكن ان لا نلومه، الا انك لو شاهدت مثقفا مترفا ويعيش في حياة حرة رغيدة وله الامكانية المادية وغير مضطر على ان يتنازل عن صفات وقيم التي يؤمن بها، فانه من الغرابة ان تراه ينقلب بشكل مطلق على ما آمن به ودافع عنه، بين ليلة وضحاها، لم تر هذه الحالات الشاذة ا الا في العراق اليوم بهذه الكثافة العددية المهولة . لابد ان تُدرس هذه الحالة من الناحية النفسية والعقلية والاجتماعية بشكل علمي دقيق ويجب ان تحدد اسبابها وووضع خطط للتقليل من اثرها وابتعاد من في طليعتها، هل هي قلة الثقافة ذاتها ام المصلحة تزيح كل شيء ام انها الانتهازية بعينها في هذا الواقع الذي انتجها طوال العقود الماضية، ولكن الم نستغرب من مَن عاش جل حياته في بلدان الغربة وعاش بابهة واحترام وتحت خيمة العدالة والمساواة والحرية وحسنات الديموقراطية في ابهة وترف ويفعل اكثر مما يفعله من عاش تحت كنف الدكتاتورية واكتسب هذه الصفات والاخلاق نتيجة الضغوطات والظروف الصعبة التي مر بها العراق طوال العقود الماضية، واتت على الاخلاق والقيم والمباديء السامية وامتد لمابعد سقوط الدكتاتورية .

قلنا، مرحلة وتمر وسيكتسب هؤلاء خبرة الدول المتقدمة التي يعيشون فيها من حرية الصحافة والنزاهة والاستناد على القدرة والتقيم العلمي للعمل دون المحسوبية والمنسوبية التي نعيش . ولكن للاسف ما عشناه في مرحلة مابعد السقوط ادهى واعظم من الصفات البذيئة التي استند عليه هؤلاء الذين لا يمكن ان نسميهم بالمثقفين الحقيقيين بمعنى الكلمة . فعملو على تاليه القائد واستبسلوا في تغطية الاخطاء واستفادوا من المال السياسي ولم يلتفتوا الى المبادي التي ادعوها وتنكروا لها فيما بعد . على الرغم من سوء تصرفهم وايذائهم بالمثقف الحقيقي والثقافة بشكل عام، نقول هذا شانهم وارادوا انتهاز الفرصة من اجل مصلحتهم وعملوا علنا باسلوبهم ودافعوا عن كل ما اتبعته السلطة بشرها وخيرها وروجوا لابخس النوايا والاهداف وضللوا العالم وكانوا من الملكيين اكثر من الملك واثروا على الواقع الثقافي سلبا واعادوا الحياة الثقافية العامة للبلد الى زمن عتمةال، واليوم بعدما تغير الواقع شيئا ما نرى اكثرهم يميلون الى الجديد بنفس الاسلوب وكانهم ناضلوا من اجل التغيير واعادة النصاب الى الحكم وو تصحيح المسار وهم في مقدمة من ينتقد المرحلة الماضية ويريد كسب اللقمة واستمرارها، ماذا تقول لهم؟

انه من واجب السلطة الجديدة ايضا، ان يقيٌم من هو المحتسب على الثقافة واصبحوا طبقة خاصة من ما يمكن ان نسميهم من مثقفي العتبات السياسية والمصلحيين ويريدون ما يخص مصلحتهم الخاصة على حساب العامة ضاربين اهداف الثقافة الحقيقية والواجبات الخاصة بالنخبة المثقفة عرض الحاط، وعليها ان لا تفسح لهم المجال ان يكونوا جوكر كل المراحل ويخدعوا السلطة بكلامهم المعسل وتملقهم وخبرتهم في كسب ود المسؤلين، لانهم يعرفون كيف يخدعون .

فالحل الوحيد لما نحن فيه من المستوى الثقافي المزري وما جلبته لنا الدكتاتورية هو كسر وتحطيم الثقافة بهذه التركيبات العجيبة والتي لا تمت افكارهم ونتاجاتهم الضعيفة بالثقافة من صلة تُذكر، وانما علقوا انتهازيتهم الشخصية السياسية بشماعة الثقافة ومن زاوية ما بطريقة مافيوية خطيرة . فالعراق يحتاج الى اعادة النظر في كل ما يمت بالعلم والمعرفة وا لثقافة، ونقطة الانطلاق والبداية الصحيحة وبطرق ووسائل صحيحة مواكبة مع الاصلاح السياسي وتصحيح الخطى المطلوبة من كل الجوانب سيعيد الجرة سالمة الى مكانها الصحيح، اي الاهتمام بالبنى الفوقية موازاة مع البنى التحتية لازالة القشرة والترسبات المضرة بحياة الناس ومعيقة لتقدم المنشود في ظل توفر الحرية الموجودة اليوم، ولكن من حقنا ان نسال من يفعله؟ انه من واجب السلطة الجديدة، ولانه لا يقل خطر الحال الحاضر من الجانب الثقافي عن الجانب السياسي والعسكري والاقتصادي على حياة الشعب ومستقبله ان لم يكن اكثر منهم . فهل تتمكن السلطة من هذا وهي امام مهام واولوية اكثر اهمية كما تعتقد منها، اننا نقول لا تقل اهمية الثقافة العامة وتغييرها عن بقية الاولويات بشيء. ولكن اعادة البناء تحتاج لعقول وتحديد ممن يبنون والوسائل المطروحة وكيف يمكن ذلك بعد تقييم الوضع الحالي بعلمية . واعتقد تحتاج ابدايات لعقد مؤتمر ثقافي عام يحضره من لم يسبب ومن لم تتلطخ ايديه بسلبيات الماضي البعيد والقريب وبما كان، وبحضور العقليات الثقافية الفذة الموجودة والتي ركنت وعكفت وانعزلت لما رات في المرحلة السابقة نتيجة سيطرة المزيفين على زمام الثقافة والسياسة في البلد .  

المكان وذاكرتُه في حواضر العراق

jawadkadom gloomفي البدء لابدّ ان اصرّح باني لست متخصصا في التراث المعماري ولا دارسا ضليعا في هندسة البناء فما سأكتبه مجرد انطباعات عمّا اراه اليوم من ظواهر شاذة لم نعهدها من قبل في الاستهانة بتراثنا المعماري والإهمال الذي لايخلو من مقاصد التخريب المتعمد لأرثنا الحضاري العراقيّ وليعذرني السادة المختصون ان شططتُ في بعض ماأقوله نظرا للهلع العائم في دواخلي والحزن العميق الكامن فيّ وانا ارى بلادي تعرى من حُلّتها التي ألفناها وتنزع إزارها الجميل وترتدي بدلها خِرَقا بالية ويطاح بمعالمها العمرانية الزاهية ليحلّ الخراب والقفار فيها أينما حللت وحيثما أزفتُ

ولا أخفي غضبي ويكاد يعتصر الألم قلبي حينما ارى بناءً مشيّداً غريبا جديدا يزيح معلما تاريخيا عتيدا في ذاكرتنا مع ان هذا الاجراء يتكرر دائما لمحو حواضرنا التي كنّا نعدّها خالدة وها هي الان تندرس تدريجيا مثل اطلال عفا عليها الزمن بسبب الجهل المتفشي بوضوحٍ في اهمية المكان بالنسبة للأجيال الحالية وربما اللاحقة وكم أسفت عندما ارى بغداد وبقية المدن الاثرية الراسخة في القِدم تفقد عمارتها وميراثها الحضاري يوما بعد آخر خاصةً في مراكز المدن القديمة، كل ذلك بسبب الجهل بأهمية التراث المعماري العراقيّ والتوسع العشوائي في البناء دون النظر الى قيمة الموروث الحضاري في هندسة البناء الذي شيّده أجدادنا وآباؤنا عمراناً يعيش في نفوسنا ويخلد في ذاكرتنا الفردية والجمعية

ويبدو ان الموروث الحضاري لعاصمتنا ومدننا التاريخية الاخرى مهددٌ بالزوال نظرا للتوسع غير المدروس والتمدد العمراني الذي لا يعبأ بأهمية المكان التاريخي كقيمة حضارية سواء من المسؤولين في امانة العاصمة او بلديات المحافظات التي يهمّها امر الحفاظ على ارث المدن وصيانة معالمها، بل وحتى المهندسون والمثقفون والمعنيون بالآثار لايعيرون بالا لما يجري من تخريب متعمد

يؤسفني القول ان اجيالنا الحالية لم يتغلغل في اعماقها حبّ التراث المعماري والاهتمام بالبناء العتيد الذي شيّده اسلافهم وهي غير مهتمة ببقائه أو صيانته والحفاظ عليه بقدر مايهمها انشاء جثامين من الاسمنت ترقد على صدور ابنيتنا العتيدة فتضيق بخناقها حتى تموت انتحارا ثقافيا مزيلة كل ماهو جميل في صروحنا المعمارية الاثرية الخالدة في نفوسنا بعد طمرِها وجعلها انقاضاً تُرمى خارج التاريخ وشيئا فشيئا يتمّ نسيانها ومحوها من الذاكرة الجمعية للعراقيين

ألم يدر بخلَد هؤلاء الاجيال الضالة التي نسيت تاريخها واهتمت بحاضرها فقط ان الاثر القديم هو روح الامة وعنوان خلودها وبقائها، فلتنظروا الى مدن العالم العميقة الجذور في التاريخ مثل روما وباريس ولندن وغيرها من مدن الشرق ايضا حيث يمنع فيها بناء ايّ صرحٍ حديث مهما كانت اهميته العمرانية والاقتصادية لو تطلّب الامر ازالة معلم تاريخي قديم ويمنع ايضا اقامة الابنية الحديثة بجانب الآثار التاريخية كالمتاحف والقلاع والأسوار والقصور القديمة، ففي مراكز هذه المدن ووسطها لاتوجد ابنية مشيدة حديثة تشوه معالم المدينة القديمة وماعلى المستثمرين في مجال تجارة العقار الاّ الابتعاد عن هذه المعالم التراثية القيّمة وتشييد مايريدون في الضواحي البعيدة لتكون بمنأى عن هذه الصروح القديمة التي تمثل روح الشعوب وعنوان مجدها التليد ورمز من رموزها الذي يريدونه ان يبقى خالدا معبّرا عن حالة الزهو والشموخ في ارثها العمراني

ومع قدم هذه الاماكن واحتمال تعرضها الى التلف بفعل تقادم الزمن ومؤثراته السلبية نجد أنّ هؤلاء يشمّرون عن سواعدهم لاجل صيانتها بين مدة وأخرى لتعود الى سابق عهدها مع الحفاظ على سماتها التاريخية الخالدة ونقوشها وزخارفها ومعالمها التي تتميز بها، وقد اتيحت لنا قبلا فرصة زيارة تلك المدن والتجوال في شوارعها الضيقة والإطلاع على اماكنها العريقة فتحسّ انك تمشي وسط متحف وتتطلع الى جلالة التراث المعماري وفنونه عبر اجيال سبقتنا عصورا طويلة لكنها ظلّت محافظة على تميزها وتشير الى مراحل بنائها بكلّ فخر واعتزاز

أعترف اني لا أخفي جزعي وغضبي حينما ازور مدينتي العتيدة النجف الاشرف بين الفينة والأخرى وأجول في شوارعها القديمة وأسواقها وأزقّتها وأحيائها التي كانت يوما ما ملاعب طفولتي وصباي وأدور حول ضريح الامام علي / كرّم الله وجهه فأكاد استشيط غضبا من تشوهات البناء الذي خرّب معالم مدينتي القديمة واشعر اني غريب لا اعرف مداخلها ومخارجها والى اين اسير، وأنا ابنها البار مولدا ومحتدا ومنبتاً ولا اعرف تلك الملامح التي عهدتها في ارض الغريّ السمحاء اذ امّحت تلك الاماكن الاثرية الخالدة التي كانت تحيط بالصحن العلويّ وأسائل نفسي، اين اختفت ادراج محلّة العمارة وسوقها الاثير بسقائفهِ المخروطية وأزقّتها الملتوية في ذاكرتي ومامصير ذلك السور القديم الذي كان يحمينا ويحيط ببيوتنا أمنا وسلاما وخلودا وسكينةً ... وأنا هنا أؤكد اني لست ضد الرقيّ العمراني وتوسعة مداخل ومخارج الصحن الشريف لكن الاماكن الاثرية الخالدة في ذاكرتنا كان لزاما ان تؤخذ بنظر الاعتبار لتبقى بدلا من هدمها وجعلها نسيا منسيا

أما عن بغداد الساحرة، فكثيرا ما يطيبُ لي بين فترة واخرى ان اتجوّل وسط مدينة بغداد وأتطلع الى مابقي من معالمها لعلّ نسائم عليلة من عبق ماضيها تمرّ بي وتنعش دواخلي وتشرح صدري غير اني أفاجأ بين كل جولة واخرى وارى في شوارعها ومحلاّتها وأسواقها معالم قد اختفت وأخرى قيد الهدم والزوال مما ولّدَ فيّ شعوراً بان ميراثها الحضاري والمعماري يكاد يختفي تماما في غضون السنوات المقبلة ان لم تتخذ الجهات المسؤولة المعنية الاجراءات العاجلة حفاظا على موروثنا المعماري والابنية التراثية العريقة

وبسبب التمدّد العمراني غير المدروس والجهل باهمية التراث لهذا الجيل الحاضر بيننا وللاجيال المقبلة والجشع الذي يتغلغل في نفوس ورَثة مالكي العقارات القديمة وهدمها وبيعها لتجّار عقارات هدفهم اكتناز المال وممارسة مضارباتهم العقارية غير مبالين بأهمية وقيمة المكان وذاكرته، اذ يقوم هؤلاء بإغراء الورثة او مالكي العقارات بالمال حيث أوصلوا قيمة الممتر المربع الى اسعار قد تصل الى عشرة آلاف دولار اميركي للمتر المربع الواحد في مركز المدينة وفي المناطق التجارية الثريّة وسط العاصمة، ناهيك عن الدور السلبي لأمانة بغداد وإهمالها الكثير من اماكن ومعالم بغداد الاثرية مثل الخانات والأسواق القديمة والحمّامات والبيوت البغدادية ذات الطراز الفريد والتي اخذت تختفي تدريجيا ولا أحد يمدّ يديه لانتشالها من الاهمال والواقع المزري الذي تعاني منه

أما كان الاجدر ان تقوم امانة العاصمة باستملاك تلك الدور والأماكن الأثرية والعمل على صيانتها وتأهيلها من اجل حفظ معالم ذاكرتنا البغدادية ؟؟ أما يمكن ان يتم جعلها اماكن سياحية ومكتبات ومتاحف صغيرة ومزارات ثقافية بالتنسيق مع الجهات السياحية ووزارة الثقافة وغيرها من الدوائر المعنيّة مثلما تفعل المؤسسات الثقافية والسياحية في اوروبا وبقية العالم المتحضر ؟!

ومما آلمنا اكثر هو ظهور تقليعة جديدة يمارسها اصحاب العمارات والمباني عبارة عن تغليف الابنية بصفائح معدنية جديدة من الالمنيوم او اية مادة اخرى وإخفاء اية معالم جميلة متبقية مما يسمونه عاملو الديكور ب " الكوموند " دون ان تقوم الامانة بأيّ دور لمنع مثل هذه الممارسات التخريبية شبه المقصودة التي تهدف الى مسخ وطمس ماتبقّى من آثارنا العتيدة ومعالمنا الجميلة، ففي الوقت الذي نرى مثل هذا الاهمال الواضح من قبل امانة بغداد فهي ايضا تسكت عن كل اجراء اخرق لتشويه معالم بلادي .. ولولا دأب محافظة بغداد التي شمّرت عن سواعدها وعملت على تأهيل وإحياء بعض الاماكن التراثية مثل تأهيل مبنى المحكمة العتيدة في المتنبي وتحويلها الى المركز الثقافي البغدادي لعاش البغداديون في جدب لايحتمل ، ولم تكتفِ المحافظة بذلك بل قامت بفتح وتوسعة ساحة القشلة ورصفها بالبلاط القديم وفرش الساحة بالزهور وإعادة تشغيل ساعة القشلة مما يبعث على السرور والبهجة للزائرين حيث عملت على إحيائها وبعثها من جديد وصارت حقاً معلما حضاريا جديدا ومزاراً ثقافيا جميلا وملتقى رائعا يمتع الانظار ويبعث البهجة في النفس وهذا مالمسته خلال زيارتي لهذه الساحة مؤخرا

ما الضير لو تمّ بذل المزيد من الاهتمام بإرث ماضي عاصمتنا الغالية العريقة كي نعيد جزءاً ولو يسيراً من مجدها الغابر وإحياء معالمها الراسخة في اعماقنا ومخيّلتنا وحبذا لو تترسخ بعض مسرّات بغداد المنسيّة على ارض الواقع من اجل نشر البهجة والسعد في نفوسنا الباحثة عن الجمال المضاع في وجه بغداد الحزينة الموجوعة المدمّرة في اجزاء عديدة من ضواحيها وأماكنها وشوارعها ومحلاّتها وأحيائها

ايها المسؤولون المعنيون، هونا على ارثنا المعماري التليد، حافظوا على هويتنا التاريخية المعمارية، ابقوا شيئا من عبق الزخرف العراقي المتمثل في الشناشيل والنقوش الجميلة البارزة على جدران ابنيتنا الموغلة في العراقة، اجعلوها ظاهرة للعيان لتؤنس انظارنا ونستريح لبروز معالمها ويكفينا تراكم الخراب العائم في ارضنا ونفوسنا ولاتجعلونا نحزن على موروثنا المعماري الذي أوشك ان يُمحى فقد شبعْنا بكاءً على احوالنا المزرية ولم نعد نحتمل البكاء على اماكننا العريقة الجميلة قبل ان تحيلوها طلولاً وتجرفوها رميا في حاوية النسيان

اجل بغداد تريد منّا الكثير من الرعاية والاهتمام مثلما بقية مدننا المقدسة سامراء وكربلاء والكوفة وبصرة الشناشيل الچلبية فكل حواضر العراق عريقة كاسمهِ، فلْنعطها ولو كان عطاؤنا يسيرا، فيا أيها المسؤولون والمعنيون في امانة بغداد وبلديات المحافظات التاريخية العتيدة ووزارة السياحة والآثار ووزارة الثقافة أقول، لاتستحوا من إعطاء القليل لعاصمتنا ومدننا الخالدة فالحرمان أقلّ منه

 

جواد غلوم

 

انعدام دور المثقف التنويري في العراق

emad aliكان الابرز في المنطقة هو العراق الذي فرض نفسه ارضا خصبة لانتاج المثقفين الحقيقيين التنويريين الممهدين والمعبدين لطريق الثقافة الانسانية بشكل مرضي في خضم الصراعات الفكرية التي ملات هذه المنطقة التي اخذ الدين ومنتجاته دورا اكبر من حقه فيها، فيما حاول الاخرون بالاضافة الى نشر ما يفكرون في عرقلة ما كان ينويه المثقفون من نشر العلم والمعرفة مجاراة السلطة لفسح المجال امامهم، او استفاد هؤلاء من السلطة لانهم سهلوا لها السيطرة على زمام الامور وساعدوها علي ما فعلت بسلوكهم ووقوفهم كما السلطة معهم ضد من يؤمن بان النقد باشكاله المختلفة من اول مهاماته من اجل المسيرة التقدمية للحياة ومن كافة المجالات، وعلى الرغم من السلبية الكبيرة تلك، ويجري كل ذلك في عهد يُعتبر افضل مما نحن فيه وللاسف نتمنى العودة اليه، والذي من الطبيعي ان لا يتمنى المرأ العودة الى الماضي مهما كان سماته ان سارت الحياة بشكل طبيعي وبتطور منسق منتظر منها وفق السيرة الطبيعية للبشرية .

اليوم وبعد التحرر من الحكم الدكتاتوري الذي خلط وخربط كل شيء نتيجة مزجه وفرضة السياسة على كافة مفاصل حياة العراقيين وافنى به مجال التطور والقدرة الذاتية وقفل عليه الابواب وعاش مخنوقا مسلوب الحرية الذاتية والعامة مهدرا حياته في المضايقات واثار الحروب الداخلية والخارجية التي سلبت كل ما يمت بتطوره وحياته بشكل عام، نعم اليوم دخلنا في مرحلة اخطر مما كنا فيه، نتيجة بروز عراقيل اقوى واخطر بعد فرض الطرف الظلامي من الجانبين المتصارعين في الحياة المادي والمثالي وغلق الابواب عن التفكير الحر، وتاثر به الجميع ومن كافة الفئات وفي مقدمتهم المثقفون .

عندما سيطر المزاج الشخصي والدكتاتورية على الحياة العامة للشعب العراقي وجد المثقفون في مسار العملية السياسية حينئذ الثغرات التي كان بمقدورهم اداء ادوار ولو ضعيفة في نشر المعرفة وحث الناس على التوجهات والافكار العقلانية بعيدة عن التخلف والتخرف، اما بعد صعود دور من يتقاطع كليا مع الافكار النيرة والمضيئة للدروب الحقة والحقيقية لحياة الانسان وما يؤدي الى اتخاذ طريق التقدم مسلكا، والسيطرة بكل السبل على عقول الناس بالجانب السلبي وبحرية تامة دون امر من احد، فانه الاخطر من الدكتاتورية من الناحية الثقافية بشكل خاص .

ازداد الوضع الاجتماعي العام في السنوات الاخيرة اكثر تعقيدا بعد التغييرات التي كان من المنتظر ان يتقدم نحو الافضل، الا ان الجانب السلبي رغم توفر الحرية التي كانت منعدمة من قبل،هو سيطرة العقليات السطحية التفكير والداعمة للنتاجات الخيالية هي من ازداد من المعوقات امام عمل المثقف المتنور وضاق من طريقه وسلب منه حريته الخاصة والعامة ليس فرضا او قهرا او دكتاتورية وانما بفرض ارادة النسبة الكبيرة من سلبيات الفكر المثالي او الديني والمنتج للعقول الخيالية وخزعبلاتهم على النسبة القليلة من النخبة مقارنة بهم، وذلك عن طرق شتى ومنها العملية السياسية بذاتها والسلطة وملذاتها والارغاءات العديدة، ومن يديرها، والتوجيهات الدينية والمذهبية والعرقية، والتهميش والاهمال للعقول التي يمكن ان تفعل وتُفعٌل وتسيٌر الامور الثقافية بطريقها الصحيحة الحقيقية ومن صلب الفكر الثقافي والفلسفي المحفز لتطور والتقدم العلمي الثقافي العقلاني بعيدا عن الخرافات المسيطرة التي ازدادت بشكل مغول اخيرا .

ارتباط المثقف بباب السلطة بنرجسيته او مصلحته بذاته وبارادته، او اجباره نتيجة شغف العيش وما يدر عليه ما يسيٌر له حياته ويمكنه العيش بابهة، يخلق تناقضا بينه وبين نفسه قبل الخوض في تنافس مطلوب مع الاخرين من اجل التطور، اي انتج الواقع الجديد انسانا متناقضا مع ذاته قبل غيره نتيجة تداخل ضرورات حياته الخاصة بما فرضته الحياة العامة عليه من جهة، اضافة على اعاقته من قبل المتصارعين من الجبهة التخلفية التي وقفت بالمصياد امامه من جهة اخرى .

اليوم اصبحنا نلف حول نفسنا ونحن سائرون في متاهات لم نقدر ان نجب عن اسئلة الفكر وفلسفة العصر الراهن وما يفرضه القرن الواحد والعشرين لما نحن فيه من التخلف غير المسبوق من كافة النواحي ومنها الثقافية بامتياز، ليست العلة في عدد ونوعية المثقفين لدينا وانما لشل حركتهم جراء الواقع المزري .

و كما اعتقد جازما بان ليس كل شر شرُ بالمطلق وليس كل خير خيرُ بالمطلق اي يوجد في كل منهما المعاكس له، اعتقد بان المرحلة يحمل في طياتها ورحمها عامل التحرر ذاته وربما نشهد تنقلا ان لم يكن قفزة في المسار الثقافي بعد التحرر وزاحة المعوقات عاجلا كان ام آجلا .

كما هو الحال لدى العالم الاسلامي كله ان الدين هو موضوع معقد نتيجة دخول المقدس والحق والعنف فيه مما يصعب تناوله في بلد اصبح الدين وما يحمل من المذاهب والشعائر من خصائله، فكيف بمثقف وان كان عالما مليئا بالعلم والمعرفة ان يروج بما لديه من ما يحمله، اليوم وبالوسائل العلمية يمكن نشر الافكار التخلفية وما يحث على العنف اكثر من المعرفة، ترى من يستمع الى المتخلف والمؤمن بالخيال ومن يتابعه اكثر بكثير من يقرا او يتابع حاملي العلم والمعرفة الحقيقية، فاصبحت وسائل الاعلام في خدمة التخلف والتخرف بدلا من التطور . والادهى ان الدين او بعض الافكار المثالية المعقدة من القداسة بمكان لا يمكن للكثير تناوله على حقيقته ولذلك لم نجد من العلماء والمثقفين المتنورين الا قليلا من يتجرا على تناول المواضيع الخاصة هذه بشكل يوضح حقيقته بعيدا عن التخرفات والخزعبلات التي لصقت به وواكبته الى يومنا هذا، بينما للعالم الديني والمتخرف كامل الحرية في نقد اي شيء او علم او اية فرع من فروع الثقافة والمعرفة بحرية كاملة دون خوف من القتل والحز والجز، هذا هو صلب المشكلة، وهذا ما يقطع الطريق امام الصراع العادل بين الجبهتين في حياتنا العامة، والعراق اليوم في مرحلة اشتدت فيه التخرصات واعتليت فيه المعوقات المادية والمثالية امام حركة المثقف المتنور الحقيقي، اضافة الى توفر وسائل الاتصال والتسلية والابتعاد عن القراءة والمطالعة جملة وتفصيلا .

 

ما يطلبه المثقفون من وزير الثقافة الجديد

yousif abolfawzقدم الاخ أحمد جبارغرب سؤالا لمجموعة من المثقفين، لاستطلاع نشرته صحيفة الزمان الاحد 28 ايلول، وكان هذا جوابي الكامل:

أن وجود وزير جديد، من القومية الكردية، وكونه صحفي محسوب على المثقفين عموما، يدفعني للتفاؤل قليلا، فهو يفترض ان يكون وزيرا لكل العراقيين وليس وزيرا للشعب الكردي فقط، او لحزبه الاتحاد الوطني الكردستاني، كما عرف عن سلوك معظم الوزراء خلال الحكومات السابقة وفق آليات المحاصصة، مما تدفع الوزراء للتحزب والتخندق الطائفي والقومي، وان هذا الامر ربما يدفعه للاجتهاد وبذل المزيد من الجهود للنهوض بواقع الوزارة المتردي . واملي ان لا يعتبر وزارته وزارة هامشية، او غير سيادية، فمع كل احترامي لشخصه فأن كان أهلا لمهمته وهي جسيمة، سيدرك ان ليس غير المثقف العراقي قادر على دعم الدولة لانجاز وبفعالية ومن جديد مهمة بناء العراقي الذي خربته سنوات ديكتاتورية صدام وما تبع من سنوات احتلال واحتراب طائفي، فيجب ان يعمل بروح سيادية معبرا عن كون الثقافة هي المفتاح الذهبي لابواب التطور ونهوض اي شعب. واملي ان يحارب وبنزاهة كبيرة الفساد المالي والاداري المستشري في وزارة الثقافة ومؤسساتها، واذا كان قد صرح بأنه "لا يمكنه القيام بمعجزات "، فهو ان حارب الفساد فهذه ستكون معجزته وعصاه السحرية لينجز الكثير، وبدون ذلك ــ ومع الاحترام لشخصه ــ سيكون واحدا من قطع الدومينو التي سبقته في لعبة السياسة . ان المثقف العراقي ليس بحاجة الى فتات الدعم المالي لاسكاته كرشوة، ان الوزارة بحاجة لانشاء مجلس للثقافة والفنون يأخذ على عاتقه تنفيذ مشاريع تكفل للمثقف احتراما وتقديرا لجهدة وابداع وشخصه. اضافة الى وضع خطط تحمي الثقافة العراقية وصروح الثقافة، وتنشط وتشجع الفنون والاداب بكل الوانها وترصد لاجل ذلك ميزانيات انجازية وفق أليات شفافة لا يمكن سرقتها والتلاعب بها وفتح الباب للتعامل والانفتاح على ثقافات الشعوب، وبث روح التأخي بين مكونات الشعب العراقي من خلال النشاطات الثقافية المتنوعة المشتركة، فالثقافة العراقية واحدة بلغات متعددة. وفي بلد مثل فلندا حيث اقيم من سنوات طويلة، كل سنة في الاحتفال بيوم العيد الوطني للبلاد، يستقبل رئيس الجمهورية في القصر الرئاسي المبدعون والرياضيون واصحاب الانجازات الفكرية والعلمية والرياضية والاجتماعية وفي اخر الصف يدخل السياسيين . ان الدول المتحضرة تعرف برقيها من خلال احترامها للمثقف، فالثقافة سلوك حياتي والمثقف جدير بخلق ذلك من خلال رعايته والاهتمام به وابداعه .

 

جزائري .. أنت في صميم الفؤاد

لست أحبك يا جزائر في ساعة واحدة أو موقف واحد أو لنسبي إليك في وطنية أغدقت في عنفوان روحي حبا ليس ينتهي .. هو حبك يا جزائر ..

ليست هي المرة الأولى التي اكتب فيها عنك ولن تكون الأخيرة ما دمت سحرت عقلي وسلبت كل اهتمام مني فأصبحت أفكر في اخضرارك وبجرك وسمائك وكل ذرة من ترابك أينما ذهبت من شمالك لجنوبك .. أتغنى دائما بلفظ الجزائر واكتب في سبيل هذه التسمية أحلى الأشعار وإني لأحتار لأني أشعر أني صغيرة جدا أمام قامتك وأنا أنظر إليك من أفق مقام الشهيد يلبي بداخلي إحساس القوة والصمود وتماثيل المجاهدين تزين محيطه أن رمزك يا بطلة صنعه رجال باعوا كل شيء لأجل تحريرك فأنت تستحقين وزيادة يا عروس الشمال الإفريقي ..

مشيت مشية الهناء في ربوع خريطتك فتذكرت أن ما كنت امشي فوقه سقي بدماء زكية فزادني ذلك افتخارا ووزنا وقيمة ورفدا مرفودا من الكرامة التي انتعشت في ظلها أني جزائرية الانتماء والأصل والهوية..فلفظك يقوي في إحساس التميز فيك عن باقي الأوطان، فقد وهبك الرحمان جمالا في كل شيء ولذلك كنت محل أطماع منذ القدم، فاسمك تنوع بين أيالة الجزائر وجمهورية الجزائر ومملكة الجزائر، لكن يكفي أن أقول لك جزائري والفضل للأمير عبد القادر وغيره من أسماء لامعة من بعثوا فيك رد الاعتبار في عمر وصل إلى 15 سنة من نضال الأمير ليعيد فيك بناء دولة جديدة وعلى أسس متينة..إنها غيرة الرجال عليك وخوفهم من أن تضيعي من بين أيدي الجزائريين أبنائك الأصليين بعيدا عن أكذوبة فرنسا انك فرنسية، لعمر هذه التسمية ستجد لها مستقرا في قاموس جزائريتك يا رائعة أنت بنضال مجاهديك وثوارك وكفاح نسائك وأولادك، حقا امتزجت لأجلك الكثير من زمرات الدم الموحدة، نعم توحدت حينما قرر أصحابها الاستشهاد لأجل أن تحي عزيزة مستقلة ويحيا اسمك رائدا لامعا مزدهرا على مر السنين ...

فيك الفخر دائما انك لم ترضخي ولم تنحني وعلى تداول خطط المحتل منذ أن وطئت قدمه أرضك، لم يكن هذا المحتل يعرف خبايا شعبك وعبقرية مهندسي ثوراتك، ولم يكن يعي أيضا انك تخبئين الكثير من بطاقات النصر المباغتة، وبالأخص لم يكن يعلم ما هي كلمة السر في انطلاق أول رصاصة غضب عليك ولأجلك، إنها الله أكبر من دوت وصدحت عاليا لتتفكك عنك قيود الاحتلال وتكسر عنك جدرانا ارتفعت   لتطوق جمالك الفاتن ..، ما أجملك يا جزائر وما ابهاك وعلمك يرفرف في شموخ بألوان زاهية تفردت بها على نقيض الرايات الأخرى فزادها اللون الأحمر تأكيدا أن الدم هو ما كان المقابل حينما ساوموك وساوموا غناك وطهرك وشساعة مساحتك، رائعة أنت يا جزائر ولست أجد كلمة تنوب عن الروعة لأصف مدى حبي لك ..

فحتى لو غبت عنك ورحلت لسبب من الأسباب أنت ساكتة في القلب والفؤاد بداية..أحبك أينما ذهبت وساحبك ما حييت، فغلاوتك عندي كبيرة وكبيرة جدا وليس لي معها أو فيها مكيال أو حدود..نعم رائعة أنت يا جميلة، فلم يكفي جمالك لأضفي على روعتك جمالا آخر وهو انك محبوبة لدى كل الجزائريين دونما استثناء، فحتى من لا يجيد التعبير عن هذا الحب سيقول باختصار جزائر ساكنة في قلبي، هي عبارة شائعة النطق وأزيد عليها انك جوهرة ومفخرة وحلوة حلاوة النضال والاستقلال والسيادة ..دمت رائعة يا جزائر ودام حبك في قلوب الكل، أما أنا فأقول لك : أنت في صميم الفؤاد يا حبيبة ....

 

الأستاذة سميرة بيطام

صحر الحقول والعقول!..

mahmod salamaalhayshaالتصحر Desertation هو مرض من الأمراض المتوحشة التي تصيب الحقل والعقل، فهو تدهور في خصوبة التربة المنتجة، وانخفاض إنتاجيتها المحصولية، ويقول الدكتور عبدالجواد حجاب: "التصحر: هو مصطلح نطلقه على الأراضي الزراعية عندما يصيبها الجفاف، أو يتم تجريف تربتها الخصبة، وتصبح غير قادرة على أي نوع من أنواع الإنتاج، سواء زراعيًّا أو حيوانيًّا، والتصحر الفكري يصيب عقول البشر فيهلكها ويُفْقِدُها القدرة على الإنتاج والإبداع، والتجديد والتطوير، وخاصة إذا أصاب عقول النخبة المثقَّفة، سواء كانت علمية، أو أدبية، أو سياسية، أو إعلامية، وهي النُّخَب التي تُمثِّل قاطرة التقدم لأي مجتمع".

وكتب الكاتب العراقي "واثق الجابري" على موقع "كتابات": "تصحُّر العقول والحقول وليد الفقر، والأمية، والهجرة، وتدني الاقتصاد، وفقدان أغلب الثروات الزراعية والصناعية؛ فالتصحُّر العقلي أمات أشجار الوطنية بِوَبَاء "المصلحية"، ولم يدرك ويترجم لغة التعبير عن المطالب لإحياء شجرة الوطن؛ جرَّاء جفاف العقول، التي لم تبحث عن إيجاد الحلول من الجذور، وتقديم الأولويات، فالبداية إصلاحات العقول، واستصلاح وسقاية الجذور، والعلاج يبدأ من أكثر الجروح خطورة وألَمًا، وإن لم نكافح تصحر العقول، فلن نستطيع أن نزرع ونحيي تلك الحقول".

يحتفل العالم كل عام منذ عام 1994 باليوم العالمي لمكافحة التصحر، في الـ 17 من يونيو، وقد أعلنت وكالة الأمم المتحدة المعنِيَّة بمكافحة التصحر في أبريل 2013، ارتفاع عدد الدول التي أصيبت بالتصحر إلى 168 دولة في العالم، بعدما كانت 110 دولة في تسعينيات القرن العشرين، وأصبح يعاني أعراضه القاتلةَ نحوُ مليار شخص؛ حيث يخسر العالم سنويًّا 120 ألف كيلو متر مربع من الأراضي الخصبة، كانت تُنْتِج نحو 20 مليون طن حبوب.

وتُعَدُّ مصر أُولَى دول العالم صحراويًّا، وفي معدلات انتشار التصحر؛ حيث إن 4% فقط من الأراضي زراعية خصبة، أما الباقي 96%، فهي أراضٍ قاحلة، وأراضٍ شديدة القحولة، وفي معدل قياسي عالمي غير مسبوق في التصحر، باتت مصر تفقد كل ساعة 3.5 فدان من أراضيها الزراعية الخصبة بالدلتا؛ نتيجة البناء والزحف العمراني.

يكبد التصحر الدول المصابة به سنويًّا نحو 64 مليار دولار، وتبلغ خسائر مصر من التصحر سنويًّا 12 مليار جنيه، طبقًا لتصريح الدكتور عادل عامر - رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية.

وأهم مخاطر التصحر على التربة، أو أهم ما يميز التربة المتصحرة:

1- تمليح الأراضي المروية: ترتفع بها نسبة الملوحة.

2- زحف الرمال: تتفكك الطبقة السطحية، وتصبح أكثر عرضة للانجراف بالرياح والماء.

3- انخفاض خصوبة التربة: ينخفض إنتاج الغذاء.

4- الرعي الجائر: ينخفض إنتاج الأعلاف.

5- تدمير الغابات.

6- تفقد التربة قدرتها على الاحتفاظ بالماء.

وكما أن هناك تجريفًا للأراضي الزراعية، فهناك أيضًا عملية تجريف ممنهجة للعقول البشرية، وبما أن النخب المثقفة هي التي تقود أي مجتمع؛ لذا نعرِض لأهم أعراض ومظاهر مرض تجريف العقول، وتصحر الفكر عند تلك النخَب (النخب الثقافية والعلمية والسياسية والإعلامية) كنموذج لحال باقي أفراد المجتمع:

1- فقْد القدرة على الإبداع والابتكار.

2- تيبُّس الأدمغة، والبقاء في خندق الماضي الفاسد والظالم.

3- هجرة الخبرات والكفاءات والعقول إلى خارج الأوطان، ولا توجد وسيلة الآن لإعادتها.

4- توفُّر خبرات هائلة في ثقافة التهميش، والإقصاء، والعزل، والملاحقات الأمنية والاستبعاد.

5- انعدام قيم الانتماء والولاء والحب للوطن.

6- الانشغال بالبحث عما يملأ الجيوب والبطون.

وعليه؛ إذا أردنا ملء البطون والعقول بما هو مفيد وصالح، فلا بد من القضاء على التصحر والتجريف للتربة والفكر.

 

بقلم/ محمود سلامة الهايشة

كاتب وباحث وأديب مصري

 

صراع السلطة والمثقف في العراق

لقد كان موضوع الثقافة والمثقف في العراق وعلى مدى عقود منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في بداية العشرينات من القرن الماضي موضوع صراع طويل ومرير بين السلطة الممسكة بكل أدوات الثقافة من وسائل إعلام مقروءة ومسموعة ومرئية ومطابع ومؤسسات تعنى بالشؤون الثقافية مثل وزراة الثقافة والإعلام ودور النشر والسينما والمسرح والمعارض الفنية وبين المثقف المغلوب على أمره والذي كان يقف أمام خيارين لاثالث لهما أما أن يركب موجة السلطة ويتحول إلى بوق من أبواقها ويستفيد من امتيازات تلك السلطة في تبوئه مراكز قيادية في النقابات الفنية والثقافية والإعلامية ومراكز الإعلام والوظائف المدنية أو يلتزم الصمت ويبحث له عن مهنة أخرى أو وسيلة تؤمن له ولأسرته مورد معاشي يقيه الجوع والعوز ولنا في معاناة أدباء كبار أمثال بدر شاكر السياب وشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري والسيد محمد الصافي النجفي وعبد الأمير الحصيري وموسى كريدي أمثلة على ماكان يعانيه الأدباء والمبدعون في مواجهة السلطة الحاكمة التي لم يكونوا في وفاق معها سواءاً في العهد الملكي أو العهد الجمهوري.

وكان تسليم زمام المؤسسات الثقافية بالعراق خلال العهدين الملكي (1921 – 1958) والجمهوري(1963 – 2003) إلى شخصيات عربية بعيدة عن الواقع العراقي وضروفه المحلية والتاريخية والسياسية سبب من أسباب أزمة المثقف والثقافة في العراق الحديث بل إن ذلك السبب قد عمق الشرخ والوقيعة بين الواقع العراقي ومتطلباته الثقافية والأدبية وبين مؤسسات يديرها أشخاص لاهم لهم سوى ترسيخ مفاهيم سياسية وأيدلوجية لاتخدم بالنهاية سوى أفكار وأشخاص لن يكونوا سوى مرحلة عابرة في تاريخ العراق الوطني وهذا بالضبط ما فعله أشخاص مثل ساطع الحصري وميشيل عفلق والياس فرح بالهوية الثقافية العراقية طيلة ما يقارب من 80 عام من عمر العراق الحديث.

إن المطلع على الأوضاع الثقافية العراقية في الوقت الراهن بعد 2003 لن يجد صعوبة في رسم الإنطباع السيء لما آلت إليه البلاد خلال العشر سنوات الماضية وإن لم تكن وليدة ضروف واقعية مستجدة بقدر ما هي امتداد لإنتكاسة البنية الداخلية للمجمتع العراقي برمتها منذ قيام الحكم الملكي عام 1921 ومن بعده تسيِّد الفكر الرديكالي المتطرف لحزب البعث على حكم العراق من العام 1963 وحتى سقوط النظام سنة 2003 وهو نتاج طبيعي لتلك المراحل المهمة من تاريخ العراق الحديث.

فمثلما كان التركيز في العهد الملكي على سلخ الهوية الوطنية للعراق وتحويله إلى حلقة صغيرة في منظومة النظم الملكية العربية المرتبطة بالإستعمار البريطاني فلقد كان أيضاً العمل الدؤوب لمؤسسات الدولة في عهد البعث هو تحويل مسار الثقافة العراقية التي حاولت خلال معاركها الوطنية مع مشروع سلطة البعث أن تسجل الكثير من النقاط لصالح مشروع انتلجنسيا العراق منذ ستينات القرن الماضي وحتى فترة الإستبداد الشمولي الذي بدأ في نهاية السبعينات مع وصول الطاغية صدام رسميا لسدة الحكم والبدء بتنفيذ مشروعه الدموي بإسقاط كل من لايؤمن بفكر البعث من قوى يسارية كانت لها حظوة كبيرة في الساحة العراقية مثل الحزب الشيوعي العراقي وقوى اليسار الديمقراطي التي كانت تراهن في فترة ما على الوصول ﺇلى نوع من التوافق مع المشروع البعثي من خلال ما عرف بالجبهة الوطنية والقومية في تموز 1973 التي أسسها حزب البعث لتمرير صفاقته ومشاريعه الإقتصادية والتلسيحية مع الإتحاد السوفيتي في ذلك الوقت.

لقد وجدت القوى التقدمية ممثلة بشريحة المثقفين الذين آثروا الإنزواء أو الهجرة أو حتى حمل السلاح في كردستان في شمال العراق وجدت نفسها وقد أقصيت تماماً من المشاركة في قيادة المنظومة الثقافية أو المشاركة فيها بعد إغلاق صحفها والتعرض لأشخاصها سواءاً بالمغريات المادية أو بالتخويف والإجبار على السكوت أو الهجرة ففي وقت مبكر من وصول البعث الى السلطة أصدر مجموعة من القوانين الإقصائية ضد من اعتبرهم خصومه التقليدين لأسباب عقائدية حيث أصدر قانون المطبوعات في شباط 1963 والذي حضر بموجبه كل الصحف والمطبوعات التي كانت رائجة في العهد الجمهوري خلال فترة حكم الزعيم عبدالكريم قاسم وإصدار قانون بتخوين كل من انتمى لتلك الاحزاب وعرضه للقتل والحبس والمطاردة.

وفي محاولة منه لتأسيس تأريخ عقائدي جديد للعراق قاد الطاغية صدام حملته المشؤومة المساة (ﺇعادة كتابة التاريخ) والتي هيأ لها كل الوسائل التي تساهم بنجاحها ووضع تحت تصرفها كل ﺇمكانات الدولة فعقدت الندوات والمنتديات وألفت الكتب وأنتجت الأفلام والمسلسلات وحاول البعض ممن أوكلت لهم هذه المهمة تبييض الصفحات السوداء من تاريخ العراق والإساءة ﺇلى الصفحات الناصعة والمشرقة من تاريخه عن طريق تأليف الكتب ونشر المطبوعات ومنها نشر كتاب محمود الجومرد (الحجاج رجل الدولة المفترى عليه) محاولاً تلميع صورة واحد من أسوء الطغاة الذين حكموا العراق بعقلية عنصرية طائفية بغيضة كان سلاحه فيها القتل والتهجير والتمثيل والحبس الحجاج الذي قال عنه عمر بن عبدالعزيز (لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها وجئنا بالحجاج لزدنا عليهم) فتحول بقدرة التاريخ الجديد ﺇلى مفترى عليه ثم أخذت هذه الثلة المأجورة تبحث في التاريخ القريب للعراق فتناولت ثورة العشرين كواحدة من أشرف ثوراته وأعظمها شأناً وجعلت منها حدثاً شخصياً عابراً بين الشيخ حارث الضاري الأب والقائد الانكليزي لجمن في فيلم المسألة الكبرى وقلبت في التاريخ القديم وجعلت من حضارة وادي الرافدين بتراثها الكبير الزاخر امتداد لعصر طاغية العراق وهٌدمت مواقع أثرية ضخمة وأعيد بنائها من جديد وكتب عليها شعار المرحلة الجديدة والتاريخ الجديد.

لقد كانت الإنتكاسة التي تعرضت لها القوى التقدمية المثقفة ضد مؤسسات الحكم الرجعي الشوفيني الأمنية والإعلامية إنتكاسة أخلاقية وسياسية لجميع مؤسسات الحكم ليس في العراق وحده بل في المنطقة العربية التي كانت تحتمي بالسلطة سلاحاً ضد كل من يقف بوجهها وإنهياراً لقيم معتدلة وحداثوية كان يمكن لها أن تقدم خلاصة تجربتها الثقافية في خدمة المشروع الوطني والقومي بدل الإحتماء بأيدلوجيات قمعية كانت تحمل في طياتها بذور فشلها واندحارها ففي نهاية السبعينات من القرن الماضي أصبحت السلطة الحاكمة في واد وطبقة المثقفين الأحرارفي واد آخر.

ففي مجال المسرح إنتهت الفترة الذهبية لعصر الثقافة التي حمل تنوعها مجموعة من الطلبة الدارسين في المعاهد والجامعات الأوربية أمثال فاضل خليل وصلاح القصب وقاسم محمد وعوني كرومي وشفيق المهدي حيث بدأت الخطوات الجادة لعصرنة المسرح العراقي بصبغة حداثوية إستلهمت ماتوصلت إليه التجارب العالمية في هذا المجال فكان المسرح التجريبي الملحمي لبريشت الذي قدمه الفنان المخرج إبراهيم جلال والكاتب المسرحي عادل كاظم في مسرحية الحصار وكذلك الفنان المسرحي قاسم محمد في مسرحية (كان ياماكان) وغانم حميد في تجربة مبكرة في مسرحية (المفتاح) للمسرح الفني الحديث وقدم الفنان صلاح القصب تجربة تعتبر من التجارب الريادية المتميزة للمسرح العراقي والعربي في مسرح الصورة المستلهم من التغريبية والمحلية في مسرحية (حفلة الماس) لكن ذلك لم يستمر طويلاً حيث تحول المسرح العراقي الذي كان يمتاز بشاعريته الفذة وتذوق جمهوره كما في مسرحيات (الشمس،الأسوار،المتنبي،أجراس تموز،الطوفان) ﺇلى مسرحيات (چاي وچذب،بيت الطين،الخيط والعصفور) ومن الفرق المسرحية الكبيرة التي كان لها دوراً كبيراً في إشاعة الثقافة المسرحية بالعراق مثل فرقة (14 تموز،المسرح الفني الحديث،مسرح الطليعة،مسرح السبعين،فرقة المسرح العمالي)إلى (مسرح النجاح،مسرح عشتار)واختفت من واجهات المسارح عناوين لامعة مثل (ترنيمة الكرسي الهزاز،الخال فانيا،البيك والسايق،الإنسان الطيب) وحلت محلها مسرحيات مثل ( بيت وخمس بيبان،بين مريدي ولندن).

وفي مجال الأدب إنطوت صفحات مهمة للأدب العراقي كما هو الحال مع الروائي والقاص العراقي غائب طعمة فرمان (1927 – 1990) ورائعته الشهيرة (النخلة والجيران) ليشد الرحال مغترباً إلى موسكو ويعتلي ساحة الرواية واحداً من مروجي فكر البعث هو الروائي والإعلامي عبد الأمير معلة ويقدم روايته (الأيام الطويلة) كفرض طاعة لسيده صدام ليحظى بالقبول ويلحق بركب المناصب والمراكز النقابية والوظيفية التي كانت تنتظر من يقدم فروض الطاعة والولاء ولحق به مبدع عراقي آخر هو الشاعر عبدالوهاب البياتي وكذلك شاعر العراق الأكبر محمد مهدي الجواهري الذي أسقط عنه النظام الجنسية العراقية ليدخل الأدب العراقي ومع بداية العقد الثامن من القرن الماضي ساحة معترك جديد هو ما عرف بأدب الحرب الذي رافق الحرب العراقية الإيرانية والذي كان في أكثره مشاهدات وتقارير تسجيلية لما كان يدور في ساحة الحرب ولم تكن تلك غير انتكاسة مريرة للثقافة العراقية كما علق أحدهم ممن كانت له حضوة في تلك المرحلة من تاريخ العراق الثقافي حين قال(تلك لم تكن هزيمة بقدر ماكانت إنتكاسة للثقافة العراقية).

 

 

إرنست هرتزفيلد مُكتشف حضارة سامراء!!

أرنست هرتزفيلد عالم آثار ألماني (تموز\3\1879 – كانون الثاني\20\1948)، درس العمارة في ميونخ وبرلين، وأخذ دروسا عن الآشوريين والتأريخ القديم، وهو أول أستاذ بآثار الشرق الأوسط في العالم، وذلك في جامعة برلين عام 1920.

وفي الفترة (1911 – 1913) أجرى أول تنقيبات في مدينة سامراء، وقد ترك (30000) وثيقة وصورة ورسم ومدونة عن حفريات سامراء وآثارها، وما إكتشفه فيها من حضارة إنسانية غائرة في أعماق التأريخ، تعززها اللقى والتحف التي عثر عليها.

وهذه الآثار القيمة محفوظة في برلين وبريطانيا وفرنسا والمتاحف التالية في أمريكا:

(Freer Gallery of Art، Arthur M. Sacker Gallery، Smithsonian Institution in Washington، DC)

هذا الرجل الذي جاء إلى سامراء من برلين في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وعسكر بين آثار بني العباس في زمنٍ كانت المدينة مسوّرة، ولا يبيت خارج أسوارها أحد إلا وأصابه مكروه.

فأية شجاعة هذه، ومغامرة ومخاطرة وإصرار على إظهار حضارة سامراء، وتنوير الدنيا وإعلامها بأن الحضارة الإنسانية قد إنبثقت منها.

حيث برهن بتنقيباته في (باب الناصرية)، (تل الصوان)، أن سامراء مدينة حضارية قديمة ، وأول مدينة أسست لأنظمة الإرواء في الدنيا، حيث إبتكرت نظام إروائي متقدم، وسكنها الآلاف من الناس، وأوجدوا أنظمة لحياتهم كمجتمع، وذلك قبل أكثر من (6000) سنة قبل الميلاد، ودلل بما عثر عليها من لقى أثرية تعود إلى الألف السادس قبل الميلاد، كتمثال الأنثى المشهور.

كما أكد أن المدينة قد إشتهرت بالصناعات الفخارية والزجاجية، وكانت منتوجاتها هي الأجود والأرقى، وسائدة ولا تُظاهى.

كما أن الأشكال الهندسية المرسومة على الأواني والمصنوعات تشير إلى تقدم في الذوق والفنية والجمالية، وهذا يعني أن المجتمع كان متطورا ومتفاعلا في منظومة إجتماعية ذات معاني وقيم حضارية واضحة.

وحضارة سامراء هي ثاني حضارات الدنيا بعد حضارة (جرمو) جنوب شرق كركوك، ومنها إنطلقت حضارة (عبيد)، وبعدها بدأت الحضارات المعروفة (السومرية والأكدية والبابلية والآشورية)، ولهذا كان العالم أرنست هرتزفيلد يرى أن سامراء كانت مركز العالم، أو هي مركز العالم الحضاري وينبوع إنطلاق التقدم والرقاء الإنساني على جميع المستويات، فمن رحمها ولدت الحضارات الأخرى التالية لها.

والعالم أرنست هرتزفيلد هو الذي كشف قصور بني العباس، وقدمها للدنيا، بما جمعه من أدلة تشير إلى هندستها ومواقعها، وعمرانها ورسمَ خرائطها، ودون مشاهداته بدقة وحِرفية ومهنية عالية.

وبفضله صار للمدينة قاعات في متاحف الدنيا في برلين وبريطانيا وأمريكا وفرنسا وغيرها من متاحف ومراكز الفن والآثار في العالم، أي أنه هو الذي عرّفنا بحضارتنا وتأريخنا، وكشف النقاب عن الكنوز الحضارية الكامنة في مدينة سامراء.

تحية للعالم أرنست هرتزفيلد، وتقديرا لإضافاته المعرفية الإنسانية، فهو يستحق أن يُقام له تمثال في مدينة سامراء، إعترافا بجهوده وتثمينا لما قام به من عمل أصيل، وضع مدينة سامراء في مقدمة المدن التأريخية الحضارية، وجعل العديد من مراكز البحوث الحضارية تهتم بها أيما إهتمام، وتتسابق على إحتضان آثارها متاحف الدنيا الكبرى.

فهل سنعرف قيمة سامراء الحضارية ؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

كيف غيّرت شبكة الأنترنيت حياتنا؟

jawdat hoshyarشبكة الأنترنت، من أهم الأنجازات التكنولوجية على مدى التأريخ البشري، ولكن لا تزال امكاناتها ومسار تطورها اللاحق غير مفهومة تماما، ولا أحد يمكن ان يتنبأ على وجه الدقة بما تحمله من مفاجآت، حتى في المستقبل المنظور. فقد كانت في البداية مجرد أداة لنقل البيانات الرقمية من جهاز كمبيوتر بحجم غرفة كبيرة الى جهاز آخر بنفس الحجم تقريباً، ولكن تحوّل بسرعة الى وسيلة فعالة للتعبير الذاتي بأشكال متنوعة. وهي تبدو غير مادية ولكنها تتطور بأستمرار وتزداد تعقيدا من يوم الى آخر. وتحمل الفوائد والشرور معا، وبدأنا الآن ندرك مدى تأثيرها على عالمنا.

فى كل لحظة مئات الملايين من البشر يخلقون ويتبادلون ويحصلون على كميات هائلة من المعلومات في فضاء حر لا تحده في الواقع اي حدود جغرافية او سياسية، لذا يتعذر اخضاع الشبكة للقوانين الوطنية لهذه الدولة أو تلك. وبفضل الامكانات الجديدة للتعبير الحر عن الرأي والتدفق المعلوماتي الهائل نشأ المشهد الأفتراضي المعقد المعروف لنا .

تمعن ايها القاريء كم موقعا الكترونيا زرت؟، وكم رسالة الكترونية أرسلت أو تلقيت؟، وكم من الاخبار والقصص والتقارير والمقالات قرأت؟، وكم من الحقائق الجديدة عرفت؟، وكم من علاقات جديدة أنشأت؟، وكم من الأحلام ولدت هنا وتحققت؟ . كل ذلك بفضل هذه المنصة الشاملة .

 قبل ظهور الإنترنت، كنا نعيش في نوع من حقبة ظلامية: كان علينا أن ننتظر طويلا لسماع الأخبار من الراديو او التلفزيون أو نقرأ عنها في الصحف في اليوم التالي . ونضطر للذهاب إلى متجرللتسجيلات الموسيقية لشراء ألبومات جديدة، تحتوي على الأغاني والموسيقى التي نحبها .

واذا لم نجد تحت يدنا مصدرا يتضمن المعلومات التي نحتاجها –كنا نتوجه الى مكتبة عامة ونقضي وقتا طويلا من اجل العثور على ما نبحث عنه في بطون الكتب والمخطوطات المغبرة .

اقتحمت شبكة الأنترنيت حياتنا وغيرت كل شيىء فيها، نحن نعرف اليوم كل ما يحدث في العالم لحظة بلحظة، نعرف عن الزلازل قبل أن تصل الينا، نستطيع ان نغير بأنفسنا أي مقال في الأنسكلوبيديا الحرة، يمكننا ان نطلع على الأخبار أولا بأول وعلى الآراء المختلفة والتعليق عليها . يمكننا نشر مقالاتنا بسرعة ليطلع عليها القراء في شتى انحاء العالم ونتبادل المعلومات والرسائل والصور مع من نشاء . كل ذلك ببضع نقرات الماوس.

الإنترنت غيرت ثقافتنا، فنحن اليوم نحصل على الفور على اجابات لأي سؤال يخطر ببالنا . يمكنننا ان نوجه الأسئلة حتى الى الرؤساء والزعماء وقد نتلقي منهم الأجابات احياناً .

وفي الوقت ذاته، فأن عدم وجود أي نوع من التوجيه المركزي على الشبكة، أتاح الفرص للعنصريين والمتطرفين والأرهابيين نشر سموم الكراهية والعنف في العالم على نحو غير مسبوق .

ومع توسع هذا الفضاء سوف تتغير تصوراتنا عن كل مجال من مجالات الحياة الأنسانية - من التفاصيل اليومية الى المفاهيم الأساسية المتعلقة بالشخصية، والعلاقات مع الآخرين، وحتى سلامتنا الشخصية . وتحت الضغط الشديد للتكنولوجيا الجديدة ستنهار الحواجز التقليدية على طريق الاتصال بين البشر : المسافات، اللغات، محدودية فرص الحصول على المعلومات – ويبدأ صعود موجة جديدة من الابداع وتنمية الطاقات البشرية الكامنة . وقد ادى التوسع الهائل لشبكة الإنترنت إلى سلسلة من التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية الأكثر اثارة للدهشة في التاريخ .

والآن، على عكس الأيام الخوالي، حدثت تغيرات عالمية حقا.

لم يحدث من قبل قط ان ظهرت فرص او امكانات او خيارات لمثل هذا العدد الهائل من الناس من مختلف البلدان . رغم أن هذه الثورة التكنولوجية، ليست الأولى في تاريخ البشرية بطبيعة الحال، ولكن لأول مرة في التأريخ يمكن لأي شخص أينما كان ومتى شاء أن يخلق معلومات إلكترونية، او يمتلكها ويوزعها في الوقت الحقيقي، دون إشراك وسطاء.

ولكن كل هذا هو مجرد بداية ...

 

جودت هوشيار

دور المثقفين في انتشال الأمة من أتون الأزمات

waleed kasidalzaydiقديما قال الفلاسفة ومن بينهم الفيلسوف الألمانى جورج فيلهلم فريدرش هيجل (١٧٧٠ــ١٨٣١)، إن مسؤولية النخب العلمية والفكرية والفنية والمجتمعية هي العمل المستمر من أجل الخروج بشعوبها من مشاعر الإحباط واليأس والعدمية والمظلومية بتوظيف طاقاتها الإبداعية وبالتبشير بإمكانية الوصول إلى حاضر وغد أفضل، حيث قيم المعرفة والعلم والتقدم والحرية والمساواة التي تعد عماد حياة البشر وحركة التاريخ .

هكذا فان الشعوب وفي مختلف الامم، مرت بفترات حرجة ومآزق بقيت إبانها في حيرة من أمرها، عاجزة عن القيام بتصرف ما، حيث يدري المواطنون اي درب من دروب الحياة والنجاة يجب ان يسلكوا، فهم حيارى - كالريشة في مهب الريح - في أشد الحاجة الى الإرشاد والتوجيه، في هذه الفترات اذا ما ظهر كتاب ومثقفون يدلون الناس ويهدونهم، فانهم يستحقون التقدير والاحترام وسيدخلهم التاريخ في صفحاته البيضاء، وهو الحال الذي حدث في فرنسا مثلا قبل عدة قرون، من خلال فولتير الذي انتقد التفاوت الطبقي حيث كانت تتربع الهرم الاجتماعي أقلية من النبلاء والاكليروس بينما لا تتمتع الهيئة الثالثة بأبسط الحقوق رغم كونها تشكل 90% من السكان، ومونتسكيو الذي طالب بفصل السلطات، حيث كان الملك يتمتع بالحق الإلهي ويحتكر كافة السلطات، وروسو الذي ركز على الحرية والمساواة أمام القانون .

وهكذا تداعى في فرنسا مثقفيها فانتشلوها من محنتها بالرأي والإرشاد والتوجيه والموعظة الحسنة، ليصلوا بها الى عصر الأنوار والنهضة.

لقد حدد " هلفيسوس " في كتابه (الانسان) الدور الاجتماعي الذي يجب ان يقوم به المثقف بأن يسدد سهام نقده اللاذع للفساد والظلم، وان يعمل على انبثاق الحقيقة، والأمانة، والمنفعة.

دور المثقف لا يقتصر على التوعية والتثقيف بشأن حل المشاكل والخروج بالأمة من أتون الحروب والتطاحن والمحن في الداخل، بل يتعدى ذلك الى السياسة الخارجية للبلد التي لاتقل شأناً وأهمية من السياسة الداخلية، ففي واحدة من محاضراته عن دورالمثقف في تعزيز السلام العالمي يكتب الروائي الجنوب افريقي "جي إم كوتزي":

(إذا شاء المثقف ان يضطلع بدور ما في سياسة بلده الخارجية فعليه ان يقوم بدور حمامة السلام المتسم بالحكمة والرصانة والقدرة على اسداء النصح للسياسي، ليس من مثقف يتقمص دور إله الحرب مارس     و يشعل الحروب او يحرض على تخريب علاقات بلاده مع بلد اخر، دور المثقف الأخلاقي يكمن في تحسين اوضاع عالمنا وايقاف التدهور ان استطاع الى ذلك سبيلا ).فكم نحن في عراقنا الجريح بحاجة الى هذه الممارسات والأخلاقيات من اجل رفع شانه لين البلدان والامم.

ان المثقف مسؤول في مجتمعه طالما يحمل الفكر والقلم، اذ ينبغي عليه ان لا يتهرب من مسؤوليته، ويختار الانكفاء والانزواء، فهو ليس حرا في ان يختار السلبية في الأوقات العصيبة التي تمر بها الأمة. وهو عندما يطالب بحقوقه فان عليه واجبات ينبغي ان ينجزها ايضاً، أخذاً بالرأي القائل (لا حقوق بدون واجبات، ولا واجبات بدون حقوق). فضلا عن ذلك فان هذا الواجب هو أخلاقي قبل كل شيء، فالعوامل التي تقرر المبادىء الأخلاقية هي الحاجات الثقافية والمادية لجماهير الشعب، فكل شيء يصبح فاضلا ً اذا كان يحقق خيراً عاماً وطمأنينة شاملة.

يقول هانز ماغنوش: (... واثناء الاوقات الصعبة {....} يكون عدد الابطال في حده الادنى . فغالبية الناس نهب للتردد والبلبلة . إنني أهتم بهذه الفضاءات الوسيطة . من وجهة نظر اخلاقية وسياسية، ويهمني أيضا واقع أن الشخصيات ليست ثابتة بل تتطور بمرور الزمان) .

في حين يقول مارتن لوثر كنج: (إن أسوأ مكان محجوز في الجحيم هو لأولئك الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة).

التاريخ يذكر لنا بأن المثقفين حملوا منذ القدم مشاعل الفكر فأناروا السبل المظلمة امام الانسانية في مسيرتها الكبرى نحو الحرية والديمقراطية، فاستعادوا الموت في سبيل الدفاع عن شرف أممهم وتحقيق الديمقراطية، مثل سقراط ولولي تزر وبرنو في زمن الإغريق، فأصبحوا في عداد الأبطال الخالدين.

يتحدث الدكتور علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري": (يقال إن أسباب الثورة الفرنسية، قد نشأت جراء الآراء التي بثها فولتير وروسو ومونتسكيو، أكثر مما نشأت من شدة الجور أو ضيق الحال، فقد ثبت أن الفرنسيين كانوا حينذاك أكثر رفاهية من شعوب روسيا وألمانيا واسبانيا). هكذا هو تأثير المفكرين والمثقفين في شعوبهم .

لذا ارى ان على الكتاب والمثقفين العراقيين، أن يحيطوا علما بالمرحلة التاريخية التي يجتازها المجتمع العراقي، وأن يدركوا الدور الذي ينتظرها المجتمع منهم، وكما يقال فإن يداً واحدة لاتصفق، وأن صوتاً واحداً يذهب ادراج الرياح، فليعمل الكتاب والمثقفين متضامنين ومتكاتفين فيما بينهم من أجل إظهار كلمة الحق وجلاء الحقيقة، واضعين مصلحة الوطن والشعب والجيش أمام أعينهم كثوابت ثلاثة لايمكن التفريط بها او المساومة بشأنها، فهي ركائز بقاء خيمة البلد واقفة بشموخ كنخيله الشامخ منذ الأزل.

قصائد للبيع .. حضارة للايجار

aous hasanلم أكن في حياتي تلميذا ً نجيبا ً للنقاد، والمؤوليين للنص الأدبي، فقد أحببت المشاكسة والتمرد مذ كنت طفلا ً، ورضعت حليب المعاناة والهم الكوني، فقد اتسمت حياتي بقلق وجودي دائم، وبثورة ونفور من كل شيء سائد في المجتمع.كنت أنا ولم أكن الآخرين. وقد أدركت لاحقا ً أن الشعر هو السلاح المعبر عن أحلام الإنسان وتطلعاته وآماله، وهو المعادلة التي تربط الهم الإنساني بالوجود وبالحقيقة المطلقة التي تمنحه الخلود عن طريق نصه الغريب، لذا جرت العادة أن أكتب نصوصا ً خارج التنظير الأكاديمي والهندسة الإبداعية المحدودة، فكلما أمسكت بمفتاح جديد من مفاتيح الكتابة تكشف لي سر جديد من أسرار الحياة العميقة.

وجرت العادة أيضاً ً، أنني كلما كتبت نصا ً أدبيا ً مميزا ً، أن ألهث وراء شاعر كبير أو كاتب معروف لكي أريه نصي المتواضع، فيطلع عليه ويبدي الملاحظات المهمة والمفيدة بالنسبة لتجربة شاعر شاب مازال نقطة صغيرة في هذا المدى اللانهائي، فمنهم من كان يشجعني، ومنهم من كان يبدي ملاحظاته: أنت جيد ومتمكن من اللغة والابداع، لكنك ما زلت بعيدا ً عن الشعر واللغة الشعرية، ومنهم من كان يقول عليك أن تتبع الشروط المتوافرة في النص الفلاني أو الفلاني لكي يكون نصك النثري او القصصي او السردي مطابقا ً للغة السائدة في بنية الأدب الحديث، ومنهم من قال أن نصوصك ترتدي ثيابا ً غريبة، لكن القلة منهم قالوا بأنك مميز وثائر على المنظومة السائدة . كل هذه الملاحظات والآراء، طبيعية ومنطقية لشاعر ما زال في بداية الطريق، فكل شاعر حاذق أراد لتجربته الشعرية أن تنضج وتختمر عليه أن يشرب عصارة كل هذه الأراء والملاحظات في كأس الحياة. الحياة التي ستعطي الشاعر مفاتيح الدهشة والحكمة إن عايش تفاصيلها اليومية المترعة بالآلام والشجون والنزيف الحاد المتكرر في كل لحظة.

لكن الأمر الذي أثار استغرابي ذات يوم وأصابني بغثيان لم أشفَ منه إلى الآن ..

أنني عرضت إحدى قصائدي الجديدة على أحد الكتاب العراقيين المعروفيين وله خبرة طويلة ومتراكمة في مجال الكتابة والأدب والنقد، فأثنى على القصيدة ثناء ً واضحا ً وشجعني بحرارة لكنه أبدى ملاحظة، وقال لي: (ترى الشاعر والكاتب ميكفي يكون مبدع وموهوب وعنده طاقات لازم جيبه مليان فلوس ولازم يكون عنده واسطات وعلاقات اخوانية علمود يوصل ..)، ثم أردف قائلا ً (إذا عبالك الموهبة والأبداع والقدرة اللغوية والأحساسيس الصادقة .. تكدر تصنع شاعر فطز بيهن كلهن اكو شغلات اخرى لازم انت تعرفها وتتعلمها) .

إن الواقع العراقي اليومي الذي أرهقته الحروب والنزعات والفساد الإجتماعي، الواقع المتخم بثقافة العنف والايدلوجيات المحنطة والتقاليد البالية التي تؤسس للعقل المحاصر، والخطاب التعبوي المتسم بسياسة التهميش والإقصاء، هو الواقع المرير والبائس الذي حاولت الهروب منه مرارا ً لجوءاً ً إلى الوسط الثقافي الذي يتسم بالإنسانية واللاطبقية، والذي يوفرلي فضاء ً مفتوحا ً للفكر للحر، ظنا ً مني أنني استطيع أن أمارس إنسانيتي بلا استعباد أو عبودية. كانت الصدمة أكبر من الواقع البائس، فالوسط الثقافي تملؤه الميليشيات الثقافية المريضة المصابة بهوس النرجسية والغرور والنواقص النفسية، وسط مليء بالمخمورين والمنحرفين، والتجار الذين يتقنون فن التلاعب بعقول البسطاء، لأجل غرائزهم ومصالحهم المادية، حينها أيقنت أن الثقافة تعاني من أزمة حقيقية خانقة، مرتبطة ارتباطا ً جوهريا ً بالأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد، فالمستقبل لأشباه المثقفين للنفعين المتطفلين، لعبيد الثقافة الإستهلاكية للمتسلقين الذين يلحسون أقدام الطبقة الحاكمة،أما اصحاب الكفاءات والمواهب والأبداعات فهم يغردون خارج السرب ويعيشون في غربة وعزلة روحية، لكنني كنت على يقين تام أنهم هم السائدون ولو بعد مئة عام وهم من سيمثلون الحقيقة التاريخية لبلادهم .

إن المثقف الحقيقي هو الذي يعايش آلام الناس اليومية في الشارع، يسافر معهم في أحلامهم البسيطة وتطلعاتهم المستقبلية، يحترم غيبياتهم الميتافيزيقية، يعمل على استفزاز الوعي وإثارة التساؤلات، يبدأ مسيرته بالشك، وينتهي برحلة طويلة ومجهولة إلى عالم المعرفة.

سرت قشعريرة في بدني، انتابني شعور غريب اهتزت له ارجاء الأرض، تناهت اصوات إلى مسمعي (قصائد للبيع .. نثرية تفعلية .. عمودي .. قصص قصيرة .. روايات بالتقسيط المريح ملاحم وأساطير بالتفصيخ .. يالله تعال تاريخ وحضارة للأيجار).

ابتلعت حزني كما يبتلع المساء شمس النهار، و أطلت التأمل في الأفق باحثا ًعن دمعة ٍ ضائعة وعن قلب ٍ أودعته يوماً ً في بقايا ذلك الوطن المتناثر.

 

النظرية بين النجاح على الورق وفشل التطبيق العملي

نادرا ما تم نجاح التطبيق وفق النظرية المقدمة، ولكن غالبا ما كان هنالك فشل للتطبيق وفق نظرية معينة ولم يكن الأمر خطأ في نظرية على المستوى القريب بل كان الخطأ في (المطبق) الذي تبنى تلك النظرية ولم يستطع اختيار العناصر الكفوءة التي بامكانها ان تجسد تلك النظرية، أي كانت على الصعيد العملي، وعندما فشل المطبقون في المجالات العملية، نظر عوام الناس الى المطبقين وفشلهم في التطبيق واسقطوا ذلك الفشل على النظرية نفسها ومن جاء بها، وبالتالي نشأ رد فعل تجاه تيار معين مع ان ذلك التيار لو استطاع لبعض الوقت ان يختار من هم قادرون بالفعل على تبني وتفعيل ما جاءوا به لكان الامر مختلفا ولقال عوام الناس ان هؤلاء هم الفاشلون اما من جاء قبلهم فلم يكونوا كذلك، حيث ينتظر العامة من اولئك القوم (اصحاب المبادئ والمثل) ان يكونوا احسن وافضل الناس لانهم مثقفون، اما لو حصل العكس وفسد من يدعي ويتشدق بتلك المثل فأن الانسان العادي سوف تصيبه صدمة مما يرى وهو لا يعلم ما في الكتب وما يجب أن يتم تبنيه فهو ينظر الى المثال الحي الماثل امامه واذا ما فشل ذلك المثال في نيل ثقته فان ثقته سوف تهتز بكل الرموز الاخرى التي تدعي شيئا وتمارس شيئا اخر، وفي غمرة ذلك سوف يضيع اولئك المثقفون الصفوة الرائعون وسط زحام الفاسدين الذي طغى عليهم ويصبح من الصعب التمييز الا بصعوبة حيث يتطلب الامر مزيدا من الوقت والجهد من قبل الطرفين وهما الملقي (المثقف) والمتلقي (الانسان البسيط)، وبذلك تنشأ ثقافة النفاق والكذب المكشوفة التي يضطر عوام الناس لتبنيها من اجل كسب لقمة العيش وملئ البطون بعيدا عن ملئ العقول بالثقافة والقيم الحقيقية وبذلك تنشأ ازدواجية واقعية تفرض ذاتها حتى تصبح من كيان الانسان البسيط وبمرور الزمن تصبح الاخطاء المفروضة المنتشرة امرا عاديا مفروغا منه، اما القيم الجميلة و التطبيق الحقيقي الاصيل للافراد الذين يمثلون ويجسدون التطبيق العملي لأي نظرية فيصبح امر شاذا لدى العوام ونوعا من الضعف الذي لا يسمن ولا يغني من جوع لانه لا يحقق الكاسب السريعة التي يريدها المحرومون الذين لا يريدون ان يصبروا من اجل ان يحققوا اهدافهم لو كانت لهم اهداف اصلا، وبذلك يبقى المثقف يصرخ ويصدح بصوت عال او منخفض او (اضعف الايمان) حيث جنى عليه اصحاب التطبيق الخاطئ للنظرية التي يؤمن بها الجميع ولا يطبقها الا ثلة قليلة من البشر على كافة المستويات، ويكون الحل في هكذا مجتمعات من الاعلى وليس من الاسفل لان الهرم يجب ان يصلح ويصلح من معه و يختار الصالحين الذين سوف يختارون الصالحين امثالهم وهكذا يكون الامر ويساهم الجميع في نشر ثقافة معينة تبدأ من الصغار في المدارس حتى ينشا جيل قادر على تغيير نفسه وحمل المسيرة من اجل مستقبل افضل .

 

حسين حبيب عباس

من هو المثقف وما هو دوره؟

لا يمكن ان نعتبر استاذ الجامعة المحامي السياسي مثقفا فهؤلاء اصحاب مهنة كصاحب اي مهنة اخرى مثل الحداد النجار التاجر السائق الطبيب المهندس العامل الفلاح لكن من الممكن ان يكون الحداد السائق مثقفا في حين استاذ الجامعة ليس مثقفا ومن الممكن ان يكون استاذ الجامعة مثقفا والحداد غير مثقفا يعني ان استاذ الجامعة الحداد النجار الطبيب يؤدي خدمة الى الناس مقابل اجر معين اما المثقف فانه يصلح الناس بدون اي مقابل

فالمثقف هو معلم للشعب كل الشعب من القاعدة حتى القمة اي كل مستويات الشعب وخاصة جماهير القاعدة لا شك ان هؤلاء يمثلون الاغلبية من ابناء الشعب

فالمثقف يعيش مع هذه الفئات ويرفع من مستواها اي يذهب اليها ويشاركها في مناسبتها المختلفة فاذا طلب منها ان تأتي اليه وتستمع اليه وتتعلم منه فانه ليس مثقفا

فالمثقف ينزل الى الجماهير ويكون في مستواها بل تحت مستواها ثم يرفعها تدريجيا فاذا طلب منها ان تصعد اليه وترتفع الى مستواه فانه ليس مثقفا

فالمثقف ينطلق من مستوى الذين يخاطبهم فالامام علي يقول خاطبوا الناس على مستوى عقولهم لان مخاطبة الناس من منطلق اعلى من مستوى عقولهم يؤدي الى الاصطدام مع هذه الجماهير وهذا الاصطدام يؤدي الى فشل المهمة

فالمثقف ان يفهم واقع الجماهير ويعمل على تغييره تدريجيا وصنع واقع جديد عند ذلك تتغير الجماهير وترتفع الى مستوى ارقى واعلى

عندما نبدا في تعليم اطفالنا نبدأ معهم بعبارات دار دور داران ليس الهدف هو عبارات دار دور داران لكن عقول هؤلاء الاطفال لا تستوعب اكثر من ذلك فالهدف من ذلك هو ان نصنع منهم علماء مبدعين ومكتشفين ومخترعين نصنع منهم رجال يساهمون في بناء الحياة وتطورها

لهذا على المثقفين خلق حركة ثقافية وهذا يتطلب حركة جماعية من كل المثقفين وفق خطة موضوعة مسبقا للاسف لم نشاهد في العراق حركة جماعية للمثقفين وفق خطة برنامج عامة متفق عليها مسبقا نعم هناك حركة على مستوى الافراد لهذا كان تأثير هذه الحركة قليلا او حتى غير موجود

فالثقافة تعني حضارة والمثقف متحضر

فالشعب المثقف اي المتحضر هو الذي يتميز بصفات ومميزات حضارية مثل احترام القانون والالتزام به سواء كان في صالحه او في الضد من ذلك احترام الرأي ووجهة نظر الاخر مهما كان ذلك لانه يرى ان الافكار تتلاقح ولا تتصارع وكلما اطلع وسمع وشاهد اكثر عدد من الاراء والافكار كلما ولدت لديه افكار جديدة اكثرنضوجا واكثر استقامة واكثر صلاحية

لهذا فمهمة المثقف بالدرجة الاولى ان يعلم الجماهير احترام اراء وافكار الاخرين مهما كانت تلك الافكار والاراء غريبة ومتعارضة مع افكارنا كما يعلم الجماهير احترام القانون والتمسك به وخلق قيم جديدة ترى في عدم احترام القانون وعدم الالتزام به دليل على جهل الشخص وجبنه فالشجاعة كل الشجاعة هو في احترام القانون والتمسك به

اعتقد ما نراه في المركز الثقافي البغدادي وفي القشلة مبادرة رائعة وخطوة مهمة على المثقف ان يستغلها استغلال كامل لنهضة ثقافية شاملة ويدعوا الى خلق مثل هذه الجامعات الثقافية في كل مدينة وكل حي وكل قضاء وكل ناحية

للأسف هناك من يحاول ان يستغل مثل هذه الاماكن ويحاول ان يفرض رأيه ووجهة نظره على الاخرين ولا يسمح للرأي الاخر وهذا هو الطائفي العنصري

لا يعلم ان هذا المكان ليس مقر حزب وانما مكان عام من حق كل انسان ان يعرض فكره ووجهة نظره وعلى المثقف ان يعمل المستحيل من اجل ذلك لانه مهمة المثقف الاولى والاساسية هي

ان يعلم الشعب كيف يحترم اراء الاخرين ويستمع اليها بود ويقين بانه سيتعلم منها حتى لو كانت مضادة ومخالفة لارائه

ان يحرر العقول من اي احتلال من اي قيود ان يجعلها حرة متحررة

فكل شر وفساد وظلام في الارض نتيجة للعقول المحتلة المقيدة

وكل خير وصلاح ونور في الارض نتيجة للعقول الحرة المتحررة

مهدي المولى

زهرة الألب .. باركي موطني الى الأبد

"Edelweiss" أو زهرة الألب هي زهرة بيضاء بعطر فواح تتوسّطها حُبيبات صفراء، تنمو على سفوح جبال الألب وسط الثلوج، ومعروفة بتحَمّلها لأقسى الظروف المَناخية، لذا باتت قوتها مَصدَر فخر لسكان جبال الألب، وإتخذوها إيقونة وطنية نراها في الكثير من الأماكن وعلى الكثير مِن مُنتجانهم الوطنية. بل وحاوَروها وغنوا لها لتحفظ وطنهم الذي يُحِبّون، فكانت أغنيتنا موضوع المقال التي تحمل إسم الزهرة! وهي أغنية تقشعر لسَماعها الأبدان، ولايستطيع المرء إلا أن يقِف إجلالاً وإحتراماً لمؤلف كلماتها أوسكار هامرشتاين ومُبدع موسيقاها ريتشارد رودغرس، أغنية تطرح ثقافة إنسانية راقية مُسالمة لحب الوطن، وتتغنى به بلغة الورود، لغة بسيطة دون مُبالغات وشِعارات وفانتازيات، وهي لغة وثقافة يفتقر لها تراثنـا الغنائي الوطني، فبإستثناء"حاسبينك" التي تغازل الوطن بأصالة كلماتهاً ولحنها، فإن أغلب أغانينا الوطنية هوسات عَن العِزة والكرامة والعَظَمة والصُمود والموت والدماء والدمار وتأليه الزعَماء!

إشتهرت الأغنية من خلال فلم صوت الموسيقى، أحد أشهر أفلام هوليوود الغنائية الخالدة، والذي أنتجته فوكس القرن العشرين وأخرجه روين كوستال عام 1965. فلم إمتزجت فيه الطبيعة والموسيقى والملابس لتضفي صبغة ساحرة على صورة النمسا، التي إختزلها الفلم بمدينة موتزرات الساحرة سالزبورغ، وعائلة الضابط النبيل جورج فون تراب،الذي قام بدوره الأسطورة كرستوفر بلومر، وأبناءه ومُربيتهم ماريا،التي قامت بدورها الأسطورة جولي آندروز، وهي عائلة إضطَرتها ظروف الحَرب العالمية الثانية لترك منزلها وموطنها النمسا هرَباً مِن حُكم النازيين، الذين رَفَض تراب الإنضِمام لهم والعمل مَعهم، وفضل الهَرب مع عائلته الى أمريكا حيث إستقروا هناك حتى وفاتهم.

لقد مّثلت أغاني الفلم روحه وكانت أهم أسباب نجاحه، وأصبحت جميعها تقريباً من كلاسيكيات الموسيقى والغناء العالمي التي تدَرّس في المعاهد الموسيقية، كأغنية "دو ري مي" أو "أشيائي المفضلة" أو "صوت الموسيقى" التي تحمل إسم الفلم، والتي غنّتها جولي آندروز في بدايته على سفوح جبال الآلب الساحرة في منظر كان ولا يزال يخلب الالباب، أو أغنيتنا "ايدل فايس" التي إستلهم هامرشتاين نَصّها من كلمات كان يدَندنها سكان الألب مع زهرتهم، في حين إستلهم رودغرس لحنها من موسيقى الفالس التي إشتهروا بها، والتي غناها كريستوفر بلومر في الفلم وهو يعزف الغيتار مُتوسِطاً أبنائه وماريا التي أصبحت زوجته فيما بعد بطريقة كانت ولاتزال تسحر المشاهدين بصِدقها وتفاعلها مع كلمات الأغنية، ونجح في أيصال رسالة كلماتها التي توصي زهرة الألب على وطنه إليهم، فالأغنية الهادئة تحرك المشاعر بصدق وبطريقة تجعل المَرء يذهب بعيداً وعميقاً في حب الوطن،على عكس الأغنية الحماسية التي تلهب هذه المشاعر بشكل آني عابر، وسُرعان ما يزول تأثيرها بزوال شِعاراتها.

 

تقول كلمات الآغنية بإختصار:

يا زهرة الألب.. يا زهرة الألب..

يا من تحيّيني كل صباح

صغيرة وبيضاء

نقية ومتوهجة

تبدين سعيدة بلقائي

يا زهرة الألب.. يا زهرة الألب..

باركي موطني الى الأبد

 

ولأنها كلمات بسيطة وصادقة ونابعة مِن القلب دون مُبالغة أو تكلّف، فقد أستجابَت لها السماء وتجاوبَت معها الطبيعة مُمَثلة بزهرة الألب. فمَتى نعود لعِراقيتنا وقبلها لإنسانيتنا ونخاطب الوطن بمِثل هذه اللغة، بلغة زهرتنا الرازقي التي كانت تزيّن مَسائاتنا البغدادية بعِطرها الفواح ولونها الأبيض النقي وتلهم العشاق وتبارك قصص حُبهم وعلاقاتهم النقية الصافية!! فحينها فقط سَتُبارك السماء والطبيعة هذا الوطن وتعيد اليه أمنه وجَماله وألقه، فهل سيأتي مثل هذا اليوم أصلاً وهل سيَبزغ فجره على مُجتمع مَريض مَوبوء عاد اليوم الى عقلية القرون الوسطى ليُناقش حليّة الغناء مِن حُرمَتِه!!

أغنية "Edelweiss" كما غناها الأسطورة كريستوفر بلومر بصوته في الفلم:

https://www.youtube.com/watch?v=8bL2BCiFkTk

أغنية "Edelweiss" بصوت الأسطورة جولي آندروز بمصاحبة الأوركسترا:

https://www.youtube.com/watch?v=EhkXJn8EOug

 

 

مصطفى القرة داغي

الشاعر وسفر الغريب .. شلال من ألم شلال من أمل

hamid laftaموجز تعريفي بالمجموعة: صدر للشاعر المبدع شلال عنوز مجموعته الشعرية (الشاعر وسفر الغريب) عن دار الضياء للطباعة في النجف الاشرف في طبعته الاولى عام 2013 وعلى نفقة نقابة المحامين العراقيين – المركز العام ... تغطي المجموعة نتاج الشاعر

خلال فترة زمنية تمتد لعشرة سنوات (1999-2009)

تضم المجموعة (27) نصا شعريا بواقع نص واحد عام 1999 ونص واحد عام (2000) و(10) نصوص عام (2001) و(2) نصان عام (2003) و(3) نصوص عام (2004) و(6) نصوص عام (2005) ونص واحد عام (2006) و(2) نصان عام(2009)، ونص واحد بدون تاريخ، مع خلو المجموعة من أي نص شعري عام 2002 وعام 2007 وعام 2008 تبين لنا ان للشاعر نصوص من الشعر العمودي لم يشأ ان تتضمنها المجموعة، تصدرت المجموعة اضاءة للشاعر الاستاذ عبد المنعم القريشي (صياد الحروف) كما اسماه شلال عنوز في احد نصوصه،مع مقدمة بقلم الدكتور تومان غازي، وكلمة شكر موجزة بقلم الشاعر لنقابة المحامين المركزالعام لمبادرتها بتبني نشر المجموعة على نفقتها .. .

 

دلالات العنوان:

لا شك ان العنوان يدل دلالة مكثفة موجزة عن المضمون الذي يحمله المنجز الادبي او الفكري بين دفتيه، لذلك يراعي الكتاب اهتماما خاصا بالعنوان ليكون ذو دلالة بليغة ومكثفة على المنتج ..

عنوان المجموعة (الشاعر وسفَر الغريب)، يربط بين الشاعر كذات مبدعة حساسة، راصدة لمختلف الظواهر والمناظر الحياتية ليخرجها اخراجا فنيا بعد ادخالها في مشغله الابداعي الفني، بذلك تمتلك سر جمالها وديمومتها وتأثيرها بين الناس ولفت نظرهم وتفاعلهم بالسلب او الايجاب وحسب قدرة المبدع على تجسيد مشاعره جماليا مؤثرا ..

والتاريخ يسجل اثر الشعراء في الاحداث العظام للبشرية، فمن لايعرف دور الشعر والشعراء في الثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، والثورة الصينية، وثورة العشرين العراقية، والمقاومة الفلسطينية .. من لايعرف مالرور، وديستوفسكي، ونيرودا ولوركا والجواهري ومظفر النواب وناظم حكمت .. الخ .

يربط شاعرنا بين الشاعر وسفر الغريب، ليدخل حالة اللا استقرار والتنقل، لمن للغريب ؟؟ وليس بالضرورة الغريب غريب الوطن والارض، بل الغريب فكريا وسلوكيا، الخارق والمتجاوز للتقليد والمتعارف، هذا الذي يشعر بالوحدة والغربة في مجتمع تهيمن عليه القردنة والثعلبة والخنوع ومهادنة القبح، والتاقلم مع الظلم والظالم، والقهر والاستغلال .. هنا الشاعر هو الروح الحية في جسد مجتمع يتعفن .

هنا الاحساس بالمرارة والالم والعذاب لروح حساسة لاتأتلف الا مع الجمال والعدالة والسلام والقيم الانسانية النبيلة، فالشاعر والحق والعدل والمسافر الغريب توأمان لايفترقان

(اننا غريبان هاهنا وكل غريب للغريب نسيب)

(الغريب (في مجموعة شاعرنا مرتبط برمز له بالغ الاثر على الشاعر كمثال للتضحية والفداء والثورة من اجل المباديء والعدالة والمساواة، واعلاء راية القيم الانسانية العليا ألا وهو (غريب كربلاء) الامام الثائر الحسين بن علي(ع، فشلال شلالٌ من قيم منحازة لهذا المثل، المنارة، فكربلاء وردت اكثر من (16) مرة بين ثنايا نصوص الشاعر خصوصا نصوصه ما قبل انهيار الديكتاتورية في 2003.

 

نشأة وسط جمال الطبيعة وصدق السلوك

من خلال الاطلاع على السيرة الذاتية للشاعر نعرف ان ولادته ونشاته في بيئة ريفية، تتسم بالمال والبساطة والصدق في السلوك،فالريف يتميز بامتداد فضاء الرؤية، انبساط المسطحات المائية وانسيابية الانهار، وامتداد الحقول على مدى الرؤية، الحرية الغير مقيدة للكائنات الحية كالطيور وبقية الحيوانات وانسجامها المسالم المتآلف مع بيئتها، هناك لغة تفاهم وتعايش واخوة بين كل هذه الكائنات والانسان الذي يمارس سيادته وسلطته عليها بحميمية ومحبة وتفاهم، باعتبارها شريكة حياته وسبب استمراريتها ودوامها، فلا غرابة ان تكون لحيواناته اسماءا كاسماء ابنائه وبناته، وكأنها جزء من عائلته، فحزن ابن الريف كبير لموت او فقدان احدى هذه الحيوانات او موت احد الاشجار او المزروعات هذا هو شاعرنا المبدع متحدثا عن حياته في الريف ..

(شلال عنوز .. .هو الطفل القروي المشاكس ،كثير ألأسئلة الذي ولد في غمّاس احدى نواحي محافظة الديوانية في الفرات الأوسط من العراق،وتنفس هواء العراق ممتزجاً برائحة الأرض وعبير العنبر وشدو العنادل،فعانق النخيل وتسامى مع الشموخ وانطلق في الحقول وغنّى للماء والمطر،نما على أهازيج الفلاحين التي تشدو للعشق وبساطة العيش واكرام الضيف فتوهّج مع العنفوان أبيّاً صلباً لايعرف التراجع والانهزام. أكمل دراسته الابتدائية والمتوسّطة متفوّقاً في مدارس غمّاس ، وبدأ يقرأ في هذه الفترة أيّ كتاب تقع عيناه عليه وأشتدّ ولعه بالقراءة فقرأ المنفلوطي والحكيم وجبران خليل جبران وجرجي زيدان وجورج جرداق وغيرهم في كتبهم الموجودة في مكتبات المدارس التي درس فيها وحاز على تشجيع معلميه ونمت موهبته الأدبية وبرز في درس الانشاء) .. *

هذا الحال ينقلب راسا على عقب في المدينة وخصوصا في مدينة النجف التي تعتز باسوارها خوفا من الوافدين باعتبارهم غرباء دخلاء، فالمدينة تقع على حافة الصحراء وقد تعرضت لغزوات همجية من قبل بدو الصحراء، تتميز النجف بالتواء الشوارع والازقة وانحسار النظر بين جدران صماء وغياب الخضرة في بيئة متصحرة، ناهيك عن كون مدينة النجف لها ظاهر فوق الارض ومستتر مختفي (سراديبها وآبارها)، مما ولد شخصية معقدة غير مفهومة تظهر خلاف ما تبطن، دائما تتعامل بالاحتراز والحيطة مع (الغرباء)، ناجم هذا عن قسوة غزوات بدو الصحراء وفتكهم بسكان المدينة واعتدائهم على حرمة ومقدسات ساكنيها، كما ان هذا المعمار جاء كوسيلة وقائية ضد مناخ متطرف حار لاهب صيفا وبارد قارس شتاءا، وتعرضها لعواصف رملية هوجاء مؤذية، فهذا التصميم المعماري يقلل كثيرا من أذى الغزاة، وأذى الطبيعة القاسية ..

وفي الوقت الذي يعيش فيه الريفي حياة شبه مشاعية وعلاقات تبادل ومقايضة لسد حاجاته الحياتية المختلفة، يكون المال والجدال ومنهج وسلوك الغلبة والاستغفال والمشاطرة سمة اهل المدينة ضمن عمليات البيع والشراء وسلعنة كافة مظاهر التعاملات اليومية بين الناس والخاضعة الى مقياس الربح والخسارة، وهنا تتميز مدينة النجف بهذه الخاصية بشكل متطرف لانها مدينة خدمية يعتاش سكانها على توفير حاجيات الوافدين اليها من سكنة الريف ومن الزائرين، فتكون العلاقة محكومة بقدرة الفرد على الصرف وبذل المال، أي قيمته ومحبته والتعامل معه على قدر ما يمتلكه من مال واستعداد على الصرف والاسراف والقدرة على الاقتناء من السلع المختلفة .. لذلك فهناك تعامل يتسم بالتسول الاخلاقي والتذلل لرموز الاقطاع واثرياء الريف، بينما يعامل الفلاحين والفقراء والرعاة بالازدراء والتعالي حد النصب والاحتيال والاعتداء وفق تسميتهم ب (المعدان)، مبتعدين تماما لمعنى مفهوم المعدان من مربي الجاموس في قرى وارياف واهوار الجنوب، اللذين يعاملون بنفس الطريقة من الدونية والتعالي في بغداد مثلا تحت تسمية (الشروكية .. ).

فشاعرنا رغم كون عائلته من المدينة اصلا الا انه ترعرع في بيئة ريفية في غماس لامتلاك والده مزارع وبساتين هناك، فامضى طفولته وصباه حتى اكمال دراسته المتوسطة هناك فتطبع بطباع ابن الريف، وتشبع بجمال وبساطة واستقامة الطبيعة الريفية، مما سبب له حالة من التشظي الروحي والنفسي عند انتقاله للمدينة، والاصطدام بسلوكيات وطباع ناسها، مما اشعره بحالة من الغربة والاغتراب، والتوق للانتصار لقيم الجمال والبساطة والسلام والاستقامة ..

والشاعر المبدع (المسافر) من مواليد 1950، بمعنى انه عاش طفولته وسط مد مشهود للقوى الثورية في عموم العراق في المدينة والريف وخصوصا مدينة النجف واريافها ومدن وارياف الديوانية كغماس والشامية والمشخاب، ومن ابرز هذه القوى(الحزب الشيوعي العراقي)، الذي ساهم بفعالية في نشر الوعي الثوري في كل ارجاء العراق، وقد كانت النجف والديوانية والشامية من البؤر الثورية وحواضن الشيوعيين العراقيين .. بمعنى ان شاعرنا عاش في خضم المد اليساري الشيوعي بعد ثورة تموز 1958 حيث ازدهار العمل والثقافة والادب والفن بشكل غير مسبوق في العراق .. وعاش الانتكاسة المفجعة بحق الشعب والوطن خلال الانقلاب الفاشي الاسود في 8-شباط 1963 .. وما احدثته هذه الظاهرة الفاشية من خراب ودمار وقتل وتشريد وملاحقة كل الوطنين والاحرار في العراق عبر صراع دام بين انصار الثورة من الشيوعين وبين اعداءها من البعثيين والقومانيين المتطرفين آنذاك، وليس غريبا ان ينحاز الشاب اليافع عاشق الحرية والجمال للفكر الثوري اليساري متحديا كل المخاطر ضمن روح وحماس الرومانسية الثورية للشباب، مندفعا منحازا لقيم العدالة والجمال ليس بتاثير الفاقة والفقر ولكن بدافع انساني منتصرا لانسانيته ضد وحشية وحيونة وهمجية الفاشية والتخلف .. .

مما سبق نريد ان نؤكد على تعمق الاحساس بالتشظي والاغتراب والمعاناة لدى الشاعر وهو يشهد احداث 1958 واحداث19 63 ومن ثم عودة رموز 1963 في 1968 من جديد بعد مرور عام واحد على عودة العائلة النهائية الى مدينة النجف عام 1967 !

ينحاز هذا الشاب طالب الاعدادية الى قافلة الادباء والكتاب والمحافل الادبية الشعرية خصوصا في مدينة تهتم بالشعر واللغة رغم تقليديتها، عسى ان تجد روحه المتمردة المستفهمة ملاذا لها في هذه البيئة الحافلة بالمتناقضات الفكرية والاجتماعية حد الانفجار والتشظي المريع الصادم الناتج مما سبق ذكرنا من مميزات سكنة النجف، ونتيجة لهيمنة اجواء الخوف من السلطة وجلاوزتها ورقابتها الصارمة، ناهيك عن طابع المحافظة حد التقهقر المتحجر لبعض (اعلامالثقافة والادب (تحت مظلة الدين والتدين .. والمحافظة على التقليد وبداية تسيس الدين وولادة احزاب الاسلام السياسي ..

مما زرع بذور التمرد والتجاوز لدى الشباب النازع للحرية والمتنسم لرياح الحداثة والمدنية والتمرد من خلال الفكر الوجودي والماركسي والقومي اليساري .. .فكان الجواهري والمحتصر والحصيري ومكي زبيبه وقبله الخليلي وكريدي والمطبعي .. .الخ اللذين ازدهت وتطورت مواهبهم خارج اسوار النجف المغلقة .. . مما جعل عنوز من السباقين الى كتابة قصيدة التفعيلة والتمرد على قصيدة العمود فشهد له بذلك اعمدة النقد الادبي والثقافي امثال الدكتور على جواد الطاهر والدكتور محسن الموسوي وفاضل ثامر .. .

(انتقل مع عائلته الى موطنهم الأصلي في النجف وأكمل دراسته الثانوية في اعدادية النجف للبنين، في هذه الفترة أبهرته المدينة الكبيرة النجف) العامرة بمكتباتها الفخمة ونواديها الأدبية الرائعة وأدبائها وشعرائها وهي المدينة التي تتناسل في حقولها الفصاحة والبلاغة وتزدهر في روابيها قمم الابداع، فعكف على التردد الدائم في المواسم الأدبية والأماسي الشعرية التي تقيمها بانتظام الرابطة الأدبية وعشق الشعر وحلّق في عوالمه الرحبة واستمع الى فحول الشعر والأدب ، الجواهري والشرقي وعبد المهدي مطر ومصطفى جمال الدين وعبدالأمير الحصيري وزامل شعراءا مبدعين لايزالون يغنون الحركة الشعرية والأدبية وبدأ مشواره الشعري وأرتقى منصة الشعر لأول مرة عام** (1968

عاش مأساة حروب الديكتاتورية وانكساراتها وويلات قهرها وفترة الحصار والحرب الكونية ومن ثم فترة الانهيار والاحتلال ولازال يعيش حالة الفوضى واللادولة واللانظام في زمن الدم قراطية ليشهد قيام(دولة الخلافة الداعشية(في القرن الواحد والعشرين ..

ليعيش (خالي الوفاض)(ويشهد(ظلم هوازن (ويستمع الى (صراخ الحروف)، وتتعلق عيونه ببريق منائر كربلاء التي هيمنت على اغلب مضامين ورموز نصوصه سواء بالتصريح (16) مرة او بالتلميح لمرات ومرات .. باعتبارها ارض الغريب وارض الثورة، ومقام القيم، ومنبع التضحية وقبلة الاحرار، حاضنة الصدق والوفاء ومكمن النقاء والجرأة، حيث طابق الفعل القول، وتسامت الارواح نحو الكمال والجمال .. . بعد ان اكتوت يد وروح الشاعر بزيف وشكلية ادعياء الثورية والثقافة والتدين من كل الاطياف والالوان وضج عالمهم بالتناقض والرياء والنفاق والعقوق والخذلان ونكران الجميل والانتهازية والخنوع .. فلم نقرء اية اشارة او ذكر لأي رمز من رموز الشيوعية واليسار الثوري ضمن نصوص الشاعر سواء قبل السقوط أو بعده ك (ماركس، لينين، جيفارا، هوشي منه، فهد،سلام عادل ابن مدينة النجف، سلام خالد، خالد احمد زكي .. ). واذا كان الامر مفهوما زمن الديكتاتورية ولكنه يبدو ان الشاعر يريد ان يتخلص تماما من ماضٍ سياسي ربما اصبح يثقل كاهله في زمن ووعي متغير، رغم انه كان ثوريا متحمسا في السبعينيات من القرن العشرين كما ذكر لي حين سألته عن توجهه الفكري والسياسي:-

(انا كنت اصغر عضو لجنة قضاء الشامية ابي صخير وتم صعودي للجنة المحلية في الديوانية)***.

، فانكفأ الشاعر نحو الموروث الثوري الديني الذي تجسده ثورة الامام الحسين في موقعة الطف، وهذه ظاهرة ليست غريبة او متفردة للتحول الفكري والانتقال بين ضفاف النهر الواحد في سلوكيات المثقف العراقي،خصوصا لمن يدرس في طبيعة التحولات الاجتماعية والميوعة الطبقية وتداخل الطبقات في بلد ريعي الانتاج تهيمن عليه ثقافة الاستهلاك، والتحول من مهنة الى اخرى خصوصا في حقبة الحصار الاقتصادي للعراق، فالعراقي موظف وبائع مفرد متجول وسمسار عقار استاذ جامعي وسائق تاكسي .. الخ فليس غريبا ان تتشظى الشخصية وتتلون السلوكيات وتتحول القناعات الولاءات .. بالاضافة الى حدوث الانحرافات الفكرية والسياسية لبعض هذه الاحزاب والحركات مما ادى الى انفضاض حملة المباديء عنها انسجاما مع مبدئيتهم وصدقهم في الدفاع عن قضيتهم، وعجزهم عن تصحيح مايرونه من انحراف وتحريف، ففضلوا الاعتزال مبتعدين عن التشهير والتكفير، كما فعل البعض في الانتقال الى الخندق الاخر كما فعل الشاعر الكبير (بدر شاكر السياب) مثلا ..

في ماتقدم استعرضنا اهم الامور الواجب الاطلاع عليها من قبل الناقد عن الشاعر قبل ان يبدأ في دراسته النقدية حسب مايرى الاستاذ الكبير المرحوم (د.نوري جعفر) ولكن السؤال هل كل من يعاني، يسافر، يعيش في بيئة ساحرة، او في وسط غني بالثقافة والادب يكون شاعرا؟؟

الجواب طبعا لا، فمهما كانت الظروف لايمكن ان تخلق شاعرا دون ان يمتلك الانسان الفرد شيئا من العبقرية، هذه التي قال عنها رسول حمزاتوف:-

(العبقرية هي اشد ما في الوجود غموضا وسرا، ولو أن الناس عرفوا في يوم من الايام كل ما في الارض: ماضيها ومستقبلها، وعرفوا كل ما في الشمس والكواكب، والنار والازهار وعرفوا كل شيء في الانسان لبقيت العبقرية مع ذلك شيئا لايعرفونه حتى بعد معرفتهم كل شيء****).

شاعرنا المبدع يمتلك هذا الشرط، شرط العبقرية الذي لانعرف سره، بالاضافة الى ماتقدم من ظروف بيئية واجتماعية، فكان شاعرا بحق كما سنرى في جولتنا المتواضعة بين اهات ونداءات وصرخات وحكم وتساؤلات نصوص شاعرنا الكبير في مجموعته (الشاعر وسفر الغريب). فلنرافق صديقنا الشاعرالعبقري المبدع في رحلة مع نصوصه الجميلة ومغامراته المنقبة في كهوف الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي العراقي ..

 

عاشق الحرية وداعية للحب والعدالة والسلام

الشاعر الحر، ابن الصدق والاستقامة، من فتح عينيه على قيم الحرية والمساواة لايمكن الا ان يكون عاشقا للحرية، والدعوة للعدل وللثورة على الظلم والقهر والاستغلال، فكان شاعرا، وصار محاميا ..

(من يطفيء، نور الشمس يختن سرة الزمن، يمطي الكون كيف يشاء) ص 20 (ذا النون)

نعم من يطفيء عين الشمس، عين الحرية، عين الحقيقة، لابد ان يوقف الزمن، يوقف الحياة فتتعفن حياة البشر في ظل العبودية والمذلة، (يختلط الحابل بالنابل، يغتال الوهج، ينقصم الظهر، تشتبك الأسنة في اللانور، يصطاف الحزن في منتجع الرعاف)!!!

هذا واقع مصادرة الحرية، فتصبح المدن يتيمة، فلا يبقى للارواح المفزوعة المرعوبة العاجزة المذلة المهانة الا ان تطلب رحمة رب السماء فاتحا بابا للامل ولربيع لابد ان ياتي) العيون تسمرت صوب السماء، تغازل الربيع، المتواري، مبهورة برائحة الفجر)

نعم ان للفجر رائحة لاتتحسها الا الارواح التواقة للنور والحب والسلام، انها تمتلك حاسة العنادل والعصافير الفرحة بخيوط شمس الصباح ..

(صراخ الحروف) ص92

(لا احد غير الغناء يحترق)

في هذا النص المحمل بالحكمة والكاشف عن خبايا النفس البشرية، يسلط الشاعر ضوءا كاشفا يعري بنوره الكثير من الافعال والسلوكيات ويؤشر على طباع وسجايا البشر .. (في لا احد غير الغناء يحترق)(في هذا العوان الفرعي الذي يضج بالمعنى الدال على مدى قسوة وبشاعة ووحشية واقع كل شيء فيه موجود عدى الفرح عدى البهجة، عدى حب الحياة، فلا احد غير الغناء رمز المسرة وصدق التعبير ودلالة صدق البوح والتعبير، الترويح عن النفس وبث لواعج الروح .. هذا الدال المبهج هو الوحيد الذي يحترق ..

ثم يعرف لنا الشاعر المبدع سردا شعريا لحوار (القصاب) هذا الدال على الوحشية، الجزر، الذبح، السلخ الذي لايعرف الرحمة، لايعرف غير السكين وشخيب الدماء سلخ الجلود وتقطيع الاوصال، جز الرؤوس دونما رحمة او شفقة، انها مهنته هنا يؤشر الشاعر الاجواء التي يمارس فيها (القصاب) الديكتاتور، الجلاد، الطاغية طقوس الذبح بناءا على وصية والده، فمهنة الطغيان وجز الرؤوس متوارثة من جيل لاخر من اجيال الطغاة، فبماذا ينصحه والدده وبماذا يوصيه وهو يمارس مهنته القذرة ؟؟؟

يوصيه ان يمارس مهنته ليلا، تحت ظل الظلام دلالة الجهل والتخلف وانعدام البصر والبصيرة، هو انسب الاوقات للذبح ففي الليل واقع انعدام الرؤيا وغياب الوعي ينعدم القانون (الليل) تزداد الذئاب دموية والجزارون يزداد بريق مدياتهم .. وهنا يورث القتلة خبرتهم في تهيئة الاجواء والظروف الافضل لممارسة احترافهم القمع والقتل حيث انعدام الرؤية وغياب الوعي ونوم القانون والنظام .. يأتي نفس المعنى في (نزف على قارعة الطريق) وفي (يحدق في الوجوه ولايراه) ص76.

في مدن الصمت، المدن العارية، في مدن الخنوع والخضوع والخوف، جرافات البطش، جرافات وحشية، ظالمة، جرافات المغول رمز الوحشية، تستهزيء بالشاعر تستهزيء بالاحساس، تستهزيء بكل ماهو حي ويقظ، تمد خراطيمها، قوة بطشها وخرابها، في العمق المقفر، عن جثة بن 00النصير)، والحانوتي يرقص جذلا بدفن جثته، بدفن جثة البطل القائد الذي يرقص له الدهر بالتقدير والعرفان والاعجاب ولكن (الرفاة99 والنائمون هم حاملو الجثة .. !!!

(وانت في مملكة النفايات لاتتمنى الاّ ان تكون نفاية)

في عالم متعفن، واقع متفسخ، تتراكم نفايات البشر المسحوقة انسانيتهم، المذلة المهانة يوما بعد اخر، يكون غريبا مطرودا كل من يمتلك الحس والاحساس، الجسد النضر الحي، النفس النقي، هذا الذي يبحث عن قيد داره بين اكداس النفايات، الذي يفتش عن هويته عن داره بين اكداس العفن، هذا الباحث الحي يناديه قاضي العفن القادم من غياهب الجمود، غياهب الصخر والتحجر، ان لامكان لك هنا، ان لم تكن نفاية من النفايات ..

الشاعر يشعل مصباح الامل، ينثر عطر الحياة، يبعثر اكداس العفن، انه هو من رمى (عاقرناقة صالح(ضرع العطاء والسخاء التي جزرها الجهلة القساة، ناكري الجميل، ادوات الشياطين القتلة لمحاربة رموز الخير ..

انا الشاعر، انا الانسان الثائر، انا الممتنع على التعفن والخضوع انا من يلعن الشر وادواته، انا الباحث عن ذاتي وتاريخي ..

(اتعلمين اني متيّم في صيد صلصال العناد ؟(للضحى المصلوب ص80

هذا هو الشاعر المعاند المشاكس الانسان الحر المتيم في صيد صلصال العناد، هذه المادة النقية المطاوعة لصناعة اجمل واكمل ادوات الانسان، فما اروعها حين تصنع اداة العناد لدى الانسان الشاعر وهو يقاوم القبح، هذا الذي في ثلاثية (صراخ الحروف)

.. يرسم صورا رائعة في سرد شعري، او شعر سردي لوحات بانورامية تحكي وقائع الظلم، والقهر، تكشف لنا مصابيح المقاومة والرفض، صرخة الحروف هي صرخة المعرفة صرخة بداية التاريخ البشري صرخة العلم والثقافة، فبالحرف اصبح العالم منيرا، الحروف الدالة على عصر النور والتنوير، الحرف مقطورة التقدم الانساني ..

الشاعر يحكي حياته ومقاومته ووعيه وصبره على الصعاب والعذاب) قبل ان تاكله العاصفة ومن انت ياهذا(ص70

(قم ياصديقي وشد الرحال .. ولاتنتظر؟؟ فما زال في رقاص الساعة متسعٌ، حذار من عقربها المسموم) نعم انه الزمن ان لم تقطعه قطعك، ليس هناك متسع من وقت للانتظار والاصطبار، وانت العارف ان زمنك اميا كحركة السلحفاة في زمن السرعة والجرأة، زمنك عانسا، فاته قطار العمر ليبقى وحيدا غريبا مضيع، وان رياضك من هشيم، فلا خضرة ولا زهرة ولاثمرة انه العالم الموحش .. !!!!

انها مرارة الشاعر وهو شاهد على ما يجري في زمن بطيء الحركة زمن) الزحف السلحفاتي))ص66

(من يدلني على عين الفجر، يمسح دمعة الانتظار) انه الضياع زمن(الغراب الخلاسي هو الذي باع الليل لحوذيتنا في الارض الحرام)

يبقى الشاعر مسافرا غريبا، يلاحق الشمس، يحلم، يتامل يبكي، يعتصر زهرة ايامه لعله يدرك مبتغاه حيث الفرح والسلام ولكن دون جدوى فيصرخ نادبا الشروق ان (ترجل ايها الشروق، فقد تاه الكبر، في زحامة الدياجير) الشاعر وسفر الغريب ص 61

ولا امل يرتجى حينما ينام الناطور، ويشيخ الطريق (الناطور نائم على الجرف، ينسج بشاربيه العنكبوت)

لاامل في الخلاص لأمة لاتستجيب لنداء الحق والثورة، لامة مستكينة خانعة مستسلمة لمدية الطغاة والجزارين ف(عندما صاح الغريب، تمسكوا بحبل الله، كونوا احرارا، خرج الشيطان واحنز رأسه) لااحد يسمع رأس الشمس، رأس رمز الحرية، رأس الثورة (صاح رأس الشمس: ايها الشاربون ضياء البصيرة، الا لعنة الله على، ذابحي صحوة الفجر).

شاعرنا مغرم حد العشق برمز الثورة والكبرياء الامام الحسين عليه السلام، مثله كربلاء التي لم تفارق اغلب نصوص المجموعة فذكرت كربلاء اكثر (16) مرة، وها هو هنا في(سلام على الطف) حيث يؤدي زيارته وتجديد بيعته وتمسكه برمز الطف بالغريب الثائر (سلام على الطف في كربلاء، سلام على صرخة الانبياء، سلام على دمعة لم تزل الى الآن تمطر منها السماء) ويستمر الشاعر يرسل سلامه وشجونه لرمز الوفاء، على زهو دفق الدماء، على كركرات الرمال، وهي (تورق في عنفوان الجفاف رماحا تلّوح للعاشقين صباحا) عل قبلة الثائرين، .. سلام سلام على كربلاء .

النجف مدينة العلم والسلام، النجف مدينة الانبياء ومرقد الامام

(من هنا مرَّ ركب هاجر) ص82:-

(السناء تناسل في ذكواتها البيض، تسبح الرؤى في فضاءاتها تعانق التاريخ الذاهل بالنصر وبالهزيمة .)

نص يسرد تاريخ مدينة النجف، علو شأنها، مقاومتها للظلم والقهر طوال تاريخها المجيد، انها مدينة الفصاحة، مكمن سر الهم العربي المقاوم لاحلام كسرى فيها كميل والمختار، تنور نوح، ناقة صالح، صبر ايوب (كل اللذين مروا بشعابها اغتسلوا بالشروق) .. هذه الارض التي امر الله نبيه موسى ان يخلع نعليه لانه في الوادي المقدس هكذا توصف النجف .. (الوجود هنا بدءا ومنتهى) عودة المسيح عودة الامل عودة الفاروق، ودرته مطفأة نيران المجوسية، رغم رايات الردة والباطل مجسدة في (قميص عثمان) نعيش نكبة اغتيال صوت الحق والعدل والايمان (حيدرة) حديث الزمان، قاهر الشجعان ومحراب الايمان القائل :- (والله ملأتم قلبي قيحا .. (لشدة معاناته من عنت وجهل وانانية وطمع معاصريه من علية القوم ممن لم يتخلصوا من جاهليتهم وتعصبهم العشائري ..

هذه المدينة ورثت العلم والادب من الدؤلي والخليلي ومدارس المتكلمين والمتنبي والجواهري والحصري .. ولازات مدينة ولادة للادباء والشعراء والمفكرين ..

في(الضحى المصلوب) ص80 و(اعتراف وتجل) ص 35

الشاعر يحاكي مدينته مهد طفولته وصباه، ايه غماس مناجاة الذات، الغربة السفر امتطاء (الخيول المشدودة الاعين)و يظل السؤال (يا ايها الطفل،الحالم المستفز، انت والامنيات المشدودة بجناح العنقاء في أي حدب تحط ؟؟) ولكنه بعيد عن الاصالة سلك طريقا ليس من صلب قناعته حمل (صولجانا مسروقا،هربته الرياح _، لماذا (اتبعت التعب راكضا بين شجرة مهملة وجدول عقيم) انها مراجعة للذات وربما ندما على جهد غير مجد ضمن فعالية عقيمة غير منتجة، يسائل نفسه (على أي مرسى سترسو؟؟)، في مجتمع لايستجيب لندائتك واحلامك كما الاموات (تحشم الاحياء الموتى تستغيث لا شيء غير الصدى، لايمكن ان تتحول المعادن الخسيسة الى معادن نفيسة متى يصبح الملح تبرا ؟ والعصا أفعى تأكل ما يأفكون)(، وكأنه القائل لست انت موسى لتتحول عصاك، رسالتك الى حية تسعى تقضي على الشعوذة وسحر السحرة الدجالين، فلا يبقى له الاّ التعلق بالحلم، السفر نحو منارة الخلاص كربلاء ..

(هكذا حدثني العراف) نص يتمثل قاريئة الفنجان، منبها اياه بانه شقي، لا طائلة وراء مقاومته (ريحا لاتتعب)، سيبقى سلاحك وسيلتك واداتك في المقاومة (خلّب)، لاتحصد غير التشرد والغربة ودمك مسفوك، وستظل مجافى من قبل من تدعو لهم وتنتصر لهم (ستظل مجافى من دون وفاء).(شقي حدثني العراف، ستعيش تعيسا يا ولدي) ص44

في) ركب النابغة ص48)الشاعر يشكو الخونة (حر وزنيم بمافيه عار، لمن خان الزاد الملح الصحبة والمعروف، عار لمن زور الوثائق الحروف) .. يتالم الشاعر من خيانة هؤلاء وطعنتهم له رغم انه يعرفهم (لارجال) ولكنهم اعتادوا طريق الثعلبة والالتواء، هؤلاء الخونة اللااوفياء لفظتهم (بانيقيا) وتبرأت منهم، انهم خفافيش ظلام، بلا زمان ولامكان، رغم كل ذلك سيبقى (النابغة) يسير ماسكا راية الفجر عبر طريق (كربلاء) هذه منارة الحق والوفاء والتضحية والثبات على المباديء .

في نص (وحدي ابحث عن بويب) وفي نص (رويدك لاتزال كربلاء) ص53وفي(من يكسر قيدي ؟) ص56. يبث الشاعر همومه الشخصية ومعاناته، وتوقه للحرية والسلام والعيش الكريم ..

توظيف الموروث الديني،والأسطوري واستحضار المكان والزمان :-

استطاع الشاعر ان يوظف المروث الديني لتكون اضافة نوعية وبلاغية ترصن من مبنى ومعنى النص الشعري، وليست مقحمة او زائدة عليه، وهذا دلالة كبيرة على سعة ثقافة الشاعر، وغنى مخزونه المعرفي بشكل عام وفي الموروث الديني بشكل خاص ولا غرابة في ذلك لمن نشأ نشأته بين الادباء والشعراء وعلماء الدين في النجف ..

(ذنون اذ ذهب مقاضيا فظن ان لانقدر عليه) ص19

(سبحانك اني كنت من الظالمين) ص20

(كمن يحمل اسفارا) ص49

(ان اخلع نعليك .. ) ص85.

(وقعت الواقعة) ص29

وكذا هي قدرة الشاعر الرائعة الموفقة تماما في استحضار الامكنة، والازمنة، والاساطير والاسماء ذات الدلة المعمقة لمعنى النص مانحة ايّاه شيئا من روحها ومن صورتها وهي فرحة في موضعها من النص كما اختارها كاتب قدير وشاعر خبير ..

(تموز)،(0 الشمرت والزكرت)، (بير عليوي) (المنصور) (ليلى)، الغائب، الكوفة، الثوية، ميثم التمار، هارون، بحر النجف، سومر، اكد، آصف بن برخيّا، عبقر، رحلة الشتاء والصيف، سهيل، شهرزاد، ناقة صالح، بانيقيا، النابغة، بويب، الفكة، الفاو، ماوت ، ذي الفقار، مرحب، خيبر، جنين، مياسة، صلاح الدين، القسام، ليلى، الحسين، حيفا، قلقيليا، فلسطين، سليمان، كسرى، يوسف، الخضر، زكريا، المهلهل، ديوجين، نوح ..

هيمنة المتعاكسات والمتضادات في زمن الديكتاتورية :-

استطعنا ان نحصي (51) متعاكسة متناقضة(42)منها في عام 2001، (7) في عام 2002، (2) في عام 2003 مثل :- النهار\الليل، حياة \موت، الشيء\ اللاشيء، فيضان\جفاف، نهاية\ بداية، القادمون\ الراحلون، يقضا\نائما، الحيّة \ الميتة، غناء \ بكاء .. الخ

ثم اختفت هذه المتناقضات تماما في السنوات التالية من نصوص الشاعر ما بعد التغيير، مما يجعلنا نستنتج ان الشاعر كان يكتب باسلوب ماقبل التغيير يختلف عن اسلوبه ما بعد التغيير، حيث رفع حاجز المنع والردع السلطوي على الاقل، مما اتاح للشاعر والمثقف والفنان ان يبتعد عن اسلوب التورية والترميز والدوال الغامضة لكي لايقع في محضور رقابة الاجهزة القمعية زمن الديكتاتورية هذا اولا، وثانيا :- بدأت تتقلص نسبيا سلوكية الثعلبة والقردنة والتسول الاخلاقي، والتصرف بازدواجية كبيرة وتشظي في السلوك امام قهر السلطات الديكتاتورية، للافلات من شكوكها ودسائسها، ورقابتها الحديدية على الضمائر والمصائر للانسان العراقي الذي كان يؤخذ بالشبهات ليتعرض للملاحقة والسجن والتعذيب والحرمان من العمل .. في حين طغت على نصوص ما بعد التغيير حالة من الاحباط وفقدان الامل المرجو في عصر (الدم قراطية) التي كانت حلم كل احرار العراق ناهيك عن الشعراء والادباءكما هو واضح في نص (ظلم هوازن) ص 100 في 2009، حدثنا الراوي (محبط) عن ابيه عن جده .. الاول والثاني والثالث الى ان تنتهي السلسلة التي طولها سبعون ذراعا .. وما بين ظلم اليوم والبارحة، بون كبير).وكما هو في (خالي الوفاض) ص 99 في 2006 (اشرب بكاء امانيك هذا المساء .. قبل السقوط وبعد السقوط .. كنت عاشقا للشمس مفتونا با القمم .. تهرأت كل رؤاك في دهاليز القمامة صخب الرحيل وجز الرؤوس).

وحجم الالم كبير ومفزع حقا كما ورد في نص(آه .. كلية القانون) في 2009 حيث يقول الشاعر:-

(اتدري ..؟ ان المربي جزار وان الحارس لص، وان الناقصين دوما يلتقون .. حيث عقدة النقص). وشواهد اخرى في (الرؤوس المشوهة تتحنط العقول) ص 96 في 2005،و (للضحى المصلوب) ص 80 في 2005، و(قبل ان تأكله العاصفة) ص87 في 2005 و(يدق في الوجوه ولايراه) ص 76 في 2005و (من انت ياهذا؟) ص 70 في 2004.و (الزحف السلحفاتي) ص 66 في 2005 ونظن ان لاحاجة لنا في اقتباس مقاطع من هذه النصوص الدالة على خيبة امل الشاعر والمه لضياع الامل وذهاب الطموحات ادراج الرياح، عناوين النص دالة دلالة واضحة على ما ذهبنا اليه فلا نظن ان هناك حاجة للمزيد من التوضيح .

 

تجديد اللغة عبر بلاغة المفردة:

من يبحر في نصوص شلال عنوز يتوقف كثيرا مبهورا بجمال الصورة المنسوجة بكلمات ومفردات غيرتقليدية تزاوج بينها، ابتنى لها بيتا من نور، فرقصت فرحة بهذا العش الجميل،أمتلأت بمعناها، حيث اخرجها من ظلمة المألوف الى فضاء المبهر اللامألوف، فوهبها حياة طفولة جديدة بعد ان ادركها الهرم في كهوف التقليد .. وقد احصينا بعضها حسب رؤيتنا المتواضعة (ابتلع الفجر، الفصول العوانس، يختن سرة الزمن، منتجع الرعاف، مغردة الانعتاق، اسدل الثلج شعره، غنج القمح، خيطا في الافق، تثائب ايها الزمن، مذبوح الخطى، هرمت أمانيك، ركلني الدهر، ابتلعت وجعي،مؤتزرا همي، يوم أرمد، الرقص دخان، دمعة الشمس، نسج بشاربيه العنكبوت، عطش تمدد في الظلام،وجع الضمأ، يشرب من خطاي،مبتلع الصباح، تكتب في الماء،زنزانة الصيرفة، كركرات الرمال، الرؤوس الصفيح ..).

في الختام اتمنى اني تمكنت من الغوص في بحر شعر وابداع الشاعر المبدع ووضعت يدي ومتعت بصري ونشطت فكري بالصور والمعاني الرائعة ل (الشاعر وسفر الغريب)، اتمنى اني تمكنت من مواساة وتبديد وحشة الغريب، ومسكن وجع المتألم النبيل ..

 

نبذة مختصرة من سيرة الشاعر شلال عنوز:

تم قبوله في كلية العلوم /الجامعة المستنصرية واعتقل لنشاطه السياسي ورقّن قيده من الدراسة،اكمل خدمته العسكرية الالزامية وتخلّى عن النشاط السياسي وعيّن في وزارة الثقافة والاعلام/الدار الوطنية للنشر والتوزيع والاعلان وتقلّد مناصباً ادارية فيها ثم نقل الى وزارة الصناعة والمعادن واحيل على التقاعد عام 1990 بناءاً على طلبه .. أكمل دراسته الجامعية في القانون وعمل في سلك المحاماة ولحد ألآن. عضو في اتحاد الأدباء والكتاب العرب ،عضو في اتحاد الادباء والكتاب في العراق ،عضو مؤسس في اتحاد الادباء والكتاب في النجف ،عضو نقابة المحامين في العراق ،عضو اتحاد الحقوقيين العراقيين،عضو نقابة الصحفيين في العراق،عضو غرفة تجارة النجف منذ عام 1991. كتب ونشر في الصحف والمجلات العربية والعراقية وترجمت بعض اشعاره الى اللغة الكردية. ساهم وشارك في اغلب المهرجانات الثقافية والادبية في العراق ورئيس تحرير مجلة ذكوات الأدبية المتوقفة عن الصدور .. كتب الشعر العمود والتفعيلة وقصيدة النثر وله حضور متميز في المشهد الثقافي والادبي في العراق وكتب عنه في كل كتب التراجم التي أرّخت لحركة الشعر والأدب في العراق .. اصدر مجموعتين شعريتين هما مرايا الزهور عام 1999 والشاعر وسفر الغريب عام 2013وله مجموعة شعرية عمود تحت الطبع ومجموعة قصصية ورواية هما تحت الطبع ايضا*****

....................

*مقتبس من مقابلة خاصة مع الشاعر، اجراها الشاعر محمد الدمشقي.

** نفس المصدر.

*** ردا على سؤال من قبلي للشاعر .

**** بلدي – رسول حمزاتوف ص208ط3 دار الفارابي 2006.

**** مقتبس من مقابلة خاصة مع الشاعر، اجراها الشاعر محمد الدمشقي.

 

عوامل تطور اللغة

moamar habarاللغة العربية تتبع المنجزات. والمنجزات تتبع المجتمع الذي أنشأها. فالمجتمع القوي، تسود لغته، ويتحدث بها الجميع.

وقد قرأت منذ سنوات، أن اللغة الألمانية متطورة، بسبب القوة الاقتصادية التي تتمتع بها ألمانيا، وتميّزها عبر الدول المتقدمة.

لماذا اللغة الأجنبية منتشرة؟: ويكفي أن ينظر المرء من حوله، فيرى أنه محاط بمجموعة من المنتوجات ذات الصنع الغربي، وكذا الكتابة والنطق. ويكفي ذكر بعض الأمثلة ، التي يعيشها المرء باستمرار، ويتعايش معها يوميا، وهي ..

أدوات البيت، والمطبخ، والمكتب، والسيارة، والمصنع، والفلاحة والري، والمطار، وغير ذلك من الأدوات، التي تكتب وتنطق بلغة المجتمع الغربي الذي أنتجها.مايعني أن الطفل، ينشىء ..

مرغما على تعلم اللغة الأجنبية، لأن كل مايحيط به صنع في الغرب.

ويتربى على إحتقاراللغة العربية، لأنه في نظره لاتواكب الحضارة في جانبها المادي.

ويحتقر أمته، لأنها عاقر لاتنتج منتجات الحضارة.

ويصبح لديه إستهلاك مفرط لكل ماهو منتوج غربي، بما فيها اللغة ونتائجها.

والشلل التام الذي يصيبه ، جرّاء العجز الذي اصابه من عدم تطوير لغته العربية، وجعلها تواكب المسار الحضاري للأمم والمنتجات.

من أراد أن يطوّر لغة الأم، الممثلة في اللغة العربية، عليه أن.. يهتم بالتصنيع، والإبداع، والاختراعات، والدراسات العلمية الميدانية ذات الصبغة العالمية.

العاطفة وحدها لاتكفي، ولا تبني لغة، ولا تحافظ عليها، ولا يمكن لصاحبها أن يبدع بواسطتها.

عربية وأجنبية.. جنبا لجنب: آن الآوان، لنرفع تهمة الخيانة والتبعية عن كل من يتحدّث باللغة الأجنبية. وترفع تهمة التعصب والتطرف عن كل من يتحدّث اللغة العربية.

وآن الأوان، ليقف المجتمع في وجه كل من ينطق العربية ويعبّر بحروفها، ويعاتبه لأنه لايحسن اللغات الأجنبية، ويدعوه ليتعلّم أفضلها وأسهلها. ويدعو في نفس الوقت، كل من يتقن اللغات الأجنبية، أن يشرع على الفور في تعلّم اللغة العربية، بطرق يسيرة سهلة، غير مكلفة ولا مرهقة، فإن في تعلّم اللغة العربية، ضمان للوقوف على أسرار، كانت خافية، وحقائق يمكن توظيفها وإعادة صياغتها ونشرها.

فالبلاغة والفصاحة، يحمد قائلها وصاحبها، ولو كانت بلغة أجنبية. والضعف والهزال، مذموم ممقوت، ولو كان صاحبه فوق منبر سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

 

الــقـــلــم / الريــشــــة

hasan zayedيعد من نافلة القول أن الموت آية، فهو كذلك بالفعل. حين تنسحب الحياة من الكائن الحي، وتخمد فيه الحركة، والأنفاس، ويكف عن التواصل مع الأحياء من حوله، ويشخص فيه البصر، وتتيبس الأعضاء. يموت الإنسان ويموت معه العقل، ويتوقف الفكر والإدراك، وينسحب الوعي والإحساس، ولا محل فيه للوجدان. يموت الإنسان حين يموت مخلفاً وراءه تلك الآية الإلهية التي تفصل بين الوجود والعدم. ولا شك أن الفقد علي مستوي الأشياء خسارة، وعلي مستوي الإنسان مصيبة. وقد قال فيه خالقه إنه مصيبة، وهو بالفعل كذلك. مصيبة في وقعه، ومصيبة في أثره. والموت مصيبة عامة ـ في الأهل ـ في جميع الأحوال، سواء كان الميت كبيراً أو صغيراً، رجل أو إمرأة، صحيحاً أو سقيماً. يتساوي في وقعه علي قلوب الأهل، سواء كان الميت وزيراً أو خفيراً، رئيساً أو مرؤوساً، ملكاً أو مملوكاً. وقد فقدت مصر خلال شهر واحد اثنين من أشهر صحفييها، الأول عُرف بريشته، وهو الفنان المبدع مصطفي حسين رحمه الله، الذي كان يبدع في تصوير أفكار أحمد رجب برسومه الكاريكاتورية المعبرة، وقد اختلقا معاً شخصيات ذاع صيتها، منها كمبورة، وفلاح كفر الهنادوة. وكسرت ريشة مصطفي حسين بفعل مرض السرطان اللعين، واختفت رسوماته من جريدة الأخبار القاهرية. وإذا بالقلم يعجزه المرض عن الكتابة، وكأن الريشة هي التي كانت تستنطقه ما يكتب حتي يتسني لها تصويره. ورحل أحمد رجب، صاحب أشهر مقال عرفته الصحافة المصرية، نصف كلمة، وتتجلي عبقريته في قصر عبارته، فقد كان يكتب في الموضوعات الكبيرة بكلمات قليلة، كلمات تشعر معها بالموضوع، وتدرك كل ما يريد أن يقول عنه، دون عناء. هذا شأن عظماء القلم، ومالكي ناصية الكتابة. وقد كان أحمد رجب رحمه الله من بين هؤلاء الرجال. وهناك من يتحدث في شأن مصطفي حسين، وأحمد رجب، أفضل مني بكثير. ولكن علي المستوي الإنساني تصادف أن فقدت أخي الأصغر في ذات شهر وفاة هذين الرجلين العظيمين. وأظن أني علي المستوي الإنساني أعيش لحظة المصيبة، مصيبة الفقد التي يشعر بها الأهل والأحبة. يخطيء من يظن أن الأمر ينتهي بدفن الميت، وتقبل العزاء فيه، ثم تدور الحياة دورتها، وننسي من مات. هذا غير صحيح، لأن المصاب جلل، وما يحدث فقط هو حالة من الهروب الدائم، الهروب من الألم والدموع، الهروب من الحزن والأسي، العيش في الضجيج والزحام، نوع من التشويش علي الذهن والوجدان، كي يتسني لنا العيش. فقط عندما تخلو لنفسك، تجد صورته حية متحركة متحدثة معك، يقابلك في كل مكان تذهب إليه، ويلح عليك الحاحاً ينسيك أنه قد مات. المعضلة الحقيقية التي يواجهها الأحياء عند موت عزيز لديهم، أنهم يشعرون أنهم قد اقتطعوا منهم قطعة واصطحبوها معهم إلي الآخرة، قطعة لا تشعر أنك حي بدونها، وكلما تذكرتهم تشعر بالألم. فمصطفي حسين بإبداعاته وشهرته التي حازها في النهاية إنسان، له من يحبه فقط من هذه الزاوية، ولا يشغله فيه غيرها، ذهب محبو الإبداع والشهرة إلي حال سبيلهم، وتركوا الأهل لينغمسوا في تفاصيل الألم اليومي مع كل حركة وسكنة افتقدوا وجودها بذهابه. وكذا الأمر بالنسبة للفقيد أحمد رجب. له أهل لا يشغلهم ما يشغلنا نحن، إنما تشغلهم أمور أخري. وقد عجبت ذات مرة من عبارة خطها الروائي الفذ يوسف السباعي في صدر صفحة الإهداء، فقد كتب يقول: " إذا أردتم أن تكرموني، فكرموني في حياتي، أما بعد مماتي، فاكتبوا علي قبري، هنا يرقد اكبر حمار في العالم ". وهو كان يقصد أن التكريم والحفاوة بالكاتب أو الأديب أو أي إنسان يستحق التكريم، فليكن ذلك التكريم في حياته، أما بعد مماته فلا يلزمه شيء من هذا. ورحم الله يوسف السباعي فقد اغتالته يد الغدر الآثمة في قبرص، ونال من التكريم ما يستحق. وخسارة هؤلاء الكتاب لا ريب أنها كبيرة، لأننا نحن من فقد فكرهم وعقلهم، نحن من فقد عبقريتهم وابداعهم، نحن من فقد نتاج أقلامهم.إذن فنحن من يستحق البكاء والألم، لأننا في النهاية من خسر.

رحم الله أمواتنا،،

 

حـســــن زايـــــــد

المحق الحضاري!!

مثلما تفترس الأسود الغزلان في الغاب، يتحقق إفتراس الدول العربية الواحدة بعد الأخرى من قبل أسود الحضارة الشرسة المعاصرة!!

لا يوجد صراع حضارات وإنما محق حضاري للمجتمعات الضعيفة المتأخرة عن ركب العصر، ذلك أن الصراع يكون بين القوى المتكافئة، أما المحق فيكون بين القوي والضعيف، وما دامت مجتمعاتنا ضعيفة فأنها تحت طائلة المحق الحضاري المروّع، وهذا ما يفسر ما يحصل في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من دولنا، التي ستقع فيها الواقعة لاحقا.

ومابقيَت مجتمعاتنا لا تدرك قواعد اللعبة وقوانينها السارية المفعول عليها، فأنها ستساهم بزيادة سرعة المحق القائم فيها، أي أنها تتحول إلى طاقات سلبية تمحق ذاتها وموضوعها.

وهذا واضح وفعّال في دول ترنحت تحت ضربات مطرقة المحق الحضاري العظيم، في سلسلة من التفاعلات الفتاكة ذات القدرات الذاتية التدميرية العالية والمتواصلة، الساعية لإزالة معالم الهوية ودلالات المسيرة التأريخية في المكان.

فالمحق الحضاري اليوم ما عاد بحاجة لجيوش جرّارة وخسائر كبيرة في الطرف الماحق، ذلك أن من اليسير برمجة الأدمغة وتأجيج النفوس وفقا لخطط وبرامج إمحاقية، تؤهل عناصر الهدف للتحول إلى عوامل فاعلة، ومتمكنة من تحقيق آليات الإمحاق الذاتي، وبديمومة متنامية وإشتداد متفاقم.

وفي مجتمعاتنا تأهلت الآلاف من العناصر لإنجاز هذا الهدف، عن قصد أو غيره، وعن وعي أو لا وعي، لكنها تقوم بدور فظيع في تنمية زخم المحق الحضاري الفتاك في المجتمع، ولا تريد أن تتصور بأنها قد تحولت إلى دمى ووسائل لتحقيق أهداف الآخرين، الذين تحسبهم أعداءً لها، لكنها تنكر أن ما تقوم به يصب في مصلحتهم.

هذه العناصر تم إختيارها وفقا لحسابات معلومة ومدروسة توصِل إلى الأهداف المرسومة، على خرائط المحق والإفتراس التي يتم تطبيقها بحذافيرها وفقا لمستحقات زمنية وإتلافية مقدرة ومفهومة، وكما تستلزم الآليات والتطورات وحيثيات صناعة الأحداث والتداعيات، وما يغذي ما في هذه العناصر التي تسنمت قيادة قافلة الضياع والإنهيار والفساد والفناء.

وعليه يتم تمييع الوطن وتضييعه، وتحويله إلى كرسي وغنائم وأرصدة في البنوك الأجنبية، وممتلكات وقصور في الدول الأخرى، وتحضير شخصي وعائلي للهزيمة بعد تنفيذ المهمة، وإسقاط الوطن في بالوعة الفناء الحتمي.

هذه حقيقة ما يجري ويدور في المجتمعات التي تفاقمت فيها التفاعلات تحت شعارات الحرية والديمقراطية، وتلك إرادة أبنائها المُستلبة المُسخرة للفتك بهم ومَحقهم عن بكرة أبيهم، ومَن لا يصدق فأنه لماحق وممحوق.

ترى وفقا للإرادات المُفترسة، هل سنقرأ الفاتحة على بلاد العرب أوطاني، وتلك حقيقة قاسية فاعلة قاتلة ربما ستحيلنا إلى عصف مأكول؟!!

 

د-صادق السامرائي

أيُّ الكتب تقرأ؟

ramia njimaجميلٌ أن تقرأ المقالات والجرائد والمجلات .. لكنَّ القراءة في كتاب أمر مختلف، تجربة فريدة ومتميزة عَن تجارب القراءات الأخرى، ولأن قراءة الكتب أمرٌ في متناول أيِّ إنسان؛ فقد قرّرتَ ألا تحرم نفسَك من متعة قراءة الكتب ..

لكنّك جرّبت أن تحمل كتابا في يدك، حاولتَ أن تقرأه، أتممتَ الصفحة الأولى، وبكثير من الجهد قرأت ثلاثَ صفحات ثمّ غلبك النُّعاس .. وفي اليوم الموالي حمَلت نفس الكتاب بين يديك، حاولت البدء من حيث انتهيت يوم أمس، لكنك وجدت نفسك كمَن يسكبُ ماءً على الرَّمل؛ لا الرَّمل تبلّل، ولا الماء بَقي على السَّطح .. وهذا ما يحدث لك كلَّما حاولت تناول كتابٍ ما، دائما تكون النتيجة مريعة .. !

إلى أن خطَر لك هذا السؤال: ماذا أقرأ؟

أو: ماذا يقرأ كلُّ هؤلاء الناس الذين تبدو عليهِم سيماءُ العلم والثقافة؟

ولعلّ هذا هو السؤال الأكثر أهمية الذي ستقابله، إذا ما قررت مُمارسة فعل القراءة لأوّل مرة من خِلال كتاب.

وإذن، ستسأل أحد معارفِك الذين يمتلكون خزانة كتب كبيرة، ويقبلون على القراءة كمنهاج حياة، ستسألُه عما يستحب لك أن تقرأه، وسينصحك بقراءة بعض الكتب الدينية، سيدلُّك على كتب تفسير القرآن الكريم، وعلى الصحيحين .. سيرشح لك كتب شيخ الإسلام "ابن تيمية"، وبعض كتب أصول الفقه .. بل إنه سيعيرك كتابا ما إن تشرع في قراءته، حتى تنهكك لغته الصعبة، وكل ذلك التطويل في ذكر السند: "عن فلان ابن فلان عن فلان ابن فلان أنه سمع فلانا ابن فلان .. " وسيصيبك الملل وستقول في نفسك: "إن هذا الكتاب قيم بالفعل، لكني قلق وغير معتاد على فعل القراءة .. يمكنني أن أقرأ هذا الكتاب في وقت لاحق حيث يتوفر لديّ الوقت وطول البال .. "

ستنفُر من الكتب لبعض الوقت .. لكن سيتناهى إلى مسامعك مرة أخرى أن القراءة أمر ضروري، وأنّه من العار أنَّ أمة "إقرأ" لا تقرأ، وأنت شئت أم أبيت، فردٌ مِن هذه الأمة .. لكنك لم تفلح في قراءة الكتب الدينية. لهذا سيحدث أن تفكر أن القراءة قد تكون -ربما- عملا ممتعا جدا لو أنك تمكنت من قراءة كتاب أدبي لأديب مشهور .. ومرة أخرى سألت قريبة لك فنصحتك برواية بديعة مِن روائع الأدب العالمي .. إنها رواية "العجوز والبحر"، وقد حمدت الله كثيرا إذ وجدتها صغيرة الحجم، واضحة اللغة فشرعت في قراءتها مستبشرا فرحا .. لكن ما إن عبرت الصفحة الأولى والثانية والثالثة حتى ضجرتَ مِن "سانتياغو"، وأخبار "سنتياغو"، ها هو ذا يحاور الصبي بخصوص مقابلة رياضية، ها هو ذا يجادل الصبي، ها هما يأكلان السردين .. وأنت ملول إلى درجة أنك لن تبلغ فقرتي المفضلة؛ تلك الذي يضطّر فيها العجوز المسكين لمواجهة قرش ضخم، سينجح في التهام السمكة الكبيرة التي تعب "سانتياغو" في سبيل الحصول عليها ..

ولأنَّ الأدب ميدان أسهل من غيره، فقد قررت أن تعيد الكَرَّة، وهذه المرة مع "جابرييل غارسيا ماركيز"، الأديب الذي يصادفك اسمه دائما عندما يتعلق الأمر بمشاهير الأدب وأساطينه، لهذا وقع اختيارك على روايته العظيمة "مائة عام من العزلة"، وستعترف هذه المرة أنك تخوض تجربة ممتعة ومثيرة، حيث تمكنت من قراءة أكثر من أربعين صفحة في هذا المؤلَف المميز، لكنك تنبهت أخيرا إلى أن أفراد عائلة "بوينديا" يتغيرون باستمرار، وأنّك قد سئمت تتبع سيرتهم جيلا بعد جيل، كما أنّ ما يحدث في قرية "ماكوندو" من أحداث غريبة لا يثير اهتمامك على الإطلاق. لذلك وجدت نفسك غير قادر على إتمامها، وفكرت أنه يستحسن أن تلتفت إلى لأدب العربي، وكالعادة أنت لم تعتمد على نفسك بل رُحت تسأل مَن تعرفهم وتتوسم فيهم الثقافة العُليا؛ فنصحك أحدهم أن تقرأ لنجيب محفوظ ورشح لك رواية "الشحاذ" ولم يخبرك أنها رواية تمثل الواقعية الفلسفية، لذلك قررت أن تكمل هذه الرواية كاملة .. وأكملتها فعلا، لكنك خرجت منها ورأسُك يدور تماما كبطل الرواية، فصِرت ساخطا عليه وعلى المؤلِف!

أخبرت أحد "المثقفين" بما حدث لك فأخبرك أنّك قليل العلم، ضئيل المعرفة وتحتاج إلى مزيد من الفهم لأمور الحياة .. أخبرك أنّك لا تزال لا ترى إلا وجها واحدا للحقيقة، وقال إنه كان يودّ أن يقترح عليكَ كتابا لـ "ماركس" أو "راسل" لترى الجوانب الأخرى لما قد يبدو بالنسبة لكَ حقيقة مطلقة، لكنك ما زلت صغيرا على ذلك، لذا اقترح عليك كتاب "ما وراء الأوهام" لـ "إريش فروم"، ورُحت تقرأ هذا الكتاب وأنت مصدوم مِن البداية!

أنت في الواقع لم تفهم لِمَ يسرد عليك المؤلف سيرة حياته؟ لم يحدثّك عن أناس لا تعرفهم؟ لِم يقصّ عليك قصص الحروب والسلم؟

في حقيقة الأمر، أنتَ لم تعرف كيف يمكن أن يفيدك هذا الكتاب .. حسنا، ربَّما أنتَ لَم تفهمه، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا داعي لإتمامِه مِن الأصل .. لكن كل ما سبق لا يعدّ شيئا أمام ما حدث لك حين حاولت قراءة "نقد العقل العربي" إنك لا تتذكر أين سمعت أنه كتاب عظيم لمفكِّر عظيم، ولكنك تتذكر أنه كان كتابا ضخما، مكتوب بخط دقيق، وأسطر متقاربة فيما بينها. وقد كنت قويا جدا حين بقيت أسبوعا كاملا وأنت تحاول استيعاب المقدمة!

حدث هذا مباشرة قبل أن تتخلى عن مشروعك في القراءة بشكل نهائي ..

وهكذا توقفت عن القراءة لزمن ولم يعد حُلم التعلّم يراودك. وها أنت الآن فرد آخر مِن أمة "إقرأ" لا يقرأ.

إنك الآن تشاهد التلفاز .. تثرثر مع أصحابك .. وتعترف أنّك حاولت أن تقرأ كتابا وتفهَمه، لكنَّك أغبى مِن أن تفعل، وأكثر جهلا من كل أقرانك ..

أنت تقول في نفسك، أنك ربما تكون ذكيا في أمور أخرى، لكن ليس في مجال قراءة الكتب، القراءة ميدان صعب جدا وأنتَ قررت تركَه لأصحابه. لكن مهلا؛ هل جرّبت أن تقرأ ما يُناسبُك أنت؟ هل فكّرتَ أن تختار روائع الأدب وفق ذوقِك وحسّك الأدبي؟ هل حاولتَ أن تقرأ ما يُوافق ميولك الفكرية؟ هل خطر لك أنّه ربما يجب عليك انتقاءُ كتاب يوافق سنَّك ومستواكَ الدراسي والفكري؟ هل تنبهت يوما ما إلى أنك إنسان فريد وحالة خاصة مميزة، وأنه ليس من الضرورة أن يروقك ما يروق الآخرين؟

أنت -طبعا- لم تفعل، لأنك لَم تعرف مِن قبل أنَّ فِعل القراءة يتحقّق عبر مراحل، شأنه شأن صعود الدَرج .. إنّك لا يمكن أن تنتقل مِن أسفل الدَّرج إلى أعلاه دفعة واحِدة إلا إذا كُنت تَمتلك أجنحة، وكذلك لا يمكن أن تنتقل من أسفل درجات العلم والمعرفة إلى أعلاها دون المُرور بمراحل، إلا إذا كنت تملك عبقرية "فوق بشرية" .. التعلُّم هو كأيّ شيءٍ في الحياة يأتي عبر مراحل وخطوات .. قد تتجاوز إحداها، لكنَّك لن تستطيع تخطّيها كلَّها في أيّ حال من الأحوال ..

وإذ أنّك قررتَ أن تقرأ وأن تُصبح "مثقفا" حسب المعايير الإنسانية، فاعلم شيئين اثنين:

أولا: أنّ الكتاب ليس إلا وسيلة تثقيف مِن بين وسائل عدة ..

ثانيا: أنّ الكتاب الذي يُثقِّفك هو الكتاب الذي تفهَمه -أنت- وتَستوعبه.

فدعك مما يقترحه عليك أصحابك، دَعك مِن روائع الأدب، ومن أمهات الكتب التي يُعييك فهمها، واقرأ ما يليق بِك .. ابدأ السلّم من أولّه حتى تبلُغ آخره عَن جدارة.

 

رامية نجيمة

حضارة العراق

sarmad yahiamohamadهل حقيقة الحضارة في العراق هي حلم الطبيعة ام انها ارادة الانسان؟ الواقع ان الحضارة هي صنيعة عناصر وظروف موضوعية تقدم الطبيعة اساسياتها ويحوّل الانسان تلك الاساسيات من حالتها السلبية الى حالة ايجابية (حضارة) ...

هكذا تبدو حضارة العراق فالارض والماء والمناخ ليست حالة خاصة بالعراق انما حالة عامة طبيعية، وهي عناصر تعمل وتؤثر بشكل مستقل لكن الانسان الذي فرض عليها التوازن وخلق من توازنها قاعدة للعمل الحضاري، فحضارة العراق اذن ليست حلم الطبيعة بقدر ما هي ارادة الانسان.

خاصة وان التاريخ يؤيد فكرة الدور الفعال لسكان هذه الارض وهو محصلة ارادة الانسان الذي ذاب واندمج في عناصر الكون الممتد امامه فأصبح يبدع ويبتكر حاجات في الحياة والارتياد،

غير ان هذا الانسان بقدر ما بقدر ما بذل من جهد في مواكبة الكون الواسع بقدر ما كان واقعياً يدرك قيمة الحركة على الارض فهو على وعي تام ان بين عظمته وبين الكون انجذاب فلم يستطع إلا ان يفكر به وينطلق عبر سعيه ان يتوصل الى ذلك التوازن الرائع بين حاجته على الارض وبين ضرورات السماء في انجذابه الروحي ومن هنا بدأت فكرة الاعتقاد بالروحانيات والتدين تأخذ مجراها بين سكان الاقليم عامة.

اضافة الى ذلك يظهر لدينا عنصر اخر لا يقل اهمية في تأصيل الحضارة وهو قدرة سكان وادي الرافدين على التكتل والاندماج في جماعات منتظمة وبالتالي رضا الفرد بالعمل الجماعي مع الاحتفاظ بحقه في الابداع الفردي بعدما ادرك ان الاعمال الكبيرة ليست من قدرة الفرد انما من اختصاص الجماعات.

من هنا ساعد نجاح الفرد العراقي في احكام التوازن بين حريته الفردية في الابداع وبين ضرورة العيش في جماعات على تطوير نظرته الى الاخرين، هذا الاحساس بالمسؤولية الانسانية هو الذي اعطى حضارة العراق مزية الانتشار تأثيراً دون ان تغرق في نشوة الازدهار وتخفي تأثيرها بحضارات الشعوب فقيمة الحضارة ليست في قيمتها الجمالية والابداعية حسب انما في قدرتها على التأثير والتوالد،

فصناع هذه الحضارة كانوا شديدي الاهتمام بتحقيق انتصار تاريخي دائم يعبر عنه في استمرار الدور اكثر من ان يعبر عنه بالتفوق العرقي، فالاحساس بأن تكون صاحب رسالة عبر التاريخ اكبر بكثير من ان تكون سيداً مضطهداً لفترة قصيرة، وبالتالي اكتسب هذا الاقليم ثابتية تاريخية مطلقة في كل العصور.

أفكار حول فن الكتابة

abdulfatah almutalibi أظنُّ أنَّ مبدعَ الكتابةِ، ذلكَ السومريّ الأول كان يُصلي حينما اكتشفَ الكتابة، الكتابةُ مرحلةٌ تسبقها أزمة والصلاة كذلك تنبعُ من إحساسٍ بأزمة فتعقبها صلاة، تناول ذلك السومري عوداً من شجر حين كان يستظل به على شاطئ الفرات وما كان أمامه غير السماء والماء وطين الشاطئ الطري والصقيل قد تركت بعض المخلوقات آثار أقدامها عليه كان السومري يقرأ ما خطته آثار أقدام المخلوقات (مرّ من هنا غراب ومن هنا كان اللقلق يتعقب أسماكا صغيرات على الشاطئ) حينها خطّ الحرف الأول وهو يُصلي رغبةً في أن يترك أثرا يذكره بما يجيش في نفسه تلك اللحظة فكانت الكتابة و الآن نحن أحفاد أولئك الأسلاف نجلسُ ومن فوقنا سماء ملبدة بدخان حرائق أمريكا نجلس على نهر من دمائنا نشعربأننا بحاجة إلى صلاة أخرى فصلواتنا القديمة لم تعد تبلغ السماء إذ نتفوا أجنحتها فما عادت تُحلّق وما أمامنا إلا الكتابة، الكتابة مطرٌ يغسل الروح والعقل ويزيل ما تراكم من قلق.     

 نحنُ هنا لا نتحدث عن الكتابة بما هي كتابة وهي نقل الوقائع بشكل مباشر إلى  سطح الورق ولكننا نتكلم عن الكتابة بما هي فنٌ قائمٌ على نوع من الجدل المحتدم بين طرفين، الإنسان ومحيطه بكل ما يعنيه المحيط من وجودات وانشغالاتها مع بعضها البعض أي بمعنى آخر وجودات مع محيطاتها بتكرار لا نهائي لكننا يعنينا هذا الكائن المستريب والمتسائل دائما والذي لا يستطيع تجاوز كونه محورا لهذا الجدل اللانهائي بينه وبين ما يحيطه وما يحيط هو به وعلى هذا تتعدد المواقف من هذا الفن بين أقصى اليمين إلى أقصى اليسارمن قضية الوجود على شكل أسئلةٍ لا نهائية وتتباين التعبيرات حول ماهيته ومكانه من الحياة ودوره فيها،يقول بورخس : (الكتابةُ ما هي إلا حلمٌ موجهٌ) ويبدو أن مقولة بورخس هذه قد اعتمدت بشكل أساس على مقولة أخرى لسيجموند فرويد صاحب مدرسة التحليل النفسي والتي مفادها أن جذر كل الروايات والقصص هي الأحلام  فإذا خلطنا المقولتين نخلص إلى أن الأحلام تعمل عمل المحرض والمجهز للأفكار التي يسردها الكاتب في روايته أو قصته، لكن فرويد لم يشر بهذه المقولةِ إلى أن الأحلام تكون جذرا للقصائد الشعرية وأظن أن القولين ينسجمان مع طبيعة السرد لكنني أجد أن قول بورخس الآخر حول الكتابة يشمل كل أنواع الكتابة  إذ قال  (إن الكتابة نوع من أنواع الصلاة) وهذا القول فيه من العمق ما لا تستطيع سبره كتابة تحاول البقاء عائمة على السطح لكي لا تنتهي إلى الغرق في هذا العمق اللامتناهي لكننا نستطيع الإنتباه إلى ما قصده بورخس بتعريف مصطلح (صلاة) وعند ذلك سنتعرف على القصد من الكتابة بما هي نوع من أنواع الصلاة  فالمشهور أن الأصل اللغوي للصلاة هو الدعاء والصلاة في مجتمع بورخس المسيحي تعني نوع من المناجاة مع الله  للتقرب إليه عبر العزلة مع الوجود والكون، نخلص من ذلك إلى أن الكتابة عند بورخس هي نوع من المكاشفة في محاولة للإجابة عن أسئلة كونية تسربلت دائما بالغموض أو أنه كان يعني أنها طقس روحاني يجند فيه الكاتب روحه وضميره للتقرب من العوالم العلوية لكن الشاعر الإيطالي سيزار بافيزي يكون أكثر ثوريةً حين يقول: (أن  الكتابة هي الرد الوحيد على إهانات الحياة) ماذا يعني ذلك كيف تكون الكتابة ردا وحيدا على إهانات الحياة، باعتقادي أن بافيزي كان يعني ما يقول حرفيا إذ أن الحياة عندما توغل بصفع الإنسان والبصق عليه من خلال مآسيها ورطانتها غير المفهومة وابتذالها الذي يجعل روح الفنان المرهف عرضة لتلك الإهانات فلا شيء سيوقفها غير أن ينحاز إلى عزلته ليتحصن ضد هذه الإهانات، العزلة ليست بمفهومها السايكوباثي ولكن بمفهومها الذي يعني التوقف قليلا للنظر فيما يفعل الإنسان بكل هذا الخراب ومن خلال هذه العزلة يبدأ الرد الذي يأتي على شكل قصيدة أو قصة أو رواية  لا تستطيع إهانات الحياة أن تفعل حيال هذا الرد شيئا ليكون الناتج تعويضا مجزيا ورد اعتبار ناجزٍ لروح الإنسان الكاتب الذي استهدفته الحياة بإهاناتها تلك بينما ذهبت الروائية التركية أليف شافاق إلى ما يوازي رؤية الشاعر بافيزي بشأن الكتابة حين قالت: (الكتابةُ هي الضريبة التي ندفعها لقاء عزلتنا واختلائنا بذواتنا).

قطعا ليس هناك من يولد كاتبا وهذا ليس معناه إغفال الموهبة  لكن الكتابة كفن لا تتطور ولا تصقل إلا بممارستها

أحيانا ننظر إلى الكتابة كنوع من العزاء جراء الخسارات المتوالية التي يستشعرها الكاتب فالمراثي العظيمة التي كتبت على طول التاريخ تلك التي تحدثت عن خسارات وانتكاسات كبيرة وجدت فيها الأجيال اللاحقة نوعا من العزاء على ما تم فقده وخسارته  وما أن تنتكس فصيلة من البشر يوما حتى تستحضر أبطالها وأمجادها وحضورها القديم عبر استعادة تلك الملاحم والمراثي العظيمة، هكذا إذن نجد أن تسجيل كل ذلك بشكل مكتوب وبإسلوب مؤثر سيمنح نوعا من العزاء بعد الجائحات الكبيرة.

الكتابة نوع من العزاء على المستوى الشخصي فما أن يجابه الإنسان ذي الحس النبيل معاضل هذه الحياة منفردا ويشعر أن لا طاقة له على المجابهة والحضور في هذا الحياة كند لها تجده يخلي الساحة لها متجها نحو عزلته ولكي لا يكون انكفائه سلبيا يلجأ إلى ذاته يطالبها بكشف وتقييم كامل للوضع مسقطا كل ذلك على قطعة من الورق متخذا منها جليسا يحاوره يبث له ما يجد عبر حديث طويل مع النفس تكون فيه الكتابة الشاهد والموثق .

عند ماركيز ذلك الرجل النبيل  الذي ترك كل شيء وراءه ونذر روحه للكتابة وظن بكل جدية أن الكتابة نوع من الإمتحان يؤديه الكاتب في مدرسة الحياة لتعطيه شهادةَ إنسان  فليس كل من دب على قدمين ولبس الملابس وانخرط في أتيكيت الحياة البشرية قد تحصل على تلك الشهادة و أخيرا وبعد كل ما تعلم ماركيز من هذه الحياة كتلميذ صغير فيها  كشف ورقته وأنبأنا بنجاحه في أداء هذا الإمتحان  عبر وصيته الأخيرة التي يقول فيها(لو شاء الله أن ينسى أنني دمية، وأن يهبني شيئاً من حياة أخرى، فإنني سوف أستثمرها بكل قواي. ربما لن أقول كل ما أفكر به، لكنني حتماً سأفكر في كل ما سأقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور. سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام)

إحالات:

1-إقتباسات وأقوال لبورخس

2- سيزار بافيزي-أنطولوجيا الشعراء المنتحرين- جمانة حداد

3- أليف شافاق- الوصايا العشر للكتابة

4- وصية ماركيز الأخيرة

 

سانت بطرسبورغ.. بندقية الشمال

tara ibrahimفي احدى زياراتي لروسيا، اتيحت لي الفرصة بعد مكوثي فيها لعدة أيام التعرف على مدينة الثقافة والجمال والرومانسية، سانت بطرسبورغ التي مازلت احلم بها وهي لاتفارق مخيلتي ابدا، فعشقي لهذه المدينة، قادني الى زيارتها عدة مرات وفي كل مرة أبدأ التجوال في شارع نيفسكي الذي يخترق قلب المدينة، وهو من أجمل شوارعها بعماراته الانيقة ومحلات بيع الفرو ذي الثمن الباهض، وتشتهر أيضا بالعديد من القنوات المائية والجسور الصغيرة التي تضفي عليها جمالا يضاهي مدينة البندقية الإيطالية ويطلق عليها في اوربا اسم بندقية الشمال أو بندقية اوربا الشمالية.

المدينة كانت عاصمة روسيا اكثرمن قرنين قبل الثورة البلشفية، سميت فيما بعد بلينينغراد، وهى تعج بدورالاوبرا والمسارح التي تقام عليها النشاطات الفنية ومنها عروض الباليه كون روسيا مشهورة في هذا الميدان وهذه المدينة انجبت العديد من المشاهيرفي هذا المجال من الراقصين والعازفين والملحنين وكتاب الاوبرا. من خلال تجوالي رأيت احدى اجمل العمارات في حياتي واحسست انني في بلاد العجائب وهي بناية كاتدرائية اسمها غريب بعض الشيء ويمكن ترجمته ب " كاتدرائية الدم المراق "، وتعرف أيضا بكنيسة "المخلص" وذلك بسبب اغتيال الامبراطور الكساندر الثاني في ذلك المكان واريق دمه قريبا من الكنيسة في العام 1881، أماعمارتها فتعلو فوقها القبب المذهبة والمنقوشة بالألوان المختلفة الجميلة. هذه الكنيسة هي كنيسة ارثوذكسية لدى الدخول اليها فوجئت بعدم وجود المقاعد على غرار الكنائس الكاثوليكية، بل الناس كانوا جميعا يقيمون الصلاة وقوفا ، وكذلك لم اجد أي تمثال للمسيح، الامر الذي استفسرت عنه فقيل لي انه في الطائفة الارثوذكسية من غير المحبذ ان يكون للمسيح تمثال او نصب ما.

وقرب الكنيسة كان هناك سوق صغير لبيع المستلزمات الضرورية والهدايا الجميلة للسياح وفي مقدمتها الدمى الروسية او ما يسمى بالروسية ماتريوشكا بلونها الأحمرووجها الدائري ووشاحها الجميل الذي كان نجما ساطعا من بين نجوم السوق من الدمى المختلفة، فالاوشحة الروسية هي اوشحة معروفة في جميع انحاء العالم كونها صوفية وبألوان جميلة تملؤها الزهور، كما لفت نظري وجود السماور   الذي يتم فيه غلي الماء لاعدادالشاي، وشاهدت سماورات من اجمل ما رأته عيناي، ملونة ومذهبة ومنقوشة بنقوش رائعة وباحجام مختلفة. سانت بطرسبورغ مشهورة أيضا بالمجوهرات الفضية، فالسوق كان ممتلئا باناس يبيعون مجوهرات فضية مزينة بحجر المرمر، أعترضت طريقي امراة تبيع الفضة وعرضت علي شراءها، كانت تفوح منها رائحة الكحول، والساعة لم تبلغ الحادية عشرة صباحا، الامر الغريب انني رأيت العديد تفوح منهم رائحة الكحول في الصباح الباكر، ويبدو ان الامرطبيعي لديهم .

في ذات الوقت يقوم بعض الباعة بعرض قبعات من الفرو والقبعات الروسية المشهورة، وهم يحاولون ان يثبتوا للمتبضعين انها قبعات اصلية مصنوعة من الفروالطبيعي ، فكانوا يشعلون شعرة منها لإثبات انها لا تحترق وانها ليست مصنوعة من مادة النايلون، لم استطع مقاومة اغراء جمال القبعات فاشتريت احداها وبعضا من المجوهرات الفضية.من خلال مشاهداتي أيضا، شاهدت الكثير من العرسان الذين كانوا يجوبون المدينة ويلتقطون الصورمن على الجسور الصغيرة وبعد خروجهم من الكنيسة كانت العادة ان يقوم العروسان   بتطيير حمامات بيضاء، اما سيارات العرسان فكانت من نوع الليموزين يوجد في مقدمتها ورود ويتوسطها خاتم زواج ذهبي..

ولم تفتني زيارة متحف الارميتاج الرائع والغني بالمجموعات الفنية التي يضمها، حيث ان هذا المتحف يضاهي متحف اللوفر في باريس بسبب ضخامته واعداد الاعمال الفنية فيه من اللوحات والمنحوتات وكانت تحتوي ايضا على مجموعات تجسد غرف الاباطرة الذين حكموا روسيا وخصوصا غرف الطعام والاواني التي كانوا يستخدمونها. والغريب ان هنالك العشرات من القطط التي كانت تحوم حول المتحف، يقال انها تحمي المتحف وان العاملين فيه هم المسؤولون عن اطعامها وايوائها، ويوجد موقع على الانترنت لجمع المساعدات المالية لهذه القطط. المتحف يقع أيضا على نهر نيفا الذي يخترق العاصمة القديمة والذي شيدت عليه العديد من الجسور الجميلة .

وقبل ان أرحل عنها الى باريس بيوم واحد ولشهرة المدينة في جميع انحاء العالم بفن الباليه، ارتأيت ان اذهب الى احد مسارحها التي تقدم عروضا في الباليه لرؤية أروع الاعمال الروسية "بحيرة البجع" التي كانت من أجمل القصص التي تذكرني دائما بطفولتي ، كوننا كنا نشاهد أفلام كارتون تروي لنا قصة بحيرة البجع، وبهذا حققت احدى امنياتي الصغيرة..

معلومات إضافية