تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (14)

s9خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة عشرة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق3) من اسئلة الشاعرة والقاصة وفاء عبد الرزاق.  

 

س108: وفاء عبد الرزاق:يوميات رسام، هل هي مشاهدات يومية أم استرجاع ذكرى مَن تركوا أثرا في حياتك وتستذكر تجاربهم؟

ج108: كل لمسة فرشاة.. فيها (نطف من هذا العالم). تحمل وعياً للإنسان بذاته... نطف وملامح تتبلور في ذات الأشكال المرسومة، تخدم إيقاع اللون.. وتنوّع في صيغة تكنيكه. كي يخدم أغراض الشكل.. ويعبر عن لبّ الفكر.. واللون إذا ركّب فوق اللون صار بناء.. وبهذي المتعة تبنى الأشكال.. وتشاد علاقات التصميم، وتشع الأفكار، ويندمج الموضوع بروح الشكل، وينغمر الشكل بفيض المضمون.. ولهذا تخترق اللوحة أعين رائيها.. فتؤثر فيها. وتعمّق نظرته للإنسان المبدع.. للدنيا، ولرقة كل نساء العالم.. ولرعشة كل جميلات الأحلام  المكبوتة في غرف النوم، وفي أنحاء الأرض المهجورة من طيف الفرسان.. ولبسمة كل الأطفال، وكل الحيوات الموجودة في عمق الأكوان.. ما أروع هذا الوصف، لكن لا أجمل من أن يوجد من يدرك معنى الفن.

إن كل حركة خطٍ أو بناء كتلةٍ في مساحة اللوحة، تبدو وكأن أنفاساً محترقة، أشادتها لخدمة العلاقة العامة لمكونات الشكل الفني.. الرموز المستنبتة أو المختزلة، المستخرجة مع الأحلام. إن ذلك يشكل الوحدة العضوية لبناء القيمة الإبداعية في الأثر الفني.. هناك صلة قربى ووشائج محبة بين العمل الفني وبين المتلقي، تستمد فاعليتها وأثرها من الديمومة الحركية الأخاذة التي تضع الفرد، المشاهد، المتلقي في موضع اللبث، التوقف، التوحد، فتلغي الحواجز بينهما: بين العمل الفني والمشاهد غير العادي، ويتم التفاعل النسبي.

نطرح الأسئلة المتعلقة ببنيان العمل التصويري. ما جدوى الحركة اللونية المستنبطة من (مرحلة الكمون)؟ أهو البحث والتقصي عن بديل جديد لواقع معاش مرفوض؟ ما هي قيمة الطوفان في عالم مستدرج من الأنا؟ ما لون البحث عن وعي ومفهوم جديدين لعالم غير قابلة نواته للتجزؤ والتفتت؟ هل هي نوعية الحياة التي نحلم بها، وننوي امتلاكها في العمل الفني؟ وهل كل إنسان في مجاله يحلم بذلك؟ هل حقاً أن الألوان على سطح اللوحة، ببعدين وبحركة أساس متجهة نحو مركز اللوحة تجعلنا نتوهم عالماً من الثراء والغنى لدرجة نتيه فيها عن التركيز في الماهية المكونة للقيمة الإبداعية في الأثر الفني؟..

قد يكون (العالم الفني) غير المفسر بعد، وهو سفر مسحور، بفعل الخيال، هو الذي يرفد الدلالة الفاضحة بسيماء الباطن الذي يختزن آلاف الحقائق الميتافيزيقية والجمالية، وتبدو للوهلة الأولى وكأنها عالم متوحد، ولكنها حالة ادراكية غير متكاملة ولا تعطي تصوراً واضحاً للقيمة الحقيقية في العمل الفني إذا ما خضع لقواعد النقد، لأن ذلك يعود لقناعات الناقد الخاصة، التي يلفها تضخم في معيار النقد جمالياً، في حين تأتي التجربة انعكاسا أميناً (للحظة) للحالة التي يعيشها الإنسان..

وتتجلى خصائص التجربة بوضوح عبر ما ينسجه من وحدات أساسية وثانوية في هيكل العمل، ينمو بفعلها الشكل الفني عموماً، ويتصاعد مضمونه على أساس من الشعور غير المكتشف بالنسبة للمشاهد والراصد.. وأظن أن الفنان، وهو في حالة تعبير، يتملكه شعور عارم بالتجربة الداخلية لذاتها وليس لذات الكشف الذي يبحث عنه النقد. ومن هنا يأتي البحث متدرجاً جزئياً عبر حس من طراز غير قابل للفصل عن مجمل التجارب السابقة، وحتى اللاحقة..

أن السيماء التي أطلق عليها (أندره بريتون) بالسريالية هي إدراك من نوع باطني حدسي، ملقى في بقاع غير مكتشفة من أقطاب السحر الأولى. وهذا المصطلح الذي استعرته بحكم التصدي الى السيمياء السريالية، لا يعطي حق الاختيار بين حدس الأعماق وحدس الظواهر فما بينهما من مسار ورؤية، يجعلني شاكاً الى حد النفي بالحقائق، وتصير نتائج البحث هنا، بمعزل عن مكوناتها الأساس في الولادة، والتي لا يمكن تصورها على نحو اعتباطي.

هذه الولادة الفنية هي التي تمثل الصلة الحساسة بين قطبي " السحر " و(الواقع)، وتشير الى نوعية وأهمية علاقتنا بتلك الصلة (فكراَ وتعبيراً) وعبر معرج التجربة الفنية، التي تهبنا رغبة في التمييز والتعبير عن حالات وجدانية نفتقدها في عالمنا المعاش وبعيدة عن متناول حلمنا الأرضي ـ والجسدي لذلك تتفجر الرغبة في التعبير عن ملابساتها على أساس (البديل) المعشوق غير العياني. ومن هنا تأتي الأهمية القصوى في الإبداع الفني، حين يعيش الفنان البديل لحياته التي يفتقدها خارج حدود ذاته، ومجتمعه، وحضارته. والرائعة الفنية تعبر عن تلك الصلة تعبيراً واعياً لا يمكن تصوره بمعزل عن الصراعات والتناقضات داخل حدود الإنسان وخارجه. في الوقت ذاته لا يمكن تصوره بمعزل عن أقطاب السحر الأولى.

وهكذا تبدأ عملية التوازن في المستوى الذي تتشكل خلاله العلاقة بالمحيط والبيئة والأخلاق والمجتمع والأشياء في العالم. ومن هنا يولد الجزء الأعظم من البديل المفترض، عبر الخيال أولاً، أو عبر التحقق ثانياً. وأخشى ان يأتي الزمن الذي يفسد فيه نقاء هذه الرؤى وصفاؤها؛ بأن تحال الى كتلة هامدة مكررة الظلال بفعل التقاعس عن استنهاض مقدرات الخيال ذاتها نحو الإبداع. أتذكر حواراً بيني وبين الرسامة التونسية " حياة بو طيبة " عندما كنت في زيارة ميدانية لأقطار المغرب العربي، لتأليف كتاب عن الفن العربي المعاصر عام 1978 وتحدثنا عن البدائل المشتهاة في الحياة.. وكيف كنا نخلق عالماً من الوهم. هو " أساساً " عالم موجود في الواقع، كالخيمة، الصحراء، الماعز، الحليب، الماء الذي يتقطر من كوز (الحب)، القطط، الكلاب، الخيل، الجمال..

هذه الوحدات الموجودة في الواقع لا تحتاج الى أن تصير بدائل في خيال البعض، ولكنها كانت فعلاً تشكل (بدائل) في خيالنا، نستجديها لواقعنا عبر الخيال، وهي أشد العوالم التصاقاً بنا، من الداخل وهذا ما نحتاجه ونتمناه بالواقع كبديل جاهز.. إنما لأننا نشعر بالمسافات الحضارية تدنس من حيوية خيالنا وتحاصره، وتيبس عروقه. هناك إذن هوة تفصلنا عما نشتهي، وهناك انفصال فيما ينبغي أن يكون، وكلاهما (الاشتهاء، والانفصال)، نقص في الواقع المفترض. وما نتخيله (البديل) هو ليس الانفلات من إسار الواقع، ولا هرباً عنه ولا تلطيفاً لأثاره فينا، ولكنه موقف تتحد في ضوئه خصوصية الرؤية، الحلم، العالم المفترض، طبيعة صلتنا بالأشياء والحالات والظواهر، صلة مشاعرنا بكل هذا، وذاك.

ومن هنا تتضح القيمة الإبداعية في الفن.. ولكن ذلك لا يعني النمط الأحادي في التعبير، كما انه ليس السبيل الوحيد الى أن تولد الرائعة الفنية. فهنالك اختيارات متعددة ومختلفة في المواقف المتنوعة والمتباينة. تؤكد أيضاً، مدى ارتباطها بالتعبير الفني من الرؤية التي أنظر فيها الى الحياة، لغرض إعادة بناء الصورة المثلى للواقع.. ومن هنا تأتي خصوصية العمل الإبداعي الذي كان فيما مضى ملقى في بقاع السحر الأولى، غير المكتشفة. وهكذا تجيء مفردات العمل الفني وأساسيات الشكل العام له متساوقة والتجربة الإنسانية، الحياتية التي لا تخضع الى منطق السيطرة.

نخبة من الفنانين التشكيليين، وعلى مدى تاريخ الفن الحديث، من استخدم حياته غير المعلنة، وظيفة ومادة جمالية في العمل الفني، بمثل هذا الاستخدام وبمثل هذه الرموز وهالات الغموض التي نحن عليها الآن، وربما ليس في وقت آخر. والمشاهد غير المدرب على التعامل مع اللوحة أو العمل الفني، سيجد نفسه محاطاً بتقديرات بعيدة عما يشعر به في عالم اللوحة. قد تتحمل الأشياء أكثر مما ينبغي، وقد تشكل هذه الحالة سمة التباعد ومسافة فاصلة بين العمل الفني وبين المتلقي.

حينما أستعيد اللحظات التي أعمل فيها بدأب وبحث وتقصٍّ وعندما أتذكر أجزاء العالم الذي أبنيه بمقدرة الخيال عن واقع معطى، أشعر وكأن شغاف القلب يحتضن نطفة خلق جديد، وان الخيال يشع في وديان التعبير نوراً أكبر مني أحياناً، ومشكاة هدى أعظم من قدرتي على التفسير والتعبير عنها بدون الخيال وبدون الأحلام. والفنان في هذه الحالة يعلو على جسده وفي الزمن الذي مدّ حاضره بقوة التمييز، فكان الحضور في الماضي وأمسى الحضور في الغد وما بينهما حقيقة لم تتقرر بعد.. وتجيء اللوحة المبدعة إضافة مفتونة ساحرة، يفترض بالفنان أن يحافظ على حيوية تجربته فيها، وينقلها الى المشاهد بما عليها من خصائص وسماتٍ شعريةٍ وحلمٍ ورموزٍ، تثير على الدوام شعوراً بالفرح المتصاعد، فأحس كما لو أن عيون ميدوزا تحجر الزمن المبتغى، ويحتويني كنواة حولها ارتجف الفرح من سكرة تخطي الزمن المادي.

ان عالم اللوحة (الإضافة)، ملاذ للأرواح الحساسة التي تعاني من ضغوط الحياة، والتي تجد جزءاً من حريتها، وومضةً من بريق رغبتها في اللجوء إليها. ومع هذا فهل بمقدور هذا العالم أن ينسينا لحظات التفكير بالموت؟ هل أن زمن اللوحة كزمن (أهل الكهف) ولبثهم؟ أم هو زمن الثورة والتغيير الجوهري في (خلق الذات)؟

إن تراكم الحقائق، تشكل ضغطاً على الخيال المستمدة عناصره من الماضي، من خيال الطفولة، ومن خيال التاريخ ومن المناطق اللا مغزورة في الباطن، اللا شعور. وسيتحول هذا الضغط الى جفاف في أنفاس الخيال ذاته إذا لم يتعجل المرء فضح الجوانب المطهرة في باحات الحلم السرية.

نحن هكذا.. شئنا أم أبينا.. نسير في حرث أرضٍ بكر، وعرة. نقذف بها هكذا، وهناً على وهن، وكرهاً على كره.. نولد ونعيش وننتهي جسدياً، ولكننا لم ندرك بعد ماذا ينتظرنا من مصير، وأي نوع من المصائر، بل أي موت أرضي سيحتوينا؛ أهو موت اليقظة ذلك؟.. أم هو هفوات الخيال ومطباته في يقظة الحلم. على أية دائرة تروى هذه النبوءات؟ وعلى أية صورة متخيلة تهبنا (النوئيما) لحظات الصفاء ويتلاشى أو يتجسد خط العذاب بين أسفار الحزن ونهايات الآلام؟

إن الأجوبة المرتقبة تظهر شيئاً فشيئاً، خلال الأثر الفني ويتملكنا شعور طفولة، بأن خرم الإبرة الذي نستل منه الخيط، يساعدنا على تصوّر بديل للثقب في جدار الحياة، نطل منه خلاله على ما نحلم به أحياناً كثيرة، ونراقب منه أية صورة لذلك الحلم، وأي امتداد بلوري لسماته، وأية سعادة نتأملها من اجل تصور حياة بأسرها..

إن كل لوحة تشكل اضافة، تعني (ذلك الثقب) في جدار الحياة. نستشرف خلاله الحلم البديل لواقع معاش، طالما تكون هذه الثقوب حزمات ضوء تتسلط على الجوانب المعتمة من عوالمنا.. شريط ملون من الذكريات التي ما أن نمسح عنها تراب العقل حتى تبدو مهيبة وضاءة تشكل فصول الحياة المفترضة..

مصير اللوحة جزء من مصير الفنان، والفنان وجه الأمة في مصيرها، وزمنه ترديد لأزمانها وإبداع عنها، وهو في الوقت نفسه، تعبير عن سيمياء نطفة الحياة الأولى، وهو جزء من الاطمئنان، وان امتلك شحنات ضوءٍ اخترقت وتخترق جدران (القلق).. قد تشكل وعوداً تكشف عن بنيتها تجربة فأخرى، كما يكتشف العلم تجربة فتجربة، أن في الكون ما هو أكبر مما يتصوره العقل ويرتاح الى تصديقه؟ وهذه أيضاً حالة من الأمتدادات اللامتناهية في الوجود ومن عدم اطمئنان الإنسان الى ما هو كائن فيه وما هو متكون منه وما هو ماثل إليه.

ومهما يكن من اكتشاف في ميدان العلوم التكنوذرية والفضائية تظل على الدوام أسئلة كبيرة جداً على الشفاه. هناك الكثير من الدلالات والمعاني التي كانت ترافق تصوري حينما أشرع برسم لوحة أو مجموعة لوحات لموضوع واحد، على قلتها، كانت تلقي بثقلها علي. إذ أستعيد لحظات العمل فيها متأملاً لا محللاً، فبوحي من التركيز على قيمتها الجمالية وحسب..

هل حقاً أن هناك قوانين تحكم الحياة والإنسان والعالم، كما تحكم الكون قوانين صارمة ونظم من طراز رياضي محكم؟ وهل هناك بالمقابل قوانين لا حدود لها تتحكم في ذات الفنان باطنياً. إذاً فهنالك قوانين مشابهة تحكم العمل الفني، وان اكتشاف صياغات نسبية للقيمة الإبداعية في الفن، تأتي ضمن التجربة ذاتها وليس وفق قوانين ملقاة في الماضي جاهزة.

غير إن الإطار العام هو الذي يحكم الأبعاد.. فكما أن للقمر قانونه الخاص وانه مرتبط بقانون الأرض وكلاهما مرتبط بقانون المنظومة الشمسية وهذه مرتبطة بقوانين كونية للسديم والمنظومات الأخرى. كذلك تكون الخصوصية في تصميم العمل الفني العام، قد حققت توازنها لا في "الواقع" الذي هو العالم الخارجي بالنسبة للوحة، فحسب، بل في مفردات العمل الفني الإبداعي وتفاصيله وصياغته.

أن طريقة تعامل الفنان مع لحظات مؤرخة ومعاشة بمعاناة، تحقق امتلاءً مكانياً وزمانياً ثرياً في شكله ومضمونه، إذ تقذفنا في فصول الحالات التي يعيشها الفنان كالبرق، لم تدثرها مطاوي النسيان لكونها مؤرخة، ولم تلفعها هواجس التردد لأنها معاشة بمعاناة صادقة، ولم تخلق هكذا مجازاً لأنها محكومة ببناء وقوانين. وما بين هذه العلاقات ضرب من الحدث الروائي.. ما بينها أشياء وشواهد وعلاقات وملامح ورؤى اجتمعت أو تناثرت، المهم أنها تمتلك هيئات محددة وحيوات كان لها أصداء معينة في الذاكرة. أي أن ملامح تلك الأشياء وحالاتها لها نعت زماني ومكاني تضبطه مكونات وجدانية ومعرفية وتقنية.

من هنا يحاول الفنان استعادة، الصور المثلى لمشاهد قد مضت ويحاول بعث الحياة فيها مجدداً، وفي حالتي الزمان والمكان. ومن هنا المسلك الى استنهاض الخيال لحضور غابر أو ما هو أشبه بذلك. ويأتي الإنتاج الفني ساعة استعادة روح الأشياء في الطبائع المتناقضة، محملاً بخلفية ثقافية، هي ضرب أخاذ من الحدث الروائي.. وتأتي الحياة، عزيزة حبيبة مرتعشة خلال الفن. وفي مثل حالة التوهج هذه، نكون قد تخطينا ما ندعوه الآن بالنسيان الأبدي، الذي هو الموت.

لأن الفن غاية، المؤرخ الحقيقي لحالات المبدع وذبذباته وانفعالاته بالواقع وبتفاصيل الحياة.. يتبلور، تجربة فأخرى، مفهوم الفنان عن العالم الفني وتفاصيله، إذ كلما برق في ذهن المبدع طيف، أو بعث من وعاء باطنه العميق حلما يسهم الخيال في إبداعه، كلما اكتشفنا مع ذلك المفن، أسرار التقنيات وغوامض الجمال في ما أدركه هو أولاً، وفي ما أدركناه عنه وتلقيناه من انفعال بالموضوع، ثانياً.. وهكذا تنساب الفكرة طليقة متحررة، ضمن كل الحالات، أول الأمر، ثم تبدأ مرحلة التأمل إزاء القوانين التي تحكم التصميم العام، أو البناء الكلي للعمل الفني بحسب خبرة الفنان وعمق تجربته..

إن تماس الذاكرة مع نوعية ملمس الأشياء في أعماق الفنان، هي أول التماعة للقدحة الأولى في بعث الحياة مجددا بكل ما تمتلكه من أحاسيس ومشاعر إزاءها، وما تقدمه التجربة عنها من كشوفات وإحاطة تغذيها (عربة الروح المجنحة) الآتية من مملكة الطفولة المجيدة.. من هنا يكتشف المشاهد المدرك أهمية الأشياء وبهاءها، والتي يحسها الفنان عبر عيني طفل وخلال مخيلة فكر ناضج.. سواء أكان بحرير من الوهم أم بإطار من الخداع والزيف أم من نقص في المخيلة أم من بديل أرومة أم من ضياء أشعر به أم من سؤال يضغط على ذهني أم بسبب حقيقة من الحقائق..

تقودني هذه الأمور جميعاً الى السؤال التالي: ما سر الفن، وعلاقته الرياضية بالروح والمشاعر وبالمتلقي؟ في الجواب بعض من التخوف والذهول من جلال المحتوى الغامض، فالفن ليس كل ذلك.. وهو كل ذلك.. ولكنه ليس مطلق المفهوم، وذلك لجزئيته إزاء الحالات الكبرى في الوجود. قد يكون حلماً في سحر يذوي فيه العاشق والمعشوق، وفي فيضهما، وقيمته من قيمة أشياء كثيرة وحالات وصراعات متعددة في الحياة وفي خلق الذات التي أحيانا نلحفها باسرجة من الوهم الحقيقي. وعدا ذلك من معان، سيكون الفن خدعة لا مثيل لها، وبالتالي سيكون وجودنا خدعة أيضا، وخدعة ملعونة الى الأبد..

حقا أن هذا الأمر سيقودنا الى متابعة معنى الفن، أهو قيمة خادعة أم لغز مؤثر متفاعل مغير وفاعل في الحياة؟ وبدت الأجوبة على نحو غامض في ذهني، بل متشابك. وسبب ذلك يعود الى خيبة الفكر المحاصر وعجزه عن إيجاد تفسير واضح وحيوي لمعنى الحياة وأسرارها وألغازها. ودور الفن في التعبير عنها ينبغي أن يكون دون انسحاق الآمال.. لان انسحاق الآمال دون الفن، يأتي عن عقم في الجهاز العصبي ذاته، وعن خلل في الذاكرة العادية. إذ هي عاجزة عن فتح الممرات السرية الى الخيال، وعاجزة عن حماية ما حفظته منذ أمد بعيد من سيمياء الحقيقة الملغزة. ولكن ذلك لا يصح تعميمه في هذا المجال.

نعود فنقول: هناك قوانين غير معلنة وسرية تتحكم في المصائر، كما أن هناك قوانين لا حدود لها تتوالد كالاميبيا، تهب القدرة على ولوج تلك البوابات المعتمة من ذواتنا. وسيأتي اليوم الذي نكتشف فيه إمكانية حل الغاز (الكون والمنظومات السابحة فيه) والعوالم المبهمة، بالقدر الذي نكتشف فيه ما يلفنا مكن إبهام في الذات السفلى وما مورس من طغيان على ملكة الخيال وشحنات الوجدان منذ أمد بعيد، حتى صرنا منقادين طواعية الى الإيمان بوجود ثقوب في جدران النفس والحياة معاً، نطل من خلالها على حقائق الأشياء التي كنا فيما مضى، نعتقد بلا جدواها، حتى غدت حقيقة تهددنا، عوضا عن أن تكون حقيقة نستحسنها أو نفهمها أو تغير ما في أنفسنا أو نشتهيها في اضعف الحالات التي يكون عليها منطق الذكاء قمعياً ونافياً لمفعول ودور واثر الخيال فينا. مما يؤدي بالنتيجة الى تشكيل نواة تهديم داخل رحم الحلم والذاكرة. ومن هنا يبدأ معنى الغربة وفقدان التوازن. ولم نعد قادرين على الاحتفاظ بالحقائق التي كنا من قبل نعتقد أنها حقائق الطفولة التي لا تخضع لمنطق التجربة المعقلنة. هل لا بد أن نبعث مجددا كل لحظة في أعماق الطفولة عبر الخيال؟.. هل لا بد أن يعاد تخطيط الرؤى في وفق ذلك التصور، وبوسيلة الفن؟

إن العالم الذي مركزه (اللون والحركة والأشياء في الواقع)، عالم حقيقي.. الحقيقة التي تتضمنها اللوحة، والتي تبدو كما لو أنها من نسيج الخيال وحده، ظهرت وكأنها وقائع وصور صاغها خيال خصب، قد يقودنا الى اعتبار ذلك عملا يقدم جانبا من الحقائق المؤثرة. لأنها قد تزاوجت مع التصور الخاص الكائن في أعماق الفنان. وان تلك الحقائق انبثقت من عالم الفنان الذي جاء بوجه طفولي لم يمسسه زيف العالم الخارجي..

هكذا كنت أرى هذه التجربة، وقد أزاحت الضباب عن شبكيتي عينيّ المنغلقتين على اختلاق وديان وهمية ورؤى سرابية تعودتها كل يوم، بل كل لحظة، حتى أصبحت في عاديتها جزءً من إشكاليات واختناقات العالم الآلي وخداعه. ولن ينقذنا من هذا الدوار، سوى الذاكرة المبدعة وما فيها من جوهريات تنمي القدرة على تخيل عالم بديل من الغبطة والمسرة، ومن أوار تلك الذاكرة تولد خيوط شعاعية تشكل نواة الرؤية الإبداعية في الفن.

كانت تفاصيلها قد تجمعت تجربة فتجربة حتى تولدت عنها قيم (رائعة فنية) ونمت في رحم العالم المشتهى المرتقب في الكتلة التاريخية الجديدة التي باركها يوم ولدت، (كلكامش الفكر الإنساني).. من هنا يزداد الضغط بشدة لاتخاذ موقف ما إزاء العمل الفني والكيفية التي يبدع بها الفنان.. والوسيلة التي يسمع بها الأصوات، ويبصر بها الألوان في الأشياء، ويجس نبض الحالات الإنسانية على مدى البصيرة.. ما هي القدرة على تخيل الأحاسيس في هذا العالم الممتزج الذكريات، المتطابق مع حالات مشوشة ومفترضة مبتغاة ومتخيلة.

إن نسبة تطابق وعي الفنان الحقيقي من الخارج، مع ما هو متراكم في داخله من طبقات الذكرى، اللا واعية، التي تحتوي على مفاهيم وقيم ومعاني حقيقية ملقاة في قعرها، تبدو للآخرين وكأنها من وحي المخيلة المجردة، تؤكد أن الفنان يتمثل عالما قد تم تشييده في ذاته، فأعيدت صياغته وهندسته وجماليته. فكان هذا التصور الخاص الدقيق في تحليله وتبريره، هو الجواب المدرك المتصل بالعالم الخارجي اتصالاً نبوياً، حاملاً المعنى الداخلي للظواهر والحالات والأشياء والحقائق، وكل المصطلحات التي ما تزال الى اليوم، تشكل غموضاً في الفكر الإنساني الذي كنا نعتقد بأنه قد وعى حدود الذاكرة..

 

س109: وفاء عبد الرزاق:بعد كل هذه الأسئلة اسمح لي أن أسالك: شوكت الربيعي من أنت؟

ج109: أنا رسام يتعلم نطق الحرف ورسم الصورة.. يتهجى من أسماء الابداع اسما، لونا يطوف رحاب اللوحة.. عبر اللون، أعاني من وهج الروح معاناة العشاق. أرسم بها الجهات. أغني وأزرع وأفكر بالفراغ على الأرض وفي الأكوان. هذه اللوحة التي أسعى الى إملاء مساحاتها بآفاق ما اكتسبته وهضمته وتعلمته وأدركته وأبدعت فيه، عبر سنوات القحط وأعوام العافية، وبكائيات الأيام الموحشة وارتعاشات اللحظة المغبطة.

أسوّي بها انكساراتي في نشيد الحياة، حتى لا اتعب من حمل أوجاعي منفرداً متشحاً بسواد خمار الغربة. أطوف في رحاب عالم اللوحة.. عبر اللون، فأعاني من وهج روحها معاناة العشاق. أرسم بها الجهات. أغني وأزرع وأفكر بالفراغ على الأرض وفي الأكوان. هذه اللوحة التي أسعى الى إملاء مساحاتها بآفاق ما اكتسبته وهضمته وتعلمته وأدركته وأبدعت فيه، عبر سنوات القحط وأعوام العافية، وبكائيات الأيام الموحشة وارتعاشات اللحظة المغبطة. أسوّي بها انكساراتي في نشيد الحياة، حتى لا اتعب من حمل أوجاعي منفرداً متشحاً بسواد خمار الغربة.

أما الآن.. فأراني، منذ ثلاث سنوات، متنقلاً بين ميلانو وبرلين وبوتسدام وأمستردام وبازل وبروكسل وروما وعمان وصنعاء وبغداد، مسقط لكي أعرض لعيون الآخرين مرآتي وذاكرتي. وأفعل ذلك لانغماسي بمداواة رؤاي، وبترميم ملامح إنشادي المغبرّة.. ولأنني لا ألمح جسدي من ظلّي من غباري.. فأنا أطاولها، لأسدّد ديني الى نفسي المحرومة الصابرة.. فطالما أعددت لها كأساً من إبريق الوجع والخوف.

وما كان ترس يصد ضربة سيف الخوف أو مدفعه أو طائرة الشبح عنده، سوى البدائل المشتهاة، المختلقة في الخيال، فهي حقلي وفضائي، هي رؤيتي الخاصة جداً في نسيج روحي، تؤنس وحدتي.. فأين لي بصديق يمشط معي جديلة الأحلام؟.. من لي بكوىً تفتح منافذها مشرعةً لأنفاس الأحبة؟ أأتنفسها في حرير فراشها أم في أشواكه؟..

أخاطب، خلال روحك الأزرق الذي يشفّ عن رؤى بلّورية، كلَّ صديق وفيّ، هو همزة الرحمة بين الخوف والفرح، هو الخط الذي لا يرى بين لونين متجاورين.. كيف لي أن أطلعك على عمق جرحي، وكم من العمر يمر علينا بعد دمس الليل الأفحم، وأنّى لي بهلال "ابن المعتز" الذي يحصد الشوك والنرجسا.. كمنجلٍ قد صيغ من فضة الروح وذهبها. وأين هو الهلال الذي بدا " يهتك من أنواره الحندسا ".. وأعيد عليكم سؤالي " كيف لي أن أرى قبر مالك "؟. أليس الشجى يبعث الأسى، ويشد الوجدان، ويستولد زمان المحبة والحنان؟.. كم من العمر يمضي وينقضي لاستحضار الأحداث والأزمان والأسماء وملامح الوجوه الغائبة.. وكم سيطول بنا الحزن ودوام لهب الخوف.. وأية صخرة نحمل على أكتافنا، وكم نحتاج لمثل الأخشاب التي ربط إليها (عمار بن ياسر) فنشد إلى آلامنا.. وكم غصنٍ يابسٍ يعوزنا من شجرة "الحلاج" لكي نصلب على هاماتها.. وأية أحزان تسري في أجسادنا من هؤلاء الشهداء، مسرى الدم، تتنزه في حدائق مخاوفنا السرية، بل في أحراش مأساتنا الموحشة. نحن الرِيَم الجريحة..

 

لا أعجب من هذا الوصف، تشتعل في دقائقه ومساماته حماسة منطفئة لحياةٍ هي في الحقيقة رغبة مفروضة بموت بطيء مأمول. هي مرثية جديدة أخرى تضاف إلى فواجع ومراثي المشتعلين في جمرات حبهم. وذاك زاد الرحلة في آخر مواسم الهجرة إلى احتطاب مزارع الحنطة في الأراضي الممتدة الشاسعة في مدينتي "العمارة ".. والى مواسم جني تمور النخيل في ارض السواد "البصرة ". فهل لابد للثمار الناضجة من حصيد؟..أنها آخر زفرة محترقة من لهاث المكابدين المجروحين العطشى، الخائضين لبن الرؤى. لا أقرب من هذا الوصف.. فأي فلاة تجمعني بكم يا فضاء المبدعين، سوى الروح. مسترحماً ضوءاً..صوتاً.. حلماً قد يجيء وشيكاً في ركعة، في صلاة.

 

ثمة هاجس يتنفسني لهول ما اقتربت به نحو النور. بل لهول ما دنوت به إلى معنى الموت. فما عدت طفلاً مدللاً أو مراهقاً شبقاً " فتىً من ربيعه " جذلاً تيّاها بشبابه.. إنما أنجبتني مجدداً، ضغوط ذاكرة حضارتي الشخصية، ابتداء من المبدع السومري حتى آخر شهيد عراقي أو عربي سقط بلعبة كبار الساسة " المتدربين " على حساب آلام شعوبهم ومعاناتها في العالم الراهن. فغدوت بفعل رقعة شطرنج أولئك المتدربين في السياسة القميئة، اشتعل حزناً كل لحظة، وكأنني في شيخوخة العصافير المبكرة.. بانتظار عودة كلكامش..

 

ما أدهش هذا الوصف.. بأي معنىً تفرشون أجوبتكم أمامي.. وبأي مهجةٍ أجيب على أسئلتكم، وفي رحم تجربتي طفل يعدم.. وأمه تهب " فخذيها للقائد كي تسلم ".. فبأي منىً أشرح صدوركم؟. فأنتم مثلي تعانون الكثير.. ونظل جميعاً بلا أجوبة للأسئلة الصعبة الحرجة التي طرحها السالفون الأبعدون المعذبون دون وصول.. لا خيمة تستر أفكارنا من ريح الهاجرة. لا رئة تستوعب هجير الصحراء. فمن أي صخر نحتنا، ومن أي عينٍ نبعنا؟ ومن أي صلصال عدّلنا؟ أَمِنْ رملٍ جبِلّنْا؟ أم مِن طينٍ معنّى؟ وأرواحنا.. من أي نورٍ انبثقت ومن أي وهج سطعت؟..

 

لقد ضاق بنا ماوسعته أكوان العارفين. وضاقت التفاسير مما وسعنا، حتى إذا سلكنا طريق الوصول، " بيداء أم خضراء" ركبنا موجاً عاتياً صوب المدى.. فأول المطاف أن نعود، وآخر المطاف أن نظل بانتظار الشفيع الغائب الحاضر، الذي يأتي ولا يأتي. (ما أعجب هذا الوصف. لكن، لا أعجب من أن يوجد من يعدو للخلف). تلك هي خارطة ذاكرتي وتضاريسها المغبشة بفعل قساة العالم. أحدق بها فازداد وجعا.. هي مرآتي، وجودي ومماتي وجرحي القديم.. فهل إلاّ بجرحٍ جديد ينكأ بقايا جرحٍ قديم تشجه وتبضعه وتشرطه ضغوطٌ مضافة أخرى، حتى اينع حرقةً وعذاباً، وأستحيل إلى روح يرقّقها شجو الألم. وأين أطوف بها.. أرمم ما تمزق من نسيجها.. هل أسعى إلى جعلها نقطة في ألف المبتدأ؟ والألف أول الأشياء وآخر الأسماء ومنتهاها.. فهي " تكاشفني" حتى كأنها في نفسي ولا أرى سوى وحشتي من المدى.. أما المدى ذاته فيها، فموزع الأنفاس في متاهات الفضاء، توسدته اليوم غيوماً مرتجاة مبتغاة مشتهاة. ولكن هيهات. إذ كلما أقصد وجهي فلا ملامح أرى، وأسعى إلى روحي فلا ضوء أرى. ولكن العقل يقول بأن حصيد الثمار الناضجة، يعني جني روح الحياة. فهل الغصة بذاك الاستشهاد على مضض، ينجينا من هم التأمل بفاجعة الموت التي نذري رمادها على صفحات مياه الآمال؟. هل نؤمن بحلم الغد، ونجلس على ضفة الحلم. ونشعر بثقل الوحدة تطحننا، فنصبح كرماد العنقاء. فتدعونا ملامح جميع الأشياء باسمنا، وتمس غربتنا عن العالم مساً حنوناً رقيقاً.. وأنّى يكون لنا ذلك دون أن نخلق عالماً من الفن، نكون مسيطرين تماماً على محتواه وشكله وقيمته..

 l14

 

س110: وفاء عبد الرزاق: الأسرة، الوطن، تزاحم الأمكنة، الفواصل والإشارات، ماذا يعني كل ذلك لفنان كبير؟

ج110: إن أول تهدج وتمتمة لآية الطفولة، والشعور العميق بالغربة، هو ذلك الرجاء الغائب الساعي نحو الإمساك بأطراف غيمةٍ تائهةٍ، فلا أنا ممسك بها ولا هي ممطرة، فتتركني بدون غمام ولا ظلال، ولا قطرة ندى، عاثراً بملامحي في مرآتي، متوسلاً غيوماً يبوساً. ولم أكن أمامها سوى طفل حائر. ولكن الشرفة النائية التي أطل منها على رحيل أطراف الغيمة، جعلتني أستطيع رؤية أهدابٍ وسنانةٍ من عيون الألم، كانت وحدها التي تتنفس قطرات دمعها الناطقة. لعلها تبلل تربة حدقتي عينيّ المسهدتين. أو هي تغريب في تعب التوغل في صحراء القلب وأصقاع الفكر. فمن يستعجلني على كشف غربتي، لأتيبس مرات ومرات.. أشفيعي في هذا الرجاء والأمل "همزة المصطفى"، وقد كان يرجف بها وبشفاه الحب والسلام، قساة العالم القديم؟.. هل استمد خضرة أحلامي من غيمته الحبلى بالعطاء، المتواصلة الهطول مع سحابات الأولياء المدرارة فيما بعد؟..

تعرفت ذاك السراج فازداد حزني.. فمن يستعجلني الفرح أغمس بمداده حنطة الجوعى من عصافير الأرض، فأطلع منها منبعثاً منشوراً نوراً وقبلاتٍ وكركراتٍ؟.. وأتلو مجدداً صلاتي لنور فكر (المصطفى).

 

أن اشتداد صراخي في أعماقي النائية من الخوف، جعلني هكذا مذعوراً متعذباً في حزن المراقبة كل لحظة. كان فوقي إذن بهاء "أبي الزهراء" يقطر من محيط معرفته الواسعة على روحي، وهي مجدبة، هالةً من نور حكمته، ساعتها فقط استعيد روحي وجسدي وأحلامي ومقدرتي على الرسم والكتابة. ولكنني سأعود في آخر المطاف الى جدب الوحشة مرة أخرى. ويتجدد هذا العذاب كل يوم مسوراً بصفصاف الخوف، منتظراً سحابة ممطرة لا اعلم ساعة مولدها وتضاريسها، فأهتف بالعصافير "مغنياً " أن تدرب أجنحتها، التي أتعبها سقام الانتظار، على الطيران مجدداً، بين أنين السماء وهي تتثاءب بالغيوم البوار وبين مرآة الحلم.

 

كان نومي خلاله إمهالاً مشط جدائله أهل الكهف.. هو لبث الحكمة وضوء الروح وهي تتوضأ برمال الذاكرة. ففاض من خلالها خمر " الأشواق " ليسكبه في قارورة المنفى، طفلاً يختلس النظر الى كسرة الخبز المخضوضرة عفناً من تراكم العصور. انه زاد الإمهال، لي وللعاصفير التي تنتظر الغائب، الآيب، تترقب عودة دقات قلوب " كلكامش " الفكر "، وعيسى بن مريم، "روح المحبة" و(صاحب الزمان) " الأمل " وبانتظار الجوّابين الآفاق، الطليعيين، المتحمسين الى حب الحياة، المتقدين نوراً وعلماً وإبداعاً، المسهدين القائمين الليالي، المتعبين الجوعى، العطشى، المهمومين، المعذبين المرتادين في هاجرة البيداء، رسوم الخطى وطرقات الكشف واليقين، الواصلين، الحاضرين، المنتظرين الذي يأتي ولا يأتي.

 

أين مني ذاك الشفيع؟.. نحن، جميعاً، الصفوة التي تحمل زهور أرواحها النقية، يحبطنا ذاك (القرب، البعد)، لأنه صورة للغربة في نأيهِ عنّا مسافات لا تدرك ولا تطال. ها هي ذي غيمتي، امتطيها في خيال الحنان. ومن فوق سنامها، كنت أرى خوفي، بيادر حنطةٍ وموجَ شعيرٍ وصاريته (نخلةَ البرحي) في غسقها الأخير، وقد لفح تمرها ريح‘ وجفاف‘ الخوف.. وتجيء المواكب تلو الأخرى، وكأنها في الحشر المتصَّوَرْ. ولكنه لا يجيء.. وتورق الأزهار في سائر الحقول، وزهرتي بانتظار تلك السحابة التي كنت أعلو سنامها لعلّها تمطر فتنهض بيادر قمحي مجدداً حبلى بحنان "المصطفى". وكنت أناديها: أيتها الأزهار المنتظرة.. يا ورد الجوري قصير العمر.. أيها المراكبيون في دجلة والفرات. لا تلبسوا سواد الفجيعة وانتم "ساعين" باتجاه الضفاف. فإنما تحت صفحة المياه العميقة الصافية، لؤلؤة الأمل ومرجان المحبة والسلام والمستقبل. وتحت شغاف تربة الأرض، كنوز الحنطة والشعير، وجه الخبز السومري وحكمته، وعافية الأمل البابلي وعلومه، وسطوة المقاتل الآشوري وانتصاره. وحداثة أفكار الإسلام وحضارته ورؤيته الإنسانية. و" تمر" البصرة يسّاقط رطباً جنياً.

 

ينتزعني من ذاك الحلم، انفجار صاروخ أغرانا وهم القوة بشرائه من الغرب، فتهتز أركان بيتي ويذعر أطفالي رعباً، واستفيق محروماً حتى من حلم خاطف مغبش التفاصيل، يهبني لحظة أملٍ بالمستقبل. وألحق بآخر هِزّةٍ من وجيب قلبي، هٍزّة (ربيعية) تلمست وجه اللذة النبيلة. لحقت بها عارياً كي تبقى أثماري نظرة، شفيعاً لعشب الإضافات التي تطوف بين الطفولة والشيخوخة، تحت ظل الغيمة المغادرة حدود ملامحي. لم تشفع لي محاولة اللحاق بكل المغادرين. حتى ابتسامة أمي المرعوبة في آخر المطاف، كانت قد اختفت من ملامح وجهها.. وتوسلت أن تبقى في خيالي، عالقةً، بسمة أطفالي (رواء ورفاء وربى وكريم) وزوجتي. ولكن هيهات أن أطل مجدداً، " في نافذة بصيرتي "،على هذا المشهد، وأن تبقى بهجة قلوبهم، خضراء.. وألاّ تجف ثمارها سريعاً، وألاّ يغلق باب الرحمة. ولكن لا جدوى من ترديد نشيد التوسل.. قال لي قائل: لا زيت، لا فرشاة، لا قماشة للرسم. تدوّن بها وجع هذه اللحظات.

 

لم أتفوه بكلمةٍ واحدة.. بل كان خوفي هو الذي رأى ونطق. ودوّى في أعماق مخاوفي، الفراغ. وتجيء مواكب " أفكاري " متعبة، هزيلة، ثكلى، هزيمة، تتطلع "مدهوشة"، الى ملامح وجه"عروس أحلامي"، وتحتضن باقاتٍ ذابلة، وتحمل قارورة عطر أزرق (من نبات السِعْدْ). وقبل أن تفتحها لتعطرني بها، تنسكب أحلامي من (قارورة العطر)، فتنطلق أنّة خوفٍ، وتدمع عيون روحي، وجعاً، تحت (سدرة الآلام). ويلتحف بسروة حزني، جسد (ورقاءتي) التي غادرتني بلا ملامح. فالعطر الذي انسكب على تربة الحنان، ستنمو برحمته زهرة قصب البردي في أهوار العمارة، رقةً وحناناً.. وها هي ذي روحي تتعرّى عميقاً في وجدها، فلا تصير الى وهن أمام مذبح المآسي التي أعاني منها " أنا، البشرية ".

 

أحترق بحزني ووجعي أمام مذبحها الطاهر. فأنطق بشكوىً ليس كمثلها اعتراف. ودراق الإنسانية يكرّم جباه المحرومين بماء مقدس، عند أول فزعٍ ينتابهم وهم في الطريق الى المعرفة والكشف واليقين الذي سيتْحَفون به آجلاً.. فيما كنت "أنا" المحروم الممتلئ معرفة وحباً بالحياة، أشبه بطفلٍ، جائعٍ عطشٍ، يتلمس ثدياً بلا حليب. كنت سميّه فيما مضى من الزمان.. وتبين لي أن كلماتي وشكواي، كانت جزءاً من معاقبتي الأبدية.. فمن لي بصفيّ ناصتٍ ناسكٍ معينٍ، أفّرغ آلامي وأحزاني في حضرته؟ ولا يقطع أوتار مواصلة شكواي وأنيني، في غرّة حزني، متوسداً صرّة خبزي اليابس خوفاً من جارحات الدواهي، التي تنزل المنيّة بكل خارج عن الحدود، وبكل طيرٍ يحلّق في غير أنوائه بعيداً عن عشّه المتآكل المعصوف المهجور.. ولطول ما سئموا من حرماني وأنيني، مجّدوا، (وهم يمثلون بجثتي)، رموز أفكاري المحلقة خارج أعشاشها.

 

أنا الممجّد في ذاتي لذاتي جعلت أنكأ بالرماح، كأنني (دمية المفتدى) التي يطعنونها غفراناً وتكفيراً عن ذنوبهم.. جعلوني مثل (دمية الساحرة) يبثون (في طعنات خناجرهم ورماحهم وسيوفهم) كل سموم ذنوبهم وكفرهم بقيم السماء والأرض. وفي آخر المطاف، يبكونني، ويمشون في جنازتي: أنا الممجد الضحية.. لهذا آثرت أن أغني وحدي.. أعزف وحدي، رقيقاً، وأعرى عميقاً، وأدمع أمام مرآتي مدراراً. فلا صدور أحبتي (الأبعاد عني) عاجزة عن إرواء عروقي المتيبسة. فتبللها بعطر الوداد، ولا أنهار محبتهم لا تتسع لقاربي "بلمي" "مشحوفي" لأشهد الضفاف.. لهذا آثرت أن أغني وحيداً دون ما صديق "أعبر في دروب القيض في الصحراء أمسح قلبي العاري"، كما قال السيّاب. فأنا قد أدرك أو (هيئ لي ذلك) بأنني ما زلت أحمل نبض عشّاق المسافات المتطاولة، ألوّن وجه (قماشة اللوحة)، ببنفسج من حلم الطفولة. وتتحنّن بين أناملي، رقة الخطوط التي تزيّن نداوة المساحات المرسومة بهموم "حمام المنافي الزاجل"، وبضفاف الوصول الرافدينية. فلا تعبر "دوانك الحب" دون مواسم التمر في البصرة. وحيثما يلتقي دجلة بالفرات في "كرمة" العراق وعلى جبهة شط العرب ستكون "شجرة آدم" "بالقرنة" قد تجددت أوراق أغصانها بالفرح واحتضنت آلاف العصافير المهاجرة.

 

ما رغبت عن التودد الى مياه البحار العميقة. وإن كان مجرى نهري لا يتسع إليها أبداً. ولكنني أتطلع باتجاهها كلما نضبت مياه روحي، وأتشوق إلى سماع ترانيم مزامير أمواجها..نغماتها تقودني الى فضاء الفرادة مزدحماً بإيقاع الإضافة. هي إيّاها مزامير حزني وفرحي بطوافها بين عشب الأيام الخوالي من ميراث معرفتي للفواصل والكلمات، في مضمون وشكل اللوحة المبتغاة المشتهاة المتكاملة البناء.

 

ان تحقيق مثل هذا المصير، مصير الفنان خلال فنه، جدير باستنزاف العمر كله. تحقيقاً للذات، واكتفاءً بالذات. وبذلك يجعل من حياته بأكملها عملاً فنياً. لا أن يجعل من فنه حياة خاصة. وها هو النور البارق الساطع هناك، يهبني شعور عارم بالتحرر من الظلام الذي أغرق أنفاق المسيرة، وأنا أعبرها باتجاه أعماق الشمس المشعة على قماشة اللوحة. فما عاد، العمل الفني، لإمتاع الناظر وحسب، بل هو صوت مغير ووعي عميق بحياةٍ بديلةٍ عن حياة الواقع التي تعبث بها السياسة. فهل يمكن اعتبار ساسة العالم آلهة لا تخطيء في نظرتها للإبداع؟ هذا ما ظننته في البدء. ولكنني اكتشفت، أن الطبقة الاجتماعية: (المسكينو، زمن السومريين) وأنا منهم، حياة تعبث بها أدران الآلهة، وليس الساسة وحسب. وكانت ستظل أشباحاً تطاردنا من الماضي. وقد خيّل إليّ، بأن قواي العقلية، (كما سأتّهم)، مستلبة. وقد خانتني، ولم أستطع أن أرى بوضوح ما يحمله أولئك الموغلون في بحارها من قادة العالم.

 

لم أتبين جيداً حبات الرمل القاتلة التي تشع دماراً من الفصول المعتمة. وعيت ضعفي وأنا أبحث عن مصيري بين البشر بعيون الوحي الداخلية. ولن أحقق مفردات ذلك المصير، إلا عندما أشيد عالماً من الفن، أكون فيه مسيطراً تماماً على تفاصيله. وأنّى لي ذلك. حتى ولو آمنت بأن القوة في فني، هي رؤيا لحياة جديدة، يغذيها خيال جامح، يتحكم في نمو أنسجتها، وينظر إلى النفس بشكل رقيق.. لعله يعبر عن معالجة القضايا المركزية في المجتمع بشكلٍ رقيق وبوعيٍ مغير عميق.

 

هكذا حدثت نفسي عن كل ما أفكر به، وحاولت أن أنفذ كل الأحلام المشتهاة دون جدوى. فما زالت لوحاتي وكتاباتي عصيةً عن الوصول إلى حدود التجربة القصوى.. حتى لو كان الإبداع يرى ويقرأ في رحم التجربة، بالفاجعة. الموت ينسج خيوطه حولنا كل لحظة فيجعلني منفياً بإرادتي. حتى لو حفرت بأصابعي طريق (الصد ما رد) الحجري إلى بلاد الموتى. سأبقى ساعياً نحو الأحلام المشتهاة. وهذا جزء من خلاصة ما أردت البوح به لمرآة (أحزان القصب)، وخفي عن الذين كتبوا عنه من قبل.

 

س111: وفاء عبد الرزاق: مشروع صحيفة المثقف في تكريم المبدعين، ماذا تستشف منه.. مادة نقدية، لوحة، يوميات؟

ج111: نستشف من تأثير مشروع صحيفة المثقف في الناس وأوساط الفنانين والمثقفين عامة، هو تكريم المبدعين كافة. الكل في اطار المادة النقدية والعمل الفني وكتابة اليوميات. وكان الباحث الكاتب الأستاذ ماجد الغرباوي، هو الوهج الذي سطع ليضيء مسافات كان المبدعون يقطعونها في الصحراء والساسة يذروهم عراة، بلا دليل ووجوههم بلا لثام في الفلاة والبيداء والفيافي..

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 5 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1705 المصادف: 2011-05-07 03:26:17