صمت عن أحدهما في محنته وجار على الآخر فارضاً عليه الصمت وطأطأة الرأس

"التاريخ ليس نصاً أو سرداً، ولكنه كسبب غائب لا يمكن الوصول إليه إلا في شكل نصي، ولهذا فإن مدخلنا إليه وإلى الحقيقي نفسه يمر بالضرورة عبر الشكل النصي المسبق والسرد في اللاوعي السياسي."

فردريك جيمسون


الجزء الأول: فرض الصمت وطأطأة الرأس على محمود ود أحمد

هنالك مداخل متعددة للتعامل والتفاعل مع الخطاب ما بعد الكولونيالي / ما بعد الاستعماري، ولعل أفضلها هو التعامل مع المنظور على أنه نقد للتاريخ. وتمثل هذه الأطروحة المحور الأساسي الذي تدور حوله جميع القضايا التي يثيرها روبرت يونغ في كتابه "أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب." وأساطير بيضاء، كما سيلاحظ البعض، مستعارة من مقال جاك دريدا "الأسطورة البيضاء والمجاز في النص الفلسفي." وبهذه الاستعارة يكشف يونغ عن مديونيته للكتابات البنيوية ومن بينها كتابات ليفي استراوس التي ترفض التفسير الماركسي للتاريخ  وتقترح بدلاً عنه تواريخ متعددة محتجة بأن التاريخ كوحدة كاملة وجامعة وشاملة ليس أكثر من "أسطورة بيضاء." وبالإضافة إلى دريدا وفوكو وليفي استراوس، فإن كتاب يونغ يتكئ على بعض المواقف النظرية لإدوارد سعيد وهومي بابا وغاياتري سبيفاك، وجميعهم من أعمدة النقد ما بعد الكولونيالي.

وهنالك جامعٌ بين الذين ذكرت وآخرين بحثوا وكتبوا في كيفية التعامل مع تبعات الاستعمار والانتباه إلى دور السرد في تشكيل الوجدان وإعادة الاعتبار، والجامع هو الاتفاق على أن تحرير الإنسان المستعمر - في المحيط الإفريقي - يتحقق عن طريق استرداده لكرامته التي أهدرتها التجربة الاستعمارية ووظفت لامتهانها عوامل التاريخ والميثولوجيا والأيدلوجيا. والعلاقة بين ثلاثي التاريخ والميثولوجيا والأيدلوجيا علاقة وثيقة، قديمة ومتجددة، يمثل السرد لُحمتها وسُداها. ولهذا السبب تداخلت وتشابكت في مساهمات المبدعين الأفارقة، وبخاصة أولئك الذين عنوا بقضايا الهويات الثقافية والقومية مثل شينوا أشيبي وولي سوينكا ونقوقي وا ثيونقو ونور الدين فرح.

ويهمني عند هذا المنعطف التنويه إلى مركزية إحدى أطروحات بروفيسور علي مزروعي حول الهوية والقومية والسرد والتاريخ في السياق الإفريقي. والأطروحة التي أعني هي تلك التي يمضي فيها بروفيسور مزروعي على خطى أرنست رينان ليقول "إن العامل الحيوي في تكوين الأمة هو أن تسترجع تاريخها مغلوطاً." فمزروعي يدرك هنا، كما أدرك قبله رينان، أهمية السرد في تكوين وتشكيل الوجدان القومي، وبخاصة ذلك السرد التاريخي الذي يصيب هدفاً ويمضي به إلى مُنتهى غايته عندما يؤخذ مغلوطاً. ولا بد من التأكيد هنا على أن دعوة بروفيسور مزروعي ليست مسوغاً للتزوير أو مبرراً للتزييف، وإنما هي دعوة للإنتقاء الذكي والتقديم والتأخير والتحوير والتعديل وتغليب الجوانب الإيجابية على المناحي السلبية من أجل انتزاع مشاعر الظفر من بين براثن الهزيمة. وهذا ما دأبت على ممارسته بوعي وانتباه نخبة من الروائيين الأفارقة. ومع أن محاولاتهم أثارت كثيرا من الاهتمام، وبعضا من الجدل، فمن الثابت أنهم لم يأتوا بشيئ مستحدث تماماً أو مستهجن، إذ فعله قبلهم أندريه مالرو الذي تجاهل في روايته "الأمل" هزيمة الجمهوريين في الحرب الأهلية الاسبانية وجعل ثقل روايته يرتكز على البدايات الناجحة للجانب الجمهوري، كما فعل ارنست هيمنغوي شيئاً مشابهاً في روايته هو الآخر عن الحرب الأهلية الأسبانية "لمن تقرع الأجراس."

وبالنظر إلى السياق الإفريقي نجد أن هذا النسق يمكن رصده عند نقوقي في محاولته إعادة كتابة المواجهات الاستعمارية مع الجماعات الكينية، وعند نور الدين فرح في مشروعه الروائي الذي يهدف به "إعادة كتابة الصومال التي أساء كتابتها سياد بري"، وكذلك سمبيني عثماني الذي آثر أن يحسم الصراع لمصلحة العمال في "غابة الله الصغيرة" التي يحتفي فيها بانتصار العمال في إضراب السكك الحديدية في غرب إفريقيا في 1947، والذي انتهى في واقع الأمر بهزيمتهم. وعلى الساحة النيجيرية فعل ذلك أيضاً سباستيان مرو في روايته عن الحرب الأهلية "وراء الشمس المشرقة". كما فعل ولي سوينكا شيئاً مشابهاً في "الموت وخيّال الملك." وعندما ثار جدل حول أنه لم يلتزم بحرفية التاريخ، استعاد المدافعون عن المؤلف والمسرحية تفريق الفيلسوف والشاعر والمسرحي الألماني فريدريش شيلر بين المحاكاة التاريخية والمحاكاة الجمالية. والشاهد هنا أن المحاكاة الجمالية هي في كثير من الأحيان أعظم تأثيراً من المحاكاة التاريخية في تحقيق غايات مشروع إعادة الاعتبار وتعمير الوجدان القومي، حتى وإن تناقضت معطياتها مع الوقائع التاريخية.

والنموذج الأكثر بروزاً لأخذ التاريخ مغلوطاً على ساحة الأدب السوداني هو ما فعله عبد الواحد عبد الله يوسف في نشيد الاستقلال عندما قال: "كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية.. خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية.. والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية.. ما لان فرسان لنا بل فرّ جمع الطاغية". وعبد الواحد يعلم جيداً أن أجدادانا لم ينجحوا في تشتيت كتل الغزاة الباغية ولم يجبروهم على الفرار، ولكنه عندما قال ذلك لم يقله جاهلاً بما حدث أومفترياً على الحقيقة، وإنما قاله استجابة لدواعي المحاكاة الجمالية كجزء من محاولة رد الاعتبار في مشروع تعمير الوجدان القومي.

وعودة إلى الإطار الروائي الإفريقي لن تفوتنا ملاحظة محاولة العديد من الروائيين العودة للاتصال بالنقطة التي مزق عندها الاستعمار نسيج التطور التاريخي للقارة والتوقف عندها، وتأتي بعدها محاولة رتق ذلك الفتق الذي أحدثته نصال التاريخ والميثولوجيا والأيدلوجيا. وتعتمد عملية الرتق بشكل كبير على السرد الذي تحاول بواسطته المستعمرات (الإمبراطورية) أن ترد على الحواضر الأوروبية (المركز). ولهذا تجاوزت مقولة "الإمبراطورية ترد كتابة على المركز The Empire writes back to the Centre" المأخوذة من مقال لسلمان رشدي، مجرد أن تكون صيحة حرب، لتصبح منصة انطلاق تحتشد عندها الجهود لمواجهة الصلف الاستعماري الذي تغذيه الأساطير البيضاء.

هذه المقدمة، وإن طالت، فهي ضرورية في محاولة معرفة الأسباب التي دفعت الطيب صالح أن يفعل شيئاً فريداً في "موسم الهجرة إلى الشمال"، إذ أنه لم يقتنع بالمحاكاة التاريخية عند منعطف هام من منعطفات الرواية واختار بدلاً عنها محاكاة جمالية. ولكن خلافاً لما هو متوقع فإن المحاكاة الجمالية المختارة لم تحاول تعمير وتعزيز الوجدان القومي، وإنما أحدثت تأثيراً يناقض تلك التوجهات، ويهزم تلك الغايات. فبدلاً عن اختيار جانب إعلاء لحظة ترد فيها الإمبراطورية على المركز ردا يفيض بالبلاغة والكبرياء، اختار تاريخاً مغلوطاً فرض فيه الصمت والخنوع على واحد من أوائل أبناء الإمبراطورية، إن لم يكن أولهم على الإطلاق، الذين ردوا على المركز نظرة بنظرة، وكلمة بكلمة، ووعداً بوعيد، على الرغم من أنه كان حينها يرسف في القيود.

يقول السرد في "موسم الهجرة إلى الشمال": "حين جيئ لكتشنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا قال له: لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب؟ الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، وصاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً." ولفترة من الزمن وأنا عاكف على دراسة تجمع بين نقوقي والطيب صالح ونور الدين فرح تحت عنوان "سرد الإزاحة"Displacement  Narratology of بجامعة نوتينقهام ترنت بالمملكة المتحدة كنت اتساءل كثيراً لماذا عندما أخذ الطيب صالح جزئية من تاريخ بلاده مغلوطة لم يفعل ذلك لتعزيز الشعور بالزهو القومي وإنما ليفعل بها عكس ذلك تماماً؟ وعندما نظّم مركز الدراسات السودانية بالمملكة المتحدة ندوة في سبتمبر 1998 تحت عنوان "السودان: مائة عام بعد  أم درمان: التاريخ والحداثة والهوية" وجدت نفسي قُبالة ذلك السؤال اللجوج وأنا استمع إلى مساهمة الأستاذ محمد خلف الله التي حملت عنوان "1898 وما بعده في موسم الهجرة إلى الشمال." وكان هذا سياق ينادي بطرح السؤال الذي وجهته للمحاضر عن مشروعية ومبرر مجافاة الطيب صالح للتاريخ وفرض الصمت وطأطأة الرأس على محمود ود أحمد في تجاهل لمقومات الخطاب ما بعد الكولونيالي وتطبيقاته السردية. خاصة وأن الواقعة بما فيها من مكونات درامية توفر فرصة رائعة لترتيب منازلة بين الإمبراطورية والمركز تقطع شوطاً في محاولة ترويض التوتر الذي ينشب عادة داخل الرواية ذات الطموحات التاريخية بين التماسك المفترض للبنية الروائية وتشظي الوقائع التاريخية، أو إن شئت بين التماسك المفترض للوقائع التاريخية وتشظي البنية الروائية.

وتضمنت مداخلتي إشارات محددة إلى بعض ما فعله وقاله محمود في مواجهته المدوية مع كتشنر وفقاً لما أورده شهود عيان جاءوا بمعية الجيش الفاتح. وسرعان ما تبين لي أن الأستاذ محمد خلف الله لم يكن راغباً في تعكير صفو لقاء نهنئ فيه أنفسنا بقيمنا و أخلاقنا وتسامحنا وبأديبنا الكبير الذي لم يعجبه ذلك فتطوع برد مطول اشتمل على مقاربة بين ممارساته الفنية وشكسبير، وحق كل مبدع في إعمال الخيال، كما تحدث عن تفريقه بين بريطانيا والاستعمار، وعن أن روايته تعتبر واحدة من أكثر الروايات الإفريقية معاداة للاستعمار، وأهم من هذا جميعه أكد أنه يقبل النقد، ولكنه يرفض التزوير. قال الطيب صالح ذلك أمام حشد من الباحثين والدارسين والمهتمين مؤكداً بشكل قاطع أنه ليس هنالك من يدري بما دار بين محمود وكتشنر، وإن ما ورد بينهما في الرواية هو نتاج مباح ومتاح لخيال المؤلف. وكما هو متوقع في مثل هذه المواقف التي يتطاول فيها أحد المشاغبين على واحد من الكبار – ليس فقط واحداً من الكبار وإنما عبقري الرواية العربية لا أقل – ظهر عند الكثير من "المعجبين" أنه ليس من الأدب في شيئ إفساد الأجواء الاحتفالية بأسئلة عن المشروعية والمتطلبات الفكرية والتفسيرات الأيدلوجية وما بعد الكولونيالية وما إليها، حتى وإن كان الجمع قد التأم أساساً تحت ذريعة البحث في "التاريخ والحداثة والهوية." لقد رحل الطيب صالح عن دنيانا ولم يعد بمقدوري أن أثير حفيظته أكثر مما فعلت في ذلك اليوم الصيفي الإنجليزي البديع، ولكن النظر إلى أبعاد أعماله، وتبعات أفعاله، وأصداء أقواله لن يتوقف برحيله.

ولن أتوقف هنا إطلاقاً عند قرب التماثل أو بعده بين عبقري الأدب الإنجليزي وعبقري الرواية العربية، ولكن لا بد لي من التوقف قليلاً عند محاولة عبقري الرواية العربية التفريق بين بريطانيا، أو أي من الدول الاستعمارية الأخرى والاستعمار، لأقول إن دهاقنة الاستعمار لم يفرقوا بين الاثنين، بل أنهم لم يفرقوا بين الاستعمار والجنس الأبيض. فالاستعمار، مثله في ذلك مثل الاسترقاق، ليس فقط تحقيق لنية توسعية أو مجرد استجابة لحاجة اقتصادية، وإنما هو أيضاً تعبير بذئ عن موقف عنصري أحاطت به وعبرت عنه كلمات لورد لوغارد، أول حاكم عام بريطاني لنيجيريا التي تقول في صفاقة مطلقة: "نحن نقبض على زمام الأمور في هذه البلاد لأنها من عبقرية جنسنا أن يستعمر ويتاجر ويحكم."

كما سأتوقف أيضاً قليلاً عند الزعم بأن "موسم الهجرة إلى الشمال" واحدة من أكثر الروايات التي كتبت في إفريقيا معاداة للاستعمار لأقول أن تلك مسألة تختلف حولها ولا تتفق عليها جميع وجهات النظر، وأن ذلك الزعم قد لا يصمد إذا نظرنا إلى الرواية من ذات المنظور الذي نُعاين به روايات نقوقي وا ثيونقو وسمبيني عثماني، وشينوا اشيبي وكامارا لاي، أو حتى إذا قصرنا النظرعلى روايات إفريقية تحمل عناوين مشابهة مثل رائعة آي كوي ارما: "ألفان من المواسم" أو رواية سوينكا "موسم الخروج عن المألوف." ثم أنه حتى إذا سلمنا جدلاً بأن الرواية هي أكثر الروايات معاداة للاستعمار فإن هذا لا يمنحها حصانة تضعها  فوق النقد والفحص والمراجعة. إن المتابع لقضايا ما بعد الكولونيالية والأدب لن تفوته الإشارات المتعددة في الكتابات النقدية إلى "موسم الهجرة إلى الشمال" مثل دراسة خيري دومة التي تحمل عنوان "عدوى الرحيل: موسم الهجرة إلى الشمال ونظرية ما بعد الاستعمار"، ودراسة ساري مقدسي "إعادة سرد الإمبراطورية: موسم الهجرة إلى الشمال وإعادة ابتداع الحاضر." والدراستان تستحقان الانتباه والتقدير، وعلى الرغم من أي نقص أو قصور يلحق بهما، فقد سلمتا بشكل عام من مثالب الجزء الغالب من النقد الأدبي العربي الذي يُعاني من متلازمات الوهن وخداع الذات والإنكار والخبل.

وفي دراسته آنفة الذكر يصف ساري مقدسي "موسم الهجرة إلى الشمال" بأنها "مداخلة راديكالية في مجال الخطاب ما بعد الكولونيالي العربي." وهنا تكمن قيمة مساهمة مقدسي وضعفها في آنٍ واحد. فعلى الرغم من ان رائدين من رواد الخطاب ما بعد الكولونيالي، البرت ميمي التونسي المولد والنشأة، وفرانتز فانون الذي تبنى الثورة الجزائرية وتبنته، خرجا من بين ظهرانينا، فقد ظل ذلك الفكر غريباً يتسول الإنتباه على هامش الثقافة العربية. لقد أنتج ميمي وفانون فكراً مُتحرراً ومُحرِراً مُتمثلاً في "المستعمِر والمستعمَر" The Colonizer and the Colonized لميمي، و"بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" Black Skin, White Masks لفانون. ولكن ذلك الفكر لم يستطع أن يغرس له جذوراً في تربة الثقافة العربية التي لا تثق تماماً في أسماء مثل البرت وفرانتز وإدوارد. وعليه، ولأسباب أكثر عمقاً، لم يتم استيعاب إدوارد سعيد كاملاً ضمن مكونات النقد العربي الذي لم يتجاوز حتى اللحظة "بداياته" Beginnings  التي تتناول مكونات الخيال والفعل والكوابح التي تعرقل عمليات الخلق والإبداع التي تنبثق من أعماق النوايا الإنسانية الطموحة لتصطدم بإمكانيات ووسائل التحقيق المحدودة. فالفكر العربي الذي يؤثر فيه سعيد، بعد سنوات من الرفض والشجب والتشكيك والتخوين (والنموذج الأعلى صوتاً هنا هو "الاستشراق والاستشراق معكوساً" لصادق جلال العظم)، هو ذلك الذي تتبدى من بين ثنايا اهتماماته هواجس الإستشراق ونوازع الحداثة، ولكن ليس هموم ما بعد الكولونيالي واهتماماته.

ولهذا فإن محاولة مقدسي الربط في السودان بين الخطاب ما بعد الكولونيالي والمشروع العربي للحداثة لم ولن تمضي به بعيداً. فعلى الأرجح أنه لا يدري أن العربية في السودان – لغة وثقافة وتوجهاً – ليست دائماً دافعاً للتحرر أو محفزاً للتحرير. بل أنها في كثير من الأحيان عامل من عوامل القهر والاستلاب. ولهذا فإنه من السخرية بمكان أن يتصدر حديثه عن الخطاب ما بعد الكولونيالي في النطاق السوداني الاحتفاء بالمساهمات الحداثية لرفاعة رافع الطهطاوي، وهو القائل:

وما السودان مقام مثلي ولا سلواي فيه ولا سعادي

ولولا البعض من عربٍ لكانوا سواداً في سوادٍ في سواد

وأنا إذ أعيد ما جادت به قريحة الطهطاوي لا تخالجني ذرة إنكار لسواد السودان أو شعور بالدونية حيال  سودانويته، ولكني قصدت تعرية هذا الموقف الطهطاوي البغيض الذي لا يتجاوز في "حداثته" موقف المتنبي من كافور الأخشيدي.

ورغم إغراء الاستطراد في رصد المظاهر العربية السالبة في رؤية السودان والسودانيين، مروراً بفستق العبيد واقتراح تسمية جامعة الدول العربية عند انضمام السودان إليها بجامعة الدول العربية والسودان، فسأكبح جماح الاستطراد وأعود للحديث عن التاريخ والسرد في "موسم الهجرة إلى الشمال" مع التركيز على التناقض الصريح بين تأكيد الطيب صالح رفضه للتزوير وبين ممارسته له. ذلك أن الذي حدث بين محمود ود أحمد والسردار هوراشيو هربرت كتشنر قد ضمته بطون الكتب، ورصدته عدسات الكاميرات، وحملته صفحات الصحف والمجلات. ففي كتابه "السباق إلى فشودة" كتب ديفيد ليفرنق: "لقد انتهى القتال بالنسبة لمحمود، ولكن روحه توقدت عند تقديمه لكتشنر. وقد أعجب واتكينز واستيفنز بالحوار بين كتشنر ومحمود ود أحمد: "هل أنت الرجل محمود؟" فرد عليه القائد الأبي: "نعم أنا محمود، وأنا مثلك في المقام." "لماذا جئت للقتال هنا؟" تابع كتشنر بغرابة إذ أنه هو الذي توغل لخمسمائة ميل داخل بلاد محمود الذي رد عليه قائلاً: "لقد أتيت مُنفذاً للأوامر، مثلك تماما."

والإشارة إلى إعجاب استيفنز بمحمود مسألة بالغة الأهمية إذ أنه شاهد عيان شديد التأثير وعميق التأثر. ففي مراسلاته لصحيفة "ديلي ميل"، كما في كتابه "مع كتشنر إلى الخرطوم" كتب عن مثول محمود ود أحمد أمام كتشنر: "لقد وقع محمود في الأسر. عثر عليه أفراد الفرقة العاشرة السودانية عند تمشيطهم للزريبة. لقد وجدوا محمود مفترشاً فروته وإلى جانبه سلاحه على عادة الزعماء المهزومين في استقبالهم للموت، فلم يقتلوه وقاموا بإحضاره حاسر الرأس أمام السردار. كان طويلاً داكن اللون بين الثلاثين والأربعين. كان يرتدي جلباب الدراويش الذي يُحاكي قميص المهدي المرقع، ولكنه كان يوشيه بالذهب. كان وجهه ضيق الخدين إذ كان عربياً خالصاً، وكانت قسماته قاسية ولكنها نبيلة. لم يكن ينظر يمنة أو يساراً وهو يتقدم نحو السردار منتصب الرأس، فسأله السردار: "هل أنت الرجل محمود؟" فرد: " نعم أنا محمود، وأنا مثلك تماماً." يعني أنه قائد جيشه. "لماذا جئت لتحارب هنا؟" فقال: "لأنني أنفذ الأوامر، مثلما تفعل." ثم أبعد محمود تحت الحراسة، ولكن إعجاب الجميع به قد تزايد لأنه واجه مصيره غير هيابٍ وبلا وجل."

وفي كتابه "مذكرات أم درمان 1898"، الذي يحمل أيضاً عنوان "إفادات شهود عيان على الحملة الأسطورية"، كتب جون ميرديث: "وجد الجنود السودانيون محمود جاثماً وهو جريح في مخبأ بالزريبة وأنقذه ضابط بريطاني من حراب الجنود وتم جره إلى السردار حيث جرت المحادثة التالية عندما سأله كتشنر بالعربية: - "هل أنت الرجل محمود؟" - "نعم أنا محمود وأنا مثلك في المقام." - "لماذا جئت إلى هنا لتحرق وتقتل؟" - "مثلما تفعل أنت." وشاهد آخر على ما دار بين كتشنر ومحمود هو وينستون تشرشل الذي كتب في "حرب النهر": "كان أبرز الأسرى محمود – عربي طويل في حوالي الثلاثين من العمر، وقد مثل مباشرة أمام السردار بعد أسره فسأله: "لماذا جئت إلى بلدي لتحرق وتقتل؟" فرد عليه الأسير متجهماً ولكن في قدر من الجلال: "يجب عليّ إطاعة الأوامر مثلما تفعل." وجاءت ردوده على الأسئلة الأخرى مقتضبة ومرواغة، ولكنه تطوع بأن يقول إن الثأر لهذه المذابح سيتم في أم درمان."

وآخر الشهادات، وهي أيضاً أحدثها وأكثرها استفاضة، هي تلك التي ساقها جون بولوك في كتابه "كتشنر: الطريق إلى أم درمان": "كان السردار يمتطي صهوة جواده عبر الميدان ومعه هنتر فجاءهما جندي يعدو بفرسه ليخبرهما أن محمود قد وقع في الأسر، وقد أنقذه من الرماح ضابط مدفعية شاب. فاستدارا بجواديهما فشاهدا رقيباً سودانياً يقود رجلاً طويل القامة بادي التكبر. كان يرتدي جبة مضرجة بالدماء ويداه مقيدتان خلف ظهره، وعبس في وجهيهما الأمر الذي أثار حنق هنتر فقال مغضباً بالعربية: "هذا هو السردار." وفي هدوء أمر كتشنر محمود بالجلوس، وكان هذا هو الأسلوب المتبع في السودان والذي سيأتي بعده إما العفو أو الموت. وبدلاً عن أن يجثو في انتظار مصيره جلس متربعاً دلالة على الندية. كان كتشنر، والعلم المصري يرفرف إلى جانبه، ينظر إلى محمود من على ظهر جواده، ثم سأله "لماذا جئت بلدي لتحرق وتقتل؟" فرد عليه محمود: "مثلك تماماً. يتحتم عليّ إطاعة أوامر الخليفة كما تطيع أنت أوامر الخديوي." فابتسم كتشنر وقال لرجاله: "إجابة جيدة." قالها بالإنجليزية Rather a good answer. وتبعت ذلك أسئلة أخرى رد عليها محمود بلا خوف أو وجل، وهم يأخذونه بعيداً صاح بالسردار: " ستدفع ثمن هذا جميعه في أم درمان، فمقارنة بالخليفة فأنا لست أكثر من ورقة في شجرة."

الروايات أعلاه لا تترك مجالاً لشك أو ريبة في أن هنالك من شهد ما دار بين الرجلين ورصده، واستمع لما تفوه به كتشنر وتعجب منه، وانتبه لما قاله محمود وأعجب به. كما أن الشهادات لا تجمع فقط على شجاعة نادرة في مواجهة المصير، وإنما أيضاً قدرة متميزة على الرد تقدم نموذجاً مبكراً على رغبة الإمبراطورية وقدرتها في الرد على المركز. ولكن الطيب صالح أشاح بوجهه بعيداً عن ذلك جميعه وفرض على محمود الصمت وطأطأة الرأس. وعندما واجهته بذلك أجاب بأنه ليس هنالك من يدري ما قاله محمود، ولذلك فإنه يمتلك الحق في أن يضع على لسانه أو يحجب عنه ما يشاء. وللتدليل على عدم صحة ما أورده في الرواية تعمدت إيراد أكثر من وجه من أوجه السرد التي احتفت برصد تلك اللحظة المشبعة بالدلالات التاريخية والميثولوجية والأيدلوجية في تاريخ المواجهات الاستعمارية. وهي أيضاً لحظة مفصلية مشحونة دراميا في بنية الرواية وفي تطور سردها. ولهذا ظلت تحت مجهر اهتمامي في إطار الأخذ والرد بين المركز والإمبراطورية في سياق الخطاب ما بعد الكولونيالي. ولهذا أفصحت عن اعتراضي على معالجة هذه النقطة في الرواية في حضور المؤلف متوقعاً منه بعضا من التوضيح. ولكن الرد الغاضب والمتوتر الذي أتى به الطيب صالح زاد الأمر تعقيداً، ولم يترك أمامي غير أن اختار بين تفسيرين: إما أن الطيب صالح يعرف ويدعي أنه لا يعرف، أو لا يعرف ويدعي أنه يعرف. والحديث هنا تحديداً عن "طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً."

في كلمات أحرى، وعلى الرغم من أي محاولة للمرواغة، نحن هنا إزاء حالين لا ثالث لهما، ولكل منهما تبعاته: إما أن الطيب صالح يدرك تماماً ما دار بين كتشنر ومحمود ومع ذلك اختار لمحمود الصمت وطأطأة الرأس، ثم أنكر ذلك على رؤوس الأشهاد. ويكون بهذا قد أخطأ تاريخياً، وأخفق سياسياً، وتقاعس أدبياً، وسقط أخلاقياً. وإما أنه لا يدري فعلاً بما دار بين كتشنر ومحمود، ويكون بهذا قد فتح باباً يصعب إغلاقه، ذلك أن مجريات السرد في الرواية تشير إلى أن هنالك من يدري تماماً بما دار بين كتشنر ومحمود عند كتابة "موسم الهجرة إلى الشمال". والسؤال عندها لا بد أن يكون: من هو ذلك الذي انعكست معرفته لما دار بين الرجلين على مجريات السرد في الرواية؟ ذلك أن السؤال المحوري الذي جاء على لسان كتشنر في الرواية "لماذا جئت إلى بلدي تخرب وتنهب؟" يكاد أن يكون ذات السؤال الذي جاء على لسان كتشنر بعد واقعة النخيلة في الثامن من إبريل 1898. كما أن عبارة "الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الارض" تكاد أن تكون أتت مباشرة من ديفيد ليفرنق في "السباق إلى فشودة" حيث يقول: " تابع كتشنر بغرابة إذ أنه هو الذي توغل لخمسمائة ميل داخل بلاد محمود." أما "طأطأ رأسه، ولم يقل شيئاً" فلم يرصدها أي من شهود العيان، فقد "أعجب واتكينز واستيفنز بالحوار بينهما" (ديفيد ليفرنق)، "لم يكن ينظر يمنة أو يسارا وهو يتقدم نحو السردار منتصب الرأس... ثم أبعد محمود تحت الحراسة، ولكن إعجاب الجميع به قد تزايد لأنه واجه مصيره غير هياب وبلا وجل." (استيفنز)، "هل أنت الرجل محمود؟" - "نعم أنا محمود وأنا مثلك في المقام." - "لماذا جئت إلى هنا لتحرق وتقتل؟" - "مثلما تفعل أنت." (جون ميرديث)، "فرد عليه محمود: "مثلك تماما. يتحتم عليّ إطاعة أوامر الخليفة كما تطيع أنت أوامر الخديوي." فابتسم كتشنر وقال لرجاله: "إجابة جيدة." قالها بالإنجليزية Rather a good answer (جون بولوك)، "وجاءت ردوده على الأسئلة الأخرى مقتضبة ومرواغة، ولكنه تطوع بأن يقول إن الثأر لهذه المذابح سيتم في أم درمان." (تشرشل)."

إذا كان الطيب صالح لا يدري بما دار بين كتشنر ومحمود – إذ ليس هنالك من يدري بما دار بين الرجلين، حسبما قال – وبما أنني لا أعتقد الندخل الخلّاق لنوارد الخواطر كوسيلة لمعرفة خبايا الوقائع التاريخية، وأن الخيال الفني ليس هو الذي جعل كتشنر يردد في الرواية ما قاله لمحمود بعد واقعة النخيلة، فقد كان لا بد لي من محاولة معرفة ذاك الذي كان يدري بما دار بين الرجلين، وتبعاً لذلك وضع منه ما أراد وضعه على صفحات "موسم الهجرة إلى الشمال؟" ووضعاً لعدة أمور في الاعتبار أقول إن ذاك الشخص، على الأرجح إن لم يكن من المؤكد، هو دينيس جونسون-ديفيز الذي كتب الطيب صالح المسودة الأخيرة للرواية في منزله في سسكس بجنوب إنجلترا. وقد يكون من المناسب هنا استدعاء الملصق الشهير الذي ظهر في 1914 يحمل وجه الفيلد مارشال كتشنر عندما كان وزيرا للحربية البريطانية وهو يشير بسبابته موجهاً حديثه للشباب يستحثهم للتجنيد تحت شعار "يحتاجك..Wants you"، أي أن وطنك يحتاجك.  وتكمن قوة الملصق في النظرات الحادة، أو التحديق الثاقب piercing gaze التي يواجه بها لورد كتشنر الناظرين إليه. فقد كان الانطباع السائد وقتها، وقبلها، وظل عالقاً في العقل الجمعي البريطاني لوقت بعدها، هو أن الرجال لا يقوون على مواجهة نظرات كتشنر النافذة فيسارعوا بخفض ناظرهم. وهذا، في اعتقادي، بعض ما حمله دينيس جونسون-ديفيز معه إلى "موسم الهجرة إلى الشمال": المركز الذي يحدق في الإمبراطورية مجبراً إياها أن تطأطئ رأسها، تماماً كما فعل محمود ود أحمد رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" مجسداً بذلك صورة للاستسلام والرضوخ والخنوع تنسجم تماماً ودعاوى الخطاب الاستعماري.

والذي سيتبدى لمن ينظر طويلاً إلى "موسم الهجرة إلى الشمال" هو أن لدينيس جونسون-ديفيز تأثيراً في الرواية أكثر مما تراه العين. وبشكل أكثر تحديداً فإن مشاركته تتجاوز دور مترجم الرواية من العربية إلى الإنجليزية. فطبيعة عملهما بشكل لصيق في نص غير مكتمل جعلت دور جونسون-ديفيز يتجاوز كثيراً دور المترجم. وأظنه أمر مترعٌ بالدلالات أنه عندما تقدمت إحدى الجهات بطلب للحصول على امتياز تحويل "موسم الهجرة إلى الشمال" إلى فيلم روائي، طالب جونسون-ديفيز بنصيب كبير في حق الامتياز مما أدى إلى إجهاض المشروع. وأستند في زعمي هذا على رواية الكاتب الكبير محمد سليمان الفكي الشاذلي كما أسرّ له بذلك المؤلف. وقد ظل الشاذلي حتى وفاة الطيب - كما يقول دائماً من غير صالح - أقرب أصدقائه إليه وأحبهم إلى نفسه. والشاذلي الذي أعرف لن يفتري على أحد كذبا، ناهيك عن صديقه الذي يُجله ويُقدره. وقد أكدّ الشاذلي أن الطيب استنكر طلب جونسون-ديفيز محتجاً بأنه وجولي- زوجته - قاما بمساهمة كبيرة في إنجاز الترجمة، وأن انهيار مشروع الفيلم، من وجهة نظر الطيب، يعود إلى مطالبة جونسون-ديفيز غير المقبولة في حين أنه كان مجرد مترجم. ولكن هذا يضعنا قبالة سؤال غير مريح، وهو هل هنالك "مجرد مترجم" يعطي نفسه الحق في المطالبة بنصيب في حق الملكية ما لم يكن له دور، عظم أو صغر، في التأليف لا يستطيع المؤلف أن يغمطه إياه؟

ولدينيس جونسون-ديفيز، في تقديري، دور مقدر في وضع بنية/هيكل الرواية، وهو دور يبرز بغيابه في ثلاثية "بندر شاه" مُلحِقاً بها الترهل والضمور معاً. ولهذا كلما تذكرت ما كتبه رجاء النقاش عن أن "مريود" "تستعصي على التلخيص، (و) تقترب من الموسيقى حيث لا يمكن تلخيص الأنغام والسيمفونيات..." استشعرت ذلك الغياب. وإذا كانت النغمات لا تلخص، فإن تلخيص السيمفونيات أمر دارج ومألوف، ولكن هذا الربط بين "مريود" والموسيقى، والحديث عن الاستعصاء على التلخيص، ليس سوى تبرير خائب يعكس عدم قدرة النقاش، أو عدم رغبته، في أن يرى الثلاثية/الثنائية على حقيقتها كمادة فلتت من سيطرة المؤلف عليها إلى درجة أنها تحولت إلى ثلاثية من جزئين. أما قوله: "فما تعطيه لنا الرواية من متعة روحية وفكرية في معناها العام..." فإنه يذكر بوصفه لمسرحية "الهواء الأسود" التي وجد أنها "تشرح بوضوح أزمة الإنسان المعاصر." ومساهمة الأستاذ النقاش "مريود: قصيدة في العشق والمحبة" نموذج لما ينبغي تفاديه من نقد يكيل الثناء بلا حساب، ويحتفي بأشياء متوهمة لا وجود لها إلا في مخيلة الناقد. فالأستاذ النقاش – رحمه الله - لمن لا يذكرون، لعب دوراً رئيسياً في أكبر الفضائح النقدية في تاريخ الأدب العربي عندما سقط سقوطاً مروعاً في الفخ الذي نصبه له الكاتب الصحفي أحمد رجب فأحتفى بهراء "الهواء الأسود" الذي كتبه أحمد رجب هازئا وساخراً من مفهوم المسرح العبثي Absurd Theatre. وكان الطعم الذي ابتلعه النقاش هو اسم فردريش دورينمات الذي ألصقه أحمد رجب بهراء "الهواء الأسود."

والطيب صالح يمضي مغضباً في حديثه في ذلك النهار الصيفي الإنجليزي البديع الذي يُمكن فيه للناظر، إن أراد، أن يرى جميع الأشياء على حقيقتها، تذكرت نصيحة دي إتش لورنس للقارئ والناقد معاً: "لا تثق أبداً في الفنان. ضع ثقتك في الحكاية. إن الدور الأمثل للناقد هو أن يُنقذ الحكاية من الفنان." وكان من الممكن وقتها، أو حتى بعدها، إنقاذ الحكاية من الفنان. وعودة إلى "حرب النهر" نجد وينستون تشرشل في شهادته حول المواجهة التاريخية بين كتشنر ومحمود يقول عن الأخير إنه: "نموذج رائع للوحشية المتكبرة، وربما يستحق مصيراً أفضل من أن يظل بلا نهاية رهين السجن في رشيد." ولأنه لم ينعم بذلك المصير الأفضل في حياة مضى نصفها الأول سريعاً على صهوات الجياد، ومضى نصفها الثاني متثاقلاً مع جرجرة الأصفاد ورجع صدى الوعيد الذي لم يتحقق عند مداخل أم درمان، فقد يكون هنالك بعض العزاء في إزالة غُبن أن يظل إلى ما لا نهاية صامتاً مطأطأ الرأس في حضرة الصلف الاستعماري على صفحات "موسم الهحرة إلى الشمال." ولكن الطيب صالح لم يلتفت إلى جدية ما طرحت، ولم يجد في الأمر أكثر من سانحة لتكريس شعوره بالأستاذية وسط همهمات مواساة مريديه فاندفع لترديد مزاعمٍ لم يفكر جيداً عما يترتب عنها من تبعاتٍ ودلالات. ومما يجدر ذكره أن مجموعة من الزملاء اقترحت في ذلك اليوم تنظيم لقاء نتواجه فيه أنا والطيب صالح مرة أخرى لحسم ما احتدم بيننا من جدل، وسموا لذلك مكاناً وزماناً، وأبلغوني أنه وافق على ذلك. وجاءت عطلة نهاية الأسبوع، وجاء الزملاء، وجئت، ولكن الطيب صالح آثر عدم الحضور، ولا لوم عليه هنا ولا تثريب، فلو كنت مكانه لفعلت ما فعل.

ولكني لو كنت من المقربين إليه لأشرت عليه وقتها أن يفعل شيئاً تجاه موقفه من محمود ود أحمد، وهنالك سوابق لذلك في الرواية. ففي الإطار الإفريقي حدث هذا لنقوقي عندما كان يمضي جذلاً تحت اسم جيمس نقوقي ووضع ضمن سرد روايته "قليل من الحنطة" حادثة اغتصاب مجموعة من مقاتلي الماو ماو لإمرأة بيضاء. ولكن بعد تطور وعيه السياسي، وابتعاده عن تأثير كونراد، ونبذه لاسم جيمس وتبنيه "وا ثيونقو" اسماً وهوية، أدرك أنه من غير اللائق للمقاتلين من أجل الحرية والكرامة ارتكاب فعلة الاغتصاب فعاد عنها وعدّل سرده ليضمنه حادثة أحرى تقوم مقام الأولى. ويجدر بالذكر أن نقوقي أدرك قبل غيره أن تأثير كونراد على رواياته الأولى جعلها منقسمة على نفسها، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أن كونراد، كما لاحظ نقوقي نفسه، "لا يرى أي إمكانية للخلاص تأتي من بين المقهورين."

والحديث عن كونراد يقودني إلى استرجاع ما كتبه فخري صالح على صفحات "الحياة" (9 مارس 2006) تحت عنوان "رواية عربية تحاور "قلب الظلام" لجوزيف كونراد" حيث يقول: "ويمكن القول إن "موسم الهجرة إلى الشمال" إعادة كتابة مبدعة لرواية "قلب الظلام" للروائي البريطاني، البولندي الجنسية، جوزيف كونراد إذ يعكس الطيب صالح مسار الرحلة من الجنوب إلى الشمال ويعيد تأويل رسالة كونراد الملتبسة في روايته العظيمة التي يلتحم فيها الراوي بشخصية المروي عنه في الصفحة الأخيرة من "قلب الظلام." إن تأثير كونراد المزعوم وتفاعل الطيب صالح معه أمر شديد الغموض يحتاج إلى الكثير من البحث والفحص، وربما استدعاء دينيس جونسون-ديفيز مرة أخرى. وأفضل المساهمات هنا هو ما كتبته غاياتري سبيفاك في دراستها "موت نظام" التي تعقد فيها مقارنة بين "قلب الظلام" و"موسم الهجرة إلى الشمال" و"الزاحف المجنح" للكاتبة البنغالية "ماهاسويتا ديفي. وتقدم قراءة سبيفاك نموذجاً رائعاً لقوة النقد المبدع الخلاق الذي يتجاوز ما يطمح إليه الروائي. ففي حين يرى الطيب صالح أنه قد قسم العالم إلى "شمال وجنوب وليس شرق وغرب"، ترى سبيفاك أنه قد نجح من خلال تفعيل دور المرأة في خلخلة وتجاوز الجوامع الثنائية التقليدية مثل أوروبا وإفريقيا، والشمال والجنوب، ليصل إلى نطاقات أكثر شمولية مثل الذات والآخر، والمألوف وغير المألوف، والغريب والمحلي.

ورغم أن هنالك الكثير الذي يمكن قوله اتفاقاً واختلافاً مع سبيفاك، فسأكتفي بالقول هنا إن وصف "موسم الهجرة إلى الشمال" بأنها إعادة كتابة لرواية "قلب الظلام." أمر خاطئ تماماً. ذلك أن لمفهوم إعادة الكتابة في إطار الخطاب ما بعد الكولونيالي متطلباته ومنطلقاته المتجذرة في قلب الممارسة التي تسترشد بمؤشرات التاريخ والسرد والوعي السياسي. ومن الممكن إخضاع تلك المتطلبات والمنطلقات للفحص عند النظر إلى إعادة كتابة التجربة الاستعمارية في الكاريبي في رواية "بحر سارقاسو العريض" التي تعيد فيها  جين ريس كتابة "جين إير" لشارلوت برونتي، أو كما حاولت مارينا ورنر في روايتها "أزرق" وأدريان ريتش في روايتها "عن إمرأة مولودة" إعادة كتابة "العاصفة" لشكسبير والروايات الثلاث تقتفي آثار "عاصفة" ايمي سيزار وتقدم قراءات بديلة للأساطير البيضاء.

أما "موسم الهجرة إلى الشمال" فإنها ليست جزءاً من ذلك التقليد لسبب أساسي لا مجال فيه لاجتهاد في التبرير أو التفسير أو التأويل، وهو ببساطة انعدام النية وغياب القصد. فالطيب صالح، حسبما يقول، لم يفكر وهو يكتب "موسم الهجرة" في إعادة كتابة "قلب الظلام". إن "مو سم الهجرة إلى الشمال" تتبع تقليداً آخر وصفه إعجاز أحمد في دراسته "في النظرية: الطبقات والأمم والآداب" بالأعمال التي تستنطقها الثقافة الغربية فتجد فيها ما يدعم العلاقة التقليدية بين المركز والإمبراطورية. وفي هذا السياق قد يكون هنالك مردود نقدي لافت لقراءة "موسم الهجرة إلى الشمال" مع رواية نايبول "المقلدون" التي تحكي تجربة مشابهة لتجربة "موسم الهجرة"، ولكن مع اختلاف جذري في تقديم الجنس والتعاطي معه. كما أنه من المفيد هنا الإنتباه إلى ملاحظة إعجاز أحمد جاءت اعتراضاً على دعوة فردريك جيمسون لإعادة النظر في "القائمة المعتمدة" من آداب الإمبراطورية ضمن الدوائر الأدبية والمساقات الأكاديمية الغربية. فبحسب إعجاز أحمد فإن روايات الأمبراطورية/العالم الثالث ليست مهمشة في الغرب، ولكن هنالك ضرورة لإعادة فحص الدوافع والمسوغات التي يتم بموجبها اختيار بعض الأعمال واعتبارها ممثلة للغات وآداب وثقافات.

وكلما استعدت ما ردده الطيب صالح في ذلك النهار الصيفي الإنجليزي البديع في رحاب جامعة لندن ازداد يقيناً من أن الطيب صالح لا يعبأ بالتاريخ، ليس فقط عند استرجاعه له، بل حتى عندما يراه يحدث أمامه. واعود هنا إلى نقطة مبكرة لم أكن لأثيرها لولا أنني قرأت رثاء حسن عبد الله للطيب صالح تحت عنوان "موسم الهجرة انتهى وعاد الطيّب من الشمال إلى الجنوب" حيث يقول: "وموقفه الوطني العظيم عندما قرّر ترك العمل في إذاعة "بي بي سي" احتجاجاً على مشاركة بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956." ويقيناً كان هذا ليكون موقفاً وطنياً عظيماً فقط لو أنه قد حدث، ولكنه لم يحدث. فالطيب صالح لم يترك العمل بالإذاعة البريطانية إبان العدوان الثلاثي على مصر، وذاك ما فعله زميله دكتور حسن عباس صبحي الذي توقف عن العمل بالإذاعة البريطانية وعاد إلى السودان تعبيراً عن شجبه للعدوان الثلاثي، بينما لم يجد الطيب صالح غضاضة في الاستمرار. تماماً مثلما لم يجد غضاضة في وقتٍ لاحقٍ في تلقي ً مقابل مالي كبير من صحيفة "يديعوت أحرونوت" نظير نشر "موسم الهجرة إلى الشمال" مسلسلة بالعبرية على صفحات الصحيفة الإسرائيلية. هذا مع التنويه إلى أن عملية تطهير للمال من دنس الصهيونية قد تمت من خلال تبرع الطيب صالح بجزء منه إلى السلطة الفلسطينية. وسيلاحظ القارئ أن هنالك تعتيم كامل على هذه الخطوة الطيبية التصالحية في سيرة عبقري الرواية العربية، والتي تجعل منه أحد رواد التطبيع مع إسرائيل، ليس فقط في السودان، وإنما على نطاق العالم العربي بأسره.

 

الجزءالثاني: الصمت عن محمود محمد طه خلال المحنة التي ذهبت به إلى المشنقة

وكما فرض الطيب صالح الصمت على  محمود ود أحمد عند اللحظة الفارقة في حياته، تلك التي تحول فيها من أمير إلى أسير، فقد صمت عن محمود آخر عند اللحظات الفارقة في حياته التي حولته من مفكر نتفق أو نختلف معه فكراً، إلى قتيل لا ندري له قبراً. وذلك الآخر هو المفكر "الأستاذ" محمود محمد طه الذي أصدر عليه الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري حكما بالأعدام بعد اتهامه وإدانته بالردة. وكما فعل محمود الأول فعل محمود الثاني، ومشى إلى المشنقة في ثبات في 18 يناير 1985. والمحمودان شخصيتان يحتدم حولهما الجدل، ولكن السودانيين الذين قد يختلفون مع الرجل حول كيف يعيش يضربون عن ذلك صفحاً عندما يعرف كيف يموت. لقد عرف محمود الأول كيف يقاتل وينازل ويواجه مصيره غير هياب، كما عرف محمود الثاني كيف يحيا، وكيف يناضل، وكيف يموت.

صدر حكم الإعدام على محمود محمد طه وتبعه التنفيذ والطيب صالح يكتب وينشر ويتحدث ويشارك في المنتديات الفكرية والمحافل الأدبية، ولكنه صمت تماماً عن محمود ولم يكتب عنه إلا بعد ما يزيد على أربع سنوات من "اغتياله". فبعد سقوط نميري كتب الطيب صالح على صفحات "المجلة" في 5 يوليو 1989 حاكياً كيف أن باربرا براي اتصلت به هاتفياً محاولة دفعه بأن يفعل شيئاً حيال حكم نميري على محمود بالإعدام، ولكنه لم يفعل أكثر من أن "يتضاحك"، كما يقول هو وليس كما أقول أنا، وانتهى بأن يعترف "في تلك الليلة شعرت بخجل عميق. قلت لها وأنا أعلم أن منطقي أعرج وحجتي جوفاء، أنت تعلمين أننا حين ندخل اليونسكو، كما في المنظمات الدولية، نقسم أن نكون محايدين ولا نتدخل في شئون الدول الأعضاء في المنظمة." ولكنه كان يعلم، كما يقول هو وليس كما أقول أنا، بأن ذلك ليس صحيحاً، وأن السبب الحقيقي هو "من يطعم الزوجة والعيال، ويدفع أقساط المدارس والجامعات؟ كل هذه الأشياء الصغيرة أم الكبيرة التي تكبل الإنسان بقيود يشتد وثاقها يوماً بعد يوم، وتجعله يصمت حين يجب عليه أن يصرخ، ويذعن حين يتحتم عليه أن يرفض."

قد يكون قدر الإنسان العادي الانشغال بإطعام الزوجة والعيال ودفع أقساط المدارس والجامعات، ولكن هذا لا ينبغي أن يكون قدر الكاتب والفنان. وهذا هو الفارق بين الطيب صالح وكاتب مثل ولي سوينكا الذي نهض في مواجهة الطغمة العسكرية في نيجيريا لأنها تمارس السلب والنهب وتصدر أحكام الإعدام على صغار اللصوص بينما تغض الطرف عن كبارهم. ولذلك دفع الثمن كاملاً غير منقوص، كما ظل يفعل دوماً دفاعاً عن مواقفه ومبادئه. ورمت السلطات النيجيرية بسوينكا في غياهب السجن الانفرادي حيث ظل لمدة خمسة وعشرين شهراً بقصد تحطيمه ليس فقط كفنان، وإنما أيضاً كإنسان. ولكي يحتفظ بعقله ويحافظ على إنسانيته كتب في مخيلته وعلى بعض قصاصات الورق "مات الإنسان". والإنسان الذي مات، كما يقول سوينكا، ليس السجين وإنما الذي يحرم الإنسان من حقه في الفكر والقول والفعل. وعلى نقيض ذلك صمت الطيب صالح عن جريمة اغتيال مفكر. "تضاحك" والحبل يلتف حول عنق شيخ يناهز الثمانين، وعاد إليه بعد بضع سنين، بعد سقوط نظام النميري، ليقدم نموذجاً آخر للإخفاق في عملية التعامل الجاد والمنهجي مع جدلية التاريخ والسرد والوعي السياسي. ويزيد من وطأة ذلك الإخفاق أنه تحول هو الآخر إلى مساهمة إضافية في مشروع "إطعام الزوجة والعيال ودفع أقساط المدارس والجامعات." والأنكى من هذا، وأشد سخرية منه ومرارة، أنه في الوقت الذي يتأسى فيه الطيب صالح على الأشياء التي "تجعله يصمت حين يجب عليه أن يصرخ، ويذعن حين يتحتم عليه أن يرفض" فإن لجنة تحكيم "جائزة محمد زفزاف للرواية العربية" وجدت لديه ما يكفي للإشادة بدفاعه "الضمني والمباشر عن التعددية وقيم الحرية والعدالة الإنسانية." يا لخواء المزاعم، ويا لفداحة الكذب والنفاق والرياء، ويا لهوان القيم وسط ورثة عاد وثمود والفراعين ذوي الأوتاد.

والمقتبس الأخير لا يعدو أن يكون نزراً يسيراً من حيثيات منح "جائزة محمد زفزاف للرواية العربية" للطيب صالح. وتمضي الحيثيات لتؤكد "نجاح الطيب صالح بمعظم رواياته في تكريس الهوية المحلية والحرية المنفتحة على آفاق كونية رحبة. - تمثُل الروائي لروح العمل الفني ورسالته واتقانه المتفوق لأدواته وفق المقاييس والامكانيات التي تضعه في مصاف كبار الروائيين العالميين. - تفوق المبدع في التعبير عن ضرورات التسامح، وربط تلك القيمة الأساسية في السياق الحضاري بالكبرياء الإنساني الذي يصبح التسامح دونه مجردا من المعنى. - المساهمة المحمودة في إيجاد مزايا لأسئلة الوجود الكوني تساهم دون أن تقطع باليقينيات في إغناء الفكر والشعور. - الحفاوة الفائقة بالفرح والسلام الداخلي، وكافة أوجه التألق المغتبط الذي يُعلي من شأن الكرامة الإنسانية ومنجزات المعرفة." والطيب صالح مؤهل تماماً لأن يفوز "بجائزة محمد زفزاف للرواية العربية" وغيرها من جوائز النفاق السياسي والدجل الثقافي العربي، ولكن ليس استناداً على مثل هذه الحيثيات التي تنطبق على كل كاتب، ولا تنطبق على أي كاتب في ذات الوقت. وإذا قارنا هذه الحيثيات، وهي أهمها فقط، كما ورد في صحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 8/8/2002، بحيثيات منح جائزة نوبل للآداب لبعض مستحقيها للمسنا الفارق بين ما يستطيعه الغربيون وما لا نستطيع. فالغربيون يستطيعون ليس لأنهم جوهرياً أكثر صدقاً وأشد حرصاً، ونحن لا نستطيع ليس لأننا أصلاً أقل صدقاً وأضعف حرصاً، وإنما لاختلاف أساسي بيننا في أساليب البحث والرصد والتحليل واستخلاص النتائج والتقييم والمتابعة. فبينما يؤسس الغربيون معارفهم وأحكامهم على معطيات التراكم والتعددية، نؤسس نحن معارفنا ونبني أحكامنا على قواعد التكرار والتبعية، ونعول كثيراً على العنعنة التي هي عندنا ليست فقط دليل إثبات، ونما أيضاً أسلوب حياة، ومقتضى نهج، وفرض لمنهجية نعيش عليها ونموت بها..

وعودة إلى حيثيات نوبل للآداب نجد أنها تقول في حال غابرييل غارسيا ماركيز "لرواياته وقصصه القصيرة التي يجتمع فيها الخيال ي والواقعي في عالم ثري من مكونات الخيال لينعكس في حياة قارة بأكملها." وفي حال ديريك والكوت "لإنتاج شعري عظيم الجلاء نجح في تكريس رؤية تاريخية ناتجة عن الإلتزام بالتعدد الثقافي." وفي حال نجيب محفوظ "لأنه استطاع من خلال أعمال عامرة بالتميز، تبدو واضحة في واقعيتها حينا ومستثيرة في غموضها حينا آخر، صياغة سرد عربي في متناول جميع البشر." ثم أنه لو أعدنا قراءة حيثيات جائزة محمد زفزاف مقارنة بحيثيات جائزة نوبل للآداب لأدركنا مدى هلامية وترهل وتهاون النقد العربي الأدبي وتجاوزات دهاقنته، والتي هي مسئولة بشكل كبير عن توليد ورعاية أجواء الوثنية الثقافية التي تصنع أصنام عجوة يسجد لها صانعوها، ويسبحوا بحمدها عند الإمتلاء والبشم، ويقتاتون بها عند المسغبة.

إن الذي تتضمنه الحيثيات المشار إليها من عبارات عبثية مثل "ربط تلك القيمة الأساسية في السياق الحضاري بالكبرياء الإنساني الذي يصبح التسامح دونه مجرداً من المعنى"، وبهلوانيات لفظية على غرار "لقد كان شرق الطيب صالح وغربه وشماله وجنوبه هو الإنسان"، وأوهام رغبوية مثل "وهذا يعطي لأعماله الروائية كعرس الزين، وموسم الهجرة إلى الشمال، وبندر شاه نكهة عالمية ساعدت على ترجمتها -الروايات- لكل اللغات"، قد يوفر مادة طيبة للحديث بين الأصدقاء في المقاهي والصالونات الأدبية، ولكن لا يصمد أمام الفحص النقدي الصارم. إن "عرس الزين" ليست رواية. بل أن "موسم الهجرة إلى الشمال"، وفقا للقياسات السردية، ليست رواية novel وإنما هي novella. و"النوفيلا" شكل سردي له وجود في الأدب العربي ولكن ليس له مسمى. ومن نماذج هذا الجنس الأدبي "قلب الظلام" لجوزيف كونراد، "العجوز والبحر" لإرنست هيمنغوي، و"المسخ" لفرانز كافكا، و"موت في البندقية" لتوماس مان، و"رجال وفئران" لجون شتاينبيك، و"الغريب" لالبير كامو ، وجميعها أعمال أدبية متميزة ولكنها ليست روايات وفقاً للتصنيف الأدبي الذي يؤسس وصفياً، وليس معيارياً، مستندا على الطول الذي يتراوح عادة بين 30 و50 ألف كلمة. وتتبع "موسم الهجرة إلى الشمال" في هذا التصنيف "ضو البيت" و"مريود". ولهذا إذا أراد المرء أن يعلق على "عبقرية" النقد الأدبي العربي، فيمكنه أن يقول جاداً وساخراً في ذات الوقت إن "عبقري الرواية العربية" لم يكتب رواية واحدة.

وإذا كان غياب المصطلح العربي novella يفسر الخلط غير الدقيق بين الأجناس الأدبية في النقد العربي، فإنه ليس هناك ما يبرر الإدعاءات المضللة مثل "ساعدت على ترجمتها – الروايات – لكل اللغات." وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن رواية باولو كويلو "الخيميائي" تعتبر أكثر الروايات المعاصرة ترجمة حيث أنها ترجمت إلى بضع وسبعين لغة حتى الآن. ولكن إذا وضعنا في الاعتبار أن لغات العالم المكتوبة تقارب 4000 لغة فإن أكثر المتحمسين لباولو كويلو لن يحلم بأن رواياته ستترجم لكل اللغات.

وبعيداً عن فلتات وانفلاتات النقد العربي، الذي أعيد دمغه بأنه يُعاني من متلازمات الوهن وخداع الذات والإنكار والخبل، نجد أن دروب الطيب صالح وسوينكا ظلت تتقاطع لتظهر تبايناً بيناً بين تجليات التفاعل واختلافات المواقف عندهما، وفي جميع الحالات يحدث ذلك وفقاً للتفاعل مع جدلية التاريخ وتنويعات السرد واختيارات الوعي السياسي. وموقف الطيب صالح من سوينكا يقدم نموذجاً آخر على عدم قدرته استيعاب الدلالات التاريخية للأحداث حتى عندما تدور في فلك اهتماماته. فعندما منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم ولي سوينكا جائزة نوبل للآداب في 1986 لم يستطع الطيب صالح أن يحتفي بفوز أول إفريقي بالجائزة، بل أنه لم يستطع أن يخفي امتعاضه لذلك، وراح يحط من قدر سوينكا من خلال مقارنته بمن يرى أنهم أفضل منه على الساحة الإفريقية. وبعد إشارات مبهمة إلى أشيبي ونقوقي مضى ليؤكد في عنصرية لا تكاد تستر سوأتها أن "ذلك النيجيري" لا يستحق الفوز بالجائزة. ومن المدهش حقاً أن الطيب صالح رأى أن غراهام غرين، رجل المخابرات البريطانية، أجدر من سوينكا بذلك التكريم. وفي سرد لاحق له عن جائزة نوبل يقول: "الأستاذ نجيب محفوظ كان يستحق الجائزة، وأعماله الروائية خير دليل على ذلك، أما الجائزة نفسها فقد نشأت في الغرب، وموجهة في الأساس إلى الإبداعات الغربية، وعندما توجه إلى الإبداعات العربية أو الإفريقية فهذا يكون شيئاً عارضاً.. وهي تخفي دائماً وراءها أبعاداً سياسية."

ومع يقين الطيب صالح بوجود أبعاد سياسية متخفية للجائزة فإنه لم يتفضل بتوضيح "الأبعاد السياسية التي تختبئ" وراء فوز محفوظ وقورديمار وكوتزيه ووالكوت وماركيز بالجائزة. ومع ذلك فإن ما قاله أعطى ببغاوات النقد العربي - الذي يعاني من متلازمات الوهن وخداع الذات والإنكار والخبل - الجرأة على أن يخوضوا فيما لا يعرفون. ومن أولئك جاسم المطيري الذي سارع بعد تقديم تهنئته للطيب صالح بجائزة "ملتقى القاهرة للإبداع الروائي" في 2005 إلى أن يلفت الانتباه إلى "دور بعض المؤسسات الصهيونية في بعض قرارات المحكمين، وحرمان الكاتب العبقري العالمي ليو تولستوي من جائزة نوبل هو خير مثال بسبب أفكاره الروائية والسياسية المناوئة للعنصرية الصهيونية." يقول المطيري هذا غافلا عن أن أفكار تولستوي السياسية تعتبر من روافد الفكر الصهيوني. ويمكن للباحث الجاد أن ينظر إلى ذلك في كتاب عموس أوز "قصة الحب والظلام" الذي يزاوج فيه بين أفكار تولستوي والصهيونية، أو إلى كتاب ولتر لاكوير عن تاريخ الصهيونية والذي تكفي قراءة عنوانه للتدليل على وجود تلك العلاقة: والعنوان هو "تطور العمل الصهيوني: من تأثير تولستوي إلى الكيبوتز الإسرائيلي."

وعلى صعيدٍ آخر يمكن القول إن الفرق بين روايات الإمبراطورية التي ترُد على المركز، وتلك التي يستنطقها المركز، هو الفارق بين نهجين، أولهما يتعامل مع السرد كوسيط للوعي يضرب بجذوره عميقاً داخل معطيات التاريخ والأيدلوجيا، ويحاول جاهداً أن يمضي إلى ما هو أبعد من مجرد رصد الحقائق التاريخية المتناثرة والمواقف الأيدلوجية المبتسرة. وهذا لن يتأتى  إلا من خلال توفير مرجعية تحتوي على رؤية فنية تنجح في تطوير ديناميكية التداخل والانسجام والتنافر والتناقض بين التاريخ والسرد والوعي السياسي، وتحتويها في الوقت نفسه. أما النهج الثاني فيراود فيه السرد بلا انقطاع هواجس التأويل وتهويمات التخمين، وتراوده هي الأخرى عن نفسه حتى تقنعه بأن يضع مسئولية التفسير على ناصية الحدس.

لهذا ولغيره، وعلى الرغم من ما حققته "موسم الهجرة إلى الشمال" وما ستحققه، فإنها تظل في تقديري نسيجاً قشيباً مليئاً بالثقوب. فبالنسبة لرواية يحمل اسمها دلالات جغرافية، تترك الأخطاء المكانية شعوراً أقل ما يوصف به هو عدم الارتياح. فعندما يقول الراوي "كان المأمور يغط في نوم مريح حين مر القطار على خزان سنار الذي بناه الإنجليز عام 1925 متجهاً غربا إلى الأبيض." لا تدري أي خيار تختار: اتهام الراوي بالكذب أم رمي الروائي بالإهمال؟ ذلك أن القطار في رحلته من الخرطوم إلى الأبيض لا يمر على خزان سنار ولا يعبر النيل الأزرق.

إن استنباط آراء أو مواقف سياسية من بين طيات العمل الروائي مسألة يكتنفها بعض التعقيد بسبب تعدد الأصوات التي تخاطب القارئ: الشخوص والراوى والمولف. ولكن الحال يختلف في المقال الذي يفصح فيه الكاتب عن رأيه بشكل مباشر. وفي واحدة من حالات ما يُشبه عودة الوعي كتب الطيب صالح "من أين يأتي هؤلاء؟" التي يحتفي بها كثيراً مريدوه، والذين سيحتجون علي كثيراً إن قلت إن قولة "حرائر النساء من " سودري " و " حمرة الوز " و " حمرة الشيخ " ما زلن يتسولنّ في شوارع الخرطوم" تنضح بالعنصرية التي تلطخ الكثير من كتاباته. ولكني أظن أن احتجاجهم سيأخذ شكلاً آخر عندما نأتي إلى السؤال المركب الذي طرحه عن من هم هؤلاء الذين "يحلمون أن يُقيموا على جثّة السودان المسكين خلافة إسلامية سودانية يبايعها أهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب"، وعن من أين جاء هؤلاء الناس؟ بل - مَن هؤلاء الناس؟" لأنه لا بد لنا من أن نقول له: وهل هؤلاء أناس غير الإسلاميين السودانيين؟ لو كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فلا بُد من أن الطيب صالح يُدرك جيداً من أين أتوا. لقد أتوا من المكان الذي تركهم عنده، لأنهم ثمرة الغرس الذي غرسه كواحدٍ من مؤسسي الحركة الإسلامية بجامعة الخرطوم. وعلى الرغم من بعض العادات المكتسبة في موسم هجرته إلى الشمال، لقد ظلوا رهطه وعشيرته. قارقهم لبعض الوقت وعاد إليهم في نهاية المطاف.

قد لا يكون الوقت مناسباً هنا  لرصد وبحث ظاهرة الهجرة الموسمية وغير الموسمية للمفكرين السودانيين إلى اليمين، ولكنه قد يكون مناسباً، ومن قبيل الاعتذار لجوزيف كونراد - الكاتب البريطاني الجنسية والبولندي الأصل كما يحلو للنقاد العرب أن يستهلوا حديثهم عنه - والذي تعود المهتمون بالخطاب ما بعد الكولونيالي أن يُغلظوا عليه في القول، أن أسوق بعض ما قاله مع اختلافي معه: "على الذي يريد أن يقنع الآخرين أن يضع ثقته ليس في الحجج الصحيحة وإنما في الكلمات المناسبة، إذ أن صخب الأصوات يظل دائماً أعظم تأثيراً من قوة الحجج". لقد حاولت خلال هذه القراءة أن أضع ثقتي في الحجج وأن أكبح جماح صخب الأصوات، أو هكذا أظن. ثم إن لهذا المقال غايات أخرى أهمها التدليل على أن هنالك ضرورة لمحاولة تقديم قراءات سودانية فاحصة لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال" تتجاوز قراءات النقاد العرب الذين يعرفون قليلاً عن الأدب، ولا يعرفون شيئاً عن تاريخ السودان أو جغرافيته أو إنسانه. ولكن حدوث ذلك رهين بأن تعمل القراءات السودانية على تجاوز عجزها المنوارث عن تهنئة الذات والذي تنامى وتضخم حتى جعل من إعادة التدوير منهجية نقدية مُعتبرة.

قد يعتقد البعض أن هذه القراءة مُتحاملة كثيراً على الطيب صالح، وهي ليست كذلك إلا في ما تفرضه الوقائع. والذين يعرفون مدى انشغالي بالطيب صالح عبر السنين يدركون أن هنالك العديد من النقاط التي قررت التغاضي عنها هنا. لقد بدأ انشغالي الأكاديمي الجاد بالطيب صالح بالبحث التكميلي لدرجة الماجستير في الأدب المقارن بجامعة إسكس Essex بعنوان "المعبد والآلهة المزيفة". والمعبد هنا السودان والآلهة المزيفة هم جميع الذين تولوا شأنه منذ الاستقلال. وقد أصدرت بحثي بقصيدة لانجستون هيوز "ماذا يحدث للحلم المؤجل؟" والذي، كما يقول هيوز، قد يجف كحبة العنب تحت الشمس، أو يتقيح كالجرح، أو يتقشر، أو يسيل، أو يتعفن، أو يترهل، أو ينفجر. وجميع هذه التجليات البشعة قد أدركتنا وأصابتنا نتيجة لتأجيل حلم بناء الأمة السودانية مُتخذة في التعبير عن نفسها أشكال عديدة من بينها انفصال الجنوب، واعتماد الاغتصاب سياسة في دارفو، وتقنين القتل منهجاً في كردفان، وشريعة في النيل الأزرق، وفرضه جوعاً وذلاً وسلاً في الشرق، والاضطهاد والتهجير والتشريد وقهر الحريات على طول البلاد وعرضها. وذلك جميعه وسط أشد الأشكال تردياً لاستبداد الاسلام السياسي، وسيادة دولة اللصوصية، وطغيان الأجهزة الأمنية، وأكذوبة الدولة المدنية، وانتهازية الشلل الليبرالية، وجهالات المنابر الدينية، ورياء رياض الأطفال القرانية، واستباحة العام للخاص، وتغول الخاص على العام، والفساد المطلق للنخب الحاكمة، وانتهاكات الزمر العسكرية التي توجت وحشيتها بمجزرة فض الاعتصام في قلب الخرطوم.

والآن مع بلوغ هذا السرد نهاياته لا بد لي من التنويه إلى أن التصدير الذي وضعته على رأس المقال مأخوذ من كتاب فردريك جيمسون "اللاوعي السياسي: السرد كفعل اجتماعي رمزي" The Political Unconscious: Narrative as a Socially Symbolic Act وقد فضلت اللاوعي على اللاواعي كترجمة لكلمة Unconscious لأنها تحمل الدلالات التي تنسجم مع ما تنشده حججي ونواياي.

أخيراً، وعَودٌ على بَدء، عند النظر إلى جدلية ثلاثية التاريخ والسرد واللاوعي السياسي عند الطيب صالح، يمكن القول إن الراوي في "موسم الهجرة إلى الشمال"، من دون قصد من المؤلف، غير موثوق به، والبطل لا يُعتد بمزاعمه التحريرية، واللاوعي السياسي عند المؤلف تتستر عليه غواية السرد، ويمزق السُتر عنه مِشرط التاريخ.

 

أحمد حسب الله الحاج

 أستاذ سابق للأدب الإفريقي بجامعة نوتينقهام ترنت بالمملكة المتحدة

 

فالح الحجيةان الدراسات التي تناولت الشعر العربي الحديث كثيرة اذ اهتم الادباء والنقاد والشعراء بدراسة الشعرالحديث والمجالات التوسعية التي صاحبته ونشوء قصيدة الشعرالحر وقصيدة النثر فيه الى جانب القصيدة العربرية الاصيلة واقصد بها قصيدة العمود الشعري التي انطلقت منذ عصرالجاهلية الاولى ولا تزال قائمة بل وحاضرة تمثل نفسية الشاعرالعربي والمتلقي العربي الذي يطمح ان يقرأها لتهز مشاعره ووجدانه وخاصة في لغة المخاطبة .

فالشعرالعربي الحديث او المعاصر ترفده ثلاثة روافد شعرية تكونت بمرور الزمن تبعا لحاجة المجتمع والتزاوج الثقافي العربي والاجنبي وخاصة الاوربي فهناك كما اسلفت القصيدة العمودية ذات الطابع القديم والتي تتميز في حفاظها من حيث الشكل بالوزن والقافية والبيت الشعري فيها مكون من شطر ينتهي بتفعيلة العروض التي تمثل الوتد الاصلي في بنية القصيدة ومن عجز وهوالجزء الثاني من البيت الشعري وينتهي بالروي او بالقافية و مهما تكون القصيدة العمودية فان تفاعيل الشطر فيها تساوي تفاعيل العجز بل هي ذاتها لاتنقص ولا تزيد مهما طالت القصيدة او قصرت وتقاس اهمية القصيدة وحسنها وجماليتها بهذا الترتيب في الاغلب اضافة لبواعث اخرى سناتي عليها لاحقا وقد تهيأت الاجواء للعلامة الفراهيدي البصري المتوفي سنة \ 170 هجرية من البحث في اوزان وقوافي هذه القصيدة فاستخرج انها لا تعدو عن خمسة عشر وزنا اسماها بحور الشعر او هي الحان الشعر العربي وقد جاء من بعده تلميذه الاخفش ليضيف بحرا اخر الى ابحر القصيدة العربية فكانت البحورالعربية ولا زالت ستة عشر بحرا لكل واحد منهم وزنه وموسيقاه ودائرته التي يخرج منها راجع مقالتي (النغم والايقاع) المنشورة في كتابي (في الادب والفن) وفي موقعي (اسلام سيفلايزيشن\ الحضارة الاسلامية)

اما النوع الاخر من القصيدة العربية فقد تمثلت بقصيدة الشعر الحر وفيها تحررالشاعر الحديث من اعباء القافية الشعرية –كما يقول شعرا ء الشعرالحر- الا ان الشاعر نظم قصائده في بحور الشعرالعربي التقليدية فاختار ستة بحور شعرية ليكتب قصيدته الحرة في واحد منها وهي البحور الصافية أي التي لا تدخلها تفعيلتان بل متكونة من تفعيلة واحدة اصلية مثل الرمل (فاعلاتن – فاعلاتن - فاعلاتن)او الهزج(مفاعيل – مفاعيل – مفاعيل)اوالرجز(مستفعلن- مستفعلن – مستفعلن) اوالكامل(متفاعلن- متفاعلن- متفاعلن) او المتقارب (فعولن - فعولن – فعولن) او المتدارك (فاعلن – فاعلن – فاعلن) فقد قيد الشاعر شاعريته بالكتابة في احدها بينما كان شاعرالقصيدة العمودية يكتب في ستة عشر بحرا نرى شاعر القصيدة الحرة يكتب في ستة بحور .

اما النوع الثالث من قصيدة الشعرالحديث فهو ما يسمى بقصيدة النثر وفيها اعلن الشاعر ثورته على كل القيود الشعرية بما فيها الوزن والقافية او البحورالشعرية وموسيقاها فهو يمثل انعطافة شعرية لم يعرف الشعر العربي مثيلاً لها في مسيرته من قبل. حيث مثل هذا التغيير في شكل ومضمون القصيدة العربية ذلك أنه لم يتغير على مستوى المضمون فقط، بل على مستوى الشكل والمضمون . وهذا ما لم يستطع الشعر العربي العمودي والذي تمثل في اغلبه في هذا العصر برومانسية لتحقيقه وهذه اشبه بالثورة الشاملة في الشكل والمضمون فهؤلاء الشعراء الشباب قاموا بهذا الانقلاب الشعري الجديد.

فالشعر المعاصر تلحظ فيه ثلاث قصائد تختلف كل منها عن الاخرى الا انها تتعايش مع الاخريتان في تمثيل العصر والنزعات النفسية والعواطف الانسانية تجاه الوطن او الامة وتمثل ما يعتمل في خلجات نفسية شاعرها الذي راح يحيط امته وما يكترثها او يكتنفها من احوال في قصائده .

لقد أصبح الشعر عالماً جديداً قد يصور خارجاً وقد يعكس داخلاً اي إنه رؤيا جديدة تمثل وعي الشاعر وفهمه لقضايا الحياة ومتطلباتها والفن واساليبه ومفاهيمه الحديثة او المعاصرة . وقد تكون كتابة الشاعر لقصيدة ما تكشف عن فهمه للشعر ماهيته ووظيفيته وأداء الشاعر لهذه القصيدة اوتلك .

لاشك ان لرواد الشعر العربي مفهوم للشعر خاص بكل منهم وقد يختلف عن غيره ممن سبقه أو جاء بعده كما يختلفون عن غيرهم من شعراء الشرق او الغرب بل لكل موطن شعراؤه ولكل قطر اوبلد . بل قد يختلفون فيما بينهم بسبب اختلاف نوازع منطلقاتهم ومفاهيمهم واحوالهم و مواقعهم وارائهم وإن جمعتهم الظروف المشتركة التي تمر بالوطن العربي ككل فقد تكون امالهم ومواقفهم واشكالياتهم واحدة وقد تختلف منطلقات الشاعر الواحد نفسيا نتيجة التزامه بما يحيط به مثل الاحزاب او المذاهب ادينية او الادبية وقد يتأثر هذا الشاعر او ذاك بمذاهب مختلفة او مراجع دراسية او تطويرية مع تطور تجربته الشعرية وربما يقع في تناقضات عدة بسبب عدم دقته في استعمال المصطلح ًوبسبب تبدل مواقفه الذاتية او النفسية‏ .

لاشك أن هذا الكم الهائل من الشعراء من مختلف الأجيال وعلى مر العصور يبين أن لكل جيل مفهوماً محدداً للشعر، بل إن لكل شاعر مفهوماً يختلف عماً عند غيره من الشعراء.. ولا سيما البنية الجمالية سواء في الرؤيا المتمثلة في موضوعات القصيدة او زمنها او تاريخ كتابتها كالحداثة الشعرية والأصالة اوكالمعاصرة اوفي التعبير المتمثلً في اللغة والموسيقى والتصويرالفني للقصيدة او بكل ما تمثله القصيدة من ابداع وفنية وجمالية . وقد تكمن خصائص هذه القصيدة اوتلك في التفاعل مع التراث او النظر فيه واليه باعتباره رمز ا من رموز القيم الانسانية وربما كانت هذة الرمزية مفرطة عند بعض شعراء المعاصرة او في قصيدة النثر اكثر من غيرها والذي يعد نوع من التحرر في ثقافة القصيدة الحرة او قصيدة النثر اكثر منها في القصيدة العمودية مع ضرورة تكثيف الصورالشعرية وربما وجود هذا الغموض عند البعض اتخذه لازما حيث اعتبره من مميزات قصيدة النثر وهذا لا اقره فالوضوحية هي النور الذي يكتنف القصيدة ويبين مسالكها وما ترنوا اليه وليس هذا معناه الخروج على الرمز بل ما اعنيه هو الغموض المفرط الذي اعتبره بعضهم (صفة لازمة لكل شعر جيد طالب للجدة والحداثةاو المعاصرة)

واخيرا اني ارى أن الشعر أهم أركان الفنون التي ابتدعتها البشـرية واستكشاف حالها ومراجعها وانطلاقها إلى مواقع جديدة خارج آلامها بما يمتلكه هذا الفن العظيم من رؤية ورؤيا وقدرة حدسية حالمة نتيجة المعاناة التي تبعث فيه القوة من داخل المعاناة النفسي.

 

اميرالبيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــــد روز

 

 

محمد يونس محمدروح ترسيم الصورة

الشعر يسعى وظيفيا الى تمثيل مشاعر واحاسيس او ايحاء عن الواقع، لكن روح الشاعر في الوعي تكون أشبه بفارس همام في المفردات الشعرية، ويسعى في الصورة الشعرية أن ينتصر للمعنى الحبيس يحرره ليجعله يكون علامة الحرية، والشاعر دائما يبحث عن واقع مختلف غير مستهلك، ويهدف الشاعر الى اعادة تفسير الوجود هنا عبر احساسه الشعري، وفي توصيف يعتبر روح ترسيم الصورة، وهذا يعني أن الشعر عالم مختلف، وفي تفسيره يكون الا ذاتاً شعرية مغامرة في اللغة برشاقة وبإيحاء يهتم بالمعاني المختلفة، او بالتي من التعبيرات تحرك المشاعر تجاه معنى مكتسب من فكرة جدلية، وفي نصوص ملحمة التكتك ليحيى السماوي هناك عدة جمل شعرية تؤكد المقصد، حيث لن تجد قصيدة بلا ذلك القصد، وقد تمكن الشاعر من تقطيع مفردات ويعيد بناء المفردات، وليس ذلك من اجل ايدلوجيا خاصة او عامة، بل من اجل المعنى الحياتي الذي ذبل، وفي قصيدة – صهوة – يهتم الشاعر بكسر سياق اللغة التاريخية، وفنيا يعيد بناء صورة تاريخية بعد رسمها من جديد كي توافق حقيقة معنوية:

اياك أن تركب يوما

فرس الحجاجْ

..

إن كان لابد من الركوبِ

فاركبْ

صهوة الحلاجْ

إن تلك الروح سعت الى اعادة انتاج التاريخ شعريا، وتلك الجمل الشعرية دل لنا أن ترسيم الصورة في القصائد قد تقلب من اجل معنى مهم، وهذا المقطع الشعري دل لنا على هدف الروح الشعرية الذي لا يرفع لافتة الاحتجاج، بل جعلها في الجمل الشعرية يبدو مقصدها، وخصوصا في قلب المعنى الشعري، وفي قصيدة – انتخاب – قدر الشاعر تفسير الشعر أن يكون بضمير حر، وشعور انساني اعمق مما تشعر به الذات، حيث هنا يصل الشاعر أن يكون معادلا لنصه الشعري، وتكون الروح بترسيم حر لا يحدده الا القيمة الجمالية  :

نحن

لسنا سقراط

فلماذا شربنا

سم الحبر البنفسجي

من تلقاء

اصابعنا

تلك القصيدة التي اختصرت نفسها من اجل أن يبقى المعنى الشعري كما سعى اليه الشاعر، واختصار كيان القصيدة زاد من قيمة المعنى، وكما أن موسيقى القهر الشعرية رغم ألم ايقاعها انت بادية بوضوح، وهي تعادل معنويا لافتة الاحتجاج، كما نقر هنا رغم الألم كانت مشاعر كيان القصيدة تسعى الى عدم الانتحار النفسي الذي عاشه سقراط بشجاعة، بل الى التضحية والشهادة لدخول مدار الحرية التامة الذي اختطه الحسين في كربلاء، وفي قصيدة – ماقاله النهر والقوس – والتي من اشهارية العنونة تشير لنا على وجود تلفظ قولي، اي هناك وحدة صوتية، لكن تلك الوحدة الصوتية في الشعر تجاوزت تحديد لفظ الصوت بشريا، ففي الشعر النهر والقوس ايضا يمتلكان طاقة صوتية:

قال لي النهر

كن مثلي

فأنا حين اسير

لا ألتفت الى الوراء

قال القوس

كن مثل سهمي

لا ينطلق

الا الى الامام

شكلت الصوتية الشعرية انفراج المعنى عن السياقية، وقد جعله البناء الشعري يكتسب من فلسفة النهر والقوس أفكاراً مهمة، خصوصا في المواقف وتأكيد وجود لافتة الاحتجاج خصوصا في ترسيم المعنى المختلف .

مبادرة البلاغة –

شكل محور قصائد – ملحمة التكتك – مبادرات في الكتابة الشعرية الى تفسير معنى مهم ليس شخصيا او ذاتيا، بل معنى يجتمع به كل الذي يسعى يبني الحياة، وتلك المبادرات الشعرية قدمت امثلتها في القصائد دون تزويق، بل اعتمدت على الحس الشعري القريب جدا من المعنى الحياتي، واستفادت المبادرات من اللغة الشعرية كثيرا كي ترسم صوراً تعتمد  على البلاغة الشعرية من جهة، ومن جهة اخرى على التناص الشعري، فنجد نفس البلاغة واضحا في اولى القصائد، فقصيدة – جلالة الخليفة – اعتمدت على الوعي الشعري في رسم صور جديرة قيميا  :

ما الفائدة من رسمك للرعية

قوس قزح

اذا كنت ستطفىء خضرة الحقول

وصفرة السنابل

وزرقة لسماء

وحمرة الشفق

وبياض الصباح؟

تميز هذا المقطع الشعري بكثافة لونية زادت من قيمة الجمل الشعرية، وبدت القصيدة كما لوحة من جهة هناك بعد للكفاح في الحياة، وهناك بعد اخر معتم ويجعل المستوى البصري لا ينجذب اليه، بل على العكس، وفي المقطع رغم الشعور القهري لكن هناك احساس بوحدة الجمال التي تعكسها الالوان، وفي قصيدة بلاغة شعرية اخرى نجد أن قصيدة – تماثل – قد اعتمدت على وحدة عضوية لكن مهدت لها أن تكون تناصية في الجمل الشعرية، حيث كان الخشب وحدة تناص قد بدت في الجمل الشعرية بامتياز يعكس بلاغة مبادرة :

قبقاب الحمام وكرسي الخليفة

خشبهما من شجرة واحدة

كذلك سرير الامبراطور

وتابوت الشحاذ

بدت الجمل الشعرية جميعا تشترك تناصيا في مفردة – الخشب – حيث أن القبقاب والكرسي والسرير والتابوت تلزمها الوحدة التناصية في الاتفاق كأنها اجزاء خشب متعددة التوصيفات، وهنا توجد بلاغة في تأكيد الاشتراك الوظيفي، وفي قصيدة – ما قاله العصفور- هناك مبادرة الى البلاغة الموضوعية، والتي شعريا تبدو كما مذهب فلسفي مشوف الطلاسم  :

قال العصفور

أن يكون المرء سنبلة تنبت

في الارض

خير له من أن يكون

حقلا شاسعا

في صورة معلقة  على جدار

قدمت تجربة الشاعر يحيى السماوي في قصائد – ملحمة التكتك – خطابها الشعري المستحدث والمعاصر، والذي كان اشبه بلافتة احتجاج بليغة وبمشاعر سامية على الموقف الايدلوجي، وكما صاغ لنا جملا شعرية بليغة في البناء وانتاج المعنى الحر وليس الحبيس سياقيا، فكان المعنى يضج بالاختلاف والتجدد .

 

محمد يونس محمد

 

عبد الله الفيفيتستوقفنا في بقايا العَرَبيَّة المدوَّنة ظواهر تدلُّنا على أنَّ قواعد النُّحاة شيءٌ ولغة العَرَب قبل التقعيد شيءٌ آخَر قد يختلف.  ومن ميزات الشِّعر العَرَبي، بقانون عَروضه الصارم وقوافيه، أنْ حَفِظَ لنا شواهد على تلك الظواهر اللغويَّة، لا تقبل الشكَّ.  ففي العَروض، يدلُّ قول الشاعر، على سبيل المثال:

أَرِقـتُ لِــبَـرقٍ دُونَــهُ شَــدَوانِ ... يَمـانٍ وأَهـوَى الـبَرقَ كُـلَّ يَمـانِ

فظَلْتُ، لدَى البَيتِ العَتيقِ، أَخِيْلُـهُ ... ومِطْـوايَ مُـشـتـاقـانِ لَـهْ أَرِقــانِ

على لهجةٍ عربيَّة، ما زالت مسموعةً إلى اليوم، تُسكِّن الضمير في "لَهُ". ولولا الوزن لما بقي لنا هذا السِّجِلُّ عن بعض لغة العَرَب المنطوقة قديمًا.  وتلك اللهجة هي (لهجة سَراة الأزد). والبيت من قصيدةٍ منسوبةٍ للشاعر الأُموي (يَعلَى الأَحول الأَزدي، -90 هـ= 710م).  فلقد نَصَّ (الأخفش الأوسط)(1) على أنَّ تلك لهجة (سَراة الأزد)، واستشهد بالبيت.  على حين بَرِمَ بعض النُّحاة بالبيت؛ فعَزَوا ما وردَ فيه إلى الضرورة الشِّعريَّة، من حيث أُقفِلت عقولهم على عَرَبيَّةٍ لا تختلف في شيءٍ عن قواعدهم.  فيما حوَّر آخَرون البيت ليستقيم وتلك القواعد، فجعلوه: "ومِطْوايَ مِنْ شَوْقٍ لَهُ أرِقانِ"، وليذهب الشاعر، ولهجته، وأمانة الرواية، إلى الجحيم! (2)

وكذا نقف في القوافي على ما سمَّاه العَروضيُّون (الإقواء)، وهو اختلاف حرف الرويِّ في الحركة.  وتلك ظاهرةٌ غير محدودةٍ في الشِّعر العَرَبيِّ القديم، جاهليِّه وإسلاميِّه، لم تختفِ إلَّا منذ العصر العبَّاسي تقريبًا.  ويكفي المرءَ أن يستقرئ كتاب "الأغاني"، لـ(أبي الفرج الأصفهاني)، وهو كتابٌ في الشِّعر المُغنَّى أصلًا، ليعرف مقدار تفشِّي الإقواء في الشِّعر العَرَبي. وما هو بإقواء، إلَّا بعد أن حُكِّمت فيه قواعد النحويِّين؛ فصار الرويُّ يُرفَع ويُنصَب ويُـجَـرُّ، حسب القواعد المفروضة. 

ولو طُرِح السؤال هنا: أ كان الشاعر يُخطِئ في النغَم، أم في النحو؟ 

لبدت الإجابةُ: إنَّ الخطأ في النغَم صعب التصوُّر؛ لأنَّه شأنٌ صوتيٌّ موسيقيٌّ، يُدرِكه الشاعر بالفِطرة، وبأيِّ لغةٍ صاغ شِعره.  على الرغم من بعض الحكايات التفسيريَّة لما يُسمَّى (الإقواء)، التي تبدو مصنوعة؛ لتنسبه إلى الخطأ في التقفية، لا إلى بناءٍ نحويٍّ كان مستساغًا.  من مثل قِصَّة الإقواء في شِعر (النابغة الذبياني)، ووفوده إلى (يثرب)، ومن ثَمَّ إدراكه العيبَ في شِعره لمـَّا أسمعوه إيَّاه مغنًّى.(3)  وهذا مستبعَدٌ جدًّا؛ لأنَّ حاسَّة الشاعر الموسيقيَّة أدقُّ من حاسَّة المغنِّين والموسيقيِّين.

ولقد كانت الظاهرة ملحوظةً لدَى الشعراء، بدءًا من (امرئ القيس) في معلَّقته، ذات الرويِّ المكسور.  التي جاء فيها بيته، الذي حار في إعرابه الرواة:

كَأَنَّ أَبانًا في أَفانينِ وَدْقِهِ ... كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ (مُزَمَّلُ)

وصولًا إلى الشعراء الأُمويِّين، (كجميل بُثينة، -82هـ) (4)، القائل:

عَلى ظَهْـرِ مَرهُـوبٍ كَـأَنَّ نُشُــوْزَهُ ... إِذا جــارَ هُـلَّاكُ الطَّـريقِ وُفُـــــوْدُ

سَبَتْني بِعَينَي جُؤْذَرٍ وَسْطَ رَبْـرَبٍ ... وصَـدْرٍ كَفاثُـورِ اللُّجَـيْنِ وجِـــــــيْـدِ

وكـ(ابن الدُّمَينة، -130هـ) (5)، وهو شاعرٌ بدويٌّ فصيحٌ، حيث يقول:

بأَهْـلي ومـالـي مَن بُـلِـيتُ بِحُـبِّـهِ ... ومَن حَـلَّ في الأَحـشَاءِ دَارَ مُقَـامِ

...

وإِنِّـي لَـيَـثْـنِـيني وما بِـي جَلادَةٌ ... عَنَ اْتِـيْـكِ أَقـوَامٌ  عَلَـيَّ (كِـرامُ)

مَخافَةَ أَنْ تَلْقَـي أَذًى أو يُـفِـيدَنِـي ... هَـوَاكِ مَـقـامًا لَيسَ لِـي بِـمَـقَـامِ

...

عَلِمْتِ الَّذِي يُرضِي العِدَى فَأَتَيتِهِ ... كـأنْ لَـم يَـكُـنْ مِــنَّـا عَليكِ (ذِمــامُ)

فإِنْ كُـنتِ تَجـزِينَ الـمُحِبَّ بِحُبِّهِ ... أُمَـيمَ، فَقَـد، واللهِ، طالَ هُـيامِـي

...

وِصالُ الغَوَانِي، بَعْدَ ما قَد اذَقْتِني ... عَـلَـيَّ إِذا أَبـْلَلْتُ مِـنكِ (حَـرَامُ)

فالراجح أنَّ الشاعر لم يكن يُقْوِي، بل يقول: "كِرامِ، ذِمامِ، حَرامِ"، برغم القواعد (السِّيبويهيَّة)!

والشاهد أنَّ العَرَبيَّة، بعد التقعيد، قد أُلزِمتْ بما كان العَرَب لا يلتزمون به قبل التقعيد دائمًا، بل كانت لهم فيه سَعة.  وما بُني من قواعد العَرَبيَّة إلَّا على الغالب من كلام العَرَب، غير المطَّرد بإطلاق.  ولا يَحتجُّ بقواعد النحويِّين عالِـمٌ على مَن سبقهم إلَّا على سبيل الرُّجحان من استعمال العَرَب، وحسب الاستقراء المتاح إبَّان تدوين العَرَبيَّة.  ومَن فعلَ ذلك، فقد تنطَّعَ، جاهلًا أو متجاهلًا حكاية نشأة النحو، وليدًا، فشيخًا، فمعلِّم صِبْيَة، يضرب بعصاه بَحْرَ العربيَّة، وإنْ إلى (سَيناء) التِّيْه!

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيـْفي

...........................

(1)  انظر: (يناير/ فبراير/ مارس 1986)، "كتاب العَروض للأخفش"، تحقيق ودراسة: سيِّد البحراوي، مراجعة: محمود مكي، (مجلَّة "فصول"، (القاهرة)، المجلد 6، العدد 2: ص ص125-161)، 148.  

(2)  انظر: (1979)، خزانة الأدب ولُبُّ لُباب لسان العَرَب، تحقيق: عبد السلام محمَّد هارون، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 5: 269- 000.  وينقل إلينا (البغدادي) أنَّ تلك اللهجة كانت في (بني عقيل)، و(بني كلاب)، أيضًا.  

(3)  انظر: الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 11: 9.  ونزعم أنَّ سببًا قَبَليًّا أيضًا كان وراء حكاية (النابغة) تلك، وتعلُّمه تلافي عاهة (الإقواء) في (يثرب)، موطن (حسَّان بن ثابت). (انظر: الفَيْفي، عبدالله بن أحمد، (2009)، ألقاب الشُّعراء: بحثٌ في الجذور النظريَّة لشِعر العَرَب ونقدهم، (إربد- الأردن: عالم الكتب الحديث)، 76).  

(4)  (1979)، ديوان جميل، جمع وتحقيق وشرح: حسين نصَّار، (القاهرة: دار مِصْر للطباعة)، 66.  وفي كلمات الشطر الثاني من البيت الأوَّل اختلافٌ بين الرُّواة. على أن (الإيطاء) في قصيدة (جميل) هذه أمرٌ آخر، عجيبٌ.  والإيطاء: تكرار كلمات القوافي. 

(5)  (1959)، ديوان ابن الدُّمَينة، صنعة: أبي العبَّاس ثعلب ومحمَّد بن حبيب، تحقيق: أحمد راتب النفَّاخ، (القاهرة: مكتبة دار العروبة)، 43- 44. 

 

 

حيدر عبدالرضامؤشرات الرؤية الزمنية وتماثيل التشكيل في فواصل المحاور الزمنية

توطئة:

لا يكف المستوى الوصفي في مؤشرات المحدد الزمني، إلا أن يكون تلك الضرورة للصيرورة المحورية في المشهد القصصي العام والخاص، وذلك الباعث الأيقوني الذي من خلال علاماته تتسع وتدرج اتصالات الفاعل الذاتي في وظيفة البناء الفواصلي الناجم من تمظهرات أحوال علاقة الأمكنة إزاء نوعية ذلك الزمن أو الأزمنة المحاكاتية في موجهات عتبة النص الأولى .من هنا يمكننا التعامل مع مستهل العتبة الأولية من قصة (ساعات كالخيول)، على أنها جاءتنا بطريقة (فواصل المحاور) المتصلة في ممكنات الفعل السردي وعلاقاته، وبهذا فأن هذه الفواصل في المحاور أخذت تعرض بدورها جملة من تنقلات الشخصية المحور، في طبيعة صيغة حاضرية من الفاعل الذاتي وأفعاله إزاء عوالم حكاية ذلك البحار الساعاتي القاطن في أقصى مدينة الجنوب، وتعد مراجعات وأحداث الشخصية مع موجودات كينونة الفعل الزمني (الساعات القديمة) هي بمثابة المنظومة الاستدعائية والاسترجاعية لحكايات علاقة الزمن بالمكان ومحاور الصورة الشخوصية العائمة في قاع من الزمن وأعماق خصوصية البحر . ولعل من أهم ما جاءت به قصة الكاتب محمد خضير، ذلك الاستخدام الوصفي الخارق في رؤية مستوى وظيفة المشاهد في النص، وربطها ضمن خصيصة خاصة من تفاعلات الذات الشخوصية واهتماماتها في سياق مسرودات النص . 

ـ مكانية الفاعل السردي وتراتيب العلاقة الزمنية .

ثمة تقاطعية مشهدية خاصة، تتركز في علاقة العتبة الأولى من النص إزاء محمولات من المحاور الفاصلة في البعد الزمني والمشهدي: (قد يحدث هذا اللقاء / أصلح ساعتي / وأخرج إلى أرصفة الميناء / ثم أعود آخر الليل إلى الفندق / فأجده نائما في فراشي / يدير وجهه للحائط / ويعلق عمامته الحمراء على المشجب . / ص55) تستوقفنا هذه الأفعال التوزيعية القادمة من على لسان السارد العليم أو الشخصية المشاركة من جهة ما، حتى آخر مقاطع الختامية من القصة ذاتها، فيما تبدأ الحكاية بوقائع من الوظيفة التراتيبية بواسطة الفاعل الذاتي، ليخبرنا: (ما زلت أملك حتى اليوم مجموعة من الساعات القديمة، تلقيتها من عم لي كان بحارا . / ص55) وتعزيزا للمسافة في لغة الحكي، نعاين جملة من الأحداث الخاصة والمتحصلة عبر كيفية تقادم الفعل السردي نحو مسار من الكشف: (ساعات جيب قديمة ذات سلاسل وأغطية مطلية بالفضة، يحتويها صندوق خشبي صغير في جيوب من القماش الأزرق اللامع / كنت أخرجها من جيوبها الزرقاء وأتفحص صناعتها محاولا أن أكشف شيئا فيها يتعدى ـ الزمن المحشو كقطن قديم في حشية صغيرة ـ كما دونت في دفتر مذكراتي يوما . / ص55) وباستقرائنا لهذه الوحدات السردية، التي تهيمن عليها تفاصيل الوظيفة التواصلية إلى جانب لغة القدم أو المذكرات أو الصندوق الخشبي أو سلاسل وأغطية، وهذه المحاور المشكلة بدورها للأداة (الذات الداخلية) أو أنها الذات الباحثة في انشطارها الزمني ما بين وعي الذاكرة ومضمر الذات الغائبة بذاتها الزمنية ومنذ سابقة العتبة الأولى (قد يحدث هذا اللقاء .. أصلح ساعتي .. أرصفة الميناء .. يدير وجهه للحائط .. عمامته الحمراء على المشجب) أي بمعنى ما أن الذات في محكي النص هي بمثابة فاعلية الخطاب الزمني، حيث أن علامة فعل ملفوظها داخل حالات النص، غدا يشكل بذاته ذلك التشخيص المضمر في حكاية البحر وقصص أولئك البحارة في كهوف قصورات مراكب الإبحار الخشبية الراحلة نحو جزر الخليج العربي والهندي . ونلاحظ موقع الشخصية في مكان ما داخل المقهى: (تسكعت طويلا في سوق الدجاج قبل أن أجلس في مقهى . أقبل القهوجي وسألني عن الوقت .. سحبت الساعة بهدوء من جيبها الأزرق . كانت ساعتي عاطلة عن حساب الوقت شأن ساعات الصندوق الأخرى . / ص55) أن السارد الشخصية في هذه الوحدات، قد يتبدى منفصلا عن صوت الزمن الحاضر من حساب الوقت، إذ إن ظهور توقف (ساعتي عاطلة) يشير إلى التمسك بواقع دلالات زمن (دفتر مذكراتي .. يوما .. الزمن المحشو .. كقطن قديم .. أعود آخر الليل .. يعلق عمامته على المشجب) فهذه التشكلات الزمنية هي اللحظات السكونية في وحدات النص التي تقودنا إلى انفصال المحاور الزمنية عن بعضها البعض، فيما تبقى فاعلية المكان الشخوصي، بمثابة العلامة الفاصلة بين الماقبل والمابعد الزمني، وحتى ذلك الحوار المتواصل بين القهوجي والشخصية، إذ بات يشكل دليلا على نمو وتعطيل مؤشرات الزمن المفصول عن عينات أفعال الزمن الحاضر تماما: (ـ هل كان قريبك بحارا ؟ ـ نعم،: لم يبق من مشاهير البحارة أحياء سوى ثلاثة أو أربعة: قريبي كان يدعى مغامس، ـ مغامس ؟ لا أعرفه / هكذا البحارة ! نسيت بحارا يدعى مرزوقا ؟ .. يسكن الفاو منذ أن وطأ اليابسة آخر مرة . فتح دكانا لتصليح الساعات هناك بعد أن تعلم الصنعة من البرتغاليين . أنه وحده يستطيع تصليح ساعات قديمة كساعتك . / ص56) .

ـ الساعاتي ورؤية الملحمة الزمنية . إن ماهية الترتيب الخطي في وظيفة مسار الأحداث، قد لا يعفها من تمويه بعض الأسرار اللازمنية داخل مستوى إشكالية زمن الشخصية (الساعاتي) إزاء منظور تفاوت وانفلات وخروج وتقاطع وفواصل الخيط الزمني الحقيق لديه افتراضا . إن فكرة التركيز على حاضر وصول الشخصية الساردة إلى مكان إقامة الرجل الساعاتي، ذلك الرجل العجوز الغاطس في موانيء طقطقات وتكتكات عقارب ساعاته، راح يشكل بذاته ذلك الظهور الممتد نحو عمق ماكنة الزمن الذاكراتي . وتتداخل زمانية تطبيقات أنظمة الساعات في استجلاء ذلك المكون الحكائي من وسط حضوراته المعلقة بمادة التذكر وتحقق شواهد الأعوام الخاطفة من سيرورة تقاويم عقارب ذاكرة الرجل العجوز الساعاتي: (قادني الصبي إلى الساعاتي ووضعني أمام بيته وانصرف . فجوة لبلاطة منزوعة من مكانها في إفريز الباب العلوي تجعل هذا المخل لا ينسى يوما ما من الأعوام الاستوائية، توقف قبلي بحار مزعزع بدوار البحر، أو جندي من السيخ تكبله الشهوات، ونظر إلى البلاطة التي حفر عليها تاريخ أو عبارة، قبل أن يواصل رحلته المجهولة . / ص58) القابلية الرمزية في لغة القص، تضعنا أمام خصيصة دلالية مصدرها تعاقب محاور الشخوص الزمنية في خطوات وتخطيات حدود العتبة التناظرية الواقعة ما بين صياغة الحكاية التي علقت على شاهدة عتبة منزل العجوز الساعاتي، وقد تكون هذه الأعوام الاستوائية بمثابة البوصلة البانورامية في شريط تعدد المراحل الزمنية والعقود التي سلخها هذا الساعاتي في تواريخ وتقاويم غابرة في ملحمة الساعات العمرية والحكائية على ظهر وداخل غرف سفن البحر . من هنا تقودنا البنية الحكائية إلى خطاطة دهليزية محفوفة بعشرات أمكنة الساعات القديمة وأجسادها الفضية المفتوحة نحو تقادم وانسلاخ الزمن، ومع دخول الشخصية الساردة إلى منزل ذلك الساعاتي الكهل، تصادفنا هذه الوحدات من السرد: (كانت الساعات جميعها تتشابه في حجمها وعتق خشب صناديقها، وفي شكل موانيها المستديرة وأرقامها اللاتينية وعقاربها الدقيقة السهمية، سوى أن هذه العقارب تشير إلى أوقات مختلفة . / ص59) .

1ـ اختلاف العلاقة الزمنية وانعكاس الاستبصار الذاكراتي:

ما الذي يعنيه محمد خضير من مؤشرات هذه الوحدات (كانت الساعات تتشابه في حجمها / وعتق خشب صناديقها / سوى أن العقارب تشير إلى أوقات مختلفة ؟) ما يعنى هنا افتراضا، بأن زمن مصدر الساعات عائدا إلى مرحلة واحدة أو أكثر من عدة رحلات، ما يجعلنا نخمن تواقيت أزمنة ساعات تلك الصناديق العتيقة، والتي تحمل حسابات ووجهات البلدان التي جلبت منها، فيما ظل الزمن الحاضر على تلك التكتكات والأصوات المتحركة منها بمثابة الزمن المجهول في فعله المضارع، كرحلات ذلك البحار المجهولة في النص: (كان لابد من أن أتبع استدارة الرواق الخفيفة لأفاجأ بآخر البحارة العظام في قبوه . / ص59) وفي سياق مؤشرات مكانية ال (استدارة الرواق) تكمن حقيقة حسابات الزمن النصي، فهذه الاستدارة هي مدار العلاقة الرابطة بين الزمنين (زمن الشخصية ـ اداة الحضور / زمن الساعاتي العجوز ـ فضاء الزمن المعطل في فعل الحاضر وقد نجد تقابلا ما بين زمانين وفضائين، بين ماضي الساعاتي العجوز وساعاته، وبين الشخصية الساردة وزمن ساعته المعطلة: (تعلو رأس ساعاتي، كانت على وجه الدقة ماكنة ضخمة دقائق مصنوعة من النحاس الأصفر رفع ميناؤها وجردت من صندوقها فتجلى الزمان فيها عاريا لامعا على تروسه المسننة بتسلل آلي منتظم، من لفك الزنبرك إلى البندول المتأرجح في ذبذبة متوافقة، ومنتهيا بزحزحة العقارب مسافة معينة من رحلة الزمن . / ص59 ص60) .

2ـ مساحة إبطاء لغة الزمن .. مساحة إبطاء زمن النص:

أكيد إن عملية تتابع عمل أحشاء ماكنة الساعة، تتطلب من الكاتب محمد خضير ذلك الإبطاء في محيط أشتغالية زمن العجوز الساعاتي، وذلك الزمن الذي يتطلبه شرح العجوز نفسه واستفسارات الشخصية المشارك في النص، كما وذلك النهج الآلي في محرك أحوال الساعة العارية، والتي يمكننا عدها بمثابة المعادل الموضوعي والنصي المقارب إلى شخصية العجوز الساعاتي عبر زمنه الأسطوري وإلى جانب تكتكات كائنات خيول الساعات وخيول البحر . غير إن الحساب الزمني في النظر إلى ربط علاقة محرك الساعات بزمن العجوز قد يتطلب من القاص نفسه مقاربة خاصة وركيزة مختبرية أكثر مساحة وأبلغ مما عليه طبيعة بناء موضوعة النص ودلالاته، قد نفترض من جهة ما، من أن المبدع الكبير محمد خضير أراد حالة ربطية أو معادلة ما من شأنها قياس عمل أحشاء ماكنة الساعة بمحتوى علامة الساعاتي نفسه؟ ولكنها تبدو لنا النتيجة وقوع الإشكالية المعادلة في الطرف الثالث وهو زمن الشخصية المشاركة التي تفترض لموسومية ساعتها الاشتغال في الزمن المضارع، وإذا اتفقنا من جهة أخرى بأن هذا الشأن من حصولية الطرف الثالث على سلامة مضارع أفعال زمن ساعته، فيمكننا القبول بإحتمال أن الساعاتي ما هو إلا اتصالا حاضرا في حساب الزمن الحاضر، وليس محض نغمة ذاكراتية تستهويها عقارب وتكتكات من الحساب الماضوي المتحجر في ميناء أيقونته العمرية والزمنية . على أية حال تنعقد تساؤلات الشخصية المشاركة نحو مصير سلامة تصليح ساعته: (كان يحتفظ بساعتي في قبضة يده، قال: قد تدق عدة ساعات سوية تدق على هواها .. لم أشأ توقيت ساعاتي بوقت واحد .. كلفت أبنتي بملئها فقط . إنها تتسابق كخيول .. عندي ساعات أشتريتها من الناس الذين نهبوها من دور الموظفين الأتراك الذين أخلوها على عجل بعد سقوط البصرة .. كما حصلت على ساعات تركها اليهود المهاجرون فيما بعد . / ص60 ص61) يمكننا فهم حكاية وثيمة (الخيول) في محاور دلالات النص، على أنها أمكانية الاستعارة الزمانية، وتفاوت جهات مؤشراتها الإقليمية، كما يمكننا عد الخيول أيضا بالمسافة الذاكراتية وعدوها الزمني كعقارب الساعات في منظومة التبئير النصي، مع ذلك فإنها تلعب دورا تشكيليا خاصا في فضاء مخصوصية دلالات النص: (تتسابق كخيول ـ زمن سقوط البصرة ـ تواريخ اليهود المهاجرون ـ حامية قلعة قائد الفاو التركي) أن القارىء قد يلاحظ بأن زمن السرد في النص القصصي لا يتحرك إلى الأمام، عبر تلك المساحة المنفتحة من الفعل التبئيري في القص، بل أنه غدا ركيزة لارتدادات زمنية خاصة بتواقيت متفاوتة في حسابات الأزمنة القديمة من رحلات ذاكرة البحارة في سفن شحن الخيول والطواويس والقرود والخمور الهندية .

3 ـ التناسب بين تواقت الحكاية وواقع الاحساس بالزمن:

وهو الأمر الذي يقودنا إلى تبيان الموازاة بين حكاية العجوز الساعاتي والاحساس بارتباط الزمن المبثوث من كلام العجوز نفسه، اقترانا بالانطباعات التوقيتية الصادرة من تخالف وتفارق من مواعيد وحسابات زمن الساعات القديمة: (الخيول كان تثير ضجيجا وغبارا عندما يسحبونها من أعنتها إلى السفينة التي كانت تقف في نهاية إسكلة تمتد إليها من الضفة . كانت السفينة تهتز وينعقد فوق رؤوسنا نثار التبن فيما ينادي السواس الخيول بأسمائها طالبين منها الهدوء حتى يكملوا ربطها في مرابطها .. لم يكن الأمر سهلا، فطيلة الرحلة كانت الأمواج أو سكون البحر غير المنظور يثير فرسا من الأفراس أو يمرضها مما يستدعي أن يقضي سائسها الليل معها رقيبا أو مؤنسا . / ص64) وبالمقابل من حكايات البحر، توافينا حكايات ذلك المضيف المسقطي الذي كان يتدبر شؤون ضيافة البحارة، تخبرنا القصة على أنه (رجل جبلي من قبائل الجبال المواجهة للخليج .. ثم أنه كان ساحرا . / ص64) وفي ختام النص تكشف لنا وحدات القص إلى تسلم الشخصية المشاركة لساعته (أطبقت على الساعة راحة يدي، وأنصتنا للبحر يدوي في ساعات القبو .. القوام الرشيقة للخيول تجري في شوارع الميناء، وتخطف في زجاج الساعات الدقائق الكبيرة . الساعات تتكتك، تدق حوافر رنانة، دقات تتدافع كالأمواج . / 67) ولعل هذا الحساب الزمني هو السبب من وراء مجيء الشخصية إلى العجوز الساعاتي حتى يكشف لنا لعبة المماثلة التخييلية في مؤشرات الرؤية للزمن المتعاضد في تشكلات فواصل المحاور النصية .

تعليق القراءة:

في الواقع التقديري الشخصي، وليس النقدي، أقول أن من أهم تجارب قصص الكاتب الكبير محمد خضير، أي ما بعد مجموعته الخالدة (المملكة السوداء)، هي نصوص (في درجة 45 مئوي) فهذه التجربة للأسف لم تحض بذلك الوعي النقدي الذي يؤهلها تنظيريا وتطبيقيا، ولكن لربما نقادنا في ظلالة وغفلة من الوعي عن فحوى دلالات هذه المجموعة الساحرة، والتي هي أسمى ما كتبه المعلم السردي الكبير محمد خضير في تجربة (الحكاية البانورامية) في الأدب القصصي، وهذا الأمر بدوره ما ينسحب على دلالات قصة موضع بحثنا (ساعات كالخيول) لما يتوافر في أبعادها الصورية والدلالية والأسلوبية من أسرار الزمن باللازمن وذلك الإنتقاء الدقيق لأهم وظائف مؤشرات الرؤية الزمانية الكامنة في تشكلات فواصل الأنساق والمحاور الداخلية والخارجية من فضاء علاقات النص القصصي المكين.

 

حيدر عبد الرضا

 

 

الطيب طهوريللروائي بكر السباتين

1- مضمون الرواية:

صخرة نيرموندا رواية الوجع الفلسطيني..رواية الظروف التي أدت إليه..

تحكي الرواية ،وبأسلوب فيه الكثير من الشاعرية والتفاصيل الحية للمكان، قصة حب سعد الخبايا ليافا..لنيرموندا المعادل التاريخي ليافا ..لبلقيس حاضر يافا المحاصر.. لعبير المستقبل الضائع المبحوث عنه..

تحكي حركة حياته كفلسطيني يتعلق بمدينته،ومن خلالها بكل فلسطين، يتشبث بحبه لها ويضحي من أجلها..

مع حكايته تحكي حياة كل الفلسطينيين الذين واجهوا بكل ما أمكنهم فعله أولئك الصهاينة الذين كانوا يعملون بشتى الوسائل على تهجير الفلسطينيين والحلول محلهم..

تحكي كيف انتقل سعد الخبايا من حال الخوف والذاتية ، التي لا تتجاوز حدود التفكير في عيش أسرته التي صار معيلها بعد موت أبيه ، إلى حال الوعي النقيض، وعي وجوب الارتباط بالآخرين من أبناء بلده والعمل معهم على مواجهة مكائد الصهاينة ،وذلك منذ لحظة إخبار الطفلة عبير له بأن أباها يريد قتلها ثم غيابها المفاجئ عن عينيه بعيدا..

تبرز الرواية في سيرته الكثير من خبايا التاريخ..خيانة بعض الفلسطينيين لبلدهم وأهاليهم.. خيانتهم لقضية الوطن الذي يخطط الصهاينة للاستيلاء عليه، إما لنقص في وعيهم أو لأنانيتهم وبحثهم من خلالها عن مصالحهم الخاصة ، ليس إلا..تعاونهم مع الصهاينة أحيانا..خيانة بعض الأنظمة العربية لفلسطين وخضوعها لإرادة الإنجليز في إنشاء وطن للصهاينة في فلسطين... دور الإنجليز والأمريكان في تمكين الصهاينة من تحقيق مرادهم..

2- بنية الرواية:

لتعميق إبراز مختلف أبعاد الرواية تاريخيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا ،وتحقيق التكامل بيت شكلها ومضامينها، ركز الروائي في بناء روايته على العناصر التالية:

*-استرجاع الماضي كطريق لوعي الحاضر وإدراك تداعياته:

منذ اللحظة التي رأى فيها سعد الخبايا الطفلة عبير شبيهة أمها بلقيس راح وهو يسن السكاكين يسن ذاكرته أيضا في عملية استرجاعية لولبية لحياته قبل تلك اللحظة..

منذ تلك اللحظة يبدأ فعله في حاضره بحثا عن عبير..بحثا عن بلقيس..منذها تلك اللحظة يبدأ وعيه بما يجري ..ينتقل من حال إلى نقيضها.. يصير مهموما بمدينته.. بمستقبلها..يتفاعل مع الآخرين من المهمومين مثله، يخططون لما يرونه وسيلة فعالة لمواجهة الصهاينة الذين كانوا يتدفقون ومن كل الجهات، على يافا،وينفذون ما يخططون..

هكذا إذن بني بكر روايته على أساس المزاوجة في الأحداث بين الحاضر والماضي ، بدأ من هذا الحاضر..

تُرى هذه المزاوجة كذلك في أسماء شخصيات الرواية..وظف أسماء شخصيات هي ابنة حاضرها، مثل: الباشا بطرس والمحامية منى إبنته والاستاذ كنعان وابنه عزمي وعبد الجواد..وظف أسماء أخرى استقاها من التاريخ: نورميندا وداود وبلقيس..

كل تلك الأحداث التي انطلق في عرضها منذ تلك اللحظة متوجها إلى الماضي تارة وإلى الحاضر تارة أخرى، كان الهدف منها التوجه إلى المستقبل خوفا عليه وعملا من ثمة على الحفاظ عليه حيا في نفوس وعقول الفلسطينينن، وعملا على بنائه بما يجعله يتحقق فعلا..

بدون مستقبل يجذبنا إليه ويدفعنا إلى العمل من أجل بنائه ينتهي كل شيء..تمتلئ النفوس باليأس..واليأس هو وسيلة الخضوع للأمر الواقع..

من هنا رأينا بحث سعد عن بلقيس وطفلتها عبير..بلقيس وعبير هما مستقبل سعد..مستقبله القريب ومستقبله البعيد..وسعد ليس فردا منعزلا ..إنه الآخرون ..

من هنا كان اشتراكهم في البحث معه عنهما..

*الصراع : وقد تمظهر في جوانب عدة:

أ- صراع نفسي في شخص سعد الخبايا بين الخوف الذي تحكم فيه طويلا بفعل عوامل كثيرة تربوية( حكايات الأغوال وما إليها من حكايات خرافية زرعت الخوف في نفسه منذ صغره) واجتماعية ( فقر أسرته ووجود نفسه المعيل الوحيد لها) ، من جهة، ووعيه النصالي الذي كان يتشكل تدريجيا بفعل تجاربه في الحياة ، ممثلا في حتمية مواجهة ما كان يتربص بيافا (فلسطين ككل) مع الآخرين من الذين يحملون نفس وعيه..

ب- صراع مع الفقر( اجتماعي) ، حيث هو في حاجة ماسة إلى العمل ليعيل اسرته، وقد مر بأعمال عديدة كانت تنتهي دائما تقريبا بما يجعلها أعمالا مؤقته ومحاصرة بما يجعلها تفشل في النهاية ..

ج- صراع مع الجهل، حيث غادر المدرسة مبكرا، وهو ما جعله لا يفهم الحياة على حقيقتها إلا بعد اندماجه في الحياة وتجاربها ..

د- صراع مع الآخرين..مع خطاف ابن وطنه الضائع في عالم تغييب عقله( الخمور والمخدرات) ..مع داود المحتال الصهيوني والذي عرفه على حقيقته بعد تنبيه الآخرين له، من جهة، وتتبع وملاحظة سلوكه المتناقض المضر بالاخرين من ابناء فلسطين، وبه هو بالذات ( سعد)

ه- صراع مع الصهاينة ممثلين في المهاجرين السريين والمقيمين الذي شكلوا وحدات مسلحة تعمل على تخويف الفلسطينيين والقيام ببعض الأعمال المؤذية لهم، ودفعهم من ثمة إلى مغادرة يافا ببيع منازلهم وممتلكاتهم تارة وبالخروج منها دون مقابل سوى بقاء أجسادهم على قيد الحياة..

و- لا يكتفي الروائي بكل هذه الصراعات الخاصة بسعد والعالم الذي يتحرك فيه..يوسع الروائي من دائرة الصراع في روايته..هناك صراع أميرة يافا نيرموندا مع الغزاة..هناك صراع بلقيس مع زوجيها ومع الصهاينة أيضا..هناك صراع الوقواق الوافد مع الطيور الوطنية ..إلخ..

الصراع بكل هذا الزخم يجعل من الرواية رواية حية أكثر حركة وأكثر تاثيرا، خاصة وقد ارتبط ( الصراع) في كل تجلياته بالخير والشر..حيث سعد ومن في صفه يمثلون الخيربامتياز، وحيث داود ومن في صفه من الصهاينة ومعاونيهم من خائني القضية يمثلون الشر ، بامتياز أيضا..

* إبراز جمال يافا من خلال سكناتها وسكانها وعلاقاتهم ببعضهم البعض، حيث نجد اعتناء السكان ببيوتهم وتجميلها وبملابسهم وحتى بأخلاقهم، واعتباره يافا مدينةعالمية بكل ما تتمتع بها من حياة تجعلها تضاهي مختلف مدن العالم الحية..

وكأنه بذلك يعطينا السبب الذي يجعل الصهاينة يعملون المستحيل من اجل الاستيلاء عليها وجعلها من ثمة مدينة خاضعة لهم ..

من مظاهر الجمال في الرواية:

- "فتعجبه تلك البيوت الحجرية التي غطي بعضها بالسقوف المائلة،وقد رصفت بالقرميد الأحمر ، فتتكئ على بعضها بعض في تدرج أخذ يتناهى حتى شارع الميناء .. بينما تطل شر فاتها المزخرفة بالمشربيات أوالمفتوحة على السماء وقد أحيطت بعناية سيدات المدينة اللواتي عرفن مداعبة الأشجار المتسلقة على الجدران الحجرية ، كاللبلاب و الياطمين ،أو الأزهار البيتية المزروعة في أصص معلقة على جوانب السلالم المكشوفة ، أو مركونة على حواف المشربيات من حبق ومتسلقات خضر"..من الرواية..

– "وتتهادى حمرة الشمس وه يتصعد رويد ا ، فيتدرج وجه الباشا مع كواشف الصباح المبكر وكأنه أمام امرأة تستحم في بحر منتعش، والصبا الناعم جعل يلفح الوجوه ، يعطر الأجواء بأريج الزهور من حبق ، وأقحوان ، وشقائق النعمان ، والياطمين ، وكرمة العنب التي تظلل حديقة القصر من تحت شرفاته المكشوفة أو المظللة بعقود حجرية تميل إلى الاصفرار"..من الرواية..

– يافا مدينة البرتقال بامتياز..لذلك تقابل المقيم فيها والزائر لها رائحة البرتقال في كل أمكنتها.. في أسواقها وحاراتها وشوارعها .. في أريافها وقراها.. في بحرها أيضا، حيث ينقل البرتقال من هناك إلى مختلف مناطق فلسطين الأخرى..

- في يافا – آنذاك- كان الناس يتعايشون مع بعضهم البعض مسلمين ومسيحيين ويهودا ولا دينيين في انسجام تام..يتقبلون بعضهم البعض..كل واحد منهم يحترم الآخرين مهما كان اختلافهم المعتقدي أو الفكري..في يافا أيضا ملاه وخمارات..مساجد وكنائس..

يمكن القول بأن يافا كانت مدينة مفتوحة على الحياة..على العالم..على التنوع..

للأسف، جاء الصهاينة وراحوا يعملون على محاصرتها وتضييق العيش فيها بعنصريتهم وحقدهم وعملهم على تفريغها من كل مباهجها..من كل جمالها الإنساني..

3- دلالات الأسماء في الرواية:

- سعد الخبايا: السعد من السعادة..الخبايا ما تخبئه الأرض..ما تخبئه الأرض عادة لا يكون إلا مفيدا..جميلا وبهيا.. يبدأ هذا البهي وهو يشق الأرض ليرى نور الحياة ضعيفا..لكنه سرعان ما يتفاعل مع عناصر الطبيعة الأخرى ويتقوى..شجرا كان أو عشبا..هكذا كان حال سعد الخبايا..ضعيفا في شبابه.. جبانا..خجولا..حين تفاعل مع الحياة ومر بالكثير من تجاربها تقوى..قوته كانت في وعيه وانخراطه من ثمة في النضال ضد أولئك الغرباء الذين كانوا يأتون من شتات الأرض مهاجرين سريين يعملون وبشتى الوسائل على جعل فلسطين وطنا لهم..

سعد الخبايا كان اكثر تعلقا بفلسطين..ابتعاده عنها يعني موته..لهذا فضل الموت فيها..اطلب الموت توهب لك الحياة..الموت في فلسطين يعني الحياة في الذين سيأتون..الموت فيها إعطاء الشجاعة للآخرين ليحرصوا على البقاء والنضال من أجل مستقبلهم هنا لا هناك..

يقول سعد الخبايا من خلال موته حاملا سلاحه مواجها أعداء وطنه لا وطن بدون تضحية..لا مستقبل بدونها..

- نيرموندا: فتاة أسطورية كنعانية فلسطينية، تقول الحكاية بأنها كانت اميرة على يافا..ولأنها واجهت غزاة مدينتها بشجاعة نادرة فقد عمل الغزاة بعد أن انتصروا عليها في النهاية على ربطها بصخرة على الشاطئ وتركوها هناك حتى ماتت..ماتت في بلدها..ضحت بحياتها دفاعا عن بلدها..ومن ثمة سميت الصخرة باسمها..إنها بمعنى ما رمز لفلسطين الماضي..فلسطين التاريخ..فلسطين الراسخة كالصخرة في مكانها..الصخرة التي لا تتزحزح..في الرواية تعلق بها سعد الخبايا..أحبها..ملأ بها ذاكرته..لهذا عندما أصيب برصاص الأعداء توجه إليها حيث صخرتها ..عانق الصخرة ومات..وكأن التاريخ يعيد نفسه..

كان بإمكان الروائي أن لا يكتفي بالإشارة إلى نيرموندا..ذاك فعل الشعر..كان بإمكانه وهو يزاوج بين الحاضر والماضي أن يفصِّل في حكاية نورميندا في صراعها مع الغزاة، وأن يوجد إلى جانب نورميندا شخصية تاريخية شبيهة لسعد الحاضر،تساهم بشكل فعال في مواجهة أولئك الغزاة إلى جانب نورميندا ومن معها..

مؤكد أن ذلك كان سيعطي للرواية جمالا وعمقا أكثر..لكن الروائي لم يفعل..مع أن ذلك الفعل كان في مقدوره هو الروائي المتمكن..

- بلقيس: في الرواية تحيل إلى الحاضر، حاضر فلسطين..إنها فلسطين الحاضر..تعرضت للخيانة من زوجها الأول ثم زوجها الثاني..كلا الزوجين كانا مغيبي العقل..دل الروائي على غياب عقليهما بانخراطهما في عالم المخدرات أساسا..انجبت من الأول عبيرا..ومن الثاني سحر..لم يذكر اسم الأول ،اسم الثاني كان خطافا..تطلقت من الإثنين..هي من فعلت الطلاق..فلسطين الحاضر ترفض من يخونها..كلاهما كانا صديقين لداود..

أحبها سعد من أول نظرة..ولم تنتبه إلى حبه..كان جبانا ولا وعي له..لم يكن يثير أدنى اهتمام..حين التقاها تعلقت به..خططا معا، ولو بالصمت، على أن يكونا معا..مستقبلا واحدا..فكرا في جمع البنتين والعيش معا..لم يتحقق لهما ذلك الحلم..كان نقيض حلمهما أقوى..قتل سعد..وكانت هي في الطريق إلى مواجهة أعدائها..

لم يقل الروائي بأنها ماتت..فلسطين لا تموت ..أبدا، لا تموت..

يطرح السؤال: لماذا اختار الروائي اسم بلقيس ليطلقه على تلك المرأة التي رافق طيفها سعد الخبايا منذ ان رآها لأول مرة، ورافقته حقيقة منذ أن التقيا في مزرعة النحل؟..

بلقيس، كما نعرف، اسم تاريخي يحيل إلى ملكة سبأ التي تقول الرواية الصهيونية عنها بأنها قدمت إلى الملك سليمان ملك إسرائيل الذي كان يخضع لحكمه الإنس والجن وأنها دخلت وقومها دينه بعد أن تأكدت من حكمته..

في الرواية كانت بلقيس الحاضر نقيض بلقيس الرواية الصهيونية..كانت هي فلسطين المناضلة..وكان الحكيم سعد الخبايا..كأن الروائي أراد أن يحيل إلى تزييف التاريخ لدى أولئك الصهاينة خدمة لإيديولوجيتهم التي تتناقض وحقائق التاريخ..

-عبير وأختها سحر: ترمزان لمستقبل فلسطين البهي المتنوع في بهائه..عبير أخذها أبوها من أمها بلقيس..وحسب الرواية هي كانت عند جدتها اخيرا..انتبه سعد للشبه بينها وبلقيس..خاف عليها كثيرا حين أخبرته بان اباها يريد قتلها..أبوها هو الحاضر الفلسطيني كما يمثله البعض من الخونة الذين صادقوا الصهاينة ولم ينتبهوا إلى خطورة ما يفعلون وما يسرون ..كانت منطلق تلك التغيرات التي طرأت على سعد..الخوف على مستقبل فلسطين كان طريق تغير وعي سعد وانخراطه من ثمة في النضال..

لن تضيع عبير..لن يختفي المستقبل..لن يزول..لم نتأكد من وجودها عند جدتها..سيحتفظ التاريخ بأن فلسطين للفلسطينيين..

اختها سحر أصرت الأسرة التي أُخذت إليها..التي احتمت بها حين فارقت أمها على البقاء في فلسطين..مستقبل فلسطين هو إذن فيها..لا خارجها..

- خطاف: الزوج الثاني لبلقيس..كان رجلا سيء السمعة..سكيرا..واقعا في حبائل داود..حين يكتشف ما تقوم به وكالات الهجرة الصهيونية يقتل بمكيدة هيأها له داود..يحيل اسمه إلى سلوك الخطف..الخطف الذي يعني في وجه من وجوهه الاستيلاء على ما ليس له..أو على الأقل ما ليس كله له..لقد كان كبير بحارة يافا آنذاك والمتحكم في الكثير من بحارتها..

من خلال سلوكه ومن اسمه أيضا ندرك انه يرمز لأولئك الذين غيبوا وعيهم بما يحدث في واقعهم ووقعوا في فخ أعدائهم وأعداء وطنهم وشعبهم..هؤلاء الناس يمكن التحكم فيهم من قبل أولئك الأعداء..ومتى بدأ وعيهم يتشكل يُنهى وجودهم..وهو ما حدث لخطاف..

ربما لهذا لم تطلب بلقيس الطلاق منه إلا بعد ظهور طليقها الأول الذي يبدو أنه كان أسوء بكثير منه، بدليل انه اعتبر داود أخا له ،ومطالبته بنزع حضانة ابنتهما عبير منها..

- داود: الشخصية التي كانت أكثر تواجدا في الطرف الآخر..طرف الصهاينة..

ككل الصهاينة كان داوود شخصية محتالة..مزدوجة التواجد..تسير على الحبل بين الطرفين..تظهر للفلسطينيين في الكثير من الحالات شخصية خدومة..محبة للخير وفاعلة إياه..هكذا هي في الظاهر..في السر هي شخصية تعمل لتمكن للصهاينة من تحقيق حلمهم بجعل فلسطين وطنهم القومي كما وعدتهم إنجلترا..احتال حتى على سعد لفترة ما..لكنه انكشف له..حين انكشفت حقيقته غاب في السر..أدرك أنه صار مكشوفا..وأن الفلسطينيين يبحثون عنه للانتقام منه..

تمكن الروائي وبإحكام عال ودقيق من جعله شخصية حققت دورها في الرواية بشكل مدروس متقن..تماما كما فعل مع شخصية سعد..

تحيل شخصية داود إلى النبي داود..أو الملك داود كما يراه الصهاينة.. داود ( حسب الرواية اليهودية) "أحد ملوك إسرائيل.. ومملكة إسرائيل (إسم مملكة جاء ذكرها في التوراة كمملكة لجميع أسباط بني إسرائيل الإثني عشرة، سماها باحثو التوراة بـمملكة إسرائيل الموحدة للتفريق بينها وبين مملكة إسرائيل التي انفصلت عنها لاحقاً (إضافةً إلى مملكة يهوذا)..هذه المملكة الموحدة حكمها كل من شاول، وداود وسليمان، وتوصف هذه المملكة في سفري صموئيل الأول والثاني كاتحاد لأسباطيي إسرائيل. ومن تحليل نصوص السفرين، يقدر معظم دارسي العهد القديم تبعأً لما ورد فيه فترة وجود هذه المملكة الموحدة بأكثر من 100 عام، أي منذ سنة 1050 قبل الميلاد وحتى سنة 930 قبل الميلاد تقريبا..

كانت المملكة حسب النصوص التوراتية تمثل الجزء الجنوبي الغربي لبلاد الشام، أي منطقة فلسطين، ولكن لا تشمل الفينيقية والأراضي الساحلية الجنوبية التي خضعت لسلطة الفلسطينيين وباقي شعوب البحر.. اسم "مملكة إسرائيل الموحدة" لا يدل على دولة إسرائيل الموجودة حاليا في الشرق الأوسط، غير أن اليهود المعاصرين يظنون أنفسهم أبناء مملكة يهوذا الجنوبية التي انفصلت حسب الرواية التناخية عن مملكة إسرائيل الموحدة، ويرى معظمهم الأحداث التي جرت على هذه المملكة المفترضة كجزء من تاريخ اتباع الديانة اليهودية ودولة إسرائيل الحالية التي يفترض بها أن تكون دولة اتباع الديانة اليهودية، كما يتم تدريس ذلك في مناهجهم الدراسية. وهذا هو أحد أسباب اختيار اسم "إسرائيل" للدولة اليهودية عند تأسيسها عام 1948..) ..عن ويكيبيديا- الموسوعة الحرة"..

تشير نفس الموسوعة إلى أن الكنعانيين كانوا أول من استوطن المنطقة وذلك منذ 3300 ق م..بينما تواجد اليهود فيها حوالي الـ10 قرون ق م..

ربما كان قصد الروائي من استعمال اسم داود في الرواية الإشارة إلى كل ذلك، من جهة، والإحالة إلى أن ما يقع في الراهن من صراع هو صراع له جذوره التاريخية المرتبطة بتحايل الصهاينة وتزييفهم لأحداث التاريخ دائما..ودائما يُتعمد ذلك التزييف لأغراض إيديولوجية يخفون بها حقيقتهم ويغيبون بها حقائق التاريخ..

يمكن أن نضيف أيضا:داود كإسم يحيل إلى الدود..الدود ينشأ وينتشر عادة في تفسخ الأجساد البشرية وفي تعفن المأكولات..وفي فلسطين انتشر التعفن بشكل كبير.خيانات من كل الجهات.. بيع وشراء في القضية..استغل الصهاينة كل ذلك وراحوا ينتشرون..

- طائر الواقواق: شخصية ليست بشرية..إنه طائر ..وطائر ماكر في الأساس..ربطه الروائي بشخصية داود التي تعرفنا عليها سابقا..يتميز هذا الطائر بوضع بيوضه في اعشاش الطيور الأخرى في غفلة منها..حين يخرج فرخه إلى الحياة ويمتلك القوة يطرد اهل العش ويحتله..تماما كما يفعل الصهاينة..

الفرق بين الإثنين أن ما يقوم به الطائر سلوك طبيعي فيه..بينما الصهاينة بشر..ويفترض أن سلوكهم لا يختلف عن سلوك كل البشر الآخرين..لكن ما يفعلونه لا يختلف في شيء عما يفعله ذلك الطائر..

واضح أن الربط بين داود وكل الصهاينة من خلاله وذلك الطائر ما هو إلا إشارة من الروائي بأن عمل الصهاينة على احتلال بلاد الاخرين ،متى تمكنوا من امتلاك القوة، وطردهم منها هو سلوك متأصل فيهم، وأنهم لن يتخلوا عنه إلا بمواجهتهم بقوة توازي قوتهم وتفوقها..و..

"مِن أجلك يا سحر لا بد أن نعيش هنا..

يافا لن تغادرنا؛ فكيف نعيش دونها!؟". ص 261 ..

هكذا تنتهي الرواية لتؤكد بأن يافا فلسطينية..وسوف تبقى فلسطينية.. وإلى الأبد

 

بقلم الناقد الطيب طهوري- الجزائر

 

 

حيدر عبدالرضا(تصويرية الواقع السيري ومحاكاة الواصف الذاكراتي)

قراءة في رواية (مدينة الصور)

الكتابة الروائية في بعض تصانيف المقاربات والمؤشرات العلاماتية والاسلوبية والتنظيرية والتطبيقية النقدية، تنص على أن (فن الرواية) يتخذ له أحيانا طابعا خاصا من قابلية التكثيف مع غيرية المجتمع وصفاته ومكوناته، وهناك من يقول أيضا بأنها (ملحمة فردانية) وهنالك من يقول بأن الرواية عبارة عن ( توازيات صورية متعددة) وآخر من يشدد على أنها محض فضاءات ناقصة من (تيار الوعي) .

وأمام كل هذا الكلام والآراء والتنظيرات، نجد بحوزتنا عملا روائيا بعنوان (مدينة الصور) للقاص لؤي حمزة عباس، حيث سنختارها أنموذجا تنطبق عليه مقاربة مقولة (تسجيلية الذاكرة الساردة) كنتيجة راح يعيد أليها القاص كل ما حدث له في سلسلة أزمنته المكانية والمخيالية والنفسية.. ونحن على هذا الأمر أيضا سوف نتناول خطوات النص البنائية خطوةً خطوة (واقعة.. واقعة) و(صورة.. صورة) كما أن القارىء لها سوف يواجه تلك المهارات الخاصة في بناء الحبكة السردية الروائية في النص، وهي تتشكل على هيئة (أخبار / ذاكرة / اعترافات / أصوات / علاقات / سارد) بيد أن المادة التسجيلية في شكل الرواية، صارت تؤسس لذاتها الأدواتية، شكلا من أشكال الإيحاء الانعكاسي في بنية ذات حالات من التقابل والتناظر النصي والسردي في جسد الرواية،و كمركز ثيماتي يخرج أحداث وشخوص النص نحو فضاءات محورية هامة في موضوعة بناء السرد.. أن فعل وفاعلية قراءة زمن مخطط (مدينة الصور) لربما يحتاج منا الى متابعة مسهبة في أوليات وعلامات وخرائط مدينة لؤي، ومتابعة مهمة التعرف الجاد على صلة أرحامه العائلية والاجتماعية في الواقع حتى يكون لنا كل الفهم بالتالي، لمعرفة مسيرة الرواية.. ومن أجل توكيد فعل الرؤية والفهم الجمالي لرواية لؤي حمزة، سوف نكون أمناء جدا في استعراض بعض من فقرات وحداتها المشهدية المركزية من نص الرواية..

ـ نص الرواية:

(شيء ما يتغير شيء لا يكاد يرى لكنه يحس على الوجوه بملامحها الموهنة مثل أثر جرح قديم مندمل / ركبت من كراج المعقل متوجها الى العشار عبرطريق المحطة.. الطريق الذي أحبه لا لشيء ألا لكونه يمر بمحطة القطار بنوافذها المطلة على الشارع / من دون ان يحس ان أحد منهم أنه لم يعد كما كان منذ لحظة../ ان المسافة بين خارج المحطة وداخلها مسافة بين عمرين / سيظل مرأى المحطة يرن في رأسي.. ببطء وتمهل.. بأنتظار الزمن الذي أدخلها فيه فأرى القطار معبأ بالجثث وأعرف ان القطارات التي تمتد جسرا بين حياتين يمكن ان تخترق النفق المظلم بين الحياة والموت تتبعها أصداء صيحاتها الموجعة.. ص9)

أن هذه المسارية التوصيفية الاستهلالية في رسم ممكنات الأشياء والأمكنة من زمن دلالة الرواية الأولى، حاول من خلالها القاص، على أن تكون تسمية وعرض ما عليه طبيعة الأشياء بموجب شرائط نبضات (الواقعية / المتخيل / الذاكرة) ثم بالتالي عبر مراكز تشكلات الأحداث والأفعال والأمكنة، حيث راحت تنوعات جملة الأجواء الحركية في السرد، تؤدي إلى مظهر تلاحمي مع هوية علاقة السارد، ومع تضامينه التقدمية في النص.. غير أن علاقتهما وان كانت حلولية، فذلك بدوره لا يعني، سوى أنها تقودنا نحو محطة الانفتاح المشهدي الجاد في بداية النص السردي: (تكررت أمامي رؤية خالي.. أراه في كل مكان لا أتوقع رؤيته فيه يمشي وحيدا بدشداشة خفيفة بيضاء.. يجرجر قدميه بنعال جلد ممسوح ولأنني كنت سعيدا وحزينا في آن لعودته الى البصرة فقد كنت اقطع عليه أطراقته وأنا أرفع صوتي ليسمعني يتوقف يرمش أجفانه كأنني أخرجته من قاع الظلمة الى الضوء / لن يحدثني ألا بعد أن أسأله: شلونك خالي؟ يرد علي متسائلا هو الآخر: ها خالي ؟ ثم يسألني عن أمي وأبي / ما ستغربت له حقا أنه يسألني عن أحوالهما ولم يمر على رؤيته لهما سوى أيام قليلة.. ولولا أنني كنت واثقا من حضوره الى مجلس العزاء وجلوسه الى جانب أبي في السرادق الطويل يرشف الشاي ويستمع شارد الذهن الى عبد الباسط وهو ينغم آيات الحشر لقلت مسكين خالي أنه ينسى.. لكن خالي لم يكن ينسى.. ولأنه لم يكن ينسى لم أحدثه عن سعادتي بعودته وحزني / ليل نهار كان يدور.. كلما أغمضت عيني رأيته يقطع وحشة الليل كما يقطع وحشة النهار . اتصوره يخرج من بيته في محلة أم الدجاج فيأخذ أحد الطريقين.. أما ان ينحرف الى اليمين.. يقطع زقاقا تثقل هواءه وخمة الدجاج وتزحم دكاكينه أقفاص البلاستك المتربة / كل شيء في البصرة يبدأ عند الشط تلك حكمة المدن الساحلية.. كل شيء ينتهي عند.. لم تكن بين خالي وأنا أتصوره متمهلا يمشي على الكورنيش وصورته المحفوظة في ألبوم العائلة أية صلة.. الصور تكذب.. ذلك ما قلته لنفسي في اللحظة التي رفعت الصورة فيها من ألالبوم لألصقها في دفتر الصور بحرص وتوجس .) أن طبيعة الأحداث ومسار الشخوص ومحورية صوت السارد في رواية (مدينة الصور)، تتخذ من صوت الذاكرة مدارا تدفقيا خاصا، لغرض إنشاء عوالم نفسية خاصة بصناعة الشخصية الروائية المتكلمة في النص وهي تسرد وتروي وتسلط الأضواء على حقيقة سبر أغوار الداخلية الشخصية في الرواية، وما لها من مسير داخل حلقات نسيج السرد والفضاء الاسترجاعي خاصة وعامة .

ـ المؤولات التعرفية وقضوية الاظهار

من اللازم في نهاية كل جملة فقرات سردية ومشهدية من الرواية، الحديث قليلا حول ما عليه هذه المساحة الروائية من النص، حيث نقول بأن الرواية، ومن خلال ما عرضناه من مشاهد منها، تبدو لنا أحداثها كأنها مؤولات أخفائية مفعولة، على صعيد شكل تمثيلي خاص من فضاء مخاطبة الذات العارفة في مجالات مشهدية، حيث نعاين من خلالها صوت السارد والمسرود، وهو يتخذ لنفسه انتشارية مبطنة، من حالات أنتاج تعرفية صوت السارد، وهو يقوم بحث مدارات المحكي في مجالات تتعلق بشخصية حبكة ذلك (الخال) والخالات والأقارب وبعض من أفراد فضاء الأصدقاء والعائلة والأمكنة القديمة في مدينة البصرة، وحكاية المطرب عبد الحليم حافظ، ومزيدا طويلا من جملة تفاصيل الأدلة المرئية من صورية مرآة (الكاتب والمدينة) ومعنى هذا باختصار يدل على ان الأسنادية المحورية للشخوص في رواية (مدينة الصور) قوامها جملة مؤولات استشهادية قضوية، قابلة لمرور حركات خاطرية لربما تكون من خارج حدود الواقع النصي نفسه في الرواية، وذلك لأننا وجدنا ثمة شخوص في حكاية الرواية، لربما هي عبارة عن وجود فائض في النص أساسا.. وإلا ما أهمية كل ما قد ذكره القاص لؤي حمزة في حكاية (مدينة الصور) هل فعلا أن أدوات العمل الروائي في النص، مجرد موضوعة تتحدث عن أحوال المدينة والأصدقاء وسوق (أم الدجاج) وشخصية الخال، التي لا نعرف عنها سوى محض الطيف والخيال والتمويه سرا.. أن القارىء لحكاية وموضوعة

(مدينة الصور) لربما لا يعثر على شيئا دالا وضروريا ومفيدا، سوى جانبا من تصورات تلك الذات المتكلمة حول تطويعات اللازم من شكل مذكرات (الصورة المنقولة) وفضاء الإطلاقات المؤولة، عن حقائق حياتية من خزين، تبدو مخالفة للعنونة وتسمية دليل الرواية . كما أن عملية إدخال لؤي حمزة، لوظيفة الدليل الذاكراتي المباشر في النص، كمثال (الصور / المعقل / طباخ الفندق / أبو غازي / مستشفى الموانىء / عبد الحليم حافظ في سماء المعقل) لربما أن هذه المحاور لن تشكل علاقة انتقائية تساعد على نمو فكرة سياقية تقنية، من شأنها جعل وظائف تلك الأسماء والشخوص والأمكنة والتواريخ في الرواية، على أن تلعب دورا أنتاجيا حقيقيا في عضوية صناعة المؤول، وفكرة الأدلة التحيينية المناسبة في هوية تطور أحداث النص وشخوصه، بل أنها قد حلت بروح المقصود (الخارجي / العرض / الذاكرة) ودون إحداث، أدنى نتيجة متوخاة من فكرة (مدينة الصور) فأنا شخصيا عندما قرأت عنوان الرواية، كنت أتصور بأن لدى لؤي حمزة، ثمة لعبة تقنية عظيمة، في الإنتاج العلاماتي والسردي، حيث كنت أتصور بأن الرواية، مكون ألبومي ثابت الحضور والتأريخ والوثيقة، في حين تشغله دينامية خاصة من التكثيف الإيحائي والاظهارية الرمزية في زمن دليل المحكي الحاضر، حيث من جهة أخرى، تبقى عوالم وحالات الأشياء في النص عبارة عن مؤولات تحكمها حالات التفسير السيميائي الصوري القادم من قاع ذاكرة القاص ودلالات الصور التي يقوم بتحريكها القاص بشكل لا يمكن الإحاطة به بسهولة.. غير ان ما اطلعنا عليه في رواية القاص، كان معاكسا تماما، لما كنا نتصوره، إذ جاءت وظائف الأحداث والشخوص والامكنة في الرواية، تحكمها مصادر مباشرة فتوغرافية باردة..

ـ تعليق القراءة:

من خلال سقف أطروحة مقالنا هذا، الذي هو قراءة سريعة في رواية الدكتور القاص لؤي حمزة عباس، أود توضيح ثمة وجهة نظر خاصة، طالما ساورتني حول أعمال هذا الكاتب السردية بشكل عام.. أقول منذ زمن طويل ونحن نقرأ للقاص أعمال ومشاريع ضخمة ومتنوعة ومتفردة.. ولكن هناك حاجة بنا إلى ألقاء مساءلة سريعة حول عوالم القاص السردية .أقول أن كتابة النص السردي في عوالم هذا القاص، يبدو دائما عبارة عن متعلقات غير معروفة الدلالة والإفصاح المدلولي الكامل، فعلى سبيل المثال روايته (مدينة الصور) إذ وجدناها كمظهر سردي صوتي، تعبر عن محاورات شخوصية ومكانية وزمانية كبنية دلالية تبتعد بالأشياء، وكأنها (نص داخل نص) أو (خطاب داخل خطاب) ولهذا السبب وحده، وجدنا هذا العمل الروائي يشكل خلفية إنتاجية خاصة في مستوى بناء روائي ذات نتيجة محصورة ما بين (الزمن / السارد / الصيغة) وعلى هذا الأساس وحده وجدنا رواية (مدينة الصور) تشكل خاصية مناسبة في محمولات الذاكرة الذاتية المفصلة في مخيلة الدلالة القصوى من زمن الصورة المنقولة وزمن تصويرية الواقع السيري ومحاكاة بنية الواصف الذاكراتية .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

فالح الحجيةلاشك ان القصيدة المعاصرة هي (النص الشعري الحديث للقصيدة العربية او وجهها الجديد الذي يحمل رؤية رومانسية او رمزية في الاغلب) وقد ظهرت للوجود في الشعر العربي الحديث او المعاصر على ايدي شعراء امتازوا بالتجديد من امثال نازك الملائكة والسياب وصلاح عبد الصبور وان تقدمهم قليلا امين الريحاني في قصائده النثرية فهم اول شعراء هذا النوع من الشعر والذي يعتبر بذاته طفرة نوعية معاصرة او جديدة او تعتبر بداية قيام نوع من الشعر جديد .

ولو راجعنا الشعرالعربي قديما وحديثا لراينا ان هذا التجديد قد بدء منذ القدم ايام الدولة العباسية لكنه لم يخرج عن قاعدة الشعر العربية - الوزن والقافية - وذلك بقول الشعراء – او استحداثهم للمربع والمخمس والسمط او ايجاد الموشح- في بلاد الاندلس ثم هجرة الموشح الى شرق البلاد العربية فانتشر كثيرا باعتبار تغييرالزمن ونفسية الشاعر والمتلقي وحاجتهما الى التطور او بالاحرى مالت النفس التواقة نحو الافضل الى الغناء والرفاهية والخفة في الطبع على اعتبار ان الشعر هندسة أصوات يدخل بها الشاعر في نفوس الآخرين والتي قد تشبه عالمه الداخلي او لواعج نفسه الانسانية، بغية تحفيز الطاقة الشعورية لديه ودفعها إلى ممارسة عملية التزاوج الاجتماعي والواقع النفسي السياسي، وبانحسار استعمال الأشكال الشعرية العربية القديمة ، وتزايد استخدام الأشكال والإيقاعات والصور المقتبسة من الشعر الأوروبي، خاصة الشعر الحر، وقصيدة النثر.

وقد تحولت هذه الحالة إلى تيار رمزي جارف يقوم على اعتبار الشعر كتابة إبداعية مادتها اللغة، وهذه الكتابة هي عمل ابداعي نابع من اللغة حيث يخلق منها كيانا ذاتيا يختلف عن لغة التعامل اليومي اوعن لغة المنطق الظاهري، يتفاعل معه الفكر الشعوري بالتداعي الحر مشتركا بتيار الأحلام النفسية المنبثقة من نفسية الشاعر ذاته ويهدف إلى ايجاد معان جمالية مبتكرة لها قابلية تغيير الاحوال نحو الافضل في التعامل مع الموروث التاريخي واللغة المقال فيها هذا الشعر وهذان قد ينزعان في ادراكهما للموضوعات والفهم الشعوري ، من أجل فهم أشمل وأعمق ، و تحرير الطاقات الكامنة لدى الشاعر تحريرا شاملا يدخل من خلالها الى الطاقات الشعرية الذاتية اوالنفسية والبواعث الانسانية الاجتماعية.

إن المتعة الجمالية هي الوسيلة الشعرية في الوصول إلى الغاية، فالجمال وسيلة الشعر إلى غاية الجمال (فهو إحدى وسائل غرس الجمال في الوجود كذلك فإن من وسائل غرس الجمال الكبرى الصورة الشعرية)

ان قصيدة النثر قد لا تخلو من الإيقاع او موسيقى الشعر التي وجدت في الشعرالعربي كأوزان وقوافي مستلهمة من بحورعمود الشعر التي اوجدها الخليل الفراهيدي البصري الا انه انحصر عند بعض الشعراء والنقاد والمتلقين في الوزن دون غيره، وربما تعداه الى غيره عند اخرين فشمل كافة الظواهر الصوتية الأخرى .

ومن المعلوم أن الإيقاع ركن من أركان الشعر وقد اتسع عند آخرين ليضم إليه كل الظواهر المسموعة، وظواهر أخرى ملموسة، أي أنواع الحركة الداخلية النفسية غير المسموعة المتعلقة بالصراعات بين الأفكار.

ان الوزن سمة قاهرة من سمات الشعر، ولئن لم يركز الرومانسيون والرمزيون على البعد الإيقاعي الصوتي بصورة خاصة، فإن المتأثرين بالمدارس اللسانية الحديثة يتفقون ان العنصر الإيقاعي الدال الأكبر والعنصر الاظهر من مكونات الشعر، فالنص الشعري حقيقة هو نوع من الأوزان تتولد من قاعدة اتحاد وانسجام بين مختلف مستوياته وخاصة بين حروف اللغة وابراز ذات الصوت المتشكل من الحرف اللغوي اتصاله باخر وفقا لامكانية الشاعر ومقدرته على الاتيان بالافضل ويشكل العروض الجانب الأبرز في الشعرية، الا ان القصيدة المعاصرة واقصد قصيدة الشعر الحر التزمت عن بعد بحور الشعر الصافية مع ايغالها المفرط في الزحافات عند اغلب شعرائها او قصيدة النثر الرافضة لكل المفاهيم الشعرية القديمة والثائرة على كل الاوضاع الموروثة سائرة في خط الحاضر اوالمستقبل .

والشعر على العموم بجماليته وقوته وطموحه وأحلامه، يبقى بماهيته شكلا ومضمونا ومنابعه الصافية محيراً للعقول ويظل جمال ماهيته شيئاً مثيراً جاذباً للنفوس واعواطفها معبرا عن خوالجها يكتسب جماليته من وظيفته الإيحائية الغامضة فنياً . صائغا ماهيته من انبثاق عالم مكبوت في داخل هذا الشاعر الثائر وعلى هذا انبثقت جمالية هذا الفن من روحية عالية ونفسية شاعرة ملهمة .

 

امير البيــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

 

حيدر عبدالرضارسم المعالم القصدية في مبنى قصيدة المشهد القصير

الفصل الثاني ـ المبحث (2)

توطئة:

تستلزم متباينات دراسة عوالم شعر الشاعر علي الأمارة، وفي أعماله الشعرية الأولى (أماكن فارغة / الركض وراء شيء واقف / حواء تعد أضلاع آدم / هواجس أصحاب الحسين) تلك الأداة الموضوعية التي سوف نتعمدها في الكشف عن فحوى إستبصاراتنا المبحثية المتفرعة، وهي تتناول أهم فعالية مقولات شعرية قصائد تجربة الشاعر في المشهد القصير الشعري، موضحين بذلك حجم العلاقة الرسمية في مقاصد وإمكانية بنيات النصوص القصيرة شعريا، ومستحدثاتها الاستثنائية في خطاب النص الشعري كليا .

ـ العلاقة الدوالية في تمثلات الخطاب القصدي .

أن حساسية الرؤية الشعرية في مبنى قصيدة مجموعة (أماكن فارغة) تتبدى لنا في مجالات الأداة العلامية والتفارقية الفنية النادرة، بخاصة وأن جميع موجهات وعينات موضوعات النص في هذه التجربة، جاءتنا مقصورة على معاينة المستوى المفارق في حسية الضربة الدلالية في القصيدة:

ما أوحشَ هذهِ الأماكن

إنها فارغةٌ

ألاّ

مِن كلّ شيء !. / ص3 مقدمة: أماكن فارغة

تقودنا هذه العتبة المقدماتية من زمن مجموعة (أماكن فارغة) نحو ذلك الضرب من ضروب طبيعة المكاشفة بزمن محمولات سياقات القصيدة الموظفة في نسق تجربة هذه المجموعة، وعند قراءتنا إلى مسار قصيدة (جهات) نعاين نوعية مقصودات أفعال الدوال وعلاماتها الانتقائية في حلقة وواصلة ممكنات الجهات المدلولية:

مدينتي طويلة

لهذا فأنا ممتدٌ مثل نهر

مدينتي عريضة

لهذا فأنا أُلامسُ حدودَ الصحراء

مدينتي عميقة

لهذا زرعتُ قدميَّ في الأرض . / ص5 قصيدة: جهات

ترتبط الملاءمة الدلالية في تعاملات الشاعر إزاء موضوعة قصيدته المقترنة في حدود القرائن ووظيفة جملة المحتمل الوصفي (مدينتي طويلة) وهذا الإمكان التوصيفي بدوره، أخذ يعتمد شكلا إقتيضائيا من علاقة التقابل والتشاكل في سياق التنافذ الرسمي من أحوال الأنا الشاعرة (لهذا فأنا ممتد مثل نهر) ووطبيعة هذا الافتراض هو ثنائية بحد ذاته، وحدود معنى جهة التقابل الواقعة ما بين (أنا الفاعل = الآخر المفترض) اقترانا بملامح الذروة القولية في مطروح الخطاب الأقفالي في النص (آه .. أني أنجذب من جميع الجهات) وبهذا التوافق المدلولي، تترسخ لدينا قيمة العلاقات الدوالية عبر حركتها المتصلة في مجالات خصوبة (المعالم القصدية) وعندما نتعامل مع علاقة مجالات ومقصودات نقطة التقاء المعنى، لربما توافينا حصيلة حالات الصوغ والصياغة الشعرية، كعلاقة تفارقية في الشكل الإجرائي، ولكنها تنسيقا واختيارا تبقى الاخصب  في مؤهلات لعبة الشاعر الدلالية في محاور النص، كما الحال انموذجا في قصيدة (مفارقات):

إيهٍ يا شطَّ العرب

عندما تجفّ أنتَ من الشعرِ

أجفّ أنا مِن الماء . / ص6

فالخصوصية التفارقية ها هنا، مبعثها معادل الملاءمة في موجه المقصود الاستبدالي، وصولا منها إلى معطى اللغة المتحولة في نواة الصورة الإثارية المتصلة في وظيفة الأداء الشعري .

ـ محمول الناتج التشكيلي في صياغة الأنموذج .

بإمكاننا التمييز بين إمكانية الوعي الشعري، وحالات تدرج ما ينطوي عليه حال الأنموذج الشعري، وهذان المحوران هما ما بدت عليه علاقات المقاصد النوعية في دلالات الحساسية الشعرية في قصيدة (الصعود إلى قمة النهر):

من عشرةِ أعوامٍ أغرقُ فيكَ

وأبحثُ عن شاطِئكَ الثالثِ

أغرقُ فيكَ بعيداً عنك

قريباً منك . / ص27

تمتزج الحساسية المقصدية في مقابلات مقاطع النص عبر الإيهام / الحلم، لغرض إستكمال معروضية العلاقة التوصيلية بين الطرفين (أنا الفاعل ـ تبادل وظيفة الكفاءة / وجوب الفعل) وامتدادا نحو تداخل العلاقة القصدية، التي يكمن محورها في حركية الإثارة المشهدية في النص (أبحث عن شاطئك الثالث) كما وتعتمد البرقية في دال (الثالث) تواصلا مع ذلك المعنى المسكوت عنه في مكونات حضور عناصر (أنا الشاعر / فضاء / مضمر) في الواقع أن هذه القصيدة هي مهداة إلى الكبير (محمود البريكان) وقد أراد الشاعر الأمارة من وراءها، وصف مدى درجات سمو الشاعر البريكان في حضوره الشعري المتين، ولكن الأمارة في نصه هذا حقق أعلى مستوى من وظيفة (معالم القصدية) خصوصا في جملة النص (أغرقك فيك بعيدا عنك .. قريبا منك) الشاعر هنا يختزل زمن الوصول أو اللاوصول أو الحلم أو اللاحلم ضمن آلية خاصة من عمق الإيحاء، فهو يحدد تارة لحظة غرقه بالإبتعاد عن غاية الوصول، وتارة أخرى قريبا في قصدية العلاقة الحسية والحلمية في معنى الوصول إلى أعماق ذلك المضمر من المعنى المسكوت عنه في عوالم أسرار البريكان المهيبة:

مَن يملكُ أن يُخفي نهراً

حتّى أخفيكْ ..! ؟

عشرةُ أعوامٍ لا تكفي

فالغورُ عميق . / ص28

مشهدية الاستنطاق هنا تملك أقصى حالات الإفصاح عن ذلك المضمر في أعماق الآخر، ورغم تأكيد الشاعر بروح الاحتمال من الغور(عشرة أعوام لا تكفي .. فالغور عميق) إذ أن طموحات الشاعر لا تتوقف حتى أوان وصوله إلى الأعماق، فما زال هناك عوارض ومفارق لا يمكن البلوغ منها إلى أسرار المضمر (وطين القاع تشبث بالأسرار .. وتطلب مني أن ...) وتتجلى قابلية المحذوف في بنية فضاء الفراغ في الملفوظ الأخير من النص، استقداما لشهادة الصوت المحال عليه معرفة مقصدية أعماق الآخر، حتى وأن تمكن الصوت في تحصيل الوصول، لكن تبقى ملاءمة الاقتران ما بين الطرفين حالة غير مجدية أحيانا، وخصوصا أمام جملة (من يملك أن ينزع سرا من طين .) وبهذا المجال من حساسية الاستحالة، يواصل الشاعر معاودة التقاط خطابه الملازم لجملة اللازمة: (عشرةُ أعوامٍ لا تكفي .. فحبالُ الموت .. أقصرُ من أنْ توصلَ للقمّةِ هذا الصوت . / ص28) ويصور الشاعر الأنموذج المحتذى به في موصوفه القصدي إلى أبعد مدى من دلالات أدائية التصوير الشعري، وبحساسية قل نظيرها في زمن (شعراء الخواء؟!) أقول أن شعرية الكبير علي الأمارة، لربما لا يجاريها في إجرائية تصويرها وتوصيفها إلا القلائل من شعراء النخبة، لذا فهو قابلية خاصة في مجالات تصوير وبوح واستنطاق جوهر علاقات الدوال . فالشاعر من خلال قصيدة (شهيد) يعاود إلينا تعزيز صورة المفارقة الفنية الإبداعية، اقترانا بمعالم القصدية المغايرة في مبنى المشهد الشعري القصير:

حين أخذتُ الشهدَ

لأوصلهُ إلى أهلهِ

مررْنا ببيتنا

فشكرَ أهلي الشهيدَ

الذي أوصلني إليهم ! . / ص30: أماكن فارغة

أن الصياغة بإمكانية المماثلة التفارقية، من شأنها خلق لغة غير متوقعة في معالم قصدية المحمول، ولكننا عندما نتبع مسار الوظيفة التصويرية والمستفهمة في معطى المصاغ لفظويا، نكتشف بأن حساسية المخيلة أخذت تنتج جدلية من المغايرة المكينة وفي شرطها الشعري الموفق . كما أن المعاينة والتمييز لي (رؤية الذات / رؤية الموضوعة تصلنا إلى نقطة مضمرة وخاصة من دلالة الضربة الشعرية المخصوصة في النص، امتدادا رحبا نحو الفهم المركب في سياق المعنى .

ـ تكاثر المعنى في مختزل قصيدة المشهد القصير .

وبفضل تعقب ماهية المختزل في إحالة بنيات قصيدة المشهد القصير، نعاين المزيد من وقائع العلامات القصدية البارزة، خصوصا وأنها تحتل لذاتها في مساحة المعنى، ذلك التكاثر في تحولات الأحوال وصياغة الأغراض في مسالك حاذقة من التكنيك والعلاقة المضاعفة في فضاء الأنموذج الشعري:

هنا

في هذا المكانِ الفارغِ

وُلِدتُ

و في مكانٍ أكثرَ فراغاً

وُلدَ أبي

نحنُ أبناء الأماكن

الفارغة . / ص21: أماكن فارغة

تأخذ قصيدة المشهد القصير، شكلا مرتبطا في وضعية الأواصر الدوالية، ولكنها في الآن نفسه مشيدة على أسس خاصة من وظيفة مغايرة الدلالة وأفق توقعية المدلول النصي . إذ أن جملة (هنا .. في هذا المكان الفارغ) توجب على دوالها إشارات محورية في أحياز دلالات (الصورة = معطيات المكان = وظيفة القصد) لذا بدت الأوضاع في النص، أكثر تعلقا بحيثيات عناصر ومرجع: (ولادة / زمن / ميراث / تيه) وينحو هذا المعنى في حساب الذات الشعرية، أكثر اكتمالا عندما تتضح من خلاله الصورة الكلية في داخل النص وخارج النص (ولد أبي .. نحن أبناء الأماكن الفارغة) وهكذا تواليك متعلقات القصد المضمر أكثر تمهيدا إلى ملحقات اللاحق من النص:

لباسُنا التراب

وكلامُنا صدى

ليسَ لنا حدود ..

كلّ شيءٍ هنا

يمتُّ للحقيقةِ بصلةٍ

السرابُ

الوهمُ

آه

ما أقسى هذهِ الأماكن

أنها مملوءةٌ فراغاً . / أماكن فارغة

أن الدوال المرتهنة في سيرتي (الأماكن / الفراغ) تلوحان بنا نحو الالتحام والأستجابة السلبية بمدى الخسران في جولات أجسادنا الهائمة في فراغ تخوم الوطن المظلم وأفياء حدود الآمال المؤجلة والسرابية من القادم الزمني، وهذا الأمر بدوره هو ما جعل دلالات المشهد الشعري القصير لدى الشاعر الأمارة، كمقدمة وحدوية متهكمة في فضاءات الدال الجمعي واستجابة الذات الشاعرة الكظيمة لكافة أمكنتها العمرية والمكانية والزمنية والحلمية والشعرية الأكثر توغلا في معادلة معالم قصدية القناعة المخالفة والمعارضة والمستخفة بأنظمة الواقع والحال المستتر بواجهات العلامات والرموز، وهذا ما جعل أبنية قصيدة المشهد القصير لدى الشاعر أكثر تكاثرا بالمعنى واختزالا في مساحة القول الشعري .

تعليق القراءة:

أقول حاولنا في سياق مبحثنا هذا، توضيح أهم سمات المعالم القصدية في قصيدة المشهد القصير لدى أعمال الشاعر الكبير علي الأمارة، وكان قصدنا من وراءها إبراز دلالات الأنموذج الشعري في مجموعة (أماكن فارغة) ومجموعة (الركض وراء شيء واقف) ولعل ما قدمناه في سياق مبحثنا هذا ما هو إلا خطوة مبحثية متممة لدراسات كتابنا عن عوالم هذا الشاعر، حيث أننا لا نمتلك في خطواتنا المبحثية السابقة واللاحقة سوى انطباعية واحتمالية رؤيتنا ومادة الأنموذج من أعمال الشاعر، بعيدا عن أصوات المناهج والمصادر الأكاديمية ومقرراتها الجامعية المتناقلة، ومن الله التوفيق .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

حيدر عبدالرضاملاعبات المخيلة في خطاب غواية القص

من المآخذ المعيبة دائما حول أدب وسيرة وثقافة المرأة تكمن في كونها تواليك دوما بأدب (سير ذاتي؟) أي أنها تقدم مجرد مهيمنات خطابية تقترب من حدود تمفصلات سيرة الأنوثة وأخبار الحياة النسائية بكل مسمياتها وتفاصيلها الجغرافية الصرفة من جانب آخر نلاحظ بأن الكتابة النسوية لا تستهوي في العملية ألأدبية سوى تقديم تواصيف الجسد ولغة الأغراء والمداعبات المجانية التي هي بالأساس الأول ناتجة عن وعي ذاتي غير منظم تحكمه أحيانا حاسة وانحراف اللا وعي والغريزة والطفيليات الوجدانية المبتذلة الى حد الإسراف .هذا ما وجدناه وبشكل مباشر في أقاصيص مجموعة (قاب قوسين مني) للقاصة هدية حسين، وعند قراءة أولى لقصص المجموعة والتي تتمثل بدءا بقصة (رجل في فنجان) نجد بأن هناك خطاب مرأة تلوح بكل ما تمتلك من تفاصيل وخواطر ومشاعر وثقافة من أجل إكساب لعبتها الحكائية مراهنة شبه خاسرة ، ولأجل تضمين هدية حسين لوحدة الحكي تناوبا مزدوجا أخذت تطيل مجرى الاشتغال الصرفي تتابعا حدثيا شبه مموه ، غير أن القارىء لهذه القصة يشعر بأن بطلة النص تشتغل داخل حدود ذاكرة هشة ، لاسيما و قولها هذا اللامبرر برهانيا (امرأة لا تتذكر من شاركها احتساء القهوة و. . .) من جهة ما هل هذا شيء مقنع ؟ بالنسبة لامرأة تسكن وحدها داخل شقة معزولة ؟ أظن من جهة أخرى بأن القاصة كانت توحي إلى تعدد علاقات هذه المرأة العاطفية ولدرجة عدم التمييز مابين الآخرين؟ وإلا ما معنى هذا (كان جسدي يرتعش حين انتصبت أمامي قامة رجل أسمر ألقى تحية المساء بطريقة آلية دون أن ينظر إلي وقبل ان يدخل غرفة نومي . ص7) ان مثل هذه الصيغة من التبدلات الحدثية لربما تشتغل بدورها وفق طريقة سردية تعرف بأسم (خطاب المعروض الضمني) أي أن القارىء بموجب هذه الطريقة يبقى طي احتمالات ومفاجأت عديدة و على مستوى كيفي مسرود . وفي قصة (شوارع حديثة جدا) نقف عند حدود غريبة لوظيفة (سلطة المروي) بيد أننا نجد أنفسنا أسيرين تقاطب ملفوظي شبه نافر مابين حدود ناظم خارجي وفاعل ذاتي ، حيث أن الناظم الخارجي يقع في أفق مستوى تداخلات غير مبررة مع طرف أفعال الخطاطة الإجرائية الأولى ، وعند تأمل توجهات مسافة تلك النواظم ، نلاحظ بأن الحكاية القصصية لربما قد جرت بموجب تحولات ليس لها من وازع مباشر داخل مباشرية منظومة الفعل التكميلي الجاد . فأنا لا أدري ما ترمي إليه هدية حسين ؟ من وراء هكذا مناظرة تقابلية بين أفعال مفقودة الصلة والوصل أساسا ، لربما هذا الفعل من جهة ما، يبرر فراغ وغياب صنع الموضوعة لدى القاصة ، أو غياب قدرات التركيز لديها في خلق موضوعة قصصية مشوقة ، وهذا بدوره ما يقودنا إلى أجواء قصة (وليس على سلوى حرج) هذا النص الذي يحمل ويكشف عن جانب كبير من شخصية نسائية تعاني شدة أزمات اقتصادية وحياتية وعاطفية مما جعلها أسيرة وصايا شقيقتها الكبرى والتي كانت سباقة في سلك دروب العهر والانحلال السلوكي ،فهذه الأخت الصغرى كانت ميالة بدورها إلى نهج نفس الطريق تلبية لنداء أبعاد الرغبة والجوع

والحرمان . (تصرخ سلوى بلوعة ؟ ماذا تنتظرين ؟ ثلاثون عاما من الفقر والجحيم ؟ أم أتعبها ضغط الدم هبوطا وصعودا

حتى غادرت الحياة ثلاثة أخوة أكبرهم دخل الأصلاحية وأثنان تركا المدرسة للبيع في الطرقات / آه لو لم يقعدني /

لو كنت امتلك ؟ وتسقط في حرقة البكاء . ص23) غير أن القارىء لهذه القصة يشعر أحيانا بمدى أخفاق القاصة في ربط وصنع بين وظيفة العلاقة السردية وبين مستوى الأنموذج العام ، وذلك بإدخال عملية التبئير وفق محاور استحالية التوظيف لمعاينات الطرح النموذجي ،أي أن هدية حسين تحاول من خلال كتابة هذه القصة ، خلق أطار عيني بحدود هواجس ذاتية مقصورة الترهينات السردية،أما قصة (رمل الذاكرة) فنلاحظ من خلالها عرض القاصة لمرابع طفولتها ، يوم وقوع حادث اختطافها ذلك وهي تعاني الآن من مرض فقدان الذاكرة (حين عدت الى الدار وبعد أيام من الاستشفاء حكيت لأمي وأنا اتذوق شايها المهيل كيف أنني تذكرت حادث الاختطاف وبكل وضوح قصصت عليها كل التفاصيل المتعلقة بذلك اليوم المشهود .ص17) لعل وبعد كل هذه النصوص يلاحظ قارئنا العزيز بأن عوالم أقاصيص (قاب قوسين مني) ما هي إلا خلاصات امرأة تمارس فعل (السير ذاتي؟) تتبعها في ذلك مهام تمفصلات أخبارية وعرضية مباشرة في نقل الأحداث والذاكرة على لسان  (الكاتب الراوي ؟) أما الجانب الموضوعي السردي في تلك النصوص ،فيواجهنا من خلال مرحلة هشة من وظيفية (التبئير الجانبي؟) فهناك في بعض أقاصيص المجموعة شخوص و أحداث وأنطلاقات يقدم من خلالها الحكي على أساس من محورية تبئير داخلي ، غير أن القارىء لها ، يجدها مجرد تصورات واسترجاعات لا قيمة لها أحيانا ، كما الحال عليه في قصة (أنه يرحل وقت يشاء) وقصة (خارج الزمن) وقصة (نبوءة) وقصة (عاصفة الثلج) وقصة  (الساحر) وقصة (للموتى فقط) وقصة (زوجة رجل مهم) والتي تذكرنا بأحداث وعنونة فلم من بطولة وتمثيل الفنان الراحل أحمد زكي والجميلة مرفت أمين، كما وهناك قصص أخرى ليس من الضرورة ذكرهن هنا ، وذلك لعدم توفر فعل القص والمغايرة بشكل متماسك ومحكم من خلالهن. وفي الختام وبعد رحلة القراءة السريعة في أقاصيص هدية حسين

(قاب قوسين مني) نقول للقارىء الكريم بأن خرائطية نصوص (هدية حسين) قد حلت في هذه المختارات لتشكل نقطة انطلاقة غير متكاملة نسقيا ولا فنيا ، فضلا عن هذا أضحت هذه الأقاصيص ضحية العاب شخصية وهلوسات متصابية تبحث لها عن دليل ما أو مرفأ  ما أو هواية ما ، بجانب هذا بقيت هذه النصوص نهبا لأفتراسات وجهة نظر نسائية قاصرة عن بلوغ حدود كمال الخطاب القصصي الجاد والسؤال المعرفي المتين .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

مادونا عسكرقراءة في قصيدة "يَصْنَعُني الخلودُ"  للشّاعر الفلسطيني  فراس حج محمد

‏وأنتِ تعدّين جلسة القهوة هذا الصباحْ

وترشفين بلطفٍ شفاه الوقت في الفنجان

وتقبلين على الحياة بقلبٍ أبيضَ

زهرة فُلّ

دوّني على جدارٍ لا يموتْ

بضع كلماتٍ تومئ لي

وتقول:

"إنّني كنتُ هنا"

(2)

اهزمي الموتَ بالحبّ والشعرِ والمشي تحت المطرْ

لعلّني أنبتُ مثل تلك الشجرةْ

في مَراح البساتينْ

أنا إنْ كتبتكِ لا أهرمُ

لا أموتْ

لا يهزمني الوقتُ والحزنُ والطاعونُ والطاغوتُ والجبروتْ

سأظلّني ثمراً غنائيّاً في قلوب العصافيرْ

(3)

طفلة ظَلّي كما كنتِ

أعيدي الأغنياتِ

ارقصي مع طيفيَ المرسوم في النصّ الأخير من الحكايةْ

اشبعي منّي على مهلٍ وغذّي الوحيَ بي

أعدّيني شراباً نخبويّاً في سهرة القمر الطويلةْ

تزيّني باللون الفاتح الشفّافْ

لأراك زهرة لوزٍ تضحك نصف ثغرْ

هناك أنا سأكونْ

أرشف نصف ثغركْ

على نار الكتابةِ يرفعني الخلودُ إلى شفاهكِ

بيتَ شعرٍ لا يموتُ...

- القراءة:

"الّذي يكتب لا يموت" كذا يقول المفكّر المصري الدّكتور يوسف زيدان. ولعلّ قصيدة "يصنعني الخلود" تعبّر عن عمق معنى هذه المقولة. فالكاتب الّذي لا يموت هو ذاك الّذي يسكن لاوعي الإنسان لاسيّما الشّاعر. كما أنّه يدخل في تكوينه الفكري، وقد يتنفّس معه ويُسمع صوته من خلاله، فيمتزج الصّوتان. ولكن لا بدّ من التّفريق بين الامتزاج الصّوتي والحضور الطّاغي والتأثير. فالشّاعر يختزن في لاوعيه كلّ ما قرأ واختبر وتأمّل وينتظر لحظات الوحي المتفجّرة تنبعث منها قصيدة بنظامها الخاص والمنضبط. إلّا أنّه لا يُلام على لاوعيه إذا ما طغى في قصيدته حضور شاعر آخر. قد يبدو الأمر مزعجاً إلّا أنّه هذا ما حصل مع الأستاذ فراس حج محمد خاصّة في مطلع القصيدة حيث لفتني السّطر الأوّل المشابه لمطلع قصيدة درويش "فكّر بغيرك. فيقول الأستاذ فراس:

وأنتِ تعدّين جلسة القهوة هذا الصباحْ

وترشفين بلطفٍ شفاه الوقت في الفنجان

وتقبلين على الحياة بقلبٍ أبيضَ

زهرة فُلّ

دوّني على جدارٍ لا يموتْ

ويقول محمود درويش في قصيدة "فكّر بغيرك:

وأَنتَ تُعِدُّ فطورك ’ فكِّرْ بغيركَ

[ لا تَنْسَ قُوتَ الحمامْ ]

قد لا يكون هذا التّناص متعمّداً إلّا أنّه طغى صوت درويش في مطلع القصيدة وامتدّ ليصبح حضوراً خاصّاً في القصيدة حتّى إنّني في قراءتي للمقطع الأوّل لم أشعر بوجود فراس حج محمد ليعود ويظهر حضوره بشكل قويّ في المقطع الثّاني وبشكل أقوى في المقطع الثّالث حين يمتزج صوت فراس حج محمد بصوت درويش ليشكّلا صوتاً واحداً. وهنا لا مجال للحديث عن التّأثر بمحمود درويش. فالقصيدة لا توحي بتأثير درويشيّ بل إنّ فكرة القصيدة مختلفة وخاصّة بفراس حج محمد. لكنّ الصّوت الدّرويشيّ غلب في البداية واختطف من القارئ الإحساس بحضور الشّاعر صاحب القصيدة. ولئن كان لاوعي الشّاعر أصل القصيدة أمكنني القول أنّ محمود درويش الّذي لا يموت حضر حضوراً خاصّاً استلب من الشّاعر حضوره الشّخصيّ.  ولمّا كان من غير المستطاع الحديث عن تأثير درويشيّ انكشفت بعض معاني القصيدة وتمّ الاستدلال على مفاتيحها ليفيض العمق الشّعريّ في قلب القارئ.

"يصنعني الخلود"، العنوان المضلّل أو الملتبس مع دلالات القصيدة، أو المترادف وحضور المرأة القويّ في القصيدة. فالخلود مرتبط بها وبأفعالها، وكأنّي بالشّاعر يقول: "افعلي لأكون، افعلي لأخلد". فيكون معنى  العنوان الأصل "تصنعني امرأتي" المرأة المساوية للخلود. ولعلّ الشّاعر يعبّر عن فكرة أعمق ألا وهي أنّ الخلود مرتبط بحركة المرأة ة وبحبّها:

أنا إنْ كتبتكِ لا أهرمُ

لا أموتْ

لا يهزمني الوقتُ والحزنُ والطاعونُ والطاغوتُ والجبروتْ

سأظلّني ثمراً غنائيّاً في قلوب العصافيرْ

المرأة الكون، المرأة الوجود تمنح الشّاعر الخلود بحركتها الكونيّة والوجوديّة. فغالب أفعال القصيدة مرتبطة بها وأمّا فعل الشّاعر وموته وخلوده فمرتبط باستمراريّة حركتها. هي تمنحه الحياة والخلود في آن، ويخاطبها حاضرة في كيانه كلّه، يخاطبها الآن ويحاورها كطيف وكحقيقة. فجاء الحوار ذاتيّاً من جهة ومعها من جهة أخرى وكأنّي به يصوّر حركتها وإن استخدم أفعالاً تندرج في إطار الطّلب (دوّني، اهزمي، أعيدي، ارقصي، اشبعي... ) امرأة الشّاعر فيه وأقرب من ذاته إليه، لكنّها في ذات الوقت بعيدة. لذلك فاضت القصيدة حنيناً وشيئاً من الرّثاء الخفيف، وحقيقةً وخيالاً.

"كوني لأحيا أبداً" تلك هي فيوض القصيدة المنبعثة من عمق الشّاعر الواثق من خلوده بالمرأة. فهو لا يتحدّث عن خلود قادم أو أنّه يترجى الخلود، بل إنّه يعدّ ذاته خالداً كرجل، كشاعر وكمحبوب.

هناك أنا سأكونْ

أرشف نصف ثغركْ

على نار الكتابةِ يرفعني الخلودُ إلى شفاهكِ

بيتَ شعرٍ لا يموتُ...

***

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

عبد الرضا عليقراءةٌ في قصّةِ قُصي الشيخ عسكر(الكورونا)

في قصَّة قصي الشيخ عسكر (الكورونا) رصدٌ لظواهِرَ عديدةٍ تشيعُ في المجتمعات الأوربيّةِ تحديداً؛ وهذه الظواهرُ تندرجُ ضمن المسكوت عنه في غير تلك المجتمعات لأسبابٍ تتعلَّقُ بالمحرَّماتِ، أو بما اصطُلِحَ عليه بـ (المعيب) أو (المخجل)، وسنقفُ عندها لكونها تشكّلُ نوعاً من الجرأة في التناول، فضلاً عن أهميَّتِها في الجانب الفنّي.

قصّةُ (الكورونا) الطويلة هذه لا عَلاقةَ لها بالوباءِ، ولا إلى تحولِهِ إلى جائحةٍ، ولا بأعراضها، وعلاجِها، إنَّما اتَّخذت الروايةُ اسمَ الوباءِ عنواناً لها، لأنَّ كتابتَها بدأتْ عند تفشِّي هذا المرض في مدينةِ (ووهان) الصينيَّة كما نزعم، وما رافقَ تفشِّيـهُ من هلعٍ عمَّ الإنسانيَّةَ بعامَّةٍ .

وعلى وفقِ ما ارتضيناهُ منهجاً لنا في القراءةِ، فإنَّنا نجدُ المحاورَ الآتيةَ ستفضي إلى ما نرجوه من حقيقةٍ  نذيعُـها بين القرّاء:

1 ـ التقنية:

أدارَ  الأستاذ الدكتور قصَي الشيخ عسكر قصَّـتَهُ على تقنيةِ الراوي الداخلي العليم [في الأعمِّ الأشملِ]، لكنَّهُ كانَ يداخلُ بينها، وتقنياتٍ أخرى  كالمحاورة، والمونولوجِ الدرامي (المناجاة النفسيّة) والتداعي الحرِّ [في الأقلِّ الأضيقِ].

وتقنيةُ الراوي الداخلي العليم تختلف عن تقنيةِ الراوي الموضوعي، فالأخيرُ وصَّافٌ خارجيٌّ لا يتدخَّلُ في الأحداثِ، ولا يجيبُ عن أسئلةٍ لا يعرفُها، فهو موضوعيُّ في نقلِ الأحداثِ، وتصويرِ السردِ دونَ إقحامِ شخصيَّتِه فيه، بينما الراوي الداخلي هو واحدٌ من شخصيَّاتِ القصّةِ، وقد يكونُ هو الشخصيّة المحوريَّة فيها، أو كما يطلق عليه بـ (البطل) الذي يصوِّرُ الأحداثَ كما يشاءُ، فيسمح لنفسهِ أنْ يزيدَ فيها، أو ينقصَ، وقد يبتعدُ عن الموضوعيَّةِ لتدخّلِهِ السافرِ في تحميلِ الحدثِ ما يشاءُ .

والراوي الداخلي في قصَّة (الكورونا) كان البطل نفسهُ (حسن) الذي يخبرنا أنه وُلِدَ في مدينةِ برمنغهام البريطانيَّة سنة 1999م وأنه عراقيُّ الأصل جذوره من الناصريّةِ،ومتخرّجٌ في قسمِ (البسايكترسك) ويعمل في مركز(حقل الزعفران) لذوي الاحتياجاتِ الخاصة المصنَّفينَ ضمن عوق (اسبارجر) بمدينة نوتنغهام البريطانيّة، وهؤلاءِ المرضى يتّصفونَ بالعدوانيّة، والعنفِ المفاجئ غير المتوقّع . ومع ذلك فلابدَّ له ولبقيّةِ زملائهِ من  العاملين في المركزِ أنْ يعاملوا هؤلاء بلطفٍ، وحنوٍّ، ومحبَّة.

ولكونِ الشخصيَّةِ المحوريّةِ الرئيسةِ (حسن) هو الراوية، فقد أخبرنا أنَّ والدَهُ كان قد هربَ من العراقِ في أثناءِ الانتفاضة الشعبانيّة التي قام بها معظم العراقيين بعد هزيمةِ الجيش العراقي في الحرب غير المتكافئة مع دول التحالف التي قادتها الولايات المتحدة ضد العراق في ما سُمّي بـ (حرب الخليج الثانية) سنة 1991م.

على أنَّ الراويةُ يؤكدُ للمتلقي أنَّ جدَّته لأبيه هي من كانت وراء قرار دخول والده(قبل زواجه) مدينة رفحاء السعوديّة هارباً، لأنَّها خشيتْ على ابنها من الموت إعداماً لمشاركتهِ في الانتفاضةِ ضد جمهوريّة الخوفِ، ومنظّمتها السريّة في العراق، علماً أنَّ جدَّ البطل (كما يخبرنا الراويةُ) كان أوّل شهيدٍ سقطَ في مرتفعات الجولان السوريّة حين شاركَ مع الجيش العراقي ضد العدوان الصهيوني على الجبهة السوريّة في حرب أكتوبر المجيدة  سنة 1973م.

***

2 ـ كشفُ المسكوتِ عنهُ:

ثمَّةَ ممارساتٌ مستهجنةٌ يعزفُ عن ذكرها معظم المبدعين العرب لدخولِها في بابِ السلوكِ المعيبِ، أو الذي يشكّلُ منقصةً في ممارِسِها، ويقدحُ بشيمتِهِ عرفيَّاً، واجتماعيّاً، لكونها مساوئ يرفضُها الخُلُقُ السليمُ، ولا يُحبِّذُ إيرادَها إلاَّ إذا جاءتْ تلويحاً، أو ترميزاً، وعلى نطاقِ ضيِّقٍ محدود.

لكنَّ هذه الممارساتِ المستهجنَةَ سلوكيَّاً في الإبداعِ العربيِّ المكتوب في الداخلِ ليست كذلكَ في الإبداعِ المكتوب في دول المهاجر، والمنافي الأوربيَّة،فضلاً عن أنَّ بعضَ تلك الممارسات التي تستهجنُها مجتمعاتُـنا تحميها قوانين تلك البلدان، وتدافع عنها بوصفِها تقع ضمن دائرة حريّة الأفراد، واختياراتِهم الشخصيَّة.

وهذا المسكوتُ عنه في مجتمعاتنا سمح بكشفهِ القاصُّ قصيّ الشيخ عسكر (هنا) في قصة (الكورونا)، وجعل الراوي الداخلي يُشيرُ إلى تلكَ الممارسات، فضلاً عن ممارستهِ هو شخصيّا (الراوية) لبعضِها عمليَّـاً، واسترجاعِ صورها بجرأةٍ، وتباهٍ .

وفيما يأتي بعضها:

 

- الأمَّهات الأوربيَّات يعلمنَ بناتهنَّ ما يتعلّق بالجنس، وممارستِهِ منذ مرحلة الطفولة،  فقد وردَ في الصفحة الحاديةَ عشرةَ ما يأتي على لسانِ الراويةِ: (يقلُّ الخوفُ حين أُدركُ أنَّ الأمَّهاتِ بعد مرحلة الابتدائيّة يعلِّـمنَ بناتهنَّ كيف يمارسنَ، ويستعملنَ حبوب منع الحمل.)

- معلّمةٌ تمارسُ الجنسَ مع طفلٍ صغيرٍ، وقد وردَ ذلك في الصفحة الثانيةَ عشرةَ: (معلّمة تُمارسُ الجنسَ مع طفلٍ في مرحلةِ الابتدائيّة).

- الزنا بالمحارم، وقد أوردَ الراويةُ ذلك في الفقرةِ الآتية من الصفحةِ  السابقةِ عينِها: (وأخرى تعْـلَمُ أنَّ شريكَـها يُمارسُ الفعلَ ذاتهُ مع ابنتِها، فتصمتُ خشيةً من أنْ تهدمَ البيتَ فتفقد الشريكَ أبا طفلِها القادم .)

- السعادة بفقدان العذريَّة، وهذا ما وردَ كذلك في الصفحة السابقة ذاتِها في الارتجاع الفنّي الآتي: (تغيبُ في الأفقِ، فأهبطُ من فوقها، فتلتفتُ أسفلَ عجيزتِها ترى بقعةَ دمٍ تختلِطُ بترابِ الأرضِ الرملي الداكن، فتبتسمُ، تقبِّلُني وتقولُ: لم أعُدْ الآنَ عذراء . وتعودُ تقبِّلُني بعمقٍ قبلةً طويلةً تجعلُني أزهو بأنّي صنعتُ في الأقلِّ شيئاً مهمَّـاً .)

- شذوذ الرجال (اللواط ـ Gay) وشذوذ النساء (السحاق ـ Lesbian) كما ورد ذلكَ في الصفحةِ الثالثةَ عشرةَ من القصّة فـ (مقدِّمُ البرنامج الشهيرُ ستيف يعترفُ أنه [[Gay]].. والخبرُ يفاجئ زوجته وأولادَهُ .)، وكما وردَ في الصفحةِ الخامسةِ والعشرين حينَ رفضتِ المدربةُ ياسمين دعوةَ الراويةِ لها بالخروجِ معه لكونِها سُحاقيّة: (لن أقدر قط، فأنا أسكنُ مع صديقتي[[Girlfriend وهي شريكتي!.. هذه المرَّة قَرَفْتُ حقَّاً.. ندمتُ.. أكتشفُ أنّي أقرفُ، ولستُ حقوداً قطُّ . الذي أتيقَّـنُ منه جيّداً أنَّها سُحاقيَّةٌ . هكذا يطلقون عليها في بلادِ أبي وجدِّي الشهيدِ؛ يحتقرون تلكَ الأصنافَ.. شواذ منبوذون .)

***

3 ـ التداعي:

قصي الشيخ عسكر مثقَّفٌ شاملٌ يكتبُ الشعرَ بأنواعهِ: شعر الشطرين، والتفعيلي، وما سُمّيَ بقصائد النثر التي أميلُ إلى تسميتِها بـ[[النصوص المفتوحة]] فضلاً عن كونهِ ناقداً لغويَّاً جيّداً، ومترجماً حاذقاً، وسارداً مقتدراً سامقاً .

ويبدو أنَّ اكتسابَهُ المعرفيَّ الواسعَ رصَّنَ استعدادَهُ الفطري، وقوَّى مخيّـلتَهُ . وهذه المخيَّلةُ هي المعوَّل عليها في صياغةِ الإدهاشِ، و الإثارةِ، ولعلَّ الجرجاني قد أصابَ حين قالَ عن الشاعرِ الذي له قدرة التخييلِ: (يقولُ قولاً يخدعُ فيه نفسَهُ ويريها ما لا تراه)⁽¹⁾

وهنا تكمنُ المفارقة، فالخيالُ الذي هو تشكيلٌ سحريٌّ يُمكِّنُ المبدعَ (على وفق رأي الطاهر) من أن يخلِقَ من أشياء مألوفةٍ شيئاً غير مألوفٍ في الفنِّ عموماً⁽²⁾، لأنَّ التخييلَ هو العمليَّةُ التي تؤدِّي إلى تشكيلِ مصوَّراتٍ ليس لها وجود بالفعل، أو القدرة الكامنة على تشكيلها⁽³⁾.

لهذا ركَّزَ عليهِ القاص تركيزاً واضحاً في تقنيتِهِ للتداعي الحرِّ في هذه القصَّةِ الطويلةِ، وتركَ لذائقتهِ أنْ تكتشفَ خفايا الأشياءِ لِتصنعَ منها سحراً في البنيةِ، وابتكاراً في الصور، والجمع بين المتضادَّات.

 

وفيما يأتي صورٌ من التداعي الذي شكَّلته سحريَّةُ التخييلِ، وارتبطَ بتقنيةِ الراوي البطل:

1- فحين يذكرُ الراويةُ (ص: 15 ـ 16) أنه رضخَ لإلحاحِ والدتِهِ للسفرِ إلى برمنغهام لاستقبالِ خالتهِ، وابنتِها لؤلؤة، يقودنا إلى السردِ الآتي: [أتركُ وجهي في المرآةِ وألتفتُ إلى المذياعِ كأنَّني أبحرُ مع مشاهدَ حيَّةٍ أمامي: كورونا، العدد الإجمالي للضحايا يصل 800، والصينُ تخصِّصُ عشرة ملياراتٍ لمكافحةِ الفايروس،العاصفةُ تبدأُ  بعد الظهر، مع احتمال تساقطِ ثلوجٍ في مناطق يورك شاير، قتيلانِ في الناصريَّةِ جنوب العراقِ، العدد يصلُ إلى ألفِ قتيلٍ، ومتظاهرو بغـداد يحرقونَ دميةً للرئيسِ ترامب. يبدو أنَّ العالمَ في سباقٍ محمومٍ، الكورونا في الصّين، والمظاهرات في العراق، الناصريَّة تسابقُ الصِّين، أعودُ إلى النكتةِ السمجةِ القديمةِ: هل مدينةُ جدِّي شجرةٌ خبيثةٌ كما تقولُ النكتةُ ؟].

ولو أمعنَّا النظرَ مليَّاً في سردِ الراويةِ لاكتشفنا أنَّ هذا التداعيَ الغريب لم يكن ليأتيَ لولا قدرة القاص على دمجه بالسردِ الوصفيّ على نحوٍ متلاحقٍ، وهنا تكمن المفارقات، فالصينُ فيها 800 إصابة بالكورونا، لكنَّ احتمال سقوط الثلوج في يورك شاير واردٌ، بينما يقترب عددُ شهداء التظاهرات في العراق إلى ألف شهيد، والناصريّة تسابق الصين، بينما بلغ عدد شهدائها في ذلك اليوم اثنينِ فقط، ومع ذلك فهو يتذكَّر النكتةَ السمجةَ عن الشجرةِ الخبيثة.

2- وفي أثناء سردِ الراوية لحادثِ الشجارِ الذي وقع بينه وأحد التلاميذ المتشدِّدين المغاربة في الصفحات: 20 ـ 22  بسبب عدم صيام الراوية في رمضان، فإنَّ التداعي يأخذُ منحىً مغايراً يمتزجُ فيه الواقع بالحلم، فحين كانت (كريستي) صديقة البطل / الراوية حسن شجاعةً في واقعها المعيش، فتندفع نحو المغربي الذي أمعن في شتم حسن، وتضع يديها بصدرهِ وتدفعهُ بقسوةٍ لبوةٍ،فيسقط على قفاه قبل أنْ يصلَ إليه حسن، فإنَّها تهربُ في الحلم، وينوبُ عنها في الدفاعِ عنه العمُّ محسن طفيل بهراوتهِ، فيهوي بها على رأسِ التلميذِ المغربي، ومثلُ هذا التداعي غير المبرَّرِ يجعل السردَ أكثرَ جمالاً لمخالفتهِ للواقعِ، وانحيازهِ للحلمِ: (.. اختفت كريستي، فاجأتني بهربها. هربتْ حالما وجدتْهُ يتقدَّم نحوي.. تلاشت، فنهضتُ . في تلك اللحظةِ برزَ من مكانٍ ما كمقاتلٍ شرسٍ بعينينِ تقدحانِ شرَراً جندي كان ينتظرُ بصبرِ داخل كمينٍ عدوَّاً  انتظرهُ منذُ زمنٍ طويلٍ، هو بعينِهِ العم محسن طفيل (. . .) وجدتُهُ يحملُ هراوةً فيهوي بها على رأسِ التلميذِ المغربيِّ..المدرسة فارغة، كريستي هربتْ.. التلميذُ يترنَّحُ، يهربُ، يلحقه العمُّ محسن..أُراقبُ المشهدَ عن بعدٍ.. لحظات، ساعات..يختفيان..لحظتـئذٍ أنتبهُ على صوتٍ ناعمٍ يُعلنُ وصولَ القطارِ إلى محطَّةِ برمنغهام..، فأرمي آخرَ حلمٍ لي من مخلَّفاتِ البارحةِ، وأهبطُ.)

3- وفي الصفحات 26 ـ 29 يقودُ التداعي البطلَ الراويةَ إلى تذكّرِ لُهاثِهِ الجنسي مع كريستي في الوقتِ الذي كان يصطحبُ ابنةَ خالتهِ الضيفة لؤلؤة لمجرَّدِ أنَّهُ مرَّ بالأمكنةِ التي جمعتْهُ بكريستي، فتتداخلُ أخيلتُهُ بالواقعِ المعيشِ لحظتها، فتتشكَّلُ صورٌ تمزجُ الواقعَ الراهنَ بالقديمِ الذي يستردُّ ما كان من شبقٍ مارسهُ مع كريستي  مرَّات عديدة على نحوٍ يذكِّرنا بمصطلح (تيّار الوعي) الذي اجترحه (وليم جيمس) وخصَّ به تقنية المونولوج الدرامي.

وقصص تيّار الوعي تتداخلُ فيها المشاعرُ، ولا تكونُ الأفكارُ فيها مترابطةً في الأعمِّ الأشمل، مع كونها تعتمدُ أسلوبَ الانسيابِ المتواصلِ للأفكارِ بحيثُ يختلطُ فيه ما هو ذهني بما هو باطني: (.. اعترضنا حاجزٌ صخريّ، فملتُ عليها أسندها بذراعي. كتفها يلاصقُ كتفي، خشِيتْ أنْ تنزلقَ قدمُها فقبضتْ على زندي بيدها.. كانت كريستي تسابقني، تجري أمامي.. ألحقُها، تطلبُ منّي أنْ أُقبلَها.. أحياناً أتخيَّلُها غزالة تشردُ.. وفي الفراشِ بعدما صرختْ ولم تعدْ عذراءَ، رأيتُها بصورةِ لبوَةٍ.. نمرة تفترسُني فأرتاح، أجدُ العالمَ جميلاً مثلَ أحلامٍ زرقاءَ تحلُّ في لهاثها.. على مهلكِ اعتبريها رياضة.. في الإمارات أُمارسُ مع صديقاتي رياضةَ التزلُّجِ على الرمال..

أعرفُ أنَّ دبـي استنسخت العالمَ كلَّهُ: طبيعة، ومتاحف، ومسارح.. كلّ شيء (..) راحت برمنغهام تنبسطُ تحتَ نظرنا، تمتدُّ، وتمـدُّ يديها كأنَّها ترحبُ بنا.. والغابةُ عن جهةِ اليمينِ تضفي على المشهدِ بعضَ الجلالِ.. وثمَّةَ التلَّةُ، وقطرات الدمِ التي تلاشتْ تحتَ المطرِ والترابِ، الرغبةُ تحاصرُني، كريستي تعصُرُني بينَ فخذيها، أمَّا في البيتِ وقد دخلنا غرفتها فترتقي بعضَ الأحيان فوقي، وتدعكُ حنكي بشعراتٍ شقراء ناعمةٍ غضَّةٍ نمتْ بوقتٍ قريب، وتروح تلعقُ جسدي، لكننا افترقنا بعد الصفِّ التاسعِ، اختارت قسمَ الميكانيك، وظهرَتْ فتيات أُخريات في حياتي مثل أيِّ طلاب ثانويَّة).

***

وبعدُ، فلعلَّ هناك زوايا أخرى غير التي وقفتْ عندها قراءتنا هذه، قد يجدها غيرُنا من النقاد الكرام حريَّةً بالتناولِ النقدي،وجديرةً بالتحليل،والتفسير،والتقييم، والإشادة، فزوايا النظرِ مختلفة، والظواهرُ الفنيّةُ عديدة، فليس ما تناولناه منها هنا هو كلُّ ما فيها، لذلكَ أقتُضيَ التنويه.

 

أ. د. عبد الرضـا عليّ

............

إحــــــالات

(1) أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، تح: هـ . ريتر، مط المعارف، استنبول، 1954 (بدلالة د. محمَّد لطفي اليوسفي [الشعر والشعريّة]341، أوربيس للطباعة والنشر، تونس 1992م.

(2) ينظر: في النقد الأدبي الحديث، منطلقات وتطبيقات: د.فائق مصطفى، ود.عبد الرضا عليّ، 37، ط2، دار الأيام للنشر والتوزيع – عمّان / الأردن 2014م .

(3) يُنظرُ: في النقد الأدبي، دراسة وتطبيق: د. كمال نشأت، 28، مط النعمان، النجف الأشرف، 1970م.

 

 

 

 

حيدر عبدالرضاناطق خلوصي يرسم المصائر بمؤشرات واقعية

(إدائية الوقائع ودليل المتخيل)

أن من مواصفات المنزلة المتميزة والمثيرة في أدب الكاتب الأديب (ناطق خلوصي) القصصي، هو أن هذا الأدب ينحاز دوما في توجهاته الحكائية نحو منطقة شرائط ميادين المؤشرات الواقعية، التي تنصب بموجب حيزية مرجعية وقائعية خاصة، تتخذ من جهة رؤية الدليل المخيالي لديها، قيمة تصعيدية في شكل المقروء النصي، وعلى هذا فأن القارىء لعوالم مجموعة (شجرة الأب) يلاحظ ثمة تشكلات ومحفزات استمرارية، تكون نابعة من درجات وثوقية كبيرة في أجتيازية وأختيارية شكلية بناء المحكي القصصي في المجموعة، ومن هذه الأقاصيص التي في المجموعة، نختار قصة (في ظل أمل) وهذا النص بدوره، يطلعنا على ثمة مجريات حكائية، تتصل اتصالا فاعلا، وحدود كيفية أرسالية في قيمة الموصوف السردي، وعند التدقيق في تفاصيل قصة (الغنيمة) نرى بأن أجواء الأحداث في هذه القصة، تتقابل وفق شخصية تفاعلية نحو ترتيب زمني متضاعف وحقيقة قيمة العنونة المركزية الدالة (الغنيمة) إلا أن القارىء لقصة (شجرة الأب) يجد بأن القاص لربما يبدو غير دقيقا في لغة توزيعية المضمون الحدثي، خاصة وأن فعل سيميائية (الشجرة) يدخل في تضمينات شكلية عديمة القيمة والفائدة فنيا، أي بمعنى آخر، أن القاص في هذه القصة، قد أعطى لموصوف الشجرة ولموصوف المركز المحوري(الأب) تقابلية موضوعية، قد تبدو من ناحية دلالية، مبالغ فيها نوعا ما، إلا أن القارىء لربما يجد الأحداث والشكل النصي في قصة (وسط الظلام) يتخذ شكلا متحركا نحو بنيات تخطيبية متقدمة وهائلة في مقاييس صنع الحبكة السردية، فضلا عن هذا فأن القارىء لهذا النص، يرى بأن هناك مستوى تتابعي وتصاعدي نحو ممكنات أستباقية في رسم تمفصلات الخط المضموني للحدث والحوار والسرد وفضاء الرؤية، حيث بالتالي وعند مرحلة الأقفال، نرى بأن بلوغية الصفة التشكيلية للمسرود، قد تواردت عن مشارات وحدوية، قد جعلت من الحدث القصصي بمثابة (بؤرة التفعيل العام) والانطلاق نحو منطقة المؤشرات الدليلية بمجرى الخطاب المنقول سردا . أما في قصة (رائحة الماضي) فنلاحظ بأن القاص، راح يوظف مرجعية الواقعة الزمنية، ضمن فواصل سردية، محفوفة بمؤشرات مخيالية زاحفة نحو منطقة سلوكيات وأحداث وشخوص، أخذت تقترب من مجال أطلاقية الخطاب الذاكراتي المفكك، والقارىء لهذه القصة، لربما يعاين وجود ثمة دلالات تحفيزية نحو موقعية محددات، قد تشير لأفعال حقيقية أو موهومة من جهة أخرى، أي بمعنى، أن نوعية الحدوث النصي في هذه القصة، يشعر القارىء، كما لو أن هناك قدرية حقيقية وليست مخيالية، لها اليد في أنشاء الحدث المحكي داخل فضاءات موهومة من انزياح المرتسم الشكلي في النص، وعند التدقيق قليلا، في أحداث وشخوص هذا النص، نرى بان الوحدة الزمنية والمكانية، ناتجة عن متواليات قادمة داخل رقعة وقائعية مرهونة بمرجعية متخيل إشاري وتسجيلي في الوقت نفسه، وهذا بدوره أيضا ما ينطبق على قصة (إيقاع الفجر) وقصة

(نشيج مكتوم) وقصة (مهمة عادية): أن مجموعة أقاصيص (شجرة الأب) عالم سردي بليغ في أحداثه وبمجريات الوقائعية اليومية المحسوسة: فأنا شخصيا؟ عندما قمت بقراءة هذه النصوص، رحت أشعر برطوبة جدران حارات بغداد الشعبية، حيث التراث ومرارة وسخونة تلك الشرف الشناشيلية، وحيث مرونة تلك الأشياء التنصيصية في أشكال وبواطن تلك النصوص، والقارىء لعوالم هذه النصوص، يؤشر لفهمه الواعي، بأن هناك حيوات شخوصية تدعمها وبقسوة، ثمة تبدلات زمنية ورهانات صورية كبيرة .

(السرد النصي وهموم المسرود)

بعد اطلاعنا على أقاصيص (شجرة الأب) أتضح لنا بأن هناك داخل تلك النصوص، ثمة كيفيات نادرة الحدوث في قيم علاقات المتخيل السردي، وعلى هذا نفهم، بأن مكونات المشهد في احتوائية تلك النصوص، صار يشكل زمنا خطابيا مزدوجا في قيمته التداولية، وعند زمن المقروء، نلاحظ بأن خلاصات التركيب  النصي، ينحو منحى الحاقيا، بقيمة محتوى التشكيل الأشاري برصفه الواقعة المسرودة في بنية فضاء فعل المقروء في حالة التوظيف الأتمامي في المتن، على هذا نرى بأن جميع مرويات المسرود النصي، تقع داخل  محوريات مقطعية من فعل أوليات أولى من زمن خطاب المرسل إليه، وتبعا لهوية هذا المرسل إليه، فأن زمن الحالة القرائية، تشخص لدى المتلقي بالأشارة، بأن فضاءات النصوص تكون بمثابة الخاصيات اللقطاتية المقتطعة من تصديرات زمن الأحداث والشخوص، ومن زمن صياغات ملفوظات التشكيل النصي المغاير لهوية مرجعية وقائعية زمن النص، وضمن هذا نرى، بأن علاقات زمنية الأحداث، لربما سوف تتخذ لذاتها شكلا تصعيديا جديدا في مجالات إكتمالية المسرود المنقول في الخطاب، لعلنا من هنا سوف نقول للقارىء، بأن قراءة أقاصيص (ناطق خلوصي) تبتدأ أولا بإطار إسترجاعات زمنية، ثم بعد ذلك تبدو شكلا محكيا نحو ترهين مجريات الحاضر إزاء صياغات أفعال ماضوية، تسجل للحدث المسرود حاضرا، اعتبارات محاولة الإمساك ببنية زمن الخطاب المتواشج ومدلولات مرجعية الواقعة المسرودة بتناوبات الفعل المضاف على صعيد الخطاب الواحد ككل راهني . وختاما لا أملك إزاء هذا التعريف الجزئي مني بما هو موجود في مجموعة (شجرة الأب) حيث لاحظنا بأن هذه النصوص ما هي ألا شكلا آخر في أسترجاعات صوت الراوي المضمر داخل ترهينات حلقة الحاضر الحدثي إزاء زمن تسجيلات الخطاب النصي المغاير، وعلى هذا أيضا، رأينا كيف أن علاقات مرجعيات الوقائع، تكون دوما مصحوبة بداخل تلك النصوص، على أساس من مخطط دلائلية مؤشرات واقعية الملامح وحياتية متناوبة داخل فسحات المشهد الواقعي القصصي : وعلى هذا لا أملك شخصيا، سوى المزيد من الترحيب والتقدير للأستاذ

(ناطق خلوصي) هذا الكاتب الذي قدم لنا وما يزال يقدم أدبا وثقافة ونقدا دراميا . وزيادة على هذا الكلام الذي قلناه بحق مجموعة أقاصيص (شجرة الأب) أعود لأقول مجددا : أن المعيارية التي أتبعها القاص من خلال اشتغالية متون نصوصه تلك، أخذت تعتمد أولا، وظائفية (الزمن) وعلى وجه من التحديد أخذت تأطر المادة الحكائية ضمن موجبات إجرائية النسق الزمني داخل ملفوظات عناصر مادية المكان ومن حدود الفعالية الذاكراتية الموجهة نحو خطابية شخوصية سردية لها كل الحضور داخل أوليات استقرائية من مرجعية الوقائع المتخيلة، وعلى هذا نرى بأن أقاصيص (شجرة الأب) قد جاءت صوغا أرتجاليا، قريبا من حدود كشوفات الأستنباط الواقعي المكثف، حيث نلاحظ أيضا بأن عملية القراءة لهذه النصوص، تبقى رهينة نمطية خاصة من فهم دلالات ووظائف أولى من محكي زمن أنظمة البحث الدلالي القارة في حدود مرجعية بوح كشوفات المنجز الذاكراتي المعيش من زمن كتابة النص : هكذا هي عوالم نصية (ناطق خلوصي) زمنا ذاكراتيا مرهونا بقيم وظائف مركزية، من إمكانيات بنية أنظمة سردية تذهب تفاعليا في محددات شفروية اللحظة الكتابة الحاضرة، لهذا يرى القارىء بأن أغلب نصوص هذا القاص السردية، ما هي إلا أنتاج دلالات شيء متكون من حدود انبثاقات جريئة في مضامين شفروية (الأنعكاس الذاتي) والقارىء لأقاصيص (شجرة الأب) لربما يعاين مستوى إختلافية أفعال تلك النصوص من ناحية قرائية سريعة، غير أنه في الوقت نفسه ومن ناحية مفاهيمية لمرحلة الكاتب العمرية ومرحلة المسافة الفاصلة مابين أنشاء زمن النصوص، يجد بأن هذه التواصلية الخطابية لدى زمن النص، ما هي إلا جملة مراهنات فورية لمحاولة كتابة النص بموجب إحالات متواردة ضمنيا وأفق عملية أستفهام مجريات نظرية الرؤية لدى القاص، والتي تواكبها من جانب ما، علامات أستنطاقية خاصة لمصرحات مرحلة الكاتب العمرية في أنشاء دلالات وكفاءات وجه النص القصصي: من هنا أتمنى من النقد ومعيارية النقاد أذا كان هناك فعلا لدينا نقاد كما يقال، أن يسلطوا ضوءا جديدا على عوالم الأديب القاص ناطق خلوصي، لاسيما وأن في أدب هذا الكاتب القصصي، ثمة ترابطية خاصة مابين مراحل وأشواط جيلية كبيرة، وعلى وجه التحديد لربما أن القارىء النقدي يشم في رائحة هذه النصوص وهذا القاص، ثمة نواميس تشير إلى حدود مسورات الأدب القصصي الستيني، كما أن هناك ثمة أنتاجية أسلوبية جادة لدى هذا القاص، تربط فعل النص الحداثوي بحدود أفق تنصيص المرحلة الستينية . هذا ما قد وجدناه ولمسناه في تجربة أقاصيص (شجرة الأب) حيث وجدناها نصوص جميلة وشفافة،تحمل علامات بنية الماضي وحضورية سؤال الحداثة المحير: أن العزيز ناطق خلوصي وفي هذه النصوص على وجه التحديد، راح يمزج لون كتابي بولادة استجابات قرائية مؤثرة، صارت تولد فينا منظومة (الأثر / التلقي) وتولد فينا أيضا الحب والاحترام والثقة بهذا (الشيخ المبدع) الذي لا يذوب ولا ينقطع من حيزية الكتابة الحرجة في قلب اللحظة الكبيرة .

 

حيدر عبدالرضا

 

 

مصطفى الغرافيمشكلة التجنيس: يطرح تجنيس النصوص إشكالا حقيقيا يرتفع إلى مستوى "المعضلة"، وقد عبر غير واحد من الدارسين عن هذه المشكلة التي تواجه المشتغلين بالأدب عامة وبنظريته خاصة، من هؤلاء جيرار جونيت الذي عرض لهذا الإشكال في كتابه "مدخل لجامع النص"، حيث انتهى من تقليب النظر في هذه المسألة إلى أنه بالرغم من الاجتهادات العديدة المطروحة داخل نظرية الأجناس، فإنه لا يوجد من بين هذه "الاجتهادات" موقف، في ترتيب الأنواع، "أكثر طبيعية" أو "مثالية" من غيره، ذلك صريح قوله:

"نرى أنه لا يوجد بشأن ترتيب الأنواع الأدبية موقف يكون في جوهره أكثر "طبيعية" أو أكثر "مثالية" من غيره، ولن يتوافر هذا الموقف إلا إذا أهملنا المعايير الأدبية نفسها كما كان يفعل القدماء ضمنيا بشأن الموقف الصيغي. لا يوجد مستوى "جنسي" يمكن اعتماده كأعلى "نظريا" من غيره، أو يمكن الوصول إليه بطريقة "استنباطية" أعلى من غيرها، فجميع الأنواع أو الأجناس الصغرى والأجناس الكبرى لا تعدو أن تكون طبقات تجريبية، وضعت بناء على معاينة المعطى التاريخي، وفي أقصى الحالات عن طريق التقدير الاستقرائي انطلاقا من المعطى نفسه؛ أي عن طريق حركة استنباطية قائمة هي نفسها على حركة أولية استقرائية وتحليلية أيضا. ولقد رأينا بوضوح هذه الحركة في الجداول (الحقيقية أو القابلة للوجود) التي وضعها أرسطو وفراي، حيث ساعد وجود خانة فارغة (السرد الهزلي، السرد العقلاني، المنفتح) على اكتشاف جنس كان بالإمكان ألا يدرك مثل المحاكاة الساخرة"(1).

من الواضح تماما أن نظرية الأنواع تصطدم في مباشرتها التجنيس بمعضلات عدة. وقد أثرت هذه "المعضلات" على كفاية الأنظمة المعتمدة في تجنيس نصوص الأدب، حيث تظهر المعضلة الحقيقية عندما يتصدى الدارس لتجميع أنواع ظهرت في حقب تاريخية مختلفة، إذ من الثابت المعلوم أن الأنواع تتغير من حقبة لأخرى تبعا لتغير الأنساق الاجتماعية والتاريخية التي تحف إنتاجها وتلقيها. وهو ما تفطن إليه توماشوفسكي وقرره بالقول: "لا يمكن إقامة أي تصنيف منطقي وصارم للأنواع. فالتمييز بينها هو دائما تمييز تاريخي، بمعنى أنه مبرر فقط خلال مدة زمنية معينة، فضلا على أن ذاك التمييز يصاغ في الوقت نفسه من ملامح متعددة، وملامح نوع يمكن أن تكون طبيعتها مختلفة كل الاختلاف عن طبيعة ملامح نوع آخر، في نفس الوقت تبقى تلك الملامح متساوقة فيما بينها نظرا لأن توزيعها لا يخضع إلا للقوانين الداخلية للتركيب الجمالي"(2). لهذه الاعتبارات مجتمعة قرر ماري شافر أنه "من بين كل المجالات التي تخوض فيها النظرية الأدبية يعتبر مجال الأجناس، دون شك، واحدا من أشدها التباسا"(3).

ويمكن لهذا الالتباس الذي يطيف بمتصور الجنس الأدبي أن يرتد إلى عوامل ثلاثة أساس(4): يتصل الأول بالعلاقة الجدلية بين الجنس والنص؛ فإذا كان تجنيس النصوص إنما يتحقق بفحص الآثار الأدبية المفردة لاكتشاف قاعدة تشتغل عبر عدة نصوص(5)، فإن الأثر الفردي لا يتشكل إلا من خلال الشروط التي يحددها الجنس. وهو ما يجعل العلاقة بين النص والجنس علاقة جدلية تتجه فيها الحركة من الأثر إلى الجنس، ومن الجنس إلى الأثر، لأن تحديد الجنس رهين بالنص، وتشكل النص متوقف على الجنس. وقد اعتبر الجنس الأدبي، تأسيسا على هذا الفهم، "أوامر دستورية تلزم الكاتب وهي بدورها تلتزم به في وقت واحد"(6). إن العلاقة بين النص والجنس علاقة تلازمية لدرجة يمكن معها القول "إن كل وصف لنص هو وصف لجنس"(7). ويتمثل العامل الثاني في نسبية المعايير، إذ ليس ثمة من اتفاق بين النقاد على المعايير التي ينبغي اعتمادها في تجنيس النصوص، كل ما اتفقوا عليه أن عملية التجنيس تقتضي وجود معيار يتشكل النص وفق قواعده، واستنادا إلى هذه القواعد تجري عملية تصنيف النصوص إلى أجناس وأنواع. أما العامل الثالث فيكمن في اختلاف وجهات النظر بين الدارسين حول متصور "الجنس الأدبي" نفسه، وهو ما تؤكده مقررات تودوروف عن التعقيدات التي تطيف بهذا المتصور مما يفضي إلى تباين الأنظار النقدية بصدده تبعا لتباين المرجعيات واختلاف زوايا النظر: "إن الأجناس توجد في مستويات متباينة من الكلية، وإن مضمون هذا المفهوم إنما يتحدد بوجهة النظر التي يقع عليها الاختيار"(8). وقد ترتب عن التباس متصور الجنس الأدبي أن تعددت التحديدات التي تعاقبت على هذا المصطلح منذ أرسطو إلى يوم الناس هذا، نظرا لاختلاف المعايير المعتمدة في تجنيس النصوص وتصنيفها، ففي الوقت الذي نجد فيه البعض يعتمد "السمات المهيمنة" معيارا في التجنيس، نجد بعضا آخر يميل إلى اعتماد "الصيغ المضمونية".  وإلى جانب هذه العوامل الثلاثة يمكن أن ينضاف عامل رابع، يتصل بما هو مقرر عند بعض الدارسين من أن النص الأدبي الحقيقي ليس يخضع لمقتضيات النوع خضوعا تاما، ولكنه يخوض على الدوام، صراعا لا يهدأ ضد متطلبات النوع وقواعده، في محاولة منه لتحقيق طموحه إلى "الخصوصية" و"الفرادة"، اللتين تختصانه بسمات فارقة تميزه من غيره من النصوص الأخرى التي يشترك معها في الارتقاء لنفس النوع. إن النص العظيم، من منظور هذا التصور، هو الذي ينجح في شق عصا الطاعة على متطلبات النوع ومقتضياته. غير أنه مهما بدت مشكلة التجنيس شاقة ومعقدة فإنه بمكنتنا الانتهاء، مع ذلك، من خلال فحص التحديدات المختلفة التي تعاقبت على متصور "الجنس الأدبي" إلى معنى يجعل الجنس مرتبطا بوضع التقاليد التي تشكل أفق الانتظار عند المتلقي فترسم له طريقة استقبال النص. كما يرتبط بالتقاليد المتصلة بنوع الموضوعات والأساليب التي يمكن أن تتحقق داخل النص نفسه؛ بما يعني أن الجنس الأدبي مرتبط أساسا بترسيخ "تقاليد" معينة(9).

إن الإشكالية الأنواعية مرتدة في أصلها إلى هذه العلاقة الملتبسة التي تجمع بين النوع الأدبي والأثر الفردي، فما من شك في أن صاحب الأثر إنما ينتجه في تحاور وتفاعل مع آثار أخرى سابقة، إما أنه يحاكيها فينهج نهجها وينسج على منوالها أو يتمرد عليها فينتهك أسسها ومقوماتها. وعندما يستقبل القارئ هذا الأثر فإنما يستقبله وفق "أفق انتظار" معين أساسه جملة من القواعد مستخلصة من قراءات سابقة، تشكل – في مجملها- "تقاليد النوع". لهذه الاعتبارات كان من الصعب الدفاع عن الأطروحة التي ترى أن الأثر فردي وناتج إلهام شخصي من دون أن يدخل في علاقة مع آثار الماضي، ثم إن النص ليس مجرد نتاج تركيبة سابقة الوجود مكونة من الخصائص الأدبية المفترضة، ولكنه، إلى جانب ذلك، تحويل لهذه التركيبة(10).

إن خصوصية الأثر لا تحول دون تجنيسه، حيث إنماء الأثر إلى نوع بعينه ممكن – تبعا لمقترح تودوروف- عبر حركة ذهاب وإياب: من الأثر إلى النوع ومن النوع إلى الأثر. وهو ما يجعل كل وصف لنص وصفا لجنس(11).

إن دراسة الأنواع عمل متأرجح بين الممارسة التطبيقية التي تنطلق من النصوص، والعمل التصوري التجريدي الذي ينطلق من التنظير. ومن هنا رأى بعض الدارسين في النوع مرتبة وسطى بين النص والنمط، حيث "النمط هو النموذج والمثال الذي يختزن مجموعة من السمات الأسلوبية، والنوع هو المتصرف بطريقة أو بأخرى في تلك السمات. أما النص فهو المنجز أو المظهر الملموس للنمط والنوع"(12).

يرتد أصل المشكلة الأنواعية إلى علاقة النوع بالأثر: هل هي علاقة تدجين واحتواء أم صراع وتمرد؟

تكون العلاقة بين الأثر والنوع تدجينا واحتواء عندما ينزع الأثر إلى "الثبات"، وتكون تمردا وصراعا إذا نزع الأثر إلى "التحول". في حال الثبات يخضع المؤلف للنوع فينشئ أثره وفق مقتضيات النوع وتقاليده. ويكون استقباله – تبعا لذلك- وفق "السنن" التي ترسخت في ذهن القارئ من قراءات سابقة تخلق لديه "أفق انتظار" يتوافق وتقاليد النوع.

أما التحول فيظهر عندما ينزع الأثر إلى التحرر من قبضة النوع فيجاوز عامدا حدوده ويخرق قواعده وتقاليده. وتتميز خصيصة "التحول" هاته بأنها لا تتوافر في جميع النصوص، ولكنها وقف على نصوص بعينها تمثل في تاريخ الأدب نصوصا- معالم تنتهك المعايير وتتمرد على السنن الأدبية السائدة في عصرها بما يقود، في المحصلة، إلى توسيع النوع حيث "كل رائعة حقيقية تخرق قانون جنس مقرر زارعة بذلك البلبلة في أذهان النقاد الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى توسيع الجنس"(13).

إذا كان ثبات النوع يقود إلى الإقرار بوجوده، فإن تحوله يساعد على تبين رحلة تشكل النوع وتطوره. وقد ذهب بعض الدارسين إلى أن هذه العلاقة المتقلبة بين النوع والأثر، تقتضي الانطلاق من مجموعة من النصوص المفردة للوصول إلى نمط النوع، الذي يشكل صيغة جامعة عليا يحددها كارل فيتور بأنها "تجريد (...) أو الرسم التصوري كما يكون، إن جاز القول، البنية الأساسية التي لا توجد إلا في شكل خصوصيات صافية؛ أي أجناسية الجنس"(14).

إن أجناسية الجنس، باصطلاح فيتور، لا ترتبط بأثر واحد يمكن اتخاذه أنموذجا لذلك النوع، ولكنها متعلقة باستقراء جملة من الآثار الفردية، لأنه "لايمكن لأي نسخة مفردة أن تكون نمط الجنس (...) إننا نحصل على نمط جنس أدبي معين بفضل دراسة جامعة لكل الآثار الفردية التي تنتمي إلى هذا الجنس"(15).

أنماط الخطاب:

إن الاهتمام بتجنيس الخطابات المختلفة ليس وليد الدراسات النقدية الحديثة كما يتبادر إلى الذهن لأول مرة. ولكنه يضرب بجذور عميقة في مختلف النظريات النقدية التي أنتجتها الإنسانية، حيث نجد الاهتمام بالتمييز بين أنماط الخطاب في أقدم نظرية نقدية معروفة لدينا، وهي النظرية الأرسطية. فقد حاول أرسطو في كتابه "فن الشعر" ـ كما هو معروف ـ أن يستخلص أنماط الخطاب الخاصة بالقول الشعري استنادا إلى مفهوم "المحاكاة" الذي يحيل إلى الطريقة التي يعكس بها الأدب الواقع، معتمدا العلاقة بينهما معيارا للتفريق بين أنواع الخطاب الثلاثة (الملحمة والمأساة والملهاة) ومن ثم الأنماط (الواقعي والتخييلي والتخيلي). لأن كل نوع يستدعي نمطا خاصا به.

في الفصل الثاني من "فن الشعر" يميز أرسطو بين الأعمال التخييلية استنادا إلى مستوى الشخصيات من حيث التسامي. فيرى أن الأبطال في الأعمال التخييلية قد يكونون "أفضل منا أو أسوأ أو مساوون لنا"(16).

ففي المأساة يكون البطل أكبر من الواقع وأرفع من محيطه الطبيعي. ويكون نمط الخطاب هنا من طراز المحاكاة العليا. في حين يكون البطل في الملاحم مطابقا للواقع ومساو لنا. وتقتضي متطلبات النوع في هذه الحال أن يستجيب الشاعر لانتظارات متلقيه ولا يخرج عن قوانين الاحتمالات كما يتوقعها "الجمهور". وفي هذه الحال نكون أمام قصص واقعية من طراز المحاكاة الدنيا. أما الملهاة فتحاكي شخصيات دنيا في الواقع وهنا يكون الخطاب من النمط الساخر.

وقد تواترت هذه القسمة الثلاثية في معظم الدراسات التي عنيت بمسألة تمييز الخطابات من حيث الأنواع والصيغ والأنماط. يلتقي في ذلك نقاد الأدب والفلاسفة والأنثربولوجيون. ويبدو أن هذا التقسيم الثلاثي تميز بكفاية إجرائية عالية مكنته من أن يستوعب جميع الأنماط الخطابية التي أنتجتها الإنسانية للتعبير عن تجربتها في مختلف العصور والبيئات بدءا بالأنماط البسيطة الحاكية للتجارب الواقعية (اليومية) وانتهاء بالأنماط الأكثر تعقيدا الممثلة لتجارب فوق واقعية (أسطورية).

يستطيع الدارس أن يعثر على كثير من الدراسات الغربية التي تناولت قضية الأنماط الخطابية. وإن كانت جل هذه الدراسات تنطلق في دراسة الأنماط من زاوية نظر محددة تتمثل في تحديد "مفهوم الواقعية في الأدب". من هذه الدراسات مقال إيان واط "الواقعية والشكل الروائي" الذي خصصه لدراسة "الأدب الواقعي" كما تمثله أعمال زولا وبلزاك وفلوبير، في مقابل الأعمال السابقة عليهم (روايات القرون الوسطى تحديدا) التي تمثل النقيض (الأدب اللاواقعي). ولما كانت أطروحة إيان واط حول واقعية أو لاواقعية الرواية الفرنسية لا تدخل ضمن مقاصد هذه الدراسة المتوجهة أساسا إلى دراسة وفحص أنواع الخطاب وأنماطه في الثقافة العربية، فإننا سنقتصر في مقال واط على المفاهيم والتصورات التي لها علاقة بالغاية التي رسمناها لهذه الدراسة. يتعلق الأمر بالجزء الذي يقدم فيه واط العناصر التي تتحكم في واقعية الأدب حيث أجملها فيما يأتي:

1 - الشخصية: يعتمد واط الشخصية معيارا أساسا في تحديد نمط النص السردي من حيث "الواقع والتخييل". فالتفريق بين النص الواقعي والتخييلي يستند إلى "تفريد الشخصية"(17) أي طريقة تمثيل شخصية ما(18)؛ فالمؤلف في الكتابة الواقعية يراعي قواعد "المنطق"(19) في اختيار شخصية تنتمي إلى الواقع المألوف ومنحها اسما يأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي يسمى بها الأفراد في الحياة العادية(20)، وتكون لها نفس الوظيفة في الحياة الاجتماعية(21). أما أسماء الشخصيات في أشكال الأدب السابقة على الواقعية فلم تكن فيما ـ يقرر واط ـ تتعامل مع الشخصيات بصفتها كيانات مفردة كليا لأنها بدلا من أن تموضعها في سياق الحياة المعاصرة، فإنها كانت تفضل الأسماء التارخية أو الأسماء النمطية(22) مقصية بذلك كل استحضار للحياة الواقعية أو المعاصرة(23) "وعلى النقيض مما هو مألوف في الحياة اليومية لم تكن شخصيات التخييل تملك اسما عائليا وشخصيا في الوقت ذاته"(24).

2 -الزمن: يعتبر واط الزمن:"القوة الموجهة لتاريخ الإنسان الفردي والجماعي"(25).

ومن هنا اعتمده محددا في التفريق بين "الواقعي" و"التخييلي" تفريقا يصل حد القطيعة" بين النمطين (26). ففي الوقت الذي تستخدم فيه التقاليد الأدبية التخييلية قصصا لازمانية بصفتها مرآة لحقائق أخلاقية ثابتة، فإن زمن الرواية الواقعية يتميز بحبكته التي تتناول تجربة ماضية بصفتها سببا للحدث الحاضر(27). كما أن الرواية الواقعية تتميز عن الأعمال التخييلية السابقة على الواقعية بإلحاحها على "السيرورة الزمنية"(28). كما تتميز باهتمامها بتطور الشخصيات داخل مجرى الزمن(29). إن الزمن مقوم أساس عند واط للتفريق بين نمطين من السرد: سرد واقعي مؤطر ضمن سيرورة زمنية وسرد تخييلي يتميز بأنه لا زمني.

3 - المكان: يتحدد المكان في ـ تصور واط ـ بوصفه الملازم الضروري للزمان(30). ومن هنا اعتمده معيارا لتمييز السرد الواقعي من التخييلي. حيث الأول محكي يقع داخل محيط فيزيقي واقعي. في حين يتميز المكان في السرد التخييلي بسمات فوق واقعية (المدن السحرية...).

4 - الأسلوب: تتحدد الرواية الواقعية عند واط باعتبارها :"نقلا للحياة الواقعية. إنها "واقع مكتوب" كما قال فلوبير. ومن ثم كانت وظيفة اللغة في السرد ـ النقل الواقعي مرجعية(31) تترفع عن توظيف اللغة توظيفا زخرفيا لتنقل الأحداث كما وقعت فعلا طامحة بذلك لأن تكون عرضا أصيلا لتجربة الأفراد الحقيقية(32). وفي مقابل ذلك لا تنشغل التقاليد الأسلوبية السابقة على الواقعية (التخييلية) بالتطابق بين الكلمات والأشياء بقدر ما كانت تهتم بالجماليات الظاهرية التي يمكن لاستعمال البلاغة أن يضفيها على الوصف وعلى الحدث(33).

هذه هي المقومات الأربعة التي يقترحها واط للتمييز بين الأنماط السردية، وإن كنا نلحظ أنه اقتصر على نمطين هما الواقعي والتخييلي. ولم يلتفت إلى أنماط سردية أخرى من قبيل السرد العجيب مثلا. ويرجع ذلك إلى انشغاله بتحديد مفهوم الواقعية في روايات أوروبا القرن التاسع عشر تحديدا.

تعرض رولان بارث لقضية الأنماط الخطابية في مقاله:"أثر الواقع" الذي خصصه لدراسة "الوصف الخارجي" عند فلوبير من خلال روايته الشهيرة:"مدام بوقاري". حيث خلص إلى أن الغاية الجمالية للوصف عند فلوبير ممتزجة بمقتضيات "واقعية" بسبب تقيدها بصحة المرجع. مما يجعل القيود الجمالية محكومة بقيود مرجعية(34).

ويظهر الاهتمام بمسألة الأنماط عند ما يميز بارت بين "الواقعي" في علاقته "بالتاريخي" و "التخييلي" و "المشابه للواقع". حيث "الواقعي" يرتبط ـ فيما يقرر بارت ـ "بالتاريخي" لأنه "منذ العصور القديمة كان "الواقع" إلى جانب التاريخ"(35) وهو ما يتعارض مع "المشابه للواقع" (نظام المحكي). "فالتاريخي" حقيقة موضوعية (صحة المرجع) أما "المشابه للواقع" فخاضع "لرأي الجمهور". ومن هنا لم يكن "المشابه للواقع" فهو المرجع الأساس في المحكى التاريخي الذي يفترض أنه يروي "ما حدث فعلا"(36) وبذلك يتحول التاريخ إلى "محكي واقعي" يعيش إلى جانب المحكيات "المشابهة للواقع" التي تدخل عند بارت في "الأدب الواقعي" الذي يباين "الواقع" بسبب التعديل الذي يلحق الجزئيات" الناظمة للعمل السردي. فيتحول من "دليل تقرير" إلى "دليل إيحاء"(37) فاقدا بذلك كثيرا من مصداقيته الواقعية دون أن يفقد القدرة على "الإيهام" بنقل الواقع ومطابقته. لأن "المحكي الأكثر واقعية... يتطور تبعا لطرق لا واقعية" وهو ما يسميه بارت "الوهم المرجعي"(38).

يرتبط الواقعي ـ عند بارت ـ بالخطاب التاريخي الذي يحكي "ما حدث فعلا" وفي مقابله يضع "التخييلي" المتصل "بالأدب الواقعي" ويسميه "المشابه للواقع".

ويمكن اعتبار تودوروف من النقاد الذين فحصوا قضية تنميط الخطابات من منظور مختلف. وذلك في سياق محاولته "تجنيس العجائبي" والكشف عن قاعدة اشتغاله في كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي"(39).

يتحقق العمل الأدبي عند تودوروف ـ بين قطب الواقع وقطب الخيال، يمثل القطب الأول "القاعدة" أو "المعيار" ويمثل القطب الثاني "الخرق" أو "الإنزياح" ويتحدد "نمط" الخطاب حسب درجة القرب أو البعد من أحد القطبين. فإذا أمكن تفسير العمل استنادا إلى قوانين "الواقع" ومعايير "المألوف" يتم تأطيره ضمن "الخطاب الواقعي". وفي حالة ما إذا احتاج إلى قوانين جديدة غير قوانين الواقع لتفسيره فإنه يؤطر ضمن "الخطاب المتخيل".

من الواضح أن تودووف يهتم أساسا بالأنماط اللاواقعية، حيث العجائبي، عنده، مرتبط بلحظة "التردد" التي يشعر فيها القارئ وهو يواجه نصا ما أنه يواجه حدثا "فوق طبيعي" وغير خاضع لقوانين الطبيعة. وبعد لحظة التردد يتم تنميط الخطاب وفق "موقف القارئ". فإذا رأى أن قوانين الواقع تساعد على تفسير العمل الأدبي، فإنه يندرج ضمن "الغريب" وإذا رأى أنه يحتاج لتفسيره إلى نظام آخر غير النظام المألوف فإنه يندرج ضمن "العجيب". أما "العجائبي" فلا يحيا سوى في "لحظة التردد"؛ أي حيرة القارئ إزاء النظام الذي يحكم النص: المألوف (الواقعي) أم اللامألوف (المتخيل). ولذلك كانت عملية التجنيس (التفريق) بين أنماط الخطاب مرتبطة بالقارئ والشخصية عند خروجهما من "لحظة التردد"(40).

يبدو تودوروف مهتما بتصنيف الأنماط غير الواقعية "فالغريب" ما قارب الواقع و "العجيب" ما ابتعد عنه. ولم يلتفت إلى الأنماط التي تطابق الواقع الذي تمثله المحكيات التاريخية لأنها أنماط لا تثير "التردد" أو "الحيرة" في تصنيفها مادامت تنقل الواقع "كما حدث فعلا".

السرد العجائبي ومعايير التجنيس:

يعتبر الزمن مكونا أساسا في كل عمل سردي. لأنه لا يمكن حكي "حدث" ما إلا بعد وقوعه، ولا يمكن لأي "حدث" بما أنه "فعل" أن يتجرد من الزمن أو يفلت من قبضته. فكل حدث واقع بالضرورة في "زمن" متنزل فيه ومؤطر ضمنه. ولذلك اعتبر الزمن معيارا ضابطا في التفريق بين الخطابات المؤطرة ضمن "فن السرد"، لأنه عنصر مساعد في مجال تمييز الخطابات من حيث الأنواع والصيغ والأنماط. فإذا كان السارد يهتم بتحقيق التواريخ (زمن الأحداث) وتدقيق أسماء الأعلام فإننا نكون أمام سرد "واقعي". أما إذا قدم السرد غفلا من المؤشرات الزمنية المحددة للحقبة التاريخية التي تتنزل فيها الحكاية، فإننا نكون أمام سرد تخييلي (غير واقعي). ومن ثم تتغير إستراتيجية تلقي النص السردي تبعا لتحولاته الأنواعية (نادرة – سيرة - حكاية - موعظة ...) وتجلياته النمطية (واقعي ـ تخييلي - تخيلي).

لكن معيار الزمن لا يكفي وحده لإضفاء سمة "الواقعية" على السرد، إذ نصادف في موروثنا النثري كثيرا من الأنواع السردية التي تعتمد في صوغها على المادة التاريخية أوتحاكيها على الأقل، حيث ترفق ببيانات محددة لأمكنة جغرافية حقيقية مع تعيين تواريخ محددة للوقائع والأحداث. وهي في حقيقة الأمر وقائع مختلقة من "وضع" القصاص والمحدثين الذين عرف عنهم الإغراب والإغراق في الخيال حتى تنفق بضاعتهم لدى العامة. ولذلك نرى أن التمييز بين أنماط الخطاب (الواقعي ـ التخييلي ـ التخيلي) ينبغي أن يرتهن إلى الأصول والمبادئ الآتية:

1 - طبيعة المادة السردية: يمكن اعتماد طبيعة المادة السردية من حيث الوقوع والاحتمال معيارا لتمييز السرد "الواقعي الخالص" (التاريخي) من "السرد التخييلي" و"التخيلي"، حيث الأحداث والوقائع تنتمي في النمط الأول إلى مجال التاريخ: "ما وقع فعلا" أي أن الحوادث قد جرت والمصائر تحددت. ويمكن الرجوع إلى المدونات والمظان التاريخية المعروفة للتثبت من الوقائع وتدقيق البيانات المتصلة بالشخصية والمكان والزمان.

إذا كان الواقعي يتميز بـ"الوقوع" لمطابقته حوادث وقعت فعلا، فإن التخييلي يتأطر في دائرة الاحتمال (الممكن الوقوع). لأن البعد التخييلي المناظر لهذا النمط من الخطاب يفرض على القارئ إرجاء قبول وقوعها ولو توافرت عدة مؤشرات (زمانية ومكانية) توكد وقوعها فعلا. لأن تلقيها يتم باعتبارها "تخييلا" (ممكن الوقوع) أو "تخيلا" (محتمل الوقوع ولكنه لم يقع بعد.)

2 - طبيعة المرجع: تفرض قواعد "الواقعي" أن تكون السرود ـ الوقائع المقدمة "متطابقة" مع الحقيقة التاريخية. ومن هنا كان "المرجع" في هذا النمط من السرد ماديا وملموسا يتيح التحقق من صحة الرواية إجمالا. والتفاصيل التي لا يمكن التأكد منها تكون مجهولة بالنسبة للتاريخ نفسه. أما المرجع في السرد التخييلي والتخيلي فيكون ملتبسا. لأن النص السردي قد يكون مزاوجة بين الواقع والخيال كما هي الحال في السرد التخييلي. وقد يكون خيالا صرفا كما هي الحال في السرد التخيلي.

من الواضح أنه لا يمكن التأكد من صحة الأحداث والوقائع في هذا النمط السردي حتى وإن وجدت مؤشرات تربط الوقائع المقدمة بالتاريخ. إذ تلقيها يتم باعتبارها داخلة في دائرة "الممكن" أو "المحتمل" الذي "لا يطابق" الواقع وإن كان يمتح مادته الحكائية من الخيال.

3 - ميثاق النوع: يعتبر الميثاق النوعي معيارا لتمييز أنماط الخطاب المختلفة. لأن مرجعية الخطاب وطبيعته من حيث الوقوع والاحتمال تحدد تبعا للواعد النوع الذي يكتب وفقه النص الأدبي، باعتباره المبدأ المنظم لقواعد التواصل بين منجز الخطاب ومتلقيه. وتمييز الأنماط في هذا المستوى يتم استنادا إلى "قانون الكتابة"؛ فالنمط الواقعي التاريخي يقوم على أساس "المطابقة" (مطابقة الواقع) فيما يقوم النمط التخييلي على أساس "المشابهة". والقارئ يتلقى كل نمط تبعا "للميثاق النوعي". ويمكننا التمثيل لذلك بالسيرة الشعبية التي تنبني على وقائع وشخصيات تاريخية معروفة (عنترة ـ سيف بن دي يزن ـ الظاهر بيبرس). وبالرغم من أن عمل راوي السيرة الشعبية، لاعتماده مادة تاريخية متداولة في تقديم السيرة الشعبية يشبه عمل المؤرخ التقليدي، فإن قارئها أو سامعها لا يتلقى وقائع السيرة الشعبية باعتبارها "تاريخا"، ولكنه يتلقاها باعتبارها "تخييلا". ولذلك فهو لا يتساءل عن صحة المرجع بقدر ما يعجب من براعة الخيال.

4 - الشخصية: تعتبر الشخصية مكونا أساسا في الأنواع السردية بصفة عامة، فهي أساس كل عمل سردي. فالشخصيات هي المنجزة للفعل، المضطلعة بالدور المفضي إلى الحدث. ونظرا للأهمية القصوى التي تكتسيها الشخصية في "السرد"، فقد حظيت بعناية النقاد والدارسين وخاصة المهتمين بالسرديات منهم الذين اتخذوا من "الشخصية" موضوعا للفحص. فنظروا لها من زوايا مختلفة، ودققوا أشكالها ووظائفها في أنواع سردية متباينة (القصة ـ الخرافة ـ الأسطورة...). وقد تنوعت النظرة إلى الشخصية ووظيفتها تبعا لتغير المرجعيات وزوايا النظر المعتمدة في كل دراسة على حدة. ولعل دراسة فيلب هامون: "سميولوجية الشخصيات الروائية" أن تكون أبرز الدراسات التي انشغلت بتحديد الأنماط السردية وفقا لأنماط الشخصية.

لقد قسم هامون الشخصية إلى مستويات ثلاثة: مدلول الشخصية ـ دال الشخصية - دليل الشخصية. وفي المستوى الأول قدم ثلاث صور للشخصية (مرجعية - إشارية - استذكارية). وسنقتصر من بين هذه الصور الثلاث للشخصية من تقسيم هامون على الصورة الأولى (الشخصية المرجعية) لأنها الوحيدة التي تتصل بموضوعنا وتخدم غرضنا، وإن كان هامون يشير إلى أنه لا توجد حدود فاصلة بين الصور الثلاث لكونها متداخلة. ويمكن للشخصية الواحدة أن تندرج ضمن الأنماط الثلاثة في نفس الوقت.

يمكننا من خلال استدعاء تصورات هامون والاستفادة من إشاراته تمييز مستويات ثلاثة في الشخصية هي (المرجعية - التخييلية ـ العجائبية)(41).

1 ـ الشخصية المرجعية (الواقعية): وهي الشخصيات المستندة إلى مرجع خارج ـ نصي (هو الواقع التاريخي المعروف) أو مرجع نصي كتابيا كان (المظان والمدونات التاريخية) أو شفاهيا (الأحداث والوقائع التي يتحصل عليها المؤلف عن طريق المشافهة). ويتميز هذا النمط من الشخصيات "بالاسم العلم" الذي ينهض بوظيفة "تفريد" الشخصية، بحيث يحيل الاسم العلم على شخصية واقعية واحدة ولا يمكن أن تكون متعددة. وهي الأسماء التي نصادفها باستمرار في كتب الأدب والشعر والتاريخ، من قبيل محمد الرسول (ص) والخلفاء مثل عمر بن الخطاب وهارون الرشيد، والشعراء (عنترة - أبو نواس...) والزهاد (رابعة العدوية - صالح بن عبد الجليل – الأوزاعي) أو ملوك العجم (أردشير- أبرويز). يتصل الأمر بأسماء مؤشرة على أعلام وشخصيات يتم استدعاؤها من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.

2 ـ شخصيات تخييلية: وهي شخصيات "مشابهة للواقع" . ومن هنا تلتقي مع الشخصية المرجعية لكنها تختلف عنها في أنها لا تحمل ملامح خاصة بها، تميزها عن غيرها وتعمل بالتالي على "تفريدها". فهي وإن كانت تحمل ملامح واقعية تقربها من الشخصية المرجعية. لكن هذه الملامح لا تتصل بـ"المفرد" بقدر ما تتصل بـ"المتشابه" و"المتعدد" الذي يختلقه المؤلف أو الراوي لمقاصد سردية محض. مثل الفارس، والخليفة، واللص، والمحتال... وغيرها من الشخصيات التي نستطيع أن نصادفها في الواقع من دون أن تحمل ملامح متميزة. إنها "نسخ متعددة" تمثل "أنماطا إنسانية". ولذلك لا تختص في الغالب "باسم علم". وإن وجدت فإننا لا نعثر عليها في كتب التاريخ. إنها من "إبداع" المؤلف و" اختلاقه" فيتعامل معها، لذلك، بالكثير من "الحرية" التي لا يتيحها له التعامل مع "الشخصيات الواقعية". ومن ثم لا يتقيد "بالبيانات التاريخية" كما هو الأمر بالنسبة للشخصية الواقعية، فلا يتحرج، في هذه الحالة،  من المبالغة والتزيد والاختلاق لأنه غير معني "بمطابقة الواقع" فما يهمه هو "براعة الخيال".

3 - الشخصية العجائبية: ويتميز هذا النمط من الشخصية عن النمطين السابقين بكونه مفارقا للواقع والمألوف مفارقة تامة. وتنبع هذه "المفارقة" المولدة لسمة "العجائبية" من طبيعة التكوين الذاتي للشخصية وطريقة تشكيلها المخالفة تماما لواقع التجربة الإنسانية. ولذلك فهي لا تمتح مرجعيتها من "الواقعي" ولكن من "الثقافي". إنها تقطع مع الواقع لتؤسس واقعا متخيلا محضا. ومن الشخصيات "العجائبية" التي تفنن السارد العربي في وصف عالمها "العجيب" الجن والسحرة والأولياء والممسوخات.

وقد ينطلق المؤلف من شخصية لها "مرجعية" نصية فيقوم باستدعائها من بطون المصنفات الدينية والأدبية والتاريخية، أو كتب الرحلات لإنتاج "سرد عجيب" وهو ما يفضي إلى تداخل الشخصيات المرجعية مع الشخصيات العجائيبة على نحو ما نجد في السير الشعبية التي تجمع بين شخصيات تاريخية واقعية وأخرى أسطورية خارقة.

ترتهن نمطية الخطاب ـ شأنها في ذلك شأن أنواعيته ـ إلى الطرائق الخاصة التي تعتمد في حكيه وسرده. فمثلما تتعدد أنواع القول تبعا لتعدد استراتيجيات الإرسال وتنوع شرائط الاستقبال. فيتلبس الخطاب الواحد أنواعا عديدة وفق الطريقة التي تعتمد في حكيه والاستراتيجية التي تجتبى لتصريفه وتحقيق مقاصده. فيكون "نادرة" في الخطاب المنصرف للتفكه، و"موعظة" في الخطاب المنصرف للتدبر. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن النمطية، فالسرود تتوزع إلى أنماط حسب التجليات الخطابية التي تعتمد لتصريفها والمقاصد التي يصدر عنها منجزوها فيما يتصل بالصحة والصدق. فالمادة السردية الواحدة (الحدث) تتوزع إلى أنماط حسب طريقة حكيها ومقاصد نقلها. فقد تقدم في خطاب يعتمد قدرا كبيرا من التدقيق في طبيعة المروي ومدى مطابقته للواقع استنادا إلى الطرائق المعتمدة في التثبت من صحة المرويات وفي هذه الحال نكون أمام واحد من أنماط السرد هو السرد الواقعي المستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

وقد تقدم نفس المادة السردية في خطاب لا يلتزم بالوقائع الحقيقية ولا بمطابقته للواقع مما يجعلنا أمام سرد تخييلي لا يتقيد منجزه بمعيار "الما صدق" في الحكاية. ولذلك يقدم سردا تمتزج فيه وقائع حقيقية وأخرى خيالية.

وقد يقدم خطاب آخر نفس المادة السردية بطريقة تحافظ على بعض تفاصيلها لكنها تضيف إليها كثيرا من الوقائع المختلقة التي تجعل منها خطابا منتميا إلى فضاء متخيل لا يخضع لقوانين الطبيعة ولا يراعي منطق الواقع فنكون في هذه الحال أمام نمط سردي مختلف هو السرد العجائبي.

 

مصطفى الغرافي

باحث من المغرب

.....................

(1) - جيرار جونيت: مدخل لجامع النص، ترجمة: عبد الرحمان أيوب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط 1، 1985، ص: 76.

(2) - توماشو فسكي: "نظرية الأغراض" ضمن "نظرية المنهج الشكلي"، نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، مؤسسة الأبحاث العربية، ط 1، 1982، ص: 217.

(3) جان ماري شافر: من النص إلى الجنس ضمن "نظرية الأجناس الأدبية"، تعريب عبد العزيز شبيل، مراجعة حمادي صمود، كتاب النادي الأدبي الثقافي بجدة، ط 1، 1994، ص: 130.

(4) -لؤي خليل عباس، تجنيس العجائبي، علامات، ع57- 2005 ص: 388

(5) - تزيفتان تودوروف، مدخل الى الأدب العجائبي، تر. الصديق بوعلام، دار الكلام- الرباط . ط1- 1993ص: 27.

(6) - رينيه ويليك وأوستن وارين: نظرية الأدب، ترجمة: محيي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1987، ص: 236.

(7) - تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبي، ص: 31.

(8) - نفسه، ص: 29.

(9) ـ تقاليد النوع عند تودوروف عبارة عن "قاعدة تشتغل عبر عدة نصوص" ـ مدخل إلى الأدب العجائبي، ص: 27. وعند رينيه وليك "تقاليد استطيقية في الأساليب والمواضيع"- مفاهيم نقدية، تر. محمد عصفور، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع. 110 ـ 1987، ص: 311. وعند فانسون "صيغ فنية عامة لها مميزاتها وقوانينها الخاصة وهي تحتوي على فصول أو مجموعات ينتظم خلالها الإنتاج الفكري على ما فيها من اختلاف وتعقد" ـ نظرية الأنواع الأدبية. تر. حسن عون، منشأة المعارف ـ الإسكندرية، (د.ت)، ص: 31.

(10) - نفسه ص: 30.

(11) - نفسه، ص: 31.

(12) - رشيد يحياوي: مقدمة في نظرية الأنواع الأدبية،، إفريقيا الشرق، ط 2، 1994 ص: 8.

(13) - القولة لعالم الجمال الإيطالي كروتشه وردت في "أدب العصور الوسطى ونظرية الأجناس" ضمن نظرية الأجناس الأدبية، ترجمة: عبد العزيز شبيل، ص: 54. . وقد سخر كروتشه من هذا الإجراء الذي يعتبره قصورا في نظرية الأنواع التي يعتبر من أبرز مناهضيها. يقول في كتابه "المجمل في فلسفة الفن"(ص: 82): "ما من أحد يجهل أن التاريخ الأدبي مملوء بالحالات التي يخرج فيها فنان عبقري على نوع من الأنواع الفنية المقررة، فيثير انتقاد النقاد، ثم لا يستطيع هذا الانتقاد أن يطفئ إعجاب الناس بهذا الأثر العبقري، ولا أن يحد من ذيوعه، فما يسع الحريصين على نظرية الأنواع إلا أن يعمدوا إلى شئ من التساهل، فيوسعوا نطاق النوع أو يقبلوا إلى جانبه نوعا جديدا، كما يقبل ولد غير شرعي، ويظل هذا النطاق قائما إلى أن يأتي أثر عبقري جديد، فيحطم القيود ويقلب القواعد".

(14) - كارل فيتور: تاريخ الأجناس الأدبية ضمن نظرية ألجناس الأدبية، ص: 33.

(15) - نفسه، ص: 32.

(16) ـ أرسطو، فن الشعر تر. عبد الرحمن بدوي، ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه، عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة – بيروت 1973.ص: 8.

(17) ـ إبان واط، الواقعية والشكل الروائي، ضمن كتاب الآداب والواقع، ترجمة عبد الجليل الأزدي، محمد معتصم، تنميل للطباعة والنشر، ط 1- 1992، ص: 19.

(18) ـ نفسه، ص: 19.

(19) ـ نفسه، ص: 19.

(20) ـ نفسه، ص: 19.

(21) ـ نفسه، ص: 19.

(22) ـ نفسه، ص: 19.

(23) ـ نفسه، ص: 20.

(24) ـ نفسه، ص: 20.

(25) ـ نفسه، ص: 20.

(26) ـ نفسه، ص: 20.

(27) ـ نفسه، ص: 23.

(28) ـ نفسه، ص: 23.

(29) ـ نفسه، ص: 23.

(30) ـ نفسه، ص: 27.

(31) ـ نفسه، ص: 31.

(32) ـ نفسه، ص: 28.

(33) ـ نفسه، ص: 29.

(34) ـ رولان بارت، أثر الواقع ضمن كتاب الآداب والواقع، ترجمة عبد الجليل الأزدي، محمد معتصم، تنميل للطباعة والنشر، ط 1- 1992،، ص: 41.

(35) ـ نفسه،، ص: 42.

(36) ـ نفسه، ص: 42.

(37) ـ نفسه، ص: 44.

(38) ـ نفسه، ص: 43.

(39) - تزيفطان تودوروف، مدخل الى الأدب العجائبي، تر. الصديق بوعلام، دار الكلام- الرباط . ط1- 1993

(40) ـ يعتبر تودوروف العجيب والغريب جنسيين خطابيين.

(41)- فيليب هامون، سميولوجية الشخصيات الروائية تر. سعيد بنكراد، دار الكلام – الرباط – 1990 ص : 24

 

 

جمعة عبد اللهالروائي (علي بدر) يتميز بمحاولات التجريبية في أسلوبية السرد والمتن الروائي، في توظيف اساليب سردية متنوعة ومتعددة، يسوقها حسب مناخ النص الروائي. ونجد في هذه الرواية (الوليمة العارية) وثقت بالتخيل التاريخي لفترة عصيبة من تاريخ العراق، هي عشية احداث الحرب العالمية الاولى عام 1914 وسقوط الدولة العثمانية وانتصار المحتل الانكليزي ودخوله الى بغداد. يتناول النص الروائي في اسلوب الساخر والانتقادي الى حد السخرية والتهكم في اتجاه الكوميدية التراجيدية. يتناول احداث عشية السقوط من زوايا وجوانب متعددة في جوهر المجتمع وتأثيراته المؤثرة. لذا فان الرؤية المتن الروائي يدخل في خانة السيسولوجية. بتناول الكولونية المستبدة في البطش في نهج عقلية المحتل العثماني. وتناول النخبة الاجتماعية والثقافية البارزة على الساحة في تلك الفترة المنصرمة. وهي تمثل: رجال الحكم، رجال السياسة. الجندرمة، الفئة الدينية ورجال الدين المعممين. الفئات الثقافية والفكرية بتنوع ثقافاتها، ومنهم من برزوا في الادب والفكر ومنهم. الشاعر جميل صدقي الزهاوي والشاعر معروف الرصافي وغيرهم من الذين برزوا في تلك المرحلة، والروائي استخدم الشخصيات الفعلية بأسمائها الحقيقية، والاسماء الوهمية من صنع الخيال الروائي. وكذلك فئات الافندية. وتدور احدث المتن الروائي بين بغداد ومعالمها واسطنبول ومعالمها المشهورة والمعروفة. وكذلك تطرقت الرواية الى شرائح آخرى من المجتمع مثل. اللصوص وقطاع الطرق والشحاذين والمتسولين. حتى عرجت بشكل موسع الى العاهرات ودور البغاء والراقصات وملاهي بغداد. ولكن ركز بشكل خاص على الصراعات والمشاحنات والمناوشات الساخنة، بين رجال الدين المعممين وفئات الافندية ومثقفيها. الفئة الاولى تعتمد على التيار الديني الداعي لنصرة الامبراطورية العثمانية والدفاع عنها، بحجة المحافظة على الاسلام والامة الاسلامية، بذريعة المسلم المحتل أفضل من المحتل الكافر والزنديق. وفريق الافندية بالضد من هذه التوجهات الدينية. لذا فان هذين الفريقين يشكلان نخبة المجتمع في صراعهما المحتدم، ومنهم انصار العلم والعمران واوربا. الجناح الاصلاحي. الذي يمثل تياره شخصية (منيب أفندي)، وهو عكس جناح الديني المحافظ. الذي يدعو الى نصرة السلطان العثماني والدعوة الى الجهاد الاسلامي ضد الكفرة والزاندقة اتباع الانكليز والافرنج. وتتصاعد دعوات التيار الديني في خطابه المناصر للعثمانيين، الذي يمثله شخصية (الشيخ أمين) بالدعوة الى الجهاد والتطوع والتجنيد لحروب العثمانيين خارج الحدود الى القوقاز. بحجة توسيع رقعة الاسلام والمسلمين (الجهاد..... الجهاد يا مسلمين. الجهاد) ص144.، وبحجة بأن الامة الاسلامية تمتحن هذه الايام، وخاصة بعدما زحف الانكليز على بغداد. وتتعالى هذه الدعوات في المراكز والتجمعات الدينية وفي الجوامع. ولكن رغم صخب وضجيج هذه الدعوات الجهادية، فأنها لم تحظى بصدى وقبول ورضاء من عامة الناس، لذلك يساقون الى الحرب بقوة العنف والعسف والتهديد بالقتل والاعدام لكل من يتخلف عن التجنيد الاجباري. في حين بغداد تعاني الاوبئة والامراض والفيضانات، والجوع والفقر. والحياة الشحيحة، حتى اصبح الفقراء يفتشون في المزابل من اجل العيش. وحارس القشلة المأمور العراقي (محمود بك) الضابط في الجندرمة، يملك صلاحيات واسعة في الحكم، واستخدامها في البطش والتنكيل والاذلال بالناس، وسوق المجندين تحت طائلة التهيديد بالقتل والاعدام، وكانت مهمته مطاردة وملاحقة الفارين، والتفتيش المنازل والطرقات عن الشباب لزجهم في التجنيد. وكان يظهر بمظهر الخادم المطيع من اجل ان يحظى بقبول من الباشا والسلطان العثماني. ويحاول عبثاً في وقف زحف الانكليز على بغداد. بدفع اكبر عدد من المجندين، لكن اكثرهم يحاول الهروب رغم وطئة الاعدامات لفارين، لقد اوغل في التنكيل والبطش، ولكن عندما دخل الانكليز الى بغداد، اصبح عارياً، وهو يرى بأن انهيار السلطة العثمانية اصبح حقيقة فعلية لا يمكن وقفها. وعشية دخول الانكليز الى بغداد، اجتاحتها فوضى عارمة في الحرائق والخراب، في النهب والسلب المحلات والمتاجر والمخازن. حتى البيوت لم تسلم من اللصوصية والسرقات، واشتعلت الحرائق في كل مكان، وهرب الباشا العثماني من بغداد، واسدل الستار على الاحتلال العثماني. ولكن ظل السؤال يدور في اذهان الناس في العهد الجديد. ماذا سيكون حكم الاحتلال البريطاني، هل يكون شبيهاً او نسخة من السلف الساقط (وهل سيفعل الانكليز مثلما فعل العثمانيون ؟) ص 232، وكذلك رجال الجندرمة استغلت الفوضى العارمة التي عصفت ببغداد. واصبحت هي تمارس النهب والسرقة على نطاق واسع، لتعويض على عدم دفع مرتباتهم الشهرية. وفي حالة تدل على عدم اللامبالية الناس بالمحتل الجديد، في جولة تفقدية قام بها الحاكم العسكري البريطاني في موكب عسكري كبير في شوارع بغداد. وصادف شاهد احد المواطنين يتغوط على حافة الشارع، فنهالوا عليه بالعصي، لكنه واجههم ببرود الاعصاب فقال بكل هدوء (مستر..... هي خريه.. أنت شبيك صاير عصبي) ص283.

احداث المتن الروائي:

يهتم السرد الروائي في ابراز صورة الصراع الدائر بين التيار الديني والتيار العلماني أو بما يطلق عليه افندية اوربا. ما تشد العلاقة بينهما في المشاحنات والرفض والحقد وخاصة من التيار الديني المعمم، الذي يكشف عقليته المتعصبة والمتزمة الى حد الدعوة الى استخدام القتل والحرق وخاصة تجاه الشاعر الزهاوي الذي يبشر بافكار دارون والسوبرمانية واوربا العلم والتطور والعمران، ومناصرة المرأة وتحريرها من القيود والظلم (منيب أفندي.. امضيت الليل كله وانا أقرأ كتاب الزهاوي، الذي اعطيتني أياه بالامس. وانا اتسائل لماذا لا نحرق الزهاوي مع كتبه؟) ص10. ولاشك بأن الزهاوي حرك المياه الراكدة بالهيجان، بما يسوقه الى النظرية الدارونية، بأن أصل الانسان قرد، مما هاجت عليه عامة الناس بالويل والثبور والتهديد بقتله، بدافع من رجال الدين المعممين. وتحشيد الناس للهجوم عليه وهو داخل بيته (يا ناس أنا عبدالعليم أبو شجه. أنا شقي باب الشيخ وقنبر علي والحيدرخانه... هذا اللي شتمني وقال جدي قرد... راح اسويه إلكم اليوم قرد ابن قرد..)

ودق الباب هذا المتطوع بقتل الزهاوي. وانتظر دقائق لم يفتح الباب فصرخ بالغضب (لك جميل.. اسمعني زين. ترا.. راح اكسر الباب) وانفتح الباب بهدوء وخرج جميل أفندي وهو يرتعش، كل ناحية من جسمه تهتز مثل سعفة.. وصاح به (لك.... آني جدي قرد ؟)

(لا والله العظيم، انت جدك رسول الله.. بس آني جدي قرد ابن قرد) ص64.

فانفجرت العامة بالضحك. لقد اخذت الجماهير تضحك وتقهقه باعلى صوتها.. حتى كانوا يضايقونه بالشتائم والسباب والاستهزاء والتهكم بالسخرية في اي مكان كان موجوداً (بالله فد سؤال.. انت قرد من جانب الاب، لو من جهة الام ؟) ص213.

هذا ما يثير حفيظة رجال الدين المعممين، وفي مسألة المرأة يدعون بأنه يدعو علانية المرأة المسلمة الى الدعارة والعهر، بينما رجال الدين يدعون بصيانة شرف المرأة المسلمة بالحجاب وعدم الاختلاط، بينما يدعون بأن المرأة غير المسلمة حلال اغتصابها كما يدعي (الشيخ أمين) وكما يصرح برأيه بارتياح (المسيحيات مشركات، حلال على المسلمين. جعلهن الله لي بقرة) ص30.

- محمود بك: الضابط في الجندرمة العثمانية الحاكم المستبد وحارس قشلة بغداد المأمور المطيع باخلاص الى الباشا والسلطان العثماني. اليد الحديدية الضاربة بالبطش والتنكيل في خدمة السلطة العثمانية. كان يستخدم الارهاب والقتل والاعدام لكل من يتخلف عن التجنيد الاجباري وارساله خارج الحدود في الحروب العثمانية، كان لا يتوانى عن مطاردة وملاحقة الفارين من التجنيد الاجباري، يداهم البيوت والمنازل بحثاً عن الشباب، ليتم ارسالهم الى الحروب العثمانية. اصبح جلاداً في بغداد على رقاب الناس، وفرض الضريبة والفدية على التجار، لدعم المجهود الحربي. ولكن عندما دخل الانكليز الى بغداد وقع في الفخ، وفشل في الهروب مثلما هرب الباشا وقادة العسكر العثمانيين، انكشف سره رغم ملابس التنكر التي تخفي هويته. وقع في الاسر ونزع من ملابسه حتى اصبح عارياً تماماً. وهو يسير الى حبل المشنقة وتجمعت حشود الناس الهائلة، لترى مصير جلادها وهو عارياً وسط صيحات الفرح والابتهاج، وسط دقات الطبول كأنها تعيش اعراساً عظيمة، ان ترى الجلاد الباطش وهو يصعد الى المشنقة عارياً، وتلاحقه صيحات الشماتة والسخرية من العار الذي وصل اليه. ونظر محمود بك بالحشود حوله، والتي ترميه بنظرات الانتقام والحقد، بجانب صيحات الفرح والرقص لاعدام جلاد بغداد، فصرخ بأعلى صوته كلاماً وهو يشير الى الزهاوي، الذي حضر مع جموع الناس المحتشدة ليشاهد عملية الاعدام، صاح بالزهاوي:

(جميل أفندي. لقد قرأت كتبك كلها ولم افهم الفكرة القردية. إلا اليوم..... الفكرة القردية أن تصير في زمن العثمانيين عثماني، وفي زمن الانكليز أنكليزي) ص266.

والتف الحبل حول عنقه وسقط على الارض، وبأعدامه اسدل الستار على انهيار الدولة العثمانية، ودخول العراق في احتلال جديد.

وكما اسدل الستار على رواية (الوليمة العارية) في مغزاها البليغ والعميق. بأن العراق اصبح وليمة عارية للمحتلين على مختلف مسمياتهم. أصبحت بغداد وليمة عارية. كما اصبح الضابط الجلاد وليمة عارية نحو حبل المشنقة. ولكن ما أشبه اليوم بالبارحة. بأن العراق أصبح وليمة عارية.

 

- الكتاب: رواية (الوليمة العارية)

- المؤلف: علي بدر

- الطبعة: عام 2005

- عدد الصفحات: 287 صفحة

***

 جمعة عبدالله

 

سلام كاظم فرجلعله (مالاراميه) الشاعر والناقد الفرنسي هو الذي وصف القصيدة بأنها (التفسير ألحلمي للوجود).. هكذا فكرت وأنا أقرأ بعضا من قصائد المجموعة الشعرية للشاعر الصديق يقظان الحسيني.. الموسومة بـ(شاهدا أردت أن أكون) والصادرة عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل.. وتذكرت الغلالة الشفيفة التي أقترحها مالارميه للقصيدة المجددة.. ووجدتها حاضرة في قصائد الحسيني فمضيت قدما في قراءة قصائد الشاعر المجدد السائر بلطف خجول وكأنه يهمس على خطى قدامى شعراء الطبقة الأولى من شعراء الغرب بودلير وإيلوار.. لوركا وأراغون.لكني وجدته يسير وربما بقصد بعيدا عن ادونيس والماغوط وأنسي الحاج وبركات..

.. يقظان الحسيني في قصائده الهامسة.. يعتمد الشجن والأسى الشفيف.. الاستذكار وإعادة الحياة لماض غارق في الحزن.. يقظان الحسيني يؤسس لما يمكن أن أسميه ضفاف النص .. ثمة نص يمكن أن نسميه أيضا القصيدة الثانية التي على المتلقي أن يشارك الشاعر في تخيلها.. صور أخرى خفية وراء كل نص تقرأه للشاعر.. ثمة إختزال لمجموعة رؤى تختبئ خلف النص على المتلقي أن يستكشفها ويعيد تشكيلها.. وجدت الشاعر مخلصا إلى أبعد حدود الإخلاص لمالارميه الناقد ..

(لم أكن أريد أن اكون شاعرا..

شاهدا أردت أن أكون..

هادئا..

 أواكب النهر..

 أمشط عشب الضفاف.. ) ص 62 المجموعة..

يقظان هنا يدع المتلقي يرنو إلى الضفة الأخرى من النهر وربما إلى النهر وإلى العشب الذي يمشطه هنا والعشب المتطامن هناك.. آفاق ممتدة يمنحها النص القصير هذا..

وعليه فإن قصائد المجموعة تشتغل على معطيات قصيدة النثر الغربية وتبتعد كثيرا عن معطيات قصيدة النثر العربية..

عند الشاعر الحسيني تجد الإحساس بالفجيعة وعلى أسئلة الزوال كما عند بودلير.

لكنه: يعتمد الاختزال والتكثيف دون مباغتة أو إدهاش كما عند الماغوط..

ولا الغوص في أسئلة الفلسفة كما عند ادونيس.. ولا السير في جمل شعرية راكضة كما عند سليم بركات ..

الصور والجمل الشعرية عند يقظان الحسيني تنساب هادئة هامسة حزينة شجية.. تسترجع الماضي البعيد حينا بأسى الفاقد لرفاق أحبة غيبتهم قسرا أنظمة شمولية مستبدة ..

 شبيبة بعمر الورد وجد فيهم الشاعر امتدادا لنضاله في شهداء انتفاضة آذار وتشرين.. كل هؤلاء تجدهم كما تجد العشب والورد والقداح تهمس بها القصائد في لغة هادئة منسابة .. .

 إن امتياز الشاعر الحسيني والذي جعلني أكرسه شاعرا مهما هو القطع المؤثر لنصوصه.. والاختزال الهائل الذي يمنح المتلقي بل يدفعه الى التأمل وإستكشاف عوالم أخرى متطامنة خلف النص.. سمة قصيدة الحسيني انها لاتقول كل شيء.. ولا تستنفذ شحنها الشعري.. من اجل ذلك وجدته مخلصا لأهم شروط القصيدة المعاصرة.. من أجل ذلك وجدته مخلصا لنصيحة مالارميه.. (إن دور الشاعر هو بلوغ أقاصي تخوم اللغة حتى وإن أفضى ذلك إلى البياض.. )

..................

مختارات من قصائد المجموعة:

1- نقطة ضوء:

هل كنت مرتفعا بما يكفي

كي ترى نقطة الضوء

 عتبات سلمك

تسلسلك المنطقي

 أقواس الأروقة

 وأعمدة المدن؟؟

**

2- نبض..

أنا قريب من الوعد

من شرفات آذار وتشرين

 أتعرف إن المسافة طاحونة

بيني وبينك؟؟

(هنا يخاطب الشاعر شهيد انتفاضة تشرين فاهم الطائي.. (س..)..

**

3- هاهو أسمك

أعطى الظلال كنهها..

فظلت تراوح

طيلة ردح وبقية..

لاتجرؤعلى الاقتراب من الحافات..

**

4- الورد

من مهام الورد

إنه يحرس الشاهدة حتى الذبول

يؤتمن عليها

 يشبعها عطرا

ويخبر الرمل

 عن إسم اختفى

وتأريخ لايعود.............

***

سلام كاظم فرج..

 

في ندوة فكرية من السينمائيين والنقاد الألمان موسومة "حاضر النقد السينمائي"، الموضوع الذي يتعلق بواحد من أهم فنون الفيلم الفنية والإنتاجية والتسويقية. نظمها في منزله أحد الاصدقاء الصحفيين لغرض الحوار وتبادل الآراء بعد أن أصبح تعطل العديد من المهرجانات والفعاليات السينمائية العالمية في أغلب البلدان التي تقيم عادة مهرجاناتها السينمائية السنوية في مواعيدها، أمراً لا يمكن تحمله على المستويين الحرفي والمادي. بسبب تفاقم جائحة Covid -19 وتأثيرها على نشاط الصحفيين لاسيما النقاد، بسبب الالتزام بقوانين التواجد المباشر. إذ لم يحالف الحظ الكثير من الصحفيين إلا أعداداً محدودة، ومتابعة أحداث المهرجانات عبر منصات الأرقام الافتراضية. بالطبع لم يكن الهدف من هذه الندوة التي أتيحت لي فرصة المشاركة فيها مناقشة الأمور السالفة، إنما ظاهرة ممارسة النقد غير الرصين في وسائل الإعلام المرئي والمقروء، المتعلق بمواضيع السينما حصراً، على أساس أن النقد السينمائي من ناحية "المقاربات الحرفية" لم يعد يقتصر على نخبة من النقاد المحترفين المتخصصين، إنما دخل على هامشه ممن يجهلون تعريفه وحتى مناهجه البليغة. وكان من بيننا ناقد سينمائي، كتب النقد وهو في الثامنة عشر من عمره وأصبح محترفاً حين أسندت إليه وهو في الخامسة والعشرين مهمة الكتابة في صحيفة يومية لتحرير قسم الأفلام المعاصرة، ثم عمل محرراً وناقداً في مجلة سينمائية في باريس. إلى جانب ذلك عمل مستشاراً لمهرجان سينمائي أوروبي، وكتب النقد السينمائي في الكثير من المهرجانات العالمية وله العديد من الإصدارات والمنشورات الهامة.

الحديث في موضوع النقد ونحن نتحدث هنا حصراً عن النقد السينمائي، موضوعاً هاماً، سيما وإن دراسات علمية حول تعريفه بشكل دقيق، نادرة، أو تكاد أن تكون في أغلب الأحيان قاصرة. وأن ثمة اعتبارات لا تزال تقف عائقاً أمام تطور أساليبه. على المستوى العربي مثلاً، هناك افتقار إلى أقسام تخصص عصرية ومراكز أبحاث ومعاهد وأكاديميات سينمائية وندرة المحترفين في هذا المجال وإناطة مكاتب خاصة بهم في دور الصحافة والإعلام، الأمر الذي أتاح لغير الحرفيين الذين يجهلون الفرق بين النقد والتحليل ولا يملكون مهارات، يمارسون النقد دون أن تكون لديهم الكفاءة والاختصاص.

طرح في مستهل الندوة سؤال: هل لا يزال النقد السينمائي العالمي "أنا أضف ـ أو العربي" ضرورياً في عصر التكنولوجيا ولماذا؟. وهل النقد إبداع ـ أم ليس إبداعاً؟. أجاب أحدهم: بأنه لا يستطيع أن يحكم على ذلك، بقدر ما يجزم بأنه خط فاصل بين الفيلم والجمهور. ثم عرج، لإيجاد مقاربات لتفسير فلسفة النقد السينمائي، وإشكالية تعريف مصطلح النقد؟ ومن هو الناقد؟. فكلا التعريفين كما يقول ما زالا يثيران جدلاً فكرياً متصاعداً بين نقاد السينما في وسائل الإعلام.

كلمة نقد كما هو دارج في اللغة العربية، تعريف غير متوازن، ولا يتواءم مع دلالات المصطلح في اللغات الأخرى كالإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، حيث لا توجد مثل هذه المشكلة اللغوية، بين المصطلح ومصدر الكلمة. إذن ما هو النقد ككلمة ومن ثم كمفهوم؟. أصل الكلمة لا يعني ما تعنيه اليوم. ليست هناك كلمة مرادفة والصياغة المعمول بها تعني الإشارة إلى ما هو سلبي ـ حسب الكلمة ذاتها.. نقده بالعربية أي دفع له، ونقده بالدارجة أي انتقد ما عليه. أما الناقد؟. كما يفسره علم السينما، هو مَن يقوم بقراءة الفيلم قراءة معرفية تتجانس مع اختصاصات مهنية وفكرية من حيث الدقة والموضوعية. كذلك هو من يؤول على نفسه مشاهدة كل الأفلام بصرف النظر عن هويّتها ونوعها وما يعجبه وما لا يعجبه. من يتبحّر في ماضي السينما كما في حاضرها، ويفهم في العناصر المكوّنة للفيلم، الفنية والتقنية والفكرية، ويستطيع قراءة الفيلم ليس بطروحاته الفكرية أولاً بل بما يتألّف الفيلم مهنياً وفنياً. والمهم من يتمتّع برؤية إنسانية من النوع ذاته، يراها أساسية للحياة البشرية على الأرض.

إذن ما هو النقد السينمائي؟ هل هو عملية إبداعية؟ هل هو عملية ضرورية؟ من يحتاج إلى الناقد والنقد؟. على هذه التساؤلات كلها تتمحور الإجابة حول حقيقة أن العمل النقدي عمل في الأصل غريب وغير منخرط بين الأعمال الثابتة والقائمة على حرفيات محددة كالإخراج والتمثيل والتصوير الخ.. لكنه عمل قائم بلا ريب يرتاده حالياً عديدون ولو أن معظمهم لا يعرف الكثير عن السينما لينقد فيها.. إذا ما كان ضرورياً فإنه ليس ضروريا بمجرد طرحه، بل باستكشاف وظيفته التي هي، اتخاذ خط وسطي يقع على مسافة واحدة من العمل الإبداعي والجمهور، ويوفر المعلومات الكاملة للمشاهد وتركه يختار المناسب لذائقته وثقافته. بذلك، يكون مشاهداً أفضل وناقداً مستقلاً.

لكن هل النقد رأي؟ أعتقد بأنه أبعد ما يكون عن مجرّد رأي. هو علم ومعرفة يفلترهما الناقد "مع تحفظي على كلمة فِلتر" حيث لها مرادف بالعربي "غرْبَله، وصفّاه، واختار لبابَه"، في صياغة عليها أن تتوجه إلى جميع القراء بمختلف مستوياتهم بوضوح مهما كان الفيلم خاصاً. كل إنسان لديه رأي، ما يميّز الناقد أن لديه المعرفة، لكن علينا أن ندرك ما تفعله التكنولوجيا الحديثة بالنقد السينمائي؟. ما فعلته هنا هي ما تفعله في كل مكان تذويب الهوية الفردية إلى ذات تستطيع أن تشترك في الكتابة وإبداء الرأي من دون مرجعية أو معرفة، وبالتالي تذويب الهويات الثقافية والوطنية إلى مفهوم القرية الكونية. هذا دفع بالعديد من الكتبة الحديثين إلى الانتشار مما أسهم في تعميم النقد الناقص مقابل النقد الصحيح والتشويش على استيعاب الجيل الجديد لماهية المطلوب والدور المناط بالنقد.

من كل ما ورد، نفهم بأن تحليل الفيلم في إطاره النقدي هو إجراء مختبري لتفكيك الصور المتحركة، أي كل تفاصيل عمل الكاميرا، بمعنى تفسير نقاد السينما لأحداث الفيلم وصناعته، لا إعدادهم بروتوكولات.. أو بمعنى آخر هو اللحظة الحرجة لتقييم جودة الفيلم والتركيز على عوامل الجذب فيه.

مع بداية النهضة التجريبية الأولى لإنتاج الأفلام، كان النقد السينمائي في بداية القرن العشرين لم يصل بعد إلى مستوى من الأهمية. لكن عندما بدأت الأفلام الدرامية تظهر وتكون من الناحية الفنية والتقنية أكثر تعقيداً، ونزوع الفيلم بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية للانتقال من لغة الخطاب إلى الاهتمام بالجوانب الجمالية، حيث كان انتقاد الفيلم في كثير من الأحيان أداة للفكر السياسي والعقائدي، أصبح المشروع النقدي للأعمال السينمائية مع موجة التغيير الجديدة لمفهوم الفيلم بشكل عام أكثر رواجاً، كما أفرز على المستوى العالمي نخبة من الكتاب للتخصص باتجاه ممارسة هذا النوع من العمل الصحفي ليصبحوا نقاد سينما محترفين في وسائل الإعلام. لكن ما الذي قادهم لمثل هذه المهنة التي تتطلب الكثير من المتابعة والجهد؟. أعتقد السبيل كان غايته ثلاثة أهداف رغبة الناقد بناء علاقة ثنائية بين الفيلم والمتلقي، إيجاد تمايز بين توثيق الفيلم وأوجه المقارنة في أساليب الإنتاج، صحفياً كشف معايير الفيلم الفنية القيّمة وأهمها اللغة البصرية والنص والحركة لإشباع فضول المتلقي إبداعياً.

إذن مهمة الناقد الرئيسة عند تناول الفيلم بالمستوى اللفظي والنقد السينمائي المثالي، بالإضافة إلى تفسير خصائصه الجمالية والتعبيرية والبنيوية المتنوعة، التصدي لمعلومات الفيلم وبياناته الإنتاجية والمرجعية ـ البلد المنتج، نوع وطول الفيلم، رجال الكاميرا، أسلوب التصوير، المخرجين والممثلين والمنتجين، علاوة على الخبرات والمهارات التي يمتلكها طاقم الفيلم من ألفه إلى يائه، وبالتالي، وهو المهم، ستصبح هذه التفسيرات والتقييمات وسيلة لتواصل الفيلم مع الجمهور وسوف يكون ناقد الفيلم وسيطاً بين المنتج والمستهلك وانتقاد الفيلم جزء من الصفقات بين المجتمع والسياسة والاقتصاد.

والنقد السينمائي من وجهة نظري، بالإضافة إلى كونه حرفة وحلقة الوصل بين السينما واندفاع الناس إليها. فهو وسيلة لتقييم مقومات الفيلم الأساسية السيناريو والتصوير والمونتاج، أيضاً إضاءة جوانب الفيلم البنيوية على قاعدة الدفع باتجاه الإثارة والتأمل، كما يُعتبر النقد أحد مكونات صناعة السينما "الفيلم" وتسويقه. وإذا كان النقد السينمائي يعتمد الموهبة، فعلى الناقد ألا يوغل في وصف النقد للناقد عندئذ يصبح النقد من الناحية المعرفية والإعلامية لا قيمة له ولا ينسجم مع رغبات المتلقي واهتماماته. عليه أن يقوم بترتيب الوصف وتفسير قيّم الفيلم المفصلية، الفنية والجمالية، كجاذبية الظل والحركة أو الرمزية والانفعالات النفسية والاجتماعية والسياسية، ليتسع النقاش ليس بين الحرفيين وأصحاب الاختصاص وحسب، إنما بين القراء أيضاً.. ويبقى النقد السينمائي بما في ذلك الحديث أو استعراض فيلم في وسائل الإعلام كالصحف والمجلات أو الراديو والتلفزيون، عمل صحفي اختصاصي له من الأهمية التنويرية في الحياة السينمائية والمجتمع.

 

عصام الياسري

 

 

حسين فاعور الساعديالمعايير المعتمدة في هذه الإضاءة: الصدق. الانتماء. الالتزام. الفحوى. والمبني. هذه هي دعائم العمل الفني شعراً كان أم نثراً أم رسماً. وفق هذه الدعائم سأحاول الإضاءة على هذا العمل الشعري الصادر حديثاً.

عادل الحنظل عالم في العلوم البيولوجية والبيئية, مغترب من أصل عراقي. لا اعرفه ولا تربطني به أي علاقة غير متابعة ما يكتب. وهو ذكر خشن الملمس كما يبدو في صوره الفوتوغرافية على شاشات الصحف.

لماذا أقول ذلك؟

أقوله لكل من يكتب المقالات الكاذبة حول نصوص هابطة لمجرد أن كاتبها هو أنثى ناعمة أو رجل توسل إليه أو تربطه به صداقة. أقوله لكل من يكتب عن الشخص وليس عن النص ويزعم أنه ناقد. هؤلاء أجرموا بحق الأدب وشوهوا كل شيء.

ال "رحيق"كما يعرّفه علم البيولوجيا هو سائل مركب من مادتين: مادة الماء ومادة السكر. تفرزه الغدة الموجودة في النباتات في أماكن مختلفة من النبتة إما على الزهرة وإما على الأوراق أو عند التقاء سيقان الأوراق مع الأغصان. مادة الماء هي مادة الماء المعروفة وأما المادة السكرية فتحتوي على الجلوكوز والفريكتوز وبعض الإنزيمات التي تعتبر سر الشفاء من مختلف الأمراض عند بني البشر.

"أيلول" هو الشهر التاسع في التقويم الميلادي وهو شهر يعني الكثير للشعراء والفنانين العرب قديماً وحديثاً. وفي التراث ورد عليه الكثير من الأمثال الشعبية. وهو يوافق شهر رمضان في التقويم الهجري وشهر توت في التقويم القبطي.

في نصف الكرة الأرضية الشمالي أيلول هو حلقة الوصل بين الصيف والخريف فيكون نهاره حاراً قليلاً وليله بارداً وفي النصف الجنوبي من الكرة الأرضية هو حلقة الوصل بين الشتاء والربيع. وهو شهر مهم لدى الإغريق القدماء ولدى الأوروبيين الذين يعتبرونه شهر الحصاد, ولدى مختلف الشعوب كالأمريكيين والهنود والمكسيكيين وغيرهم. وعند العرب هو شهر الثورات والأعياد القومية وشهر المجازر أيضاً.

لماذا "رحيق أيلول"؟ وهل هي خبرة الفلاح الأصيل أم دراية العالم العارف؟

كفلاح وكمربي للنحل سابقاً أعرف أن رحيق أيلول هو الأجود والأكثف والأشد تركيزاً لاحتوائه على أقل كمية من الماء إذا ما قارناه برحيق أشهر أخرى. والعسل المستخرج من هذا الرحيق هو أجود أنواع العسل فهو حار كالفلفل الحار لشدة تركيزه واحتوائه على كميات عالية من الإنزيمات الشافية من الأمراض. وأنا على ثقة أن البروفيسور عادل الحنظل لديه معلومات أدق لا أعرفها أنا الفلاح مربي النحل.

إذن اختيار "رحيق أيلول" لم يكن صدفة، فهو أجود أنواع الرحيق. فهل قصائد هذا الديوان هي أجود أنواع القصائد؟

الديوان من إصدار دار أورت آرت للنشر- حوثنبرج – السويد. يقع الكتاب في 142 صفحة من الحجم المتوسط في طباعة أنيقة وراقية تظللها أوراق الدوالي الصفراء الأيلولية. أما الغلاف فهو من تصميم الفنان العراقي السويدي كريم سعدون، الفنان التشكيلي المجدد والنحات المبدع ورسام الكاريكاتور المميز.

تفتتح الديوان مقدمة للدكتور الشاعر والناقد المحترف وليد العرفي المحاضر في جامعة البعث في حمص وهي مقدمة ذكية تتحدث عن الشعر والشاعر وتترك للقارئ أن يقرأ هذا الديوان بطريقته التي يختارها.

القصيدة الأولى في رحيق أيلول هي "رؤية...خارج السور" وأظن أن الشاعر قصد أسلوب التفعيل الجماعي المعروف بالتفكير خارج الصندوق الذي يستعمله الناشطون الاجتماعيون في تفعيل الأفراد أو الجماعات من أجل الخلق والإبداع. فالتفكير خارج الصندوق هو شرط أساسي وجوهري للتغيير وللتجديد والابتكار والاختراع. فالتفكير النمطي هو مأساة الشعوب المتخلفة التي تركن للمسلمات وتعيش معها. وهو ما لا يفعله عادل الحنظل في ديوانه رحيق أيلول. فمن منطلق صدقه والتزامه بقضايا أمته بسبب انتمائه لهذه الأمة رغم وجوده في الغربة يصر على التجديد أو التغيير الذي لن يحصل إلا بالتفكير خارج السور أو الصندوق. لذلك افتتح ديوانه بهذه القصيدة الوارفة العميقة.

إذن الشاعر من البداية يريدنا أن نفكر خارج الصندوق لأنه هو فكر خارج الصندوق في هذا الديوان. ليس في هذا الديوان فقط وإنما في حياته اليومية والعادية. فصلاته ليست من أجل الصلاة ولا هي عبادة للصلاة وإنما هي غوص في أعماق الروح بحثاً عن الحقيقة ومناجاة حارة للخالق. فيا أيها المراءون الدجالون المنافقون اعتبروا. هذه القصيدة عميقة في معناها وجميلة في مبناها وهي بجدارة رؤية خارج السور أو الصندوق ... ورؤية ثاقبة حاذقة.

القصيدة الثانية في الديوان هي "حكايتي" وهي مونولوج درامي يصف حال مغترب يرى السعادة أمامه ولا يعيشها لما يحمل في داخله ومعه من عادات وتقاليد وندوب. يقول في هذه القصيدة:

1955 عادل الحنظلوتحسدُ الذين يضحكون

ويثملونَ بلا تذكّرِ ما مضى

بلا شجون

فليس فيهم من لهُ أخٌ

يشيخُ في السجون

ولا ابنُ عمٍّ قطّعَتْ أوصالَهُ

قنابلُ المجاهدينَ في الدروب

ولا غريرٌ أمُّهُ شابت على فقدانهِ

هكذا هي أوطاننا لم تترك فينا إلا الجراح والندوب بقدرة طغاة جهلة لم يميزوا بين عالم وجاهل ولا بين ظالم ومظلوم.

في البيت الثاني من القطعة المقتبسة أعلاه "ويثملون بلا تذكر ما مضى" كان الشاعر يستطيع صياغتها بقالب أكثر شاعرية فقد جاءت في قليل من التصنع في"بلا تذكّر". كان يقول على سبيل المثال "ويثملون مغفلين ما مضى".

في قصيدة "خواطر من دائرة الموت" يجسد الشاعر تجربته الشخصية مع خطر الموت العبثي المباغت في مشاهد دراماتيكية مأساوية. مشاهد الرعب تطارده في بلاد الغربة فتحرمه مما حوله من ترف ورفاهية.

ما أصعب أن يعيش الإنسان في انتظار المجهول المخيف والمرعب. هذه الحالة يصعب التحرر منها وتترك أثرها على النفس والروح فيعيش الإنسان مضطرباً قلقاً:

كيفَ لا تنهالُ في النفسِ الهواجس

حين تسعى تطلبُ النور

ولا تدري

متى يأتيك مرسالُ الهلاك

ناثرا حولكَ أشلاءَ الفرائس

عندما يعيش الإنسان في دائرة الموت يفقد السيطرة على الكثير من نظمه الجسدية لتحل محلها نظم لم ينتبه لها من قبل كتجاهل الخطر حباً في الحياة وكالتسليم بأن هذا لن يحدث لي وهي من أسرار التشبث بالحياة. صدق الشاعر وعفويته وبعده عن التصنع جعله وهو يصور هذه المشاهد عالماً نفسياً دون أن يقصد. يقول في هذه القصيدة:

"قد هَوَتْ فوقي نُثالاتِ المكان

تحملُ الأنسامُ  أنباءً عن الموتى

وتمزيقَ الجلود

هامدٌ كالمُثملِ في كعْبِ النهار

يركلني قلبي لكي أفهم اسرار النجاة."

إنه حب الحياة والتشبث بها. في هذه القصيدة الصادقة التي تمثل لحظات معينة من حياة الشاعر لا يرى الشاعر غير الحياة والأمن والأمان وسط جحيم الموت والدمار. فيقول بعفوية وبراءة:

"لاح لي وسط انبلاجات البصر

رَحِمٌ أفغر فاه"

كم عنيف وجارف هو الشوق للحياة والأمان عندما يُحْدِق بنا الخطر من كل جانب.

في قصيدة "ميتافيزيقيا" لا أدري هل قصد الشاعر ما ذهب إليه من مبنى غير متسلسل أم أن ذلك حدث عفوياً. ففي هذه القصيدة يتحدث عن الدربين في هذه الحياة: درب الشر ودرب الخير. يقول:

"نهجان في جوف الردى

تلقاهما...

كلٌّ يقولُ حللت أهلاً في اللقاء

هذا يقودك مغرياً"

بقيت أنتظر و"ذاك" المتوقعة بمنطق سردية النص لكنها لم تأت. ومن حق الشاعر القيام بذلك للخروج عما يتوقعه القارئ ومفاجئته. يبقى السؤال أيهما أجمل هذا البناء السردي غير المتوقع أم لو قال و"ذاك" بعد  ذلك كما هو متوقع؟ أيهما أقوى؟

هذه القصيدة تطرح السؤال الفلسفي العميق هل الإنسان مسير أم مخير وللشاعر رأي في ذلك يقول أن الإنسان مسير ولكنه مخير وهذا فهم عميق جداً للدين لا مجال للولوج إليه في هذه العجالة.  لا أجزم ولكنني أعتقد ذلك.

في قصيدة "خلجات" يقول الشاعر:

"مسحوا عن وردك يا وطني

قطرات ندى الأصباح"

هذا الصدق والعفوية في التعبير جاء من قلب نابض بحب الوطن الجريح. قلب لم ينس الوطن رغم سني الغربة ورغم المغريات والمباهج المحيطة بالشاعر.

أما قصيدة "خيبة"  فتلخص ما ألمّ بهذه الأمة من تخلف هو نتيجة مباشرة للإيمان بالأكاذيب والغيبيات وإتباع الدجالين.

"جُرحُنا

أن شيخاً من شيوخ الجاهلية

هندم الدنيا على قدر العمامة

وقضى الحرية أن تخطو كما تهوى

ولكن في سراديب الظلام"

احتيار كلمة "هندم" جاء موفقاً جداً ويناسب السياق بعكس كلمة قضى التي أعتقد أن الشاعر كان بإمكانه استبدالها بكلمة أكثر ملائمة ك "مكّن" على سبيل المثال.

في قصيدة "يا عراق" وقع الشاعر فيما يقع فيه الكثير من الشعراء ومنهم كاتب هذه السطور، عندما تدفعه اللهفة والحرقة والوجع إلى اللجوء إلى المباشرة في الخطاب. أنا شخصياً كثيراً ما يوقعني صدق المشاعر في هذا المطب الذي يقلل من جمالية الشعر. لكنها ظلت قصيدة جميلة معبرة فياضة بالمشاعر الصادقة التي تعبر عن إنتماء لا ينفصم لوطن جريح. وأجمل ما فيها هذا التساؤل:

"هل من العدل المنزل في الطروس

أن يضم الشُمَّ سرداب لعين"

كان بإمكان ان الشاعر أن يقول "أمن" مكان "هل من" لأن الأولى أكثر ملائمة لحالة الغضب التي تستدعي الإسراع وليس الإبطاء.

في قصيدة "غنائم حرب الحانات" يقول الشاعر أن من عرف بيوت الدعارة في سوهو في لندن أو في ديترويت أو لاحق الشقراوات في باريس لا يختلف جهاده عن جهاد هؤلاء الذين يذبحون الأبرياء ويحرقون البلاد تحت شعار الجهاد في سبيل الله.

في قصيدة "ذكرى الهروب" يسرد الشاعر قصة هروبه من العراق متخفياً قبل 23 عاماً. هنا يستعمل الشاعر السرد الدرامي الحزين بهدوء وكأنه أصيب ثانية بتعب المعاناة القاسية المؤلمة التي مرت عليه حينها. وهي قصيدة جميلة باذخة مليئة بالمشاعر الصادقة.

في هذا الديوان الجميل غلافاً وتصميماً وطباعة والأجمل من ذلك فحوى ومبنى قصائد جديرة بدراسة أعمق وأشمل لا تتناول فقط بعض القصائد الواردة فيه. فكل قصائد "رحيق أيلول" عميقة وكثيفة تجسد تصويراً دقيقاً لمشاهد مأساوية موجعة تركت علاماتها في روح هذا الشاعر الإنسان المحب للحياة  والذي ينظر لكل شيء ببصيرة العاقل الممحص والمتفحص.

قصائد هذا الديوان مركزة وكثيفة تماماً كرحيق أيلول .

فشكراً للعالم العارف الشاعر المنتمي والملتزم وصاحب القضية عادل الحنظل وننتظر منه المزيد.

***

حسين فاعور الساعدي

 

 

فالح الحجيةالنقائض فن جديد في الشعرالعربي وربما يتعبره اخرون امتداد لشعر الهجاء في الجاهلية وصدرالاسلام وقد تطور هذا الفن من الشعر العربي وتوسع في زمن العصر الاموي على ايدي فطاحل شعراء هذا العصر حتى اصبح فنا او غرضا جديد ا في الشعرالعربي فالنقائض قصائد في منتهى القوة والبلاغة والعاطفة الشعرية تمتاز بطولها وقد قالها فحول شعراء العربية في العصر الاموي في الرد على الشاعر الخصم او الرد على قصيدة الخصم بحيث ينقضون ما فيها من مدح ويحولونه الى ذ م والفخر الى هجاء ويظهر كل شاعر منهم مثالب الاخر ومعايبه ومعايب قومه وينسب الشاعر القائل الفخر والمدح الى نفسه اوالى قومه ومن اليهم.

النقائض قصائد تشترك في الوزن والقافية والروي فكل قصيدتين متضادتين تأتيان من بحر واحد وروي واحد وقافية واحدة كانهما قصيدة واحدة لولا اختلاف المقاصد والاهواء لدى الشاعرين

وقد شاعت النقائض في هذا العصرالاموي نتيجة للصراع الحزبي او القبلي او العداء الشخصي بين الشعراء انفسهم حتى اصبحت فنا جديدا من فنون الشعرالعربي له شعراؤه وفرسانه وقيلت فيه القصائد الطوال الرائعة التي اعجب بها الادباء والنقاد واعتبرت من روائع الشعرالعربي . 

النقائض فن متطور من الهجاء الجاهلي في حقيقة امره حيث يعتبر البذرة الاصلية له والقصيدة في هذا الفن تختلف عن قصيدة الهجاء كونها ملتزمة الرد والنقض لما يرد في القصيدة المقابلة مع التزام القصيدة الناقضة نفس وزن وقافية وروي القصيدة المنقوضة ويمكننا ان نقول انها لم يكن لها وجود في الشعر الجاهلي او شعر صدرالاسلام وانها وليدة هذا العصر فهي فن من فنون الشعر العربي الجديد في العصر الاموي .

النقائض هذه زادت من حدة الخلاف وشدة النزاع الحزبي والقبلي بين الاطراف المتنازعة حيث ذهب الشعراء في البحث عن مثالب بعضهم البعض ومثالب اقوامهم واللهاث وراء معرفة كل مثلبة في الشاعر او في قومه وعشيرته في الماضي او في الحاضر كانت خافية الا ا نها رسمت صورة لحياة المجتمع العربي والقبلي وكانت سببا مباشرا في دراسة المجتمع القبلي من قبل هؤلاء الشعراء واحداث عصرهم فكانت مصدرا مهما من مصادر تاريخ العصرالجاهلي فهي نبش اوبحث في التاريخ وما وراء الاحداث في المجتمع العربي وما تمخض عنها من نوازع وامور تهم هذا الطرف او ذاك انها البحث في التاريخ للقبائل العربية ومعرفة مفاخرها واحداثها ونوازعها وما لها او عليها ومثالبها و قد هيات للشعراء اصحاب النقائض المجال للفخر بها او الطعن في معارضيهن وناقضي قصائدهم ممن اشترك في هذا الخصام الشديد الوطئ .

وفي النقائض يبالغ الشاعر في الفخر بنفسه وبقومه وبقبيلته وينطلق في وصف خصمه وقومه وعشيرته بكل نقيصة يراها او يسمع بها او قيلت بهم وقد وصلت حدا لايطاق اذ يقوم الشاعر بقذف الشا عر الخصم وقومه بكل نقيصة ب بذاءة القول الموغل في الفحش لدى بعضهم وحتى السباب والشتم بما يتنافى والاداب والا خلاق العربية المعروفة والتي قد مقتها الاسلام وكره القول فيها ايضا

ومن اشهر شعراء هذا الفن هم فحول الشعر العربي في العصر الاموي وهم جرير والاخطل والفرزدق والبعيث وغيرهم من الشعراء ممن دخل في هذه المعارك الشعرية وقد وقف كل من الاخطل والفرزدق والبعيث وغيرهم ضد جرير الذي تمكن من التصدي لهم واكمام افواه بعضهم كالشاعرالبعيث

يقول الفرزدق في جرير:

قال ابن صانعة الزروب لقومه

لااستطيع رواسي الاعلام

 

ووجدت قومك فقؤوا من لؤ مهم

عينيك عند مكارم الا قوام

 

صغرت دلاؤهم فما ملاءوا بها

حوضا ولا شهدوا عراك زحام

 

وحسبت بحر بني كليب مصدرا

فغرقت حين وقعت في القمقام

 

في حومة غمرت اباك بحورها

في الجاهلية كان والاسلام

 

اني وجد ت ابي بنى لي بيته

في دوحة الرؤ ساء والحكام

 

وابي ابن صعصعة بن ليلى غالب

غلب الملوك ورهطه اعمامي

 

وترى عطية مغاربا بفنائه

ربقين بين حظا ئر الاغنا م

لاحظ مديح الفرزدق لابيه وقومه فهم من دوحة الروساء والحكام ولاحظ هجاءه المقذع لجرير ووالده عطية البائس الهاجع في حضيرة الاغنام الا ان جريرا يرد عليه بقصيدة بنفس الوزن والقافية ينقض قصيدة الفرزدق هذه باخر ى مثلها فيقول:

خلق الفرزدق سوءة في مالك

ولخلف ضبة كان شر غلام

 

مهلا فرزدق ان قومك فيهموا

خورالقلوب وخفة الاحلام

 

كان العنان على ابيك محرما

والكير كان عليه غير حرام

 

مازلت تسعى في خيالك سادرا

حتى التبست بعرتي وعرامي

 

عمدا اعرف بالهوان مجاشعا

ان اللئام علي غير كرام

 

انب اذا كره الرجال حلاوتي

كنت الذعاف مقشبا بسمام

 

فيم المراء وقد علوت مجاشعا

علياء ذات معاقل وحوا م

 

وجللت في متمنع لو رمته

لهويت قبل تثبت الاقدام

لاحظ كيف رد جرير على الفرزدق وكيف ظهرت معلوما ت جديد ة من تاريخ القبيلتين في الجاهلية وهكذا كانت النقائض تاريخا حافلا بالاحداث التاريخية عند العرب وقد استفاد منها المؤرخون كثيرا ولناخذ مثلا اخر من النقائض بين جرير والاخطل .

يقول الاخطل في نقيضته الطويلة نقتطف منها هذه الابيات:

اما كليب بن يربوع فليس لهم

عند التفار ط ايراد ولا صدر

 

قوم انابت اليهم كل مخزية

وكل فاحشة سبت لها مضر

وكليب قوم جرير. لذا يرد عليه جريربقصيدة طويلة فيقول:

ما كان يرضى رسول الله دبنهم

والطيبان ابو بكر ولا عمر

 

جاءالرسول بدين الحق فانتكثوا

وهل يضير رسول الله ان كفروا

حيث يعيب جرير على الاخطل نصرانيته وهذا غيض من فيض في هذا الفن وما فيه من قصائد كثيرة وقد اكثر الشعر فيه والشعراء من غير هؤلاء الفحول ولم يقتصر عليهم الا انهم الاشهر في هذا المجال

اما المعارضات الشعرية هي قصائد شعرية قالها الشعراء ثم عارضها شعراء اخرون غيرهم والمعارضة تعني القول على نفس النسق أي مثلها.

وفي اللغة عرض\ ظهر، وعارضه\سار حياله، أو أتى بمثل ما أتى به. وعارض الكتاب بالكتاب اي قابله. وقد جاء في معجم لسان العرب أن المعارضة هي المحاذاة.وجاء في مختار الصحاح للرازي عارضه في المسير أي سار حياله وعارضه بمثل ما صنع أي اتى اليه بمثل ما اتى به.

و(اصطلاحا) هي تلك القصائد التي قالها الشعراء فقال مثلها غيرهم معارضة لقصائدهم أي يقول الشاعر قصيدة في موضوع ما، فيأتي شاعر آخر، فينظم قصيدة أخرى على غرارها، محاكياً القصيدة الأولى في وزنها وقافيتها، وموضوعها مع اظهار القدرة على التفوق عليها من حيث اللغة والاسلوب والمعنى والاخيلة الشعرية وانتقاء الصور البلاغية وما اليها من امور التفوق الشعري .

و تقتضي المعارضة وجود حدث فني او نموذج شعري ماثل أمام المعارض ليقتدي به، ويحاكيه و يحاول تجاوزه لغويا وبلاغيا او الاتيان بافضل منه على نفس النسق أي ضمن القافية الواحدة والروي الواحد والبحر الواحد.

واقول انما هي نوع من المباريات الشعرية التي قد تجري بين الشعراء، مع العلم انها تختلف عن التقليد فهي نوع من إثبات الذات والمقدرةعلى الإبداع الشعري وتبدأ بنظم شاعر معين قصيدة رائعة فيأتي شاعر آخر يعارضها بنفس وزن هذه القصيدة وموسيقاها الشعرية وبنفس قافيتها وذلك لعدة اسباب منها الإبداع داخل هذا النوع اذ ان هذا الشاعر أعجبه ذلك مثلا فرغب ان يكتب مثل هذه القصيدة التي اعجبته او نقض معاني هذه القصيدة وأفكارها حيث ان الشاعر ربما يتبنى وجهة نظر مضادة، لكنه إمعانًا منه في التحدي يلزم نفسه أن يبدع في نفس القالب الشعري الذي التزمه الشاعر الأول، فيلتزم نفس الوزن والبحر والقافية او الموسيقى الشعرية كما يسمونها حديثا.

تختلف قصائد المعا رضات عن النقائض حيث ان النقائض فن جديد في الشعر العربي وربما يتعبره اخرون امتدادا لشعر الهجاء في الجاهلية وصدر الاسلام الا انه في الواقع اتخذ طابعا جديدا فالنقائض قصائد في منتهى القوة والبلاغة والعاطفة الشعرية تمتاز بطولها وقد قالها فحول شعراء العربية في العصر الاموي في الرد على الخصم فيها او الرد على قصيدة الخصم بحيث ينقضون ما فيها من مدح ويحولونه الى ذ م والفخر الى هجاء ويظهر كل منهم مثالب الاخر ومعايبه وقومه وينسبون الفخر والمدح الى انفسهم اوالى قومهم ومن اليهم راجع مقالتي (النقائض) المنشورة في موقعي اسلام سيفلايزيشن\ منتدى الشعر .

وان النقائض زادت من حدة الخلاف وشدة النزاع الحزبي والقبلي بين الاطراف المتنازعة حيث ذهب الشعراء في البحث عن مثالب بعضهم البعض ومثالب اقوامهم واللهاث وراء معرفة كل مثلبة في الشاعر اوفي قومه وعشيرته في الماضي او في الحاضر الا ا نها رسمت صورة لحياة الشعراء واحداث عصرهم فكانت مصدرا مهما من مصادر تاريخ العصر الجاهلي فهي نبش في التاريخ وراء الاحداث وما تمخض عنها من نوازع وامور تهم هذا الطرف او ذاك انها البحث في التاريخ للقبائل العربية ومعرفة مفاخرها ومثالبها للفخر بها او الطعن فيها.

اما المعارضات الشعرية يرجع تاريخ ابداعها إلى فترة صدر الاسلام مثل (قصيدة البردة ) لكعب بن زهير بن ابي سلمى في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتي مطلعها \

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم اثرها لم يفد يفد مكبول

وقد نالت هذه القصيدة إعجاب الشعراء كثيراً فأكثروا من معارضتها في اغلب العصور العربية وفي العصر الاموي فان المعارضات اتخذت طابعا اخر مثل حالة الشا عر جميل بن معمر (جميل بثينة)، والشاعر عمر بن أبي ربيعة، فقد قال جميل بثينة:

عرفت مصيف الحي والمتربعا

كما خطّتِ الكفُّ الكتابَ المرجعا

فقال عمر بن أبي ربيعة معارضا:

ألم تسألِ الأطلال َ والمتربعا

ببطنِ حليات دوارس بلقعا.

فقد جاءت الألفاظ في قصيدة عمر بن ابي ربيعة شبيهة بمفردات قصيدة جميل التي تمت معارضتها ، وهذا لا ينقص من قدر القصيدة الثانية. والقصيدتان تعارضان قصيدة الصّمّة القشيري التي يقول في مطلعها \

حَنَنْتَ إلى ريّا ونفسُكَ باعَدَتْ

مزارَكَ من ريّا وشعباكما معا

وقيل أن عمر بن أبي ربيعة قد تأثر بشعر جميل بن معمر فأبدى إعجابه برائيته التي يقول فيها \

أغاد أخي من آل سلمى فمبكر؟

أبن لي أغاد أنت أم متهجر؟

فعارضها عمر بقصيدة رائية ايضا تحاكيها روعة وجمالا من نفس الوزن والقافية ومنها قوله:

أمِنْ آلِ نُعْم أنتَ غادٍ فمبكرُ

غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمهجّرُ

وفي العصر العباسي وجدت حالات فردية ايضا تأثر فيها الشعراء بقصائد فحاكوها او نسجوا على منوالها من ذلك قصيدة ابي نؤاس التي يقول فيها:

يا ريم هاتِ الدواةَ والقلما

أكتب شوقي إلى الذي ظلما

 

و قد عارضه الشاعر الخراز بقصيدة التزم فيها ذات الموضوع والوزن والقافية وحركة الروي يقول فيها:

إن باح قلبي فطالما كتما

ما باح حتى جفاهُ مَنْ ظلما

ولم تكثر المعارضات في الشعر العباسي الا انه لا يخلو من نماذج منها

فلما قال أبو تمام قصيدته الرائعة:

السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتب

في حدّه الحدُّ بين الجدّ واللعبِ

عارضه الشاعر القيسراني بقصيدة مماثلة مطلعها:

هذي العزائمُ لا ما تدعي القُضُبُ

وذي المكارمُ لا ما قالت الكتبُ.

أما قصائد المتنبي فقد عارض بعضها الكثير من الشعراء حيث انه كان ولا يزال (مالئ الدنيا وشاغل الناس). كما قيل فيه وهل من شاعر بعد المتنبي ويحق لي ان اقول (كل الشعراء عيال على المتنبي ولم يجاريه شاعر لحد الان ) فعندما قال قصيدته في مدح سيف الدولة:

على قَدْرِ أهلِ العزم تأتي العزائمُ

وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ.

عارضها ابن زريك بقصيدته التي مطلعها:

ألا هكذا في الله تمضي العزائمُ

وتقضي لدى الحرب السيوفُ الصوارمُ

وعارضها الشاعر القائد أسامة بن منقذ بقصيدة مطلعها:

لك الفضل من دون الورى والأكارم

فمَنْ حاتمٌ؟ ما نال ذا الفخر حاتمُ

وعندما قال المتنبي قصيدته الاخرى التي يمدح بها سيف الدولة، ومطلعها:

أعلى الممالك ما يُبنى على الأسَلِ

والطعنُ عند محبيهن كالقبلِ

عارضه الشاعر عبيد الله الموصلي بقصيدة مطلعها:

ظبا المواضي وأطراف القنا الذبل

ضوامنٌ لك ما جازوه من نفل

وعندما قال المتنبي قصيدته في تفضيل الاعرابيات بنات الاعراب على بنات الحضر او بنات المدن او الحضريات التي مطلعها:

بأبي الشموس الجانحات غواربا

اللابسات من الحرير جلاببا

عارضه الشاعر صفي الدين الحلِّي احد شعراء الفترة الراكدة بقصيدة مطلعها:

أسبلن من فوق النهود ذوائباً

فجعلن حباتِ القلوب ذوائبا

وكذلك قصيدة البوصيري في مدح الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وقد عارضها كثيرون بعده ومطلعها:

أمن تذكر جيران بذي سلم

مرجت دمعاً جرى من مقلة بدم

والحقيقة يعد هذا الفن إحياء لفنون الشعر العربي وواحياء لتراث الشعراء في العصور قبلها في كل زمان ومكان، حيث نشطت فيه حركة الشعر العربي وقد شدت وبقوة هذه المعارضات الشعرية ماضي الشعر العربي بحاضره وربما بمستقبله في حالة وجود شعراء يتبعون هذا النسق من القصائد العربية

و أن المعارضات وجدت ايضا في الشعر العربي الأندلسيّ ايضا ، فقد شعر الأندلسيون أنهم أقل من الشعراء العرب في الشرق علماً في علم الشعر فقام كثير من شعراء الأندلس بمعارضة قصائد مشهورة لشعراء في شرق البلاد الاسلامية كما تلقبوا بألقاب كبار شعراء الشرق العربي ، فلقّب ابن درّاج القسطلي بـ (متنبي الأندلس)، لكثرة معارضاته لقصائد المتنبي ، ولقّب ابن زيدون بـ (بحتري الأندلس)؛ لكثرة معارضاته لقصائد البحتري. من ذلك معارضة أبي بكر الأشبوني لرائية أبي فراس الحمداني التي مطلعها:

أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبرُ

أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ؟

فقال الأشبوني:

وليل كهمّ العاشقين قميصُهُ

ركبتُ دياجيه ومركبُهُ وعْرُ.

ومعارضة ابن دراج القسطلي لأبي نؤاس التي يمدح فيها الخصيب، ومطلعها:

أجارةُ بيتينا أبوك غيورُ

وميسورُ ما يُرجى لديك عسيرُ

فعارضه ابن درّ ا ج بقصيدة يمدح فيها المنصور بن أبي عامر، مطلعها:

ألم تعلمي أنّ الثواءَ هو الثرى

وأنّ بيوتَ العاجزين قبورُ

وعارض أبو الحسن البغدادي الملقب الفكيك الشاعر مسلم بن الوليد في قصيدته التي قالها في مدح الرشيد و قال فيها:

أديرا عليّ الكأسَ لا تشربا قبلي

ولا تطلبا عند قاتلتي ذحلي

فقال ابو الحسن معارضا:

لأية حال عن سُنّةِ العدل

ولم أصغ يوما في هواك إلى العذل

كما عا رضها محمد بن عبد ربه صاحب العقد الفريد بقوله:

أتقتلني ظلماً وتجحدني قتلي

وقد قام من عينيك لي شاهد عدل

وعارض أبو بكر بن نصر الإشبيلي أبا تمام في رائيته التي يمدح فيها المعتصم والتي مطلعها:

رقّتْ حواشي الدهر فهي تمرمرُ

وغدا الثرى في حليه يتكسّرُ

فقال ابو بكر الإشبيلي قصيدته:

انظرْ نسيمَ الزهر رقّ فوجههُ

لك عن أسرّته السرية يُسفرُ

وقد عارض الشاعر محمود سامي البارودي عظماء شعراء العربية لمقدرته الفائقة على مجاراتهم وقدرته على الخلق والابداع .

ويعتبر الشاعر الكبير أمير الشعراء أحمد شوقي المتصدر في شعر المعارضات في العصر الحديث ؛ لأنّ قصائده كانت بعثاً وإحياءً لقصائد البحتري في الوصف ، والمتنبي ، وأبي تمام في الحماسة ، والبوصيري في المدائح النبويَّة ، وابن زيدون في الغزل ؛ فحققت معارضاته إنجازاً وقوةً وإبداعاً .

وقبل ان اخرج من القول في هذا الفن الجميل اود ان اذكر نوعا اخر من القصائد الشعرية الا وهي المطارحات و التي هي قريبة من المعارضات وقد ازدهرت المطارحات في مجال الأنس والسمر والشراب، من ذلك قصيدة أبي نواس الهمزية في وصف الخمر، والتي مطلعها:

دَعْ عنك لومي فإنّ اللومَ إغراءُ

وداوني بالتي كانت هي الداءُ

فعارضه الحسين بن الضحاك بقصيدته قوله:

بُدّلت من نفحات الوردِ بالآء

ومن صبوحك درّ الإبل والشاءِ

فثم تابعه الخليع في ذكر الخمر والشعوبية. كما عارضه ابن المعتز في قصيدة يقول فيها:-

أمكنت عاذلتي من صمت أباء

ما زاده النهي شيئاً غير إغراء

وقبل ان اختم هذا الموضوع الشيق اذكر ثلاث قصائد قد راقت لي في هذا الفن وهي قصائد سينية القافية اولها للبحتري و عارضها كل من الشاعر احمد شوقي والشاعر عبد الله بلخير يعارضان فيها البحتري وشوقي احدهما بعد الاخر حيث تعتبر بحق اجمل القصائد المعارضة لبعضها في الشعر العربي لحد الان \

ونقتطف هذه هي القصائد الثلاث بعض الابيات من كل منها \

1- سينية البحتري:

وصف الشاعر العباسي البحتري إيوان كسرى في سينيته المشهورة التي تتوارد في أبياتها العظمة التاريخية للدولة الفارسية انذاك ثم اضمحلت واندثرت بحلول االلاسم وانتصاره عليها يقول فيها:

صُـــنتُ نَفسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفسي

وَتَرَفَّعــــــــــتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ

وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـر

التِماساً مــــــــــِنهُ لِتَعسي وَنَكسي

بُلَغٌ مِن صُبابَةِ العَيشِ عِـــــندي

طَفَّفَتها الأَيّـــــــــــامُ تَطفيفَ بَخسِ

وَبَعيدٌ مابَينَ وارِدِ رِفَـــــــــــــــهٍ

عَلَلٍ شُـــــــربُهُ وَوارِدِ خِـــــــمسِ

وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحــــــمولاً

هَواهُ مَـــــــعَ الأَخَسِّ الأَخَــــــــسِّ

لَو تَراهُ عَلِمتَ أَنَّ اللـــــــــــَيالي

جَعَلَت فيهِ مَأتَماً بَعدَ عُــــــــــرسِ

وَهوَ يُنبيكَ عَن عَجائِبِ قَـــــــومٍ

لا يُشابُ الـــــــبَيانُ فيهِم بِلَــــبسِ

وَإِذا ما رَأَيتَ صورَةَ أَنطـــــاكِيَّة

ارتَعـــــــتَ بَينَ رومٍ وَفُـــــــــرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشَــــــــروان

زجي الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفــــــسِ

في اِخضِرارٍ مِنَ اللِباسِ عـــــَلى

أَ صفَرَ يَختالُ في صَبيـــــغَةِ وَرسِ

وَعِراكُ الرِجالِ بَينَ يَــــــــــــدَيهِ

في خُفوتٍ مِنهُم وَإِغمـاضِ جَرسِ

مِن مُشيحٍ يَهوى بِعامِلِ رُمـــــحٍ

وَمُليحٍ مِــــــــنَ السِنانِ بِتُـــــرسِ

تَصِفُ العَينُ أَنَّهُم جِدُّ أَحــــــــياءٍ

لَـــــهُم بَينَهُم إِشـــــــارَةُ خُــــرسِ

يَغتَلي فيهِم ارتيِابي حَـــــــــــتّى

تَتَقَرّاهُـــــــــــمُ يَدايَ بِلَــــــــــمسِ

وَتَوَهَّمتُ أَنَّ كِسرى أَبَـــــــرويزَ

مُعــــــــــاطِيَّ وَالبَلَهبَذَ أُنــــــــسي

وَكَأَنَّ الإيوانَ مِن عَجَبِ الصَنعَةِ

جَوبٌ في جَــــــــــنبِ أَرعَنَ جِلسِ

يُتَظَنّى مِنَ الكَآبَةِ إِذ يَبــــــــــــدو

لِـــــعَينَي مُصـــــَبِّحٍ أَو مـــــُمَسّي

1- سينية شوقي\

وصل شوقي إلى بلاد الأندلس بعد رحلة طويلة مضنية في أرجاء البلاد عندما قرر الانجليز نفيه من مصر شاهد خلالها الأطلال والآثار المتهدمة من القصور والقلاع والجوامع، هيجت لديه الأحزان، وجددت به الآلام وهزت فيه الوجدان فأثارت مشاعره وشحذت أحاسيسه، وتجلت في خياله قصيدة البحتري، فانطلقت قيثارة شعره بسينيته معارضاً بها البحتري في خضم الظروف السيئة التي أحاطت به، وآثار الرحلة الشاقة التي زادت من تعاسته وعذابه النفسي،و تطأ قدمه أرض الأندلس التي تضم أروع صور التاريخ الإسلامي وأزهرها وأشرقها،

فأنشأ يقول:

اخـــــتلاف النــــــهار والـــــليل ينسي

اذكــــــرا لـــي الصبا وأيـــــام أنسي

وصـــــفا لـــي ملاوة مـــــن شـــــباب

صـــــورت مــــن تصـــــورات ومس

عصـــــفت كالصبا اللــــعوب ومـــرت

ســـــنة حـــــلوة ولـــــذة خــــــــــلس

وســلا مصر: هل سلا القلب عــــنها

أو أسا جـــــرحه الـــزمان المؤسي

3- و الشاعر عبدالله بلخير كتب سينيته معارضاً البحتري وشوقي

قائلاً:-

ذكرياتي مـــــــــــا بين يومي وأمسي

هي عمري ما بين سعدي ونــــــحسي

ضاع منها ما ضــاع في مهمه العمر

وطواها بين اخـــــــــــــضرار ويبــس

وتبقى منها الــــــــذي رسبت مـــــنه

رؤى لا تــــــــرى بفــــــــكري وحسي

مومضات تشع طوراً وتخــــــــــــــبو

في شريط، في ظلمة الــــــذهن منسي

تتعــــــالى به حياتــــــــي وتكــــــــبو

بين كرب مـــــــن الزمان وأنســــــــي

خــــــــاض أمواجها شراعي يطـوي

البـحر طياً بــــــــه يسير ويــــــــرسي

تتغشاه من أعــــــــاصير الـــــــهوج

مــــــــثال الجــبال (رضوى) و(قدس(

فهو ما بينها يغــــــــوص ويطــــــفو

ثــــــــم يمــــضي على ظهور وغطس

هو عمر مضى وقد أذن العــــــــصر

فأضحى مصــــــــبح العـــــــمر ممسي

وهــــــــو في دورة المحاق فلم تبق

اللــــــــيالي مـــــــن بدرها غير سدس

ما تبــــــــقى من ذكريــــــــاتي عنه

قــــــــطرات عــــــلى حصى منه ملس

جـــــف في بعدها نداها فــــــــلا تبتل

من مســــــــها بنــــــــاني بمــــــــسي

طافت الــــــذكريات بي فــــــــي ذرى

(الحمراء) في عالم على المجد مرسي

عسى ان وفقت في هذا الموضوع الذي اراه شيقا والله الموفق

 

امير البيــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــد روز

 

 

ليلى عبد الرزاق الصينيينثر كلماته واحرفها كقانص صيد ما ارتوى ولا اكتفى قنصا  فامتطى صهوة منثورات الشعر ليطير بين اجواء قاحلات مستدعيا سومريات التاريخ ليبطن بها منثورته الشعرية وكأنما أضاف لها توهجا تاريخيا، الا ان النص ابى تحمله دون غيره؛ فحلق مقهورا بين سماوات وشطآن وفيافي وحين انهار غفلى عنه من الهور الى عبر الفاو والبصرة فحلقنا بافكارنا ومشاعرنا معه، الى أن ثبت لها اجنحة الشعر المنثور قهرا وان ظن هو تزيينا ملونا بالوان الأسماك ودلال شعر المحبوبة غيبا او حضورا، وصاغ عبر الجميع منثورته والتي نحن بصددها ...

(شعرها المضفور كان لب الحيرة؛ ودوام الدأب علي الترحال من سوداوية الهور، لترقد راحة علي شواطئ الفاو بكل احزانها، ولم تكتف بمد شعرها المنسدل في غفوته علي على اغاني رقة شجر ليمون البصرة)، لكنه كشاعر يقف حيرة اليها مع حيرة رموشها المرتجفة بين ومد وجزر على شط العرب مقهور شاعرنا يجر كلماته في انسياب عفوي، ليطلق من بين براثن كلماته أحزان أجيال كاملة تعبر عنه دهشة صائغي جواهر سوق الحلة، حيث حل بها ما حل، ورغم ظنه باعداد عرس وزفاف رائع، فهو يدرك في مخيلته المخزونة والممتلئة قهرا، كانه يحاول استجداء الشعر اوزانا وقواف، بعيدان البخور، وبصوت ابيه الرخيم، انه استجداء الشعر للرفيع والشامخ من التاريخ؛ فيرقص ويتغني ويعبث جبرا بحكاياته اللاواقعية حال الحال؛ لكن حلمه بسومرية الشعر وضفائرها؛ ولأتونه شجاعة مخفية بين الضفائر وصوت الأب وغنج سومرية في غياهب الوقت، تدعو المقهور لألحان وهم يسري بلا رحمة في اوصال الشاعر وقصيده.. فلا يد ولا جواهر ولا لآلئ يمده بها الخليج؛ ...

الشاعر مصمم؛ بل هو وجل؛ يستدعي غيبيات الواقع لعرس لن يشهده؛ فيتوهم بسومرية، هو ضرب تخيل ينم عن قاعدة قهر لا فرار منها الا اليها في استدعاء فنتازي لسومرية لا وجود لها الا في مخيلته " ترقد على الموج وتمرح مع الشمس وتداعب الأسماك" .. يقف بعيدا عن الواقع الحاصل؛ على بساط الوهم يحاول محاصرة وهمه بظن لا وجود له " الجميع يشاركونني ليلتي السومرية .. هم ينتظرون لأجلي .. أنا المنتظر صيفا وشتاء.. " لكان الشاعر يناصب احمد شوقي التلامح مع غيب عسير؛ حيث يقول امير الشعراء (ياليل الصب متي غده...اقيام الساعة موعده ") وان فاق شوقه في الخيال والتخيل؛ لكن قصيدنا الحالي ذهب الى قاع الوهم المقهور فيمضي غرقا وغوصا الى قوله (سيَشهَد القمر على عشق امرأة سومرية .). ترقد على الموج وتمرح مع الشمس وتداعب الأسماك .. أظنها قصيدة مهاجرة خلا وطنها الهور بعد أن حاصرها .... الجفاف ...القحط ... وئد القصب ...مراثي الطيور ...أحزان المشاحيف .. هاجرت عروسا للبحر .. زفها طيشي للجوع والأحزان. " وايا كان توهم العناق والقبل وروعة ضفائر شعرها؛ لكن الفتنة وان كانت نائمة دوما؛ الا انها "الفتنة" لا تفتقد ابدا من يوقظها؛ ويستدعي –جبرا- بروز نواجزها لتقهر من ترى وجوب قهره ...

ومسايرة منا لأحزان الشاعر ومخزوناتها لديه لا تتركنا قصيده عفوا وبلا وجع " كيف بكت حين عانقتها من دون الفتيات .. كيف أخبرن أهلها ..فأجلتني العشيرة عن الهور والقصب والأغاني الحزينة.. هربتْ إلى البحر كما تهرب الفكرة من خاطري.. هربتُ إلى شواطئ القصائد لعلي أجدها في بحور الشعر ..".............

ويختتم الشاعر قصيده بمرثية تامة وكاملة؛ لا تترك شيئا بفراغ ولا تنزوي بعيدا عن فكره رغما عنه .....

 بل تبقى جبرا وقهرا له تعبر عنها خواتم منثورته الشعرية؛ فيذهب قهرا وجبرا الي هذه الخاتمة "

(هربتُ إلى شواطئ القصائد لعلي أجدها في بحور الشعر .. بيتا أو شطر بيت .. أو عنوانا مرجأً لقصيدة. ارتضي فعلاً بوزن الآه .. بحجم أوجاعي .. بقسوة العشيرة .. وصرامة التفعيلة. أناشدكِ بأشجار الحناء الباكية .. والمدن اليتيمة .. بأطراف النخيل الراقصة ألما .. وأشجان أغاني أبي .. وشال أمي المنذور لعودتي .. أن أرى وجهكِ مرسوما على قرص شمس الخليج.. ما أنا إلا حلم راود القصيدة ... لتوشوشني أسماككِ الصغيرة و أمسد ضفائرك الطويلة.. يتدفق قلمي أغانٍ وبيوت قصب واحتفي بالقصيدة ..")

من ثم وفي استرضاء للذات؛ يكرر جبرا وقهرا؛ بحس مظلوم من الذات " كنتِ أنتِ القصيدة ."

كان قلمي برحلة مع قصيد عراقي؛ أيضا لشاعر عراقي (رياض ابراهيم) أجاد وأبدع في تصوير منثور شعري؛ لحالة ليست خاصه به أو بالعراق وحده؛ انما هي حال ممتد الى البعيد ولم ينفلت منها قريب .. هي حالة نثر شعري طقوسية يحسها ويعيشها الشاعر اكثر واقوى واكثر حدة ووجعا من غيره.

 

د. ليلى عبد الرزاق الصيني