تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (9)

inaam_hashimiخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (5) من اسئلة الاديبة والمترجمة ا. د. إنعام الهاشمي.

 

-هل نتحدث عن القيم الجمالية في رسم الحروف العربية؟

- الباحث فيلر إمتاكستون (أستاذ الفارسية، قسم لغات الشرق الأدنى، جامعة هارفارد)، أحد المسهمين في إعداد وتحرير كتاب (المسجد) الذي استعرضناه في العدد الماضي، يعتبر أشكال الخط العربي، من أهم العناصر الأساسية في تصميم المسجد، لما لرسم شكل الكلمة المكتوبة، من تأثير في الحليات المعمارية الإسلامية، لأنها تحقق النموذج المثالي للزينة في الزخرفة الإسلامية، كما يرى (المعماريون) ذلك أيضا. ولكنه يربط مفهوم المعالجة الفنية، بموضوع إقصاء الهيئة الآدمية من الرسم، رغم أن بعض الرسوم بالخط العربي تصور أشكالا نباتية، وأخرى على هيئة الطير والحيوان والأشجار. ويجسدالخط قيمته الفنية وصياغته التكوينية في تصميم أيقوناته التي تستدعي آيات القرآن الكريم فوق أسطح البلاطات الخزفية، أو الحجرية، أو التكوينات الجصية أو الألواح الخشبية.

من هنا ظهرت أهمية دراسة قيمة ودور الخط العربي، في تصميم البناء العام لمظهرالمسجد وداخله، بحيث يتصاعد نمو الشكل مع وظيفة المعمار وأثر ذلك في الوجدان الروحي والنفسي والأخلاقي والإجتماعي.. ونرى في اعتماد استخدام الخط الكوفي في البداية، شكلا وحيدا سائدا مقبولا لكتابة الخط العربي، حتى فترة الخلافة العباسية‘ التي أستخدم أثناءها، لأول مرة،(خط الثلث) في تصاميم المساحات التي تدخل فيها التركيبات الحروفية بمفاهيمها ومعانيها ذوات الدلالات الروحية. فكان لزاما واجتهادا وابداعا، أن يسعى المعمار والمصمم والفنان والخطاط إلى أن يربط كل ركن بالمسجد بآيات من القرآن الكريم، حيث تشيع آية الكرسي في القباب، وفي المحراب نقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم).. (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا..) أو(.. فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب..) و نقرأ في المصابيح الزجاجية المعلقة:(الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يـوقــــد مـــن شجـــرة مباركة زيتـــونة لا شــرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم..) وربما نقرأ بعضا من الآية نفسها: (.. نور على نور..) أو: (الله نور السموات والأرض..) و إذا كان المسجد يضم ضريحا، فيعتمد في هذه الحال، على مقتطف من الآية 185 من سورة آل عمران: (كل نفس ذائقة الموت..).

 

-تتوضح في التصميم خصائص المعمار الإسلامي؟

-إن سمات وصفات وخصوصية العمارة الأسلامية، تتوضح في التصميم الكلي الداخلي والمظهري وعلاقته بالفضاء المحيط وعناصر البيئة والطبيعة والناس. كما يكشف عن ذلك، ثراء وتنوع الأشكال الهندسية المستخدمة في زخرفة المسجد،على وفق بعدين أو ثلاثة، تتحقق بصياغة اسلوبية حرفية متميزة، تخفي خامات صنعها على السطوح المستوية أو المقوسة، وتظهر القيمة الفنية والوظيفية للأعداد والأرقام التي أدخلت لتجسد مفاهيم روحية بلاغية تكميلية مهمة.

 يتناول المعماري محمد الأسد (من الأردن)، البعد الهندسي في تصميم عمارة المسجد، بالحديث عن تطبيقاته ونظرة العلماء إلى استخدامه في تصميم المساجد.. ويعتبر تنوع أشكال (المقرنصات)، وهي صيغ معمارية تزيينية من الأقواس الصغيرة، (ابتكارا إسلاميا). تعود ملامح نشأة أشكال القرنصات الأولى، إلى القرن العاشر الميلادي، بينما شاع استخدامها في القرن الثاني عشر الميلادي، وذلك لتبلور الخصوصية المعمارية بصيغتها المبتكرة الكاملة فانتشرت على امتداد الأمصار الإسلامية.. وهذه المقرنصات تمثل تشكيلات هندسية متطورة تماما، تصف الوحدات فيها بشكل متكرر، واحدة فوق الأخرى، (إنها في الصور تشبه ندف الثلج الساقطة من سقف ترسم وحداتها المتكررة أو المتشابهة، عمقا هندسيا بارع الجمال). وقد صنعت هذه الوحدات من الخشب أو الحجر أو الجص أو الخزف لتقدم نسقا مرنا لمعالجة السطوح حتى أنها تناسب أي مساحة وأي مكان، بل ولها أن تحدد الفضاء والفراغ وتقسمه لأكثر من حيز. وهكذا يجد المعماري المعاصر نفسه أمام أسئلة تتعلق ببناء المسجد: ما الغرض من بنائه، وما الذي يستطيعه، بل وما الذي يجب أن يقدمه.. وهل يجب أن يبقى المسجد دارا للعبادة وحسب؟ وهل يعد المسجد مكانا لاعتزال المصلي بنفسه أم اجتماعه بالآخرين، أم هو تلبية لحاجات اجتماعية؟ وتأتي الإجابات لترضي المؤرخ من ناحية، وتشبع فكر المعماري المعاصر من ناحية أخرى.

 

-وما هي فكرة إنشاء المسجد؟

-ويقدم مارتن فريشمان تحت عنوان (الإسلام وإنشاء المسجد) فكرته عن إنشاء دور العبادة، ومنها المسجد، وفي إنشاء المساجد يمكننا أن نلمح نقاطا تصميمية مشتركة بينها، وباعتبارها دورا للعبادة فإن مهمتها تقتضي ضم مساحة (تكون مسقوفة في جزء منها) مخصصة للصلاة، وتتطلب ضم الحرم والرواق والصحن، وأن يتحدد بها مكان للقبلة،المتجهة للمسجد الحرام في مكة، في حيز المحراب، وأن يكون هناك المنبر، وهو دائما ما يكون إلى يمين المحراب. وهناك الدكة أو مجلس القاضي، أو مقعد قارئ القرآن في مساجد الجمعة، وأمامه كرسي القرآن الكريم، وهو حامل خشبي مزخرف يوضع عليه المصحف، حيث يستطيع القاضي تلاوة القرآن.. وهناك المقصورة، وهي خلوة الإمام وتكون متصلة بالحرم أو منفصلة عنه حسب مقتضيات المسجد الوظيفية. ثم هناك حوض الوضوء، وقد تستغني بعض تصميماته عن وجود النافورة فيه. وهناك المنارة، التي بجانب وظيفتها كعلامة للمكان، تعد مرتقى للمؤذن المنادي إلى الصلاة، وأخيرا الباب، الذي يعد مدخل المسجد، المسور دائما ليخفي ما بداخله عن الأنظار، ارتباطا بفكرة التقديس والتطهير.

 

-هل هناك أفكار محددة عن صورة المسجد في المجتمع الإسلامي؟

-استخلصنا الآن ثلاثة أفكار عن صورة المسجد في المجتمع الإسلامي اليوم، يحدد الفكرة الأولى، الكاتب (أوليج جرابار أستاذ جامعة الدراسات التاريخية،ومعهد الدراسات العليا، جامعة برينستون) ويرى في مساجد المجتمعات المحلية، مستقبلا أكثر منه في المساجد التي تبنيها الدولة. ويقدم الفكرة الثانية الباحث (حسن الدين خان) تحت عنوان (عبور مشهدي للمساجد المعاصرة) في مجتمعات القرى والأماكن الريفية، حيث لا ينال التغيير المتسارع من العقائد والعبادات، بقيت وظيفة المسجد كما هي دونما تغيير كبير عما كانت عليه في الماضي. والفكرة الثالثة يطرحها (محمد أركون الأستاذ الزائر بجامعة أمستر دام، ومعهد الدراسات الإسماعيلية في لندن)، متناولا طبيعة علاقة المسلم الروحية المقدسةالمباشرة، بمكان الصلاة في المسجد والتغيير الذي لحق بالمعنى والدلالة الرمزية من استخدام المسجد في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة. إذا به يجد نفسه يمارس طبائع غير دينية يصعب عليه فهمها ويتعسر أمامه تعليلها. ولايمكن تعميم المحاولة التي يقدمها أركون، ولكنه يسعى ويحاول اقتراح فهم أفضل للمجتمعات الإسلامية اليوم وعلاقتها بالمسجد، فيرى أن علينا إرجاع البصر مرتين في مجمل تاريخ المسجد، بل وأن نعيد تفسيره، بنظرة خاصة إلى الأشكال والتصميمات، من ناحية وكذلك أنساقه السيميائية من ناحية أخرى، ويعني بها الرموز والعلامات التي يستخدمها أفراد أي مجموعة اجتماعية لإيصال قيمهم المشتركة، وهو يظن أن في ذلك إدراكا للمفاهيم المجردة، مثلما هو سبيل لبيان وظائف هذه الرموز والعلامات. لأن للمساجد، مثلما للآثار المرتبطة بدور العبادات في الأديان الأخرى، صورة تمثيلية تحمل قيما بعينها يحفها الحضور الإلهي في أماكن العبادة. وهناك اعتبار نفسي لمكان التعبد - بما يحويه من ذاكرة، وفكر وعاطفة، فردية وجمعية - وهو اعتبار لا يأخذه المؤرخون جديا في حساباتهم رغم ثرائه وتعقيده ومكوناته الدلالية في التاريخ.

 

-الناس هنا لاتعرف الا النزر اليسير عن واقع الحركة الفنية في أمريكا، علما بأن هناك متاحف ضخمة مهمة في كل ولاية من الولايات الأمريكية. هل سنتحدث بصورة مكثفة عن الفن المعاصر في أمريكا؟؟

- صحيح ما أتيتم به واني لأعجب منكم بالقول الجميل المتسائل عن الفن المعاصر هناك في أمريكا، حيث لا يعرف معظم القراء شيئا مهما عن واقع الحركة التشكيلية في امريكا و عن عشرات المتاحف و الآلاف من صالات العرض الفنية (الكاليريهات)، و ذلك لطغيان عنصر السياسة على الجوانب الثقافية و المعرفية و العلمية و الفنية.

من هنا نحاول القاء الضوء على واقع الفن المعاصر في امريكا للعقدين الاخيرين من القرن المنصرم..

 

-ما المدخل اذن الى الفن المعاصرهناك؟

-يعبر الفن الأمريكي الحديث عن جوانب مهمة من تجارب الفنانين المعاصرين في أمريكا ويعكس الواقع البصري الحيوي الراهن، بحيث يتناول المشهد الفني موضوعات القيم التخيلية الذاتية بعيدا عن الطبيعة، بلوحات بدائية وعشوائية تثير الأحاسيس فيمد الرسام التلقائي بصره إلى جوهر الكائنات الطبيعية ويتقصى الإمكانات التعبيرية للتجريد في تجربة أخرى. ويختصر البعض الطبيعة في حدود أفكارها التي تولد العلاقات فيما بين مجاميع الأحاسيس الإنسانية وان يضئ جوانبه ويربط الحياة الطبيعية بالحياة الصناعية فيمضي بعض الرسامين الأمريكان في تجريديتهم دون الإفصاح عما يرغبون تصويره. إن الفنون المعاصرة في أمريكا تضم أسماء استطاعت بجدارة أن تعبر عن واقع التشكيل المعاصر في بلدهم بحيث تستوحي وجودها وحياتها من الطبيعة الصامتة تارة وتبرز فنون عصرها بالاتكاء على الإرث التاريخي للطبيعة الجامدة تارة أخرى واستطاع البعض ممن ينحدر من آسيا أن يتبنى الإرث الآسيوي المميز للاختصار والاختزال في الخطوط التي تبني التلميح والإشارة قبل التعبير عن الواقع المرئي.

 

-هل تبلورت رؤية نقدية جديدة مصاحبة لرؤى الفن التشكيلي؟؟

- يسلط الفن الأمريكي الضوء على تنوع الأساليب والصياغات الإبداعية معطيا مشهد الفن المعاصر تألقه الحيوي ومقدما شرحا وافيا عن إمكانية قيام الفنان المعاصر بجذب اهتمام المشاهدين بالتفسير الفردي للموضوعات والأشكال بغض النظر عن الطرق المختلفة التي يمكن أن تكون قد عرضت بها سابقا. إن قضايا التطور المتعلقة بمجموعة التقاليد وجدت أن العلاقات العادية التي لديهم مع كائنات هي مجالات رئيسية للبحث والاستقصاء أخذتها الفنانة أنيلي ارمز بعين الاعتبار فهي ليست معنية بإظهار الوصف الحرفي والواقعي ولكنها تهتم بتصوير وإبراز الأشكال الطبيعية عن طريق القيم البيانية والتخيلية الشاملة المتضمنة فيها. أن تأثيرات اللوحات البدائية الكبيرة لجيفري بيكر بإيماءاتها ورموزها وألوانها والتي يمكن أن تبدو هكذا من النظرة الأولى هي عشوائية وجزافية إذ أن الفنان يخلق برسمه التلقائي إحساسا بعالم سابق للغة. هناك روح ممتعة عقليا أناقة مهذبة في لوحاته ونسخه المطبوعة ذات النقوش الغائرة، إن لوحته مشربة بصبغة مطلقة ومحددة في آن واحد، ولكن الفنان بوريس تشيزار قد رفض التجريد المطلق وتناول أشكال الطبيعة المأخوذة من الأزهار والشمس والقمر والأرض والسماء بحساسية تبدو وكأنها تظهر جوهرها وماهيتها. إن الألوان الواضحة والتركيب المزخرف بشكل كبير والمتوازن نوعا ما تمكن الفنان من التعبير عن الطاقة المتوازنة للأشكال الإبداعية.

 يستعمل الفنان باتريك كريك عناصر الوصف المميز للرسم لتوسيع إحساسنا بالمعنى ففي مفردات مختصرة مبنية على مراقبة الطبيعة وأفكار من مصادر مختلفة بما في ذلك عبارات تلتقطها عيناه أو أذناه فان الفنان كريك لديه أدوات تقصي قوية وواثقة لتوسيع الإمكانات التعبيرية للتجريد. أن الرسومات المستخدمة باللونين الأبيض والأسود للسفن والقطارات هي رائعة وجديرة بالملاحظة لواقعيتها الدقيقة ولكن باستخدام الأساليب المختلفة للإضاءة (الظل والضياء) يستطيع الفنان لانس ديني إعادة خلق الإحساس الذي لديه للآلات التي صنعها الإنسان وتطورت بمرور الوقت تماما كما يفعل الطيار والمهندس، أما الفنان هيينيسي فهو يبني عالما مصورا من الرغبة التي لديه باجتياز الحدود بين التجريد والتصوير الواقعي وهو الشارح والنصير في التسعينات للتقليد الإيمائي للتعبيرية المجردة التي ارتبطت في النصف الأول من القرن العشرين بتجربة الفنان كاندينسكي. وبدأت في منتصف القرن مع الفنان وليم كونينج احد أهم الفنانين التعبيريين التجريديين الأمريكان، أن لوحاته مهمة وذات مكانة مميزة نظرا لتكوينها المركب بينما نجد الفنان هيينيسي يدخل عناصر التجريد والمجاز والمناطق الطبيعية بنفس القوة والمفعول وهو يشحن السطوح بمضمون عاطفي يتعامل مع حالات الوجود الشاملة وكأنها جواهر تاج فلا عجب أن نعلم انه بينما يأخذ الفنان المدارس الفلامنكية والهولندية للحياة الساكنة بالإضافة إلى الفنانين الذين تأثر بهم أمثال ديبنكورن وجاسبر جونس. أن ووللتر مريتش هو الرسام الذي يعجبه أكثر إذ يهدف إلى صنع فن يعكس عصره وهو ينجح في ذلك ليكون مميزا للوقت الراهن أكثر من الحنين إلى الماضي.

 أن المظاهر الخطية لتعبيرية التجريد تدين بكل شئ للفن الآسيوي وخاصة إلى تجربة سوون – هيكم وهي رسامة كورية الأصل تقاوم التقليد بأخذ التلميح والإشارة من التعبير التجريدي بينما يرى البعض العكس كعلامة للصراع في تأثير الشرق على الفن الغربي. ومهما كانت لوحات بوب كين تبدو غزيرة وتلقائية فان ذلك التأثير غالبا ما يتحقق بالشعور بالنظام والعمل الجاد المطلق والفنان كين ليس فقط حساسا لتركيب الفراغ واللون ولكنه أيضا يعي أهمية البراعة والحرفة والتقنية. أن القماش الذي يستخدمه في لوحاته مجهز بشكل جيد، بطبقة تحضيرية من الطلاء لأنه يشعر بان المجموعة المنوعة المعدة تجاريا لا تمتص الزيت بشكل جيد وهو دقيق باختيار الألوان ليس فقط من اجل تألقها وإشراقها بل من اجل دوامها واستمراريتها. أما الفنان باس شك فهو شعبي للحد الذي يجتذب الإلهام من وسائل الإعلام وهو وريث التقاليد في شيكاغو مسير بإيمانه أن الحياة الحقيقية والحياة التي تبرزها وسائل الإعلام قابلة للتبادل اليوم يعتبر هذا الفنان عضوا في هذا التوجه الفكري إلى الحد الذي يدرس به في جامعة نورث ويسترن وهو ممثل في العديد من المتاحف المحلية والخارجية لان فنه غير اعتيادي وغريب دائما، أما لوحات الفنان ميجول ساكو التي تجمع الخشب ورقائق الذهب بأسطحها اللامعة والمتألقة وأشكالها المبتدعة ونقوشها البارزة تثير مجموعة من المشاعر والأفكار حول الأشياء التي تمثل الضوء والدور الخاص الذي تلعبه في الشعائر والطقوس. أما أعمال ساكو فكونها مقدمة لاكتشاف الجمال والغموض في منحوتاته، فان شرحا مدهشا عن غزارة شعر الأفكار لديه سوف يتم تقديمها في إطار تجربة الفن المعاصر في أمريكا على الدوام.

 ان علاقة الفوتوغرافيا والرسم والتصوير هي الموضوع الرئيس في عمل الفنانة الشابة ليز ستيكيتي تبدأ بطبعة فوتوغرافية قامت بإنجازها وهي تعاملها كقطعة قماش وبدمج العناصر الفوتوغرافية والحبر والألوان، لكي تواجهنا بعدة مستويات للرسوم وضمنا للأفكار والمواضيع والمضامين أيضا. أما الفنان جيم ويلسون فهو ينقل بحماس الاحتفال بحياة البر الأمريكي وهو تقليد عام يعود إلى الفنان توماس كول والى مدرسة نهر هدسون والبرت بيير ستادت احد أهم رسامي جبال روكي في القرن التاسع عشر ويواصل ولسون رسوم المناظر الطبيعية من المروج والوديان والتلال والجبال ليزيد إدراكنا لجمال الطبيعة وضمن المشهد العام للفن الحديث.

 

-إن نصف قرن من عمر تجربتك التي تعني الحياة، يشير إلى أهمية دوره الفني الثقافي والحضاري لأحتضانكم أكثر من ألف لوحة فنية ومائية وتخطيطات وتصميم ومحاولات طباعية مختلفة. أرخت فترة حافلة بالخطوات الجوهرية الباهرة لمسيرة الفن العراقي والعربي، وحافظ على جانب من الموروث الإ نساني الرفيع.

- هل أن سؤالي يحمل جوابه؟ أم ماذا؟ أم نتحدث عن أهمية زيارة الناس والمعنيين بالثقافة الفنية، الى المتاحف؟؟

-لقد اغتنيت كثيرا في جولاتنا الميدانية في زياراتنا الكثيرة لمتاحف العالم الشهيرة ومنها: متحف الخلوة (الآرميتاج) ومتحف الفن الروسي، والمتاحف الوطنية الأخرى، مشجعا صديقي جبرا ابراهيم جبرا المتعب من السير على أقدامه، على المضي قدما في إنهاء هذا السفر واغتنام فرصة وجودنا، واعتماد المطبوعات والكتب التي حصلنا عليها، مصدرا محددا يضاف إلى المصادر التي جمعناها من الكتب والمجلات المتخصصة والمطبوعات والأ دلة التي تصدرها المتاحف المشار إليها في هذا الإستذكار.. فهز رأسه موافقا. ولكنني لمحت التعب والإرهاق باديين على ملامح وجهه، خاصة وأنه على موعد مع مؤلف رواية النخلة والجيران ومع كل هذا الإجهاد، فإن الإبتسامة لم تفارق وجه الروائي الناقد جبرا ابراهيم جبرا.. فأقنعته بزيارة بيت ومدرسة (بوشكين).. وانطلقنا في آخر النهار إلى مشاهدة محتويات ذاكرة (نصب شهداء حصار ليننغراد) في الحرب العالمية الثانية..

 وفي الليل كنا نشاهد أعمالاً مسرحية عن (غوغول) وروائع الأعمال الموسيقية لجايكوفسكي وهاندل وشوبارت وبتهوفن.. اشترينا في اليوم التالي (من مقر اتحاد الفنانين) كميات كبيرة من الألوان الزيتية والريش ومواد أخرى بأسعار منخفضة.. وكانت الحمى تتصاعد في داخلي وحينما خيم الليل بعد (سهرة ممتعة)، اشتد عليّ ضغط عجيب، فكأنني غصت في نشوة الأعماق، فرحت استجمع الألوان وأفرشها على سرير النوم. وبدأت أرسم على جدار الغرفة الذي يواجهني بتحد وكبرياء ثم شعرت أنني أغيب عن الوعي ولم اعد أتذكر ماذا حدث بعد ذلك..

أيقظني (جبرا) من نومي فإذا حشد من الوجوه المغبشة أمامي، وهي تنتظر مني تفسيراً لواحدة من تفجرات الرسم الداخلية التي أطلقتها نفسي مفعمة برموزها الشجية وكأنني كنت أعيش في حلم لا نهاية له.. وتشققت قشور النواة التي كانت تغلفني.. إن انبثاق مثل هذه النار الجياشة في حق الرؤيا قد تحسس سناها (جبرا) ورأى وهجها في هذه الرحلة الجليدية التي نتنفس في أجوائها هواءً منغمساً بخمس وأربعين درجة تحت الصفر، ولأول مرة في تاريخ موسكو. كتب جبرا عن مشاهدته للحلم الذي كنت قد تحولت فيه إلى مادة تكثـفت روحي من شفق فجرها السماوي، لتكون زمناً مادياً على جدار إحدى غرف فندق (استوريا)، في لينينغراد. وقد أخذتني بغتة، تلك الوجوه المغبشة التي استيقظت مذعوراً أحدق في ملامحها المنبهرة، فاختفى تدريجيا عبق الحلم كما تختفي قيمة اللوحة الرمزية على الجدار تحت ركام من الخوف على نظافة الفندق (ولغمطته) بينابيع الرؤى التي تولاها الحب فتولاّهم العجب الأرضي الأصفر. وصحوت من تأثير عبق وطن الأسرار، وعدت إلى عصر الجسد والجدار والمخاوف.

 أجل.. كتب جبرا عن إحدى بدايات هذا التفجر، قائلاً: (جاءتني المرافقة في الصباح لتأخذني جانباً وتقول مضطربة، أنني قد سببت فضيحة في الفندق.. فضيحة.؟ لقد اكتشفت مرتبة الغرف انه قد (لغمط) حائطاً بكامله في غرفة نومه، بخطوط وألوان زيتية غير مفهومة، وأعلمت إدارة الفندق، التي أرسلت في الحال من تفحص الحائط (الملغمط) في الغرفة وعاد ليخبر الإدارة ثم مرافقتنا بتعدي الزائر، على الفندق، وان عليه أن يدفع مبلغ مائة روبل تعويضاً عن الضرر الذي لحق بالغرفة.. أدركت أنا في الحال حقيقة ما جرى ويبدو إن شوكة في تلك الليلة، وبفعل عواطف وذكريات كثيرة تداخلت في نفسه إزاء ما رأى وسمع، لم يستطع النوم، إلى أن أباح لنفسه (إذ لم يكن لديه أي ورق أو جنفاص للرسم) أن يجعل من جدار غرفة النوم، لوحة تسجل بعضاً من تفجراته الداخلية. ولما انتهى من ذلك عند الفجر، استطاع أن يخلد إلى فراشه ويغرق في النوم لساعتين أو ثلاث. وعندما نهض وتأمل في اللوحة التي رسمها، سماها (بينه وبين نفسه) حصار لينينغراد. وهذا ما أيده الفنان حالما جابهناه بالسؤال عما فعل، دون أن يبدو عليه أي استغراب، ولم يشعر انه قد أتى ما قد يلام عليه. بل أنني قلت للمرافقة، نصف مازح: (على مسئولي الفندق أن يتباهوا فان فناناً عربياً نزل عندهم ذات ليلة وترك غرفته أثراً فنياً حقيقياً كبيراً، مما يحتم رفع سعر تلك الغرفة لمن يشاء النوم فيها..).

l3

 لقد كانت تلك اللوحة تفجرا غابت أهميته عن أصحاب الفندق ولكنها لن تغيب عنا. ولئن اضطر الفنان أن يدفع المائة روبل ثمناً (للفضيحة الإبداعية).. فقد اغتنى هو بتجربةٍ تعبيرية كان عليه فيما بعد، أن يعرف كيف يلملم إندفاعاتها فيحفظها لنا على هذا النحو الذي نراه الآن في لوحاته ومعارضه الأخيرة.. وهذا جزء من اكتشاف نسبة من الطبقات المتراكمة في مرحلة الكمون، وقد ظهرت بطريقة الانفجار الذهني، أو بالإسقاط المتجسد بالضربات اللونية الحادة والقوية. وكانت حالات الإسقاط تؤكد انبثاق طبقات منغمرة في مياه العالم الباطني. تتكامل اللوحات عند شوكت الربيعي فيما يشبه المتوالية الشعرية بحيث يحتاج المشاهد إلى رؤيتها جميعاً ليوالف بين أشتات معانيها في كلٍّ يتنامى ويرفض التوقف عند حد. لكن كل لوحة من لوحاته قصيدة متفردة في حد ذاتها، تحمل في تضاعيفها رموز العمل التكاملي الأكبر. فالفنان هنا يستقصي ماضياً مائجاً باللون والحركة.. بالحدث والانفعال. وهو في كل لوحة يحاول أن يضع شيئاً مركباً من مجموع تجاربه وذكرياته، فتستقل اللوحة من ناحية وتصل بكل اللوحات الأخرى من ناحية أخرى. إنها في معظمها تجربة الأهوار العراقية والرموز التاريخية بتعقيداتها النفسية، بظلمتها واشراقاتها، بقسوتها وروعتها، بمغالبتها الحياة والموت، بتأكيداتها على الإنسان جسداً يتفتت بالجهد ويتوهج بالحب واللوعة "..

 كان الفنان الناقد شاكر حسن آل سعيد، يراني مدفوعاً بحماسة متناهية لاسترجاع (ثوابتي) الأولى في الطبقات الفردية. وأنني وقفت عند تصوري الواقعي والمادي معاً للعالم، وهو انعكاس إنساني إلى حد ما، يمثل لوعة إنسان ما، ويراني لم استطع مغادرة انتمائي للأم، وهي حضارياً المحيط المادي. ومع أن اهتمامي ببعض الوحدات أو المفردات الفنية (كالمشحوف) والقصب أو (جمة القصب) لكي ما تقربني من معنى الأب، فان اهتمامي الرئيس بمعالجة الملمس على سطح اللوحة، يعني نزوعي الصوفي قبل كل شيء، للبحث عن مدخلٍ أعايش فيه (المادة) نفسها. ولكن يظل الجمع بين الخطوط العفوية (للمسة اللونية) والتجسيد، باستخدام ثلاثة أبعاد في التقنية، محاولة توفيقية لاستعادة وعيي بالقدر والمصير معاً. ويستطرد الفنان شاكر قائلاً: (ربما كان هذا ما عاناه في حياة الطفولة نفسها. لكنه الآن يبدو كانسان يتخلى عن مبدأ التسلط على العالم، (كمشخص)، لكي ينطوي تحت موضوعيته التجريدية، على انه في هوسه (بالضربة اللونية) يلتمس موقفه (كتجريبي)، محاولاً أن يمسك بزمام نفسه. فهو (يشخص) بواسطة التقنية وليس الشكل العام، بعد أن فقد (تسلطه) وهوسه الظاهري. لكن الأمر في موقفه الثقافي، لا يقف عند هذا الحد. ذلك أن تقنيته وأسلوبه سيعتمدان على سيادة لون واحد غالب في اللوحة هو (اللون الأخضر) فما جدوى ذلك لديه؟ أهو كما يصرح به (رمز) الأهوار والبساتين. أم أن لهذا قدسيته الروحية منذ طفولته؟.

 لواقع أن لاستخدام الألوان لدى الفنان الربيعي، علاقة راسخة (بذاكرته البصرية). ولكن للون سلطته الوجدانية أيضاً في تحقيق التوازن ما بين الجزء الإنساني في ذاته، وبين المحيط.. وهكذا فان ما تشبث به في مرحلته الفنية الأولى (1963ـ1973) وهي التي رسم بها عالم الأهوار، كان هو (شخصه بالذات)، وقد تجمعت عليه التوافقات اللونية بكل رموزها الميثولوجية. أي كون هذا اللون الأخضر ممثلاً لسلطة روحية داخلية، هي سلطة الأم وسيادتها المترجمة مثلما تجمعت خلال التعارض، وهو الذي كان سيعكس لديه تناقضاته الداخلية وتمرده الذاتي، ما بين الضوء والظل (وصورة ذلك في المرحلة التي نحن بصددها، هو المسطح المائي اللماع، أو شغفه برسم لمعان مياه الأهوار وظلال المشاحيف فوقها). فالربيعي إذاً في استخدام اللون الأخضر، ثم في استخدام التعارض بين الضوء والظل، كان يستعيد شخصيته في كل مرة، من خلال المحيط. ولكننا في هذه العجالة النقدية لا نستطيع تماماً فرز كل الشبكات أو الطبقات الحضارية في فنه، لأنه فنان دأب على العمل المتواصل والبحث والتقصي. فماذا بعد (شبكة التقنية) ثم (شبكة السطح التصويري المشحون بالمتوافقات اللونية) و(شبكة الضوء والظل)، سوى (مصطلحه الكلي) نفسه، وهو بيت القصيد.

 يخيل إليّ أن ثمة إشارات هنا وهناك لهذا المصطلح من ذلك (الحمل الجنيني): (رسمه لنساء حوامل) والمرأة والمسطح المائي، (القمرـ الكون) وأخيراً (القوس ـ الخنجر) ثم تصويره لرمز (المشحوف ـ السرير). فهذه الصور الرمزية هي التي تنبئ بوجود عدة طبقات تحتية من الصور المتأصلة، تغلفها جميعاً لديه الطبقة الظاهرية بشكل غلالةٍ رقيقة في بعض الأحيان، وسميكة في أحيان أخرى، وتلك هي (نزعته التشخيصية). أكانت تلك إذن نزعته التشخيصية التي يقبلها في عمله، (مصطلحه الشكلي)؟ ولكن تظل هذه النزعة غير مرتبطة بشكل اصطلاحي بالذات. أو نقل أن هذا الشكل الاصطلاحي لديه، هو تنوع التشخيصية في تجربته.. لست مغالياً في سرد حضارة الفنان الربيعي (كموضوع نقدي) ولا مسترسلاً. ولكني أحسب أنه أراد آخر الأمر أن ينوه بالإنسانية من خلال نزعته التشخيصية نفسها.

إذاً. مهما كان ليتوخى البحث عن الإنسان المعذب، الإنسان المحبط. الإنسان القتيل المهضوم الحقوق، فما ذلك إلاّ ليكتشف شخصيته هو في مثل هذا البحث. وبالمقابل فأن مواضيعه التشخيصية (وأغلبها عن الحياة في أهوار العراق)، تظل لديه تسامياً في اكتشاف المعنى الإنساني أيضاً.

 رب معترض يقول: قلت أنه يحاول أن يعبر عن نزعته التشخيصية في فنه، فهي مصطلحه الشكلي الحضاري إذا صح التعبير، ولكن ماذا عن قولك انه لم يستطع أن يغادر انتماءه للأم. (الأم التي تعني الأرض والأم السيادة الاجتماعية).. قلت وهذا هو المغزى من نزعته التشخيصية. فلولا شعوره بالانتماء لسلطة الام، لما حاول اكتشاف شخصيته باستمرار. لقد تسنى لي في عدة حوارات مع الفنان، أن أطلع على بعض (ثوابته التذكارية الأولى) من خلال حوادث وقعت في طفولته. وفي كل حين ألمح من خلال ذلك نزعته. فقد روى لي مثلاً انه شهد غرق ابن خاله (صبيح) في طفولته. وكانا يسبحان معاً، (الصورة تمثل لنا معنى اهتمامه بالضوء والظل). أي لمعان سطح الماء المدان لإغراق ابن خاله. وبالتالي نقل هذا الاهتمام في فنه، فكأنه كان ينتشل نفسه. أي يكتشف شخصيته أيضاً (بإنقاذها من الماء). كما حدثني أيضاً عن مدى ارتباطه بالمناخ الأرضي وبالطبيعة نفسه، بحكم تدهور الوضع الاقتصادي للعائلة واضطراره للعمل في معامل الطابوق (لاحظ هذا الحب للعمل المستمد من الطبيعة نفسها، أي الطين المصنع كطابوق وكان من الممكن أن يصبح خزافاً وكان من الممكن أن يصبح فلاحاً أيضاً "المناخ، الأرض، رمز للمحيط الأم" كأنه كان يخضع لسلطة الأم ويتمرد عليها معاً..) أن الفنان في داخله حساس ورقيق وذو وعي عميق بحضارته الشخصية وبقيمة الإبداع. وستكون لتجاربه المستقبلية خصوصية في الشكل والمضمون معاً وستبقى مضامينه مرتبطة بالأرض والأم والطبيعة مهما تجرد في أشكالها وأستخدم تقنيات حديثة متقدمة.

 لقد استمتعنا بزيارتنا إلى الاتحاد السوفييتي وحدثت صديقي، جبرا إبراهيم جبرا، عن تأثري الشديد بروائع الفن الروسي في مراحله المختلفة وبكنوز متحف (الارميتاج) في لينينغراد. وتوقفنا كثيراً في قاعة الفن الفرنسي الحديث، التي اشتملت على أعمال أشهر الرسامين الانطباعيين وما بعد فترة الانطباعيين وما بعد فترة الانطباعية: سيزان وبيسارو وجوجان ورينوار وسسلي وغليومن وفولارد وفان كوخ وقبلهم كلود مونيه وإدوارد مانيه.. وفي القاعة أيضاً أعمال بيكاسو وبراك وماتيس..

وأمام لوحة رسمها "ماتيس" لفتاة عارية، وقفت سيدة في الثمانين من عمرها، علمت فيما بعد إنها صاحبة الجسم المكتنز، المشع بياضاً والذي صوره (هنري ماتيس) ونفذ لها تمثالاً صغيراً من الطين كعادته.. وكان عمرها آنذاك عشرين ربيعاً، متدفقة الحيوية والجمال الباهر.. أنثى ممتلئة، رشيقة ذات عينين واسعتين سوداوين وشعر خمري اللون منسدل على جسد ثلجي بضٍ وفاتن.. أطلعتني على (صورها الفوتوغرافية) التذكارية في جلسة رائعة ضمتني إليها في منزلها الريفي الجميل.. وتحدثت عن صبوتها الأولى مع (ماتيس وبيكاسو) وعمالقة آخرين في الشعر والقصة والمسرح والنقد والموسيقى والصحافة.

 كانت تحتفظ بدراسات أولية "سكيجات" لأولئك الفنانين الكبار، بقدر ما تحتفظ بحبها العنيف للخال الفاحم على عنقها، وافتتن به رسامو تلك الفترة.. جيدها الآن قد أثقلته متاعب الأيام بأخاديد طرية متهدلة، وأحاطت به خصلات شعر أبيض وحجبت عينيها نظارة طبية قاتمة وغابت ابتسامتها العريضة في أتون مارد، وقوّس ظهرها انتظار طويل، كانت في كل يوم تقف أمام لوحتها، تستذكر اللحظات التي رسم فيها (ماتيس) جسدها بهذه البساطة وهذا الاختزال.. مساحات مفروشة بلونٍ حرٍ وخطوط خارجية تحدد بقوتها، معالم الشكل بمعالجة مقتصدة مقتدرة وبتوازنٍ وانسجام، بحيث ترتبط جميع هذه المفردات بوحدة وتنسيق عامة هي جزء من تنظيم محض لمشاعر الفنان المبدع، لكي يحقق غاية بحثه في الأسلوب. حدثتني عن عيادتها اليومية لهذه اللوحة، لأنها تستثير فيها فتنة الذكريات الحبيبة المستلقية على سرير من الوهم الذهبي.. تقف أمام اللوحة كل يوم، تؤمن بفرح اللحظات التي كانت تغمرها، جبالاً من الآمال المغبطة. ذلك الإيمان الذي يمتد في عمرها امتداد الأفق ويوقظ فيها شرارة الوجدان، ويوقد منها جذوة الحياة. استهامت بهذا الحب الذي قاوم الموت مرات عديدة.. وحينما اشتد بها المرض كانت حفيدتها قد هيأت نسخة منقولة عن لوحة (ماتيس) ووضعتها أمامها ذات مرة كانت فيه تغط في نوم عميق.. وأرادت أن تفاجئها بفرحة غامرة، لان مرضها حال دون ذهابها إلى (الأرميتاج).. وفتحت "لودا" عينيها، عشية الاحتفال بعيد السنة الجديدة، لتفاجأ بلوحتها المعلقة على الجدار الذي يواجهها.. توسعت حدقتا عينيها وهي تحدق باللوحة باندهاش ثم شهقت فكانت اللمحة الأخيرة. كانت المسافة بين عينيها واللوحة ثمانين عاماً من الغبطة المتجددة. وما أحفل اللحظة التي استذكرت فيها شريط حياتها بأكمله.. إذ ليس هناك من لحظة أحفل وأثرى وأرهب من اللحظة التي بالموت ينفصل خلالها الإنسان عن الحياة.

 حدثت "ماهود أحمد" عن السيدة " لودا " موديل (ماتيس) وحفيدتها الرسامة الشابة.. ها نحن نخرج من متحف الشهداء الذين سقطوا في الحرب العالمية الثانية ودافعوا عن (لينينغراد) متوجهين إلى تأمل تمثال "بوشكين".

وتابعت الحديث مع (ماهود) عن خصوصية "هنري ماتيس" وحبي المفرط لأفكاره ومنطلقاته سواء في الرسم أم في النحت، موضحاً سر اهتمام بعض الرسامين بالكتلة والأبعاد الثلاثة، قصد التوازن والانسجام.. فقد دأب "ماتيس" على النحت بالطين لأنه كان يعتقد بأن التنظيم، استمرار للحس والذكاء.. وهو يقول: " أنني أنحت لغرض تنظيمي بحت، تنسيقاً لشعوري وبحثاً عن أسلوب يناسبني وقد ساعدني ذلك على إنجاز رسومي التي أصبحت مسيطراً عليها في مخيلتي. أنها تسلسل وترتب مشاعري وقد عملت من خلالها للعثور على ذروة أسلوبي"..

كان مجموع منحوتاته (68) نحتاً من الطين، تم صبها بالبرونز بعد وفاته.. " الفنان الذي نحت للدراسة وخطط للتخطيط ذاته ".

 

س75: أ. د. إنعام الهاشمي: خلال المسيرة التي شهدت الكثير من التغيرات والظروف التي مر بها العراق والجيل الذي عاصرته والذي رافقه فيها العديد من الانتصارات والنكسات، لو عدت بذاكرتك ومشيت الطريق من جديد؟

ج75: لو عدت لخاطبت وطني:

إ ذا حلَّ بي ضيم فعفتك مكرهاً / رجعت وأدهى الضيم ما ضامني البعد كرام على المعروف راضوا نفوسهم / وشابـت نواصـيهم وما شـابهم عِدّ

 

س76: أ. د. إنعام الهاشمي: أي المحطات ستقف فيها وتذرف دموعاً تمنيت أن تذرفها أو ذرفتها آنذاك؟

ج76: بكيت يوم ولدت ويوم مات أبي وأمي وعماتي وأخوتي ويوم ضاع فيه وطني.

 

س77: أ. د. إنعام الهاشمي: وأي المحطات ستقف فيها وتضحك من أعماقك؟

ج77: لا أتذكر يوما ضحكت فيه من أعماقي أبدا. ولا أعرف محطة للضحك، الا في ربى وأهوار وطني.

 

س78: أ. د. إنعام الهاشمي: وأي المحطات تتمنى أن تقف فيها ولا تبرحها؟

ج78: وطني. هو أول المحطات وآخرها. وطني هو ألف الابتداء ومنتهاه.

هو أول الأسماء وآخر الأشياء.

1 - حين قرأت (المكاتيب) التي أرسلها لي من مصر (الفنان الكاتب عصمت داوستاشي والفنان الراحل حسن سليمان والقاص محمود حنفي، وسواهم من المبدعين)، اكتشفت أنها كتبت الانطباعات إياها التي كان يريد أن يدونها أصدقاء طفولتي وصباي بعد مضي هذه العقود من السنوات الغابرة. فها هو الشاعر (عيسى الياسري) الذي كان يشاركني مقعد (الدراسة الثانوية)، وقد امتطى غيمة الشعر براقاً نحو سطوع الرؤيا يكتب وينشر ما كنت أريد أن أقوله عن وحدة الرؤية في عيون الأصدقاء المبدعين وكيف تمسكت بنثار حياتي التي بدأت بالتفتت، منذ إشراقتها الأولى.. والإشراقة هنا، لا تعني تلك المساحة الزمنية المجردة، التي تبدأ مع ولادة يوم جديد، أو نهاية طلق، تنم عنه تلك الصرخة الفاجعة التي يفتتح بها الكائن، رحلة الحياة.. إن الإشراقة تعني عند الفنان، لحظة سطوع الذات.. هذا السطوع الذي يأخذنا بعيداً عن طريقٍ حفرته حقب لا تحصى، ليؤدي بها إلى (المتاهة)، حيث تبدأ عملية صراع مدمرة، بين أن (توجد تلك الذات، أو لا توجد إطلاقاً.). وتلك هي المحطة الأولى لسفر الذات المبدعة صوب (موتها الخالد)..

 الشاعر الرائع عيسى الياسري، يراني، في محاولتي أسر لحظات حياتي، التي تتسرب من مساحات الروح والجسد، لا بين تكوينات اللوحة، وحسب، بل بين طيات قلب الكلمة، أيضاً. يراني ألجأ إلى بناء إبداعي يتميز بسلسلة من الانتقاءات نابشاً بين أكوام (الزمن القش)، عن أكثر أعوادي طراوةً واخضراراً.. أنها الأعواد التي أمسكت بشرطها "الكشفي" فامتلأت بضراوة عشق ذلك الجانب الحياتي المحاط بالحجب والأسرار.. وحتى تزيح الحجب وتمزق الأسرار.. عليها أن تمضي راكضة فوق "الجمر" وهي حافية القدمين، وفي ذلك الوقت ذاته، أن تحتفظ باخضرارها..

 ولا يهم أن تحتشد بالصراخ والأسى.. انه الثمن الباهض الذي لابد أن تدفعه.. فقد تجرأت وخرجت عن خط سير "القطيع" أولاً وبالتالي تركت لعينيها حرية التحديق في المناطق المحرمة من هذا العالم. وهذا خروج عن قانون الخلق الأزلي. وكل خروج غير مصرح به، يقع تحت طائلة العقاب.. وإذا كان الأطفال المتمردون، الذين يطغون فوق سطح الحياة الخارجي، يقادون إلى (الإصلاحيات) التي تتولى أمر إعادتهم إلى (القطيع) ألاّ أنّ الأطفال الذين يمدون أصابعهم الصغيرة المرتجفة لسرقة خيط صغير من خيوط "الرؤيا"، يحكم عليهم بالنفي الأبدي، والموت الشبيه بموت نزلاء الجحيم (الذين كلما نضجت جلودهم استبدلت بغيرها..) ويتواصل عيسى الياسري في مقالته قائلاً: لكي يأخذنا إلى (الداخل) حيث تقبع مكونات تجربته، كان عليه أن يضفي على تيار حركة الحياة داخل الفعل الروائي.. وبهذا يكون قد خرج بعمله من صفته الذاتية المجردة، ليمنحه سعةً وانتشاراً أكبر، فارضاً علينا مشاركة، لا تحدد بتشكيل وجداني، مبعثه استحصال أكبر قدر من العطف نسبغه على حياة تتألم، وتقع تحت منطقة وعينا الخارجي، بقدر تقلب مفاهيمنا لفعل القراءة، لتبدأ عملية "حلول" متبادل.. وهكذا يجد كلٌّ منّا، وضمن "وعيه" الداخلي، بعضاً من معاناة تلك الحياة، يتحرك على مساحة وجوده هو.

 إن سيرة الحياة الظاهرية المجردة، قد تلقى قبولاً لدينا، فيما إذا كانت تخص كتاباً قرأنا رواياتهم وكتبهم بشغف كبير، لنعرف أين تقع حياتهم الخاصة من إبداعهم الفني.. وهذا ما يراني "الياسري" قد انتهيت إليه وأنا أدوّن سيرتي الذاتية.. إذ أن عالم اللوحة الفنية، يختلف عن تشكيل الرواية، وحتى قصيدة الشعر التي هي الأكثر قرباً من (اللوحة). ففي الرواية لا نحتاج إلى ذلك الحشد الكبير من وسائل إثارة "المخيلة" كما هو الحال، ونحن نتأمل لوحة فنية تؤدي فيها الكتل والألوان والأضواء والظلال، والتكوينات المرئية والمتخفية، معادلات رمزية، لإشارات يصعب التقاطها من خلال وسائل الاستقبال الخارجية.. وهكذا يجدني "الياسري" أنصرف إلى تأطير عملي (السيروي) بإطار روائي، وحرصت على إبراز هذا الجانب وأنا أتعامل مع أكثر أجزاء حياتي، حقيقةً. بدءاً من الطفولة المعذبة، مروراً إلى المراحل التالية التي كان عليّ أن أعبر نحوها، من خلال ثقب الإبرة، وانتهاءً بالذين أخضعتهم "برؤية إبداعية كما يقول" ليؤدوا دوراً فنياً مؤثراً، بعيداً عن شرط حياتهم اليومي الذي يفقد الكثير من انموذجيته و"فرادته" تحت وطأة الواقع المسطح.

 إن " أحزاني " الناجمة عن العقاب المنزل بي، نتيجة إفشائي الأسرار الموغلة في خصوصيتها، تقدم لصديقي الشاعر الياسري ولقرائه على حد قوله، تجربةً حياتية محكومة برؤية إبداعية، احتشدت بالرموز المحبطة، التي كان من الممكن لو أننا استلمناها بذات الخامات التي خلقت نطفتها الأولى، أن تسبب عطباً وإحباطا كبيرين.. ولكننا ونحن نقف إزاء مأساوية هذه الرموز، كنا نفاجأ بين الحين والآخر، بذلك الإصدار "القداسي" لذات عبرت مطهرها ببسالة نادرة لتقدم لنا معادلاً حياتياً مغايراً، يعيد للرمز المحبط، قوته المبدعة، ويوقفه على قدميه، ليمارس من جديد فعله التغييري، وليبقى الطريق مفتوحاً أمام أكثر من "راء" جديد، يمنح بركته لعالمنا المحكوم باللعنة الأبدية التي تؤكد أن الحياة الذاتية، ما هي إلاّ مزيج من عدة حيوات. وهذا ما يجعل التجربة تنتقل من الخاص إلى العام. إن كتابة السيرة، وإذا ما ارتبطت بهدف ذاتي بحت، وركزت على الحياة بأقيستها الفردية، فإن فعله سيكون محدوداً وضيقاً ويزول بزوال اللحظة.. فنحن "القراء" لا يهمنا أن نعرف إلى أي مدى نجح الفنان أو أخفق في حياته الشخصية، بقدر ما يهمنا وقوفنا المنبهر أمام سطوع الرؤيا وجلال الحكمة، وعمق الفلسفة الكونية التي كثفتها لنا حياة فرد، ذات تكّون يكتسب استثنائية من استثنائية اتحاده الفائق بأسطورة خلق معادلات البقاء والعدم.. لكائن يحتشد بضراوة الظمأ إلى الحياة.

 

2 - تسري رغبة جامحة في أعماقي جائلة لحوحة: " أن أنجز كتاباتي ولوحاتي المتبقية. تنتظر التوقيع. أسمع الآن، صياح الديكة يعكر صفو صمت الفجر، وأنا غارق منغمر في بئر الكتابة ويحرقني شغف متراكم من مواصلة الرغبة حتى النهاية. تتدافع الكلمات والجمل تقودها الأفكار.

تتسابق المعاني، تتراكض الأحداث أمامي، صورة مقلةٍ مطمئنةٍ إثر صورةٍ تختلج كلحاظ العاذلين، تتراكض على مدى الأفكار المسترسلة المترابطة المتلاحقة. طيور من الأشواق على مدى الأفق المستلقي بين ذاكرة مياه الهور والسماء. تتداخل ألوان السماء الزرقاء والرمادية المشرقة بألوان مسطح ماء الهور الشديدة الاخضرار، فتنثر فيها مسراتي وهجاً من الحب، كما تتداخل معاني الكلمات وشحنات الجمل البراقة، وتتابع تكورها على نفسها الى الداخل، شحنة وضاءة إثر أخرى ملهمة، تنبثق انصباباً في رموزها وصياغتها ومضمونها وشكلها وألوانها، فأرسمها بالإلهام. أدونها. احتضنها. فتغزوني وتنفذ الى أعماقي. وأخترق فضاءها فيغمرني أثيرها، لنذوب معاً في مياه الهور المتلألئ ماساتٍ مرتعشةٍ بنور الفجر حتى تلون هالة الشمس المشعة، تيجان أعواد القصب والبردي والجولان والحلفاء، فينبسط أمامي سهل وسيع لا يحد من البهجة. تشع كل قصبة فيه (وجهاً) أحمر وأصفر وابيض، منعكسة على صفاء مرآة النفس والماء، فرأيت ملامحي وصفات الفلاحين المسافرين معي وهيئات أخرى من القرويات والصبايا ترتجف صورهم منكسرة فوق صفحات الأمواج المطوية تتمايل بغنج. نسمات هبت عليها فأخذت معها ومضات الضوء الذي ألقى بحسنه على قامات البردي السامقات الرشيقات المائسات، وأنا أنصت الى هدير مسرتي التي فضحت حتى دموع عينيّ.. وقد اغتسلت بندى الصبح البليل الذي سرت رطوبته فوق ملمسها الرقيق.. فبرقت عرائش البردي فيهما بيضاء باكرها انتثار ضوء الصباح متكورة، تتلظى بشمس عيوني. صفت روحي وراقت أمام قطرات الندى، وهي تهبط متتالية، من غيوم ذاكرتي، تشبه طفولتي التي أتخمها وجع الأحزان.. وكانت معبراً لشفق غروبٍ، حمل رمادها، لتنثره فوق بساتين وأنهر وأسواق وبيوت الأصدقاء في مدينتي الحبيبة "العمارة ".

 أصبحت رغبة الكتابة تسري الآن متأججة في عزلتي، إذ اتخذت منها مرسماً وملجئاً لآلامي، أتوارى في غدران لوحاتي، أبشر بها المنعزلين عن العالم. لم أطق الاستمرار بالعيش خارج بستاني الذي زرعته نخلةً نخلة. وشيدت في روضته مواضع روحي (باريةً فثانية) و"كوسر" قصب مشدود فآخر.. شدّات قصبٍ جمعتها ركائز لسقف (صريفتي.. كوخي.. مرسمي.. رباي).. رغبتي نأت بي عن سائر الخلق. لا أحتمل هذا الأمر: البهتان خارج ذاتي. تتأمل رأسي مرآة فكري ولن أكف عن التأمل والتجوال فوق خرائط الأرض ودروب الفضاء.. أغزل حولي أنسجةً من الخيوط والخطوط والجنان والألوان والحروف. أركّب صيغته فوق اللفظ، أرتب قواعد لغتي وأصوغ سمات لوحتي. أنا الآن دودة قزّ وأميّ يتعلم نطق الحكي ولفظ الصوت المعنيّ من الفكر.. لم أخترع أوهامي.. بل حملت على كتفي ذاك المبدع الذي اجتاز أبعد مدى في منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، فنقش الفن والفكر والعلم تأريخاً مدوّناً على لوح الطين بإشارات ورموز سحرية. ووضعت وإياه لأفكارنا أشكالاً مسمارية ثم صوراً تعبيرية: مبادئ تتحدث عن قضية عن معنى الحرية.. وبذلك كنت أول سومري يصنع له ذاكرة من الطين.

 نشرت أبخرة ملونة من أحلامي المترعة بالأفكار الجديدة بين اليد والفكر والوجدان فعزفت عن ممالئة الآخرين.. وطلقت ما كان يحيط بي من رتابة الحمقى المغمورين المصادرين لرموز الحرية.. كيف أحتمل مثل هذا البهتان، بعد أن ظنوا أنهم يطوحون بصغائر خططهم مهابة الإبداع في سوسن القلب.. ولكنهم لأعجز من أن يتصوروا الصحراء تتسع لمهابة الفوارس. وأن العالم أعمق وأكمل وأنضج إلا بذوي الأناة والصبر والمجالدة، المتطلعين الى الذرى. ولم تكن الحقيقة، حين تطوحت الأفكار من قبل، الى أسفل قاع الكنز والى أعلى ذروة والى منحدر الوادي، قد تهاوت في ظلال المتاهة وضلالها.. أو في متاهة الغابة التي تضج بالكواسر الضواري والأفاعي والهررة والقرود. بل انتصبت الحقيقة كتاباً من ذهب أثيري يخطف الأبصار والأفئدة، فكراً من شمس المعرفة اكتست بنور الحضارات الأولى وأزمانها. وعلى امتداد فضاءاتها النائية، انبثقت خطوط متوهجة من ضوء الفكر الإنساني الخالد. وسكبت التجربة الإبداعية، فوق حقول وادي الرافدين، طلاءً من ألوان المعرفة، للاعتلاء بها والشموخ بأفكارها وصفاء مرآتها، فكانت لوحة الحرية. فمن أية مذلة وقهر وعبودية تحررت ارداتي؟

 تلك هي متعة الفن تفيض على نسيج اللوحة، كما تفيض معاني حروف الكتابة المقدسة، أصفى أنوار الأعماق طهارةً، وأشدها إشراقاً.. فهل تسود رؤى الخارقين من المبدعين، بقاع العالم، وتشع قيمهم السامية في الذروة، بهاء المنفردين المستوحدين؟.

لم يبق رفيق من الزمرة المقدسة التي كانت تطوقني بالحب، وتشعرني بمتعة الحياة.. لم يبق سوى الذي تحول الى طيفٍ أو وهج ذكرى، أو أثير يسبح في فضاء حلم لا ينتهي. بعد استشهاد فريال، لم اعد أرى سوى طيف " مرمح " في عبوره كل ليلة من الليالي القليلة التي تبقت من ذلك الحلم. فكنت أراها غيمة، سنا ضوء، لوناً، قصبة بردي طرية، شفة رجاء، تزهر في المجهول، حكاية الأمل الآتي، القادر على اتساع أحزان ومخاوف البشرية المسرعة نحو حتفها الأكيد. أنا المفعم بالحماسة، انطفأ كورد الجوري بعد مطر ربيعي.. كنا ننتظر هبوب نسائم يتوسدها الفتيان المبدعون، المتسمون بالإقدام، النائمون على أحلام الزمن الآتي مسرعاً، مخضباً بحناء النذر المقدس الملتهب في سماء الرعشة الأولى التي رحلت من أجلها "فريال" الى مجاهل الكون النائية، الى ذروة الرغبة التي يخلقها الإبداع. سعياً الى الحرية التي كان جسدها ثمناً لحياة المقبلين على أرض البرتقال والزيتون والنخيل والرافدين، وكل الذين يجاهدون من أجل حريتهم.. يحفرون سنوات أعمارهم عند تخوم الآمال الرائعة.. وأنا أستذكر تأريخ السفر المسحور، اطمئناناً إلى رثاء ذواتنا، ودفناً لأسرارنا في بئر النفس المؤلمة المنهكة موتاً وحياة، نشوراً وحياة.. فتحت أهداب عينيَّ الثقيلتين، وقد تملكتني رغبة التفرس بظلال الوجوه المعتمة المرسومة على نسيج اللوحات. فلم أرَ إلاّ المرايا معلقةً في الضفة الأخرى من الأنفاق المظلمة في الخيال. كانت فريال تقول: أن خلفها الشمس تسطع منشغلةً بحقيقتها الأولى، وسيتوهج على العالم سنا ضوء السلام، الذي سيولد من "رماد الفجيعة". وفي الطرف الآخر من الشمس، ينشغل بشر في العالم، بنسج أحلامهم المنغمرة بالحب والسلام. جلت ببصري الضعيف الى اليمين، بصعوبة وبوهن الشيخ المتداعي. وكانت يدي ترتعش فوق الورقة التي اكتب عليها هذه الأحزان من وشالة العبرة العتيّة..

 أيها الفنان الجليل، شوكت الربيعي، إن ماسألته من الأسئلة لا يمثل إلا القليل مما أتمنى وما يتمنى غيري بالتأكيد معرفته عنك ومنك، فإن أطلت عليك بأسئلتي فعذري أنك تمثل جيلاً بمعرفتك وفنك وشخصك.

لك مني كل الشكر والتقدير.

 

حرير و ذهب (إنعام الهاشمي)

الولايات المتحدة

 

 

............................

* صدر كتاب (المسجد) عن قسم النشر بالجامعة الأمريكية في القاهرة تحت عنوان:

The Mosque: History، Architectural، Development & Regional Diversity

......................................

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

 ..............................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1700 المصادف: 2011-05-02 04:30:04