تكريم الفنان شوكت الربيعي

رفائيل العراقي

(وَلِلدَهرِ أَلوانٌ تَروحُ وَتَغتَدي ...  وَإِنَّ نُفوساً بَينَهُنَّ تَسيلُ) ... أبو العتاهية

اشهد انَّ لصنعاء دور مهم في تكويني المعرفي. حين وصلتُ صنعاء قادما من بغداد في بداية تسعينيات القرن المنصرم،

تنسمتُ عبير الحرية المعرفية حين بدأتُ أرى عناوين كتب، ومطبوعات لاتخضع للرقيب. كانت تلك الفترة (قبل حرب 1994) هي الفترة الذهبية لليمن في اعتقادي الشخصي، حيث شعر كل من عاش في اليمن حينها بديمقراطية حقيقية، لكنها للأسف لم تدم طويلا.

كان أول ما أثار استغرابي حينها منظر عمال المساطر (الحراج) متجمعين في احدى ساحات صنعاء في انتظار من يقدم عليهم بعمل مؤقت بريالات قليلة، كان منظرهم مختلفا لما كنت قد الفته في العراق، شاهدتهم يتحلقون في مجموعات صغيرة حول شخص يحمل مذياعا، ينصتون في الغالب الى البي بي سي العربية، ثم يقومون بتحليل الاخبار كل حسب وجهة نظره. لم يكن هناك رجال أمن يمنعون الإنصات للإذاعات الأجنبية ويجرمون المنصتين، كما كان حاصلا في العراق ايامها. استغربت حينها من مدى الوعي الذي يحمله بسطاء اليمن ممن لم يحالفهم الحظ في إكمال تعليمهم.

وحين بدأتُ أتعرف على المجتمع اليمني، أبهرني الصراع الثقافي الحاد مابين سلفيين، وتقدميين، وبالطبع كان للقوميين نصيب في العراك الثقافي، فكنا نشهد سجالات داخل حرم جامعة صنعاء لتكفيريين قاموا بإهدار دم رئيس جامعة صنعاء آنذاك الدكتور عبد العزيز المقالح، بدعوى انه تجرأ على الذات الالهية في احدى قصائده، وكان للماركسيين معاركهم في كل محاضرة يحاضر فيها استاذ سلفي أو إسلامي النزعة، غالبا ماكانت تنتهي بخروج الماركسيين، وأحيانا من يتعاطف معهم من طلبة وطالبات غير مؤدلجين، من قاعة المحاضرات.

في تلك الاجواء بدأت اتعرف عن قرب على ضيوف جامعة صنعاء الذين كانوا بالعشرات ياتون من شتى بقاع المعمورة بدعوات من رئيس جامعتها، او عمداء بعض الكليات. وهنا لابد من الاشارة الى أنَّ تلك الدعوات لم تكن ذات طابع سياسي ايديولجي كما كان حاصلا في العراق، كان طابع النشاطات الثقافية التي احتضنتها جامعة صنعاء في تسعينيات القرن المنصرم طابعا ثقافيا فنيّا بحتا. واتذكر انني حينها تعرفت عن قرب إلى شخصيات ثقافية مهمة سكنت (فترة زيارتها للجامعة) في المجمع السكني  الجامعي نفسه حيث كنا نسكن، وفي شتاء عام 1994 بدات المح (صديقنا وجارنا) الراحل الدكتور محسن أطيمش دوما بمعية رجل وقور علمت بعدها أنَّ هذا الرجل هو نفسه الذي كنا نتابع تقاريرتلفزيونية عن معارضه الفنية عبر برنامج المجلة الثقافية الذي كان يبثه تلفزيون العراق، هو الفنان الرائع شوكت الربيعي.

لمحته في ليلة رمضانية بكنزته الصوفية الخضراء يحمل لفافات من قماش على كتفه، استوقفته بفضول..الى اين، اجابني: ازف الموعد، انا في طريقي لنصب لوحاتي في القاعة التي خصصت لي.

كانت تلك الليالي الرمضانية (الصنعانية) التي تبدا في حدود التاسعة مساءا، وتنتهي عند الفجر، اهم فرصة اتيحت لي للقراءة، والتعلم، بسسب اجازة رمضان (وسبلتها) كما تسمى في اليمن، وكنت التقي احيانا بالاستاذ شوكت في مقره بدار الضيافة حيث يسكن الى جانب ضيوف جامعة صنعاء الذين كانوا بدون مبالغة متحلقين حوله بعد ان علموا بشخصه. كان حديث الجميع حيثما واينما حل، فمن تواضعه الجم، وهو الفنان الكبير، والمبدع المائز، ان رسم لكل منهم بورتريها، حتى خلت ان هذا الرجل لا يعرف التعب، ولا يستنشق سوى رائحة الالوان التي يستعملها في لوحاته، وتكون لدي انطباع عنه، زاده نبرة صوته الرقيقة، ودماثة خلقه، وحسن معشره، وحياؤه حين الحديث الى مستمعيه، هذا الانطباع حملته معي كلما زرت معرضا، او شاهدت عملا فنيا او استمعت الى المقام العراقي والى صوت الجوزة، والسنطور.

كانت زيارة الاستاذ شوكت لليمن في عام 1994 بدعوة من وزارة الثقافة والسياحة، وقد نظم معرضا في صنعاء، فكان من جامعة صنعاء ان طلبت منه ان يلتقي بطلبتها محاضرا في الفن التشكيلي، فكان ان قدم محاضرات لطلبة كلية العلوم، كان لها وقع رائع على طلبة مشغولسن بالعلوم الصرف، غير ان الحضور لم يكن مقصورا على طلبة العلوم فقط، بل خليط من طلبة كليات متعددة فضلا عن جمهور من محبي الفنون التشكيلية، ومثقفين من رواد مقيل الشاعر اليمني الكبير عبد العزيز المقالح.

كان من ثمار تلك التجربة الناجحة ان تمت دعوة الاستاذ شوكت الربيعي مرتين بعدها استاذا زائرا الاولى في العام 1996 والثانية في العام 1998، وفي كلتا الزيارتين، مكث الاستاذ شوكت الربيعي في صنعاء لثلاثة اشهر، حرّك فيها رتابة المشهد الثقافي للمنتديات الثقافية، وكذا داخل الجامعة، بسبب تعطل الدوائر الرسمية، والاجازة الاجبارية التي استحدثها الاخوان المسلمون خلال شهر رمضان حيث اقام ورشا لطلبة قسم الصحافة في كلية الاعلام، حاضر فيها في علم الجمال، وربط بين الفن، والخيال، والتقرير الصحفي، مركزا على الابداع، والخلق، والجمال عند الكتابة، ناقلا لطلبته، ومستمعيه فلسفته، وتجربته في الابداع التي صقلها خلال سني عمره عبر التجربة، والتاثير والتاثر بثقافات العالم المتعددة، والتي كان من ثمارها كتبه المهمة في نقد الحركة التشكيلية في العالم العربي التي كان شاهدا مهما، ومساهما فذّا في تطورها خلال القرن العشرين.

a11

أقام الاستاذ شوكت في العامين 1996 و1998 معارض مهمة، لفتت انتباه الهولنديين والالمان فضلا عن الاخوة اليمانيين والعرب، وكان ان غصت قاعة العرض بالعديد من الاوربيين ممن قدم الى اليمن لدراسة التراث والفن اليمني، وكان ان لفتت اعماله التي عكست ثقافته العراقية الاصيلة، وبيئته الخصب، بمورثها الحضاري الكبير انظار من رغب في ان يصاحبه الاستاذ شوكت الربيعي في معارض ستقام لاحقا في اوربا.

وبعد انتهاء فترة استضافته في جامعة صنعاء العام 1998، لم ينقطع عنّا الاستاذ شوكت ابدا، فقد كانت رسائله تصل الينا عبر الفاكس، سواء من عمّان حيث اقام لفترة هناك، او اثناء معارضه الشخصية التي اقامها في اوربا فيما بعد. ورغم علمي بانه كان متعبا في احدى سفراته الى ايطاليا، اضطر حينها للعلاج في احدى المشافي هناك، الا ان ذلك لم يمنعه ابدا من الاستمرار في رسائله الينا التي شهد كتابه (طائر الشوف الاصفر) فصولا من ذكرياتها، دونها بلغة شعرية، كانت امتدادا لسيرته الذاتية التي نشرها بعنوان احزان القصب العام 1988، ولمن يقرا (طائر الشوف الاصفر) سيدرك لامحالة ان شوكت الربيعي انما يطرح عبر سيرته الذاتية في مدن عشقه التي مرّ، وأثّر وتأثر بها، فلسفته، ورؤاه في الفن، والجمال، والفكر، والابداع حتى ما كان منه غير تشكيلي، انعكس على قراءاته الادبية للنصوص الشعرية من منظور جمالي بحت، مختلف عن السائد، فكان في قراءاته يطرح اسئلة فلسفية كشاهد وناقد في آن واحد معا.

كانت نهاية التسعينات قد شهدت ولادة مجلة (نزوى) العمانية، وكانت في اعدادها الاولى تحاول ان تلفت انظار القراء بتميزها فنيا، ونوعيا، وكان ان تظمن احد اعدادها لوحة The School of Athens (مدرسة اثينا)  للفنان الخالد رفائيل. احدث ذلك العدد من نزوى جدلا واسعا بسبب تضمن اللوحة على النجمة السداسية - ظهر في جزء من اللوحة ارخميدس يدرس الهندسة للمعمار براماتني، وبالطبع كان نجوم الجدل السفسطائي العقيم من (اشباه المثقفين، وانصاف الاميين)، من بعض القوميين، ممن انهال بالسب، والشتم على شخص الشاعر سيف الرحبي رئيس تحرير مجلة نزوى، لسماحه بنشر اللوحة على غلاف المجلة، معتبرين ذلك تطبيعا مع الكيان الصهيوني! المهم ان اللوحة اثارت في كل المتلقين الذين قرأوا ذلك العدد من نزوى العديد من الاسئلة، وكان احد احلام كاتب هذه السطور ان يزور روما يوما ما ليرى اللوحة بنفسه، وكان له ما اراد بعد عدة اعوام.

l1

اذكر اني تسمرت امام هذه اللوحة طويلا، كنت مبهورا بكل شخوصها الذين تخيلهم رفائيل في قاعة الدرس الفلسفي يتحاورون حضاريا، من افلاطون، وارسطو حيث موقعهما المتميز في وسط اللوحة، حتى هيباتيا الشهيدة، وابن رشد وكلاهما من ضحايا الدفاع عن الفلسفة والتساؤل . ومن عظمة اللوحة ان رفائيل نفسه كان حاضرا فيها تلميذا في قاعة الدرس الفلسفي، وكانه كان برسمه لنفسه يشير الى كونه شاهدا ومؤرخا.

اثار فيّ هذا العمل شجونا كانت قد بدات قبل زيارتي لمتحف الفاتيكان بيومين، فقد كنت في مدينة البندقية الايطالية لحضور معرض (فينيسيا والاسلام Venice and Islam 828-1797:) الذي نظم بالتعاون مع معهد العالم العربي في باريس داخل احدى قاعات كاتدرائية القديس ماركو في قلب البندقية. في هذا المعرض الذي ضم مقتيات من تجار مسلمين زاروا البندقية ع مابين 828-1797م، ضم مخطوطات نفيسة، واعمالا نحاسية لفنانين اكراد من دمشق، فضلا عن اعمال لفنانين من القاهرة (من العصر المملوكي)، والاسكندرية، وتركيا، وايران. ومما اثر فيّ وجعلني حزينا ان لا ذكر واضح لفنانين عرب في هذا المعرض، رغم طابعه الاسلامي، حتى ان اهم القطع المعروضة وكانت سجادة من العصر المملوكي نقش على حافتها العليا العبارة الاتية:" لا فتا الّا علي لا سيف الّا ذو الفقار" والملاحظ ان من كتب (فتا) بالالف الممدودة وليس المقصورة لم يكن عربيا، واثار ذلك فيّ تساؤلا هل نحن امة (كعرب ولا اقصد كمسلمين) نكره الفنون؟ هل نحن امة غير مبدعة؟ لماذا جل مبدعي العالم الاسلامي ليسوا من العرب؟ ماذا عن القوميون العرب الذين صوروا لنا العرب سادة البشرية، اصل الحضارة واهل العلم والادب والفن، اين ابداع الغابرين اذا؟

ليس بعيدا عن تاريخ زيارتي لكل من البندقية وروما، كانت لي وقفة قصيرة بباريس، واثناء زيارتي لمتحف اللوفرن استوقفني اعلان على الجدار الخارجي للمتحف مفاده: تستضيف قاعة اغا خان في اللوفر معرض الفن الاسلامي الفارسي، وطبعا لم افوت الفرصة، وكنت ان تجولت بين ثنايا الاعمال الفنية المعروضة لفنانين فرس حيث كان اغلب المعروض مخطوطات للقران الكريم بالخط الفارسي وبنقوش رائعة، فضلا عن السجاد، ومنحوتات، وسيراميك (قاشاني) .

في تلك الفترة، مارست نوعا من جلد الذات، وتصورت انني من امة لا تعرف سوى العنف والقتل، فقد تصادف ان كانت فترة زيارتي لكل من ايطاليا وفرنسا، فترة الحرب الاهلية اللعينة التي مر بها العراق عام 2007. وبدات الاسئلة تلح فيّ عن العقل العربي، هل هو منتج، هل هو مبدع؟ هل مازال في طور البداوة؟

واذكر اني في بداية 2008 وجدت اثناء بحثي في الشبكة العنكبوتية على فصول مسروقة من كتاب (الفن التشكيلي المعاصر في الوطن العربي) للاستاذ شوكت الربيعي، ورحت اقلبها كتلميذ وجد ضالته في مرجع يهديه الى التعلم، فكان ان توقف عن جلد الذات منذ علم بان الفن والجمال في عالمنا العربي لا يختلف عنه في بقية المعمورة الا في الخصوصية التي اتاحها الموروث الحضاري للعالم العربي الذي حاولت طمسه عقود من التخلف بسبب وقوعه في قلب الصراع مابين الترك والفرس، غير ان ذائقته الفنية صانتها اعمال لمبدعين عرب حفظوا ووثقوا خصوصيتهم الفنية باعمال مهمة.

لست ناقدا فنيا، ولست ممن يعمل في التراث، والتوثيق، لكي اخذ بالتحليل ما انجزه الاستاذ شوكت الربيعي من اعمال فنية، او في تاريخ الفن العربي والعراقي، او ما كان منها من اعمال ادبية في السيرة، والنقد الفني، لكني اعتقد جازما بان ما قدمه هو خدمة للانسانية، عرّف من خلال اعماله التي وهبها سني عمره (اطال الله فيه)، وصحته ما لم يقدر غيره من الباحثين او الفنانين العرب على الاحاطة الشاملة بتاريخ الفن العربي، وقد اسس شوكت الربيعي موسوعة لتاريخ الفنون عن العرب متناولا بالتفاصيل توثيق الاعمال الفنية لاقطار العالم العربي بجهد مائز، رائع، ونكران ذات عجيب. فها هوشوكت الربيعي مبدعا عراقيّا عربيّا، شاهدا، ومؤرخا، ومساهما في نهضة فنيّة تشكيلية، بزغ فيها مع ابناء جيله من رواد ومبدعين من امثال جواد سليم، وخالد الرحال،ومحمد غني حكمت، وبهيجة الحكيم، ونوري الراوي، وكاظم حيدر، وسعاد العطار، وضياء العزاوي، ورافع الناصري، والدكتور علاء بشير وغيرهم ممن ساهم في اثراء الحركة التشكيلية العراقية في القرن العشرين.

بعد كل ماقدمه الاستاذ شوكت في خدمة الفن والثقافة العربية، يقف فينا اليوم ايضا شاهدا على الخراب الذي حل ببلده الذي تقاذفته اياد بغيضة تسعى لهدمه، وازالة عناصر تميزه الحضاري. يقف فينا شوكت (الرائي) موثقا للحركة التشكيلية بشكل تداعى لي كانه رفائيل، لكنّ رفائيل العراقي (الشاهد على الخراب)، وثق لنا الابداع قبل ان يحاول طمسه اعداء الحضارة ممن تكالبوا على العراق.

ان تكريم الاستاذ شوكت الربيعي، انما هو تكريم للانسانية، وللفن العراقي العربي الاصيل، هو تكريم لفنان ولد في بلاد الحضارات القديمة، وتعاقب على حكم بلده سفاحون، لينتهي به المطاف ليحكم حاليا من مؤسسة تعتبر الفن بدعة، والموسيقى حرام، وتحاول منع تدريس المسرح في معاهد الفنون الجميلة. وهو تكريم، لم تقدم عليه المؤسسات الرسمية العراقية التي تدار عبر المحاصصة  الطائفية القومية البغيضة حتى ان وزارة الثقافة تدار من وزير دفاع سابق. هذه الدولة التي انجبت رواد الحركة التشكيلية العربية في القرن العشرين، سجلت سابقة خطيرة في القرن الحادي والعشرين باستعداء الدولة للفن والادب، و للفنانين والمثقفين.

تحية لشوكت الربيعي فنانا وانسانا، وتحية لمؤسسة المثقف العربي على هذا الانجاز، وندعوها الى تبني اعادة طباعة اعمال الفنان شوكت الربيعي خدمة للفن والثقافة العربية.

 

رافد عليّ

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1692 المصادف: 2011-04-24 06:42:34