تكريم الفنان شوكت الربيعي

الفنان التشكيلي شوكت الربيعي "في قلب التوهج الإبداعي" / محمد زريويل

mohamad_zeruoilتوطئة: المبدع شوكت الربيعي فنان تشكيلي، وناقد فني أسس لتجربته الفنية والنظرية عبر قيم جمالية، وأخرى معرفية من خلال اللوحات الكثيرة التي رسم، والكتابات المنجزة التي كتب،

خلق لنفسه فضاءات عديدة ومتنوعة تفرعت عنها الأروقة والمعارض، والدراسات والكتب .

 

أعماله في حد ذاتها تشكل مؤسسة ذات طوابق ومدارات عالية و شاهقة يصعب في الحقيقة ولوجها بسهولة، هي تجربة بعيدة أن تدرك كاملة في وقت وجيز، وتـُصب في هذه الورقة المتواضعة التي لا أعتبرها نقدية بقدر ما هي تلويحة من التلويحات لهذا العَلم الفني الرزين الذي يُحضر الجمال والفرجة البصرية في لوحاته، كما تحضر الرصانة النظرية والعمق المعرفي والنقد الفني البناء في كتاباته التي يسعى من خلالها إلى خلق الوعي النظري والمعرفي بالنسبة للمهتمين بالتشكيل والممارسين له والرقي بهم إلى حيث انعطفت الحياة الفنية نحو نظريات العلم التي ترقى بالتشكيل إلى أسمى قمم الخلق والإبداع .

 

الفنان شوكت الربيعي يعيش على أمل خلق الفضاءات الساحرة من خلال لوحاته الفنية والريادة في تأسيس حركة نقدية تشكيلية من خلال كتاباته المحملة والمجدية، لوحاته تتحرك في عالمه السحري تحت رعاية الفنان الكامن فيه حتى لا أقول شيطانه الإبداعي وملــَكه الفكري .

 

من لوحاته ما لا يخلق الحيرة والذهول لدى المتلقي نظرا لقتمتها و عتمتها والإبهام الذي اعترى لمسات فرشاته وهي تبتعد بالرسم عن الوضوح النسبي الذي ينسج العلاقة التبادلية بين الشكل والعنصر، هذا ما لمسته في اللوحة (أم وطفل في مخاوف)، وأنا هنا لا أنفي القيمة الفنية عن هذه اللوحة بقدر ما أسجل انطباعي وأزكي انفتاحها على الخوف والشعور بالاضطراب من مكروه قد يقترب عبر الضوء واللون والظل ..

 

اللوحة المبهمة كالكتابة الساخرة تصنف في مراتب الجدية رغم ما يكتنفها ويعتريها من تمرد فني، والفنان هنا إذا رسم لم يمت خوفا، وإذا لم يرسم مات من الحزن والألم والقهر والقمع وسياسة تكميم الأفواه وإضمار الآهات ..

 

 

لوحات (الحرب والسلام) لها نوافذ مشرعة على الموت والحياة وهما القرينين في حلقة الظلام، لكن الفنان شوكت الربيعي يسلط عليها الضوء من خلال لعبة الشطرنج   التي يختار فيها الإنسان كيف يحيا أو يموت رغم أنه مقيد بالحتميات قبل الضروريات وفي داخله يعانق النبل الروحَ وُيؤول الفن إلى ألم أو أمل ما دام الفنان مصفاة لكل الأفراح والأحزان في دنيا الانكسارات والانتصارات و الإحباطات، هذه الدنيا التي صارت تفقد احترامها أمام عين عجزت عن البكاء، وإنسان يطمح إلى الخلود في الوجدان، رغم الحرب التي يسير الصديق في معصيتها والعدو في رضاها وهي تغضب في الخبر العاجل و المطمح ابتغاء السلم في الآجل، ورغم هذا وذاك، وهج الروح ينتعش، وعلى التفاؤل ترتمي النية الحسنة وترتوي في عالم تظهر فيه بقع الضوء، ورؤى الليل يوضحها ضياء النهار ...

 l10

(جدارية الخوف) لوحة ذات شقين، شق لفرد أنشب وشبك أصابع يديه بعضا في بعض، وكأني به يريد قول الشاعر :

لا نقيس الخوف بارتفاع الأسوار/ وإنما نقيس الشجاعة بحلم الأبرار وهم الشجعان والأبطال الذين يحققون ما كان في زمن قريب مستحيلا ... وهي لوحة تحيلنا مباشرة على (جدارية فلسطين) سندها القلوب لا الحيطان، ونحن لم نفقد الأمل قط في تحرير فلسطين لأن فانوس الحرية ما زال مشتعلا بين الأيادي للكشف عن الحقيقة الضائعة في عتمة الاستبداد والاضطهاد، لكن بوادر التفاؤل لازالت هي الأخرى متقدة بغية التحرر و الانعتاق .

 

الفنان شوكت الربيعي، يوصل صرخاته وهمساته إلى مسامع المشاهدين عبر اللوحات بتلميح كبير، وهو يتمتع بحواس فنية كاملة إن لم تكن زائدة، لذلك يستطيع أن يحول صمت اللوحة إلى نبرات ناطقة عبر خلجات الذات، وهذا ما تم بالفعل في (شهيد الفكر) وهي لوحة في لوحة تتكئ على رفوف من الأسفار (وهي كتب ترمز للفكر)، مركز ثقل اللوحة منبع دم وقد اهرورق معلنا التصفية وانتهاك الحقوق من قبل أعداء الفكر الذين ينفرون من التجديد ويفرون من كل جديد .

 

شهداء الفكر كثر، وهم أصحاب الكلمة الحرة، والفكر الإنساني الديمقراطي التحرري، كلهم ضحوا من أجل الواجب، ماتوا أحرارا بدل أن يموتوا عبيدا، ومن خلال سيرهم الذاتية، يمكننا أن نفهم صدق فكرهم الذي ماتوا من أجله . امتزجت فكرة الفنان شوكت الربيعي بفزياء الضوء وكمياء الأصباغ فكانت هذه اللوحة التي انبثقت عنها واقعية مشهدية بناء على ثنائية الفكر وعدوه ...

 

(في بستان بالعمارة) لوحة تعكس زهو الألوان ونضارتها، امراتان ترعيان الصغار ولو في نزهة بين أحضان الطبيعة، على بساط مزركش اختلطت الأزهار نوعا ولونا، وفي غياب الظلال وحضور هدأة الطقس وسكون اللوحة، تشكلت الخلفية من غدير أسفل الهضبة، وراحت أغصان الأشجار في المنظر المركب شعابا تسيل نحو المتلقي وترفده بالبهاء، وهو يمعن في زهو الألوان ونضارتها .

 

شدتني لوحة (حسناء الشحمان) بحسنها وجمالها فوجدتها عروسة، هودجها غدير انعكست عليه نضارة بساط طبيعي وأشجار الفصول الأربعة .. الحسناء كحلاء تتأمل الخيزران الذي أصبح ينبت ببلاد العرب بعد الروم، (حسناء الشحمان) ريحها عبق، هي ممشوقة القد والقوام،هي كقضيب الخيزران إذا وقفت، و في هذه اللوحة يكمن التوافق في الشكل واللون مما يعج بها بنا في عالم الصفاء .

 

الفنان المبدع شوكت الربيعي أبدع اللوحات، وأنتج الكتابات والدراسات المستفيضة في الفن التشكيلي وفلسفته وجماله، يتقن أبجديات لغة التشكيل من حيث الخط و اللون والمساحة والشكل، يتطلع إلى الجمال في أكمل معانيه وأسمى صوره، له أسلوبه في الرسم والدراسة ويدأب دائما في البحث عن الجديد .

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1693 المصادف: 2011-04-25 04:20:33