تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (11)

s5خاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق2) من اسئلة الشاعر والكاتب: عبد الرزاق الربيعي.

 

س87: عبد الرزاق الربيعي: وماذا بشأن المتميزين من أوائل التشكيليين ومعلمي التربية الفنية؟

ج87: كان أول ما يخطر على البال من تلك الأسماء:

- مديحة عمر: التي ولدت في حلب عام 1916 وأرسلت في أول بعثة عراقية للبنات إلى انكلترا والتحقت بكلية "ماريا غري" لندن، وتخرجت فيها، عام 1933. درست النقد الفني في جامعة جورج واشنطن، امريكا عام 1943. حصلت على شهادة الباكولوريوس في الرسم والنحت من كلية الكوركوران للفنون الجميلة، واشنطن عام 1950. في عام 1949 اقامت اول معرض شخصي في واشنطن تناول معالجات جديدة في تجريد الحروف العربية. اقامت عدة معارض شخصية في الولايات المتحدة الامريكية، وتركيا، والسودان، وبيروت، وبغداد. شاركت في العديد من المعارض الجماعية في اقطار عربية وعالمية. اقيم لها معرضاً شاملاً في قاعة الرواد، بغداد عام 1981. اتسمت اعمالها باستلهام الحروف العربية في معانيها الرمزية وتوظيف الايقاع الجمالي للكتابة. ولدت في حلب عام 1908 وانتسبت إلى دار المعلمات في بيروت، ثم ذهبت إلى استانبول وانتمت إلى المدرسة السلطانية.

- عادت إلى العراق وعينت مديرة لمدرسة تطبيقات دار المعلمات، ثم عينت مديرة لدار المعلمات نفسها بالوكالة.

- عينت مديرة للثانوية المركزية للبنات. ثم رئيسة قسم الرسم والفن في دار المعلمات حتى آذار 1942

- نالت شهادة البكالوريوس في الكور كوران وجامعة جورج واشنطن وشهادة شرف لإنتاجها الفني في عام 1947، وقد اشتركت بمعرض التصوير بالإصباغ المائية الذي أقامه الفنانون المختصون بالتصوير بالالوان المائية في واشنطن. وأقامت 18 معرضا ً شخصيا ً خلال الأعوام من 1950 ـ 1988 في كل من بغداد والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ولبنان والسودان.

 

- أكرم شكري: ولد في بغداد عام 1910. اول مبعوث عراقي لدراسة الرسم خارج القطر حيث درس في انكلترا عام 1931. ساهم في تاسيس جمعية اصدقاء الفن. ساهم في اقامة المعارض العراقية الجماعية خارج القطر في الاربعينات في القاهرة عام 1947، وفي بيروت عام 1948. ساهم في معرض ابن سينا، بغداد عام 1952. اقام معرضاً شخصيا لاعماله في بغداد عام 1956. اقيم معرضا شاملا لاعماله في المتحف الوطني للفن الحديث. تتسم اعماله الاخيرة بتاثيرات الاسلوب التنقيطي الذي يعتمد تكنيكاً متفرداً في استخدام اللون.

- قاسم ناجي: ولد في بغداد عام 1910. ـ درس النحت لمدة عام في اكاديمية برلين عام 1938. ـ درس الرسم في معهد كمبرويل في لندن عام 1939. ـ شارك في معارض جمعية التشكيليين العراقيين. ـ تمتاز اعماله بمعالجة رمزية تزخر بالحركة واللون.

- فائق حسن: ولد في بغداد عام 1914. انهى دراسته الفنية في معهد الفنون الجميلة العليا، البوزار، باريس عام 1938. اسس فرع الرسم في معهد الفنون الجميلة، بغداد عام 1939. اسس جماعة الرواد عام 1950، وجماعة الزاوية عام 1967. شارك في معارض جمعية اصدقاء الفن في الاربعينات. شارك في معرض ابن سينا عام 1952. اقام عدة معارض شخصية. شارك في اغلب المعارض الوطنية داخل القطر وخارجه. اقيم معرضاً شاملاً لاعماله في المتحف الوطني للفن الحديث. يعمل استاذاً للفن في اكاديمية الفنون الجميلة، بغداد. شغل منصب نائب رئيس الرابطة الدولية للفنون التشكيلية. ـ تميزت اعماله بقدرة فنية عالية في رسم الخيول وتصوير البيئة، اضافة الى معالجته للموضوعات الاجتماعية والسياسية.

- حافظ الدروبي: ولد في بغداد عام 1914. شارك في المعرض الصناعي ـ الزراعي عام 1931. انهى دراسته الفنية في كلية كولد سمث، لندن عام 1946. اسس اول مرسم حر في العراق عام 1942. احد اعضاء جمعية اصدقاء الفن وشارك في معارضها. شارك في معرض ابن سينا عام 1952. اسس جماعة الانطباعيين عام 1953. اقام عدة معارض شخصية لاعماله. شارك في اغلب المعارض الوطنية داخل القطر وخارجه. شغل منصب عميد اكاديمية الفنون الجميلة، بغداد. عمل استاذا للرسم في اكاديمية الفنون الجميلة. اقيم معرضا شاملا لاعماله في المتحف الوطني. تنقل في عدة اساليب فنية الا انه امتاز باسلوبه الانطباعي الذي يعتمد البناء الهندسي للون.

- عطا صبري: ولد في كركوك عام 1913. درس الرسم في روما ـ ايطاليا عام 1937 ـ 1940. حصل على شهادة الدبلوم في الفن من جامعة لندن عام 1950.. عضو جمعية اصدقاء الفن وشارك في معارضها. شارك في معرض ابن سينا عام 1952. شغل منصب رئيس قسم الخط والزخرفة في معهد الفنون الجميلة، بغداد عام 1958. شغل منصب مدير مركز الحرف والصناعات الشعبية، وزارة الثقافة والاعلام. اقيم له معرضاً شاملاً لاعماله في المتحف الوطني. اهتم برسم الطبيعة والطقوس الاجتماعية والتي تجلت في رسومه عبر اعياد الطائفة اليزيدية في شمال العراق.

- بهجت عبوش: ولد في تركيا عام 1914. حصل على دبلوم فنون في اكاديمية الملكة، روما عام 1939. دبلوم هندسة الديكور عام 1950. شارك في معرض ابن سينا في بغداد عام 1952. انجز صورة عماد السيد المسيح في سقف كنيسة الارمن، بغداد. اقيم معرضاً شاملاً لاعماله في المتحف الوطني للفن الحديث.

- عيسى حنا، ولد عام 1919. مارس الرسم منذ الدراسة الابتدائية. تخرج في معهد الفنون الجميلة، بغداد عام 1950. اوفد الى امريكا لدراسة وسائل الايضاح التعليمية. اشترك مساءً في معهد الفنون جامعة سيراكوز لمدة عام. من المساهمين بتاسيس جمعية اصدقاء الفن. عضو جماعة الرواد ومشارك في معارضها. يميل في اسلوبه الى تصوير المناظر الطبيعية والوجوه البشرية (البورتريت) وظهر من مربي التربية الفنية والتعليم ورسامي الواقعية الملتزمين بنظرية الفن للمجتمع منهم: - قاسم ناجي - و رشاد حاتم - والنحات خليل الورد.

- صديق احمد: ولد في الموصل عام 1915. تخرج من دار المعلمين الابتدائية عام 1934. تخرج من الكلية العسكرية عام 1939. عضو مؤسس لجماعة فناني كركوك عام 1952 وساهم في جميع معارضها. ساهم في معرض نادي المنصور عام 1952. ساهم في معرض الثورة الشامل عام 1958. عضو في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، وساهم في جميع معارضها السنوية حتى عام 1964. اقيم معرضاً شاملاً لاعماله في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث، بغداد عام 1982. يميل الى الرسم بالالوان المائية وله طريقة خاصة في استخدامها ومعالجة موضوعاته التي يستمدها من مشاهداته للبيئة والمجتمع.

- جواد سليم: ولد في انقرة عام 1921 وتوفي عام 1961. درس الفن في باريس، وروما، ولندن. راس قسم النحت في معهد الفنون الجميلة، بغداد منذ تاسيسه عام 1940. اسس جماعة بغداد للفن الحديث. حقق نصب الحرية القائم في ساحة التحرير، بغداد. اقيم معرض شامل لاعماله في المتحف الوطني للفن الحديث. استلهم في اعماله الموروث الحضاري والابداعي للتاريخ العربي والاسلامي برؤية معاصرة ويعد من اهم المجددين في الفن العراقي المعاصر حيث اثرت اراؤه اليسارية النظرية واعماله التشكيلية على جيل كامل من الفنانين.

- فرج عبو: ولد عام 1921 - توفي عام 1984. وفي العام 1950- تخرج في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة

-1954تخرج في أكاديمية الفنون الجميلة بروما. -1941/ أقام معرضه الشخصي الأول / الموصل.

-1950أقام معرضه الشخصي الثاني / القاهرة. 1954/ أقام معرضه الشخصي الثالث والرابع والخامس / عضو مؤسس في بغداد للفن الحديث. 1956-عضو مؤسس في جمعية الفنانين العراقيين.واستمر على الاشتراك في معارضها السنوية.1941 / انتمى إلى جمعية أصدقاء الفن. ساهم في المعارض الوطنية التي أقيمت خارج العراق. عضو نقابة الفنانين العراقيين. و تتسم أعماله بالتجريدية الهندسية التي تستمد جذورها من الفن الاسلامي.

- اسماعيل الشيخلي: ولد في بغداد عام 1924. تخرج في معهد الفنون الجميلة، بغداد 1945. أنهى دراسته الفنية في معهد الفنون الجميلة العليا (البوزار)، باريس عام 1951. شارك في معرض جمعية اصدقاء الفن عام 1946. عضو مؤسس لجماعة الرواد. أحد المؤسسين لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين عام 1956. شارك في اغلب المعارض الوطنية داخل القطر وخارجه. شغل منصب مدير عام دائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة والاعلام. تمتاز اعماله ببساطة في التكوين وشفافية في اللون تعتمد التناغم والاختزال في السطح التصويري.

- جميل حمودي: ولد في بغداد عام 1924. حصل على دبلوم معهد الفنون الجميلة، بغداد. تابع دراسته الفنية في باريس. شارك في معارض جمعية اصدقاء الفن. شارك في اغلب المعارض الوطنية داخل القطر وخارجه. شارك في معرض البعد الواحد. اصدر في بغداد مجلة الفكر الحديث عام 1945، وكذلك رسائل (ستوديو) الفنية. اقام معرضاً للرسم والنحت في باريس عام 1950. صالون (الحقائق الجديدة) عام 1949 باريس. اصدر مجلة فنية ثقافية باسم (عشتار) في باريس. يشغل الحرف العربي هماً في اعماله التجريدية.

 - محمود صبري: ولد في بغداد عام 1927. اكمل دراسته في بغداد وحصل على دبلوم في العلوم الاجتماعية من انكلترا عام 1949. درس الفن بشكل ذاتي. شارك في معارض جماعة الرواد حتى عام 1962. اقام معرضا شخصيا لاعماله في براغ عام 1971.عضو في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين.

 - خالد الرحال: ولد في بغداد عام 1928. حصل على ماستر من اكاديمية الفنون، روما. اقام معارض شخصية في دول اوربية. حصل على عدة جوائز منها (ترولي دي اورة) جائزة الدولة الايطالية. عضو جماعة بغداد للفن الحديث. من اهم اعماله النحتية نصب الجندي المجهول. شغل منصب مدير الفنون التشكيلية في امانة بغداد. اهتم بتصوير الحياة الشعبية البغدادية في الرسم والنحت مستفيدا من اسلوب النحت العراقي القديم برؤية فنية معاصرة.

- كاظم حيدر: ولد في بغداد 1932، ونال دبلوم رسم من معهد الفنون الجميلة عام 1957، وحصل على الليسانس في الادب من دار المعلمين العالية ودرس الليثوغراف والديكور المسرحي في الكلية المركزية للفنون بلندن وتخرج عام 1962. اقام معرضين شخصيين في بغداد عام 1965 و 1966 كما عرض في بيروت عام 1965 وساهم في تأسيس جماعة الاكاديميين التي اقامت معرضها الاول عام 1971، كما انتمى الى جماعة الرواد، وشارك في اكثر المعارض المشتركة التى اقيمت في جمعية الفنانين. شغل منصب رئيس قسم التصميم في اكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد وقد انتخب رئيساً للاتحاد العام للتشكيليين العرب في مؤتمر الاتحاد العام الذي اقيم في الجزائر عام 1975وتفرغ للفن حتى مرضه وسفره الى لندن للعلاج وهناك أقام معرضا جديدا عن مرضه. ومات عام 1984.

 

س88: عبد الرزاق الربيعي: ماهي جهود المؤسسين للحركة الفنية في العراق، وعلى أي ركيزة أشادت معمارها التربوي والفني؟

ج88:تركزت جهود آباء الرسم العراقي على ثلاثة أمور جاءت استجابة لمتطلبات وحاجات واقعية قائمة على:

أولا: إرساء قاعدة الانطلاق لحركة التشكيل العراقي ثانيا- تأصيل التشكيل كخطاب جمالي بصري في الثقافة والابداع... ثالثا- السعي الى بلورة رؤية خاصة تقوم على استلهام الارث الفني الرافديني المتمثل بما انتجته اقدم الحضارات الانسانية، وما قدمته تجارب الواسطي كاحد ابرز مبدعي رسوم المصغرات، والانفتاح على روح العصر. واقرب المؤثرات الثقافية على نهضة الفن في العراق، تمثلت بالتأثيرات التركية والبولندية. اذ انتقلت التأثيرات التركية عن طريق رسامين هواة، تعلموا الرسم في المدارس العسكرية العثمانية، وكان عبد القادر الرسام قد ترك عددا من اللوحات الفنية التي صور فيها الطبيعة البغدادية الساحرة ومراكب وأكلاك في نهر دجلة. كما رسم عدة مشاهد من بساتين بغداد والريف البغدادي.

وكان الرعيل الاول يضم كل من: (عثمان بك وناطق مروة وشوكت الخفاف ومحمد صالح زكي وحسن سامي واكرم القيمقجي وناصر عوني والحاج محمد سليم علي (والد الفنان جواد سليم) والفنان عاصم حافظ، وآخرين). (لم يتم التوثيق لنتاجاتهم الفنية)، و (وكانت مواضيعهم تعتمد على تصوير الطبيعة والمشاهد اليومية باسلوب تقليدي او طبيعي ليس له وضوح في الاسلوب أو سمة في صياغية الشكل). وقد بدأت عملية تأسيس حركة الفن التشكيلي العراقي الحديث على وجه التحديد، في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، حيث تولت وزارة المعارف آنذاك ارسال البعثات الفنية للدراسة خارج العراق، حيث تم ارسال الفنان اكرم شكري عام 1930 كأول مبعوث عراقي لدراسة الرسم في بريطانيا، والفنان فائق حسن لدراسة فن الرسم في مدرسة البوزار في باريس، وكذلك الفنان عطا صبري، والفنان حافظ الدروبي، وجواد سليم، وبعد عودة هؤلاء الى بغداد، قبل الحرب العالمية الثانية وما بعدها مباشرة، تم انطلاق ما يمكن تسميته ببداية عملية التأسيس لحركة فنية تشكيلية في العراق، واطلق عليها " حركة الرواد" من الرعيل الاول والثاني، باعتبار هم (جيل البحث والتطلع والتنوير).

وسبق وأن أشترك عدد محدود جدا في بغداد ضمن المعرض التجاري العالمي للصناعة والزراعة. وفي عام 1935 صدر اول كتاب يحمل عنوان (قواعد الرسم على الطبيعة) للفنان المؤسس عاصم حافظ.، وبعد ذلك بعام واحـــــــــد اقام الفنان حافظ الدروبي اول معرض شخصي في بغداد، وفي عام 1938 عاد الفنان فائق حسن من باريس، وفي (عام 1939 سافر الفنان جواد سليم ببعثة رسمية لدراسة الفن الى باريس، وفي نفس السنة افتتح فيها فرع للرسم في معهد الفنون الجميلة وتلاه فتح فرع للنحت، وتشكلت جمعية " اصدقاء الفن" عام 1940 من بعض هواة الفن وانضم اليها المهتمون بالثقافة الفنية، واستمرت في نشاطاتها السنوية لغاية 1947) كما أصدر الفنان جميل حمودي مجلة (الفكر الحديث) بين عامي 1945- 1947 وهي اول مجلة تعنى بالفن الحديث والثقافة المعاصرة وكان صدورها يشير الى بدايات النقد الفني على بساطته).

 

أما التأثير الثاني المحدود في نشوء حركة فنية عراقية حديثة، فقد جاء عن طريق (الاتصال المباشر بعدد من الفنانين البولونيين والانكليز الذين كانوا مجندين، رافقوا جيوشهم العسكرية عند دخولها العراق اثناء الحرب العالمية الثانية عام 1942، ليعكسوا تأثيراتهم بأساليبهم ورؤيتهم الجديدة للعمل الفني، مما عجل بابتعاد الفنانين العراقيين الشباب عن الاساليب التقليدية القديمة.)

 

س89: عبد الرزاق الربيعي: لابد والحالة هذه أن يواجه الرعيل الرائد من دارسي الفن في اوربا معضلات صعبة. فما هي تلك الصعوبات والمعضلات والمشاكل؟

ج89: كان الجواب الذي وجده الأوائل من الرسامين، هو تساؤلهم: كيف نجد سبيلنا الذي يضمن المحافظة على التوازن من التراث والمعاصرة؟ وهما قيمتان غير جماليتين، وازاء هذا الطرح تشكلت فاصلة نوعية في تاريخ الفن العراقي الحديث من خلال جهودهم الحثيثة للبحث عن هوية عراقية للمشهد الفني رسما ونحتا، اذ كان هاجسهم الاساسي هو المشاركة في تأسيس مشهد حضاري متكامل اسوة بزملائهم من الفنانين المصريين واللبنانيين وغيرهم. ،ويقول جبرا ابراهيم جبرا(لقد كانت فترة الاربعينات فترة الاكتشاف، والدهشة، والتوقع. فقد بدأت الاربعينات بهجرة بعض الفنانين البولونيين الى بغداد بسبب الحرب، فتعرف اليهم جواد سليم وفائق حسن وعطا صبري وغيرهم. واول ما فعل البولونيون هو ان نبهوا هؤلاء الرسامين الشباب الى قيمة اللون وامكاناته الهائلة. وكان ذلك للرسامين البغداديين بين الشباب كشفا عن عالم جديد). ويذكر في هذا الصدد بان لقاءات مستمرة ومتواصلة كانت تتم بين الفنانين العراقيين آنذاك من أجل التباحث لايجاد صيغ واساليب وتقنيات فنية تستلهم اجواء البلاد بخصائصها الطبيعية والاجتماعية، وتصوير حياة الناس باشكال جديدة، وان يكون النتاج الفني استمرارا للتقاليد الفكرية والجمالية في بلد تعاقبت فيه الحضارات.

 

في عام 1941 أقامت جمعية (اصدقاء الفن) أول معرض لها شارك فيه عدد من الفنانين الشباب الهواة، وكانت آمالهم المعروضة تمثل خليطا من الاتجاهات والاساليب الفنية التي حاولت محاكاة الواقع. سنة 1950 اطلق الفنان فائق حسن مع مجموعة من زملائه جماعة (الرواد)، واطلق الفنان جواد سليم جماعة (الفن المعاصر(، وفي عام 1956 تشكلت (جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين)، ومن ثم بدأت بعد ذلك التاريخ تتوسع دائرة تأسيس الجماعات الفنية.

 

س90: عبد الرزاق الربيعي: كانت مرحلة صعبة، رافقها تشكيل التجمعات الفنية وجمعية الفنانين العراقيين. ولكن ظل الهّم التشكيلي، والبحث عن قيمة فنية متميزة وهوية واضحة للفن العراقي بين فنون العالم المتقدم.هو الهاجس الأصعب والأهم في مواجهة التحديات الإسلوبية والصياغات الشكلية للأعمال الفنية؟

ج90: البحث عن الشخصية الوطنية لتجاربهم الفنية وبأشكال انسانية عالمية اللغة والمبتغى والهدف. كان ذالك الأمر الجوهري، لدى هؤلاء المؤسسين الرواد، هو الشاغل المشترك. فنحن نرى ان جواد سليم اهتم بـ (شخصية البغدادي) في اطار رسوم الواسطي، واهتم فائق حسن (1914 – 1991)، في شخوص الريف العراقي والبدو من رجال الصحراء، بتقنيات قريبة جدا من معالجات الفنان الأمريكي الأصل – (جون سنجر سارجنت) المولود في فلورنسا(1891 – 1925) لأبوين أمريكيين- وبمعالجات اللون والضوء في الانطباعية الفرنسية، أما حافظ الدروبي (1914 - 1992، فكانت المدينة هي محور اعماله التي تأثرت بالفنان الايطالي دلوني التعبيرية، ومحمود صبري اتخذ من بيكاسو وأونريه دومييه وسطوح المنحوتات الاشورية موضوعا للتعبير عن الفن الملتزم، في حين انغمر شاكر حسن آل سعيد (1928 – 2003) في نهاية الستينات في البحث عن مفاهيمه الخاصة باستلهام أشكال وحركات الحروف العربية وقيمة الحرف العربي.جماليا وتوظيفه لمعمار الشكل الفني العام.

 

-كما تحدثت سابقا:(كان الفن التشكيلي في العراق منذ نشأته بحاجة الى وضوح الرؤية والموقف وكانت سماته انتقائية ومحاولاته تجريبية تدخل ضمن نطاق الهواية وحسب لهذا سعى المثقفون من الفنانين الى تلافي مثل هذه الهوة السحيقة في تجاربهم لاحقا). وحقا نمت الحركة التشكيلية في العراق بسرعة، فبعد عقدين من الزمن، أصبحت ذات شخصية متميزة عن مثيلاتها العربيات، بتعدد أوجهها وأساليبها واهدافها وتنوع مدارسها ومضامينها، واصبحت اكثر فتوة وجرأة وقوة تعبير، فازداد عدد الرسامين، محترفين وهواة، وجعلت معارضهم تدل على تكتلات وتجمعات تتفاوت باساليبها الفنية، ولكنها تتسابق في وفرة الانتاج وتحسينه. فظهرت جماعة الرواد واعقبتها جماعة بغداد للفن الحديث، ومن ثم جماعة الانطباعيين، الا ان أي من الفنانين المنتمين الى هذه الجماعات لم يتقيد بالغرض العام الذي حددته جماعته، لان الهدف كان يتمثل في استمراية الانتاج وتبدل التجــــربة. واذا حولنا نظرنا الى خارج هذه الجماعات فسوف نجد حركة فنية متنامية هي الاخرى، وكأن الفن يسري في حياة الثقافة العراقية كما يسري الدم في الجسد.)

 ان الشعوب تتعارف وتتلاقى، تتبادل الخبرة والتجربة، وتتبادل المفاهيم الجديدة المتقدمة في الفنون، ولكن الفن الذي يبقى لكل شعب هو في آخر الامر فنه. الفن النابع من تربته. وهكذا فان المدرسة البغدادية للفنون منذ ايام الواسطي عادت تنفض أتربة الزمن العالقة بتاريخها، لتتجدد باساليبها وخبراتها ووظائفها وتخلق تعويضا لانعدام التوازن الذي سحبته تلك الحقب التاريخية المظلمة والتي امتدت الى مئات من السنين الثقال.

يقول الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد(تبلورت الاجواء، ونضجت مسؤولية التعبير بالرسم على غرار ما كان يحدث بالشعر العربي الحديث، ماحدث للشعر سنجده يحدث للفن مع جماعة بغداد للفن الحديث، بعد ان نضجت فكرة تأسيسها بين عام 1950- 1951. كنا نريد ان نوضح للفنان العراقي، ولانفسنا كجماعة فنية خاصة، بان استلهامنا للتراث في الفن هو المنطلق الاساسي للوصول باساليب حديثة الى الرؤية الحضارية)(16). وقد اصدرت جماعة بغداد للفن الحديث بيانا فنيا، تشرح أحد نصوصه مبررات انطلاق الجماعة على النحو التالي: (تتألف، جماعة بغداد للفن الحديث، من رسامين ونحاتين، لكل اسلوبه المعين، ولكنهم يتفقون في استلهام الجو العراقي لتنمية هذا الاسلوب. فهم يريدون تصوير حياة الناس في شكل جديد، يحدده ادراكهم وملاحظاتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات كثيرة واندثرت ثم ازدهرت من جديد. انهم لايغفلون عن ارتباطهم الفكري والاسلوبي بالتطور الفني السائد في العالم، ولكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعا خاصا وشخصية متميز).

 

فالفنان بموجب هذا البيان، مهما يكن اسلوبه، يتوخى أولا، استلهام الاوضاع البيئية والاجتماعية التي يعيشها الفرد، كما يتوخى ايضا، تصوير حياة الناس وتطلعاتهم وآمالهم وعلاقاتهم ببعضهم. وعلى الفنان حسب هذا الطرح، ان تكون ابتكاراته وابداعاته في العمل الفني، استمرارا للتقاليد الفكرية والجمالية في بلد تعاقبت فيه أولى الحضارات التي عرفتها الانسانية، لذا يتوجب على الفنان ان يمد جذوره في تربته وتاريخه وتراثه، وبالمقابل فان الفنان لايمكنه والحال هذه ان يكون بعيدا عن ما تقدمه البشرية من ثراء فكري ومعرفي وثقافي وفني.) ومن هنا جاءت أهمية أعمال الفنانين العراقيين الرواد وطروحاتهم في الرسم والنحت، فظهور الرعيل الثاني،من هؤلاء هيأ وثبة للفن العراقي في الاتجاهات السليمة، فمن الناحية الاولى، قدموا قيمة مطلقة تشير الى ذهنيات متفتحة وخيال فذ، ومن ناحية اخرى، فان قيمة اعمالهم متعددة الاوجه تتصل بتراث الفن العراقي القديم، وتعكس طموحات طبقات وفئات تريد الاستفاقة لاجل تحقيق الذات، وتوطيد قدمها في عالم معاصر متغير، وابرز مثال يقف امامنا هو الفنان الخالد جواد سليم باعماله التصويرية وعمله النحتي في نصب الحرية ببغداد، فهو(يمثل فكرا خلاقا لازمة الاسلوب التي عاناها الفنان في محاولته تحديد السمات لفن عراقي عربي، يكون في الوقت نفسه مساهمة جادة في حضارة هذا العصر. واذا اضفنا الى هذا النحت رسوم جواد في السنين العشرين الاخيرة من حياته، التي كانت الوجه التخطيطي لمحاولته الاسلوبية الدائبة، وجدنا شدة الوعي لديه).

 أما القطب الآخر للحركة الفنية في العراق، فهو الفنان فائق حسن، الذي اشتهر بتقنيته الفنية البارعة، وادراكه الحرفي بصنعة الرسم والالوان، كان له (الأاثر التربوي الفاعل في التوجيه، يتكامل مع اثر جواد سليم، ولاسيما حين نذكر ان كليهما كان استاذا للفن في معهد الفنون الجميلة، مما يجعل اتصاله بالطلبة مباشرا، ويضفي على العلاقة الذهنية والروحية بينه وبين الفنانين الشباب صفة القضية الحية المتنامية).

ظهرت في الحياة الثقافية العراقية جمعية الفنانين العراقيين، عام 1956 لتكون بؤرة جديدة متوقدة وحيوية في استقطاب المعارض الفنية التي جمعت هواة الفن واساتذته ومحترفيه، ولتخلق موعدا يجمع المثقفين والمهتمين بامور الفن من خلال معارضها وندواتها وفعالياتها، وليكون عقد الخمسينات عقدا نهضويا خلاقا، حيث تأسست " جماعة بغداد للفن الحديث" 1953، واكتملت معالم المسيرة في حركة عارمة في الادب والفن والشعر والقصة والمسرح والموسيقا وعلم الاجتماع والتاريخ. وكانت حركة التنوير على يد الشاعرين الزهاوي والرصافي، وتثوير القضية العراقية وطنيا وديقراطيا على يد مجموعة من المفكرين والسياسيين لتخلق نهوضا متنوعا ومناخا سياسيا وطنيا عارما ومحتدما في الحياة الاجتماعية والسياسية العراقية، لتنعكس هذه الامور على مسيرة الفن التشكيلي ولتكون بمثابة حاضنة لهذه المسيرة الجديدة، مكنت جيل الرواد الثاني من الاندفاع نحو التجديد والابتكار مع تعزيز الشعور الوطني في الخطاب الفني).

 كان من الواجب ان تتطور هذه الحركة الثقافية الفنية ذات الخطاب الوطني والحماسة التقنية في حفر أثرها بالنص المقروء بصريا- سمعيا – تشكيليا فأنبثقت واقعية جديدة في فن الرسم من خلال البحث الدؤب لمجموعة من الفنانين الذين سعوا الى تأسيس مدرسة عراقية معاصرة في الفن،تكون قادرة على خلق علاقة اشد عمقا بين الفنان والمثقف ومجتمعه لتشبع مجموعة واسعة ومتنوعة من حاجات الانسان العراقي.

وهكذا استجاب الناس للحركة الفنية الفتية بحرارة كبيرة، وتعاظم اهتمامهم بها، واشتد النقاش حول نظريات الفن المختلفة التي دخلت مع دخول الفنانين البولونديين في بداية الاربعينات وبقائهم نحو ثلاث سنوات: (1940-1942-1943). يلتقون بالفنانين العراقيين في المقهى البرازيلية، التي شهدت بدايات تعارف ولقاءات. وفي شارع الرشيد ايضا كان هناك المطعم البولندي الذي كان بمثابة " كاليري فني" حيث زينت جدرانه بعدد من اللوحات والملصقات الفنية. ومن بين هذه الملصقات كان هناك ملصق دعائي، احتل واجهة المطعم وكان من رسم الفنان جواد سليم).

وهناك عوامل ربما أدت الى تنشيط الحركة الفنية، منها عودة الوافدين الفنانين من الخارج، وانتشار ظاهرة دخول الكتب والمجلات والصحف الاجنبية والمطبوعات الفنية التي بدأت تتدفق الى اسواق ومكتبات العراق، وهي تكتب وتحمل صور المعارض والتقنيات والاساليب والمدارس والمعارض الفنية، والبيانات الفنية التي تصدرها الجماعات الفنية في اوربا وبالذات في باريس وروما. (وفي عام 1942 افتتح الفنان حافظ الدربوبي مرسما حرا كان من المقرر له ان يكون نواة لمشغل فني كبير). وفي الستينات من القرن الماضي تأسست اكاديمية الفنون الجميلة لتلتحق بجامعة بغداد.).

وهكذا تستمر الرؤية الفنية الجديدة وتتنوع، مؤكدة على ديمومة وازدهار وحيوية الفن العراقي، وهو ينمو يوما بعد آخر في حيوية واتساع متواصلين، من خلال عدد كبير من الاسماء الفنية الريادية التي انتجت لنا مجموعة كبيرة ومهمة من التجمعات الفنية التي ظهرت في العقد الستيني من القرن الماضي"امثال: جماعة الرواد، جماعة بغداد للفن الحديث، جماعة الجنوب للفنون التشكيلية في ميسان 1964، وجماعة المجددين، جماعة المعاصرين، جماعة آدم وحواء، جماعة الاكاديميين، جماعة المدرسة العراقية الحديثة، جماعة 14 تموز، جماعة الزاوية، جماعة البداية، جماعة الحدث القائم، جماعة تموز، جماعة البصرة، جماعة الفن المعاصر... الخ"، وتضاعفت التجمعات الفنية في العقود اللاحقة، وتضاعف معها الفعل الفني الذي شخص بشكل جلي اتساع البحث الاجرائي وثوريته، مما اثر بالتالي على ثراء النتاج الفني عامة.

وقد ساهم العديد من الرواد بخلق مرحلة تحول دقيق في استلهام قضايا الظروف الاجتماعية والسياسية والبئية العراقية، وعكسوا عن قدرة الفنان الجوهرية في استيعاب التقنية والاستعارة والصياغة، تلك الروافد التي اغنت كثيرا ايقاعات اللوحة ومواضيعها. فهم ساهموا بترسيخ القيم الانسانية للحركة التشكيلية العراقية، امثال أكرم شكري وعطا صبري ومديحة عمر وعيسى حنا و وفائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي و وخالد الجادر وشاكر حسن آل سعيد وخالد الرحال وهاشم الخطاط وجميل حمودي ومحمد الحسني وكاظم حيدر ومحمود صبري ورسول علوان وفرج عبو ومحمد غني حكمت وعبد الرحمن الكيلاني واسماعيل فتاح ونوري الرواي وطارق مظلوم ونزار سليم ونزيهة سليم ونجيب يونس وغالب ناهي وغازي السعودي ومبران السعدي وخليل الورد و صالح القره غولي وعبد الجبار البنا غيرهم من الاسماء التي استطاعت ان تخطو بثقة باتجاه تأصيل التجربة الفنية وايجاد علاقات جديدة بين المتلقين والفنانين، فضلا عن الهدف الاساس بخلق رؤية جمالية وابداعية، الى جانب تأصيل قواعد عمل الفنان المهنية وحرفياته فقد إزدهرت في أوربا، على سبيل المثال لا الحصر في العقود الاخيرة، مدرسة فنية سُميت بواقعية التصوير الفوتوجرافية تعنى بالرسم بطريقة واقعية تبالغ بالاهتمام بكل التفاصيل الصغيرة إعتمادا على الفوتوغراف.

على أنه ينبغي الانتباه الى اننا نأخذ مصطلح الواقعية بمعناه الواسع، ونعني بها جميع اشكال التعبير التي تنطوي على تأويل الواقع دون المبالغة في القطيعة عنه بإعتبارة مصدراً للآبداع، وبالرغم من إن الفن، في نهاية التحليل وبغض النظر عن مدارسه، يستمد تكوينه والوانه من الواقع الذي أعيدت صياغتة عبر رؤية فردية وذاتية إبداعية، الا أن درجة التغريب عن هذا المصدر، تتفاوت وتبلغ ذروتها فيما أصطلح على تسميته بالحداثة وما بعد الحداثة، وعليه سوف يُصار، في هذا السياق الى إدراج الرومانسية والانطباعية والواقعية الفرنسية وممثليها الكبار من مدرسة الباربيزون وكذلك بالطبع واقعية (كوربيه) وكذلك الواقعية الفوتوغرافية المشار اليها أعلاه ومدارس أخرى ضمن مصطلح الواقعية، ليس لان هذه البحث مَعني بدراسة هذه المدارس وأنما لأسباب تتعلق بالمعيار والمنهج وبقدر تعلق الامر بالفن التشكيلي العراقي، ومن هنا تنشأ ملاحظة ضرورية تتعلق بتسميات المدارس الفنية تجعلنا نشير الى أن الحدود بين المدارس الفينة، كما هي عليه الحال في كافة التصنيفات في المجالات الابداعية والمعرفية، هي حدود إفتراضية وقابلة للحركة ومتداخلة فيما بينها، كما ان الفنان هو في الغالب غير معني بها، وأنها تنشأ في أعقاب عملية الخلق والابداع والانجاز وليس قبلها.

وإن من المناسب التنويه الى ان الواقعية هي على خلاف جميع المدارس الفنية، وأضافة الى السمات الاخرى، غير قابلة للاستنفاذ. كما إن إطارها واسع بحيث يتسع الى تلاوين مختلفة ولذا فإن بالامكان دائما وحتى في الوقت الحاضر تأسيس واقعية ذات أصالة. كان من أوائل رواد الواقعية في الفن التشكيلي العراقي الفنان عبد القادر رسّام ولقد ترك هذا الفنان مجموعة من اللوحات التي تمثل مشاهد طبيعية لمناطق مختلفة من أطراف بغداد ومناطق أخرى، ولوحاته تمثل مشاهد طبيعية مرسومة بطريقة فطرية تأسست على التجربة الشخصية وعدم المواكبة أو الاطلاع الكافي على التجربة العالمية المعاصرة في تلك الفترة من أوائل القرن العشرين التي كانت أوربا فيها تقود ثورة غير مسبوقة في الفن التشكيلي، وتبعاً لهذا بقي فن عبد القادر رسام خالياً من أية هموم تتعلق بالاسلوب او التحديث.

وبالرغم من أوربا شهدت في وقت أبكر قليلا بروز فطرية (هنري روسو) الذي أعيد تقييم أعماله كواحد من رموز الفن التشكيلي الذين لعبوا دوراً كب يراً في التحديث اللاحق الذي شهده القرن العشرين، الا أن إختلاط هذا الفنان ومعرفته الوثيقة بأعلام الفن التشكيلى الذين عاصروه أمثال فان كوخ وسيزان ترجّح إختياره الواعي للمدرسة الفطرية على خلاف ما ذهب اليه الكث ير من النقاد ومؤرخو الفن.

تلعب العزلة والبساطة دوراً مشابها لدور الافراط في الاستقلالية over independence)، في تأسيس فن فريد، فالفنان يتعرض دائما لضغوطات الجمهور والنقاد ووسائل الاعلام، يصعب عليه في الغالب أن يقوم بإختيار تلقائي قائم على طبيعة تكوينه وإحاسيسه حيث يعاني الفنانين ضغوط تدخلات شتى، ليس أقلها النقد، تلعب دورا مباشرا وغير مباشر في سلبه حريته وتلقائيته...وليس من الصحيح القول بأن الوعي والثقافة يلعبان دائما دوراً إيجابياً في تطور الفنان ففي أحوال كثيرة كانت بساطة الوعي وعدم تعقيداته قد دفعت الفنان الى شحذ أحاسيسه وحدسه كما أنها من جهة أخرى جعلته في منجى من التشوش القائم على المبالغة في الاطلاع، إن هذه المقدمة تنطبق، الى حد ما، على الفنان فائق حسن الذي حقق موقعه في الحركة التشكيلية العراقية، كمؤسس، ورافد، من أبرز أعلامها، من خلال أسلوب واقعي متفرد، وليس من خلال أعماله التجريبية الحداثية المبتورة، وكانت المرحلة المتأخرة من تطوره الفني في السبعينات والثمانينات تتجلى في خصائص إسلوبه على وجه التحديد، لقد أنجز الفنان فائق حسن أعماله المتأخرة، وخصوصاً أعماله الكبيرة، والتي تناولت في الغالب مواضيع الحياة اليومية البغدادية والحياة الشعبية، والخيول العربية، ولوحات تمثل البدو المقيمين في غرب العراق، بنسيج تكنيكي موحد فهو ينجز أعماله وينهيها بعمل الفرشاة الكبيرة، مع إبراز جميع أجزاء اللوحة الصغيرة والكبيرة البعيدة والقريبة بحرية وجرأة وبطريقة تعكس مهارته الاسلوبية و تفهمه لخصائص مادة الزيت،، كما ان الفنان فائق حسن يعتبر بدون شك واحداً من أبرزالملونين.

والفنان فائق حسن، مثله مثل الواقعيين الكبار، قد تفهم بحدسه روح المجتمع الذي عاش فيه وجوهره في الحقبة التي عاصرها ولذلك لم تكن واقعيته تسجيلية وأنما واقعية حميمية تغوص بعمق في جوهر العلاقات الاجتماعية السائدة، مما جعل لوحاته نابضة بالحياة وإمتاز أسلوبه بالتبسيط والاختزال كما إنه وظّف المساحات الكب ير دون أن يركز على التفاصيل معطيا العمل الزيتي كثافته بواسطة سحبات عريضة واثقة من فرشاته وبالرغم من خلو المساحات الواسعة في أعماله من التفاصيل كما ذكرنا،الاأنها لعبت دوراً في تعزيز التركيز على مركز اللوحة مثلما تلعب الروافد دورها في تعزيزالتيار الرئيسي للمجرى. هذا الاسلوب القائم على التجريب والمعاناة لحقبة غير قصيرة من الحياة الفنية لهذا الفنان البارز توارثه اكثر من جيل من الرسامين العراقيين الذين تتلمذوا على يده، وإذا كان فائق حسن قد أسس بهذا الاسلوب مدرسة خاصة مميزة، فإنه من جهة أخرى ربّى جيلاً من المبدعين الذين لم يستطيعوا التخلص من أسار إسلوبه، كماغرس في النفوس أيضا ذائقةً خاصة بين أوساط متذوقي الفن، لعبت فيما بعد دوراً محافظاً.

l15

في الفترة الاخيرة التي سبقت وفاته وفي السنوات اللاحقة كانت لوحات هذا الفنان موضع إقبال المقتنين، وبلغت لوحاته أسعارا غير مسبوقة، وقد أصدرت الدولة قانونا يمنع فيه إخراج أعمال الفنانين الرواد المتوفين وفي مقدمتهم الفنان فائق حسن ولكن أعماله هُرّبت على نطاق واسع ومن قبل نفس الاطراف المسؤولة عن تنفيذ هذا القانون كما جرى تقليد لوحاته وتزويرها بتنفيذ دقيق، وتخصص في ذلك بعض الرسامين المهرة. لن أستفيض في الحديث عن ممثلي الواقعية الذين عاصروا فائق حسن وكانوا من جيله، لسببين الاول إن الموضوع الذي نحن بصدده هو فن ينتمي الى نتاج فناني عقدي الثمانينات والتسعينات، وعليه سوف نتناول فقط الواقعيين الذين أستمروا في العطاء في هذين العقدين الا بقدر متطلبات الربط والاستطراد والثاني هو أن بعض الفنانين الذين عاصروا فائق حسن لم يقدموا الكثير. يُصنّف حافظ الدروبي خطأً ضمن الانطباعيين ربما بسبب كثرة تناوله موضوع الطبيعة كما إن تحر ير ضربة فرشاته لاتكفي لتصنيفه ضمن الانطباعيين فهذا التطور في الفن التشكيلي أي تحر ير ضربة الفرشاة وجعلها مستقلة، قد سبق الانطباعية كما أن رسم الطبيعة تم بأساليب ومدارس مختلفة، وليس حصراً بالمدرسة الانطباعية.

لم تكن الطبيعة هي الموضوع الوحيد الذي شغل إهتمام الدروبي وإنما كذلك الحياة اليومية للناس مثل الاسواق والازقة البغدادية وهو مثله مثل أغلب الفنانين الواقعيين قد رسم البورتريهات وهناك مثال جيد لمهارته هذه في البورتريه الذي رسمه للفنانه حياة جميل حافظ. وقد جرب الدروبي اسلوبا آخر قائم على شكل من اشكال (التكعبية) واذا اردنا الدقة فان هذه المدرسة التي تتعامل مع البعد الثالث من وجهة نظر الخروج عن المنظور التقليدي او من باب أولى ادخال تعديلات عليه، تلغي بموجبه التدرج في التعامل الوجود الخارجي في تجسيم الاشياء كما هي عليه في الواقع، وتُحلّ محلها شكلا موشوريا متدرج الابعاد، أو شكلا ماسيا (تبعا لشكل الماسة) وهي من حيث المبدأ تتفق مع المبادئ العامة للتكعيبية التي طوّرها بيكاسو وبراك في أوائل القرن الماضي ولكنها لم تذهب بعيدا بالقدر الذي ذهبا الية. في المعرض الاخير الذي أقامه الدروبي على قاعة الاورفلي في الثمانينات كانت هناك ملامح واضحة لتبدل إمكانياته الفنية حيث فبهت لونه المتألق سابقا، بريقه ربما بسبب تدهور صحته وتقدمه بالعمر، على خلاف الفنان فائق حسن الذي بقي محافظاً على قوة فنه حتى في السنوات التي سبقت وفاته.

     

س91: عبد الرزاق الربيعي: سؤال يبدو كمداخلة عن جماعة بغداد للفن المعاصر وعن لوحات الكثير من الرسامين التي تحتفي ببغداد التاريخية وعن حضورها الثقافي والفني وبملتقياتها العلمية وبمرابدها الشعرية وتجمعاتها الأدبية. والكل يلهج باسمها بغداد.

ج91: مداخلة جميلة تستحق منا وقفة نتبارك بها بجمالية بغداد في التاريخ وفي قلوب وعقول العراقيين والعرب والمسلمين كافة.

- أجل. لماذا جماعة بغداد للفن الحديث، تلهج باسم مدينة السلام، وتستلهم من تاريخ وحضارة الاسلام معاني الوجود الحقيقي للانسان العربي والمسلم. وكان جميع الفنانين على اختلاف وتنوع اختصاصاتهم الفنية الزمانية والمكانية، يستلهمون من رنين جرس كلمة بغداد الكثير من القيم الروحية والثقافية والحضارية. و كان جُلّ الذين أرخوا لتأسيس مدينة بغداد، توجهت أنظارهم إلى اللغة الفارسية لتحقيق اسم المدينة، حيث إن أكثر التفسيرات شيوعاً هو القائل" إن "باغ" تعنى بستان و"داد" تعنى عطية، فيكون معنى الاسم "البستان العطية". ويفنّد ذلك الاحتهاد، د. علي القاسمى هذا الزعم ويؤكد أن الاسم ذو أصول سومريةـ أكدية، فقد كشفت الحفريات فى موقع بغداد العريقة عن واجهة كبيرة مبنية بالآجر البابلى وعليها اسم الملك البابلى الشهير نبوخذ نصر. فبغداد فى المعجم السومرى تعنى " قلعة الصقر" أو " هيكل الصقر".)

- (كانت الأسباب وراء جعل مدينة بغداد مدورة، معروفة، منذ المؤرخ ابن الأثير الذى علل الشكل الدائرى بدمقرطة المدينة، فقال: و(جعل المنصور المدينة مدورة لئلا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، ويضيف تعليلاً لتيتوس بوركارت الذى تحدّث عن المدينة العجلة: التى تكشف لنا عن المفهوم الحركى للعالم، فهى بمثابة انعكاس لحياة البدو والرحّل المتحولين إلى الحياة الحضرية المستقرّة.).

يرى الباحثون ان المبدأ الإسلامى الذى يحكم العمارة الإسلامية، هو مبدأ الوحدة. فالإسلام هو دين التوحيد، ووحدة الخالق هى الأساس فى الوجود، وجميع الموجودات والكائنات تعتمد فى وجودها وعلاقاتها على قدرة الواحد القهار ومشيئته. ففى العمارة الإسلامية يتلاشى وهم الفصل بين الدينى والدنيوي. ويرى (بوكارت) أن المدينة الإسلامية وحدة واحدة تتلاشى فيها فردية المنازل كما يذوب الفرد فى الجماعة.)

- (..عندما أراد الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور 136هـ - 158 هـ/ 753- 774م تاسيس مدينة بغداد، فكر كثيرا في اختيار الموقع وخطط ان تكون هذه المدينة وسط الدولة العربية الاسلامية وان المياه تاتيها من الفرات ودجلة وجماعة الانهار وتحمل اليها طرائف الهند والسند والصين والبصرة والاهواز وواسط في دجلة تجنيها ميرة الموصل وديار بكر وربيعة في دجلة ايضا وهي بين انهار لايصل اليها العدو الا على جسر او قنطرة فاذا قطعت الجسور ونسفت القناطر لم يصل اليها العدو فهي قريبة من البر والبحر والجبل (206) واحاط المنصور مدينته باسوار ضخمة تحميها من هجمات الاعداء فعل الخلفاء العباسيون في القرن الخامس الهجري ببناء سور يحيط ببغداد الشرقية ايام الخليفة العباسي المستظهر بالله 1487-512هـ /1094- 111م وجعل لهذا السور اربعة ابواب لدخول المدينة والخروج منها (207) واثبت هذا السور وابوابه الكفاءة العالية في صد المهاجمين الاعداء وكانت من اهم العوامل التي حافظت على حماية بغداد ولكن المغول الذين حاصروا بغداد سنة 656هـ /1258م تمكنوا من احداث ثغرة في احد ابواب بغداد الشرقية ودخلت منه جيوشهم وعملوا ما عملوا ببغداد هذا وان الخلفية التاريخية لحضارة وادي الرافدين القديمة وما امتلكت من قيم حضارية وما سعى اليه العباسيون عند تأسيسهم بغداد من وضع منهجية علمية منتظمة وما عرف عن البغداديين من حبهم لمدينتهم واهتماماتهم بها كان له الاثر الكبير في ان تستمر هذه المدينة بالرغم من وقوعها تحت ايدي المحتلين امثال البويهيين والسلاجقة والمغول والأقوام الأخرى الطامعة بخيرات بغداد.

وهكذا طاول البغداديون الدولة العثمانية والاحتلال البريطاني وحصلوا على سيادة بغداد وأقاموا نظام الحكم الملكي. ومن ثم النظام الجمهوري بعد سنة 1958.. واستمرت الحال بين جذب وطرد وسوء أنظمة الحكم الى أن وقعت بغداد يوم 9 من نيسان ابريل سنة 2003 م بأيدي المحتلين الامريكيين والبريطانيين ونعيش منذاك في حالة اضطراب وقلق وانعدام الأمن وسوء الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتلوح في الافق محاولات وطنية للتخلص من الاحتلال واستعادة حياة بغداد لتاخذ مكانها اللائق بين حواضر الدنيا.ان بغداد لم تندثر لأن الأصالة التي تتمتع بها بغداد لم تستطع أن تفصلها عن عالمها القديم الذي امتزج فيه العلم بالفن والادب بالسلطان والمال بالترف والنعيم. فأصالة بغداد أصالة عربية والعروبة محتد أصل لايمكن أن ينسلخ عن ماضيه، فان غيرت السنون من مظهره فلن تغير من مخبره.

وبغداد لم تندثر لانها قادرة دائما ان تصمد لكل الكوارث والغزوات الاجنبية الطامعة من أمثال المغول والتتار الذين خربوا مظاهر الحضارة وأطفاوا كثيرا من منارات العلم والفن والادب، وأبادوا المكتبات والجامعات والمدارس. ورغم كل ذلك، عادت بغداد لتكون حاضرة الدنيا ومركز اشعاع العلم والمعرفة ودار الزمن. ولكنها بصبرها ونشاط أهلها، نهضت من جديد لتبني صرحا عظيما يليق ببغداد فقامت الجامعات ودورالعلم ونشطت الصناعة، وبقيت بغداد تقوم بدور الاشعاع العلمي والفني والحضاري. ولن يعفيها من هذه المسؤولية الكوارث التي هزت كيانها ولن يعفيها كل ذلك من رسالتها الفكرية ولن يعفيها أيضا ماتعرضت له كجزء من عالم العروبة والاسلام ولن يعفيها من كل ذلك قلة الاستقرار والذي عرفت به أرض العراق. وتعود بغداد كما كانت في ايامها الخوالي المجيدة وتنهض بشموخ، رغما عن كل طامع وجبار عنيد وصدق الشاعر مصطفى جمال الدين قوله عن بغداد:

بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر

الا ذوت ووريق عمرك أخضر

مرت بك الدنيا وصبحك مشمس

ودجت عليك ووجه ليلك مقمر

وقست عليك الحادثات فراعها

ان احتمالك من أذاها أكبر

 

وقال الخطيب البغدادي:(بغداد من خزائن الله العظام التي لايقف على حقيقتها الا هو وحده ثم هي مع ذلك منصورة محبورة كلما ظن عدو الاسلام انه فائز باستئصال اهلها كبه الله وكبه لمنخريه واستئصلت قدرته بما ليس في تقدير الخلق اجمعين فضلا من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم.).

وكنا نتحدث في مبنى مجلة آفاق عربية عام 1976 وكان هناك بلند الحيدري ود. داود سلوم. وشاكر حسن سعيد وعبد الحميد العلوجي وجعفر علي أكبر، للحديث عن مهرجان بغداد والكندي والاعداد لفيلم تسجيلي عن بغداد الدائرية. يشبه ما جرى عام 1960 ودور حسين امين بنجاح مهرجان الكندي وتأسيس مدينة بغداد. ويمكن التوسع في هذا الموضوع الشيق الممتع، والاستمتاع بقراءة كتاب: (بغداد.. أسباب استمرارها واندثارها) لمؤلفه القدير العلاّمة العراقي الاستاذ الكبيرالدكتور حسين أمين ـ وكانت جهة الاصدارفي بغداد، هي: المجمع العلمي ـ العراق.

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1702 المصادف: 2011-05-04 12:00:18