عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


هُنا، كثير مِنْ الأَشْياءِ عَلَيْنَا نِسْيانُها.

فَلَا نافِذة هُنَا، نَتَطَلَّعُ مِنْهَا إلى البحرِ.

والنَّظَرُ إلى البحرِ مِنْ نافذةٍ، مُخْتَلف

ليسَ كالنظرِ إِليهِ عبْرَ الأَسلاكِ الشّائِكةِ.

صَوْت طِفْل بَعْدَ وَقتِ الظَّهيرةِ - لا يُمكنُني سَماعهُ بَعْدَ الآن.

امْرأَةٌ عِنْدَ عتبةِ الدارِ

والدار - أين صَاروا؟

والخِزانة، المَليئَة بمَلابس شتويَّة

والصَّمْتُ الذي يَتَسَاقَطُ مِنْ ساعَةِ الحائِطِ عَلى الكُرسيِّ

وظِل يَد صَديقٍ، حالَما يَضَعُ زهرة في كأْسٍ - أينَ صَارَتْ؟

وَلَيْلَةُ السَّبْتِ، وَاَلْحاكي فَوْقَ حَافَّةِ النّافذةِ البَارِدَةِ

والقطُّ، في غَسَقِ مساءٍ بِلوْنِ النَفْتالين،

يتَمشَّى على سَطحِ المَنْزِلِ المُقَابِلِ

قِطٌّ أَسْوَد

مِنَ الضَّوَاحِي

فِي مَحْجَرِ عَيْنَيه قَطْرَتينِ مِنَ العُزْلَةِ -

هَذَا القِطُّ الأَسْوَدُ الحَزينُ عَلَى السَّطْحِ المُقَابِلِ،

يَتَمَشَّى بِهُدُوءٍ غَريبٍ عِنْدَ الغَسْقِ،

ويَنْخَسُ بِذيْلهِ القَمَر الأَبْيَض.

هَذا أَيضاً نَسِيناهُ.

 

البَرْدُ قارِصٌ هُنا عِنْدَ المَساءِ:

فالعُزْلةُ تُعَشْعِشُ في ظِلِّ الخَوْفِ

والْخَوْفُ يَكْمُنُ في النّارِ:

والنّارُ يَحْرِقُها الخَوْفُ،

بَيْنَمَا يَلْعَبُ المَوْتُ النَّرْدَ مع الحُرّاسِ

اَلْمُتَرَبِّعينَ عَلَى الأَرضِ في غُرَفِ الحِراسَةِ

 

حَتَّى القِطَطُ هُنَا مُخْتَلِفةٌ،

مُتَوَحِّشَةٌ، مَكْسورَةٌ، صامِتَةٌ،

لَا تَفْرُكُ رُؤوسُها بِأَذْرُعِنا

وَإِنَّمَا تَتَبَخَّترُ عِنْدَ رُكَبِنا، باحِثَة:

عَنْ المَوْتِ

وَعَنْ الحُزْنِ

تَبْحَثُ عَنْ اَلْإِصْرارِ، والِانْتِقامِ،

تَبْحَثُ عَنْ الصَّمْتِ، عَنْ الحُبِّ

وَتَبْحَثُ عَنْ الحَياةِ فِي أَعْيُنِنا

تِلْكَ القِطَطُ، التي لا يُداعِبُها أَحَد،

قِطَطٌ تَوَحُّشَتْ،

قِطَطُ مَاكْرُونِيسُوسْ* الصّامِتَةُ.

وَقَمَرُ آبَ مُعَلَّقٌ فَوْقَ رؤوسنا

مِثْلُ كَلِمَةٍ تَحَجَّرَتْ في حلقِ اللَّيْلِ

لَا يَنْطِقُ بِهَا أَحَد.

 

مَاكْرُونِيسُوسْ 1949

...............................

* المدينة التي تم نفي الشاعر فيها (المُترجم)

 

 

علي القاسميبقلم الكاتب الأمريكي : تيم أوبراين

ترجمة: علي القاسمي


 

كان الملازم الأوَّل جيمي كروس يحمل رسائل من فتاةٍ اسمها مارثا، وهي طالبة في السنة الثالثة بكلية سباستيان ماونت في مدينة نيوجرسي. ولم تكُن هذه الرسائل غراميّة، ولكنّ الملازم كروس كان يراوده أمل، ولهذا فقد احتفظ بها مطويّة في غلاف بلاستيكيّ في قعر جرابه التي يحمله على ظهره. وفي آخر المساء، وبعد السير طوال النهار، كان يحفر خندقه، ويغسل يدَيه في مقصف المعسكر، ويفتح الرسائل، ويمسكها بأطراف أنامله، ويمضي آخر ساعة من ساعات النهار في التخيُّل. كان يتخيَّل القيام برحلات غراميّة معها في الهواء الطلق على سفوح الجبال المغطاة بالثلوج في منطقة نيوهامشاير. وكان يمسُّ بشفتيه أحياناً ثنيات ظروف الرسائل، لأنّه يعرف أنّها كانت قد لامست ذلك الموضع بلسانها. وأكثر من ذلك، كان يريد من مارثا أن تحبّه كما أحبّها، ولكنَّ الرسائل في معظمها مجرد دردشة ومراوغة في موضوع الحب. كانت عذراء، ويكاد يجزم بذلك. وكانت تدرس الأدب الإنجليزيّ في الكُلِّيَّة، ولهذا فقد كتبت بأسلوب أخّاذ عن أساتذتها، وزميلاتها في القسم الداخليّ، والامتحانات الفصليّة، وعن احترامها العميق للشاعر تشوسر ومحبّتها العظيمة للروائيّة فرجينيا وولف. وكانت غالباً ما تستشهد بأبياتٍ شعريّة، ولم تتطرَّق إلى الحرب بتاتاً، ما عدا قولها: اعتنِ بنفسك، يا جيمي. وكان وزن الرسائل عشرة أونسات. وكانت مذيَّلة بعبارة " مع المحبّة، مارثا"، ولكنَّ الملازم كروس فهم " مع المحبة" على أنّها مجرد عبارة توضع عادةً في ختام الرسائل، ولا تعني ما كان يتخيّل أحياناً أنّها تعني. وعند الغسق، كان يعيد الرسائل بعناية إلى جرابه، وينهض ببطء، وهو شارد البال نوعاً ما، ويتحرّك بين جنوده متفقِّداً، ثمَّ عندما يهبط الظلام يعود إلى خندقه، ويراقب الليل، ويتساءل عمّا إذا كانًت مارثا عذراء.

وكانت الأشياء التي يحملونها تحتّمها الضرورة. ومن بين الضرورات، أو ما يقرب من الضرورات، فتّاحات العلب ب 38، وسكاكين الجيب، وأقراص الحرارة، والساعات اليدويّة، وقطع الشكولاتة، وبطاقات التعريف، ودهان إبعاد الناموس، والعلك، والسجاير، وأقراص الملح، ولفّات الضمادات، والقدّاحات، وعلب الكبريت، وعلب فيها إبر وخيوط للخياطة، وأذون دفع المرتبات العسكريّة، ودفاتر التموين، وقنينتان أو ثلاث من قناني الماء البلاستيكيّة. ويتراوح مجمل وزن هذه الأشياء بين خمسة عشر وعشرين رطلاً، حسب عادة الواحد منهم أو قدرة جسمه على الاستهلاك. فهنري دوبن، الذي كان رجلاً ضخماً، يحمل مؤونةً إضافيّة، إذ كان مغرماً بتناول الخوخ المعبَّأ بعُلب مليئةٍ بالعسل مع الكعك. وكان ديف جنسون، الذي يهتم بالبيئة الصحيّة، يحمل معه فرشاة أسنان ومعجون أسنان، وعدّة قوالب صغيرة من الصابون بحجم صابون الفنادق، كان قد سرقها من فندق في مدينة سدني بأستراليا. وكان تيد لافندر، العصبيّ المزاج، يحمل معه حبوباً مهدِّئة، إلى أن أصابته طلقةٌ في رأسه خارج قرية ( ثان كهي) في منتصف شهر أبريل/نيسان. وكانوا جميعاً يرتدون، بالضرورة، خوذات فولاذيّة تزن كلُّ واحدة منها خمسة أرطال، بما في ذلك بطانتها الداخليّة وشبكة التمويه الخارجيّة. وكانوا يرتدون الستر والسراويل المعتادة، وقليل منهم من كان يرتدي الملابس الداخليّة. وكانوا ينتعلون أحذية خاصّة تزن 1,2 رطلاً. وكان ديف جنسون يحمل ثلاثة أزواج من الجوارب، وعلبة من مسحوق الدكتور شول، لحماية القدَمين من التشقُّق. وكان تيد لافندر يحمل معه، حتّى يوم مقتله، ستة أونسات أو سبعاً من المخدِّرات، التي كانت بمثابة ضرورة بالنسبة إليه. وكان ميتشيل ساندرز يحمل معه عدداً من أكياس العازل. وكان نورمان بوكار يحمل دفتر مذكرات، ويحمل رات كيلي كُتُباً فكاهيّة. أما كيوا، وهو مسيحيّ معمدانيّ متديِّن، فقد كان يحمل نسخةً مصوَّرة من الإنجيل أهداها له والده، الذي يعلّم الإنجيل في كنيسة بمدينة أوكلوهوما. وللوقاية من النحس وسوء الطالع، كان كيوا يحمل في نفسه ارتياب جدَّته في الرجل الأبيض ويحمل بلطة الصيد التي ورثها عن جدّه. للضرورة أحكام. ولمّا كانت الأرض مليئة بالألغام والفخاخ المتفجِّرة، فقد كان من المحتَّم على كلِّ رجل أن يرتدي سترة واقية تزن 7، 6 أرطال، ولكنّها تبدو أثقل في الأيام الحارة. ولأنَّكَ يمكن أن تموت بسرعةٍ خاطفة، فقد كان على كلِّ رجلٍ أن يحمل معه ضمادة كبيرة واحدة على الأقل، يضعها عادةً في شريط الخوذة ليتناولها بسهولة. وبسبب برودة الليل ورطوبة الرياح، فإنَّ كلَّ واحد منهم كان يحمل معطفاً مطريّاً بلاستيكيّاً أخضر يمكن أن يستعمله كمعطف للمطر أو ملاءة يفرشها على الأرض أو خيمة مؤقَّتة. وكان ذلك المعطف وبطانته يزن رطلين، ولكنَّ كلَّ أونس فيه يستحق الحمل، ففي شهر أبريل/ نيسان مثلاً، عندما قُتل تيد لافندر، استعملوا معطفه البلاستيكيّ لتكفينه، وحملوه عبر حقول الأُرز، ثم رفعوه إلى الهليكوبتر التي أخذته بعيداً.

كانوا يسمّون تلك الأشياء التي يحملونها بـ "الحدبة". وعندما يحمل أحدهم شيئاً فإنّما كان يضعه على "حدبته". وعندما كان الملازم جيمي كروس يحمل حبّه لمارثا وهو يتسلَّق التلال ويخوض المستنقعات، فإنّه كان يضعه على "حدبته". وكانت "الحدبة" تعني في مفهومهم العبء الذي يرزح تحته الفرد.

كان كلُّ واحد منهم يحمل في "حدبته" صوراً فوتوغرافيّة. فكان الملازم كروس يحمل في محفظته صورتَين لمارثا، كانت أُولاهما قد التُقطِت بآلة كوداك سريعة الإخراج ووقّعت عليها بعبارة "مع المحبة"، على الرغم من أنّه كان يعرف أنَّ العبارة لا تعني ذلك بالضبط. وكانت تبدو في الصورة الأولى وهي تقف مستندة إلى جدار حجري. وكانت عيناها بُنِّيتَين ومحايدتَين، وشفتاها منفرجتَين قليلاً، وهي تحدّق مباشرةً في آلة التصوير. وفي الليل، كان الملازم كروس يتساءل أحياناً عن الشخص الذي التقط الصورة لها، لأنّه كان يعلم أنَّ لها أصدقاء، ولأنّه أحبَّها كثيراً، ولأنّه كان بإمكانه أن يرى ظلَّ الشخص الذي التقط الصورة مائلاً على الجدار الحجريّ. وكانت الصورة الثانية قد اقتُطِعت من الكتاب السنويّ لعام 1968 لكُلِّيّة سباستيان ماونت. وكانت لقطة طبيعيّة لها وهي تلعب كرة السلّة للبنات، وتبدو فيها وهي تثني ركبتَيها وتمدُّ ذراعيها لاستقبال الكرة، وبدت راحتا يديها بوضوح، ولسانها متوتر، ووجها يعبّر عن التصميم والمنافسة. ولم يبدُ عليها عرق ظاهر. وكانت تلبس بذلة رياضة قصيرة بيضاء. وبدا له أنَّ ساقيها كانتا، من المؤكَّد تقريباً، ساقي عذراء، جافَّتَين وبلا شعر، والركبة اليسرى منحنية وعليها يستند وزن كاملِ جسمها الذي يزيد بقليل على المائة رطل. وتذكّر الملازم كروس أنّه لمس تلك الركبة اليسرى. كانت صالة السينما آنذاك مظلمة، وكان عنوان الشريط (بوني وكلايد)، وكانت مارثا ترتدي فستاناً صوفيّاً، وخلال المشهد الأخير لمس ركبتها، وعندها استدارت نحوه، ونظرتْ إليه نظرة حزينة رزينة جعلته يسحب يده، ولكنَّه سيظل يتذكَّر دوما لمسة الفستان الصوفيّ والركبة التي تحته، وصوت الطلق الناريّ الذي قتل بوني وكلايد، يا للظلم ! وتذكّر أنَّه قبّلها ذلك المساء مودِّعاً عند باب القسم الداخليّ. وفكَّر أنَّه كان عليه أن يفعل شيئاً جريئاً هناك. كان يجب عليه أن يحملها ويصعد بها السلّم إلى غرفتها، ويوثقها إلى سريرها، ويواصل لمس تلك الركبة طوال الليل. كان عليه أن يُقدِم على تلك المخاطرة؛ وكان كلّما نظر إلى الصورة، فكَّر في أشياء جديدة كان ينبغي عليه أن يفعلها في حينها.

ما كان يحمله الجنود تفرضه رتبة الفرد من جهة، وتخصُّصه الميدانيّ من جهةٍ أُخرى. ولمّا كان جيمي كروس ملازماً أوّل وقائد فصيلة، فإنّه كان يحمل معه بوصلة، وخريطة، وكتاب فكِّ الشفرة، ومنظاراً مكبِّراً، ومسدساً من عيار 45 يبلغ وزنه وهو محشو بالكامل 2,9 رطلَين، ومصباحاً يدوياً، وكان يتحمَّل المسؤوليّة عن حياة رجاله.

وكان ميشيل ساندرز، بوصفه مسؤولَ الاتّصال، يحمل جهازَ إرسال واستقبال من نوع ب ر س ـ 25، يبلغ وزنه مع بطاريّته ستة وعشرين رطلاً.

وكان رات كيلي، لكونه مساعداً صحيّا، يحمل حقيبةً من الخيش مملوءة بالمورفين والأمصال وأقراص الملاريا واللفّافات والكُتُب الهزليّة وجميع الأشياء التي ينبغي للمساعد الصحيّ حملها، بما في ذلك "م م" لاستعماله في حالة الإصابات الخطيرة، ويصل الوزن الإجمالي إلى ما يقرب من عشرين رطلاً.

ولمّا كان هنري دوبنز رجلاً ضخماً فإنّه أصبح مدفعيّاً، ولهذا فإنّه كان يحمل رشاشاً من نوع م ـ 60، ووزنه وهو غير محشوٍّ ثلاثة وعشرين رطلاً، ولكنّه كان محشوّاً دائماً تقريباً. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ دوبنز كان يحمل ما بين عشرة وخمسة عشر رطلاً من العَتاد المعبَّأ في أحزمةٍ مشدودةٍ على صدره وكتفَيه.

وكان معظم الأفراد الباقين يحملون البندقيّة الهجوميّة المعتادة م ـ 16. وتزن تلك البندقيّة 7،5 أرطال، وهي غير محشوَّة، و8،2 أرطال وهي محشوَّة بكامل خزّانها الذي يتّسع لعشرين خرطوشاً. وكان الجنود يحملون كذلك ـ طِبقاً لعوامل عديدة مثل طوبغرافيّة الأرض ونفسيّة الفرد ـ ما بين اثني عشر وعشرين خرطوشاً في جراب الطلقات، ما يضيف 8،4 أرطال أخرى على الأقل، أو أربعة عشر رطلاً على الأكثر. كما أنَّهم كانوا يحملون أدوات الصيانة ـ عندما تكون متوفِّرة ـ مثل القضبان والفرشاة الفولاذيّة وقناني زيت التنظيف ل.س.أ. ووزن هذه الأدوات حوالي الرطل. وكان بعض الجنود يحمل قاذفة القنابل م ـ79، ووزنها وهي فارغة 5،9 أرطال، وهي سلاح خفيف بصورة مقبولة باستثناء عتادها من القنابل فهي ثقيلة، إذ تزن القنبلة الواحدة عشرة أونسات. وحمولة كلِّ قاذفة خمس وعشرين قنبلة. ولكن تيد لافندر، الذي كان مرعوباً، كان يحمل معه أربعا وثلاثين قنبلة عندما أُصيب بطلقٍ ناريٍّ وقُتل خارج قرية ثان كهي، وسقط تحت عبءٍ استثنائيٍّ، أكثر من عشرين رطلاً من العتاد، إضافة إلى السترة الواقية والخوذة وحصّته من المؤونة والماء وورق المرحاض والمهدِّئات وبقيّة الأشياء الأُخرى، إضافةً إلى الخوف الذي لا وزن له. كانت حمولة قاتلة. لم ترافق موته أيّة اختلاجات أو ترنحات. فكيوا، الذي رأى ما حصل، قال إنّه كما لو كان يشاهد صخرة كبيرة تهوي، أو كيساً كبيراً من الرمل أو شيئاً من هذا القبيل ـ مجرَّد دويّ أعقبه السقوط ـ وليس كما في الأفلام السينمائيّة حيث يبقى القتيل يترنّح ويقوم بحركات لولبيّة خياليّة كالبخار فوق إبريق الشاي. لا ليس مثل ذلك، قال كيوا، فالمسكين سقط حالاً. دويُّ طلقةٍ وسقوط.، ولا شيءَ آخر. وكان نهاراً مشرقاً في منتصف شهر أبريل/نيسان. وشعَرَ الملازم كروس بالألم. وألقى اللوم على نفسه. وانتزعوا مؤونة لافندر وعتاده، وجميع الأشياء الثقيلة، وقال ران كيلي إنَّ من الواضح أنَّ الرجل ميت، واستخدم ميشيل ساندرز جهاز إرساله ليبلّغ عن مقتل أحد الجنود ويطلب هيلكوبتراً لنقله. ثم لفّوا لافندر بمعطفه المطريّ البلاستيكيّ، وحملوه إلى بقعة أرض يابسة، وأقاموا الحراسة حوله، ثم جلسوا يدخِّنون مخدِّرات الرجل الميّت حتّى وصلت الهيلكوبتر. وانطوى الملازم كروس على نفسه. وتخيَّل وجه مارثا الناعم الطريّ، وفكّر أنَّه يحبّها أكثر من أيِّ شيءٍ آخر، أكثر من رجاله. ولأنَّه يحبُّها كثيراً ولا يستطيع أن يتوقَّف عن التفكير فيها، فقد مات تيد لافندر الآن. وعندما وصلت الزوبعة الترابيّة، حملوا لافندر إلى متن الهيلكوبتر. وبعد ذلك أحرقوا قرية ثان كهي. وساروا حتّى حلول الظلام، ثم حفروا خنادقهم، وفي تلك الليلة ظلَّ كيوا يشرح كيف كان القتيل هناك، وكيف تمَّ الأمر بسرعة، وكيف سقط المسكين مثل كتلة إسمنتيّة. قال دويٌّ وسقوط، مثل الإسمنت.

وكانوا يحملون، بالإضافة إلى الأسلحة الثلاثة المعتادة ـ الـ م-60 والـ م-16 والـ م-79 ـ ، ما وُجد، أو ما يبدو لهم مناسباً، كأداةٍ للقتل أو للبقاء على قيد الحياة. كانوا يحملون عُلَب الأغذية المحفوظة. وفي أوقاتٍ مختلفة، وفي أوضاع مختلفة، كانوا يحملون م-14 وس ا ر-15، وبنادق سويديّة من نوع ك، وبنادق زيتيّة، ورشاشات أ ك-47 كانوا قد غنموها و(تشي كومز) وآر بي جي، وبنادق سيمونوف، ورشاشات عوزي من السوق السوداء، ومسدّسات سميث وداسون من عيار 38، ومدافع (لاو) من عيار 66مم، وبنادق رماية، وكاتمات صوت، وسكاكين، وحراب بنادق، ومتفجِّرات بلاستيكيّة من نوع س –4. وكان لي سترونك يحمل مقلاعاً، ويدعوه بآخر ما يلجأ إليه من الأسلحة. وكان ميشيل ساندرز يحمل قبضة فولاذيّة. وكان كيوا يحمل بلطة جدِّه المُزيَّنة بالريش.  وكان كلُّ ثالث أو رابع رجل يحمل لُغماً مضادّاً للأفراد من نوع كليمور ـ يزِن مع جهاز إطلاقه 3,5 أرطال. وجميعهم كانوا يحملون قنابل انشطاريّة ـ وزن كلِّ واحدة منها أربعة عشر أونساً. وجميعهم كانوا يحملون قنابل دخان ملوَّن من نوع م-18، واحدة على الأقل لكلِّ فرد ـ وزنها أربعة وعشرين أونساً. وكان بعضهم يحمل قنابل مسيلة للدموع، وبعضهم يحمل قنابل فسفوريّة. كانوا يحملون جميع ما يستطيعون حمله، وكان بعضهم يحمل خوفاً خفيّاً من القوّة الرهيبة للأشياء التي كانوا يحملونها.

وفي الأسبوع الأوَّل من شهر نيسان/ أبريل، وقبل أن يُقتَل لافندر، كان الملازم جيمي كروس قد تلقَّى من مارثا تعويذة لجلب الحظِّ على شكل حصاة بسيطة، تزن أونساً على الأكثر. وهي ناعمة الملمس، ولونها أبيض حليبيّ وفيها نقط برتقاليّة وقرمزيّة اللون، وشكلها بيضويّ، مثل بيضة مصغَّرة. وكتبت مارثا في الرسالة المُرفقة قائلةً إنّها وجدت تلك الحصاة على شاطئ جرسي، تماماً في الموضع الذي تلامس فيه المياهُ الأرضَ خلال المدِّ، حيث تصل جميع الأشياء إلى الشاطئ في وقتٍ واحد لكنّها منفصلة أيضاً. وكتبتْ تقول إنّ حالة وصول الأشياء مجتمعة ولكنّها متفرقة هي التي أوحت إليها بالتقاط الحصاة وحملها في الجيب الملاصق لصدرها عدّة أيام، كانت تبدو فيها بلا وزن، ثم أرسلتْها بالبريد الجويّ إليه بمثابةِ رمزٍ لمشاعرها الحقيقيّة نحوه. وقد وجد الملازم كروس في ذلك شيئاً رومانسيّاً. ولكنّه ظلَّ يتساءل عن ماهيّة مشاعرها الحقيقيّة بالضبط، وما الذي كانت تعنيه بالمتفرِّقة ولكن المجتمعة. وظلَّ يتساءل كيف أنّ الأمواج دخلت في الموضوع في ذلك المساء على شاطئ جرسي عندما رأتْ مارثا الحصاة وانحنتْ لالتقاطها. وتخيّلها حافية القدمَين. كانت مارثا شاعرة، ولها رهافة حسِّ الشعراء، ولا بُدَّ أنَّ قدمَيها كانتا مسمَّرتَين وحافيتَين، وأظافرها بدون أصباغ، ونظراتها باردة وقاتمة مثل المحيط في شهر آذار/ مارس، وراح يفكِّر، على الرغم من الألم الذي يسبِّبه له ذلك التفكير، في الشخص الذي كان يرافقها ذلك المساء. وتخيَّلَ ظلَّين يتحركان على طول شريط الرمل حيث تكون الأشياء مجتمعة ولكنّها متفرقة كذلك. وكان يعرف أنَّها مجرّد غيرة عمياء، ولكنَّه لا يستطيع لها دفعاً. لقد كان يحبّها حبّاً جمّا. وخلال السير، في الأيام الأولى الحارّة من شهر نيسان/ أبريل، كان يحمل الحصاة في فمه، ويديرها بلسانه، فيحس بأملاح البحر ورطوبته. ويهيم فكِرُهُ. وكان يصعب عليه تركيز انتباهه على الحرب. وفي مناسبات كان يصيح برجاله طالباً منهم أن ينتشروا خارج الصف، وأن يفتحوا عيونهم، ولكنّه سرعان ما ينزلق إلى أحلام اليقظة، فيتخيّل نفسه يمشي حافي القدمَين على شاطئ جرسي، مع مارثا، وهو لا يحمل شيئاً بتاتاً. ويشعر بنفسه وهو يرتفع، فالشمس والأمواج والنسائم العليلة كلّها حبٌّ وخفّة.

ما كانوا يحملونه تقرِّره طبيعة المُهمّة.

فعندما كانت المُهمّة تقودهم إلى الجبال، كانوا يحملون معهم ناموسيات البعوض، وعلب الكبريت، والخيش، وكمّيات إضافيّة من العصير.

وإذا كانت المُهمّة تبدو محفوفة بالمخاطر بشكلٍ خاصٍّ، أو أنّها تشتمل على المرور بمكانٍ يعرفون عنه أنَّه سيئ، فإنَّهم يحملون معهم كلَّ شيء يستطيعون حمله. وفي حقولٍ معيَّنةٍ مليئةٍ بالألغام، حيث الأرض مغطاة بأحراشٍ كثيفة، فإنَّهم يتناوبون على حمل جهاز كشف الألغام الذي يبلغ وزنه ثمانية وعشرين رطلاً. وكان هذا الجهاز بسمّاعتَيه ومجسَّته الكبيرة يشكِّل عبئاً ثقيلاً على أسفل الظهر والكتفَين، ولكنَّهم كانوا يحملونه على أيِّ حال، لتأمين سلامتهم من جهة، ولِوَهْمِ تأمين سلامتهم من جهة أخرى. وعندما كانوا ينصبون كميناً، أو أثناء المهمّات الليليّة، كانوا يحملون معهم معدّات صغيرة غريبة. وكان كيوا يأخذ  معه دائماً إنجيله وخفَّين ناعمَين لا يُحدِثان صوتاً. وكان ديف جنسون يحمل معه فيتامينات مقوِّية للبصر غنيّة بمادة الكاروتين. وكان لي سترونك يحمل معه مقلاعه مُدَّعياً أنَّه بمثابة تعويذة تقيهم من أيّة مشكلة. وكان رات كيلي يحمل البراندي والسجائر. وكان تيد لافندر، وحتّى اليوم الذي قُتِل فيه، يحمل جهاز الإنارة الليليّة، الذي يزن 6،3 أرطال بما في ذلك حمّالته المصنوعة من الألمنيوم. وكان هنري دوبنز يحمل لباس صديقته الداخليّ ملفوفاً على رقبته كمهدِّئ له. وكانوا كلّهم يحملون أشباحاً معهم. وعندما يحلُّ الظلام، يتحرَّكون خارج الطابور، عبر المروج ومزارع الرز، ويذهبون إلى مكامنهم حيث يضطجعون هنالك ساكنين ويمضون الليل كلَّه في الترقب.

وكانت بعض المُهمّات أكثر تعقيداً وتتطلَّب معدّات خاصّة. ففي منتصف نيسان/ أبريل، كانت مهمَّتهم البحث عن الأنفاق المبنيّة في منطقة " ثان كهي "  جنوبي " شولاي " وتدميرها. ولكي يفجّروا تلك الأنفاق، كان عليهم أن يحملوا كُتلاً من المتفجِّرات عالية المفعول تزن الواحدة منها رطلاً، فيحمل كلُّ واحد منهم أربع كتل، بحيث يكون المجموع الكلِّيّ ثماني وستين كتلة.  ويحملون الأسلاك، وأجهزة التفجير، والنابضات التي تعمل بالبطاريات. وكان ديف جنسون يضع سدادات على أذنيه. وقبل أن يفجّروا الأنفاق، كانت الأوامر العُليا غالباً ما تصدر بتفتيش تلك الأنفاق. وكانوا يعدّون تلك الأوامر في عداد الأخبار السيِّئة، ولكنّهم كانوا، بشكلٍ عامٍّ، يهزّون أكتافهم وينفِّذونها. ولما كان هنري دوبنز رجلاً ضخماً، فإنه كان يُعفى من مهمّة تفتيش الأنفاق. أما الآخرون فإنّهم يلجؤون إلى القرعة. ولأنَّ الفصيلة كانت تتألَّف من سبعة عشر جنديّاً، فإن مَن يسحب الرقم 17، كان عليه أن يتخلّص من مؤونته وعتاده، ويزحف في النفق بإدخال رأسه أوَّلاً وهو يحمل مصباحاً يديويّاً ومسدس الملازم كروس من عيار 45. ويتحلَّق بقية الرجال حول مدخل النفق للحماية. وكانوا يجلسون أو يركعون متنصِّتين إلى الأرض تحتهم، وظهورهم إلى مدخل النفق، وهم يتخيّلون عناكب وأشباحاً، أو أيِّ شيءٍ آخر يمكن أن يوجد داخل النفق. ويبدو لك النفق ضيّقاً ويمسي المصباح الذي تحمله ثقيلاً بصورة لا تُصدَّق، والرؤية في النفق ضيّقة، بالمعنى الحرفيّ للكلمة، وأنتَ تحبو على مؤخَّرتك ومرفقيك، وتجتاحك الهواجس ـ فتجد نفسكَ قلِقاً بسبب أشياء غريبة ـ هل سينطفئ مصباحك؟ وهل تحمل الجرذان داءَ الكلَب؟ وإذا صرختَ فإلى أيّ مدى يصل صوتكَ؟ وهل يسمعكَ رفاقكَ؟ وهل لديهم الشجاعة لجرّك إلى الخارج؟ والانتظار خارج النفق أسوأ أحياناً من دخول النفق ذاته، وذلك لاعتبارات معيّنة، مع إنّها ليست عديدة. فالخيال يقتل.

وفي 16 نيسان/ أبريل، عندما سحب لي سترونك الرقم 17، ضحك وتمتم بشيء ثم نزل إلى النفق بسرعة. وكان ذلك الصباح حارّاً والهواء ساكناً تماماً. وقال كيوا: هذا لا يبشِّر بخير. ونظر إلى فتحة النفق. ثم تحوَّلت نظراته إلى قرية (ثان كهي) عبر حقل أُرز جاف. لا شيءَ يتحرّك. لا السحب ولا الطيور ولا الناس. وبينما كان الجنود ينتظرون، كانوا يدخنون ويشربون عصير (الكول أيد)، دون أن يتكلَّموا كثيراً، وهم يشعرون بالأسى من أجل لي سترونك، ولكنّهم أيضا يشعرون بالحظّ الذي حملته القرعة لهم. قال ميشيل ساندرز: تربح شيئاً وتخسر شيئاً آخر، وأحياناً تقبل بزخَّة مطر. وكان الجنود مُتعَبين ولم يضحك أحد منهم لهذه النكتة.

وكان هنري دوبنز يأكل قطعة شوكولاته استوائيّة. وتناول تيد لافندر قرصاً مسكِّناً وذهب بعيداً ليتبوّل.

وبعد خمس دقائق تحرَّك الملازم كروس إلى النفق، وانحنى، وحدَّق في الظلام. وفكَّر في المتاعب ـ ربَّما انهيار. ثمَّ فجأةً، وبِلا إرادة منه، أخذ يفكر في مارثا. ضغوط وشقوق، انهيار سريع، وسيدفن كلاهما تحت ذلك الثقل. حبٌّ عنيف جامح.  وحاول، وهو راكع يتأمَّل النفق، أن يركّز ذهنه على لي سترونك والحرب وجميع المخاطر، ولكنَّ حبَّه كان كاسحاً، وشعر بأنَّه مشلول، وكان يريد أن ينام داخل رئتيها ويتنفَّس دمها ويذوب فيها. كان يريدها أن تكون عذراء وليست عذراء، في الوقت نفسه. كان يريد أن يعرفها جيّداً، يعرف أسرارها الحميمة ـ ولماذا الشِّعر؟ ولماذا هي حزينة جدّاً؟ ولماذا تلك القتامة في عينَيها؟ ولماذا هي وحيدة؟ قد لا تشعر بالوحدة، ولكنّها تكون وحدها وهي تركب دراجتها في الحيِّ الجامعيّ أو جالسة وحيدة في مطعم الكُلِّيّة. وحتّى عندما ترقص، فهي ترقص بمفردها، وتلك الوحدة هي التي ملأته بالحبّ. وتذكَّر أنَّه أخبرها بذلك ذات مساء. وكيف هزَّتْ رأسها وأشاحتْ ببصرها بعيداً عنه، وكيف، بعد ذلك عندما قبّلها تلقَّتْ قُبلته دون الردِّ عليها بمثلها، وكانت عيناها مفتوحتَين متّسعتَين، وما كانتا خائفتَين، وليستا مثل عيون العذارى، وإنّما عينان محايدتان بلا مشاعر.

وحدّق الملازم كروس في النفق. ولكنَّه لم يكُن هناك. كان مدفوناً مع مارثا تحت رمل أبيض على شاطئ جرسي. وكانا متلاصقَين، وكانت الحصاة التي في فمه هي لسانها. وابتسم. وبصورةٍ غامضة، أخذ يدرك أنَّ النهار كان هادئاً، وحقول الأُرز واجمة، ومع ذلك، فإنّه لم يستطِع أن يجعل نفسه قلِقاً بشأن القضايا الأمنيّة. كان كيانه وراء ذلك. كان فتىً في الحرب، وفي الحبّ. كان عمره مجرّد اثنتين وعشرين سنة. ولا يستطيع أن يفعل شيئاً آخر بهذا الصدد.

وبعد لحظاتٍ، خرج لي سترونك زاحفاً من النفق، مكشِّراً، مُتَّسخاً، ولكنّه حيّ. فهزَّ الملازم كروس رأسه وأغمض عينَيه في حين أخذ الآخرون يطبطبون على ظهر سترونك ويروون النكات عن القيام من بين الأموات.

وقال رات كيلي، الديدان، الخروج من القبر، جثة ملعونة تعود إلى الحياة.

وضحك الرجال، وشعروا بارتياح كبير.

وقال ميتشيل ساندرز، إنّها مدينة أشباح.

وأطلق لي سترونك صوتاً مُضحِكا مقلِّداً الأشباح، نوعاً من الأنين، ومع ذلك فقد كان أنيناً مرِحاً. وفي تلك اللحظة بالضبط، عندما أطلق سترونك صوت ذلك الأنين الفرِح، حينما قال أهوووو، في تلك اللحظة بالضبط أُصيب تيد لافندر برصاصة في رأسه وهو عائد من مركز الحراسة. وسقط أرضاً وفمه مفتوح. وقد تهشَّمت أسنانه. وظهرت كدمة زرقاء تحت عينه اليسرى، واختفتْ عظمةُ الخدِّ. وقال رات كيلي، اللعنة، الرجل ميّت. وظلَّ يكرِّر قوله، الرجل ميّت، وبدا المعنى عميقاً ـ الرجل ميّت، أعني حقيقةً ميّت.

ما كانوا يحملونه من أشياء تفرضه الخرافة إلى حدٍٍّ ما. فالملازم كروس كان يحمل حصاته التي تجلب له الحظَّ. وكان ديف جنسون يحمل قدمَ أرنب. وكان نورمان باوكر، الذي هو في العادة إنسان لطيف، يحمل إبهاماً أهداه إليه ميتشيل ساندرز. وكان ذلك الإبهام بُنِّي اللون داكناً وله ملمس مطاطيّ، ويزن أربعة أونسات على الأكثر. وكان هذا الإبهام قد قُطِعَ من جسد أحد أفراد الفايكونغ، وهو غلام في  السنة الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. وقد وجدوه في قعر أخدود من أخاديد الري، وقد احترق جسده بصورة بشعة والذباب ملء فمه وعينَيه. وكان الغلام يرتدي سروالاً أسود قصيراً ونعلَين. وفي الوقت الذي قُتل فيه كان يحمل جراباً من الرز، وبندقية وثلاثة خراطيش من الذخيرة.

وقال ميتشيل ساندرز، هل تريد رأيي؟ إنّ هناك بالتأكيد مسألةً أخلاقيّة.

ووضع يده على رسغ الغلام الميت. وظلَّ ساكنا هنيهة، كما لو كان يعدّ نبضه، ثم ربت على بطنه، بطريقة ودّيّة تقريباً، واستعمل بلطة كيوا  ليبتر الإبهام.

وسأل هنري دوبنز عن ماهيّة المسألة الأخلاقيّة.

المسألة الأخلاقيّة؟

أنتَ تعرف. الأخلاق.

ولفَّ ساندرز الإبهام بورق المرحاض وسلَّمه إلى نورمان باوكر. لم يسِل دم عند البتر. وبابتسامةٍ على فمه، رفسَ رأس الصبيّ، وشاهد الذباب وهو يتطاير مذعوراً، وقال، هذا يشبه المسلسل التلفزيوني القديم ـ بالادان. خُذ بندقيّته، سنرحل.

وظلَّ هنري دوبنز مطرقا يفكر في الموضوع.

وأخيراً قال، حسناً، لا أرى أيّة مسألة أخلاقيّة.

هذا هو الصحيح.

ابتعدْ عني.

كانوا يحملون معهم قرطاسيّة وأقلام رصاص وأقلام حبر، ودبابيس، ومشاعل، ولفّات من الأسلاك، وشفرات حلاقة، وتبغ للمضغ، وأعواد البخور، وتماثيل صغيرة لبوذا، وشموع، وأقلام تشحيم، والعَلَم الأمريكيّ، وقلّامات الأظافر، ونشرات، وقبّعات مغطّاة بأغصان الأشجار، ومنشورات، وأشياء أُخرى كثيرة. وعندما تصل هيلوكبتر الإمدادات، مرَّتَين في الأسبوع، يحملون منها أطعمة ساخنة محفوظة في علب خضراء، وحقائب واسعة من الجنفاص مملوءة بالبيرة المثلجة وقناني الصودا. وكانوا يحملون حاويات بلاستيكيّة مملوءة بالماء، تتّسع كلُّ واحدةٍ منها لجالونَين. وكان ميتشيل ساندرز يتحمّل أعباء أخرى في الطبخ في مناسبات خاصّة. وكان هنري دوبنز يحمل مُبيد الحشرات، وكان ديف جنسون يحمل أكياسَ رملٍ فارغة يمكن ملؤها في الليل لمزيد من الحماية. وكان لي سترونك يحمل دهاناً لتلويح البشرة. وكانت هناك بعض الأشياء التي يتعاونون على حملها. فقد كانوا يتناوبون على حمل جهاز تشويش المكالمات السريّة منعاً للمتنصِّتين من فهمها، وكان هذا الجهاز من نوع ب ر س –77، ويزن مع بطاريته ثلاثين رطلاً. وكانوا يشتركون كذلك في حمل عبء الذكرى. وكانوا يحملون ما لم يعُد الآخرون يستطيعون حمله. وغالباً ما كان يحمل بعضهم بعضاً، الجرحى أو الضعفاء. وكانوا يحملون الجراثيم المُعدية. وكانوا يحملون لعبة الشطرنج، وكرات السلَّة، ومعاجم فيتناميّة ـ إنجليزيّة، وشارات الرُّتب العسكريّة، ونجمات برونزيّة، وأنواط الشجاعة، وبطاقات بلاستيكيّة طُبعت عليها قواعد السلوك. وكانوا يحملون أمراضاً متعدِّدة من بينها الملاريا والزحار. وكانوا يحملون القمل، والأمراض الجلديّة، والطفيليّات، وأَشنات حقول الأُرز، وأنواعاً أخرى من التعفُّنات والفطريّات. وكانوا يحملون الأرضَ نفسها ـ فيتنام، المكان، التربة ـ ترابٌ ناعم برتقاليُّ اللون يغطّي أحذيتهم وملابسهم ووجوههم. وكانوا يحملون السماء، الجو برمَّته، برطوبته، وبرياحه الموسميّة،  وبنتن الفطريّات وتعفُّنها، جميعها. كانوا يحملون الثقل والرصانة. كانوا يسيرون كالبغال. في النهار، كانوا يواجهون طلقات القنّاصة، وفي الليل كانت تصليهم الرشاشات، ولكن لم تكُن ثمّة معركة. كانت هناك مجرّد مسيرة لا نهاية لها، من قرية إلى قرية، بلا هدف، لا شيء يكسبونه أو يخسرونه. كانوا يسيرون من أجل السير فحسب. كانوا يسيرون بتلكُّؤ، كالبكم، يواجهون الحرارة من دون تفكير، وهم من دم ولحم، مجرّد جنود ما عليهم إلا تحمُّل المشقّات وأداء المهمّات الموكولة إليهم بتسلُّق التلال وهبوطها إلى حقول الأُرز، وعبر الأنهار، ثمَّ الصعود والهبوط مرّةً أُخرى، وهم يحملون أثقالهم على ظهورهم، خطوةً تلو أُخرى، ولكن دون إرادةٍ ولا اختيار، لأنَّ العمل يتمُّ بصورةٍ تلقائيّة، فالمهمة جسديّة، والحرب كلُّها مسألة وضعيّة الجسد وحمل الأثقال، فوضع الحمل على الظهر هو كلُّ شيء، نوع من تمضية الفراغ، وتعتيم الرغبة والذهن والأمل والحسِّ الإنسانيّ. فحساباتُهم بيولوجيّة محضة. ولم يكُن لديهم حسٌّ استراتيجيٌّ أو وظيفيّ. كانوا يفتِّشون القُرى دون أن يعرفوا ما الذي يجب أن يبحثوا عنه، ولا يأبهون لأيِّ شيء، فكانوا يتعثَّرون بجرّات الأُرز، ويفتِّشون الأطفال والشيوخ بحثاً عن السلاح. ويفجِّرون الأنفاق، وأحياناً يُشعلون الحرائق، وأحياناً لا يشعلونها، ثم يصطفّون في طابور ويستأنفون سيرهم نحو القرية التالية، ثم نحو قرىً أُخرى حيث يفعلون الشيء نفسه. كانوا يحملون أرواحهم على راحات أيديهم. وكانت الضغوط عليهم عظيمة، ففي عزِّ الظهيرة وشدّة الحرارة كانوا يخلعون خوذهم وستراتهم الواقية، ويمشون عراة، وهذا شيء خطير ولكنّه يساعد على التقليل من الإجهاد. وكانوا غالباً ما يرمون ببعض الأشياء على طول خطّ سيرهم، لمجرَّد التخفيف من عبئهم، فكانوا يرمون مؤونتهم، ويفجّرون قنابلهم اليدويّة، لا يهمّ، لأنّه عند حلول الليل ستصل طائرة الإمدادات حاملةً الكثير من تلك الأشياء، ثمَّ بعد يوم أو يومين تأتي وهي تحمل كميّات أكبر منها، وبطيخاً طازجاً، وصناديق من الذخيرة، ونظّاراتٍ شمسيّة، وكنزات صوفيّة ـ فقد كانت الموارد والإمكانات هائلة جدّاً ـ وألعاب ناريّة لعيد الاستقلال الأمريكيّ في الرابع من تموز/ يوليو، والبيض الملوَّن لعيد الفصح. إنّه المخزون الحربيّ الأمريكيّ العظيم ـ ثمرات العِلم، ومداخن المصانع، ومعامل حفظ الأغذية وتعليبها، وترسانة هارتفورد، وغابات منيسوتا، ومستودعات الآلات والمكائن، وحقول الذرة والقمح الشاسعة ـ وكانوا يحملون ما يُشبه قطارات النقل، كانوا يحملونها على ظهورهم وأكتافهم ـ وبين جميع خفايا فيتنام، وخباياها، ومجاهلها، كانت هناك حقيقة مؤكَّدة واحدة على الأقلّ وهي أنّهم لا تنقصهم أبداً الأشياء التي يجب عليهم أن يحملوها.

وبعد أن حملت طائرة الهليكوبتر جثمان لافندر بعيداً، قاد الملازم جيمي كروس رجاله إلى قرية "ثان كهي"، فحرقوا كلَّ شيء فيها، وأطلقوا الرصاص على الدجاج والكلاب، ورموا الأَزبال في بئر القرية، وطلبوا لاسلكيّاً من المدفعيّة قصف القرية. ووقفوا يتفرَّجون على الأنقاض، ثمَّ ساروا عدّة ساعات في حرِّ الظهيرة اللاهب، ثمَّ في الغسق، في حين ظلَّ كيوا يشرح لهم كيف مات لافندر، ووجد الملازم كروس نفسه يرتعش.

حاول ألا يبكي، وراح يحفر بآلة شدّ الأسلاك، التي تزن خمسة أرطال، حفرة في الأرض.

وشعرَ بالخجل. وكرهَ نفسه. وكان يحبُّ مارثا أكثر مما يحبُّ رجاله، ونتيجةً لذلك أمسى لافندر في عداد الأموات الآن. وهذا شيءٌ سيحمله معه مثل حصاة في معدته بقيةَ أيام الحرب.

كلُّ ما يستطيع أن يفعله هو الاستمرار في الحفر. كان يستخدم آلة شدّ الأسلاك كما لو كانت فأساً، يقطع بها الأرض، ويشعر بالحبِّ والكره معاً. وبعد ذلك، عندما عمّ الظلام، جلس في قعر خندقه وانخرط في البكاء. واستمر على تلك الحال طويلاً. كان حزيناً لموت تيد لافندر بعض الشيء، ولكنَّ بكاءَه كان في معظمه من أجل مارثا، ومن أجل نفسه، لأنّها كانت تنتمي إلى عالَمٍ آخر، عالمٍ لم يكُن واقعيّاً تماماً، ولأنّها كانت طالبة في السنة الثالثة في كلية ماونت سباستيان في نيوجرسي، شاعرة وعذراء وليست معنيّة بالحرب، ولأنّه أدركَ بأنّها لا تحبُّه ولن تحبَّه أبداً.

وهمس كيوا في الظلام: مثل الإسمنت. أقسم بالله ـ دويٌّ فسقوط. ولا كلمة.

وقال نومان باوكر، لقد سمعتُ ذلك.

ـ أتدري، مثل رجلٍ يبول ويغلق سحّابة سرواله. أُغلقَ قبل أن يغلِق.

ـ حسناً، طيّب، هذا يكفي.

ـ نعم، ولكن كان عليك أن تراه، فالرجل ـ

ـ لقد سمعتُ، يا رجل. الإسمنت. إذن لماذا لا تسكت؟

وهزَّ كيوا رأسه بحزن، ونظر عبرَ الخندق إلى المكان الذي كان فيه الملازم جيمي كراوس يحدّق في الظلام. وكان الهواء ثقيلاً ورطباً. وخيَّم على حقول الأُرز ضبابٌ كثيف دافئ، وكان هناك الهدوء الذي يسبق المطر.

وتأوه كيوا متحسِّراً بعد وهلة.

وقال، ثمّة شيءٌ واحد مؤكَّد. إنَّ الملازم يتألَّم بعمق، أعني أنَّه يبكي بحرقة ـ وكما هو ظاهر من حاله ـ فإنّه لا يتظاهر بذلك أو أيِّ شيء من هذا القبيل. إنّه يتألَّم من هذه المسؤوليّة الثقيلة. فالرجل مهتمٌّ حقّاً.

فقال نورمان باوكر، مؤكَّد.

قُلْ ما تريد. فالرجل مهتمٌّ حقّاً.

نحن جميعا لدينا مشاكل.

ليس لافندر.

فقال باوكر، لا، أظنّ لا. هل تتكرَّم عليّ بشيء؟

أسكتُ؟

إنَّك هنديٌّ نبيه. اصمتْ.

وهزّ كيوا كتفَيه، وخلع جزمته. كان يريد أن يقول شيئاً آخر ليخفِّف عن نفسه ويُقبِل على النوم، ولكنَّه، بدلاً من ذلك، فتح الإنجيل ووضعه تحت رأسه كوسادة.

وجعل الضبابُ الأشياءَ تبدو جوفاء وغير مترابطة. وحاول كيوا أن لا يفكِّر في تيد لافندر، ولكنَّه راح يفكِّر في السرعة التي تمَّ فيها الأمر، فقد سقط ميّتاً، بلا ضجّة، وكان من الصعب الشعور بأيِّ شيء ما عدا المفاجأة. كان الأمر يبدو مخالفاً للدِّين. وكان يتمنّى أن يشعر بحزن عظيم، أو حتّى بالغضب، ولكن يبدو أنّه خال من أيِّ انفعال وأنَّه لا يستطيع أن ينفعل. وكان الشعور الغالب عليه هو السعادة لكونه ما زال حيّا. واستحسن رائحة الإنجيل تحت خدّه، رائحة الجِلد والحبر والورق والصمغ، وأيِّ مواد كيميائيّة أُخرى. واستحسنَ سماع أصوات الليل. وحتّى جسده، كان يحسُّ إحساساً طيّباً، العضلات المتصلِّبة، والإحساس المنغِّص بجسده. إحساسٌ طافٍ. استحسن أنَّه لم يكُن ميّتاً. وأُعجِب كيوا، وهو ممدد في خندقه، بقدرة الملازم جيمي كروس على الحُزن. كان يريد أن يشارك الرجل مصابه وآلامه. كان يريد أن يهتمَّ كما يهتمَّ جيمي كروس. ومع ذلك، فعندما أغمض عينَيه، كان كلُّ ما يستطيع أن يفكر به هو دويٌّ وسقوط، وكان كلُّ ما يستطيع أن يشعر به هو السعادة بخلع جزمته وتكاثُف الضباب حوله. وبالتربة النديّة وبرائحة الإنجيل وبالرائحة المُريحة التي يجلبها الليل.

وبعد لحظة جلس نورمان باوكر في الظلام.

وقال، اللعنة، هل تريد أن تتكلّم؟ تكلّمْ. أخبرني بكلِّ شيء.

انسَ الموضوع.

لا، يا رجل، تكلّمْ، استمر. هناك شيءٌ واحد أكرهه: هنديٌّ صامت.

في معظم الأحيان كانوا يتصرَّفون برباطةِ جأش، بنوعٍ من الكرامة. ومع ذلك، فمن حين لآخر، تأتي أوقاتُ هلع، عندما كانوا يصرخون، أو عندما كانوا يريدون أن يصرخوا ولا يتأتّى لهم ذلك، عندما كانت أعصابهم ترتجف ويئنّون ويغطّون رؤوسهم ويتوسّلون بيسوع المسيح، ويتخبّطون على الأرض، ويطلقون نيران أسلحتهم بصورةٍ عمياء، وينكمشون على أنفسهم مذعورين، وينتحبون ويدعون الله أن يوقِف القصف، ويخرجون عن أطوارهم، وينذرون نذوراً لا يستطيعون الوفاء بها، لا لله ولا لأُمّهاتهم ولا لآبائهم ولا لأنفسهم، طمعاً في البقاء على قيد الحياة. وقد حصل ذلك بأشكالٍ مختلفةٍ لهم جميعاً. وعندما يتوقَّف القصف بعد ذلك، تطرف عيونهم ويختلسون النظر إلى خارج الخندق، ويلمسون أجسامهم، ويشعرون بالخجل، ثمَّ سرعان ما يُخفون خجلهم. ويُجبرون أنفسَهم على الوقوف. وكما لو كانوا في شريط مصوَّر بالحركة البطيئة، يقفون واحداً واحداً، ويعود العالَم إلى منطقه القديم ـ صمتٌ مطبق، ثمّ الريح، ثم ضوء الشمس، ثم الأصوات. إنّه عبءُ البقاء على قيد الحياة. وبعدَ ذلك يقومون بتجميع أنفسهم بارتباك، أوّلاً كلّ واحدٍ بمفرده، ثمَّ في مجموعات، ويصيرون جنوداً مرَّةً أُخرى. ويمسحون ما تسرَّب من عيونهم، ويدقِّقون لضبط الإصابات، وينفضون الغبار عنهم، ويشعلون سجائرهم، ويحاولون أن يبتسموا، ويصفّون حناجرهم، ويبصقون، ويشرعون بتنظيف أسلحتهم. وبعدَ وهلةٍ يهز أحدهم رأسه ويقول، بلا كذب، كنتُ على وشك أن أتبوَّل في سروالي، ويضحك آخر، وهذا يعني أن الأمر كان سيئاً، نعم، ولكن من الواضح أنَّ الرجل لم يتبوَّل في سرواله، وعلى أيِّ حال، لا يوجد مَن يفعل ذلك ثمَّ يتحدَّث عنه. وربّما يبقون صامتين لحظات قليلة، ويشعلون سيجارة مايروانا ويراقبون انتقالها من رجل إلى آخر، وهم يأخذون نَفَساً عميقاً منها، ويُخفون ذلَّتهم. وقد يقول أحدهم، شيءٌ مخيف. ولكن يكشِّر أحدهم عن أسنانه، ويرفع حاجبيه ويقول، كان روجر-دوجر على وشك أن يثقب فيّ ثقباً.

وكانت هناك عدّةُ لحظاتِ توقُّف مثل تلك اللحظة. وكان بعضهم يتصرَّف بنوع من الاستسلام الحزين، وبعضهم الآخر يتصرَّف بنوعٍ من الشهامة والانضباط العسكريّ، أو بروحِ الدعابة، أو بحماسٍ ظاهريّ. كانوا يخافون من الموت، ولكنَّهم أشدُّ خوفاً من إظهار الخوف.

كانوا يجدون ما يروون من النكات.

كانوا يستخدمون مفرداتٍ قويّةً لإخفاء ضعفهم الرهيب. فكانوا يستعملون مفردات مثل الطلاء، النهاية، الاشتعال، أُغلِقَ وهو يغلِق. ولم تكُن في تلك المفردات قسوة, ولكنّهم كانوا يستعملونها كما لو كانوا على خشبة المسرح. كانوا ممثِّلين وقد صوَّرتهم الحرب تصويراً مُجسَّم الأبعاد. وعندما كان أحدهم يموت، لم يكُن الموت على حقيقته، لأنّه بصورة خفيّة يبدو مسرحيّاً، ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد حفظ دوره عن ظهر قلب تقريباً، فقد كانت الملهاة تختلط بالمأساة، وكانوا ينعتون الموت بأسماء أُخرى كما لو كانوا يحاولون تدمير حقيقة الموت نفسه. كانوا يرفسون الجثث. ويبترون الأصابع. ويتكلّمون برطانة ذات شخير. ويسردون قصصاً عن مخزون تيد لافندر من المخدِّرات، وكيف أنَّ المسكين لم يشعر بشيء، وكيف كان هادئاً بشكلٍ لا يصدَّق.

قال ميشيل ساندرز: ثمّة مسألة أخلاقيّة. فقد كانوا، وهم ينتظرون وصول الهليكوبتر التي تقلُّ جثمان تيد لافندر، يدخِّنون مخدِّرات الرجل الميِّت. وقال ساندرز إنّ القضية الأخلاقيّة واضحة تماماً، وغمز بعينه. ابتعدْ عن المخدرات. فإنَّها ستدمِّر حياتكَ في كلِّ مرَّةٍ تتناولها، ولا مزاح في ذلك.

وقال هنري دوبنز، تلك حكمة رائعة.

إنّه ناسف الدماغ، هل تريد الحصول عليه؟ لنتحدَّث عن المخفيّ ــ لم يبقَ منه شيء، سوى الدم والدماغ.

وحملوا أنفسهم على الضحك.

وقالوا، هذا هو المقصود، وكرَّروا ذلك مرةً تلو أُخرى، كما لو كان التكرار يساعد على رباطة الجأش وتوازن النفس، توازن بين الجنون وما يقرب من الجنون، ومعرفة الشيء دون الاقتراب منه.

هذا هو المقصود، كانت تعني ابقَ هادئاً، ودع الأمور تأخذ مجراها، لأنَّك، يا رجل، لا تستطيع تغيير ما لا يمكن تغييره. هذا هو المقصود، وهذا هو المقصود بصورةٍ مطلقةٍ إيجابيّةٍ تماماً.

كانوا أشداء.

كانوا يحملون كلَّ العبء العاطفيّ الذي يشعر به رجال مُقبِلون على الموت. حزنٌ، ورعبٌ، وحبٌّ، وشوقٌ ــ وهي أحاسيس ليست ملموسة، وعلى الرغم من أنّها ليست ملموسة، فإنّها تتمتع بمركز ثقل مُعيّن خاص بها، لها وزن ملموس. كانوا يحملون ذكريات مخجلة. كانوا يحملون سرّاً مشتركاً عن الجبن الذي يصعب التحكُّم فيه، تلك الغريزة التي تدفعهم إلى الفرار، أو التجمُّد، أو الاختفاء، ومن ناحية معيّنة يعدّ ذلك العبء أثقل ما كانوا يحملون، لأنّه لا يمكنهم أن ينزلوه ويتخلَّصوا منه، فهذا يتطلَّب توازنا نفسيّاً كاملاً واستقراراً أكيداً. كانوا يحملون سمعتهم معهم. كانوا يحملون معهم أشدَّ أنواع الخوف التي تنتاب المقاتل، وهو الخوف من احمرار الوجه خجلاً. لقد قُتل رجال ومات آخرون لأنّهم كانوا يشعرون بالحرج والخجل من الفرار من الموت. وهذا الشعور هو الذي أتى بهم إلى الحرب في المقام الأوّل، وليست لديهم آمال واسعة، لا أحلام بالمجد ولا بالشرف، مجرّد تفادي احمرار الوجه من العار. ماتوا لئلا يموتوا من الحرج. فزحفوا في الأنفاق واقتحموا النيران عندما اقتضى الأمر، وفي كلِّ صباح، وعلى الرغم من المجهول، أجبروا سيقانهم على السير. وتحمّلوا ذلك. واستمروا في حمل أثقالهم. ولم يستسلموا للبديل الوحيد، وهو إغماض أعينهم والسقوط أرضا. الأمر بسيط جداً حقّاً. ترنّحْ في مشيتك وارتمِِ أرضاً واجعلْ عضلاتك جامدة ولا تتكلَّم ولا تتحرَّك حتّى يرفعكَ رفاقكَ وينقلونكَ إلى الهليكوبتر التي ستزمجر وتخفض مُقدَّمها وتحملكَ بعيداً إلى العالم. مجرَّد مسألة سقوط. ومع ذلك لم يسقط أحد قط. ليس بفضل الشجاعة، بالضبط، فالموضوع ليس مسألة إقدام وبسالة. وإنّما كانوا خائفين جدّاً من أن يوصموا بالجُبن.

وبصورةٍ عامّة، فإنّهم كانوا يحملون تلك الأشياء في أعماقهم، ويحافظون على أقنعة من الرزانةِ ورباطةِ الجأش. وكانوا يسخرون من دعاوى المرض ويتحدَّثون بمرارة عن أولئك الجنود الذين سُرِّحوا من الخدمة بعد أن أطلقوا النار بأنفسهم على أصابع أرجلهم أو أيديهم، ويشبهونهم بالقطط والشكولاتة. كان كلامهم عن أولئك الجنود حادّاً جارحاً ساخراً ولكنّه ينمّ على الحسد أو الرهبة، ومع ذلك تبقى الصورة نفسها في مؤخّرة أعينهم.

كانوا يتصوَّرون فوهة البندقية على اللحم، ويتصوَّرون الألم المريع الناتج من الطلقة، ثمَّ الإخلاء إلى اليابان، ثمَّ مستشفى ذا أَسِرّة دافئة وممرِّضات من فتيات الكيشا الجميلات.

وكانوا يحلمون بطيور الحرّيّة.

وفي الليل، وهم في مراكز الحراسة يحدِّقون في الظلام، كانوا يتخيّلون أنفسهم في طائرات نفّاثة عملاقة. ويشعرون باللهفة إلى الإقلاع. ويصرخون، الرحيل. وبعد ذلك تتصاعد سرعة الطائرة، ويبدو لهم منها جناحاها ومحرِّكها، وتتجوَّل فيها مضيفات باسمات ـ ولكنّها في الحقيقة أكثر من طائرة، إنّها طير حقيقيّ، طير ناعم فضيّ كبير له ريش ومخالب ويُطلِق صيحات عالية. كانوا يحلّقون؛ خاصّةً بعد أن أنزلوا أحمالهم، ولم يعُد هناك ما يحملون. وكانوا يضحكون ويتماسكون جيّداً، ويشعرون بالريح الباردة والارتفاع وانتفاخ القدمَين، ويقولون في أنفسهم، انتهى كلُّ شيء فأنا ذاهب ـ كانوا عراة، وكانوا خفيفي الوزن وأحراراً ـ خفيف، لامع، سريع، طاف، خفيف كالضوء، ويطنُّ غاز الهليوم في المخِّ، وفقاعات نزقة في الرئتَين بينما كانوا يحلِّقون فوق الغيوم، وفوق الحرب، وما وراء الواجب، ووراء الجاذبيّة، وبعيداً عن كبح الشهوات، وبعيداً عن جميع الاشتباكات العالميّة ـ ويصرخون، آسف، يا أولاد القحبة، لكنّي انتهيتُ من الحرب، تخلَّصتُ منها، وأنا في رحلة أثيريّة، لقد رحلتُ ـ وكان هذا شعور مريح بالتخلُّص من الأعباء، وأنا أمتطي موجات الضوء، على أجنحة طير الحرّيّة الفضيّ الكبير فوق الجبال والمحيطات، فوق أمريكا، فوق المزارع والمدن العظيمة النائمة، والمقابر، والطرق السيّارة، وأقواس مطاعم ماكدونالد الذهبيّة. وكان ذلك التحليق نوعاً من الهروب، نوعاً من السقوط، السقوط إلى الأعلى فالأعلى، والدوران بعيداً عن حافة الأرض، ما وراء الشمس وعبر الفراغ الصامت الشاسع حيث لا توجد أعباء ولا أحمال وحيث يبلغ وزنُ كلِّ شيء لا شيء تماماً. ويصرخون، لقد ذهبتُ. آسف ولكنّني ذهبتُ. وهكذا، في الليل لا يحلمون تماماً، ولكنّهم يهبون أنفسهم للخفّة والضوء، ويُحمَلون بعيداً.

وفي الصباح، بعد أن مات تيد لافندر، جثمَ الملازم جيمي كروس في قعر خندقه وأحرق رسائل مارثا، ثم أحرق صورتَيها. وكان المطر يهطل بغزارة ما جعل عملية الإحراق صعبة، ولكنّه استعمل أقراص الحرارة ليوقد ناراً صغيرة كان يحميها من الريح بجسده، وهو يحمل الصورتَين بأطراف أنامله فوق اللهب الأزرق.

وأدرك أنّ ما فعله هو مجرّد إشارة. وفكَّر في نفسه أنّه غبيّ. عاطفيّ أيضاً، ولكن، على الأغلب، مجرّد غبيّ.

لقد مات لافندر. وأنتَ لا تستطيع أن تحرق الشعور بالذنب. أضف إلى ذلك، أنَّ الرسائل كانت في رأسه. وحتّى الآن, وبدون الصورتَين، يستطيع الملازم كروس أن يرى مارثا وهي تلعب كُرة السلَّة بسروالها الرياضيّ القصير وقميصها الأصفر. كان يستطيع أن يراها وهي تتحرَّك في المطر.

وعندما خمدتِ النار، رفع الملازم كروس جرابه ووضعه على ظهره وأكل فطوره من علبة.

وقرَّر أنّه لا يوجد لغز كبير.

ففي هذه الرسائل لم تذكر مارثا الحرب مطلقاً، ما عدا قولها، "اعتنِ بنفسك، يا جيمي." لم تكُن لها علاقة بالحرب، ووقّعتِ الرسائل بعبارة " مع المحبة"، وجميع السطور الجميلة والأساليب الرائعة ليست ذات أهمِّيَّة.

وكان الصباح رطباً ومشوشاً. وبدا كلُّ شيء جزءاً من كلِّ شيء آخر ومتداخلاً معه، الضباب ومارثا والمطر المتزايد.

هي الحرب بعد كلِّ هذا وذاك.

وتناول الملازم كروس خرائطه وعلى شفتَيه نصف ابتسامة، وهزّ رأسه بشدّة، كما لو كان يصفّيه، ثم انحنى على خرائطه وأخذ يخطط لمسيرة ذلك اليوم. وبعد عشر دقائق، أو ربما عشرين دقيقة، سيطلب من جنوده أن ينهضوا ويحملوا معدّاتهم ويسيروا في اتّجاه الغرب، الذي بدا على الخرائط أخضرَ وساراً. وسيفعلون ما كانوا يفعلونه دائماً. ولعلَّ المطر سيضيف شيئاً إلى هذا اليوم، فيما عدا ذلك فهو يوم آخر ينضاف إلى الأيام الأخرى.

كان واقعيّاً في تفكيره. كان هناك شيءٌ حادٌّ جديد في أحشائه.

وقال في نفسه، لا خيال بعد اليوم.

ومن الآن فصاعداً، كلّما طرأت مارثا على فكره، عدّها فتاةً تنتمي إلى عالمٍ آخر. سيلغي أحلام اليقظة. فهنا ليس كلية ماونت سباستيانن، إنّه عالَمٌ آخر، حيث لا توجد قصائد جميلة ولا امتحانات فصليّة، هنا مكان يموت فيه الرجال بسبب الإهمال والغباء. وكان كيوا على حقٍّ. دويٌّ وتسقط ميّتاً، وليس ميّتاً جزئيّاً أبداً.

ومن خلال المطر، رأى الملازم كروس عيني مارثا البنيَّتَين تحدّقان فيه لوهلة قصيرة.

وفهم.

وفكَّر أنَّ الأمر حزين جدّاً. الأشياء التي يحملها الرجال في أعماقهم. الأشياء التي فعلها الرجال أو شعروا أنَّ عليهم أن يفعلوها.

وكان على وشك أن يهزَّ رأسه لها مُحيّياً، ولكنّه لم يفعل.

 

وبدلا من ذلك، عاد إلى خرائطه. فقد صمَّم الآن على القيام بواجباته بصرامة ودون تقصير. وهذا لا ينفع تيد لافندر، يعرف ذلك، ولكن من هذه اللحظة فصاعداً، سيلتزم بواجباته كضابط. وسيتخلَّص من حصاة جلب الحظِّ.  ربّما سيبلعها، أو يستعمل مقلاع لي سترونك ليقذف بها بعيداً، أو يرمي بها على قارعة الطريق. وسيطبّق أثناء السير الأوامر الميدانيّة بحذافيرها. سيكون حذِراً بشأن اتّخاذ الاحتياطات الأمنيّة، وسيمنع المصارعة أو الملاكمة بين جنوده، ليجعلهم يواصلون سيرهم بالسرعة المناسبة، وفي فتراتٍ مناسبة. وسيصرّ على تنظيف الأسلحة وصيانتها. وسيصادر ما تبقّى من مخدرات لافندر. وسيجمع الرجال، ربّما في آخر النهار، ويتحدَّث إليهم بصراحة. سيقبل بإلقاء اللوم عليه في ما حدث لتيد لافندر. وسيقف موقف الرجال في هذا الموضوع. سينظر إليهم في عيونهم برأسٍ مرفوع، وسيوجّه إليهم الأوامر العسكريّة بصوتٍ هادئٍ محايدٍ، بصوتِ ضابط، بحيث لا يترك مجالاً لأيّ جدال أو مناقشة. سيقومون بواجبهم معاً،  ويواصلون العمل بطريقة لائقة نظاميّة.

ولن يحتمل التهاون. وسيُظهر لهم  الصرامة وينأى بنفسه عنهم.

سيكون من بين الرجال مَن يتشكّى، طبعاً، أو من يفعل أكثر من التشكّي، لأنّ أيامهم ستبدو أطول وأحمالهم ستصبح أثقل، ولكنّ الملازم كروس ذكّر نفسه بأنَّ واجبه ليس كسب حبّ جنوده وإنّما قيادتهم. وسيستغني عن الحبّ، فلم يعُد الحبّ الآن أحد العوامل في الموضوع. وإذا نازع أحدهم في الأوامر أو تشكّى، فأنّه ( الملازم كروس) سيضع إصبعه على شفتَي ذلك الجندي ويعدّل له من وضعيّة كتفَيه، لتُصبِح وقفته صحيحة عند تلقّي الأوامر. وقد يهزّ رأسه باقتضاب. وقد لا يفعل ذلك. وربّما يهز كتفَيه ويقول: واصلوا السير، وحينئذ سيحملون معدّاتهم وينتظمون في طابور ويتحرّكون نحو القرى الأخرى في منطقة "ثان كهي".

***

 

.........................

تيم أوبراين - Tim O’Brien / بقلم: د. علي القاسمي

(إذا كانت الحرب الفيتناميّة قد خلَّفت في أمريكا شعوراً مستحقّاً بالذنب والعار وكثيراً من الآلام النفسيّة، فإنّ بعض الأمريكيّين يشيرون بفخر إلى إنجازَين هامَّين: أوّلهما، الحركة المناهضة للحرب الفيتناميّة التي انخرط فيها عشرات الملايين من المواطنين وقدامى المحاربين، وثانيهما، الحركة الأدبيّة التي رافقتها وأعقبتها وأفرزت أدباً رائعاً أنتجه قدامى المحاربين في فيتنام وصوَّروا فيه مآسي الحرب، وأهوالها، وسحقها للخصال الإنسانيّة في النفس البشريّة؛ وأدانوا المؤسسة السياسية والرأسمالية الأمريكية التي تشنُّ الحروب على الشعوب المستضعفة من أجل سرقة ثرواتها.

وقد كان للكاتب تيم أوبراين Tim O’Brien نصيب في الحركتَين المذكورتَين. فعندما كان طالباً في الكُلّيّة كان ناشطاً في الحركة المناهضة للحرب الفيتناميّة، وتولّى تحرير افتتاحيّات ضدها في جريدة الكُلّيّة. ولكنَّ ذلك لم ينفعه، فقد تمَّ تجنيده وشارك في الحرب التي يعتبرها شرّاً. وبعد عودته من فيتنام كرَّس جميع إنتاجه الأدبيّ للحرب الفيتناميّة، من أوّل كتابِ مذكراتٍ نشره إلى آخر مقالٍ له ظهر في إحدى المجلات الأمريكيّة. وعندما بدأ الغزو الأمريكيّ للعراق سنة 2003، شنَّ تيم أوبراين حملة مناوئة لها بكلِّ ما يملكه قلمه من ضراوة النضال وإخلاصٍ للإنسانيّة.

ولد تيم أوبراين في مدينة أوستن، عاصمة ولاية تكساس، عام 1946، ودرس العلوم السياسية في كلية ماكالستر. وعند تخرّجه فيها عام 1968، سلَّموه شهادة الإجازة مع إخطار بتجنيده، وأُرسِل إلى فيتنام عامي 1969و1970. وبعد عودته من الحرب، واصل دراساته العليا في جامعة هارفرد وتدرّب في صحيفة " واشنطن بوست". ثمَّ عمل مراسلاً صحفيّاً.

كانت مذكراته المعنونة بـ "إذا متُّ في ميدان الحرب، فضعني في صندوق وأعدني إلى وطني" ، 1973، من أوائل الكتابات الأدبيّة عن الحرب الفيتناميّة. وفي الفصل المعنون بـ  " الفرار"  من هذا الكتاب، يشرح لنا أوبراين أنّه كان يُدرِك أنَّ قتل الناس في الحرب أمرٌ لا أخلاقيّ يعرّض روحه للخطر، فيقرِّر أنَّ اختياره الأخلاقيّ الوحيد هو الفرار. ولكنّه يكتشف أنّه تعوزه الشجاعة ليفرّ. ويعترف أنّه وافق على الذهاب إلى فيتنام  لأنّه جبان. وهذا الاعتراف بالجبن الذي يَحُول دون الاختيار الأخلاقيّ (الفرار بدلاً من القتل)، يتكرّر في جميع كتابات أوبراين.

ثمَّ نشر روايته الأولى بعنوان "الأضواء الشماليّة" عام 1975، وهي تنصبّ على نتائج الحرب الفيتناميّة وعواقبها الوخيمة في المجتمع الأمريكيّ. وحازت روايته الثانية "البحث عن كاجياتو"، 1978، التي تحكي قصّة جندي أمريكيّ قرَّر أن يفرّ من الحرب، على جائزة الكتاب الوطنيّة. ثمَّ نشر روايته (العصر الذريّ) عام 1985.

ولعلَّ أشهر أعماله الأدبية قصّته القصيرة "الأشياء التي كانوا يحملونها"، 1987، التي نُشِرت فيما بعد مع قصص مماثلة في كتاب صدر عام 1990. وفيها نستمع إلى جنديٍّ يتكلّم عن الحرب الفيتناميّة وفي الوقت نفسه نطّلع على جوانب من حياته الشخصيّة. ويستخدم الكاتب بعض تقنيات السرد مثل التكرار: تكرار بعض الأحداث، وتكرار بعض العبارات ليقوّي أُلفة القارئ بها ويُنتِج الأثر المطلوب. كما يستخدم علامات الترقيم ( الفقرات، الجُمل، النقط، الفواصل، الخ.) بطريقة مختلفة عن المعتاد. وقد حصلت هذه القصة على جائزة أحسن الكُتُب الأجنبيّة في فرنسا.

وتفضح روايته "في بحيرة الغابات"، 1994، مذبحة ماي لاي التي اقترفها الجيش الأمريكيّ في قرية فيتناميّة عزلاء، وأصدر الرئيس الأمريكي نكسون عفواً عن الضابط المجرم المسؤول عن المذبحة.

ويتولّى تيم أوبراين حاليّاً تدريس موضوع الكتابة الإبداعيّة في جامعة جنوب غربي تكساس، وهو عضو في الأكاديميّة الأمريكيّة للآداب والعلوم التي نال جائزتها من قَبل.

وإذا كان كثير من النقاد الأمريكيون يرون أن أحسن قصة أمريكية في القرن العشرين هي " العودة إلى بابل" لسكوت فتزجيرالد، التي سبق أن ترجمتُها ونُشِرت هنا، فقناعتي الشخصية هي أن قصة " الأشياء التي يحملونها" لتيم أوبراين هي أروع القصص الأمريكية في القرن العشرين. فكلتا القصتَين نابعتان من خبرة مريرة للكاتب، وتتمتعان ببناء سردي فخم، وتزدانان بتقنيات قصصية حداثية راقية؛ إلا أن قصة أوبراين تدور حول قضية إنسانية في حين تتناول قصة فتزجيرالد مسألة شخصية.)

 

 

يوسف حنامزامير

فتحي مهذب - تونس.

ترجمة للإنجليزية: الدكتور. يوسف حنا / فلسطين).


Psalms

Fathi Muhadub / Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Raven is a blind gun.

Every shot is a dead daisy.

The air walks on its feet

like a monk obsessed with metaphysics..

He was white-headed and had a long garment (dishdasha)

shines from afar..

The air was sad, his widow's gait.

**

A very deep woman

Her waves are blond girls.

Whenever I cross my way to its bottom,

her breasts throw at me a sly laugh.

I guess my name included in the list of her new victims.

So, I often look suspicious

Like a rabbit bitten by a family void.

**

Dear friend, nose-bleeding with hemlock poison..

Don't climb up my stature like a despicable squirrel

I am armed with acacia thorns.

**

Like a maple leaf,

the firefly of regret falls.

The priest in the garden

trims the spurs of his cross,

His voice is a sad chrysanthemum.

Surrender, you armed hoopoe with the knowledgeable crown.

Grant me your bag full of wisdom lobes..

Let my regret be narrower than the tailor’s poison.

**

The night meek beggar for semiotics..

In the head album, there are many passing through.

Sarcophagus of my blind friend.

An ever oblivion tree.

And hunting rifles for a terrible temblor..

But the axe was still in good eloquence

The killing continues..

Drink an icon of the Saint to be cured.

And take good care of your thinking wheat.

**

Butterfly is Sufi’s Rose.

The table is like a loquacious breast

Hanged sagging over the edge of your pragmatic fingers.

I forgot my ring on the sofa of somnolence.

My voice is brought down on the sofa..

My fear hanged on my nerve cord.

Waiting for mom to cross again,

through cracks of my imagination.

**

Good sculptor

Regards to you

And for the gold nuggets of chaos..

The intuitions are your oppressed statues.

And the head is your favorite workshop.

**

The punch is so awful..

Your senses are blind women

Encircled by a blond lion

And a leaning tower of Indians..

Oh, stranger, how misery you are.

**

In the mirror is a swan

Fleeing from the hooves of a spy..

The war left a shattered building,

crying like a widow..

Bad temper windows Over casted ambulance

Dead people mock of the drama’s end..

Their bread was fresh..

Their eyes are smashed lamps.

**

He is the youngest brother

Escaped from a lion roaring under the nets of earth,

holding a bunch of fireflies

His eternal crosses..

The air of sleeping passers-by

Awakens the old horse by a spur

to continue swallowing the fog..

And the enemy is back.

The Day is the master

rattles like bells of a church,

In the desert of doubt.

**

Oh, Christ

Do not forsake me..

The clown gouges the spring's eye..

The Greyhound does not care about the prayers of the runaway rabbit.

And the Witch’s wheat spikes follow it..

On the bridge are legions of invaders.

I'll try to escape with a meteor

Before the rose turns off.

**

How many blind people are here!

The eye is a hunting rifle of the tactile.

It’s so wise to sharpen the eyes of the subconscious.

And luring the horizon into intrigue.

**

Small lamp

folds his wings once a day.

However, a magician of the Thousand and One Nights.

**

He wears the crown

And invades the fields..

Returning from the islands of meaninglessness

to the snow of certainty.

**

Happiness

Fortify words

Of the habit trap..

It is a need of unnecessary indexing

of obsessions.

**

Tears of utensils..

An antique sighing stone..

Nothingness spreads its wings..

The bull that pushes to perishability

with voracious senses..

I will not go up the stairs

There is a demon and an angel,

they fight fiercely.

I am a beggar of allegories in exile

and a narrator hastily mends the march of the ostrich.

 

Envoyé depuis mon appareil mobile Samsung.

***

....................

مزامير .

فتحي مهذب - تونس

الغراب مسدس ضرير..

كل طلقة أقحوانة ميتة..

الهواء يمشي على قدميه

مثل راهب شغلته هواجس الميتافيزيق..

كان أبيض الرأس وله دشداشة

تلمع من بعيد..

كان الهواء حزينا وله مشية الأرملة.

**

إمرأة عميقة جدا

أمواجها بنات شقراوات..

كلما أعبر طريقي الى قاعها..

ترشقني نهداها بضحكة ماكرة..

أخمن أن اسمي في قائمة ضحاياها الجدد .

لذلك غالبا ما أبدو مرتابا

مثل أرنب عضه فراغ عائلي.

**

أيها الصديق الراعف بسم الشوكران..

لا تتسلق قامتي مثل سنجاب قميء

أنا مسلح بشوك الأكاسيا.

**

مثل ورقة قيقب

تسقط يراعة الندم..

الكاهن في البستان

يقلم نتوءات صليبه

صوته أقحوانة حزينة..

استسلم أيها الهدهد المسلح بتاج العارفين..

هبني حقيبتك الملآى بفصوص الحكم..

وليكن ندمي أضيق من سم الخياط.

**

الليل متسول سيمياء..

في ألبوم الرأس عابرون كثر..

ناووس صديقتي العمياء..

شجرة دائمة النسيان..

وبنادق صيد لزلزال مروع..

لكن الفأس لم تزل بفصاحة جيدة

القتل متواصل ..

اشرب أيقونة القديس لتشفى..

واعتن جيدا بقمح التفكير .

**

الفراشة وردة الصوفي..

الجدول مثل نهد ثرثار

مشنوقا يتدلى على حافة أصابعك

البراقماتية..

نسيت خاتمي على أريكة النعاس..

صوتى منسدلا على الكنبة..

خوفي معلقا على حبل أعصابي..

في انتظار أن تعبر أمي مرة ثانية

من شقوقِ مخيلتي .

**

نحات جيد

التحيات لك ولتبر الهيولا..

البديهيات تماثيلك المضطهدة..

والرأس ورشتك الأثيرة.

**

اللكمة مروعة جدا..

حواسك نساء عمياوات..

مطوق بأسد أشقر

وبرج مائل من الهنود الحمر ..

آه ما أشقاك أيها الغريب .

**

في المرآة بجعة

هاربة من حوافر جاسوس..

الحرب خلفت بناية مهشمة

تبكي مثل أرملة..

نوافذ سيئة الطباع..

عربة اسعاف مكفهرة

قتلى يسخرون من خاتمة المسرحية..

كان خبزهم طازجا ..

وعيونهم مصابيح مهشمة .

**

إنه الشقيق الأصغر

فر من أسد يزأر تحت شباك الأرض

حاملا حزمة يراعات..

صلبانه الأبدية..

هواء المارة النائمين..

يوقظ حصان العمر بمهماز

ليواصل ابتلاع الضباب..

والعدو إلى الوراء..

انه السيد النهار ..

مجلجلا مثل نواقيس كنيسة

في صحراء الشك.

**

يا مسيح

لا تذرني..

المهرج يفقأ عين النبع..

السلوقي لا يعبأ بصلاة الأرنب الهارب..

وتتبعه سنابل الساحرة-..

على الجسر جحافل الغزاة..

سأحاول الهروب مع نيزك

قبل انطفاء الوردة.

**

ما أكثر العميان هنا

العين بندقية صيد المحسوسات..

من الحكمة أن نشحذ عيون الباطن.

واستدراج الأفق إلى مكيدة.

**

مصباح صغير

يطوي جناحيه مرة في اليوم..

بيد ساحر من ألف ليلة وليلة.

**

يلبس التاج

ويغزو الحقول..

عائدا من جزر اللامعنى

إلى ثلج اليقين.

**

السعادة

تحصين الكلمات

من شرك العادة..

إنه لزوم ما لا يلزم في فهرسة

الهواجس.

**

دموع الأواني..

حجر يتنهد اثري..

اللاشيء الفارد جناحيه..

الثور الذي يدفع إلى التهلكة

بحواس شرهة..

لن أصعد السلالم

ثمة شيطان وملاك

يتقاتلان بضراوة..

أنا شحاذ مجازات في المنفى..

وراوية على عجل يرتق سير النعامة.

***

 

جميل حسين الساعديللشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا

ترجمها عن الإسبانية: جميل حسين الساعدي


أريدُ أن أنزلَ إلى البئر

أريدُ أن أتسلّقَ جدران َ غرناطة

أنظر إلى القلب القديم

من خلال المخرز الداكن للماء

الطفلُ المُصــابُ يتأوّهُ

مُتوّجــاً بالصقيع

بركٌ وصهاريج ُ ونافوراتٌ

ترفعُ سيوفها في وجه الهواء

أيّ غليان حبّ

أيّ نصلٍ جارح

أيّ شائعةٍ ليلية

أيّ موتٍ أبيض

أية صحارى ضوء

تغرق في رمال الفجر

الطفلُ كان وحيدا

مع المدينة النائمة في الحنجرة

نبعٌ يأتيهِ من الأحلام

يدفعُ عنهُ جوع  الطحالب

كان الطفل وسكرة موتهِ وجها لوجه

مطرين اخضرين متلاصقين

كانَ الطفلُ مُستلقياً على الأرض

منحنيا لسكرةِ الموت

أريدُ أن أنزلَ إلى البئر

وأموت موتي غصّةً بعدَ غصّة

أريدُ أنْ املأ قلبي طحلباً

كيما أرى جريحَ الماء

****

 

........................

ولد فيديريكو غارثيا لوركا في الخامس من يونيو 1898 من والدين إسبانيين ، عاش متنقلا بين غرناطة ومدريد ، وخلال عشر سنوات من تجواله  أقام علاقات وصداقات مع أناس  أصبحوا فيما بعد مشاهيروذاع صيتهم في الآفاق مثل سلفادور دالي ، الكسندر دانييل ألبرت وبابلو نيرودا.

يُعتبر لوركا من أهم شعراء اسبانيا في القرن العشرين، ومن أبرز كتابها المسرحيين . اعدم وهو في الثامنة والثلاثين من عمره وذلك في بداية الحرب الأهلية الإسبانية في 19 أغسطس من عام   1936

............................

النص باللغة الإسبانية

Casida del Herido por el agua

Quiero bajar al pozo

quiero subir los muros de Granada

para mirar el corazón pasado

por el punzón oscuro de las aguas.

 

El niño herido gemía

con una corona de escarcha.

Estanques, aljibes y fuentes

levantaban al aire sus espadas.

¡Ay qué furia de amor! ¡qué hiriente filo!

¡qué nocturno rumor! ¡qué muerte blanca!,

¡qué desiertos de luz iban hundiendo

los arenales de la madrugada!

El niño estaba solo

con la ciudad dormida en la garganta.

Un surtidor que viene de los sueños

lo defiende del hambre de las algas.

El niño y su agonía, frente a frente

eran dos verdes lluvias enlazadas.

El niño se tendía por la tierra

y su agonía se curvaba.

 

Quiero bajar al pozo

quiero morir mi muerte a bocanadas

quiero llenar mi corazón de musgo

para ver al herido por el agua.

 

 

جمعة عبد اللهللشاعر اليوناني: جورج سفيريس

 (Γιωρους Σεφερης)

 ترجمة : جمعة عبدالله

عودة الغريب

- صديقي القديم ماذا تبحث؟

في سنوات الغربة

 الصورة التي تعلقت بك

تحت سماء الغربة

بعيداً عن بلدك وبيتكَ

- أبحث عن حديقتي القديمة

عن الاشجار التي تمددت الى المنتصف

عن التلال ومنحدراتها

مثلما كنت طفلاً

ألعب على العشب

ادور في كل الاتجاهات

حتى يداهمني اللهاث والتعب .

- صديقي القديم لابد أن تستريح

رويداً رويداً ستتعود على ذلك

سنصعد في الصاعدات

في الدروب التي تعرفنا

ومشيناه سوية

تحت ظلال  الاشجار العريضة

رويداً رويداً ستأتي قربك

البستان وما حوليه

- أبحث عن بيتي القديم

مع نوافذه العالية

في دكنة اشجار اللبلاب

أبحث عن الاعمدة القديمة

التي يتطلع اليها البحارة

كيف تريد ان ادخل في الاسطبل

سقوف بلدي جاءت على الاكتاف

مهما كنت بعيداً تظل تتطلع اليها

أنظر الى  الناس يركعون

وتقول كأنهم يؤدون الصلاة

- صديقي القديم هل تسمعني؟

رويداً رويداً ستتعود على ذلك

هذا بيتك الذي تراه

وهذا الباب الذي يطرقه

قليل من الاصدقاء والاهل

يرحبون بك بحلو الاستقبال .

- لماذا تبعد صوتك؟

ارفع رأسك قليلاً

حتى أفهم ما تقول

 مهما تتحدث فأن  مشاعرك

 تذوب وتصغر

كما لو كنت تغوص في التراب .

- صديقي القديم  فكر

رويداً رويداً ستتعود على ذلك

الحنين يغرق في صدرك

في بلد لا يوجد فيه قانون

كأن الناس خارج الارض .

- لم اعد اتحمل الصرير

يضرب بصدري يا صديقي

غريب كيف اذوب واصغر

في كل مكان يدورون حولك بين الحين والآخر

 هنا يعبرون ويحصدون

بالآف المناجل

 أثينا . ربيع 38 .

  ***

 

..........................

 النص اليوناني

Ὁ γυρισμὸς τοῦ ξενιτεμένου

 

- Παλιέ μου φίλε τί γυρεύεις;

χρόνια ξενιτεμένος ἦρθες

μὲ εἰκόνες ποὺ ἔχεις ἀναθρέψει

κάτω ἀπὸ ξένους οὐρανοὺς

μακριὰ ἀπ᾿ τὸν τόπο τὸ δικό σου.

 

- Γυρεύω τὸν παλιό μου κῆπο·

τὰ δέντρα μοῦ ἔρχουνται ὡς τὴ μέση

κι οἱ λόφοι μοιάζουν μὲ πεζούλια

κι ὅμως σὰν ἤμουνα παιδὶ

ἔπαιζα πάνω στὸ χορτάρι

κάτω ἀπὸ τοὺς μεγάλους ἴσκιους

κι ἔτρεχα πάνω σὲ πλαγιὲς

ὥρα πολλὴ λαχανιασμένος.

 

- Παλιέ μου φίλε ξεκουράσου

σιγά-σιγὰ θὰ συνηθίσεις·

θ᾿ ἀνηφορίσουμε μαζὶ

στὰ γνώριμά σου μονοπάτια

θὰ ξαποστάσουμε μαζὶ

κάτω ἀπ᾿ τὸ θόλο τῶν πλατάνων

σιγά-σιγὰ θὰ ῾ρθοῦν κοντά σου

τὸ περιβόλι κι οἱ πλαγιές σου.

 

- Γυρεύω τὸ παλιό μου σπίτι

μὲ τ᾿ ἀψηλὰ τὰ παραθύρια

σκοτεινιασμένα ἀπ᾿ τὸν κισσὸ

γυρεύω τὴν ἀρχαία κολόνα

ποὺ κοίταζε ὁ θαλασσινός.

Πῶς θὲς νὰ μπῶ σ᾿ αὐτὴ τὴ στάνη;

οἱ στέγες μου ἔρχουνται ὡς τοὺς ὤμους

κι ὅσο μακριὰ καὶ νὰ κοιτάξω

βλέπω γονατιστοὺς ἀνθρώπους

λὲς κάνουνε τὴν προσευχή τους.

 

- Παλιέ μου φίλε δὲ μ᾿ ἀκοῦς;

σιγά-σιγὰ θὰ συνηθίσεις

τὸ σπίτι σου εἶναι αὐτὸ ποὺ βλέπεις

κι αὐτὴ τὴν πόρτα θὰ χτυπήσουν

σὲ λίγο οἱ φίλοι κι οἱ δικοί σου

γλυκὰ νὰ σὲ καλωσορίσουν.

 

- Γιατί εἶναι ἀπόμακρη ἡ φωνή σου;

σήκωσε λίγο τὸ κεφάλι

νὰ καταλάβω τί μοῦ λὲς

ὅσο μιλᾶς τ᾿ ἀνάστημά σου

ὁλοένα πάει καὶ λιγοστεύει

λὲς καὶ βυθίζεσαι στὸ χῶμα.

 

- Παλιέ μου φίλε συλλογίσου

σιγά-σιγὰ θὰ συνηθίσεις

ἡ νοσταλγία σου ἔχει πλάσει

μιὰ χώρα ἀνύπαρχτη μὲ νόμους

ἔξω ἀπ᾿ τὴ γῆς κι ἀπ᾿ τοὺς ἀνθρώπους.

 

- Πιὰ δὲν ἀκούω τσιμουδιὰ

βούλιαξε κι ὁ στερνός μου φίλος

παράξενο πὼς χαμηλώνουν

ὅλα τριγύρω κάθε τόσο

ἐδῶ διαβαίνουν καὶ θερίζουν

χιλιάδες ἅρματα δρεπανηφόρα.

 

Ἀθήνα, ἄνοιξη ῾38         

...............................

الشاعر جورج سفيريس (1900 - 1971) من كبار شعراء العصر الحديث في اليونان  . نال جائزة نوبل للاداب عام 1963 . كما اشتغل في الحقل الدبلوماسي

 

 جمعة عبدالله

 

عامر كامل السامرائيقصيدة للشاعر اليوناني: جيورجيوس سفريس

ترجمها عن اللغة المجريَّة: عامر كامل السامرّائي


الحديقة والنافورات تحت المطر

لا تراها إلا من أسفل النافذة

عِبرَ الزجاج المضبب بالبخار. في غرفتكَ

ليس سوى شعلة الموقد تضيء

وتومض أحيانًا بروق بعيدة فيلتمع

جبينكَ المتغضن، صديقي العجوز.

الحديقة والنافورات، تحت معصمك

أضحت نبضاً لحياة أخرى، للواقع المأساوي،

ينداح أمامك بين آثار أنقاض رخامية وأعمدة

ترقص خلفها الدفلى رقصة دائرية

بالقرب من مقالع الصخر المُكْتَشَفة حديثاً

كلُّ هذه ستقْتَطِعها النافذة المُضبَّبَة من عمركَ.

لمْ تعد تتنفس؛ نَسغُ الأشجار، الأرض

تتساقط من ذاكرتك، فترتطم بلوح الزجاج،

الذي يفصلك عن عالم

ينهمر فيه مطر غزير.

***

 

....................

نبذة عن الشاعر:

جيورجيوس سفريس (باليوناية  ιώργος Σεφέρης) اسمه الحقيقي جيورجوس سفريادس.

شاعر وكاتب ودبلوماسي يوناني حاز على جائزة نوبل عام 1962

ولد سفريس في إزمير عام 1900 وتوفي في العاصمة أثينا عام 1971

تلقى تعليمه في أزمير وأثينا وأخيراً في باريس، حيث درس القانون وتخرج عام 1924 ولكن اهتمامه الرئيسي كان منصباً على الأدب العالمي.

عاد إلى أثينا وعمل بوزارة الخارجية فخطا بذلك خطوته الأولى في السلك الدبلوماسي الذي أمضى فيه سنوات طويلة وناجحة. عمل خلالها في سفارة بلاده في لندن مرتين وألبانيا، وأنقرة، ثم عُيّن سفيراً لليونان في بيروت مع امتداد صلاحياته إلى سوريا والأردن والعراق وذلك من 1953 إلى 1956. ووقَعَ عليه الاختيار ليكون عضوا في الوفد اليوناني بالأمم المتحدة بنيويورك.

 صدر أول ديوان له عام 1931 بعنوان "نقطة تحول" ثم توالت دواوينه الشعرية.

 

 

صالح الرزوقتوني رايت

ترجمة: صالح الرزوق


في صبيحة كل يوم أجلس وراء طاولتي في غرفة المعيشة، وأفتح جهاز المحمول وأستغرق بالواجبات المترتبة علي. أحيانا تكون إبداعية، وأحيانا مجرد ترهات، ولكن لا يمكن أن يمر يوم دون أن أفعل ذلك. وفي صبيحة كل يوم، وبالعادة حوالي الساعة 11، أشاهد ستائر البيت المقابل على الطرف الثاني من الشارع وهي ترتفع. ثم أراه. أكبر مني بحوالي 20 عاما، وغالبا عاري الصدر كما لو أنه استيقظ للتو. وحينما يفتح نافذته ليدخن سيجارة أتابعه بنظراتي، وهو يتفحص الشارع في الأسفل بعينيه. وهنا أجر كرسيي قليلا نحو اليسار كي لا يكون أحدنا قبالة الآخر تماما. لقد كرهته. كنت أكره رؤية جذعه النحيل وجلده المشدود، ووجهه المصاب بالذبول، وصلعته العارية من الشعر. كرهت أن ألاحظ كيف ينفض الرماد على الشارع ثم يرمي السيجارة للأسفل. ولكن لحسن الحظ كانت هذه الفترة اليومية القصيرة من الامتعاض تنتهي بانتهاء سيجارته. بعد ذلك يغلق النافذة ويختفي عن نظري. وأتابع عملي بلا شرود. أرتاح من شرود أفكاري وانشغالي به. ويمضي اليوم ويحين وقت المساء. وربما أكون وراء طاولتي لو حالفني الحظ ودخلت في جو إبداعي، أو مستغرقا بالواجبات المتأخرة. أو ربما أشاهد التلفزيون. حينها أسمع أصواتا تأتي من الخارج، وهكذا أشحذ حاسة الفضول، وأنظر للخارج لأتحرى ماذا يجري. وفي معظم الأحوال يكون الصوت صادرا من جاري وهو يجادل نفسه في طريق عودته إلى مبناه، مخمورا، وبين يديه الكحول. ويصعد سخطي مجددا. وأراه يتخبط ليضع مفتاحه بالباب. وأحيانا يدق الجرس ويركل الباب، ويصيح، لأنه نسي مفتاحه. يا له من مكان ملعون. هكذا أفكر. دائما يتبادر ذلك إلى ذهني. وأعلم أنه من غير المناسب أن أفكر بهذه الطريقة عن جيراني. ولكن هذا ما يحصل. وبعد أن يأوي لبيته، أشاهد النور في شقته يلمع من وراء ستائر رقيقة، ثم يغيب مجددا ويحل محله نور متقطع. وربما مصدره التلفزيون، فأنا أسمع هديره المرتفع، كان الصوت ينزف من نوافذه المواربة التي أراها على الطرف المقابل من الشارع ويتسلل من نوافذي المواربة إلى شقتي. حيث أجلس وأشاهد مثله التلفزيون. وهذا الصباح، جلست خلف طاولتي كالعادة، وانشغلت بعملي. وقبيل الساعة 11 بقليل فتح الستائر،  وظهر أمامي بصدره العاري مجددا. وتوقعت أن يفتح النافذة ويدخن، ليتم الخطوة الثانية والثالثة من طقوسه المتكررة - وقد فعل ذلك بالوقت المناسب -  ولكن أولا، التفت ليساره ومد يده نحو شيء ما. كانت هذه حركة جديدة. لم أشاهده يفعل ذلك من قبل. وعلى يساره وجدت قفصا كبيرا للعصافير لم يسبق لي مرآه. فتح الباب فطار منه عصفور أزرق ووقف على كتفه. ابتسم الرجل، ورفع يده وأطعمه البذور، ثم طار العصفور من كتفه وتجول في أرجاء الشقة، وهو يمد جناحيه. توقفت عن التظاهر أنني أطبع على الطابعة ونظرت مثل الرجل، الذي كان يتابع عصفوره وهو يدور في أنحاء الغرفة، ثم استدار وانصرف، وترك العصفور يستمتع بحريته المؤقتة. وتبادر لذهني: كنت مخطئا بأفكاري عن هذا الرجل. لقد رأيت جانبا آخر منه، من خلال هذه التطورات الصغيرة، واطلعت على تفاصيل إضافية حول مشكلته. كان  في حياته، وفي بيته، إذا، قلب آخر ينبض. ثم شعرت نحوه بمزيد من البغضاء. بغضاء مختلفة قليلا لأنه ليس وحيدا تماما مثلي.

***

 

...................

توني رايت Tony Wright عازف غيتار سابق. له كتاب صوتي بعنوان “فصل & قصيدة”. يعيش في بلفاست. القصة مترجمة عن آيريش تايمز. عدد 14 تشرين الأول 2020. 

 

 

صالح الرزوقريبيكا غولد

ترجمة صالح الرزوق


 I.

همس وهو يمرر أصابعه في خصلات شعرها:”عليك أن تخبريني إذا شعرت يوما أنك غير محبوبة”. كانت قد مرت ثلاثة أيام على تعارفهما. ومع ذلك حصل شيء غير متوقع أبدا. كأنهما عاشا هذه التجربة من قبل، وانتابهما القلق من إطلاق طاقة الوداد والألفة في الفضاء. كان جسداهما مغمورين بروائح ورواسب وذكريات العواطف السابقة. 

أردف:“إن شعرت في أية لحظة أنك غير محبوبة يجب أن تخبريني، اتفقنا؟”.

قالت:”حسنا”.

“هذا وعد؟”.

وعدته، فهي لا تتخيل أن لا يحبها،  كان هذا الرجل الأكثر حنانا من بين كل الذين عرفتهم على الإطلاق. على مدى الأيام الستة الماضية، لم تبتعد يداه عن جزء محدد من جسدها. وكانا قد التقيا في باريس، في الدائرة 13، في فندق بيلامبرا في شارع  كورفيسارت. وقد تعارفا بواسطة البريد الإلكتروني عن طريق سام، إحدى معارفه، وكانت تحاول مساعدة ديمتريوس للتخلص من ماضيه. والتقت سام بتيريزا في مؤتمر عقد لتكريم زوجها الذي توفي قبل ثلاث سنوات في حادث سيارة. وعلى الرغم من أنها تعلم أنها لن تنساه أبداً، قالت لسام بعد أن جرعت الكثير من النبيذ إنها مستعدة للمضي قدماً، والعثور على رجل آخر. لكن المشكلة أنه لا يوجد  أحد يمكن أن تقع بحبه، لأن كل معارفها مرتبطون مسبقا. قالت سام:"حسنا. أعرف صديقا بنفس الوضع، ويبحث عن قصة حب”.

كان صديق سام رجلا يونانيا يدعى ديمتريوس. وأب لابن واحد. وكان حديث الطلاق. وكان ديمتريوس أيضا من معارف صديقتها جيسيكا. وهذا يعني أنهما يشتركان بحالة انفصال من مستويين. وأخبرت سام ديمتريوس أن لصديقته صديقة ولعله يرغب بمقابلتها. قال وهو يبتسم مع شيء من الإيحاءات:”لا بد أنها  بنفس حالتك”. همست جيسيكا في أذن تيريزا وهي ترافقها إلى محطة القطار تقول:”أنتما مخلوقان لبعضكما بعضا في السماء. وأتوقع أن ينجذب أحدكما للآخر دون فراق”.

لو كان لديها مجال الاختيار بين الرجال، لن يكون هو أول من تختار. فقد كان موظفا مدنيا ضمن قطاع الوظائف البيروقراطية المريع في أوروبا، واختصاصه الفيزياء النظرية. رجل مثله دون أي قيمة عملية أو قيمة فنية ولا يدعوك للمراهنة عليه؟. كان أمامها في حياتها الخاصة ما يكفي ويزيد من العلماء. هذه الطبقة من الناس لم تكن ترتاح لها لما تمثله من عاطفة بطيئة وعقل ضيق وخشونة وانطواء على الذات إلا فيما يتعلق بمجال العمل. والأسوأ من ذلك: أنه ابتعد عن أبحاثه بعد حصوله على الدكتوراة. وانضوى في سلك الوظائف، ليبني مستقبله في الدولة. بيروقراطي!. مرتزق!. كيف يمكنهما التواصل؟. كان عمله يضمن له دخلا مريحا ووضعا آمنا، ولكنه لا يعطي لحياته أي معنى. بينما هي لم تكن تجني من عملها مبلغا مناسبا، وأحيانا تصبح في عداد اليائسين، مع ذلك كانت تشعر بمغزى الحياة. سألت نفسها: ماذا لو أنه يكره ما أحب؟. أو أنه يبغض الحقائق التي أومن بها؟. وماذا لو أنه تحسس مني، كما يحصل مع بقية الرجال؟. وأصرت تيريزا أن هذه الشكوك ثقيلة ولا تحتمل. ثم وافقت أن تلتقي به في باريس. فقد كانت تعيش في المملكة المتحدة، وهذا لن يكلفها أكثر من رحلة في نهاية الأسبوع.

 II.

حينما وصلت إلى الفندق، اتصلت به من الاستعلامات. وهبط ليقابلها. وتبادلا التحية مثل صديقين قديمين. وامتد الفطور ليتحول إلى غداء. وتطور الغداء لعشاء ورغبا لو أنه يستمر للأبد. وكانت المحادثة أشبه برحلة في قطار يصعد المرتفعات، دون أي نهاية تلوح في الأفق. كان لديهما أشياء كثيرة يعبران عنها!. ولم يتمكن ديمتريوس من امتلاك الشجاعة الكافية ليطبع قبلة على وجهها منذ أول ليلة. ولكنه رغب بذلك. ثم تمنى لها ليلة طيبة وافترقا وذهب كل منهما إلى غرفته الخاصة.

وسهرت لوقت متأخر، واللوعة تتملكها. وشعرت أن شعر جلدها يقف مثل الإبر، بطريقة لا تنقصها المتعة. كان شيء على وشك أن يقع لها، له، لحياة كل منهما. وامتنت لهذا التأخير، فقد منحها وقتا لتفكر وتتوقع، ولتنتظر قبلة. وقالت لنفسها: بعد ذلك نهوي من القمة على طول السفوح. ولم تتحرر من ذكريات العشاق السابقين الذين تعرفت عليهم قبل زواجها.

وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي، وبعد الإفطار فورا، طلب الإذن ليزورها في غرفتها. وبدأ يكلمها عن رواية كان يقرأها وهي “ستونر” لجون وليامز. كانت رواية أمريكية من فترة الستينات لقيت التجاهل في حياة المؤلف وبقيت منسية حتى اكتشافها مؤخرا بترجمة فرنسية عام 2013. واهتمت تيريزا بمنطق ديمتريوس الأوروبي حول الرواية الأمريكية كلما استغرق بالكلام عن حبكة الرواية. ثم فجأة توقف بمنتصف الجملة وطبع قبلة على شفتيها. ومنذ تلك اللحظة وصاعدا امتلكها الشعور أن جسدها بطريقة أو أخرى مغروس في جسده.  بعد الإفطار والقبلة تابعا الكلام طوال الأمسية وحتى منتصف الليل. رسما صورة للمدينة وتجاهلا ما حولهما. وبعد ساعة من المشي على ضفاف السين، وصلا إلى شكسبير وشركاه، المكتبة التي استضافت جويس وهمنغواي. دخلا وتبادلا المعلومات عن كل الكتب التي استمتعا بقراءتها. وهما يجلسان متجاورين على كنبة مريحة في صدر الصالة في الطابق الثاني وبأيديهما كتب اختاراها من الرفوف. وأنفقا يومين بالتجول في الأرجاء وداخل وخارج البانثيون. كانت أزقة وشوارع باريس تبدو كما رسمها كتابهم وشعراؤهم ومخرجو الأفلام المفضلون. شارع ليبيك أصبح مسرحيات تشيكوف. وشارع سان أنطوان كان انعكاسا لأجواء دستويفسكي. وشارع روزير بدا كأنه من أفلام كرزيشتوف كيزلوفسكي. وتابعا في الأزقة الضيقة، وهناك دعاها لترحل معه إلى بروكسل لتمضية ما تبقى من العطلة برفقته في بيته الحالي. قال وهو يتنهد:”بيتي واسع!. وسأخصص غرفة لك فقط إذا أردت أن تكوني وحدك”. كانت هذه عطلة الشتاء عند كليهما. وكان ابنه يمضي استراحة عيد الميلاد مع أمه، ولذلك يمكنهما الانفراد طوال عطلة عيد الميلاد ويحتفلان معا بالعام الجديد. عام 2015 كان عام الفراق والموت. عام 2016 - كما يأمل - سيكون عام لم الشمل. استقلا القطار السريع من باريس إلى بروكسل، وكانت سيقانهما متلامسة طوال الرحلة. والإحساس من هذا التلامس، دون أي تشنج وبلا أي تقارب مفتعل، عاد بذاكرتيهما لأوقات بعيدة. رافقها إلى مكتبته الخاصة، وأشار باعتزاز لثلاثة رفوف من السنديان، محفورة بالجدار، ومزدحمة بكل أنواع الأقراص المضغوطة، والبلوراي، وحتى أشرطة الفيديو القديمة. كانت مجموعته من الأفلام ومن الكتب واسعة النطاق، وتغطي كل الفترات والأمكنة والأنواع. وعلى الجدار المقابل مكتبة أصغر للكتب النقدية عن الأفلام ومصنفة حسب بلد المنشأ. وكان الصف الثالث في الرف الأوسط مخصصا لمخرجه المفضل: فريتس لانغ. وأخبرها ديمتريوس عن هروب لانغ إلى هوليود أثناء الرايش الثالث، في نفس اليوم الذي حصل فيه على عرض من جوزيف غوبلز ليشغل منصب رئيس استوديو الأفلام الوطنية الألماني. لكن زوجة لانغ رفضت مرافقة زوجها واختارت أن تبقى خلفه مع النظام النازي. قال:”ما رأيك أن نرتب مهرجانا قصيرا للأفلام على شرف زيارتك. وللاحتفال بقدوم عام 2016؟”. ابتسمت وهو يلفها بذراعيه وقالت:” أفكارك عظيمة دائما”.

سألها وهو يطبع قبلة على شفتيها:”هل هذا يعني نعم؟”.

ردت بقبلة مماثلة. ووضع لسانه في فمها، وسريعا ما استلقيا معا على الكنبة. وتقرر ترتيب مهرجان الأفلام المصغر في القبو، وهو بسعة صالتي عرض. في أول ليلة شاهدا فيلمين، أحدهما من فترة لانغ الألمانية، والثاني من الفترة التي أعقبت هجرته إلى أمريكا. وأثناء الفيلم الثاني حضنت بنعومة عضوه حتى انتصب تماما. أصبح هذا تقليدا. أحيانا يتابعان مشاهدة الفيلم حتى النهاية، وأحيانا يتوقفان عند هذه اللحظة ويمارسان الحب. وليلة أن أصر أن تخبره هل انتابها الشعور لمرة في حياتها أنها غير محبوبة صادفت ثالث ليلة من مهرجان الأفلام المصغر. وبدأ بفيلم من الفترة الألمانية، وتبعه “أنت تعيش مرة واحدة” من فترة لانغ الأمريكية. ثم تناولا البوغاتسا، وهي فطيرة يونانية محشوة بالقشدة، وامتص كل منهما صلصة الليمون المتبقية على شفتي الآخر. وفي تلك الليلة ذهبا إلى السرير كما كانا يفعلان كل ليلة في باريس، كل منهما بين ذراعي الآخر. واستيقظ يسبح بعرقه، فعقد ذراعيه حولها، ولف ساقيه حول ساقيها. وتوافق الكلام مع الاندماج العاطفي حتى سالت دموعها من عينيها. كان جسدهما جائعا لمثل هذا الاتحاد ومنذ سنوات طويلة. في الليلة الرابعة من المهرجان انتقلا من فريتز لانغ إلى ثاني مخرج مفضل عند ديمتريوس، وهو لارس فون تيرير. وأول فيلم شاهداه هو نيمفومانيا “المرأة الشهوانية”، واستغرقت مشاهدته ثلاث ليال لأنه تخللته ممارسة الحب الجنوني.

وغرقت بالتفكير: كيف سقطت سريعا بالغرام، بعد ترملها، مع رجل متزوج لا يبادلها الحب. وحينما أخبرته بمشاعرها قال بطريقة ميكانيكية تقريبا إن عاطفته مرتبطة بمكان آخر. وأخبرها أنه لا يمكنها أن تفعل شيئا لتبديل ذلك. وشعرت بالخجل من الاعتراف له، ولكنها الحقيقة: مشاعرها نحو رجل متزوج لا يحبها قد حطمها أكثر من وفاة زوجها، ونهاية زواج استمر لثلاثة عشر عاما.

وفي هذه السنة نفسها، كان ديمتريوس يرعى ابنا من امرأة كشف عن هويتها فجأة، ولكن قبل ولادتها بشهر، طلبت الطلاق. وأخبرته أنها توقفت عن حبه. ويوم الولادة رفضت أن يعانقها وقالت له إنها تبغض نبرة صوته. لكن احتكاك جسد تيريزا به كان مثل رؤيا بالنسبة له. وقد وجد نفسه عدة مرات خلال ممارسة الحب على وشك البكاء. وزاد وضوح الفرق الوحيد بينهما بعد كل جلسة حوار: كانت أذنه لا تستمتع بالشعر. وبعد أن تكلما عن كل الروايات والمسرحيات والقصص القصيرة التي قرآها، سألته عن الشعراء وقالت:”أليس هناك شعراء تحب قراءتهم؟”. رد:”يجب عليك أن تخبريني عن الشعر. استمتاع الناس بهذا الفن مجرد لغز بنظري. الشعر مثل الاعتناء بالحدائق. لا يشكل مشكلة. ولكنه لا يفيد أيضا؟. من بحاجة للشعر؟”. كانت تعيش في الكلمات، وتستمد من الشعر القدرة على التحمل. وغشيتها موجة من الألم وهو يتكلم، وسرعان ما غمرتها عاطفة أخرى مع اقترابهما من اهتمامات مشتركة. وبعد خمسة أيام من زيارتها وجدت نفسها تقول كل يوم، كما لو أنها تردد بيتا من الشعر: هذا أقرب ما يكون للفردوس/ مثل جنة على الأرض. وشعرت بالنشوة، وأنها على طريق السعادة. لقد اكتشفت مجددا معنى الحب بعد عام كامل من الجفاف العاطفي الوجودي.

 III.

بعد مرور أسبوع من هذه الاستراحة عادت إلى بيتها في إكستر، وهي مدينة صغيرة وأثرية في الجنوب الغربي، وقد انتقلت إليها قبيل ثلاثة شهور بغاية الحصول على وظيفة في مجلس الفنون البلدي. وفي إكستر تابعت مهامها اليومية: مراجعة استمارات التمويل، وترتيب جدول القراءات الشعرية، واللقاء بالمجتمع المحلي. وغمرها الندم لأنها تبعد عن لندن حوالي ثلاث ساعات، وهي المدينة التي تبدو وكأنها تنتمي لها. ومع أن في إكستر أشياء كثيرة تهمها، غير أنها معزولة وضيقة إلى حد ما. وأن تعيش في لندن يعني توفر قطار مباشر إلى بروكسل والتواجد على مقربة من محبوبها.  

وهكذا مر الوقت. الأسابيع أصبحت شهورا طويلة. وكانا يتبادلان الكلام بالهاتف في كل ليلة، بما يعادل ساعة أو أكثر، وهما يتصارحان بكل شيء عن ظروف هذه الحياة المقسمة في مكانين. كيف ينامان، ماذا يأكلان، ماذا يرتديان، الذهاب للعمل والعودة منه، وتفاصيل مكالماتهما مع العائلة والأصدقاء: كشفا الغطاء عن كل شيء، حتى أدق التفاصيل إلا ما لا يمكن الكلام عنه ويجب عدم المساس به أوتوماتيكيا. والأجزاء المحذوفة من المكاشفة هي كل ما يملأ حياتها من الداخل. وهي توافه لا يمكن أن تعني له شيئا: مثل أماكن التسوق، وعدد ساعات التدريس، وماذا تناولت على الغداء، وماركة الثلاجة التي تحفظ فيها طعامها. بالمقارنة مع ديمتريوس لم تكن تود المشاركة بهذه الترهات. ومع مرور كل ساعة كانت تشعر بالمزيد من الاغتراب والعزلة عن الرجل الذي أحبته.

وكانت المبادرة بالمكالمات الهاتفية منه. وشعرت أنها تريحه. كان يريد “أن يعيش كل حياته برفقتها”. كما قال، ولاحظت أن تلك المكالمات ضرورية ليكونا معا. ودغدغ هذا الإصرار أحاسيسها وما توحي به من إخلاص وطاعة، وانصاعت لطلبه كي تكون صابرة وتتجاهل مشكلة الوقت. ولكن لهذا السبب كانت تشعر بالمرارة كلما حان وقت مكالمة كل ليلة. فقد استدعى ذلك منها أن تسهر وهي تفكر بما يجب أن تقول له في المرة القادمة. فعليا بدأت تنفر من هذه المكالمات. ولكنها لم تود أن تخاطر بعلاقتهما في مرحلة مبكرة منها. بالإضافة لذلك أصابها القلق من احتمال أن تأسف على عزل نفسها عن الشخص الوحيد الذي شعرت طوال حياتها بالحاجة للكلام معه على أساس يومي، سواء كانت المكالمات تعزز من ثقتها بذاتها أم لا.

وبعد ثلاثة أسابيع من هذه المكالمات المؤلمة، وبغرض تبديل إيقاعها، قررا اللقاء في لندن. كان لديها حصص تدريبية حول أخلاق التعامل مع الحكومة، وكان مسرح دوق يورك يعرض مسرحية فرنسية تكلمت الصحف عنها  وهي “الأب”. عرض مسرحي. وكان ديمتريوس متحمسا للحضور. اشترى تذكرة القطار السريع وطلب إجازة لعدة أيام حتى نهاية الأسبوع. وجددت بدورها حجز الفندق ليكون لشخصين. وأملا كثيرا من لقائهما هذا، لأنه سيجدد مشاعر فترة باريس، لو كان المدخل مختلفا.

وتماما مثل أول لقاء لهما في باريس وصلت متأخرة ساعتين. وطوال الطريق، أخبرت نفسها أن تأخرها لن يؤثر بشيء. فهو سيتوجه للفندق مباشرة، وهناك يلتقيان عوضا عن اللقاء وسط المدينة كما خططت. ولكن لم تكن محقة بذلك. فقد حياها وهو يتذمر من الوقت الضائع الذي يمكن أن يمضيه مع ابنه. وحاولت تبريد جراحه بلمسة رقيقة في مواضع يستجيب لها جسمه، حسب خبراتها من أيام باريس وبروكسل. ولكنه ابتعد عنها بإصرار.

ومرت الليلة بمرارة. وبهجة اللقاء التي جعلتها مخدرة في باريس لم يمكن استعادتها. وأول مشكلة كانت باختيار مكان للطعام. كل مكان يعجبها كان برأيه تافها. وقرعها لأنها رخيصة وقال:”كم ذوقك رخيص!. أنت لا تحترمين المستويات الراقية في الحياة!”.

وفي النهاية، لتخفيف التحسس، قررت الموافقة على أي مطعم يختاره.  فهو من حضر إلى لندن ليقابلها، ولم يكن في نيتها إفساد زيارته بالجدال. ولكن هدوءها ضاعف من غضبه.

قال:”أعتقد يجب أن أنصرف؟”.

سألته ملتاعة:”تنصرف إلى أين؟”.

قال:”أنصرف فحسب! وتوقفي عن إلقاء الأسئلة”.

مدت يدها بالغريزة لتلمسه، ولكنها جمدت عندما لاحظت الغضب على وجهه. ما خطأها؟. تابعته عن مبعدة وهو يغذ خطاه في الشارع. ثم يئست منه. صاحت على أمل أنه سيسمعها:”سأقابلك عند مدخل المسرح في مور لاين في السابعة والربع”.

بدأ العرض في 7:30. ولكن لدهشتها وصل في 7:15 بعد أن زال غضبه. وكان وجهه بلا ملامح، لكن على الأقل كان صوته هادئا. وبدماثة كما لو أنه إنسان آلي قبض على يدها. وهما يصعدان السلالم باتجاه مقعديهما، تساءلت سرا: أين ذهبت تلك العاطفة التي أوشكت أن تغير حياتي؟. ماذا قتلها؟. كانت المسرحية قصيرة ومشحونة وتروي حكاية رجل مسن مصاب بالزهايمر. وكلما قابل الأب ابنته كان يلاحظ كأنها شخص آخر ولها شريك مختلف. وتدهورت حالته مع كل مشهد مسرحي جديد. وقررت الابنة في خاتمة المطاف أن تودع أباها في بيت للرعاية في باريس. وقبل أن تفارقه للأبد، وعدته أن  تأتي كل أسبوع من لندن لتزوره. كان ديمتريوس وتيريزا في الصف الأول. وتماسكت أيديهما لكن راحتيهما كانتا باردتين. وكانت متوترة وخائفة بعد نهاية العرض لأن هذا يعني أنهما سيتجادلان مجددا. وخشيت أن لا تسعفها الكلمات. ثلاثة شهور من الحب، والشهر الرابع أوشك على نهايته، ولكن الكلمات لم تعد تسعف أيا منهما.

بعد نهاية العرض غادرا الصالة وتوقفا لعشاء سريع في جيمي أوليفير، وهو مطعم إيطالي عند أول منعطف. ومر العشاء دون نقاش لكن من الواضح أن رومنسيات باريس تبدو لهما الآن حلما بعيدا. لم يتماسكا بالأيدي في قطار الأنفاق خلال العودة إلى الفندق. وكل كلمة كان يمكنها تسميم جو الأمسية، لذلك لزما الصمت تقريبا وهما يسيران، وبينهما عدة بوصات تفصل الواحد منهما عن الآخر. ولم يكن المشوار يشبه النزهة المتأخرة على ضفاف السين واليد باليد!.

وغرقا بالنوم وكل منهما على جهة من السرير. وكانت هذه أول ليلة بلا جنس منذ ثلاثة شهور من التعارف. وعندما بدأ ديمتريوس بالشخير استدارت وواجهته وقالت هامسة بأذنه:”أريد أن أخبرك بشيء”.

توقف شخيره. وأبعد وجهه عنها وقال:”ماذا؟”.

ردت:“كنت أتخيل رجالا من نمط آخر كلما مارست العادة السرية. ولا أشعر بالذروة إلا حينما أتخيل رجلا لا يشبهك”.

سألها:”لماذا تخبرينني بذلك؟”.

قالت:“أنا قلقة من معنى ذلك على حياتنا”.

استدار بكامل جسمه بعيدا عنها وعاد للشخير فورا بصوت أعلى فغطت رأسها بالوسادة لتمنع هذا الصوت من أن يملأ الفضاء. وتساءلت هل يتصنع ذلك. وهل يمكن لأي رجل أن يكون فظا وهمجيا لهذه الدرجة؟.

IV.

استيقظا في صباح اليوم التالي دون فكرة مؤكدة كيف سيمضيان يومهما معاً. كانت مسارح لندن مغلقة يوم الأحد. بعد أن تجادلا لعدة ساعات في السرير حول أين يذهبان، اتفقا أخيرا على مجرد استكشاف المدينة. سارا في هامبستيد ومرا بغابة سانت جون نحو حدائق ماريسفيلد. بشكل غير متوقع، انتهى بهما المطاف أمام المنزل الذي أمض فيه سيغموند فرويد سنواته الأخيرة بعد مغادرته فيينا، وهنا أمضت ابنته آنا العقود المتبقية من حياتها. كان للمنزل لوحة تعلن أنه متحف فرويد، ويفتح سبعة أيام في الأسبوع. كان المتحف  سيثير اهتمامها في أي مناسبة أخرى، لكنها كانت مكتئبة من رفيقها. وكل لحظة لهما معاً تبدو وكأنها تشحن سموما جديدة في الجو. وهكذا عادا بصمت لقطار الأنفاق. ثم دبت مشاحنة حول مكان تناول العشاء. وأخيرا انفجر ينتقدها بصوت مرتفع قائلا: "كل ما يهمك هو حياتك المهنية والمال!. هذا يكفي!. لقد انتهيت”.

ابتعد وهو يدق الأرض بقدميه، وترك تيريزا تراقبه، وسترتها ملفوفة حول جسدها الذي مات وتلاشى فجأة.  شعرت أنها صغيرة ومكشوفة، وخشيت من العودة إلى الفندق في الليل وحدها. ومع كل خطوة إلى الأمام في هذا الليل، حاولت إقناع نفسها بأن جدلهما مجرد نعمة مقنعة. وأن تقول إن الواحد منهما يثير أعصاب الآخر قول لا يدل على كل الحقيقة المؤلمة.  كانت الكراهية تتفاعل.  كل منهما يجر الآخر للجنون. وكانا أشد بؤسا باجتماعهما والأفضل لهما أن يفترقا. قرارات بسيطة، مثل مكان تناول العشاء، وضعهما على الحافة. وكل مناقشة ولدت المزيد من البغضاء، ويبدو على نحو متزايد أنه ليتفاهما لا بد من الامتناع عن تبادل الكلام والنقاش.

عندما دخل غرفتهما في الفندق حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، أدارت وجهها نحو النافذة وفتحت حاسوبها المحمول. جلس على زاوية  السرير وبدأ يبحث في البريد الإلكتروني بينما هي تطبع بسرعة محمومة.  ومرت ثلاثون دقيقة وكل منهما مشغول بجهازه الخاص به. وأخيراً قال:"هل يمكنك أن تتوقفي عن الكتابة؟ أحتاج للحصول على بعض النوم". لكنها تابعت ضرب لوحة المفاتيح بأطراف أصابعها. نظر إليها وكرر كلماته. وواصلت الكتابة بعناد. حدق في وجهها لمدة ثلاثين ثانية، كما لو كان ينتظر أن تتوقف، ثم اندفع نحوها، مهدداً بتخريب حاسوبها والاتصال بالشرطة. وقال بإلحاح:”هذه غرفتي. لقد دفعت لقاء ذلك ببطاقة الإئتمان! وأفكر أن أطردك إلى الشارع!”. لم تحرك عينيها عن شاشة الكمبيوتر المحمول فتابع الصراخ قائلا:"أنت أشبه بحصان بهذين العينين الجاحظتين الخامدتين دون أن تلاحظي أبدا ما يجري حولك. استيقظي، أيتها العاهرة الأنانية!". واختتم التهكم بقوله:"لقد انتهى الأمر. لقاؤنا أكبر خطأ في حياتي. سأحجز غرفة وأترككِ وحدكِ الليلة. وداعا. انعمي بحياة أفضل”. شعرت بالصدمة. لم تتوقع المشاعر التي تفجرت في داخلها عند انفصالهما. ولم تستطع تذكر شعورها لدى مقابلته للمرة الأولى. ولم تستطع أن تفكر بالخوف الناجم عن انسحابه من حياتها.  بدلا من ذلك شغلت نفسها بما سيحصل لاحقا، وتساءلت: كيف سأشرح نهاية هذه العلاقة لصديقاتي؟. وفكرت بكتبها.  كيف سأعيدها إلى إكستر؟. وهل يجب أن أستأجر شركة نقل؟. هل سيتم شحنها؟. وأخيرا توقف تدفق الأسئلة البسيطة أمام أسئلة أهم، وسألت نفسها: هل أنا أحبه؟. وكيف لي أن أعرف؟. ما هو الحب؟. عموما هو هو من بادربالانفصال عني.

وواصل ديمتريوس الصراخ. كانت قد توقفت منذ فترة طويلة عن محاولة فهمه. وتظاهرت بالصمم، حتى قاطعت أخيرا ثورته بقولها: "هل اكتفيت من توجيه الإهانات لي".

بدت الكلمات بمجرد أن خرجت من فمها ضعيفة بشكل يدعو لليأس. ولم يكن خجلها يبلغ درجة عدوانيته. ثم أدركت أن المهم في الجدال ليس ما يقوله الإنسان، ولكن ارتفاع نبرته. وهكذا تراجعت إلى قوقعتها وابتعدت عنه. ثم لفه الصمت، فاقتربت منه وهو في السرير، وغابا معا بنعاس يقود للنوم. حاولت لمس مؤخرة ركبتيه، لجس نبضه، ولتتأكد ما إذا كان يعني حقا ما قاله، وما إذا كان جادا في الانفصال. فبقي ساكناً. ولم يكن بمقدورها أن تعلم هل هذا لأنه نائم أو لأنه ينوي إنهاء علاقتهما. وكانت ترغب بالتكهن بالجواب. وفكرت: إذا لم يقرر الانفصال، إن البقاء معه يعني قبول هذا السلوك المريب. والاستمرار بحبه يعني إذلال ذاتها.  وأنا لست مازوشية. ويجب أن أرفض.

عندما استيقظا في صباح اليوم التالي بدأت في حزم أمتعتها. وانتقلت إلى الفندق الآخر الذي حجزته لها مؤسستها. وافترضت أنه سيحجز ليلة أخرى في الفندق الذي كانا فيه. وافترضت أنهما على وشك الإنفصال. وانشغلت بحزم أمتعتها لمدة خمس عشرة دقيقة، وتابع هو اللهو بجهاز الكمبيوتر المحمول، متظاهرا أنه يحجز لنفسه ليلة إضافية في الفندق. وكان من شأن هذا الحجز أن يدل على نهاية علاقتهما. ومع ذلك عندما انتهت من تجهيز حقيبتها وجلست بجانبه، بدا أنه لم يحرز أي تقدم في حجزه. ما الذي يمنعه؟. هل لا يزال مصرا على الكلمات التي ألقاها على مسامعها في الليلة السابقة؟. لم تستطع أن تقرر. وعندما جلست بجانبه، نظر إليها بهدوء، عيناه البنيتان بلون عيون الغزال مفتوحتان وبريئتان. كان من المستحيل ربط عنف الليلة الماضية بهاتين العينين. هاتان هما العينان اللتان وقعت بحبهما: لطيفتان كالغزال، هادئتان ومفتوحتان على كل شيء وللجميع. كانتا فارغتين من المشاحنة.  وتمنت لو أنه لا يتعين عليها رؤية عينيه إلا هكذا. واستلقيا جنبا إلى جنب واخترعا كلاما مبهما وبعيدا حول الأخبار والأحداث - الانتخابات الإيرانية، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الرئاسة الأمريكية - وتجنبا الإشارة عما جرى بينهما في الليلة السابقة. ثم تلامسا. وتخلص من ملابسه. ومارسا الحب كما فعلا في باريس وبروكسل، وهكذا غاب كل شيء وكل الموجودات التي هي خارج نطاق جسديهما عنهما في تلك اللحظة. همس في أذنها يقول:"أريد أن تصلي للذروة. أن تصلي وأنا معك في داخلك . هذا واجبك. ولن أقذف حتى تعطيني الإشارة”.

عندما انتهيا لف ذراعيه حول كتفيها وقال: "هيا لنذهب إلى فندقك". وانتهى جدال الليل السابق، واختفى  كما لو أنهما في حلم.

في تلك الليلة، وللمرة الأولى بعد الوصول إلى لندن، لم يتشاحنا حول المكان الذي سيأكلان فيه. تناولا الغداء في مطعم سوشي قريب، قبالة ساحة راسل، ثم توجها إلى سكوبس، أكبر مكتبة للكتب المستعملة في لندن. هنا فعلا بالضبط ما فعلاه في باريس، مدينة حبهما. مرا برفوف الكتب، وتكلما في طريق العودة عن أفضل كتاب يستحق الاقتناء، وصنعا قائمة بمئات الكتب التي يريدان قراءتها. وخلال هذا الوقت كان من الواضح أن الواحد منهما يستكمل الآخر: كانا أكبر متحمسين لاقتناء الكتب في العالم. مثل باريس مرة أخرى.

وكانا قد يئسا تقريبا من فكرة العثور على شيء جديد في تلك الأمسية عندما اقترح ديمتريوس أن يتفحصا برنامج ألميدا، وهو مسرح قريب من الويست إيند وفي منتصف منطقة أنجيل. نظر ديمتريوس في موقع المسرح على الإنترنت. كان العرض في تلك الليلة هو “الخال فانيا”. وكان هناك مقعدان متاحين، وكلاهما خلف أعمدة هائلة الحجم.  قال لنفسه: على الأقل سيكونان قادرين على الجلوس معاً. كان تشيخوف قد جمعهما معا في باريس، والآن، كما يأمل، سيجمعهما معاً، مرة أخرى، في لندن. اتصلت بالمسرح وحجزت مقعدين.

وكان العرض قد حصل على مراجعات سلبية في صحيفة “الغارديان” بسبب طوله ، لكنها لم تهتم. لقد عشقت تشيخوف. وقالت لنفسها: العرض الأطول أفضل. قد تكون هذه آخر مرة أراه فيها. هرعا إلى المسرح يداً بيد، وجلسا خلف الأعمدة. همس لها بين المشاهد مشيداً بالتمثيل. وأومأت بالموافقة على كل كلمة قالها. ثم اشترى الآيس كريم لهما، بلفتة كرم معهودة منه، وبمقدار كوبين لكل فصل: وكانا بالكراميل المملح، والتوت، وفانيلا الفول، والبندق.

وأمكنها أن تلاحظ  كيف كان مسرورا من الأداء من الطريقة التي انحنى بها منصوب القامة على كرسيه، وعينا الغزال البنيتان مستغرقتان في المشاهدة بسلام. بعد العرض، كانت هناك جلسة أسئلة وأجوبة مع الممثلين. جلسا خلالها  بهدوء، وأيديهما متماسكة. كانت الرغبة تجتاحهما مرة أخرى، وحولت عنف الليلة السابقة إلى أحلام وردية. وقربتهما من لم الشمل. وتبادل المكان الحقيقي مع الوهمي بفضل تشيخوف.

قال ديمتريوس خلال استراحة قصيرة بشكل سؤال وجواب:” لاحظت شيئا واحدا مستمرا في مسرحيات تشيخوف، وهو أن الشخصيات دائما مغرمة بالإنسان الخطأ. سواء كانت سونيا ومايكل أو فانيا وايلينا، هؤلاء الأشخاص لا يعرفون مصلحتهم، لذلك هم في نهاية المطاف يضرون أنفسهم".

وبعد نهاية جلسة الأسئلة والأجوبة حدق في عينيها ثم قبلها. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ أيام باريس  يتبادلان فيها قبلة بهذه الطريقة، وهي المرة الأولى التي نسيا فيها محيطهما. ومع ذلك طوال الوقت كان جزء منها يعرف أن غرامها له سيستمر مدة وجيزة. وما كان بينهما سينتهي قريبا. وقالت إنها لا تستطيع أن تسمح  بالمزيد من الإساءة لنفسها، أو أن تخاطر بالتعرض لمزيد من الضرر. قد يلتقيان مرة أخرى، ولكن في المرة القادمة التي ستقابله بها لن يعني لها ما كان يعنيه من قبل. سيكونان كالأغراب. 

لقد مرا بتجربة ولادة وموت حكاية حبهما. وعودة أي شعورسيوقظ أشباح تلك الليلة التي تخللتها الكراهية والبغضاء. وأصبحت في تلك الليلة إنسانة حقيقية لأول مرة، وغيرت كل شيء إلى الأبد. وأدخل العنف إلى حياتهاواقعا جديدا لا يمكنها تجاهله.

وعادا على الفور إلى الفندق كل منهما متعطش لجسد الآخر. ومرت تلك الليلة وهما معاً عاريين وبحالة حميمية خالية من كل التوترات.  وكما حصل في وقت سابق من ذلك اليوم، أصر على أن تصل إلى النشوة الجنسية أولاً، ورفض أن يقذف حتى تشعر بالذروة. وقال إنه لا يريد الجنس من أجل متعته فقط. وأراد أن يصبح جزءاً من الرغبات التي تنتابها في أحلامها.

عندما كانا ينامان معاً في الماضي، كانت عادة ما ترقد إلى جانبه لمدة ساعة حتى ينام. ثم تذهب إلى دورة المياه أو غرفة مجاورة حيث  تعمل لبضع ساعات على جهاز الكمبيوتر المحمول، وغالبا حتى الفجر. فهي لا يمكن أن تعمل إلا في عزلة، بعيدا عنه، حتى لو كان ذلك يعني مرور الليل جالسة على المرحاض. ثم بمجرد أن تبدأ الشمس بالسطوع، ينطلق المنبه الداخلي، وتعود إلى السرير، وأخيراً تغفو، وظهره لها. هذه الليلة كانت مختلفة فهي آخر ليلة لهما معاً، وأرادت لكل لحظة أن تدوم أطول ما يمكن. ولذلك  لم تذهب إلى دورة المياه، ولم يرن المنبه الداخلي. بدلاً من ذلك نامت بين ذراعيه.

استيقظا متأخرين ساعتين. وكان قد فاته القطار، وكانت هي قد تأخرت عن الحصة الأولى من تدريباتها. وبعد موجة من الذعر، أدركت أنها لن تتمكن من توديعه بالإيماءات الرقيقة التي حلمت بها وهي ممددة بين ذراعيه في الليلة السابقة. في الوقت الذي فتحت به عينيها كان بالفعل يعمل على الكمبيوتر، ويبحث بشكل محموم عن تذكرة جديدة على يوروستار للعودة إلى بروكسل. ومن خبرتها السابقة معه في المواقف العصيبة، كانت تعرف أنه من الأفضل عدم التحدث الآن. التقطت حقيبتها وهمست: "أراك قريباً" وغادرت ببساطة. وهكذا  تجنبت إحراج الفراق الذي يتلازم مع طقوس الوداع. لكن هذه كذبة. فهي تعرف أنها لن تراه مرة أخرى، على الرغم من أنها لم تكن متأكدة أنه يدرك ذلك.

في معظم المسافة إلى محطة يوستون كانت تحدق بالأرض، خائفة مما  سترى إذا رفعت عينيها. كان مشهد العشاق الشباب أمامها مؤلمًا بشكل خاص. قالت بصوت مرتفع:"إنه الحب. يا لها من مزحة". 

كانت مسرحية الليلة السابقة قد أثارت ذكريات كل لقاءاتها الماضية مع تشيخوف. كانت تعرف قصصه أكثر من مسرحياته. وتذكرت قصة واحدة على وجه الخصوص وهي "السيدة صاحبة الكلب"، لقد قرأتها خلال سنتها الأولى في الجامعة. كان للقصة في نفسها صدى على مستويات مختلفة كثيرة، ومع أنها لم تكن في علاقة غرامية من النوع الذي ورد في القصة بين غوروف وآنا سيرجيفنا. أكثر ما أثار قلقها من القصة هو انقسامها بين الحياة الحقيقية، التي تجري تحت غطاء من الليل وفي السر، والحياة المزيفة، التي تتحكم بنهارات عملنا، وعلاقاتنا المهنية، وكل ما نقوم به في ساعات النهار. معظم العالم لا يعرف إلا الشوط الثاني، حتى لو أن عقولنا تسكن في العالم الأول. بالنسبة لغوروف بطل تشيخوف، لم يشعر بحياته الحقيقية إلا عندما كان مع حبيبته آنا. ومع ذلك كان حبهما مثقلاً بالازدواجية: فقد خالف قوانين المجتمع وانتهك الأخلاق التقليدية. لقد خان زوجته. خان زواجه. وعندما وصلت تيريزا إلى محطة يوستون قررت قراءة "السيدة صاحبة الكلب" مرة أخرى. حتى لو لم تتمكن القصة من توجيهها في قابل الأيام، من شأنها أن تساعدها على مواجهة سقوط علاقتها مع ديمتريوس.

V.

بينما كانت تيريزا تنتظر القطار الذي ستستقله إلى الدورة التدريبية، تأملت في العطلة الكارثية التي مرت - أو بالأحرى التي قتلتها - هي وديمتريوس. لماذا نؤذي من نحبهم؟. سألت نفسها، وشعورها مثل شخصيات  مسرحية تشيخوف. لماذا نهينهم بطرق لا نهين بها حتى الغرباءً؟. كيف يمكن للكلمات أن تكون مليئة بالكراهية؟.

صعدت السيارة الأولى، وبحثت عن مقعد شاغر وجلست. بدت لها الحروف المائلة في رأسها وكأنها علامة للاحتفال بولادة قصة تكتبها. حول ماذا بالضبط، لا تعلم، لكنها خمنت أن تشيخوف سوف يتبلور فيها بطريقة ما.  ستكون قصتها عن تشيخوف كما يراه ديمتريوس، تشيخوف بعيون عشيقها السابق. على الرغم من أنه عمي عن العديد من أحاسيس قلبها، فهما يشتركان بعواطف متعددة. كان (تشيخوف) واحداً منها. وأنفقت ما تبقى من الرحلة على خط فيكتوريا وهي تتخيل كيف سيكتب عشيقها نهاية علاقتهما. في إحدى المناسبات تكهن أنها لن تراه مرة أخرى. كيف سيصف قرارها بالتخلي عنه في ذلك الصباح في غرفة الفندق، دون أن تقول وداعاً؟.

وقررت تيريزا: أنه من الآن فصاعدا  سيكون ديمتريوس شخصية وهمية من مسرحية تشيخوف. وستصبح هي سونيا، ابنة أخت الخال فانيا، التي راهنت بكل آمالها على السلام الذي سيتبع وفاتها. كان مقدرا على سونيا أن تصبح العانس، وأن تدير عقارات الأسرة وحدها. وستحرر ديمتريوس، سيكون حرا للعثورعلى نفسه، وحرا أيضا في العثور على حبه. وستسعى لتحقيق هذه الأشياء ذاتها لنفسها، دون أن تتوقع أن تنجح في مسعاها. واقتبست من سونيا كلامها في المسرحية: المسعى هو الذي يهم، وليس ما تجده عندما تصل إلى نهاية الطريق. وإذا بقيت وحدها بعد هذا الكد الذي سيضني كل حياتها،  ستعرف على الأقل، وذات مرة، أنها أحبت حقا. لقد عرفت الحب مع شخص غريب في باريس، قبل أن يتم تدجين علاقتهما على يد الحياة اليومية. فروحاهما اندمجتا بنفس قوة اندماج جسديهما،  وهما يسيران اليد باليد على ضفاف السين.

 لن تنسى أبدا عيني الغزال البنيتين، أو توسله الرقيق، بعد عدة أيام من تعارفهما، كي تخبره إذا شعرت في أي لحظة أنها غير محبوبة. بالطبع، هي لم تخبره بذلك. وكيف يمكنها أن تقول شيئاً كهذا حتى لو شعرت به؟. خلال تلك الأيام الأولى من التعارف.  فوقته كان مخصصا لها ووقتها كان مخصصا له. وقد تقاسما معا لحظات لا يمكن أن تتكرر، على الإطلاق، مع أي شخص. تلك اللحظات تنتمي إلى فصل آخر في حياتها، فصل من كتاب يصل لنهايته. فالحاضر لا يمحو الماضي. همست تقول: وداعاً يا (ديميتريوس). أرسلت له قبلة عبر الأثير. ووقفت لتبديل القطار. 

 

...................

ريبيكا غولد Rebecca Gould شاعرة وقاصة ومترجمة أمريكية. تعمل بتدريس الحضارة الإسلامية والثقافات المقارنة في جامعة برمنغهام. صدر لها كتاب بعنوان “كتاب وثوار: أدب الثورة في القوقاز”. والترجمة بالاتفاق معها.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجريَّة: عامر كامل السامرّائي


أردتُ أن أصف جسَدَكِ. جسَدُكِ - بلا نهاية.

جسَدُكِ

بتلةُ وردٍ رقيقةٍ في كأسِ ماءٍ عذبٍ.

جسَدُكِ

غابةٌ وحشيةٌ، بأربعين فحّاماً أسود. جسَدكِ أوديةٌ عميقةٌ نديةٌ،

قُبيل شروق الشمس. جسدكِ ليلتين، ودقات ناقوس، وشُهب، وقطارات خرجت عن مسارها.

جسدكِ

حانة شبه معتمة، ببحارة سكارى، ومهربي تبغ، يخشخشون بالنرد،

ويهشمون الأقداح، يبصقون، ويشتمون.

جسدكِ،

اسطولٌ بحريٌّ بأكملهِ - غواصاتٌ، وبوارج مدمرة، وزوارق حربية؛ تَرفعُ المِرْساة بقعقعةٍ؛ ويَغمر الماء ظهورها؛ بحارٌ يقفز من أعلى الصّارية على رأسه في البحر. جسدكِ

صمتٌ متعدد الألحان، خمسُ سكاكينَ، وثلاثُ حرباتٍ، وطعنة سيف واحد. جسدكِ

بحيرةٌ شفّافةٌ - تُرى في أعماقِها، المدينةُ البيضاءُ الغريقةُ.

جسدكِ،

أخطبوطٌ عملاقٌ، قابعٌ في حوض القمر الزجاجي، بمجساتٍ دامية،

فوق الشوارع المضاءة، حين الغسق، حيث تَمُرُّ بوقارٍ تامٍ جنازة آخر القياصرة. الكثير من الأزهار المُداسَة فوق الإسفلت المبلَّل بالبنزين. جسدكِ

ماخورٌ قديمٌ في أطراف المدينة، بغانياتٍ عجائز، على وجوههن طلاء سميك ورخيص، يضعن أهداباً زائفةً، وهناك بينهن عاهرةٌ شابةٌ أيضاً- تُمتّعُ نفسها مع كل زبون، تنسى عد نقودها المتروكة على الطاولةِ اللّيليةِ. جسدكِ

صبيةٌ ورديةُ الوجه، تجلس أسفَلَ شجرةِ التفاحِ، تقضمُ رغيفَ خبزٍ طازجٍ، مع بندورة مملحة، وتغرز بين حينٍ وآخر وردة تفاح بين نهديها. جسدكِ

جندبٌ يُغني منفرداً في أُذُنِ شهر قطاف الكروم - مختوماً بظلٍ بنفسجيٍّ على قفاه الذي لوَّحتهُ الشمس، أغنيةً لم تستطع كل عناقيد الكروم ترديدها سويةً. جسدكِ

بيدرٌ مهيّأٌ فوق تل فسيح - أحدَ عشَرَ حصاناً أبيض يدرس عرانيس الكتاب المقدس؛ قشٌ ذهبي

مرايا صغيرة شَبكت في شَعرِكِ، وتألقت الأنهار الثلاثة، على شواطئها أبقارٌ سوداء كبيرة، تحني رؤوسها المكللة بالألماس، لتشرب الماء وتبكي. جسدُكِ لا يُختَصَر.

لا يُوصف. لكني أريدُ وصفه -

لكي أجعله أكثر قرباً من جسدي، حتى أحتويه، ويحتويني.

 

 

جمعة عبد اللهالشاعر اودسيوس آيليتس

Οδυσσεα Ελυτης

 ترجمة: جمعة عبدالله


حب

الارخبيل

في أول عنفوانه

في نوارس أحلامه

في أعلى سارية يمسكها البحار

ويدندن بأغنية

 

الحب

أغنيته

في آفاق رحلاته

في صدى حنينه

على صخرة مبللة تنتظره خطيبته

قارب

 

الحب

قاربه

لا مبالاة  في الذوبان

بين ذراعي الامل

في اخف موجة تهتز صخور الجزيرة

بالقادم .

***

 

.............................

النص اليوناني:

Το τραγούδι του Αρχιπελάγους (Έρωτας) – Οδυσσέας Ελύτης

 

Ο έρωτας

Το αρχιπέλαγος

Κι η πρώρα των αφρών του

Κι οι γλάροι των ονείρων του

Στο πιο ψηλό κατάρτι του ο ναύτης ανεμίζει

Ένα τραγούδι.

 

Ο έρωτας

Το τραγούδι του

Κι οι ορίζοντες του ταξιδιού του

Κι η ηχώ της νοσταλγίας του

Στον πιο βρεμένο βράχο της η αρραβωνιαστικιά προσμένει

Ένα καράβι.

 

Ο έρωτας

Το καράβι του

Κι η αμεριμνησία των μελτεμιών του

Κι ο φλόκος της ελπίδας του

Στον πιο ελαφρό κυματισμό του ένα νησί λικνίζει

Τον ερχομό.

 

رابط أغنية القصيدة:

https://youtu.be/ubbScrsPnN0

الشاعر اوديسوس أيليتس (1911 - 1996) يعتبر من كبار شعراء العصر الحديث في اليونان. حصل على جائزة نوبل للاداب عام 1979 . وله الكثير من الدواوين الشعرية

 

1947 نظيرة اسماعيل كريم(ومضات)

للشاعر الكوردي الايراني نبي أحمدي

ترجمة : الراحلة (نظيرة اسماعيل كريم)

بواسطة: عبد الستار نورعلي


 الانسانُ يجب أن يفهم الكثيرَ من الامورِ: نفسَه، اللهَ، والبشرْ …

في بعض الاحيان لابُدَّ أن يفهمَ الصخرْ،

الأشياءَ التي يعرفها والتي لا يعرفها !

وأنا لا أفهمُ إلا عينيكِ لا غيرَهما .

2

يتصرف بأسلوبك انتِ أيضاً الصخرْ،

فإنكِ المرآةُ الناقلةُ التي لا بديل لها لسمات المطرْ

ضائعة ، في متاهات هذا القلب الذي

يعاني دون أي مبرر من التلعثم بإسمكِ .

أنيريني بسلام وصباح من الماضي،

فإنّ قليلاً من الشكّ اثارني لأعشقكِ

أنا في مسار نسيم خمارك، في صباح القرية وفي مساء الحياء والكبرياء اصبحتُ شاعراً .

أحسّ بفضول الاستيلاء على عطر شعرك من قبضة العنق والقلادةِ .

أنتِ نشوة تصوراتي النضرة من أجل كسب قبلاتك التي

وصلت الى أوج ازدهارها في مرآة الدمعِ، ياظبية.

3

سأعبر هذه المرة ليس من الدنيا وليس من غربة هذا الغروب انما سأعبر منك أنتِ.

4

ليس هناك حاجة الى نبوءة أداموس

إنْ لم تكوني هنا

فإنها نهاية الدنيا … !

5

إعلمْ، أيُّها المطرُ الزلال،

أنّك ستعود مرة اخرى

إلى حضن هذه الغيمة السوداء ِ

6

من بين الأوهام العنيدة ،

أتذكّرُ عينيكِ انت ِ فقط ،

في الفصل الأكثر تفتحاً للبراعم عند اختلاس النظر!

........................

النصّ الفارسي:

آدم بايد از خيلي چيز ها سر در بياورد از خودش خدا انسان….

گاهي بايد سَر از سنگ در آورَد سر از چيزهايي كه مي شناسد و نمي شناسد !

من تنها سر از چشم هاي ِ تو در مي آورَم

2

گم شده يي ، در هزار توي ِ اين دل كه بي دليل به لكنت نام تو دچار است.

روشن ام كن به سلام وصبحي باستاني،

كه در گَه واره ي گمان عاشق ِ تو بر انگيخته شدم

كه در مسير ِ وزِش ِ سربند ِ تو در صبح قريه در گرگ و ميش شرم و شِكوه شاعر شدم.

حس ِ كنجكاو ِ بادم در ربودن ِ عطر گيسوي تو از چنگ ِ گلوگاه و گردن بند.

خلسه ي خيالي تازه نفس ام براي ِ تاراج ِ بوسه هاي به رَس رسيده ي ِ تو در آيينه ي اشك ِ آهو

3

در مي گذرم اين بار نه از دنيا نه ازغربت ِ اين غروب ِ غريب در مي گذرم از تو.

4

نيازي به پيش گويي ِ آداموس نيست

توكه نباشي

آخر ِ دنياست…!

5

مي دانم اي باران ِ زلال

دوباره

به آغوش ِ اين ابر ِ سياه

باز خواهي گشت

6

از خلال خيالات سمج،

تنها چشمهای تورا به یاد می اورم،

در شکوفه آورترین فصل در بزنگاه نگاه!

..................

* (نبي أحمدي) شاعر كوردي إيراني، ولد في مدينة آبدانان / إيلام عام 1970 .  والذين لهم اهتمام بالشعر في ايران خلال العقود الاخيرة لابدّ أنهم سمعوا باسم (نبي احمدي) واطلعوا على أشعاره فأثارت اهتمامهم ومتابعتهم.

بدأ كتابة الشعر خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، وطغى على شعره باب الغزل طغياناً جليّاً. وقد عاش (نبي أحمدي) في مسقط رأسه بمدينة (آبدانان) سنيناً طوالاً من أجل الارتقاء بمستوى أشعاره، والبقاء الى جانب الشاعر الآبداناني الشهير (محمد بيراني)، فبذل جهوداً حثيثة في هذا المجال، حتى أنه كان أحياناً يدعو الشعراء والفنانين الى منزل والده للحوار في الشعر والفن وتبادل الرأي. كان يتحمل عبءً مادياً ثقيلاً من جيبه الخاص بهذا الشأن. نشر مجموعته الشعرية تحت عنوان (على عتبة الشمس) وتحتوى على 43 قصيدة في مجال الغزل، وقد أشارت الدراسات والبحوث حول شعره الى أنه وردت كلمة (العشق) اكثر من 36 مرة في الديوان، وكلمة (العاشق) ثماني مرات. ويبدو أنّ نبي أحمدي اهتم بشعر الغزل أكثر من أيّ بابٍ آخر من أبواب الشعر، مما يعني أنَ الغزل مازال محتفظاً بلقبه (عروس الشعر الكلاسيكي الايراني) الى وقتنا الحاضر .

(نظيرة اسماعيل كريم)

هامش

* الراحلة (نظيرة اسماعيل كريم): هي ابنة شقيقتي الكبرى، كانت شاعرة وقاصةً بالعربية والكوردية، تتقن اللغات الفارسية والكردية والانجليزية الى جانب العربية، ومترجمة منها واليها جميعاً. تخرّجتْ من كلية العلوم/ قسم الجيولوجيا/ جامعة بغداد بدرجة امتياز. عملتْ مدرسةً في كلية الهندسة/قسم جيولوجيا النفط/جامعة بغداد في سبعينات القرن المنصرم. كانت ناشطةً مدنيةً في مجال حقوق الإنسان، رئيسة (منظمة الكورد الفيليين للدفاع عن حقوق الإنسان). لها مؤلفات وبحوث في المجالات الأدبية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية باللغات العربية والكوردية والفارسية والانجليزية. حازت على جوائز تكريمية عديدة. انتقلت الى رحمة الله تعالى صباح الأحد 25.10.2020 إثر اصابتها بالكورونا في مستشفى (آسو) بالسليمانية.

ـ عبد الستار نورعلي ـ

 

رضوان ضاوي'Mohammed und die Katze'

بقلم: لودفيش أوغس

ترجمة عن الألمانية: رضوان ضاوي


جلس النبي سراً ،

مع أصدقائه في الغرفة،

وتكلّم عن الإنسانية والرحمة،

بحديث يشرح الصدر بعميق:

 "من ترك قلباً باكيًا؛

لن يدخل في نعمة الله،

ولن يرحمه الله في الجنّة". 

جلسوا في هدوء طائعين،

فقد علّمّ كلّ واحد منهم،

وفقط جاء مستمع واحد إلى هناك،

حينها احتضن الحيوانَ بنفسه،

فنام أثناء خطبته،

كانت قطّة محمد المفضّلة،

عندما تتملّقه،

على طرف ثوبه؛

تنام، والربّ  يربّت عليها.

سيترك الغرفة إلى المسجد من أجل الصلاة،

فالآن يمكن سماع الآذان بصوت عالٍ

لكن النبيّ لا يعجبه قطّ،

أن يُقلِق نوم صديقته

لذلك اضطرّ لقطع جزء من رداءه،

ثم ذهب للصلاة؛

وأدرك صحابته

تجلّي رحمة النبي.

***

 

.....................

* قصيدة: محمد والقطّ  'Mohammed und die Katze'

* الشاعر: لودفيش أوغس ريتر فون فرنكل هوخفاغت، Ludwig August Ritter von Frankl- Hochwart

 ولد سنة 1810 وتوفي سنة 1894 في فيينا، وهو طبيب وصحفي وشاعر نمساوي.

** ترجمة عن اللغة الألمانية: الدكتور رضوان ضاوي

باحث في الدراسات المقارنة ومترجم. الرباط/ المغرب.

 

 

صالح الرزوقبقلم: ريبيكا روث غولد

 ترجمة: صالح الرزوق


 لفتت يداه انتباهها أكثر من أي شيء آخر. كانتا طويلتين ورقيقتين مثل جسمه. والمدهش علاوة على الشكل كيف استعملهما. فقد شد على يدها بقوة ودون مراوغة في أول لقاء، كما لو أن هذا شيئ طبيعي وليس انتهاكا للثقانون في جمهورية إيران الإسلامية. وربما فاجأها تصرفه، ولم يكن لديها فرصة للتهرب من ذلك. فقد تركت يدها معلقة في قبضته حتى قرر أن يفلتها. مع أنه في اليوم السابق فقط اعتقلت السلطات شاعرا، ساعة عودته من السفر، لأنه مد يده وصافح امرأة. وكم ودت أن تحذره وتقول له: عليك أن لا تقدم على هذه الحماقة. لربما أودعوك السجن لهذا السبب. ثم اختارت الصمت. فهو بالتأكيد يعلم ما يفعل. هكذا قالت لنفسها، ثم من هي لتملي عليه سلوكه في بلاده؟. بعد ذلك لاحظت أنه ترك يديه طليقتين ولم يضعهما في جيبيه. وكذلك لم يسبلهما. وفضل أن تكونا حرتين في نهاية ذراعيه كأي سباح محترف يعرف كيف يضرب الماء ويشق طريقه، ولكن ليس على اليابسة. وكانت الخطوط على راحتيه طويلة تبدأ من معصمه حتى سبابته. ولو طلبت من قارئ الحظ - الذي تكلمت معه في ضريح حافظ في شيراز - أن يقرأ حظه سيتنبأ له بحياة طويلة، يتخللها الزواج السعيد وإنجاب الأبناء. ثم كانت يداه مثل شيء مستقل ومنفصل. وتخيلت أنهما يمكن أن تقدما لها الدفء في الليالي الباردة، وتخففا من آلام ظهرها. كذلك يمكنها أن تطبع عليهما قبلاتها وهو يحضنها. وفي نهاية تلك الليلة الساحرة في طهران، وقبيل الوداع، غامرت وسألته لماذا صافحها. لم يرد عليها. لكنه همس قائلا كأنه يتكلم مع الريح :”أحلم بصناعة معجزة بهاتين اليدين. مثلا أن أكون صانع عطور. وأصنع عطرا مسحورا يساعد على تبديل الأحوال الجامدة في إيران”. لم يكن جوابا مباشرا، لكنه فتح لها نافذة مبهمة على مشارف روحه.

ولتعرف عنه المزيد اتفقت معه على اللقاء في تبليسي. وهناك في جمهورية جورجيا حضنت يديه دون تهيب. وتبادلت معه الكلام بحرية مطلقة - عن السياسة وعن الأمور الشخصية التي لا يجب المساس بها طالما أنت في أراضي الجمهورية الإسلامية. كانت جورجيا شيء آخر. تستطيع أن تتماسك فيها مع امرأة بيديك، علنا، دون أي خرق للقانون. وفكرت: شيء غريب. كيف يمكن للقانون أن يتداخل مع الأخلاق. وأضافت: الأخلاق ثابتة لكن القانون متغير، ومعه تتغير نظرتنا للمسموح والممنوع. لكن أليس شيئا غريبا أن تكون العاطفة والتعبير عن الحب جريمة.

وعندما وضعت يديها على جسمه شعرت بأجزاء منه تسقط وتستسلم لها. ولكن بحدود. وحينما مارسا الحب كانت ترسم بيديها قوس ظهره. كانت تريد أن تحاكي بحركاتها كلمات الحب التي تغازله بها. وأن تلم شمل أجزاء الذاكرة المكسورة والحزينة.

اللقاء التالي كان في أبو ظبي. وهناك لاحظت أن حركات يديه تختلف. وزاد إحساسها بهما. وأرادت أن ترى ماذا ستفعلان بجسدها الخامل. في تبليسي هي من أمسك بزمام المبادرة.أما في أبو ظبي انتظرت منه أن يفعل شيئا. أن يمد يده و يلمسها. أن يعتدي بأصابعه على برودها وموقفها السلبي. كما فعل في إيران. حينما اقترب منها بالعلن. ربما كان يريد إيقاظ القانون النائم. ولكن هذا ما حصل. وسألت نفسها: هل أخطأت في قراءة أسباب تهوره. هل كان يمثّل، ولم يكن يضحي في سبيلها، وغايته استفزاز الدولة والتعبير عن امتعاضه وتمرده، أو امتحان قدرات الحكومة على ضبط النفس؟. أو ربما فعل ذلك احتراما لواجب الضيافة الذي يفترض مصافحة الضيوف كما تعلم. لكن لو الغاية هي حسن الاستقبال والضيافة لماذا لم يفعل ذلك الآن. فالواجب مهمة دائمة !. هل كان للقائه السابق معها معنى استثنائي لم تنتبه له؟. ثم أي قانون يمكن أن يدفعه لمد يده في طهران والاحتفاظ بها باردة وجامدة في أبو ظبي؟.

في لقائها الثاني معه في أبو ظبي. وكانا بمفردهما. لاحظت أن يديه مقيدتان لو قارنتهما مع حاله في طهران وتبليسي. كأنهما من عالم آخر، وعلى جسم آخر، أو في مجرة غريبة. وقررت أن تنتظر حتى يحين الوداع لتسأله لماذا هو بهذه الحال النفسية، ولماذا يتردد في الاقتراب منها. ولكن لحظة الوداع ازدحمت الصالة كما هو الحال دائما. وأصبح صف الانتظار طويلا للغاية مع اقتراب ساعة الصعود للطائرة. كان التوقيت حوالي 5:30 أو أنه 5:35 وكان النهار يبزغ ولكنك تعتقد أنه يوم القيامة. وأعلن مكبر الصوت: رجاء على كل المسافرين إلى طهران التوجه إلى البوابة 6D. وهنا حانت فرصة الكلام - وتوجب عليها أنتصافحه. ومدت يديها نحوه. ولكن كانت يداه مدفونتين عميقا في جيبيه. أعمق من المعتاد. فأجلت الكلام. اليدان أساسا هما موضوع الكلام، وهكذا لم تناقشه بالأمر. ولم تسأل: متى يمكن لهما أن يتماسكا بالأيدي مجددا؟. ثم طلب منها أن تراقب أمتعته ليذهب إلى الحمام. ولدى عودته كان وقت الصعود قد أزف. ولم تجد فرصة للوداع، ولا الوقت اللازم للتحية كما فعلا في طهران وتبليسي. ولم يكن أمامها أي فرصة لتضع يديها في يديه، ولتطبع شكل أصابعه في ذاكرتها، ولترفع أطراف أنامله إلى شفتيها من أجل قبلة، ثم لتخبره أنها بحاجة ليديه في حياتها - مثل حاجتها لكل شيء آخر. لكل قطرة من روحه. ثم فكرت: ربما الزحام أفضل مبرر لتأجيل هذا الكلام المحرج. ولعل الصمت هو الخيار الأفضل. ولم تعلم ماذا يجب أن تقول في الوقت الضيق المتبقي لهما. وهكذا أغلقت عينيها وتخيلت أصابعه تربت على شعر رأسها. وعندما فتحت عينيها كان قد رحل.

 ***

 

...................

ربيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould: أستاذة الحضارة والفلسفة الإسلامية في جامعة برمنغهام. تترجم من الفارسية والروسية. وتكتب القصة والشعر.

* الترجمة عن سيرين بوكس - بالاتفاق مع الكاتبة.

* ترجمة: د. صالح الرزوق

 

 

جميل حسين الساعديللشاعر البيرواني قيصر باييخو

ترجمها عن الإسبانية : جميل حسين الساعدي

سأموتُ في باريس عند هطول المطر.

في يومٍ أنا أتذكّرهُ بالفعل.

سأموتُ في باريس، ولٍم لا؟

ربّما في يومِ خميس ، مثلَ هذا اليوم، في الخريف.

       

سيكون يوم خميس،

لأنّ في هذا اليوم، وهو الخميس ــ حيثُ أكتبُ هذا ــ تؤلمني عظامي

ولم يحدث ابدا لي من قبل بأن أعود هكذا إلى طريقي لأقطعه كله

وأرى نفسي وحيدا .

 

مات قيصر باييخو ،

 رغم أنّـه لم يفعلَ لهم شيئا :

ضربوهُ كلهم بعصا وبشدّة

 

وأيضاً بنهاية حبل

تشهدُ على ذلك أيام الخميس

وعظام الكتف، الوحدة،

المطر والطرق...

***

 

........................

نبذة مختصرة جدا عن الشاعر قيصر باييخو:

بالإسبانية: César Vallejo

 ولد في بلدة تشوكو في جبال الأنديز في البيرو عام 1892، وتوفي في العاصمة الفرنسية باريس عام 1938. ويعتبر باييخو واحداً من أعظم شعراء اللغة الإسبانية في كل العصور، وأكثرهم صعوبة وتعقيداً على الإطلاق. ولكنه يبقى على الرغم من ذلك أحد أوسع الشعراء شعبية .

( نقلا عن ويكيبيديا ـ الموسوعة الحرة)

.......................

النص باللغة الإسبانية

 

Negra Sobre Una Piedra Blanca”:

Me moriré en París con aguacero,

un día del cual tengo ya el recuerdo.

Me moriré en París — y no me corro —

tal vez un jueves, como es hoy, de otoño.

Jueves será, porque hoy, jueves, que proso

estos versos, los húmeros me he puesto

a la mala y, jamás como hoy, me he vuelto,

con todo mi camino, a verme solo.

César Vallejo ha muerto, le pegaban

todos sin que él les haga nada;

le daban duro con un palo y duro

también con una soga; son testigos

los días jueves y los huesos húmeros,

la soledad, la lluvia, los caminos…

 

 

جمعة عبد اللهللشاعر يانس ريتسوس

ترجمة: جمعة عبدالله


حلم الطفل هو السلام

حلم الام  هو السلام

كلمات الحب تحت الاشجار هي السلام

الأب حين يعود في المساء في ابتسامة منشرحة في عينيه

محملاً بزنبيل مليء بالفواكه

وقطرات العرق على جبينه

كأنها  قطرات باردة من جرة على شرفة النافذة

هو السلام

السلام حين يضمد جروح العالم

في حفر القنابل نزرع اشجاراً

في القلوب المحروقة بالنيران، نزرع براعم الامل

عندها ينام الموتى على جنبهم مرتاحين دون شكوى

بأن دمائهم لم  تذهب عبثاً

هو السلام

السلام هو رائحة الطعام في المساء

عندما تتوقف السيارة في الطريق، لا يعني الخوف

عندما يطرق الباب، يعني تحية صديق

عندما تفتح النافذة كل ساعة، يعني سماء

تتكلل العيون بافراح الاعياد . حين تدق الاجراس البعيدة الملونة للسلام

السلام هو كوب الحليب الساخن

وكتاب أمام الطفل عند الاستيقاظ

عندها تتمايل اعواد القمح وتهمس لبعضها البعض

النور . . النور

النور الذي يتألق في تيجان الافق

هو السلام

حين تتحول السجون الى مكتبات

حين ذاك تزغرد الاغاني وتتنقل  من عتبة الى عتبة في المساء

عندها يخرج القمر من سحابة الغيم

مثلما يخرج العامل من محل الحلاقة في الحي

بشوش الوجه ليحتفل بعطلة نهاية الاسبوع

هو السلام

اليوم الذي مضى  ليس خسارة ً

يكون الجذر الذي يرفع اشجار الفرح في المساء

عندها يكون يوماً مريحاً، ونوماً لطيفاً

نشعر بأن الشمس في عجلة في شد رباطها

لطرد الحزن من زوايا الزمن

السلام في اكوام القمح التي تحصد في سهول الصيف

في  ابجدية الخير على ركبتي الفجر

عندما تقول يا أخي .... عندما تقول غداً سوف نبني

نبني ونغني

هو السلام

عندها سيكون للموت مساحات صغيرة في القلب

حين تشير  المواقد بأصابعها المسار نحو  السعادة

نشم عطر القرنفل في ساعة الاصيل

يستنشقها الشاعر البروليتاري . يغني وينشد للسلام

ويصافح الناس بالسلام

السلام هو الخبز الساخن على مائدة العالم

هو أبتسامة  الام

لا شيء غير السلام

في المحاريث التي تحفر عميقاً في كل أخاديد الارض

تكتب أسماً واحداً

السلام .... لا شيء غير السلام

فوق حروف القصيدة

في القطار الذي يتجه الى الغد

محملاً بالقمح والازهار

هو السلام

أخوتي :

مدوا أياديكم لنصافح السلام .

***

 

..........................

ملاحظة: حرصت على تدوين المفردة (زنبيل) كما جاءت في نص القصيدة، وهي تحمل نفس المعنى واللفظ في اليوناني والعربي . ولم اكتب مفردة السلة

وهذا رابط الفيدو بصوت الشاعر مع موسيقى الموسيقار ميكس ثيدروداكيس

https://youtu.be/CEh-R9eWwoE

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجريّة: عامر كامل السامرائي


حين لا تكونين هنا، لا أدري أين أنا. الدار تفرغ.

تريد الستائر أن تفرَّ من النافذة.

على المنضدة مفاتيح، وعلى الأرض حقائب

نُسِيتْ مفتوحة لرحلاتٍ قديمة، بملابس ٍ غريبة -

لوازمٌ لفرقة مسرحيّة: كانت لامعة، ثم اختفت

فذاتِ ليلةٍ انتحرت نجمة الفرقة الجميلة على خشبة المسرح.

حين تكونين بعيدة، هناك في الشارع جنود يركضون. ونساء تصرخ.

حمالو النقالات يأتون، يتوقفون. فِرَقُ الإنقاذ بزيّ أبيض، يُلملِمون الجرحى من على الإسفلت، ويحملونني أنا أيضاً.

يأخذونني إلى مستشفى بلا أسرة. أُغمض عيني، مثل طفل محاط بالأبيض المُميت.

ممرضة تبقى في الحديقة، قرب النافورة، تنحني لتجمع زهوراً بيضاء، رُبَما نفضتها الرِّيحُ عن شجرة سَنط.

ثُمَ فجأة - يُفتحُ البابُ، فتدخلينَ ومعكِ سلَّة: فتفوح منها رائحة الكمثرى الناضجة.

"أنائمٌ أنتَ؟" يسألُني صوتكِ. " أنمتَ وحدكَ؟ ألمْ تنتظرْني؟"

أفتحُ عيني، ها هو الدار، وها أنا هنا.

والكرسيِّان الأحمران، وعلبة كبريت على المنضدة.

آه، الضوء الأبيض الناصع. آه، الحب-الحب، دمٌ أحمر!

***

 

..........................

نبذة عن حياة الشاعر:

تجدونها في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: يانيس ريتسوس

 

فوزية موسى غانمللشاعر الأمريكي : البرتو ريوس

ترجمة: فوزية موسى غانم


يعطي النهر رحلته

 للنهر الأخر.

 

نحن نعطي لان شخصا ما أعطانا.

 

نحن نعطي لان شخصا ما لا يعطينا.

نحن نعطي لان العطاء يغيرنا.

 

نحن نعطي لان العطاء باستطاعته أن يغيرنا.

قد نكون أفضل فيه،                                               

وقد يجرحنا-

 

للعطاء عدة وجوه : يكون عالي وهادئ،

كبير، صغير، ماس في مسامير الخشب.

 

قصته قديمة،  حبكتها ممزقة والأوراق كذلك،

ولكننا على كل حال نقرأ هذا الكتاب مرارا وتكرارا:

 

العطاء هو الأول وفي كل مرة يد ليد،

لك لي، ولي لك.

 

أعطيتني  أنت الأزرق، وأنا أعطيتك الأصفر.

ونحن معا نكون الأخضر ببساطة، أعطيتني أنت

أنا أعطيتك ما لم تملكه،

وما يجب أن أعطيه- معا صنعنا

 

شيئا أعظم من الاختلاف

***

 

..........................

البرتو ريوس (1952): أكاديمي وكاتب أمريكي، ومؤلف لعشرة كتب في الشعر وثلاث مجموعات من  القصص القصيرة ومذكرة آب  في سنة 2013. وحصل على لقب أول شاعر في ولاية أريزونا، وظل البرتو حامل اللقب  حتى عام 2015. 

رابط القصيدة بصوت الشاعر

https://poets.org/poem/when-giving-all-we-have

 

 

 

سوران محمدمجموعة قصائد قصيرة لـ «بروتيغان»

- مهداة الی المثقف الواعي جمعة عبدالله -

ترجمة: سوران محمد


١

-٣٠ سنتاً أجرة راكبان، حبا-

فكرت فيك كثيرا

الی أن ركبت الحافلة

ودفعت الأجرة ٣٠ سنتا

طلبت من السائق تذكرة نفرين

قبل ان أكتشف

أنني کنت

وحيدا.

٢

- ملاصق مع النسيان مثل مفصل الباب-

ملاصق مع النسيان

مثل مفصل الباب،

أغلقت ببطء خارج

النظر،

وهي المرأة التي أحببتها،

قد نامت مرات عديدة أثناء مداعبتي

كغزال ميكانيكي،

وأنا آلمت صمتا معدنيا

في أحلامها

٣

- مسارات الغزلان –

جميل حين توءنن

عالية

ثم تصمت كذبا

مثل مسارات الغزلان

علی الثلج المتساقط حديثا

بجنب الشخص الذي تحبه

هذا هو كل شيء.

٤

- أشعر بالفزع هي لا-

أشعر بالفزع،

هي لا تحبني

وأنا أتجول

مثل ماكينة الخياطة

انتهت من حياكة البراز

لرأس علبة القمامة.

 

٥

- طريق مسدود -

تحدثت اليها بتحية حارة

لكنها تحدثت أفضل مني

بقولها الوداع

٦

- خشب -

سنشيب في الظلام كالخشب

ونشاهد أشباحنا حينما يتغيرون

ملابسهم

كالالواح والطاولات

لغرض ما، يمكن أن يوصف هذا

بالخشب .

***

 

..............................

من هو الشاعر والروائي ريتشارد غاري بروتيغان؟

* ولد الشاعر في 30 يناير 1935 في مدينة تاكوما، واشنطن، الولايات المتحدة.. بدأ مشواره‌ الادبي في أواسط الخمسينيات للقرن الماضي، كان متأثرا بكتاب كالـ: جاك كيروك، تشارلز بوكوفسكي، إرنست همينغوي، كارلوس وليم كارلوس، له‌ العديد من المؤلفات مابين الشعر والقصة والرواية، من اهم رواياته (صيد سمك سلمون المرقط في أمريكا) 1967.

وقد تميز بأسلوبه الخاص والنادر في الكتابة، حيث كان يمتزج بين الفكاهة والجد لرسم واقع خيالي أو بالاحرى كي ينسى بهذه الطريقة مأسي حياته الشخصية و ينتقد الواقع الاليم في نفس الوقت.

كان للبؤس والحرمان و التهميش حضورا دائما في حياته و داخل نتاجاته الادبية، ففي عام 1956 على سبيل المثال قام بكسر زجاجة شباك لمركز للشرطة كي يسجنونه‌ حيث سيكون بوسعه الحصول على الاكل اللازم في السجن، لكنه سرعان ما خاب ظنه عندما تم تحويله الى المستشفى النفسي لتلقي علاج الشيزوفرينيا والبارانوي – العلاج بالصدمات الكهربائية آنذاك-

انتهى مشواره الادبي عندما انتحر في بولنيسا، كاليفورنيا في 16 سبتمبر 1984 عن عمر ناهز ٤٩ عاما..

* أما بالنسبة لأسلوب کتابة قصائده فهي وليدة اللحظة، حيث تمتاز أكثر القصائد بالقصر والاختصار، لكن يستعمل مضامينها الساخرة كوسيلة للتعامل مع مجريات الامور و ما يدور في محيط الشاعر، خاصة أثناء تداوله مواضيع حساسة و مهمة، فهو لم يكن يأخذ في الحسبان أي قيود يمنعه من كتابة ما يشاء، لذا نراه احيانا يقفز على المعنى و يعبر عن ما في داخله بشكل اعتباطي ..

صحيح اننا كقراء لم نتعود على هذا الاسلوب، لكنه عالميا يحظى بشعبية واسعة خاصة من الجيل الصاعد، و له سمعة لا نظير لها مقارنة بكتاب جيله بسبب اسلوبه المتميزة في الكتابة، في حين يعتبر بعض النقاد اعماله بالشطحات و يرونه انه لا يلتزم في نصوصه بأي قيود أدبية و لغوية و يستعمل مصطلحات غريبة وصور عجيبة نوعا ما..

ولم أجد وصفا أدق لأسلوبه في الكتابة غير الذي کتبت عنه في  جريدة الحياة ذات مرة: (أن قصائد بروتيغان هي من بين النصوص الأكثر ابتكاراً في الأدب الأميركي الحديث، سواء بالدعابة المسيَّرة داخلها أو باستعاراتها الغريبة أو بالتلاعب الفريد في صياغتها. ولا عجب في ذلك، فبروتيغان كان يعتبر الشعر أرضية مثالية لإعادة ابتكار الذات. وهذا ما يفسّر الأشكال المتنوّعة التي تحضر فيها هذه النصوص: قصائد هايكو عرجاء، سونيتات مخرَّبة عمداً، عناوين صحف، إعلانات ذات فائدة عامة، أفكار تتداعى بطريقة آلية، نشرات جوية سورّيالية، شذرات سير ذاتية، مزامير، أوراق نعي، شتائم، قصائد تقتصر على عنوانها أو يتجاوز هذا الأخير بحجمه نصّها، من دون أن ننسى التجليات على طريقة جايمس جويس أو النكات الماركسية أو اليوميات المقطّعة).

 

 

عادل صالح الزبيديالشاعرة: لندا باستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


الإيمان

الى آيرا

بختم العلم

الذي يزين

جبهتك،

مثل ختم الموافقة

على إدارة شؤون المنزل الجيدة القديمة،

اصدق ما تقوله لي

عن الخلايا والجزيئات،

رغم إنني لا أراها.

 

ورغم أن اللغة التي تتكلمها

مليئة بالأرقام والرموز،

التي لن افهمها أبدا؛

رغم أن ربطة عنقك مائلة

وشعرك أشعث، مع ذلك اصدق

ما تقوله عن حجم الكون،

الذي لا يتمدد ولا يتقلص،

نسيت قبل الآن أيهما.

 

لذا فان أخبرتني غدا

انك أخطأت في الحساب قليلا،

إن الرب خلق العالم فعلا

في 6 أيام قصيرة، ثم استراح في السابع،

وان حواء هي التي وضعتنا

في كل هذه المشاكل، فسوف أصدقك.

كنت سأصدقك

مثلما كنت أصدقك دائما من قبل.

***

 

..........................

لندا باستن: شاعرة أميركية من مواليد نيويورك لعام 1932. شغلت منصب شاعرة ولاية ميريلاند للسنوات 1991-1995. نشرت ما يربو على 107 كتب بين مجموعة شعرية ومجموعة أغاني راب ومقالات وحازت على العديد من الجوائز. من بين عناوين مجموعاتها: (دائرة تامة للشمس) 1971؛ (في الطريق الى حديقة الحيوان: قصائد) 1975؛ (مراحل الحزن الخمس) 1978؛ (بانتظار حياتي) 1981؛ (أبطال متنكرون) 1991؛ (ملكة بلد مطير 2006 )؛ و(الضوء المسافر) 2011.

 

 

جمعة عبد اللهللشاعر يانس ريتسوس

هذا المقطع الاول من قصيدة طويلة تشكل ديوان شعري بنفس الاسم

ترجمة: جمعة عبد الله


(ليلة ربيعية في غرفة كبيرة في بيت قديم. أمرأة عجوز لم تشغل الضوء، وانما يدخل ضوء القمر من خلال النافذتين. نسيت ان اذكر بأن المرأة العجوز، المرتدية الثياب السوداء، أصدرت مجموعتين أو ثلاثة من الشعر ذات الاهتمام الديني. المرأة العجوز ذات الثياب السوداء، تتحدث الى الشاب)

دعني أذهب معك.

ياله من القمر الليلة. القمر لطيف لم يظهر شعري الابيض، وانما ضوئه سيعيده مجدداً الى اللون الذهبي

أنت لا تفهم ذلك.

دعني أذهب معك

عندما يكون هناك القمر، تنمو ظلاله داخل البيت. تتسلل ايادٍ خفية تسحب الستائر

واصبع خفي يكتب على غبار البيانو. كلمات منسية، لا احب سماعها. أهدأ

دعني أذهب معك

الى ساحة المدينة في منعطف الشارع، تجد المدينة الاسمنتية. مبللة، مبيضة بضوء القمر. تهب عليها نسائم الريح. غير مبالية بذلك

واثقة مثل الميتافيزيقية.

تستطيع ان تعتقد أنك موجوداً، او غير موجود، أو لم تكن موجوداً على الاطلاق، لا وقت للهراء

دعني أذهب معك

نجلس قليلاً على شرفة التل، تهب علينا الرياح الربيعية

نستطيع ان نتخيل بأننا سنطير في الهواء.

كثير من الاحيان اشعر بذلك، اسمع حفيف ضجيج ثوبي، يتحول الى جناحين قويين، يخفقان بقوة في الهواء ويرتفعان في الاعالي، عندها تشعر بجسمك. رقبتك. اضلاعك. لحمك. عضلاتك تشتد بقوة في الفضاء الازرق وتعلو. عندها لا يهم اذا ذهبت و أو عدت.

ولا يهم لون شعري الابيض. ليس ذلك حزني. حزني ان لا يتحول قلبي الى اللون الابيض،

أعرف كل راهب يمشي بالحب

وحيداً في المجد والموت

أعرف ذلك. جربته لكن لم أفلح

دعني اذهب معك

هذا البيت العتيق يثير أشجاني، يطردني بعيداً

أعني أنه قديم جداً. متهالك تتساقط مساميره، تتقشر حيطانه وتسقط في فراغ الصمت

مثل ما تسقط قبعة المتوفي تعلق في حظيرة مظلمة

مثل القفاز الصوفي تتهرى خيوطه

مثل شريط ضوء القمر يسقط على الكرسي المنزوع الاحشاء.

كان فيما مضى مريحاً، لا تنظر الى صورته الحالية بعدم التصديق والشك

كان يمكن ان تجلس عليه لساعات طويلة، تغمض عينيك وتروح تحلم بعشوائية

شاطئ رملي. مبلل. مصقول بلمعان ضوء القمر.

أكثر لمعاناً من اشيائي القديمة، التي اعطيها كل شهر الى الملمع في الزاوية.

أو قطعة قماش قارب الصيد تتوارى في البعيد تجر انفاسها.

أو قطعة القماش المثلثة مثل المنديل المطوي على الجانبين

لا يمكن ان امسك شيئاً مغلقاً

المناديل تذكرني بلحظات الوداع، المشغوفة فيها في التلويح

لا شيء من بذور زهرة ( الخاموميلي )÷ التي اجمعها من الحقول عند الغروب

اربطها بأربع عقد مثل قبعة العمال الكلس

أغسل عيوني بها، حتى احافظ على بصري. لم اضع النظارات ابداً.

أنا مشغوفة بالمناديل اطويها الى اربع. الى ثمانية. الى ستة عشر، حتى تظل أصابعي مشغولة. تذكرني عندما كنت اعد نغمات الموسيقى، عندما كنت أذهب الى المعهد الموسيقي، بثوب ازرق وياقة بيضاء

مع ضفيرتين ذهبيتين.

× زهرة ( الخاموميلي ) هي زهرة خضراء في لب ابيض، وهي احدى الانواع الشاي المشهورة جداً في اليونان، اكثر من شاي النعناع، او شاي الجبل، او الشاي الاسود المشهور في الشرق، أو اي نوع اخر . هذا نوع من الشاي يقطع زهرته الخضراء في الماء المغلي ويشرب بنكهة رائحة الورد دون اضافة سكر، وايضاً عندما يبرد الماء يستخدم لغسل العيون من الدمبل وخاصة عند كبار السن.

 

.................................

* وفي ارابط أدناه، قراءة القصيدة بصوت الشاعر يانس ريتسوس.

https://youtu.be/V6d-_G6ugBA