تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (13)

s13خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق2) من اسئلة الشاعرة والقاصة وفاء عبد الرزاق.

 

س104: وفاء عبد الرزاق: طائر الشوق الأصفر، هذا الكتاب الذي يقع في 670 صفحة لماذا اقترن اسمه باللون الأصفر؟ هل عجزت باقي الألوان مثلا؟

ج104: هو طير جميل لدية قوة بصرية قوية هائلة توازي قوة نظر الصقور وربما اكثر وكان يكثر في التبت وعلى سفوح وجبال هملايا. وعندما كنت أعيش في الهدام في منطقة الرفاشية، اكتشفت شبيها لذلك الطير الذي يهبط سريعا وبقوة لاصطياد طيور الخضيري وأسماك الزوري الصغيرة، وكان لونه أصفر فاقع تتخلله خيوط جميلة وكانها مستلة من ألون الشمس، لم تر مثل جماله بين الطيور من أجنحة وريش ملون بدرجات أو سحنات من اللون الأصفر والأوكر.. كنا نسكن في:"سيناكو" وهي مدينة صغيرة من المقتربات التابعة إلى ميلانو على بعد عشرين دقيقة بالسيارة، ونصف ساعة بالقطار. الذي كان وسيلتي السهلة في الذهاب إلى "قاعة المعرض"، التي يشرف عليها الرسام " أتيللو زانكي " وزوجته " أيلدا.. و"الكليري" تابع لمركز "ساسيتي" الثقافي، الذي يديره، "فرانسيسكو تريبودي". ويقع في شارع " فولتورنو-35-20124"، ومن هناك، أتمشى مع "أتيللو" إلى مرسمه الصغير، على بعد عشرين متراً من المعرض، ويبعد منزله أربعين متراً عنها..

أما أقدم مقهى في المنطقة، فكانت تبعد عشرة أمتار عن لوحاتي.. وكنت أحتسي فيها القهوة، عصر كل يوم، قبل موعد افتتاح "الكاليري" وفي المساء، عند الإغلاق، في الساعة السابعة والنصف، أنتظر في المقهى، وأكون قد أنهيت شرب القهوة في الساعة الثامنة، حيث تكون "لوريتا" قد أنهت حصصها الدراسية في مدرسة تعليم اللغة العربية.. ونعود بسيارتها إلى المرسم، في سيناكو، أدقق النظر في ما أنجزته من لوحات جديدة، تجاوزت "الثلاثين"، خمس عشرة لوحة منها بحجم 150سم×130سم وثلاث لوحات جديدة لم أنجزها كاملة، وخمس لوحات مهيأة أخرى، تنتظرني بعد أن أغادر المستشفى في غضون أسبوع..

تذكرت ذلك، وأنا لازلت مستلقياً على سرير المرض في صالة "القلوب الكسيرة". وسأغادرها، إذا لم يكن هناك ما يدعو إلى البقاء، والقرار لدى الطبيب "فيوري". الذي كان يستعير لوحاتي ليعلقها على حيطان " صالات مرضى القلب "، بصفته رئيس قسم جراحة القلب، المسئول، كلما ينعقد مؤتمر طبي إقليمي أو دولي. وكان يعدني بشراء عدد من اللوحات التي يستغلها في مؤتمراته واجتماعاته الطبية. ولكنه ينسى في اليوم التالي، كان ذهنه منشغلاً دائماً بطبيعة اختصاصه كطبيب معروف في إيطاليا اشتهر بجراحة القلب. وعندما عبرت عن قلقي من أجهزة تنظيم ضربات القلب، دفع لي "مليون ليرة" عربونا لشراء اللوحة التي أعجبته قبل عام..

تصورت تلك اللحظة، كيف كان يصرف أوضاعه، لانشغال ذهنه الدائم. فهو قد تذكر الآن رؤيته وإعجابه ورغبته ووعده بشراء اللوحة، وكأن كل ذلك يحدث للتوّ وباللحظة. أردت منه أن يفكوا عني أجهزة "مراقبة وتنظيم دقات القلب"، التي ربطوها حول جسدي. أجهزة أخفيتها تحت ثوبي الأبيض الفضفاض، تتحسس نبض قلبي، لتحفظه من هزات محتملة للخوف، وخزات مقبضة، خاطفة، سريعة كالبرق. تسلبني محبة القلب المنهك المتطلع المتشوف إلى إنجاز اللوحات المتبقية: ثلاث لوحات كبيرة، وخمس لوحات صغيرة جديدة، بانتظاري.. كان ينبغي عليّ أن أرافق الفنان الإيطالي " أنريكو لوي " لشراء المواد الفنية من ميلانو.

ومن هناك نذهب إلى محترفه، للمشاركة مع طلابه برسم "موديل".. فرسمت عدة تخطيطات لذلك الجسد الثلجي البض المتناسق الذي يفيض رقة مشبوبة وفتوة ونضارة. وأهديت ما رسمته، إلى "لوي"، وكم اصطحبني إلى زيارة مراسم فنانين مشهورين، ونقدة فن بارزين، وصحفيين ومسرحيين ومغنين. لأنه كان أيضاً مصوراً فوتوغرافياً وسينمائياً وكاتباً للمسرح باللغة الفرنسية، إضافة إلى اللغة الإيطالية.. وقد درس الفن في باريس وأنتج أعمالاً تجمع بين الرسم والفوتوغراف والموسيقى والمسرح.. وكان أستاذاً للعديد من الرسامين الهواة في محترفه الشخصي..

كنا آخر مرة فيها معاً، هي مناسبة افتتاح معرضي الشخصي على قاعة "ساسيتي" الثقافي عام 1998 بصحبة الرسامة الرقيقة الفاتنة " فيفيان "، التي تكتب أيضا إلى المسرح، وهي تسكن إلى جوار مرسمي، بل أن الشقة التي أعيش فيها، هي من أملاك زوجها الطبيب "بوركي". ويا ما عالجني فيها، بسبب ارتفاع الضغط واضطراب الدورة الدموية وعدم انتظام وجيب القلب الرقيق، الذي أنهك الرأس المتعب.

لم أسمع بعد ذلك عن "أنريكو لوي" شيئاً، سوى ما عرفته من الطبيب "روبيرتو بوركي" ذات يوم، وأنا عائد من "ميلانو" بالقطار إلى محطة "كربنياته"، ليخبرني بأن "أنريكو لوي" قد أدخل المستشفى، لأصابته بمرض "جنون البقر". إذ كان يحب أن يأكل بإفراط من لحوم البقر بشكل لا يصدق.. وعندما زرته بصحبة لورت، كان غائباً عن الوعي، جسداً بلا روح، وقد توسعت حدقتا عينيه اللتين لا يرانا بهما، ولا يسمعنا عندما نحدثه، وكأنه يحدق في اللاشيء كان أخوه وزوجة أخيه إلى جواره فقط..

ولم أتمالك نفسي من الصدمة المباغتة. هذا الإنسان الرسام الكاتب المؤدي الحيوي الرائع، يذوى فجأة هكذا. كما ذوى من قبله "توليس"، الذي تعرفت إليه في مهرجان شعبي كبير في إحدى غابات "سيناكو"، لمناسبة ذكرى "الانتصار على الفاشية". "وتولس" يشبه في شخصيته، "حسين كيصون" بائع اللبن والمحبة والطيبة، في مدينتي، "العمارة".. وكان يبحث معي عن"استديو" للرسم في خبايا "المباني القديمة" لمدينة سيناكو وممرات بساتينها ومنعطفات أزقتها وباراتها ومطاعمها وأسواقها ودهاليز قصورها وأديرتها. إذ لم يعرف تفاصيل وخرائط هذه المدينة، أحد سواه. ولم يحفظ تاريخ العوائل التي تسكنها، وتفاصيل حياة الناس وأسرارها في هذه المدينة، أحد سواه..

وحتى كنيستها التاريخية المتآكلة، لم ينس التحري فيها عن محترف.. إذ تحدث بلطف وانفعال رقيق عطوف إلى "القس" المسئول عنها، لكي يفرد لي من غرف الكنيسة الكثيرة، واحدةً أجعل منها مرسما. فحدجه القس بنظرة مندهشة متعالية، ولم يجبه، اكتفى بهز رأسه رافضاً. فتساءل "توليس": (بيركيه؟) وقد رفع يديه وقربهما إلى بعضهما ثم كوّر أصابعه معاتباً، وهي الطريقة التي يتحدث بها الإيطاليون أثناء المناقشة والاندهاش وقال: "بيركيه" "لماذا". لوي، إراكينو بيتّوره. "هذا فنان عراقي". أوديّو" "يا إلهي".. بيركي؟ " لماذا".؟. سانتي." اسمع" كوزي بنسا؟." بم تفكر؟"."تفا رش"؟).

وهذه الكلمة التي نطق بها مؤخراً، تعني " الرفيق " بالروسية. وهو يفسر بها مفهوماً للنقد، ساخراً من رده وعدم اهتمامه..  كانت روح " زوربا اليوناني " تتقمصه تماماً. انزلقت نبرة صوته هذه المرة جادة ورزينة وهادئة. سمعته يقول للقس: "ينبغي أن تجد له مكاناً. أليس هو ابن الرب أيضاً، وهذا بيت من بيوت الله، وهو مصّور يحب الجمال. وقد علمه الرب كيف يرسم أجمل صورة للمحبة. أليس " الله محبة "؟. وواصلنا السؤال والتقصي طيلة شهرٍ كامل دون جدوى، فمللت أنا، ولكنه لم يتعب من الأمل، حتى عندما أصيب "بجلطة" قلبية مفاجئة، لم يتوان عن استغلال آخر اللحظات من المتعة، بارتشاف الأسى من " خمرة " عشقه، فغص بقطرةٍ من وشالة كأس محبوبته، وشهق قلبه هذه المرة، شهقةً أخيرة.

غادرنا المستشفى والألم يجتاحني.. إذ تذكرت لقائي به لأول مرة..كما تذكرت اللقاء الأول بالفنان " أنريكو لوي " حينما كان يعرض لوحاته مع لوحات طلبته، ويطلع المدعوين، على الطريقة التي يرسم بها تلامذته "الموديل" والمواضيع الحية. وكيف يستخدم الإنارة لخلق التأثير المطلوب في الكتلة المراد رسمها.. عرض ذلك في الخيمة التي طلبت أن تنصب لمعرضي الذي دعتني إلى إقامته، منظمة الصحة العالمية الرسمية وبلدية "سيناكو". بمبادرة واقتراح من الصديقة "لوريت" وافتتح في الخامس والعشرين من حزيران. وحضره حاكم المدينة ورئيس بلديتها والمدير العام لمنظمة الصحة في المنطقة ورجال الدين في المدينة والناقد الفني والرسام.د. "فيردليوني" مالك "الفيلا" الذي ألقى كلمة ترحيبية وتاريخية في الوقت ذاته، إذ قال: "لولا العرب، لما مرت إيطاليا بعصر النهضة".

وتحدثت أنا موضحاً أهمية عرض جانب من تجارب الفنانين العرب، ولوحاتي أيضاً، سعياً لإلقاء الضوء على واقع الحركة التشكيلية في العراق والوطن العربي. وكان الفنان العراقي المبدع " فاضل عكرفي " يترجم كلمتي. وقد ساعدني بتنظيم وتعليق لوحات المعرض الذي شارك فيه مع النحات الرسام علي الجابري.. بعد الانتهاء من إلقاء كلمة حاكم المدينة ومسؤول منظمة الصحة العالمية، وكلمة الطبيب " روبرتو بوركي " عن بلدية سيناكو.. تليت برقيات التهنئة من سفارات الدول العربية، الجزائر، اليمن، السودان، المغرب، تونس، مكتب فلسطين، الأردن ومنظمات ثقافية وفنية. عدا سفارتنا في روما، والفاتيكان على الرغم من إرسال عدة "فاكسات" ورسائل وبطاقات دعوة رسمية إليهم. وبدأت حفلة دعوة العشاء الفخمة ذات الطابع البرجوازي، وكان المدعوون إليها، من أرستقراطيي "ميلانو". وقد جلب انتباهي، ما ورد في كلمة رجل الدين، الذي نوه بأهمية المعرض معنوياً، لأن نصف ريع مبيعاته، سأهديه إلى الذين يعانون من مرض "الإيدز"، مثمنّاً الموقف الإنساني الذي جئت من أجله إلى هنا، قاطعاً آلاف الأميال لكي اخفف عن آلام ومعاناة المرضى الإيطاليين، على الرغم من المحنة والمعاناة الحقيقية لشعب العراق.

كان " أنريكو لوي" وتلامذته من أوائل الحاضرين إلى المعرض.. هذا المتدفق حبا بالحياة، قد ذوى وانطفأ مبكراً وهو في الأربعين من عمره..

في اليوم الأول من وصولي إلى روما لأول مرة عام 1996، استقبلني الرسام النحات علي الجابري في محطة القطار، بصحبة ولده الوحيد، "هاشم" الذي سبق وأن التقيت به عدة مرات في بغداد. اصطحبني الجابري إلى محترف الفنان اللبناني، موسى عبد الدايم، وكنت قد عرفته أثناء زيارته بغداد تلبية لدعوة من وزارة الثقافة والإعلام، دائرة الفنون التشكيلية، لإقامة معرض شخصي لأعماله، وافتتح في تشرين الثاني عام 1979. عرض فيه عشرين عملاً للحفر من أعماله الشخصية وعشرين أخرى لفنانين مشهورين: أمثال جان ميرو وسباستيان ماتا وكورادو كالبي وساورا وتابييس وكوتوزو وبيرانديللو "الأبن" ومارينو ماريني وأتاردي وجنتليني وتانبوري وبيرتينا لوبيز وكوربورا ومنتاناريني وباترنيزي وتروني وفاتسيني وماركوتيش وماتسوللي ونوربرتو..وقد أعطاني قائمة بأعمال ستمائة رسام عالمي نفذ لهم "موسى" اجمل لوحاتهم، على أمل تسوقها مع "كلائشها". وهذا أمر مهم جدا لم ينتبه إليه أولئك الذين فاتحتهم بشرائها وكانوا واهمين..

موسى عبد الدايم (الذي ولد في زحلة عام 1947كان قد بدأ دراسته في معهد الفنون الجميلة ببيروت وتخرج فيها، عام 1968 ثم أنهى دراسة الديكور والكرافيك في روما عام 1971 وحصل على العديد من الجوائز العالمية في مجال اختصاصه. وتفرغ للعمل في محترفه الخاص بالكرافيك، ينفذ أعمالاً لمشاهير الفنانين..).

دعانا موسى لتناول طعام لبناني في مطعم صغير يقع أمام مشغله، وأخذ يتحدث عن تجربته في روما منذ آخر لقاء لي معه في بغداد. وكان يشبه الجابري في غزارة الإنتاج، وان تنوعت وسائل التجربة لدى "علي"، فهو نحات حقق الكثير من مشاريع النحت في بغداد وأنجز الكثير من نصب مهمة لشخصيات تاريخية وسياسية في العراق، ونفذ جداريات ضخمة للنحت الناتئ " الرليف والبراليف "في مؤسسات رسمية وأهلية. وعندما تزور بيته، تجد حديقته الرحيبة، " مشتولة " بالتماثيل إلى جوار أشجار التين والزيتون والرمان والأجاص والعرموط والعنب.. فتناسقت التماثيل معها، فكأنما العيون ترى وتغرم باللحظ مهجنا..

وأما بيوت التماثيل و" أسرّة " اللوحات، فقد امتلأت بفيض غامر من تجارب وعواطف السنوات الماضية، حينما نزحت عائلة هذا القروي الهاشمي من مدينة "العمارة" في جنوب العراق، إلى "مدينة الثورة " في بغداد، وهو يحلم أن يكون رساماً، فدخل معهد الفنون الجميلة. وكان آنذاك يهوى التصوير الفوتوغرافي ويجيد كتابة ورسم الخط العربي بأنواعه. وهذا ما ساعده كثيراً فيما بعد في الرسم والنحت، إذ بدأ يدخل أشكال الحروف العربية في لوحاته في منحوتاته أيضاً. استخدم خبرته في الخط والفوتوغراف في إخضاعها إلى تقنية الرسم ومعالجة قطع النحت.. ونجد الآن في مخازن الأعمال الفنية في بيته، كنزا من تلك التجربة الثرية المحفوظة هناك. ومثل هذه، نجدها في محترفه الخاص، الذي ينجز فيه أروع أعماله في الرسم والنحت، منذ أن وطأت قدماه أرض روما عام 1974.

كانت إيطاليا قد احتضنت جيلين من الفنانين العراقيين المتميزين، منذ الثلاثينات من القرن العشرين: جواد سليم وخالد الرحال وحافظ الدروبي ومحمد غني وميران السعدي ومحمد علي شاكر وغازي السعودي وسعد الطائي.

كان سعد الطائي، وهو من الرعيل الثاني، قد أنهى تحصيله الفني في روما، وبدأ انطباعياً متأثراً فيما بعد بأستاذه "سفربي"، ولكنه في لوحاته عن الأهوار، في بواكير الستينات، قد بلور تجربته الانطباعية، ورسخ في أعماقه، إمكانية البحث في اللون المشبع بالضوء، ليس كما فعل الانطباعيون الفرنسيون، من قبل، بل بإحساس ومشاعر ومعالجة ورؤية مشبعة بالجو العربي والعراقي بشكل خاص. فاشترك مع حافظ الدروبي ورسول علوان وسعدي الكعبي وضياء العزاوي وعلاء بشير ويسين شاكر وسعاد العطار، ومحمد علي شاكر فيما بعد، بتشكيل جماعة الانطباعيين العراقيين.. كان الفنان سعد الطائي، يخضع انطباعاته لتجربته الخاصة في إيجاد علاقة جديدة في مفردات وتفاصيل الموضوع، بعد أن يتم له تهشيم ملامحه الخارجية مندفعاً إلى تفكيك العلاقات الطبيعية في مادة الشكل وحجميته وكثافته وثقله المعماري على سطح اللوحة، ليعيد بناءها مجدداً وفق النظام الهندسي المبسط في مساحاته اللونية المتداخلة في الحركة الداخلية المتوهجة إلى مركز اللوحة. تتميز هذه التجربة بألوانها التأثيرية المتدفقة في حركة أجزائها ومفاصل هيكلها العام: حركة اللون متوازية الإيقاع، منغمرة بحس هارموني رقيق.

ومن النحاتين الذين درسوا الفن في روما محمد غني الذي توطدت علاقتي الشخصية والفنية به عند عودته مباشرة من إيطاليا. فتذكرت ما كتبته عن تجربته، في جريدة المستقبل وجريدة كل شئ وما بحثته فيها، عن طفولته وصباه وشبابه ومسيرة حياته الفنية.

 

س 105: وفاء عبد الرزاق: خلال هذه المسيرة الطويلة والثرية من إبداعات متعدد،هل شوكت مازال يبحث عنك؟ أنت بحاجة إلى أجوبة كثيرة لتساؤلات ما زالت تدور في ذهنك وترجوه الإجابة عنها؟

ج105: أن التجربة الفنية خلال الحرب مثلاً، كانت قد عنيت بالأحداث والأفكار والصراعات الاجتماعية والأخلاقية (الدينية والعرقية). ولم تنس في ضراوة الحرب، القيم الإنسانية التي ناضل من اجلها المبدعون عبر قرون عديدة. ولا يمكن أن نقول بأن قارورة العطر قد انكسرت بين أيدينا، ولم يعد بمقدورنا، إلا أن نتنشق العطر المنسكب.

بل ينبغي ألا تغيب الشمس على مياه الآمال المتراصة التي تعمق حبنا بالحياة، باحثين عن منابت لبذور المستقبل الآمن، عن ينبوع دائم من الخصب في حقول الخيال الآخذة بالاتساع، وبمقدرتها المدهشة التي تنقذنا جميعاً من الجدب والدمار والحروب، باتجاه الآمال العريضة التي تنمو بين حنايا سحر الإبداع الذي يكشف عن أيمان الإنسان بتحديد نوع مصيره وغاية وجوده.

انه منظور الأمل المتجلي عن قوانين تطمئن الروح والفكر حد الألق الذي ينطق بالشعر العظيم.. من تلك الرؤية انبثقت التجارب الفنية التي أدركت وميزت موقفها من أحداث الوطن العربي الكبرى بميزان ذهبي خالص هو ميزان ثقافة وحضارة وتاريخ الأمة.. هو ميزان الوطن والدفاع عن كل قطرة دم تسيل فوق أية بقعة من أديمه المقدس، وفي الوقت نفسه الدفاع عن الحرية في إطارها الواسع فكرياً وثقافياً وسياسياً. افترضنا في تعبير المبدع عن حالة استثنائية (هو وأمته في حالة حرب حضارية معلنة أو مضمرة)، أن يتخذ موقفاً واضحاً، يعزز الفنان به وضوح رؤيته. فما الذي ينبغي أن يكون؟.

نفترض في هذا الموضوع الدقيق الحساس، أننا إزاء فنان متنور يعي دوره الثقافي بمقدار وعيه للقيمة الخلاقة في إنتاجه، ينجم عنه موقف متميز.. ولذلك الافتراض صيغتان تصبان في الأسلوب لأغراض الفهم المعمق المتصل بغايته، ولتوضيح أفكار ورؤية وفلسفة التجربة الفنية لتوصيلها الى الآخرين. والصيغتان اللتان تصبان في الأسلوب هما:

صيغة يكون الموضوع فيها أساسياً (وظيفياً توجيهياً خطابياً)، وصيغة تكون القيم التشكيلية فيها جوهرية. في الصيغة الأولى يؤدي الشكل واللون فيه دورهما بتوضيح أغراض الموضوع (الذي هو الحرب، الشهادة، السلام) وبتجسيد العلاقات النفسية والدلالات الاجتماعية وضغوطهما على الإنسان.

 l7

وفي الصيغة الثانية يؤدي الشكل واللون فيه دورهما بتوضيح قيمتها الذاتية. ولا يمكن أن تتوفر فيها عناصر تفسيرية يتعرفها المشاهد، كما يتعرف القارئ تفسيراً لقيمة الأدب. ولا يمكن للفنان أن يصل الى تحقيق التكامل بين الموضوع المحدد (بمعنى الشهادة دفاعاً عن الوطن) وبين أسلوب التعبير عنه، وبينه وبين التصميم التشكيلي، ما لم ينر داخله، روحه وعقله. إذن فالصيغتان السابقتان تسعيان الى تفسير علة الفن الحقيقي المعبر عن أحداث الأمة الكبرى.. أن ثمة فنانين آخرين أخذت تزهر في أعمالهم مثل هذه الحقول وتدخل الى صميم الواقع وفي لب الأزمة المتفاقمة والمغامرة الحرجة التي خطط لها ساسة الحروب.

كانت تجربة الحرب أشبه بالثورة الداخلية التي اعتلجت في صدور الفنانين والمثقفين بكل ما تحمله من معانٍ، حافزاً قوياً لنمو التجارب الفنية بشكل متزايد في قلب الأحداث المثيرة اللاحقة الممتزجة بلهجة الفن المستقبلية.. أنها الحرب. أية حرب، في ضراوتها تنسى القيم الحقيقية وتهان الإنسانية وتزداد العذابات والآلام والأحزان. فيتبلور عنها موقف الفنان وتنمو لديه العملية الإبداعية باستنارة يدرك بها (قيمة ومعنى) موضوع الحرب، (وتلك حالة استثنائية جزئية من التجربة العامة) يسعى الى تثبيتها في لوحاته ليتم في موضوع بحثه، نور إبداعه.. "وليفرغ ضغوط الحرب النفسية عليه في فنه" حتى تستيقن نفسه، فينظر كيف كانت تجربته وما آلت إليه، من تجارب الآخرين. ففي الحرب التي وقعت ما بين الأعوام (1980-1990) وما بعدها في الخليج العربي، ظهرت مثلاً، أعمال مسرحية وتلفزيونية ومعارض تشكيلية وملصقات جدارية ذات أثر كبير في الإعلام الوطني والهاب حماس الشعب للدفاع عن الوطن.. وبالإمكان معرفة خصائصها التي تفرزها عن فنون فترة السلم والبناء.

فهي ليست ذاتها (القيمة الذاتية) المطلوبة فنياً. بالمقابل فأن إعجابي بشخصية جواد سليم أو فائق حسن، على سبيل المثال، قد يقودني إلى إكبار وتقدير عملهم الفني.. وقد يكون عملهم المنتج دون المستوى الإبداعي وغير مجدٍ. مما جعلني أعطي رأياً غير موضوعي وغير سليم.. بعيداً عن إدراك الرؤية المميزة في العمل الفني وإدراك قيمته وجماليته وخصوصيته وإضافاته لذاته وحسب. والجميل هو الذي يشير إلى قيمة المدرك بذاته.

وعلى هذا الأساس هل بالإمكان أن تكون قيمة الفن عموماً في ذاتها؟ أم هو نتاج ظروف وحالات وسيكولوجية مجتمع بعناصره المكونة في الخوالف والقوادم؟. ولكل منهما موقف نسعى من خلاله إلى تمييز الحقائق. أي انه وسيلة وطريقة للنظر إلى الأشياء والحقائق والأحداث الكبرى في تاريخ الأمة، ولها ارتباط بالأغراض الإعلامية المتوخاة وبالأهداف الوظيفية المرجوة. ولذلك اتجاه آخر يبنى على أساس ردود فعل معينة سلبية كانت أم إيجابية.. فالاتجاه أو الموقف إذن ينظم الوعي بالأشياء أو الحقائق: أي التوصل إلى الموقف المدرك (حسياً وعملياً) لأن إدراك الحس قد لا يتضمن إدراكاً عملياً في كل الأحوال، وقد يحدث العكس أحياناً.

ولكن كل موضوع معبر عنه في الفن، (محسوس أو مدرك، خيالي أم تصوري)، يشكل موضوع الانتباه. أي حصر وتنمية الانتباه والتعاطف باتجاه خدمة أغراض الموضوع لذاته، ثم الانسجام والاندماج المنتبه الواعي في تركيزه على القيمة الفنية، مما يؤدي إلى توسيع مقدرة الخيال لخدمة أغراض العمل الفني، وسريان قيمة موضوعه إلى عواطفنا ومشاعرنا. لكي تتبلور استجابتنا للتجربة ذاتها استجابةً حسيةً وعقليةً وحركية وجسدية. إذاً.. فقد تبلور لدينا الوعي الاستطيقي الموجه نحو الموضوع ومقترباته خلال التركيز والانتباه بطريقة إيجابية لغرض فهم جمال العمل الفني ولطفه أو حسنه أو قبوله أو رفضه.. وهل هو خلاب ممتع مؤثر قوي؟. حتى ولو كان كئيباً حزيناً يثير فينا الإعجاب أو لا يثير فينا الاستجابة المطلوبة.. وفي حالة الاندهاش والإعجاب نقول في اللهجة العراقية (فد شي بس يعجبك تباوع عليه.. دشوفه، شوفه، يوكّف العقل).

هذه الاستجابة الشعبية، تتضمن الكثير من المعاني الأساسية في التأمل المنزه عن الغرض وفي الانبهار بالجمال: مجرد النظر إلى الشيء وإدراكه في ذاته: (فد شي بس يعجبك تباوع عليه..) جملة تفسر الجمال وتتضمن تشخيص حالة استطيقية، وتشير إلى موقف الإدراك في التجربة الكلية التي نمر بها، عندما نحدد الموقف النقدي من الموضوع وقيمته التي نبحثها في هذه التجربة وفي موضوعها وفي دلالتها (الوظيفية والجمالية) التي تفصح عنها الأعمال الفنية. إذاً، فأن أهم العناصر التي تساعدنا على المعرفة بالعمل الفني " كما أكدناه سابقاً " هي: (الانتباه، التذكر، التخيل، المراجعة الدائمة حد الإدراك)، لبلورة الموقف النقدي عن التجربة الفنية. لأن مثل هذه الصفات مفيدة، ولكنها لا تكون بذاتها إيضاحاً لطبيعة العمل الفني.

إذ أن القيمة الجمالية موجودة في العمل الفني لا في منشئه، إذ أن التكوين الذي عاش فيه الفنان نسبي من مجتمع إلى آخر وسيفسر على أساس ذلك الاختلاف في تعدد الدلالة ويتيح تباين التفاسير. وإذا تم إدراك تلك النقاط التي تميز العلاقات الشكلية بصبر وروية فسيكون لدينا استعداد ذهني واستجابة لروح الموضوع ودلالته، لكي تؤدي معرفتنا إلى ما ينبغي أن نبحث عنه، وأن ندرك العناصر المختلفة المتباينة التأثير في طبيعة العمل الفني وفي معرفتنا بتقنيات العمل الفني ذاته.

آخذين بنظر الاعتبار نوع الوعي الحسي والإدراكي والعقلي والتخيلي والانفعالي الذي يحدث في التجربة الجمالية سواء في فنون الزمان: "الموسيقى والدراما والأدب والرقص والسينما الحديثة" أو في فنون المكان التي هي الفنون البصرية؛ الرسم والنحت والعمارة. وكلاهما (فنون الزمان والمكان)، يحمل صفة التذوق الفني للتجربة الجمالية الزمانية والاستمتاع بما يدرك منها في لحظة ما، تجسد حضوراً متناسقاً له مستقبل زماني محدد.. كما هو حاضر رشيق له مستقبل مكاني مشخص.. وكلاهما يخضع إلى قيمة عناصر التصميم: الخط، الكتلة، النور، الظل، اللون. وارتباطها بالشكل ذي الدلالة التي تحمل القيم النفسية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى خصائص القيم التعبيرية التشكيلية.

ما هي فئة الأعمال التي جعلت موضوع (الحرب) صيغة مركزية وأدى الشكل واللون دورهما بتوضيح (أغراض الموضوع)؟. وما هي فئة الأعمال التي جعلت القيم التشكيلية فيها، جوهرية على حساب الموضوع، وكان الشكل واللون فيها يوضح (قيمتها الإبداعية الذاتية)؟

إلى أي مدى حقق المبدع في فنه، تلك الأبعاد الروحية بصياغة فنية تسامت وقيمتها المحددة بموضوع الحرب وما يتعلق بمقترباته النفسية والاجتماعية؟.

سيجيب على تلك الأسئلة، الفنانون الذين امتلكوا أدواتهم باقتدار، وأخضعوها إلى تصميمهم واشغلوا بها عناصر العمل الفني، من معالجة الأشكال والمساحات والكتل وبناءاتها، ثم التحكم بوحداتها في إطار العناصر الشكلية الأساسية. ستكون إذاً مشاهدة الأعمال الفنية المحكومة بفكرة موضوع الحرب، من ذلك المنطلق الأحادي الموضوع، (منحازةً) إلى فكرة الموضوع وهدفه.

ومن هنا يكون التعاطف منحازاً أيضاً الى معرفة الصيغة المفترضة، التي يتقرب بها المبدع الى "فكرة" عمله الفني و"غايته"، لكي تتاح لنا معرفة وتمييز الأعمال الفنية المعبرة عن "الموضوع". وفيما إذا كانت هناك استجابة جمالية تعطي انطباعاً رفيعاً واشارةً عميقةً الأثر يتركز فيها " الانتباه الجمالي" الذي يجعلنا نستمتع بالموضوع "المدرك" مباشرةً بعد الإحساس "بالدلالة" ذات الحضور المتناسق خلال الشكل الذي يشير الى "الموضوع" المقصود "ودلالته". وأحياناً يقع العكس، حيث يتحكم العقل في القدرة الخلاقة، فينتج عملاً " وظيفياً "، ولكنه "مكبل" ومتعب.

لأن العمل الفني هنا خضع لقيمة أغراض الموضوع أكثر من القيم الجمالية التشكيلية، وتطلب قوةً أعظم تحرك الشكل باتجاه الموضوع، فتظهر الأعمال الفنية وكأنها قد رسمت بوحي من ذلك الإلهام، واقتضت منها مقدرة تقنية منفعلة بالحدث الذي يضغط على الروح والذهن ويشغل الأفكار، ليخلق "الوسيط اللازم" للإبداع.. فتظهر الأعمال الفنية منغمرة بذلك الفيض الوجداني الرهيف الذي يوجز رمزه (فكرة الموضوع) ويختصر شكل العمل الفني هنا، مسافةً لا تتوفر لفنان آخر فرصة اختصارها.

إن أهم ما في (موضوع الحرب ومعنى الشهادة) هو بناء العمل الفني الشكلي. أما إذا كان الموضوع " مركزياً "، فلا بد أن يتولد التكامل ويحدث الاندماج بين "الانفعال" الذي يسببه الموضوع المركزي، وبين "الاستجابة" التي تتطلبها عناصر التصميم والقيم التشكيلية بحيث يكون اللون والشكل في خدمة القيم النفسية والموضوع معاً. ولكن ليس على حساب البناء الشكلي والإحساس والانفعال بعناصره الذاتية التي تثير فينا الانفعال الجمالي المطلوب. ومع هذا هل نجح الفنانون بنقل مشاعرهم وانفعالاتهم في إطار موضوع محدد، وبالمعالجات والصيغ التي تكشف عن ثقافة كل فنان حاول أن ينقل أفكاره بالأشكال التي تعبر عن موقفه المرتبط بالدلالة الإنسانية..

كانت كل تفاصيل ذاكرتي تتجمع في هذه "الدلالة الإنسانية"، كلما أشرع بنقل الأفكار التي تحاصرني على قماشة اللوحة، وبالصيغة التي تكشف عن "لحظة التطهر" من الأحزان والعذابات المتواصلة، في لحظة واحدة أشبه بلحظةٍ يقسم فيه العشاق بالحب.. أأغني لذلك الوجع. لا فرق عندي بين اللحن والشعر واللوحة. أنها تشكل قيمة عليا. إنها قسم العشاق في لحظة الفيض بحب الوطن والحياة.. من بعد أي نوع من الأزمات التي ستجتاح أمتي، تتنفسس رئتاي الفكرية هواء المعرفة؟.. من أين لي بمصفاة التخيل حينما تتلوث كل الأجزاء، لتتشوه لباب الأشياء الحبيبة؟..

 

س106: وفاء عبد الرزاق: النقد بحاجة لحضور إبداع يحركه،أيهما أكثر حضورا من وجهة نظرك الإبداع، النقد؟

ج106: في تجارب المبدعين، محاولة لمد جسور متخيلة الى الحياة، ولإقامة الدليل على إمكانية ادراكها، وتحقيق الجوانب الممكنة في جوهرياتها ورؤاها، كبديل عن خلق وليد جديد لعالم جديد. أن تقبل مثل هذه الأفكار المتخيلة البديلة، على علاتها، تشكل معنىً معقداً للإحباط المتراكم في أعماق الفنان، بحيث لا يتطابق ونزوعه الثوري وهاجسه المتسامي فوق الضعف الإنساني..

إن الرموز المحبطة التي تومئ إليها المواقف، تؤشر الى طبيعة ونوعية المقاومة الذاتية، وتتم بفعل ثورة تجتاح قدراتنا العادية وقوانا العقلية المنتظمة، الرتيبة. في حين تنبثق في حالات أخرى صحوات خارقة تطلق ومضات فكرية وانتباهات مسكونة بالتحدي..

إنها ومض الإبداع في التجربة الخلاقة. وهي الأرضية التي طالما رعيت على عشبها الكلمات النبوية والأفكار التأسيسية الانقلابية والخطوط والألوان التي غيرت أزماناً وأطواراً من العهود الفنية التقليدية.. فأنا أصحو (على سبيل المثال) كل صباح على تصوّر يبدو وكأني أراه لأول وهلة، غريباً عني، يحرضني على تبنّي موقفٍ جديدٍ من الأشياء والحقائق في العالم الذي يحيط.. كنت أظنه التوتر الأزلي بين شروط الحياة والمصير وغاية الوجود.

ولكن الصورة كانت مغبشة، تختفي، ثم تترجرج أمامي، وقد اخترقتها صورة أخرى.. تتجسد فجأة صورة مياه الأهوار التي ينتهك سكينتها الموحية، انغراز قصب (البردي والجولان) تحت وطأة الريح الشرقية الرطبة. كما انتهكت إيحاءاتها ذهني، كي يتقد من لظى الأفكار المستنبتة عنها والرموز المهيجة، المدهشة، ما يعمق تصوري عن الذات بأكملها.. وتشكل الأحزان بعض محرضاتها. كانت مقاومة الفنان الداخلية، وحدها، القادرة على اقتحام البقع الزرقاء الداكنة على امتداد مياه الاهوار..

وغدت جنين أفكار وحوافز إبداع. لأن الانفلات من إسار العقل ورقابته والهبوط الى مملكة الذات الداخلية، تشكل ملامح الصبوة الفتية المرتمية بأحضان الأمل.. أنها المسافة المطلوبة لافتتان الوعي الفني بجمال القيم المادية الأقرب في منفعتها الحياتية الى عذرية الطبيعة، وليس الى ضراوة الشروط الإنسانية التي أعدتها رقابة الوعي الصارمة في المجتمع. وفي هذا وحده نسعى الى شعاع الأمل الذي يعوضنا سحره عن الملامح الخشنة للواقع القائم، وذلك برسم ملامح الحياة المتخيلة التي طالما وهبت لذة قصوى ومعنى علوياً في جدوى الاستمرار بتغيير الطبائع المكتسبة المفروضة المرتهنة بدرجة تطور وتخلف العوامل المحيطة في المجتمع..

 قد توحي الفكرة المطروحة هنا، بأنها محاولة جديدة تضاف فيما بعد الى تجارب أخرى سابقة.. تخضع الى مرحلتها، وستكون مستقبلاً بحاجة الى مراجعة وتروٍّ حساس. وهي لهذا السبب، قد تبدو من الهواجس التي لا يعول عليها كثيراً في مجال الرؤية المعاصرة في الفن الحديث. وسيتضاءل ذلك الاستنتاج في تأثيره تدريجياً، كلما اكتشفنا أهمية الموقف الاجتماعي المرتبط بدرجة الأحداث الخطيرة في حياة شعبنا العراقي وأمتنا العربية.. بأفكار ومنطلقات ترتبط بعقلية ونفسية هذه الأمة وبوسائل حياتها اليومية، وإجمالاً، بسوسيولوجيتها العامة.

 

س107: وفاء عبد الرزاق: أين الكبير شوكت الربيعي من الطفل؟

ج107: أظل صامتاً أمام اللوحة البيضاء، كالطفل قبل أن يتعلم أبجدية ذاكرته، وأنا أنشد تلك اللمسة من فرشاة الوحشة، أمسك بها كلما اعتصرتني مشقة الجفاف، وغيبتني لحظات التجلي وهي تنضجني خبزاً لأفواه الجياع من أمثالي. فأي طفل شحوب أنا، أسير في أثلام الخمسينات الأخيرة، منكسراً باتجاه بوابة "اعتلال السسبعين" من عمري، أنا النائح بلا أنين، الجرس الذي لا يقرع.

- بعد ولوج العقد السابع لم يعد أمامي الامهمة تحقيق ما بداته في اواخر القد الخامس من القرن العشرين. ونشرت كتاب الأمل ليغطي في أكثر من 800صفحة جانبا واحدا من مشروع ما يزال يشكل أحد أهم همومي الثقافية. أما الآن فانني قد أنجزت الجزء الأكبر من ذلك المشروع: ألا وهو تدوين مقدمة في تاريخ الفنون التشكيلية العربية المعاصرة وظهر موجزا بمليون ونصف كلمة واختصرته للمرة الرابعة، حتى انضغط كثيرا ليبقى عندي منه ألف وخمسمائة صفحة. كانت نصوص كتاب: (مقدمة في تاريخ الفنون التشكيلية العربية)، قد كتبت على امتداد خمسة عقود، مع ما أدخل عليها من هوامش مستجدة، ومراجع مستولدة، وشروح مستفيضة، بحيث ضغطت على حركة المعمارالفني للكتاب ومنهجه وشكله، لتبلور قيمته الثقافية، وأغراضه وأهدافه بحرية أوسع وانطلاقة أرحب.

وحاولنا مجتهدين، بما يسمح به وسعنا، أن نصنف في الفن التشكيلي، كتاباً مشتملاً على قوانينه الكلية والجزئية، اشتمالاً يجمع الاختصار إلى الشرح، و الايجاز إلى إيفاء الأكثر حقه من البيان. ورأينا أن نتكلم أولاً في الأمور العامة الكلية في فروع وأقسام الفن التشكيلي والثقافة المرتبطة بأدب النقد الفني التشكيلي بعامة، أي القسم النظري، والقسم العملي.

ثم بعد ذلك نتكلم في كليات أحكام نقد وتقويم التجارب الفنية: الجماعية والمفردة. ثم في جزئياتها. ثم بعد ذلك في الأحوال والقيم الجمالية والتاريخية الواقعة في أمصار العرب، قطرا فقطرا. فنبتدئ أولاً بدراسة موجزة لجغرافية وتاريخية وطوبوجرافية البيئة والأوان والأنسان والطبيعة وظواهر الوجود القائمة المؤثرة في الحضارة على درجاتها وتنوعها. وكذلك منافعها.

ثم إذا فرغنا من تدوين وتفصيل ذلك التتبع المرحلي لتطور الانسان المبدع، ابتدأنا في أكثر المواضع بالدلالة على كيفية حفظ قيمته الانسانية. ثم دللنا بالقول والبينة، على كليات تحولها وتقدمها وأسبابها وطرق الاستدلالات عليها وطرق معالجاتها بالقول الكلي أيضاً.

فإذا فرغنا من هذه الأمور الكلية أقبلنا على أبواب وفصول الكتاب الجزئية، ودللنا أولاً في أكثرها على الحكم الكلي في علله وأسبابه ودلائلة، ثم تخلصنا إلى الأحكام الجزئية، ثم أعطينا المنهج الكلي في المعالجة. ثم نزلنا إلى المعالجات الجزئية باستنتاجات بسيطة أو مركبة، و جمعنا هذا الكتاب على وفق منهج حيوي متقدم، وأجرينا تقسيمه إلى أبواب وفروع وأجزاء ومفاصل، وملاحق للأعلام وللمصطلحات والمداخلات والشروح وروافد البحث ومناهله ومراجعه ومصادره.

واختتمنا ذلك، بأدلة للفنانين التشكيليين العرب والأجانب الذين تأثر يتجاربهم، الفنانون العرب والمسلمون.

ولعل هذا الجهد، سيندرج في المستقبل، بين المؤلفات العربية المباركة في فوائدها للناس في الفن التشكيلي، وهو يشمل ما لا يقل عن مليون ونصف كلمة، بعد اختصاره وينقسم أقساماً وفروعاً حسب تصنيف دقيق، بحيث يشكل علامة متميزة في تاريخ الفنون التشكيلية العربية المعاصرة، ومنهلا فراتا لدراسه الفن التشكيلي في الوطن العربي. كانت الأعمال الفنية التي أنجزها المبدعون في الوطن العربي، والحروف التي كتبت بأبجدية عربية واسلامية، انسانية، قد قدمت بهاجس مسمى (الأمل): قد تم تشييد معماره أيضا بروح شغوفة من ذلك الأمل المتخيل، عالم المسمى الأخضر الخصب الرقيق المحبب الذي اخترعناه لتبرير مخاوفنا من المجهول. والأمل هو الرمز الوحيد الذي لا يفقد بريقه في النفوس، ولا يخسر مكانته المرموقة أمام أحداث العالم القائمة.

من هنا تجدنا متعلقين بأطراف غيمة الأمل المغادرة. إذ تلوح الكتابة عنه بلغة تفيض بالعاطفة النبيلة وبالشغف المدهش.

- ذلك ياسيدة الشعر المدهشة، شوكت الكبير الذي تتسائلين عنه. أما وجه الطفولة فيه، المرتكن في أعماقه، الطاغي أحيانا على جوانب من فنه وكتاباته، فهو يجتاح ربع اللبيدو عندي.

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

.............................

  

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1704 المصادف: 2011-05-06 03:48:36