تكريم الفنان شوكت الربيعي

شوكت الربيعي .. رائحة القصب .. وجع الغربة!

s7قبل مايقرب من سنتين قرأت في إحدى الصحف الخليجية معلومة تتحدث عن متاعب يواجهها الاخ والصديق شوكت الربيعي في عينيه وهو في الغربة .. فأحسست بألم دق روحي ..

رغم ثقتي بأن وهن البصر لن يوهن بصيرته المعرفية والفنية!

وتدفقت الذاكرة عابرة سنوات النضج الى عمر الصبا المبكر والمغامرات الاولى .. في محلة (الجديدة) بالعمارة حيث ولدنا شوكت وأنا .. والى تلك (الدربونة) التي تحوي بيت شوكت، وتمتد كالشريان بين (خرابة سعدة) موقع (صريفة) أهلي، الى دكان (السيد عكله) .. وعند كل من طرفيها عُلِّقَ على الجدار فانوس رمادي يوقده (لمبجي البلدية) قبل الغروب كل يوم .. قبل وصول إنجاز اديسون للمدينة!

تلك المحلة التي تحف بها مقبرة المُعدَمين من الشرق، وشاطئ نهر دجلة وبساتينه من الغرب، ومن الشمال يتدفق شارع المعارف بالجديد من الافكار ويحتضن الجديد من الاجيال!

المحلة التي تشكل مدخلا وإمتدادا جنوبيا لفقراء العمارة وثقافة أهوارها .. وكنزاً معرفيا أثرى المدينة كغيرها من (المحلات العراقية) بأجيال من المبدعين ومنهم صديقنا شوكت!

في تلك الآونة كان المناخ الفني في العمارة يشهد حراكا تجديديا أثاره خريجو معهد الفنون الجميلة العائدون حديثا الى المدنية من بغداد، وكان لهم دور كبير في تحفيز وتشجيع (عشاق الفن!) من (المراهقين!) للمغامرة وولوج عالم التمرد الثقافي .. اذ لحقه بعد عام فقيدنا (ابراهيم زاير)، وفي العام الذي تلاه التحقت أنا بهم بمعهد الفنون الجميلة!

سوف لن تمحو أعاصير الألم الشخصي، والخيبات السياسية، والغربة القاحلة عن ذاكرتنا وضميرنا .. وجوه معلمينا واصدقائنا (الفقيد عبد الرحيم البيات ) وعبد المنعم مسافر .. مثلما لن ننسى (فقيدنا ابراهيم زاير) .. والفنانين المبدعين شاكر حمد .. وبرهان شاكر .. وغيرهم ممن تأبى عتمة السنين ان تسعفني لتذكرهم .. فمني عظيم الاعتذار لمن لم اذكرهم!

لان ذاكرة مدينة العمارة ( ذاكرة جمعية نزيهة) تأبى ان تُفصِح عن شهيق أحد ابنائها دون التذكير بزفير الآخر .. فهؤلاء بعض من الشباب التشكيليين ـ في تلك الآونة ـ الذين أثاروا تربة المعرفة التي تختزن حضارة سومر .. وتَمورُ بثقافة التغيير التي أججها البُناة الاوائل للخلايا المبكرة للحركات السياسية الوطنية والجمعيات الثقافية التحديثية في العمارة!

تلك كانت البيئة ـ المعرفية والفنية ـ التي نشأ فيها ذلك الشاب الهادئ (شوكت) ودفعته لشد الرحال للعاصمة، محملا بأحلام لم تستوعبها بيئة القمع والإحباط التي كانت بالمرصاد له ولأمثاله من الشباب المتحرر من قيود الحاجات والتخلف، بطاقة عشق الفن والطموح للتمدن!

ففتحت ابواب (السجون) لهم بعد انقلاب 8 شباط الاسود عام 1963 .. بديلا لانفتاح آفاق الرعاية لمواهبهم. لكن (مملكة الماء) و(امبراطورية القصب) لم تبرح خيال فناننا (الربيعي) او تتبدد من فضاآته الفنية والمعرفية .. رغم الانكسار الثقافي الذي اعقب اعصار الخوف!

فعلى امتداد عمره الثقافي لم تتفكك عنده اواصر العلاقة الموضوعية بين جذوره الشعبية، واللوحة المجتمعية، والكلمة التنويرية!

بل ان فضاء الماء المفعم بالزرقة، ولون القصب الذهبي المتوهج، ظلت تهيمن على اعماله التشكيلية عبر مختلف لوحاته، حتى عندما يجنح الى التوائم مع الموجات ـ التجديدية ـ الفنية التي تهب بين الفينة والاخرى على فضاء اللوحة العراقية ومكوناتها التشخيصية ..

فالهور الهادئ، والمرأة الجنوبية المؤتزرة بالثبات، والقصب الممشوق، والشناشيل المكللة بفيء غامر، والعباءة المعصوبة حول الارداف القوية، وشمس الظهيرة المشرقة .. وغيرها من مفردات الروح والبيئة العراقية .. رسخت في لوحته مثلما اراد لها (شوكت) ان تتدفق من ذاكرتنا كلما ذكرناه في (حديث الفن)!

ذلك (الحديث) الذي كرس معظم حياته لمتابعته والكتابة عنه .. بل انه لجأ لنقده عبر تصفح تأريخه واستعراض الاعمال الفنية المنجزة فيه، ومحاولة تفكيك الغامض في العلاقة بين الفنان والعمل الفني والمتلقي .. فهو منجذب بطبيعته الى بؤرتين متكاملتين( اللوحة التشخيصية والكلمة الفنية) .. مثلما هو منجذب للفكر التقدمي بالفطرة!

l11

وتُحسب لـ(شوكت) وعدد محدود من عشاق وناشري المعرفة الفنية، ذلك الاصرار الواعي على التلويح بورقة الفن (اليتيمة) في عراقنا، حتى في أكثر اطوار التعسف بحق المعرفة والإستخفاف بالثقافة وإحتقار الفنون ..

احترف شوكت وزملاؤه مهنة يُقمَع فيها المرءُ (الفنان الفرد) ليَتحرر الآخرون من التخلف!

وفي هذه الأيام الملتبسة الذي تواجه فيها الثقافة العراقية أقسى تحدياتها بعد ظلمة الدكتاتورية .. لانها ازاء (التجهيل) الخشن المُمَنهج، المُغَلَّف بالتقديس، المُسلح، المُقنن، المُتوعد، والمُتجذر بطغيان التخلف وجنون التطرف. مما يتطلب إستنهاض جميع طاقات الثقافة الوطنية التنموية ـ الفردية والمجتمعية ـ، وفتح الآفاق المُنتِجة أمامها، وتطبيق النصوص الدستورية التي تحمي المثقفين داخل الوطن وخارجه، وتخلق البيئة المعرفية الجاذبة للمغتربين منهم للعودة للوطن، مع الحرص على رعاية المثقفين الشباب، لأنهم بُناة ثقافتنا الجديدة الخالية من شوائب الدكتاتورية التي تقمع الانسان، والبعيدة عن أدران التجهيل الذي يمسخ الانسان!

واذ نتابع ذلك التوهج الثقافي الفتي في جميع مدننا وقرانا على امتداد الوطن ومنها ـ مملكة البؤس! ـ ميسان .. نشعر بالغبطة وتُبدد أنسام الأمل حلك الاحباط الذي فرضه علينا المتحاصصون خلال هذه الايام التي استحالت الى قرون .. كما يقول ادونيس!

لهذا فإن دعاة تكريم الفن والفنانين ومنهم المبادرون لتكريم الاخ والصديق الفنان شوكت الربيعي يواجهون اليوم بشجاعة دعاة تكفير الفن والفنانين ومُهَمِّشي الثقافة والمثقفين !

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1692 المصادف: 2011-04-24 06:52:03