تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف تكرم المبدعين .. عمو.. باباتي

ilham_naserأحاديث الأهل، صور، لوحات، مكتبة تكتنز كتبا فنية مصورة لأشهر المبدعين، وذاكرتي، تجتمع دوما معهم، تروي حكايتي مع عمو شوكت، حكاية بدأت فصولها في بغداد منذ كان عمري سنتين

حيث قدم الطالب ذوالموهبة الفنية شوكت من لواء العمارة لدراسة الفن في معهد الفنون الجميلة في منطقة الكسرة مقابل مبنى البلاط الملكي. ورغم تسجيله بالقسم الداخلي لطلبة المعهد الا ان والدي استقبله بالأحضان بمنزلنا ليس بسبب صلة القرابة فحسب بل لانه الصديق الحميم والأخ الحقيقي الذي افتقده ابي بحياته والذي كان أحوج أليه رغم وجود عدد لا بأس به من الأخوة البعيدين حيث استوطنت الغربة بينهم، والاهم لانه يحمل نفس تلك الميول الفنية فكانت صلة الوصل الأقوى حيث تطول الأحاديث بين لغة الفكر وجمال الروح واكتشاف الذات وسط أيام عصيبة وأخرى لذيذة.. مسيرة امتدت بكل خيوطها بين سنوات العمر فاستقر بثنايا الروح عبق ذكرى لا ينتسى وليس له مثيل. كنا نسكن دارا في شارع بين الكرادتين، يقع في منطقة الزوية. وهناك ولدت . وقيل لي أنه جاء في اليوم التالي ليحملني بين يديه ويقبل جبيني وتمنى مبتسما أن أكون رسامة .

 وبعد عامين تحولنا في سكننا الى منطقة البتاوين في شارع المشجر لقربه من مكان ورشة أبي النجارية. كان أبي نجارا ماهرا بعيون حديثة ومتقدمة وكان قد أنجز العديد من ديكورات مسرحية للفنان المؤدي والمخرج، يحيى فائق لعمل ديكورات سينمائية للفلم العراقي فتنة وحسن. وكان يساعد الرسامين على انجاز اطارات للوحاتهم ونحن الى الان نحتفظ بالكثير من اللوحات التي زينها باطر الجميلة.

كانت منطقة البتاويين، حيث كنا نعيش، الأزقة والأسواق القريبة منا، وأشجار الكالبتوس وفسائل النخل الطالعة.

تطل من ذاكرتي وتبث لقطات متقطعة سريعة باهتة. كان أبي النحات (ناصر الزبيدي) قد صنع للعم اليمام شوكت، الإطارات الداخلية للوحات وهو يشرح له الطريقة السهلة والجيدة لإنجازها.. قلت في نفسي وأنا أتأمل قسمات وجهه، بعد ثوان خاطفة، فأذكر ما كتبه عمو عن ابي (من يبصره، سيدرك أنه التقاه منذ أمد بعيد، وأن أواصر صداقة حميمة كانت مرتكنة في قعر الذاكرة).. خصلات شعر رأسه الكثيفة تتخلّلها خطوط فضية محروثة في تربة رأسه، ويغزو فوديه بياض بلون ممالح الجنوب. يداعب الهواء خصلات متناثرة من شعر رأسه، فوق جبهته الترابية العريضة، فتستلقي فوق عينيه الساهمتين الوادعتين، ويهبط انفه على شارب كث تسربت إلى عمق بستانه خيوط بيضاء توزعت بغير انتظام فوق شفتين مشدودتين إلى زمّة تقبض على لحظة انفعال فاضحة لمزاجه المقلق أو الجذلان. ويتوسط مساحة ذقنه منحدر ضيق يتخلله ظل أخضر شاحب العتمة ويتكوّر عظما الوجنتين بلون الطين وهما مندفعان نحو المقلتين ومنحدران إلى منخفض الخدين المدورين وقد اصطبغت أعشابهما ببقايا شفق وردي آفل. تسبغ هذه الملامح عليه السماحة والنبل وكآبة خفيفة تظلل بؤرتي عينيه الخمريتين اللتين تنبثق من نظرتهما الحزينة الداكنة التماعة واثقة. وأول ما قاد عينيّ إلى بشرة وجهه الطينية، تلك النجوم الصغيرة المتناثرة، شاماتٍ كأنها مصابيح موعودة تضيء عتمة القبر يوم الفزع الأكبر. إن قسمات وجهه تزداد جمالاً بصوته الدافئ وهو ينقل أفكاره بهدوء الواثق العارف من ذوي الأناة والتروي، إذ ينساب صوته إلى القلب مباشرةً، فكأنما تنبثق منه أصوات ربات الجمال على سواحل الروح السومرية المنغمرة بماء الفن. قد نتعرف على أصدقاء فنانين يشبهونه في الهيئة والمظهر، إلا انهم كالقوارير تتشابه وتتباين، وواحد هو الخمر، واحد هو خمر الفنان الذي يصطفيه العقل وتعشقه الروح راضيةً ينبعث منها عطر العالم القديم، عطر الطفولة وخمر الذاكرة.. a62

كان عامل نجارة قادته موهبته ومحبته إلى عالم النحت، فولع في النحت البارز خاصة كاتجاه وصياغة ونمط تعبيري من أشكال ممارسات النحت الناتئ. وبحكم عمله بالنجارة استخدم مادة الخشب من المنبع الحرفي ذاته الذي يغترف منه حصيلة مجهوده اليومي. ودأب على تربية وصقل موهبته بذاته. ومنذ أواخر الخمسينات وأوائل الستينات كانت هوايته قد وجدت منفذاً للتنفس من رئة المسرح و(ديكوراته) وعمل ردحاً من الوقت مع الفنان المسرحي (يحيى فائق). ولكن حبه للنحت قد صرفه إليه ونشط في هذا التوجه كما كان (هنري روسو) في مسيرته وصدق مشاعره. ونمت إمكانات النحات الزبيدي في ظل العلاقات الشخصية بالنحاتين والمعماريين والرسامين في البصرة. وكانت لديه رغبة شديدة في تحقيق (الملصق السياسي) من وجهة نظره المباشرة للقضايا الوطنية والقومية والإنسانية. وكانت (فلسطين) منها جرحاً نزيفه الألوان والحجوم في قلبه ووجدانه.. فكان الصوت الصادق الآتي من أعماق (عامل النجارة) ومن رفق أحاسيسه واحتراق دمه. وفي فترة متداخلة لاحقة توجه إلى منجز النحت المدور كما لو كان مكتشفاً ذاته مجدداً، إذ وجد في مادتي الخشب والحديد، تقنية تسهم في تحقيق تجاهه التعبيري وتلتقي مع نوازعه التجريبية وتردده بين اتجاه وآخر. بل هي في حالات من التمثيل والاستيعاب واكتساب معرفة ومهارة بدونها لا يمكن أن يجد لنفسه مسعىً واضحاً في فهم تجربته. كم وقدةٍ من إزميله نتذكر بريقها بين سحابات غامت على تجارب شابة، فيتولى هو رعايتها ودعمها، وينصر الطاوي على السغب في ضراوتها كما عرفه بذلك فنانو البصرة الشبان بعد أن افتتح صالة عرض فنية فيها فأقام لإنتاجهم الكثير من المعارض.).

 

اطياف الصورة الاولى في غرفة مضيئة وجدرانها بيضاء تجلس أمي على كرسي وهي مرتدية بلوزة حمراء وكنزة سوداء وتتدلى من رقبتها سلسال من الذهب يحمل صورة ابي منقوشة على قلب من الذهب وتحتضن بين كفيها علبة زيت حمراء لتبدو كحقيبة صغيرة وهي مسمرة اما م أنظار رجل طويل يمسك بالفرشاة والألوان يقف أمام لوحة كبيرة يتطلع الى امي ويعاود النظر الى اللوحة وبين الفينة والأخرى يرمقني والابتسامة مرسومة على وجهه وربما كنت أرد بابتسامة لأنه سرعان ما يترك ما بيده ويلتقطني بين ذراعيه ليغمر خدي بالقبل ويضمني الى صدره ثم ينطلق بي الى دكان صغير بقرب البيت ليشتري لي ولأختي الحلوة وبما إني الأقرب الى قلبه يطعمني الحلوة بيده بينما يدع أختي أنغام تتعذب قليلا وتبكي وهي تزجره بغضب ونظرات كلها حقد طفولي قبل ان يعطيها الحلوة فترد أمي عليه بعقوبات عديدة ومبتكرة وسط ضحكات ابي وتشجيع أخوالي.

 

الصورة الثانية يرويها العم يمام وأمي:

وأنا مرتدية أجمل ثيابي أمد يدي الصغيرة لأضعها تستقر بأمان داخل كفه الكبير وارفع بصري بعيدا ليلتقي ببصره وهو يقول (لهومة يله نروح) فتسارع والدتي لتزويده بقطع غيار ومناديل بيضاء مطرزة خاصة لي كي يستعملها حين الزوم ولا أخفيكم سرا فهو كان دوما بحاجة لتلك القطع.

 وينطلق بخطواته نحو كازينو لوكانا حيث يلتقي زملاء وزميلات الدراسة فأكون الضيف الأكثر أهمية (حبيبة عمو شوكت) فأنال اهتمام الجميع وقبلات الجميع ودلال الجميع وخصوصا البنات وعرفت بعد سنين انه كان يستخدمني طعم لاهتمام البنات ولأنه خجول جدا فهو لم يجرأ على الكلام المباشر مع اي من الفتيات فكنت وسيلته البريئة، كما اعتقد ان اللهو معي كان بمثابة فترة الراحة من أحاديث الفن ونقاشاتهم الجادة والمطولة

 

الصورة الثالثة تحكيها الصور الفوتوغرافية

وأنا بصحبته في المعارض الشخصية حيث يحتار بصري وهو يتنقل بين لوحات ذات ألوان كثيرة معلقة على الجدران وكتل حجرية على شكل أشخاص وحيوانات وأشياء لم يستوعبها ذهني لكنها تبقى لاصقة بالذاكرة أناس يحدقون بكل تلك الأعمال فأبقى صامتة انتظر وسرعان ما تتعب قدمي الصغيرتين من الوقوف فما علي سوى ا ن أهز كفه يبتسم لي ويحملني على ذراعه وهو يشرح لي ما يراه من المؤكد لم أكن استوعب ما يقوله لكن أكيد أغفو على كتفه فنكون معا لوحة مميزة.

a57

وتستمر الصور . . تذكرت كيف كان يلون وجهي بألوانه المائية ويجعلني احصر الديرم بين شفتي الصغيرتين أزمهما على لحاء شجرة اللوز وقشورها فجعلني الى الآن اتخذ من الديرم زينة للشفاه. وعلمني كيف أمسك القلم بصورة صحيحة كما فرشاة الرسم.. وكان يشبهني بالگرج?ة . ويصفني بالغنج و جمال الصورة وكمال القد وصفاء البشرة.. وكنت اسمعه يردد أغاني القبانجي بصوت ناعم هاديء. وكان يحب الشدو بمقام الحكيمي لنبرة الحزن التي تميز نغماته العذبة.

وفي اثناء ذلك كان يقلد أباه في وضع (اليشماغ).. ويلفه چراوية يجعلها تميل على جانب من راسه وهي لفة كوفية معروفة. كان يعجبه وضعها مائلة هكذا عندما نخرج الى بساتين سبع ابكار على ضفة دجلة حيث ينصب ( الچَّرداغ) وهو ظلة اوعريش يُصنع من حُصُرالقصبِ ( البواري )..

كان (أبي) يحدثني عن أمور مدهشة أخرى، بعد أن بلغت العشرين سنة من عمري. فكنت أنصت بوقار لما يقوله عن سيرة (العم اليمام) (هكذا كنا ندعوه دون ان نتلفظ اسمه احتراما ومهابة له في حضوره وفي غيابه: "إنها من أنقى وأرق وأجمل سنوات الطفولة والصبا والشباب والرجولة والشيخوخة في حياته البسيطة التي أثقلتها كبوات قسرية مرهقة خرج من رمادها عنقاء أجمل واقوى عزما وشكيمة.جمعت تجربته بين تفرد خصوصيته ونجاحها وبين اخفاقاته القليلة وفي كليهما، تجسدت تجربة حضارته الشخصية في يومياته بين حسنيين:". كان ممتلئاً عندما ينحني كالسنابل المثقلة بالقمح، فانحناؤه هنا لا يضرّ في مقدار ما يحمل من قيم جمالية وثقافية و انسانية، بل زيّنت صورته في أذهان الناس وحببته إليهم، لقد جمع بين جمال أعماقه وفنه وأدبه و مهنته في الرسم والكتابة والصحافة. وبين تواضعه. فالتواضع لا يكون إلاّ مع الامتلاء.

 في الواقع إن قراءتي لهذه السيرة، جعلتي أبدو وكأنني أكاد أسمع وأتنفس من مناخ أزمنة وأمكنة أهلي وعشيرتي في تلك الفترات المتباعدة حتى ولو تراني أتهجى أبجدية ما أقرا بصمت من وصف للأحداث والشخصيات بصيغة مرمز بها عن مرئيات موصوفة بكثافة بيانية مدهشة.— ولابد للقاريء من خبرة ما تتعايش مع روح النص، اذا ما رافق عنصر التخييل، مراقبة أو معايشة او متابعة لتجارب مبدعين آخرين. ليقترب كثيرا الى النص اقترابه لمجسات حياته الشخصية ومفردات تجربته الفنية والأدبية. لكي يتعرف بتقربه لكل ذلك، الى القدرة على تمثيل المعنى والاشارة والرمز، وعندنا كقراء ستتوضح وتتجسد الرؤية أمامنا بسهولة ويسر . ولأسباب تتعلق بثراء لغة الكاتب وعمقها وسعتها في العربية مما يخدم النص المترجم ويقربه زلفى الى روح المضمون المبتغى والمرتجى من هنا جاءت متعة القراءة وترسخت الثقة بمسيرته المتميزة الرائعة.

 ان الوفاء لهذا الانسان المبدع وهو في حياته نعتبرها نظرة متقدمة للآخرين الذين نسوا مبدعيهم فأنساهم الله ذكر تاريخهم الشخصي.

a61

كنت قد أنهيت قراءة مانشرته المثقف بسرعة ساحرة وكنت اتمنى ان أجد أمامي صفحات أخرى لأواصل الاستمتاع بمفردات حياته المكتنزة تجربة وثرية النتائج. لم أنفك من رغبة التواصل مع بقية الموضوع المحتجب عن القراء والمكشوف أمامي بوضوح. أغنتني قراءة النصوص وكانني أتهجى حروفها لأول مرة. انتزعتني من كل مشاغلي عنوة، أنا فخورة أن أجد (العم اليمام) بين الناس فنانا بحجمه وأصالته وإنسانيته العالية.ويكرمه الناس والمثقفون والذين يقدرون جهود ومعاناة وتضحيات المبدعين.

والخلاصة المستولدة عن كل ما أعرفه: أنه حدثنا عن مدينة العمارة وناسها وأهوارها ومرابع الطفولة وكيف انعكس حرمان الطفولة علىتجربته الفنية والدبية. وهل انتقلت حكايات العمة وقصص الماضي إلى هذه الأعمال؟ وكيف؟ وكيف انعكست على لوحاته وكتاباته والأساليب التي استخدمها في التعبير عن المكان والناس والذكريات وتاريخ المكان ومعايشة البؤساء والمهمشبن والمهملين من أبناء المدينة والحارة؟

 أعترف بأنني – بعد كل تلك السنوات - بدأت أعرفه الآن أفضل وأعمق مما حدث في طفولتي من قبل، وأتمنى أن تزهرأيضا معرفة القاريء بتفاصيل حياته في المستقبل ما يعطر به فضاء وسطنا الثقافي العراقي خاصة والعربي عامة .

تلك هي صفحة مكثفة من "ذاكرة المكان.. هوية الفنان" (العم اليمام). التي انعكست على تجربته في اللوحات المرسومة في نهاية الخمسينيات وطوال سنوات الستينيات وهي المرحلة التصويرية الأولى له، نجد اهتمامه بتصوير مشاهد يلتقطها مباشرة من الحياة البيتية و الحياة النهرية وأيضا من المشاهد الحياتية المختلفة للفرسان والنساء إضافة إلي التخطيطات السريعة والبورتريهات، ولعل معظم هذه اللوحات جاءت في سياق تعبيري فقد كان كل ما يشغله آنذاك، هو إحكام آليات العمل وترسيخ العمل التقني والانشغال بمكونات اللوحات وطريقة توزيع العناصر والمفردات في وضعيات رصينة من خلال الأسطح التصويرية الممتدة في خضوع باد متجل تحت ريشة الفنان المصور القادم من أهوار العمارة إلي عالم التشكيل الرحب بكل منجزاته ومدارسه وفنانيه الذين لونوا الحياة وصاغوها مجددا وأخرجوا الأحلام من مخابئها كما ذهبوا في منجزاتهم إلي ما هو أبعد من الواقع ومن الخيال أيضا.

تمضي السنون وتقهر الظروف عائلتي مما تجبرهم على ترك بغداد والانتقال الى البصرة نبتعد عن الأهل والأحبة وعن دجلة وشوارع بغداد ونبتعد عن عمو.. الذي كان يعمل استاذا في ثانوية العمارة ودار المعلمين فيها. وتخرج على يدية صفوة من الفنانين الرسامين والمؤدين، ومنهم الدكتور فاضل خليل وسلام مسافر وابراهيم زاير ومحمود حمد و د. فاضل السوداني، الذيوصف تلك الفترة، ذات مرة، قال: (.. في هذه الفترة تراءى شوكت الربيعي مدرسا تقدميا للفن، وبتواضعه الجم كان صديقنا نحن تلاميذه، وبقصدية كان يمدنا بمختلف الكتب (الممنوعة أحيانا)، ومعارضه المهمة كانت بهجة لأهالي العمارة، تلك المدينة الغنية بزراعة الرز والمتفردة بأهوارها الجميلة، وقد أثرت معارضه على وعي الكثير من المثقفين الذين يساهم بعضهم الان في بناء مستقبل الثقافة في العراق ) .وفي رسالة على النت بعث بها الدكتور فاضل خليل المؤدي والمخرج وعميدأكاديمية الفنون الجميلة سابقا) قائلا: (استاذي، يارائد المبدعين ممن فتحوا لنا الابواب مشرعة نحو الثقافة، من بلدة العمارة، الصغيرة التي تئن من وجع الحاكمين: الفنان الكبير شوكت الربيعي. أنت أهل للمكارم..يا نفح وطيب العمارة، لك الصحة والعافية والبقاء ايها الجميل..).

l17

وبعد سنوات يطل علينا (عمو- اليمام) من جديد عندما انتقل للعمل في البصرة، ونظري الذي كان يمتد بعيدا ليلتقي بعينيه اقترب أكثر وعقلي بات يفهم بعض مفردات حديثه المطول مع ابي وهما يتوسطان ارض غرفة المعيشة: ويمكنني الآن أن أتحدث عن سيرته الذتية بصورة اخرى وبرؤية مثالية جدا : ولد (عمو- اليمام) 14 مارس- آذار عام 1940 في مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان حاليا في جنوب العراق، وفيها نشأ وتعلم، عاش في أزقتها المتربة وركض حافيا على شواطئها واستراح على دكات مسناة النهر تحت ظلال الكالبتوس.. أو تحت شرفات منازل أغنيائها، وتعبت قدماه من الدوران في ممرات حدائقها أو رحلة التقاط التمر من نخيل صوب "الشبانة" عبورا على الجسر المتموج صعودا ونزولا مع كل شاحنة تمر عليه. تجول في أسواق المدينة الملونة بسواد العباءات وسلال الرطب الأصفر والديري البني الغامق والخيار المحزز المكدس مثل أفاع فقدت قدرتها على الحركة، وسلال الخضروات المرشوشة بالماء قبل أن تذبل بعد منتصف النهار، والأسماك اللابطة بوهن والممدة على ألواح خشبية أو الأسماك الصغيرة المنظومة في قلائد من الخوص، وتصك أذنيه نداءات الباعة وجدال المشترين.

عندما ظهر كتاب "أحزان القصب" انشغل بعض المعنيين المتابعين من القراء، بالقضايا الاجتماعيّة والثّقافيّة التي طرحها ولم ينشغلوا بالقضايا ومناخ ولون وتربة وحياة المكان وعن الزمان، والّذي يكشف عن حياة مثيرة .. وقد كان أثره في الفن التشكيلي العراقي المعاصر، أشبه بكتابات الدكتور الوردي والدكتور حسام الآلوسي والدكتور قاسم حسين صالح، وأشبه باعترافات مدني صالح وحسين مردان إذ رسموا طوبوجرافيا لجنس أدبيّ جديد، هو "سيرة ذاتيّة". ذلك لأن كتاب"أحزان القصب" وكتاب طائر الشوف الأصفر وكتاب الأمل، سيرة إشكاليّة ناشئة لم تحسم فنيا، بين الأجناس السّرديّة الأخرى. (شأن المذكّرات واليوميّات، والرّسم الذّاتي). إنّها كما وصفها الشاعر والكاتب فاروق سلوم: فسيفساء من االلوحات التي تحكي حياة مبدعها وتحتاج إلى التّصنيف والتّحديد والتّعريف.).

 

ولنقرأ كيف يرى وعبر مؤلف أحزان القصب وطائر الشوف وكتاب الأمل عما يراه.

قال: (.. عدت منكسراً في الصباح وكانت الأضواء تغرق الطبيعة الوسيعة بدفء الروح. تمددت على فراش كأنه حزمة من نبات (فرز) كثير الأشواك أفكر برسومي المائية وقلقي وشطحاتي. إلاّ أنني آثرت أن أراها كاملة في وقت رائق مناسب. فما زلت قلقاً سابحاً في مخاوفي.. نهضت عازماً أن أخمد تلك المخاوف بالرسم حتى تهدأ نفسي تماماً.).

(.. إن حاجتي إلى الرسم المتواصل والتدريب المستمر كل يوم، لا تشبع. فقد غدت مثل حاجتي إلى الهواء والماء والطعام، وقد لازمتني بقوة، حتى كدت لا أفرق بين غريزة الخوف والجوع والجنس، وبين سطوة الفن في الرسم وفي الكتابة والقراءة عن الحياة. فأضفتها إلى إحدى الغرائز المكتشفة التي تتفجر لهيباً في جميع الأوقات ولا تتقيد بنظام يحكم انطلاقها ويكتم تفجرها. قوة هائلة مؤثرة فاعلة نارية خلاقة، وفي الوقت نفسه، رقيقة رخوة حالمة أثيرية وضاءة، لها نور الفجر وشعاع الصبح ودفء الشمس في منتصف النهار واحمرار الشفق عند الغروب، هي مجمل عناصر الجمال التي ما تفوهت برقتها وسحرها إلا بهمس الأنفاس الحارة التي تنشرح لها الأسماع انتباهاً. وأنها في أعمق المشاعر صمتاً، وفي أشهر اللحظات إمتاعاً، تتضوّع بعطر الحياة. أناجيها، ولا صوت أناجي به المشاعر والعواطف مثله. تلتقي عند أقصى الممرات النائية في نقطة أجسّد فيها أفكاري التي نضجت وتسعى إلى الانتشار كالضوء في الأغوار. كان حضورها يحقق قيمة الجهاد الحقيقية من الفن. أنها قيمة الفن التي تهب القدرة على تثبيت الأفكار والآمال المشرقة الوضاءة في كل فن عظيم والتي تولدت عن قطرة الحب الخالدة..)

 

صور من ذاكرتي

 راقبت ابي النحات ناصر الزبيدي كيف يضع قطعة سميكة من الخشب، فوق ركبتيه، ويطرق بأزميله إيقاعاته اليومية، لينشيء منها عملا فنيا، وعمي يقرأ تلك النقرات على الخشب يفسر ما يقوله ابي ما يحس به مشهد رائع لثنائي لن يتكرر بحياتي كم انا ممنونة لهما.. انهما زرعا أبجدية الفن، والأدب بداخلي. وهما من زرعا حب الألفة والصدق والبهجة لما تحمله أحاديثهم من فلسفة بسيطة ممزوجة بدعابة وفكاهة رافقت جلساتهم، كلما زارأبي مدينة العمارة، ليلتقي عمي ويجلسان، في مقهى سيد علي في شارع دجلة مقابل الجسر القديم وكان يتردد الكثير من الشخصيات الاجتماعية ووجهاء البلدة. منهم الحاج تقي محبوبة كان دائما يأتي الى التدخين بالأرجيلة والدكتور الطبيب امين الجرديني جاء من بغداد واستقر فترة في مدينة العمارة. كان ياتي للمقهى ( راكبا عربة تجرها الخيول. والاديب حسون ملا رجي . والشاعر حسب الشيخ جعفر عندما كان ياتي الى العمارة قادما من ناحية السلام وكذلك الدكتور مالك المطلبي عندما كان طالبا في اعدادية العمارة. والدكتور خلف الربيعي الذي اصبح في ما بعد رئيسا للمتحف الطبيعي العراقي. والدكتور والعالم الفلكي عبد الجبار عبد الله والذي عين في ما بعد اول رئيس لجامعة بغداد والفنان شوكت الربيعي والدكتور فاضل عباس أستاذ الاقتصاد للجامعة المستنصرية فيما بعد الدكتور رياض حسن مودة. والشيخ الشاعر عبد الامير السوداني. والشاعر الشعبي كريم مانع. وكذلك جاء اليها على ما اذكر مرة الشاعر الشعبي ابو ضاري, ومن روادها الرسام صبيح عبود والرسام كريم عبد.

 l18

التلفاز يريني العم اليمام

عرفت في تلك الفترة، ان التلفاز ليس فقط لمتابعة افلام كارتون التي كنت اعشقها، بل ظهر فيه منافس كبير. وهو البرنامج الأسبوعي: (الفنون التشكيلية) الذي يقدمه شوكت الربيعي من تلفزيون البصرة. وكان موعد البرنامج مهما لأفراد العائلة، أصغي له بمحبة وشغف كي أحكي لعمي عند قدومه، عن مشاهداتي، ورأيي في مواد البرناج. ولما توقف البرنامج اثر عملية الغدة الدرقية، تأثرت الأوتار الصوتية لدية واختفى بسبب ذلك، صوته مؤقتا، فحقدت على التلفاز.

كانت المعارض الفنية واقامة المهرجانات وتقديم العروض المسرحية، فوحضور حفلات نادي الفنون وتأسيس جمعية التشكيليين العراقيين بالبصرة ثم نقابة الفنانين . كان أبي وعمي يشتركان في تلك النشاطات ويدعمانها. وكانا يشكلان محور حياتنا اليومية. وازددت فهما و حبا لهما وتعلقت بهما بشكل أعمق. وكان حتى زواجه وولادة ابنته البكر رواء، لم يؤثر على ومحبتي وتعلقي بالعم العزيز شوكت. كانت امي تتوقع ان أغار لكن ثقتي بحبه لي، لم تدعني أفكر يوما ما في الغيرة، فأنا ما زلت ( لهومة المدللة ) حبيبة عمو.

ورغم انتقاله من جديد الى بغداد الا أن علاقته الروحية معي، كانت قد تمتنت وازدادت في أواصرها متانة وسموا وتقديرا . بل أصبحت صداقة جميلة. وأنا قد أشرفت على أعتاب فترة الشباب وبداية دراستي لفن الموسيقا المصاحب لهوايتي في الرسم في معهد الفنون الجميلة.

وتحولتالى متابعة ما ينشره من كتب فنية وأستمتع بقراءتها، أوأتابع أي مقال ينشره، كلماته تنير لي فكري، وأفكاره توسع مدى إدراكي، وأفرح بأي فرصة تبشر لقائي به، عند قدومه البصرة لزيارتنا او ذهابي الى بغداد نجلس معا، نحكي مطولا، نضحك، واستمع الى ملاحظاته بكلماته البطيئة التي تخرج من بين شفتيه الممسكة بالسيكارة والتي كانت لا تفارقه ودخانها يطمس صوته فيبدو دافئا بعيدا غائرا في الحزن، كأنه يخرج من محارة سحرية يملؤني فرحا وغبطة. كانت قراءته الى لوحات اخي (علي) امتدادا لما كان يعمله مع لوحات أبي

وفي يوم لا اقوى حتى على ذكراه يرحل ابي ويتركني وسط ذهول افقدني الإحساس بكل شيء يظهر (عمو) آتيا من ميلانو، ليضمني الى صدره وللمرة الأولى لم ينادني (عمو لهومتي) بل (باباتي لهومتي) احتضنته ألما والدموع نواهل مني، وأنا ابحث عن رائحة أبي، عن صوته، عن ذلك الدفء الذي لفني سنين عمري، وبكى لحزننا وبكائنا من ليس يعرفنا. ولكنني بقيت أبحث عن ذلك الأمان الذي أغفو بظله. عن الحب الذي لا يملكه سواه. ولا يعطيه سواه. وعن تلك النظرة التي تقول لي: (ولا يهمك إلهام أنا دوما معك).

فاجعة جعلتني حبيسة جدران غرفة الرسم في بيتنا. لم أبارحها. أنثر أحزاني بالفرشاة ألوانا

تتصارع على اللوحة. ونظرات عمي تراقبني عن بعد،تفسر كل حركة، و لون وغصة حبيسة بعينه على فراق الأخ والصديق ( أبي) يحبسها عني عمي بشجاعة لكني على يقين بأن الروح تذرفها الما وحسرة وفراغا موحشا كبيرا ثقيلا تركه أبي في أعماقنا جميعا.. ووهجا من الأحزان.

كانت المعارض التكريمية التي أقامتها وزارة الثقافة، ونقابة الفنانين في البصرة وفي بغداد الى والدي بعد رحيله. وكان حب والدي ووفائه لذكراه، مناسبة لخروج عمي من صومعته التي ظل حبيسها، وهو الذي قاوم ورفض الكثير من الدعوات لكسر تلك القطيعة. فكانت مشاركته ليس فقط الاشتراك بالمعرض. بل وبالكتابة عن حياة واسلوب أبي الفني. تهيئة واعدادا لاقامة تلك المعارض. وظل يتابعنا في كل نشاطاتنا الفنية والأدبية، خطوة بخطوة. فكان أن أقام معرضه الجديد في بغداد بعد تلك القطيعة الطويلة، والذي بعث بي فرحا ممتزجا بالحنين وبالحزن معا.

كان ظهور عمي في المحافل الفنية، قاد خطواته بعيدا ليغادر بغداد ويرحل مع عائلته الى عمان حيث دوامة الغربة وشغف العيش. والليالي الباردة،الشوق والحنين والبعاد عن الأحبة والأهل،  وسنوات حصار جعلتنا خارج نطاق التغطية لا نعرف عن الأحبة الذين رحلوا سوى سلام ينقله القادمين و المحبة عبر الهواتف.

 واليوم الشوق ننقره حسرات على ملامس (الكي بورد) ليبقى الوصل وتبقى شعلة الحب متقدة ولكي أبقى أتعلم كل يوم من هذا المعلم الكبير.

ها أنا أبثكم جزءا بسيطا من حكايتي مع العم اليمام، علني أساهم برسم صورة لفنان كبير وانسان قل مثيله ومعلم نبقى أمامه طلاب معرفة، ومفكر ننحني لقلمه وريشته.

وعندما نعود الى الحديث عن صياغاته ومعالجاته الفنية، في فترة السبعينات، سنجد في لوحاته تبسيطا واختزالا لونيا وتشخيصيا بارعا خدم المعمار الشكلي للعمل الفني. وهناك بالمقابل صياغة شكلية تخدم المضمون وباسلوب تعبيري محمل بالرموز والاشارات والاحالات الاجتماعية والتاريخية الثقافية والسياسية وبخاصة في فترة السبعينيات التي شهدت مواضيع لوحاته، تماسكا رائعا في وحدات تصميمه الفني الذي يجسد مضامينه المعروفة عن حياة الفلاحين وعالم الأهوار. وقد كتب عن ذلك كثيرا وكتب تنظيرا عن تجربته التي قادته الى عالم الفلاحين ونشر بحثه ودراسته عن ذلك في مجلة الاقلام العراقية عام 1973 وفي مجلة المعرفة السورية عام 1973 وفي مجلة العلوم اللبنانية عام 1974.

 وما نشره في كتبه العشرين، ابتداءمن أحزان القصب وما تبعه من كتب، حتى كتابه مقدمة في تاريخ الفنون التشكيلية العربية المعاصرة . هذا هو التنظير، وتلك هي الأعمال الفنية التي تحدثنا عنها في كتاباته. ولكنه لم يقتصر على تنظير ما كان يرسمه فقط، بل كان ينظر للفن في العراق والوطن العربي والاسلامي. بصورة أشمل .. و بإمكاننا التحدّث عن مكانة أعمال الربيعي الفنّية ضمن تنظيراته وكتاباته الأخرى في النقد الفني، عن بعض التجارب العربية والعراقية،  وتلك هي العناصر المناسبة، التي يتسنّى له من خلالها التحدثّ عن بقية الأعمال التي أنجزها في فترة السبعيات والثمانينات و إلى يومنا هذا.

وعندما تحدّث الفنان شوكت عن استعماله لمواد تختلف عن مادة الرسم المألوفة المتعالرف عليها، كنجارة الخشب والبنل والسلاك والجنفاس ومواد كثيرة مختلفة أخرى الخ

 ومثال ذلك لوحته العائلة التي كانت جالسة في الغرفة ووجوههم باتجاه القادم اليهم عودة الغائب هنا استخدم الخشب والبنل والغراء والزيت، ومعاجين الزنك الملونة وهي قد تحدث عنها حميدة المصري وكذلك لوحة صيادون، وقوارب ولوحات مرأة في تحربة الخوف رقم واحد 1964 - ولوحة الفتاة التي تمسك  صدرها بيد وكتاب أحمر اللون باليد الأخرى ولوحة زميلة الفنان عام 1961

 - و لوحاته في المعرض الأول عام 1964 في قاعة نقابة الملمين في العمارة ، التي وصف كيف استقبل المشاهدون مثل تلك اللوحات المحققة بالكولاج

- في لوحاته التي عرضت في المتحف الوطني للفن الحديث ببغداد ومعارض جمعية  الفنانين العراقيين - وجميع اللوحات موجودة في مرسمه في منطقة حي الاعلام في السيدية، ببغداد. وما هو متوفر من شفافات ملونة لأعماله الفنية كافة. وكان طيلة تلك السنوات، يشتغل بجهد حتى الاعياء للحصول على بقية العناصر الفنية التي تخدم الشكل المتقدم لكل تجربة جديدة.

 (لك حبي دوما عمو باباتي شوكت)

 

 الهام ناصر الزبيدي

 

..........................

- مداخلة: الأستاذ د. سعد الدين كليب في كتابه "البنية الجمالية في الفكر الإسلامي"، (.. يبحث في عناصر البنية الجمالية الأساس، بوصفها بنية مكتملة لتنظيم الفكر الجمالي بخاصة والفنّ العربي الإسلامي عامّة. في حقول الفكر العربي/ الإسلامي. مستعرضا نظرية الفيض عند أهم القائلين بها (الفارابي، ابن سيناء، أخوان الصفا، السهروردي، ابن عربي ) وكان الهدف من ذلك تبيان الأساس المعرفي الذي ينطلق منه هذا الفكر عند الذات الإلهية والكون والمجتمع والإنسان، لِما لذلك من أهمية في تجديد الوعي الجمالي.، كما بحث في مفهوم الكمال جوهرياً في المنظومة الجمالية المطروحة ونظرية الفيض، فتمّ استعراض تجليات الكمال ومحدّداته وموضوعاته الحسية والمعنوية والروحانية والاجتماعية والفنية. متناولا القيم الجمالية وطبيعة المشاعر الانفعالية المصاحبة لها،وهي: الجلال والجمال والقبح والعذاب.، والحديث عن تحديد المفهوم والسمات الموجبة له، وتجلياته في الظواهر والأشياء. لكي يتناول مفهوم اللذة الجمالية، والحواس والقوى الإنسانية، وعلاقة اللذة بها، وبكل من المحبة والمعرفة، وعن أنواع اللذات الجمالية التي انقسمت إلى ثلاثة: وهي اللذة الحسية واللذة المعنوية/ العقلية، واللذة الروحانية. وعلاقتها جميعا باللذة الفنية وكان الإنسان الكامل والاشكال التي أكتسبها وورثها، وما اتصف به من من معاني الجلال والجمال وطبيعة الكمال فيه، كل ذلك، يشكل مثلاً أعلى في الدلال والجمال، بوصفه الأنموذج التطبيقي الذي يستوعب نظرياً المنظومة الجمالية التي طرحها هذا الفكر. إنّ البنية الجمالية المتكاملة تنظم الفكر الجمالي العربي/ الإسلامي، وتميزه عن سواه؛ كما أنّ هذه البنية تنهض من الكمال وتتأسّس عليه. فلا يمكن فهمها وتحديدها من دون تحديده وتحديد منعكساته الجمالية. فالكمال عنصر جوهري من عناصر الجمال أو الجلال، فمنه تستمد الظواهر والأشياء جماليتها، وبه تتحدد تأثيراتها الانفعالية من حسية ومعنوية وروحانية. بحيث يصحُّ القول إنّ الكمال هو الجوهر الناظم للقيم والمثل واللذائذ الجمالية كافةً. وهو مما يُميز هذا الفكر الذي كان هدفه الأساسي نيلّ السعادة القصوى أو اللذة المطلقة التي هي، في حقيقتها، وعي مطلق، غير أنّه في سعيه إلى المطلق وعى جمالياً كلَّ ما هو نسبي. إن ثمة ذهنية جمالية عامة تنعكس بدرجات متفاوتة، في هذا الحقل أو ذاك من حقول الثقافة العربية/ الإسلامية. وهو ما يعني وحدة هذه الثقافة وتنوعها في آنٍ معاً في إطار الوحدة.. وتأصيل الثقافة الجمالية العربية المعاصرة، على مستوى الفن. لأنه نتاج مرحلته التاريخية بطابعها المعرفي والجمالي، وبوظائفها الإيديولوجية لأنّ الفكر الجمالي عامة ينمو ويستقيم ويؤثر في إطار المنظومة المعرفية والإيديولوجية لواقعه التاريخي.. الباحث د. سعد الدين كليب في كتابه "البنية الجمالية في الفكر الإسلامي"

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

للاسف ان مثل هذه الاسماء الكبيرة والرائعة في سفر الفن والثقافة والرقي الانساني بعيدة عن اي ذاكرة المهتمين بالثقافة في وطن اضاع مبدعيه في الاصقاع المترامية دون ادنى اهتمام .. ضاعت الثقافة والبرامج الجميلة وكل جماليات الحياة واستبدلت بمظاهر الدم والتخلف واثارة النعرات............ تقديري الكبير للفنانة والشاعرة الهام الزبيدي على منحنا هذه الفرصة الرائعة للتعرف عن قرب عن هذا الفنان العملاق واتفق معك كليا في قولك .. ان الوفاء لهذا الانسان المبدع وهو في حياته نعتبرها نظرة متقدمة للآخرين الذين نسوا مبدعيهم فأنساهم الله ذكر تاريخهم الشخصي. كل تقديري لتاريخ هذا الميساني الجميل ولكِ استاذة الهام الرائعة

ناظم السعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اﻻستاذ الفاضل ناظم الساعدي سررت بما كتبت تحياتي لروحك

إلهام ناصر الزبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1692 المصادف: 2011-04-24 06:27:39