تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (16)

rasha_fadelخاص بالمثقف: الحلقة السادسة عشرة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على اسئلة الاديبة والاعلامية الاستاذة: رشا فاضل.

 

رشا فاضل: أديبة وكاتبة / العراق

س124: رشا فاضل:تنبأ الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر بأنك ستطأ الافق ذات يوم، هل كنت ترى ذلك أيضا؟

ج124: كانت لدى الشاعر الرائع المتجدد فن تدوير عالم القصيدة: صديقي وأخي حسب الشيخ جعفر، رؤية واضحة عن تقدير مايرى، وهو العارف المدرك لما يبصر. لتقييمه. كان هو يطل ويراقب ويتابع ما كنت عليه في بواكير انشغالي التكويني الأول. وبالنسبة لي كنت منشغلا ومهموما بنسيج حرير شرنقتي، لا أملك تعريف وتحديد ما كنت عليه من حال. وكنت في بئر التجربة، ومن كان في اليم ليس كمن كان خارجه مطلا عليه، متأملا ومراقبا ومبلورا موقفا ما..

 

س125: رشا فاضل:لديك اسلوب سردي قصصي واضح الملامح في كتابك (طائر الشوف الاصفر) لماذا لم تكتب القصة القصيرة؟

ج125: لو كان معي نسخة من كتاب أحزان القصب وكتاب الأمل، لأهديتهما لكم، لما فيهما من سمات الاسلوب المتميز الذي يوحد مجموع كتبنا الصادرة. كما قال الشاعر الحداثوي عبد الرزاق الربيعي والروائي عبد الجبار ناصر والشاعر عيسى الياسري، وسواهم كثير من الكتاب والفنانين ونقدة الفن، والقراء الذين كانوا يتحدثون عن الصفات المشتركة التي تجمع بين الكتب الصادرة لنا من قبل. أجل كما تقولين. كنت أكتب القصة القصيرة والرواية. ونشرت في جريدة الأنباء العراقية التي كان يشرف على صفحتها الثقافية الروائي الكبير الاستاذ عبد الرحمن مجيد الربيعي. ولكنني لم أجد ذاتي الحقيقية فيها لا فقمت بحرق أربع روايات وثلاث مجموعات قصصية. كنت أحاول العثور على ملامح وجهي في الرسم وحسب.

 

س126: رشا فاضل:أنت تكسر القوالب الجامدة بالخروج عن اطار اللوحة واللون.. البعض يعتبر ذلك تشتيتا لان الفن طاقة ايضا.؟

ج126: ان عملية بناء اللوحة واختيار الألوان والتأكيد على الأزرق والأخضر والبنفسجي والبرتقالي ومشتقاتها، واعتماد الأشكال الهندسية المرنة ونقاوة اللمسات اللونية الممزوجة بالضوء واشعاعيته في الطبيعة.. كما أن طواعية المشاعر الخاصة التي تعكسها انطباعيتي عن المرائي في طبيعة جنوب العراق وبساتينها وحقولها وأهوارها. ومفردات حياتنا الخاصة هي التي دفعتني إلى إيجاد توازن هندسي طري جعلني أنشغل برؤية الأشياء من الداخل، دون التحرر من الوضع المتميز الذي تفرضه الرومانسية من شروط وانني في تحول شكلي مفتوح..

كنت أعالج تخطيطاتي مباشرة بالفرشاة ثم أكون السطوح وأشغل فضاءاتها بحجوم تتجه في الأغلب نحو نقطة مركزية تلملم حولها ما يقع ضمن إطار المربع أو الدائرة أو متوازي المستطيلات أو المخروط وبذلك يكون الشكل عندي غير مجزأ.. ثم أبدأ باختيار الألوان الثرية المكتنزة حيوية وطراوة، المشبعة بالضوء.. كنت أعني بالبناء أيضاً عنايتي باللون والتركيب، وذلك بإحداث تغيير في زاوية رؤية الأشياء عن طريق التحوير المقصود في الوضع الطبيعي للمرئيات ومنظورها، وأحداث تغيير في الضوء الطبيعي وجعله ذا اتجاه تصويري. بربك يا رشا شخص يفرض شروطا صارمة كهذه على عمله الفني، لكي نكسر القوالب الجامدة بالخروج عن اطار اللوحة واللون.. هل نعتبره تشتيتا؟ هكذا كنت أبحث كيف تتكون النظرة الهندسية في الطبيعة لإيجاد الأشكال المجردة بمساحات هابطة وأفقية وخطوط متضادة، حادة ولينة، ملتقية ومتوازية، عمودية ومستوية، فإنني قد اتجهت إلى اللون عند سيزان.. وقبل هذا لم أكن أعي حقيقة التركيب الضوئي الذي كان يقصده في لوحاته التي مادتها الطبيعة والإنسان والفواكه والخضراوات، وتلك المشاهد التي كرر رسمها من أهوار العمارة والبصرة. وحقولها المديدة. المكتنزة ألوانا ساحرة لاتعد ولا تشبع منها شبكيتا عيني أبدا.

كنت أعتقد أن الهدف في التصوير، كأولئك الذين يعملون على إتمام الصورة وإجادة صنعتها، ولكنني الآن أصبحت مقتنعاً بأن رساماً مثلي لا يمكنه التفكير بهذا الأسلوب.. فالاتجاه إلى الصناعة التي تطمس معاني الفن بمحو العلاقات اللامرئية، الأساس في تتابع الصلات الرقيقة بين ذات الفنان وإنتاجه: " كل عالم قائم بذاته ومنفصل، ولكن إيجاد العلاقة بينها مهم وضروري" وهذا ما استحوذ عليّ في الآونة الاخيرة، أي الفترة المشتركة والشخصية عام1958- حتى 1964 وانتهاءً في 1/1/1969 حيث معرض المعركة الخاص بالملصقات الجدارية. انقطعت بعد هذه الفترة عن التفكير بالمعارض الشخصية لظروفي الخاصة، ولعدم قدرتي على استيعاب المرحلة التاريخية التي تمر بوطننا العربي عموماً.. كانت التناقضات تنعكس علي بشكل مباشر لم أستطع التمييز خلال ضبابها المموه.. بدأت أكتشف شيئاً فشيئاً إن غرابة ووحشة دخلتا حياتي بعد الخامس من حزيران 1967. أحاول اقتحام رفض الهزيمة نازعاً إلى أعماق الأسباب فأجد أن أهمها وأصدقها، البحث عن أرضية ثابتة. أن تحول الممكنات إلى عوامل تخدم إستراتيجيتنا لنحقق إحدى دعائم تشكلنا مع أحداث العالم وحضارته القائمة على العلم والاستفادة من كل أبعاد التكنولوجيا المعاصرة.. كانت تلك الأسباب مقنعة لي في أقل احتمال، بالكف عن إقامة معارض الفن الشخصية، التي ليس فيها موقف ثابت وواضح من الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية. وكان في رأيي ذاك تطرف وتبرير غير معقول من وجهة نظري الآن. وها نحن نعاصر تحولات جذرية في تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن والبحرين والعراق. وتلك هي حركة التاريخ، كذلك في الثقافة والفنون.

 

س127: رشا فاضل:كنت مواكبا للفنان العراقي الكبير نزار سليم.. ماالذي منحتك اياه هذه المعرفة؟

ج127: أجل عملنا معا في دائرة الفنون العامة، التي انقسمت على نفسها الى - دائرة الفنون التشكيلية- دائرة الفنون الموسيقية - دار الأزياء العراقية - دائرة الموسيقا والباليه - والمعهد النغمي - الخ. وسافرنا الأنحاء معا نجوب من الأقطار أندى بقاعها وأحلاها وأمتعها وأنفعها للعلم والثقافة والفن. هذا الانسان الكبير في تجربته القصصية والفنية والطفل الذي لايكل من اللعب في رسمه الكاركاتيري الساحر.

 

س128: رشا فاضل:لو طلبت منك ان تصف نزار سليم بكلمات قليلة ماذا ستقول عنه؟

ج128: فنان كبير في الرسم بالألوان الزيتية والألوان المائية وألوان الباستيل، وأنتج ثلاثة آلاف عمل فني عدا الأسكيجات والدراسات السريعة ومئات من رسوم الكاريكاتير.. ونزار سليم كاتب قدير في القص وله اصدارات بذلك منذ تاسيس جماعة الوقت: بلند الحيدري ونجيب المانع، ونزارسليم أيضا كاتب في أدب النقد الفني. وأصدر كتابا في الفن العراقي المعاصر - حركة الرسم. ولكنه غادر الحياة قبل أن ينجز الجزء الثاني عن حركة النحت المعاصر في العراق.

 

س129: رشا فاضل: الروح العراقية بأهوارها ونخيلها وخصوصيتها واضحة في لوحاتك كما اشار جبرا ابراهيم جبرا في شهادته عنك، هل مازالت هذه الروحية قائمة في لوحاتك بعد هذه السنوات الطويلة من الهجرة؟

ج129: نعم.. مازالت الروح العراقية بأهوارها ونخيلها وخصوصيتها، تشكل أهم ركن في معمار التجربة الفنية.. تلك الروحية ما فتأت قائمة، ولن تغادر لوحاتي وكتاباتي أبدا، بعد هذه السنوات الطويلة من هجرة جسدي المادي، بينما ظلت روحي ولوحاتي وكتاباتي معلقة هناك في المكان المقدس الذي لن تطاله أو تتآكله غوائل وأقدار الزمن. هذا يعني أن التفاوت في تأثير القضية التي تشغل كل فنان وعمق ارتباطه بها.. وأهميتها في حياته، له أثره في وضوح العمل الفني ونجاحه. وعندها تخرج النتائج صادقة بمقدار الصدق الذي جاء على أساسه الحافز خلال ثراء الخيال.. أنها تعني استغلال روعة الخيال وعلاقته بالواقع، أي ارتباط الرؤية الفنية العامرة في النفس مع الواقع والطبيعة، وصياغتها عملاً استجابياً لصدق التجربة. وهي تحقيق العمل الفني في ضرب من النشوة. وهنا يبرز البعد في فهم التجربة.. كالبعد الذي يقصده السرياليون في بناء القصيدة "بالكلمات" لا بالمواضيع.

أما البعد في الرؤية، فهو يعني تهشيم الشكل الصوري والغور في أعماق المعاني، ما وراء مظهرها ومعرفتها.. ثم تنضيد أشياء الواقع المنظور وفق الموقف الشعري لمعنى الأشياء، لا لذاتها.. أي التحول إلى وجود غير مادي، تنعدم فيه الأغلال التي تحد من حرية الإنسان في اختيار طرق حياته. حيث الوقوف على أحلام عالم لا حد له بواسطة الرؤية الجديدة التي أطل من خلالها، الرؤية الجديدة التي تعني الفضاء اللامحدود الغارق في تراتيل أبدية تنظر إلى كشف الوجود بكل ما احتواه من متناقضات تجمعت فوق سطح التجربة على شكل عدسات يكون بالإمكان رؤية اللامرئي من القيمة الفنية، عندما تنفذ عيناي خلال إحدى الروائع الفنية حيث الكشف عن الحقيقة المتوهجة كالشمس، والتي تعبر في أغلب الأحيان عن الفكرة الباقية في جوف ما قبل التاريخ، السحر.

 

س130: رشا فاضل: ايهما المنفى بالنسبة اليك.. الوطن.. ام المكان؟

ج130: كنت أحد أولئك الغرباء الذين يتحسسون غربة غيرهم. وكان بوسعي الإجابة عن أسباب هذا التحول في السلوك والأداة التعبيرية. وكنت أعتقد أن ذلك المفهوم قد يستغرق وجودي كله وقد لا يتم إلاّ بعد مئات السنين عندما يفسر الإنسان المادة كلية، ويستنفد من كل الممكنات فيها، ويتخطى في تفسيره لها مرحلة طويلة تضعه في متاهات علمية متشابكة المسالك والفروع، يحتاج المرء بعد هذا كله إلى صوفية فردية "وجودية" في شكلها الظاهر وذات رنين شامل في هدفها. رحت في هذه الفترة (الزرقاء) أقرأ طبقات الصوفية وأبن عربي والشبلي والبسطامي والتستري والغزالي وابن الرومي والسهروردي. قرأت أعلام التصوف: المحاسبي، الجنيد، الحلاج، ابن الفارض، وابن سبعين وأني احتسيت من نور محبتهم.. ولا أكاد ابتعد عن هذه الكتب حتى أعود مشتاقاً لأحاديثهم كما يقول ابن عربي:

ومن عجـبٍ أني أحـنّ اليهـمو وأسال عنهم مـن أرى وهمو معي

وترصدهم عيني وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهـم بين أضلعـي

وهكذا أعود لقراءة الرعاية لحقوق الله ـ الوصايا، مائية العقل للمحاسبي.. ثم أقرأ نصوص البسطاني دمعها السلهجي ونشرها عبد الرحمن بدوي في شطحات الصوفية.. وانعطف إلى رسائل الجنيد وإلى (الإشارات والتنبيهات) لابن سينا.. ثم أستكين إلى رسائل ابن سبعين التي نشرها عبد الرحمن بدوي في القاهرة عام 1965 ـ وكتاب (بدء العارف) تحقيق جورج كتوره ـ بيروت 1978.. بن سينا، أبن مسرة، ابن العريق، ابن برجان، بن أحلى، وما يتعلق بالأفكار الباطنية.

ما الذي تجلى لي بهذه السرعة فبدّل حالي وأنار بصيرتي؟ هل انه بعض من السراج الذي يبحث عن العين؟. فأبحث عن (الرسائل) لأبن عربي ـ وفصوص الحكم، والفتوحات المكية، "الديوان"، ثم اقلب ديوان الحلاج ونشرة الشيبي وبن عطاء والشاذلي.. وأتساءل ما حقيقة إيماني ومعرفتي؟ ألا توجب المعرفة الحياء والتعظيم كما يقول القشيري؟

إن الفيلسوف " الذي يعي نفسه عدماً وحرية، يعطي الشكل العقائدي لعصره ويعبر بالمفاهيم عن تلك المرحلة من التاريخ التي تكون فيها ماهية الإنسان ووجوده لا يزالان منفصلين. والتي لا يكون الإنسان فيها نفسه، لأنه غارق في تناقضات الرأسمالية.. " ويقيناً أن التناقضات المعاشة في مجتمعنا جزء من سوء توزيع العمل وسوء تقسيم وسائل الإنتاج وعدم استغلال طاقات التكنولوجيا المعاصرة، بالإضافة إلى التمزقات الذاتية التي يعانيها الإنسان المفكر في عالم مضطرب العلاقات. أنا أعاني من هذا التمزق، ما بين الفعل وردوده، الوجود وعدمه، العلة والمعلول، العاني والمعني، البطل المنسجم وغير المنسجم، الفيلسوف الأحادي النزعة والجماعي، وما بين كل تناقض يقتضي البحث في أسبابه ونتائجه.. أشعر، أحياناً بسبب ذلك، بأن هاتفاً يدعوني إلى العزلة والتأمل. وهذا انعكاس شرطي لوجود حاجة تفوق طاقتي على الضبط والتكافؤ بين العالم الخارجي (الواقع) وبين ذاتي.. تلك الحاجات المرهقة تدفعني إلى التماس التقرب إلى القوة الخفية في ثلاثة أرباع عالمي الباطني وما يختزن فيه من، الخوف، الجنس، الجوع، السحر، الدين، الفن، الزراعة، الكتابة، الاقتصاد، السياسة، الصناعة، والعلم، والمعرفة والموت، وكل ما تعلمته ورفضته وقبلته وما رسمته وسعدت به وما قرأته وفهمته وعلمته وكرهته..

لو ألجأ إلى هذا الداخل المجهول: اللاوعي، أشعر ببعض الطمأنينة كتأثير المسكالين، الذي يتحدث عنه (الدوس هكسلي) الذي كتب "اكتسب العالم معنى أكثر بالنسبة له وهو تحت تأثير المسكالين".. كان بودي ألاّ تظنوا "الماريجوانا" إحدى وسائلي الخاصة في اجتياز الدروب الوعرة.. حيث أفرغ حديثي الحساس والعاطفي والخاشع مع ذاتي النقية أستدرج الأنا السرية للبوح كل ما لديها من أسرار.. أتحدث عن آلامي وحزني وفرحي وشوقي وأملي، فأتوحد مع تلك الظلال، أتفيأ بوسطية المكان بين المادية والروحية، بين برجسون وماركس.. الذي كنت أميل إلى تفسير موقفه الاجتماعي من الفن.

 

س131: رشا فاضل: طفت في بلدان كثيرة.. لكنك استقريت في سلطنة عمان؟

ج131: من أرض مجان، من عمان، موطن الأجداد، أخاطب وطني العراق:

(أجوب من الأقطار أندى بقاعها وشخصك لي عضد وودك لي رأد)

(كرام على المعروف راضوا نفوسهم وشابت نواصيهم وما شابهم عد)

(اذا حل بي ضيم فعفتك مكرها رجعت وأدهى الضيم ما ضامني البعد)

 

س132: رشا فاضل: في خضم هذه الثورة الالكترونية والمادية هل مازلت تؤمن باللوحة ولغة الجمال؟

ج132: أين أنا من كل ذلك؟.. لقد استهوتني واحتوتني فكرة البحث عن تحقيق المشاعر اللامحسوسة الخصبة في الفن أردت أن أعبّر عن روح الأشياء بأبعاد لونية متفاوتة في العمق من حيث التقنية والكثافة فسلطت الأضواء على حجوم طافية وكتل سائبة وتشكيلات ظلت تعاني لفترة طويلة في ذهني من اعتمال الزمن في تحقيقها، فواظبت الاحتفاظ بقيمتها المكانية دون الزمانية (الشكلية منه) أي أن الشكل المرسوم يخضع على الدوام لزمن متغير ورسمت لوحات أطلقت عليها اسم (تأملات رقم1 ـ10).. كنت قد تأملت ذلك التتابع الزمني لمواد الأثر الفني فألفيت نفسي أمام مشكلة تكنيكية. ماذا أضع في هذا الفضاء لكي أواجه تحقيق أبعاد المنظور الجوي بلاستيكياً.. ما هي الخامة التي أخضعها للعملية التكنيكية؟ كانت تلك اللحظات أساساً في تساؤلي خلالها عن استيعاب تلك المواد تنتمي إلى عالم ومناخ يختلفان عن عالم الرسم التقليدي ومناخه، ولكنها هنا تنتفي كونها تحمل مناخاتها الخاصة.. إذ تصبح جزءً من العملية الإبداعية ووسائل تحقيقها، سواء أكان التحقيق تصويرياً عينياً، أم غير موضوعي.. فالمهم أنها تخضع لمنطق زمني معين، حدث نتيجة لفترة فنيت فيها ذات الفنان ولم تتوقف عن الاستمرار في رفض زمن العملية التكنيكية لذاتها. أنها تخضع لزمن جديد على الدوام كلما امتدت يد الفنان لتخوض صياغات أكثر نضجاً في تصعيد الشكل. وهذا ما بحثته في كتابي (الفن التشكيلي المعاصر في العراق) عام 1972، ووقتها كنت كأنما أفكر بفن حركي يمتلك نسباً جزئية من اللحظات الزمنية. بل كنت فعلاً أعني ذلك. ولكني لم أستمر أبداً، بل توقفت بسبب فشلي في مواجهة ذاتي المضطربة.. أليس هذا طوفاناً؟.

طوفاني داخل نفسي لحظات القلق المستعصية الوضوح، علامة صحية على رفضي واقعي الخاص، فحاولت الاستعانة بالصورة الرمزية التي توحي إلى لباب المضمون بالشكل الذي يجسد الدلالة والغرض والقيمة سواء أكانت تلك القيمة، استنتاجية، لأنها من بنية الرمز، الذي يشير إلى إدراك العمل الفني.. أو استدلالية وتمثيلية، لأنهما من نوعية الرمز الذي يشير إلى إنتاج موضوعات زمانية ومكانية.. وهناك فرق بين قيمة فن لذاته، وبين قيمة فن له دلالته ورمزه وإدراكه، ومرتبط بأغراض محددة. فأنا " هنا " أمام الاستعانة بالرمز لخدمة أغراض التجربة الكليّة لتحديد الموقف المؤثر في الموضوع، لتجسيد القيمة المبتغاة. ولن نحقق جانباً من الاستمتاع بموضوع التجربة الجمالية ذاتها، مالم نعرف هوية العمل الفني المرتبطة بالموضوع. والوعي جمالياً بمعطيات الحس، كالألوان أو الأصوات في الفنون الزمانية: (الموسيقى والأدب والدراما والرقص والسينما الحديثة). وفي الفنون المكانية: (الرسم والنحت والعمارة).

 

س133: رشا فاضل: هل كان عملك في الصحافة على حساب تجربتك الفنية ام خادما لها؟

ج133: ان مثل هذه المواقف، التي مررت بها، وتوقفت عند أهمها، تشكل بمجموعها، حزمة ضوءٍ من القضايا المبدئية في حياتنا الثقافية، وبضمنها العمل في الصحافة والاذاعة والتلفزيون بله ممارسة الرسم والكتابة في أدب التقد الفني. هي لم تتحقق على حساب تجربتي الفنية، ان لم تسقيها وتطعمها، وتحتم علينا مراجعات جذرية للعديد من المواقف والمفاهيم السائدة، وبخاصة، تلك الضغوط الشديدة التي تمارس بانتظام ضد المبدعين، وما تسببه من ضغوط قاسية في تجاربنا الفكرية، على المستويات كافة. ان متابعة مثل هذه القضايا الجوهرية، التي تمس حريتنا، بين فئات المثقفين العرب، جزء من الضرورة الوطنية والقومية، إذا اعتبرنا " المفكرين والمثقفين، مسؤولين مسؤولية مباشرة عن العمل لكسر قيود المعوقات الحضارية في الوطن العربي. وفي مقدمتها، مبدأ حرية الفكر. لأن خنق الفكر، هو أبرز مظاهر التخلف وأشرس عوامله.. " وذلك جانب واحد من التحديات والضغوط التي تتعرض لها الأمة بشكل منظم، إعلامياً وثقافياً وسياسياً.. يشكل هذا الموضوع محوراً أساسياً في الفكر العربي المعاصر، وسيظل لفترة طويلة قاسية قادمة. وستتم ملاحقة تفاصيله لفترات لاحقة، ستنأى عن الحقيقة والواقع في مرحلة، وتقترب في أخرى. بيد أن الموضوع، كما نعهده، يظل يثير فينا الحوافز الأساس التي ندافع بنتائجها، عن المستقبل.

 

س134: رشا فاضل: شغلت وظائف عديدة في مجالات مختلفة في الصحافة والاذاعة والتلفزيون وكان لديك اثر واضح في الصحافة الفنية العراقية والحركة الفنية آنذاك، هل تشعر بأنك اخذت استحقاقك من التكريم او التثمين لما قدمته؟

ج134: عدا تكريمنا من قبل عميد المسرح العراقي المبدع الكبير حقي الشبلي عندما كان نقيبا للفنانين العراقيين.. انما التكريم الحقيقي الذي اعتز به الآن هو تكريم مؤسسة المثقف العربي برعاية راعيها وحاديها الباحث الاستاذ ماجد الغرباوي. وتكريم الشعراء و الأدباء والذين كتبوا وعبروا عن حبهم لنا. حبهم الذي لاينفصم عراه عن وجداني وفكري أبدا.

 

س135: رشا فاضل: اقمت العديد من المعارض الفنية وفي دول مختلفة هل وجدت تفاعلا حقيقيا معها؟

ج135: نعم.. تفاعل عميق مؤثر دفعني الى أمام خطوات باتجاه المستقبل.

 

س136: رشا فاضل: هل مازلت تحلم بلوحة لم ترسمها بعد؟

ج136: نعم.. أشبه بتراتيل السومريين. وغناء البابليين وأناشيد الآشوريين.

 

س137: رشا فاضل: متى يعود الطائر الى عشه؟

ج137: بعد أن نسهم مع ذلك الطائر بالتغيير وبالنضال من أجل السلام الذي ستصنعه الحرية.

 

س138: رشا فاضل: من هي المدينة التي تسكنك ولاتسكنها؟

ج138: مسقط رأس فتى الشحمان المتعبة- بلدة العمارة التي تسكنني روحيا، وتوجعني من القلب، ولا أسكنها جسديا، وتتركنين مهيض الجناحين، عطشا جائعا محروما منها. الا في الخيال الذي يصنع البدائل المنتقاة المشتهاة المبتغاة.

 

س139: رشا فاضل: الا تشعر ان الحديث عن الفن والادب اصبح نوعا من الترف في هذا الوقت؟

ج139: لا يصبح ترفا عندما يؤمن الفنان البارع الملتزم، بقيم وتراث امته، ويعرف دوره وواجبه، لكي يحتل مكانته اللائقة في الفن والحياة، فإنه سينتمي لتفاصيل التوجه المستقبلي. وعندما يسعى الكاتب في مجال تاريخ الفن وأدب النقد الفني التشكيلي لتفسير ذلك، وفي إطار ما يريد قوله، فانه سيأتي بالأدلة والبراهين، إذ هو يسعى إلى إدراك الفكرة و توصيلها بسهولة و يسر وتبسيط الى المتلقي، بالايضاح و التحديد و التكثيف والتركيز والصدق، والدفاع عن استقلالية العمل الفني وتبرير تحولاته من تصوير الواقع ومفردات الطبيعة.. ومن البحث في الضوء واللون والتأثيرية، على التعبيرعن الفكر والرؤى الماورائية. وبدلا من أن يكون العمل الفني، بمثابة نافذة نشاهد من خلالها صورة عن العالم الخارجي، أصبحت اللوحة مجرد مساحة مسطحة نعالج عليها طرق المزج اللوني. وتلك هي الاشارة إلى فن المفاهيم. وعندما اقترح الكثير من صفوة نقدة الفنون، الابتعاد عن استخدام المنظور وعدم تجسيد الشكل من خلال الظل والنور والتأكيد على استخدام الأشكال الهندسية والابتعاد عن استخدام المزج اللوني الرقيق والإقتصار على بعدين على مسطح العمل الفني، والجمع بين الأزمنة والأمكنة في حيز واحد، واعتماد المنظور الجوي والمنظور الارضي، إنما كان قد اقترح وتم تطبيقه في رسومات الواسطي وبهزاد وابن عزيز وكانت من صفات وخصائص رسوم المصورين المسلمين. قبل هؤلاء بأكثر من ثمانية قرون خلت. بركائز وتقاليد ثابتة.

أما الإدعاء بأولوية ظهور مثل تلك الإتجاهات الفنية، تعود إلى الأوربيين وحدهم، فهذا جهل بالتاريخ وبالحضارة العربية والإسلامية. كان قد شملهم وشمل البعض منا، كما هو جهل ببعض التجارب في هذا الميدان التي سبقت ما تدعى (أفكار جرينبرج)، مثل أعمال الفنان الروسي كازيمير مالافيتش العام 1913 وأسلوبه المعروف بـ التفوقية وأعمال مدرسة الباوهاوس في ألمانيا ومدرسة الأسلوب في هولندة. وبينما نتحدث عن ريادة تجارب الغربيين، نتجاهل تجاربنا الرائعة التي انتجت في تلك الفترات أيضا، إذ قدم مجموعة من الفنانين العرب في الثلاثينيات من القرن الماضي لوحات تجريدية تعبيرية وسريالية مثل أعمال رمسيس يونان واعضاء جماعة أبولو وجماعة الفن الحديث وجماعات طليعية أخرى في مصر والعراق والمغرب العربي، وفي الشام مقابل فترة الخمسينيات حيث أنتج جاكسون بولوك ومارك رثكو، لوحات مشابهة مستلة من اللبيدو الرمزي الباطني للفنان وبأسلوب ومعالجة مبسطة احيانا وتجريدية مركبة احيانا كثيرة. وبتأثير كليف بيل أنتج مجموعة من الفنانين في الستينيات من هذا القرن لوحات أحادية اللون مثل أعمال إيف كلاين وبيرومانزوني وغيرهم، تسمى المونوكروم. بينما كان الفنانون العرب، قد تجاوزوا في هذه المرحلة الكثير من تجارب الغرب، ويبقى النقد الفني مترددا عن ذكرأهمية الرؤى الحداثوية المتقدمة للفنانين العرب والمسلمين، الذين أنتجوا أعمالا توصلوا بمفاهيمها الإنسانية المشتركة، إلى الاستقلالية والحرية لتمثل روح العصر، دون الحاجة إلى ضلالة رأي الناقد الإنجليزي (كليف بيل) بخصوص الوصول إلى الاستقلالية والحرية، فهو يقول: لكي نقدر العمل الفني علينا أن نجلب معنا لا شيء من الحياة. هكذا أصبح (التجريد والـلا شيء) صوراً تمثل روح العصرفي رأيه هو. ونحن نتساءل.. هل العملية (تتطلب كفاحاً وصراعاً مستمرين بين الفنان الفرد، والمجتمع؟). وهذا ما نسعى اليه أيضا في حديثنا عن التحولات الفنية التي شهدتها منطقة الخليج العربي، ابتداء من ستينيات القرن العشرين المنصرم، وحتى الآن.

 

س140: رشا فاضل: هل لوحاتك نخبوية مثل النص الادبي الذي لايمنح نفسه بسهولة؟

ج140: كانت ألوان لوحاتي، لرقتها التي تتنفسني، جعلتني أخاف عليها أن تذوب، في مسامات القلوب وفي محاجر العيون التي، أطبقت أجفانها عليها. ومن هنا يأتيكم وصف جمالها النخبوي ولم تعد لديّ القدرة على الكشف المبدع، بلحظة التوهج والتعبير، وهي في أوج تصاعدها، إذا ابتعد مضمون اللوحة عن المجتمع. وتلك ميزة تنتمي إلى أهم الطعوم الحسية عاطفة، وأغربها سمة، وتشير إلى الإبداع، وتقودنا إلى تأمل الواقع الاجتماعي، ومفردات الحياة بأكملها.. وشفيعي في ذلك، (ربما لأنني أرى في "تجريبيتي" لمحةً من الخصوصية التعبيرية النقدية)، ما يشير الى امتلاكي صيغة قد تعينني على حدس الأشياء والحقائق والتعمق في بيئة الإنسان ومحيطه.. بعد أن بدأت أدرس المناهج الاجتماعية في تاريخ الثقافة والفنون، لكي تساعدني على التوصل إلى مقاربات مستقبلية في الفن. في ضوء الاستنارات والاكتشافات الجديدة في تاريخ الفنون المعاصرة، بمعناه الواسع الذي يشمل الفنون البصرية والموسيقى والأدب والمسرح.

وهذا ما حاولته في كتابة تاريخ الفن والنقد التشكيلي. إذ حدث تحول جوهري من التركيز على سرد السيرة الذاتية وحدها، الى التركيز على اتجاهات وتجارب وأساليب الفترة التي أعاصرها، وأعاني من معالجة وصياغة تفاصيل بنيتها الشكلية والموضوعية.. ومن بينها هذه التحولات القلقة في محاولاتي في الرسم، من فترة لأخرى ومن أسلوب للآخر.. وتلك سمة واضحة، تظهر نتيجة لنوعية العلاقة بين شخصية الفنان وبيئته الثقافية. وستظهر متجلية واضحة البيان، كمثل فاتنة العشرين مزدهية بجمالها وسحر معانيها، لاتمنح نفسها بفيض المعاني الرقيقة بسهولة، وكالنص الأدبي الذي لايمنح نفسه بسهولة. إن هذه المسائل، أجزاء مهمة في عمق الرؤية الفنية، والتي يلعب الخيال فيها دوراً مرعباً كما حدث بالنسبة للخيال الذي وهبني القدرة على ولوج البوابات السرية للعالم الباطني، أثناء "عملية الغدة الدرقية".. وليس من شك في أن انشغال تفكيري فيها لمدة عشر سنوات لا يعني الشيء الهين.. وبهذه المراجعة لا بد لي من تصديق العالم الذي كنت لا أطيق تصديقه.. لقد كانت هنالك على الدوام رغبة جامحة في الاعتماد على الخيال في تذكر الحقائق الدفينة. إذ أن (حقائق التخيل تتجسد مبدئياً عندما يأخذ التخيل ذاته شكلاً، وذلك حين يخلق عالماً من الإدراك والتفهم، عالماً ذاتياً، وفي الوقت نفسه عالماً موضوعياً. وهذا ما يتحقق في الفن. وذلك أن تحليل الوظيفة الادراكية للتخيل يقودنا إلى الاستطيقيا من حيث هو "علم للجمال"، فنعثر وراء هذه الصورة، على الانسجام ما بين الحسية والعقل الذي كان قد كبت، ونلتقي بذلك الاعتراض الأبدي على تنظيم الحياة، من قبل منطق السيطرة وفي وفق مبدأ المردود).

كنت قد أنهيت إحدى لوحاتي الزيتية في ذات ليل شتائي، وبجانبي (خليل- 1952- 2010- الذي مات بسبب الضغط والسكري) أحب أخوتي الى نفسي، وكان أمام موقد ترقص متلوية فيه النار بحرية فتحرق ما يقع على جانبيها من خشب. وكنت قد غرقت في روعة تلك النار الزرقاء التي يتمركز فيها لون أصفر برتقالي حار يتصاعد من أطرافها لون ساطع لاهب.. وراحت أفكاري تغور في تخيلاتي أكثر فأكثر، وفجأة، رمى أخي قطعة خشب في الموقد فصحت بوجهه: (لا.. كدت تلطخ الألوان!).. واندهش أخي خليل من كلامي، ثم هز رأسه وابتسم بخفاء وكتم سؤاله في أعماقه. والحقيقة التي لم كتم البوح بها أمامي، مهمة وخطيرة بقدر أهمية وخطورة كل رائعة فنية.. لقد أحسست حقاً أنني أمام لوحة غنية بالألوان تفيض بالرقة وتبعث في داخلي الدفء والأمان. شعرت أنني أرى الموقد كلوحة جديرة بالاهتمام الذي سرح فيه خاطري، لهذا صرخت بوجه أخي المعذور لأنه تدخل في "الرؤية" وحسبت (اندماجاً مع تخيلي) انه لطخ الألوان بدلاً من حرق الخشب في نار حقيقية.

وكان من الصعب التصور، أن الخيال لن يؤدي عملاً مهماً وعميقاً في التأثير على الأعمال الفنية وخاصة عند التشكيليين، بل أنه يشكل جزءً من البديل المساوي للواقع. أنه يعتمد على شيئين يكوّنان عنصرين مهمين هما، الذات والموضوع، أي القائم بالحدث، المتفاعل معه ثم المعمول به كمضمون.. فالخيال إذن (مرآة) تأخذ بمقدرة الفنان التي تعتمد على حدس الأشياء طبيعياً وتصورياً إذ يجمع الفنان في حدسه للأشياء (بين البصيرة والتبصر). إن الخيال وهو أعم المقدرات وأشدها إنسانية، هو أيضاً مقدرة الفنان الخاصة. هذا دون غيره هو السبب في العمق والتنويع العجيبين اللذين تتصف بهما طرق الفنانين في النظر إلى الأشياء. وفضلاً عن ذلك (العيون الجسدية وعين الخيال) لا تعملان إلا معاً في الفنان والواحدة لا تستثني الأخرى". والفنان صاحب الخيال المدرب يهيئ الصورة في ذهنه، حيث تعتمل التجربة، قبل المباشرة بالعمل، وتلك صفة متميزة تكاد أن تكون عامة لدى الفنانين كافة. وتختلف تلك المقدرة من فنان لآخر تبعاً للفروق الفردية في الموهبة والرؤية والتصور في البصيرة والتبصر والاستجابة للانفعالات والإعداد للذهن ثم التسجيل والتقنية والكثافة وأخيراً ولادة العمل الفني.

 l3

س141: رشا فاضل: هل لأحد غير الموهبة له فضل عليك في مسيرتك الابداعية؟

ج141: نعم.. في فترة صباي وشبابي كان ابن عمتي عدنان، هو معلمي الحقيقي. وكان مشجعي في الابتدائية معلم الرسم والانجليزية الأستاذ (عيدي) وفي ثانوية العمارة الأستاذ ياسين العزي، وقبل دخولي معهد الفنون الجميلة، كان معلمي في الرسم عبد المنعم المسافر. ومحبتي وتأثري بلوحات الفنان الفرنسي بول سيزان ( 1838 – 1906). الذي كتبت عن اسلوبه كتابا نشرت فصولا منه في جريدة المواطن من أواخر عام 1961- الى أواخر عام 1962. وكان لرسومات صديقي صبيح عبود الواقعية الجميلة، تاثير على شفافية ألواني المنطبعة ببتفاصيل الحياة اليومية في أرياف مدينة العمارة وأهوارها وفي الحياة المدينية داخل بلدة العمارة مسقط الرأس المتعبة..

 

س142: رشا فاضل: ماذا تريد ان تقول لفنان مبتدئ؟

ج142: أن يعتمد على جهدهه الشخصي بالقراءة ومشاهدة الأعمال الفنية، ومتابعة أحدث المعارض التشكيلية ومحاولة التدريب المستمر بنقل واستنساخ لوحات أشهر الرسامين في العالم. مبتدئين بالكلاسيكية والواقعية، ويكون التدريب اليومي على رسم كل ما تقع عليه أعينهم، مستمرا جاد بلا كلل.. دفتر الرسوم الاولية السكيجات دائما تحت ابط الواحد منهم ولا يفارقه قلم الفحم أو الاقلام الخشبيىة الملونة ولا الماجك كلور والمائية ان كان ممكنا. وما الا بضع سنين حتى يجد الفنان الشاب المبتديء منهم نفسه وقد نجح في تعليم نفسه. وهذا ما فعله عباقرة الفنون في العالم على امتداد التاريخ الانساني. وسوف يجدون أنفسهم، وقد بلوروا مواقفهم، وتوجهوا، برؤاهم المستقبلية الإيجابية، إلى إحلال واقع أكثر إنسانية في حياته هو وحياة مجايليه من الفنانين الشباب، دون مغادرة حدود الممكن، والفصل بين ما يتضمنه الواقع، وما يتخيله المرء في (المشتهى والمأمول) عند التطبيق، لكي يكون ذلك الموقف مؤثرا وكبيراً، يعزز من حضور الفنون والآداب والعلوم والمعرفة الشاملة في المستقبل.. من هنا يظهر دور المثقفين في نشر وتدعيم الرؤية الإنسانية العالمية، ومنهم المؤرخون الذين تكمن أهميتهم بقدراتهم على استنهاض قيم ومباديء إنسانية سامية من أحداث وتجارب التاريخ، واستحضار الشواهد التي تدعم التوجهات العلمية، وتؤكد على الرؤية المنفتحة على آفاق الحرية. ومنهم أيضا رجال الإعلام، في توصيل الحقائق. ومنهم الأدباء بمواقفهم الجوهرية الثابتة، وتقديمها بصورة بارعة وجاذبة. ومنهم الفنانون، ومسؤوليتهم الكبيرة في تنمية القيم الروحية والجمالية بخطاب يقدم رؤية موضوعية، وضعية متفاعلة مع أحداث العالم. ومنهم (المرأة العربية) في تفاصيل الفروع الانسانية كافة، فهي تلعب دورا مؤثرا في مجمل التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، لأنها (كيان جوهري وحيوي) من التحولات الاجتماعية والمعرفية و السياسية التي تعصف بجغرافية المنطقة، ولها فكر وموقف ومنطلق وأفق يؤثر بالعوامل المجتمعية. تبحث ضمن حركة التاريخ الانساني، وبالحوار المشترك مع الحضارات الأخرى، عن لغة حياة جديدة من التطور العلمي بآلياته المتقدمة في إطار من المحبة والسلام

 

س143: رشا فاضل: وماذا تقول للقائمين على المؤسسات الثقافية؟

ج143: أن يغادر القائمون على وزارات الثقافة والاعلام، من فورهم ليفسحوا المجال للشباب من ذوي الكفاءة والارادة الحرة كي ينعكس اسلوب عملهم على المؤسسات وعلى أعمالهم الابداعية. ألم تر كيف انعكس هذا الشعور على الأسلوب؟ ألم يولد البيان فيه، تجسيدا خلاقا لأفكاره ومنطلقاته الاجتماعية، ليكون طريقنا لمعرفة ملامح اجتماعية وسياسية وثقافية. مما يبسط لنا قراءة مدوناته ولوحاته الفنية بوصفها وقائع وحقائق حدثت فعلا، ومما يجعلنا نقرأ ونتامل اللوحات، هومعرفة: سيرة حياة المبدعين العرب الفنية والذاتية، نستمدها من نتاجاتهم الفنية والأدبية، ومن معاناتهم وانتمائهم لرؤى شرائح عريضة من نسيج المجتمع العراقي والعربي والاسلامي، ليكون نهجا لمعرفة ملامح اجتماعية وسياسية وثقافية عامة، تتجاوز جغرافية المحلي نحو العالم الانساني الأرحب. وبذلك يتحول الموقف وتقديره وفعله، من الخاص إلى العام. فكانت التجربة هنا، سعيا لكشف حقائق، انشغلت المقدرة التخيلية خلاله، بإعادة بناء عالم مقترح ومفترض ومتخيل وحميم عزيزعلى الذاكرة، عالم الآمال العراض. فكانت تجارب الرواد الأفذاذ، تؤكد حضورها الرصين والثابت، ليخترق جدران انعزال أمة بأكملها عن العالم.

 

س144: رشا فاضل: لو طلبت منك ان ترسم بغداد في الستينات ماذا سترسم؟

ج144: طلبكم افتراضي كما أظن، عن رسم بغداد في الستينيات، بل هو دعوة للحديث عنها في عيون الشعراء والأدباء والفنانين والمثقفين عامة.

ولكن كم مرة ومرات، لشدة ما رغبت برسمها وتكوين فكرة عن طوبوجرافيتها، وبيئتها والناس الذين يسكنونها، كانت عيناي قد امتلأتا باللون الأخضر المتعفن والفيروزي والأوكر والترابي، وقد شدني لون البرك الآسنة، التي أشم منها روائح المستنقع ونتانة الضفادع الميتة.. ولعل المتجول فوق ضفاف أهوار العمارة، والناصرية، أو بجوار الساتر المبني بمحاذاة أنهر البصرة الكثيرة المتفرعة، من شط العرب، ليشعر بألوان هذه الصفحات الراكدة والطبقات البرونزية من ترسبات المد والجزر.

ليست تلك الانطباعات وليدة الحاضر فقط، بل هي في أزمانها، إمهال لي، يقودني اليوم إلى فضح سره على سطح اللوحة.. هذا اللبث الطويل من البحث والتقصي والمعاناة، ما بين (1963-1973)، يهزني من الداخل لاقتحام عالمه كواحد من شهوده، وأشعر بثقة تغمرني حتى النشوة الصافية، عندما شرعت برسم هذا العالم.. أنه عالم يفوق حد الانبهار، إفراط اللذة المتصارعة بين هاجس اللاشعور ورادع الرقيب (الوعي)، أنه عالم الإفصاح عن النوايا قبل حدوثها.. عارٍ كامرأة عذراء أمام مرآة نفسها.. حب لا يتكلم ولكنه يرى في القلب، ألوانه تفوق حد لحظة الوصف، الظاهري نحو تعبير مرهف.. طبيعته تعطيك مادة تجريدية تفوق تصور "كاندنسكي" وبناءاته سحراً وصدقاً وتأثيراً، انه الرمز الحيوي الذي لا غنى لأي رسام عن عمقه.. هو عالم الأهوار، الفلاحين.. بكل ما يحيطهم من شظف العيش وقسوة البيئة.. انه التاريخ الطويل من التأخر والاضطهاد والجوع والخوف والمرض والفجيعة، إزاء بدائية وسائل إنتاجه، وسوء توزيع مواقع عمله.

 إن العالم الذي أتحدث عنه، هو الذي وهبني اللبث الحيوي، أو الاستغراق في قضية التعبير الفني.. وأشعرني بالطمأنينة.. وقد احتواني هذا الشعور حتى الثمالة.. وبعد أن انفصل عن الرسم.. أنسلخ عن تأثيرات التجربة، لأعيش مرة أخرى بعين مشاهد.. هذه هي المحبة الخالصة للأثر الفني، وقد بدأت ألملم ما تجزأ فيه من عناصر البناء، أو التصميم. لأشكل مفردات لغة التعبير، القادرة على توضيح السيماء الإنسانية روحياً ومادياً. وهذا جزء من حلم دائم لا انفكاك منه، حيث يوجعني من القلب، فأمد ذراعي متحسساً وجيبه من فني، ممارساً صحوة وجودي في ارتكاض الحياة.. ولقد كنت أظن أن هذا الاندفاع في الرسم، إحدى تلك الصحوات التي تعكس أشواقي الخاصة، التي تعتريني فيها هزة فرح يتيمة. ولكن الاحتراق الدائم الحنين إلى حب هؤلاء الفلاحين، قد أطفأ أي اعتقاد بوجود الهزات اليتيمات، ولا أريد أن أحمل سري، وحيداً يلاحقني زمن القهر، وحشو داخلي دبيب الحيرة، أريد أن يحتويني هذا التوجس ويغمرني هذا الترقب في محاجر الفن حتى الشهقة المميتة.. إن عشقي ينثال عبر حلم خاص. لهو أشد الأحلام وقعاً في الفن عبر أحداث الحياة. وينبغي التوجه بكل ما أستطيع من وسائل التعبير في الرسم إلى تحقيقه بأمانة داخلية، تعكس نهايات المدار التي تطوقهم.. قد تحطمهم هذه النهايات، ولكن أرواحهم لن تعرف الهزيمة أبداً، على الرغم من انهم لا يستطيعون الانفكاك من الجبرية القاهرة التي تضبب رؤية الموقف..

ما أسعدني وقد عدت إلى رسم هؤلاء الأبطال في مائة لوحة بالمائية، لم أشعر بعدها بالكلل ولم أعد أطيق الكف عن ممارسة تحقيق عالمهم الثري، بوعي آخر يختلف عما بدأته في عام 1963. لا أملك حتى هذه اللحظة لتوهج ذاتي، سوى انبهار الرغبة وشوقها إلى ممارسة التعبير في الرسم، عن عالم بشر الأهوار. وما برحت تلك الرغبة تثقل كاشحي، فأتأمل في قماشة اللوحة، النهاية المضيئة في اكتحال عيون المستقبل. ولابد أن تتغير ارتسام الخطى المهيضة على أسطح الزوارق، " البلم، المشحوف، المخيط، الطراد، المهيلة، الدانك ". كنت أشعر في أعماق صيادينا الفلاحين، وهم يستخدمونها، برفقة أطفالهم وزوجاتهم، وكأن أحلامهم تتمازج في ألوان حافات الغيوم المتشربة بخيوط الفجر الذهبية.. وهي أحلام لا تتعدى صيد السمك وحضور الخبز والشاي والصبر و" القدرية". كنت واحداً من هؤلاء.. أتأمل كل هذه القلوب والعيون والأفكار، وفي أعماقي شعور بأن عتمة ذوات أبطال الهور " أهلي "، ستفصح مخاوفها، حينما " تنمطل " أجسادهم على البواري والحصران، أو البردي الجاف من بقايا خصاف وسعفات نخل يابسة. ويخيم عليهم السكون، وتنغلق أسوار العالم، إلا أبوابهم القصبية، تظل مشرعة للريح.

 

س145: رشا فاضل: ولوطلبت منك ان ترسمها الان؟

ج145: بغداد كما هي تاج الدنيا عبر العصور المظلمة تظل كما هي في القلب والفكر والخيال. ولكنها بعد الغزو ودمار بنية العراق التحتية، واصلت عنفوانها (إذا شرقت، شمسها.. و إذا غربت). ولكن ماتدري الحمايل صارت بيا حال.. عفنا الخز لبسه وصرنه نلبس الشال).. (فبطلّت ما أعنيه من جرحي"أحّاه") ذلك جانب ضئيل جداً ممّا آلت إليه أحوال أهلنا في  بغداد، هذه الأيام.. وكانت هذه حال الدنيا: (إن أقبلت باض الحمام على الوتد، إن أدبرت بال الهزيل على الأسد).. وكانت الفاتنة بغداد التي نراها ملتفعة هذه الأعوام بالسواد ، تبقى في أعماق العراقيين مثل عشتار الحب وعشتار الحرب. كلوحات معرض المثقف عن الحرب والسلام : أيا عشتار.. يا امرأة فاتنة من سحر الأكوان.. يا جسداً حملته الأنجم من فيض الرحمان.. يا حباً تصرعه بالموت، العقبان.. يتناقض فيك: "الحرب الحب" بلا ميزان.. وبأي مكان.. أسطورة (حبٍ أم حربٍ) يا ذات بيان.. يتنافر فيك الظاهر والباطن في كل زمان.. يتصارع فيك، الحب، الحرب، وتندلع النيران.. يا وجداً من آلاف الأحزان..

ياعيسى، يا حلاّجاً تحمله الصلبان.. اشفع للفقراء المنهدّين من الطغيان.. يا وجه الحب ويا أقنعة الموت لدى السلطان.. أشفع لي، يا وجه الحب، من الشيطان.. واحفظني من سمّ الثعبان .. ومن غدر السلطان.. من نهش الغربان.. وانثر أحزاني ورمادي بين الأكوان.. وليس سوى عشتار في الأعماق، من حمل (العذاب: حمامةً وحرابا). فيا لمتاهتي وأنا أزف إليك..أنحت، روحك، الورقاء صبراً طاعناً في العمر، مسلوب الإرادة....

لا أشتهي ملامستك أو النظر إليك، لأنك تطوين تحت هذا الجسد الفاتن، شهوة حرب.. وحيث تبحثين عن أقنعة الموت، لن تجدي سوى المرارة.. فتحرري من قيد الأوهام، وتفكري بما يتبقى من أشلاء القلب ومن أصداء الأحلام. فكحل العينين الذهبي الساحر، تمحيه الآلام.. وتغيّب فتنته الأيام. ولأن القوة وهم من غم السلطان. أتمنى أن تجدي المجد رديفاً للأنس وللجان، وحبيبا للإنسان.. من أين تصيب الروح سهام بسوى لحظيك الفتّاكين بلا عنوان.. الأوثان المعبودة للحرب تثير الغثيان.. تفقأ جرح الأحزان..وتعفّن من قارورة عطر الوجدان.. فلتتحطم هذي الأوثان.. ولتتمزّق أقنعة الشيطان..ولترفع رايات الرحمان.. وليسقط وهم السلطان.. ولتهدم أعمدة الطغيان.. ولتملأ قارورة عطرك من شوق الولهان بلا خمرٍ من عينيك ولا أشجان..

أريدك يا عشتار أن تكوني رمزاً لحب عظيم.. ترفعين هامتك، لتسحرنني بعينيك مشيرة إلى  قطرات ماء عذب تسيل من بين أناملها رمزاً للحب. يتقطر الماء من كفيها رمزاً للحب، يتقطر العشق من قلبها ثملاً بالحب.. ولكن كيف تدافع عن هذا الحب؟. وحين أسوي بالمطرقة الصخر، أتذكر أن الحب ليس إلاّ صورة معكوسة للعنف، كما النحت على الصخر..

ولكن اللين والطراوة والتروي هي ما ينبغي أن أسوي بها ملمسها الرقيق وبالحفر المتأني، قليلاً قليلاً أحصل على ما أريد كما أفعل في معاملة النساء، فلكي تحقق ما تريد عليك أن ترق وتتأنى وتصبر.. عليك بالأناة والصبر والتروي..

ايه عشتار ستخرجين من بين الصخر حين أمسك بروحي.. أنحتك من وهج الروح. عشتار ستولد من بين يدي، وفكري منشغل بما سيأتي بعد غدي. حين انحت جسمك يا عشتار أخشى أن يبعدني عنك تاريخك المتقادم أزماناً من السفر المضني.. وتظلين عشتار إلهة للحب. ويستفزني جسمك بين الحلال والحرام، بين الواقع والخيال، بين الماضي والحاضر. ويظل شرقنا بين النور والظلام، حرباً ودماراً.. بينما نحن نريد الحب من عشتار لنظل كما نحن، رغيف خبز وتمر وعسل ولبن. ويغمرنا شعور بالحب العارم للوطن العراق..

ايه عشتار وأنا أنحت عينيك ماذا أقول؟ وأنا أنحت شفتيك، ماذا أقول. تمنيت لو أنحت تمثالاً لسواك يا عشتار.. ووددت لو أنحت صخراً دون عشتار في زمن آت.. كما أحب لو تخلت عن نصفها المحارب لو اطمأنت الى نصفها الرقيق المعالم. لي قلب واحد يحب الوطن الحبيب.. وهل هناك من لا يحبه إلاّ بنصفي عشتار.. وتمتد يدي إلى وجهها.. أخاف من ظلي أن يعكس عليها غلالة من العتمة والخطيئة، ويتملكني الخوف مما أفعل وبين يدي عشتار.. أي ساعات منهكة تمر سكرى بالأسى والشجن، لأنني أراك تؤمنين أيضاً بالحرب..

وأنا أريد أن أجعلك تؤمنين فقط بالحب.. عشتار.. إلهتي، هناك الحب الأرحب، العالم والأرحب الذي يتسع لملايين الأطفال والنساء والشيوخ والآمال.. وهناك أيضاً من يريد نحت الخوف والموت معاً، ولكنني أريد أن يمسّك الضياء، ليكشف عن جسدك المرمري " يا عشتار" بلا ظلال. أريد أن أجعل قلبك يؤمن بالحب فقط.

هل يعطون للصخر اسماً أخر سوى الصخر المقدس ولكن بالحب وحده يكون صخرك مقدساً فالناس من حولي يغمرهم ماء الحب المقدس كلهم مقدسون بين الحب والعمل. يتنفسون هواءً نقياً بين الحب والأمل. انهم يتأملون يا عشتاري بحب عارم ويقولون: " إلام الحب والحرب في وطن عريق يغمره الرافدان حباً وأملاً، حباً وحضارةً؟.. لماذا ترمز عشتار للحب والحرب وأنتم من صنع الحضارة والمحبة والسلام؟.. لم أسكت، ففؤادي هو الرافدان حقاً للظمأى والجياع.. وطني ملأ الدنيا حباً..

ولكن عشتار تريد أن تحمي حبها بقوتها حتى لا يستظل بموتها الأعداء يستظلوا بنفطها ونخيلها ومياهها وحبها وعراقتها.. نحن أحفاد بلاد سومر المنغمسون في التأمل والرؤى والديانات الأولى.. كنا رواد فكر وأسلوب وحضارة ..نحتنا فكراً وعلماً وقوانين وملاحم وأساطير وأمجادا وآداباً وفنوناً.. رغم الحفاة، الغزاة، الفاتحين، عبر القرون، سنظل كما كنا، مبدعين. وردنا ماء الفرات، زلالاً.. واستنشقنا عبير دجلة الخير، وشربنا من مياهه، خمراً من (قبل أن يخلق الكرم) لا ماء، لا عطرا، ولا خمرا يدانيه.. ظللتنا نخلة من سيدات الشجر على ضفتيه دفئاً وحباً..

 

عراقيون نحن نحب الحياة في وادينا.. نزرع الحب خصيباً في تربة الروح.. نعيش ونعطي للآتين علمنا وفننا وشعرنا ونورنا..

يا عشتار،.. أللحب أجسّدك أم للحرب؟. ولكنك ستبقين شاهداً على ثنائية الحضارات وستذكرين حين نحتك من أعماقي، وباحتراق مشاعري، كم عانيت من الوحدة والغربة والبعد عن الأحبة. وستبقين يا عشتار رمزاً للحب الذي اقتطعته من نصفك المحارب، فأنا رمز لمن يحبك ويحب بلادي، إن لم تكن أحرف اسمي وهجاً من نصفك الآخر، من اسمك يا عشتار، فسأجعل اسمينا حرفين من (معنى) العراق..

 

س146: رشا فاضل:هل ترى فنانين عراقيين قادمين يحملون فرشاتهم لكتابة أسمائهم على صخرة التاريخ؟

ج146: الواقع، كان من الصعوبة أن يكتب الفنانون العراقيون أسماءهم عل صخرة التاريخ كما فعل الواسطي وابن البواب وجواد سليم وفائق حسن الدروبي وآل سليم كافة.. كان زخم الانتاج التشكيلي المتزايد، يطرح أمامنا تساؤلات تنتظر عملية (نقد) أو(تسديد) أو كشف لا بد منها ان تحدث في أي مجال إبداعي.. وهكذ أخذ المبدعون ينتجون دون أن يحسبوا لمحاولاتهم حسابا، أو يقابل تجاربهم رأي نقدي تقديري، وكان لذلك خطورته في كثير من الأحيان التي تقدم خلالها المعارض السنوية للشباب الهواة، وللمتمرسين على حد سواء، وفي مثل هذا المناخ النفسي والفكري للفن، كانت تتزعزع (على المدى البعيد) ثقة الفنان بنفسه، وهو المستغرق في تجربته، بقدر ما يشتط صاحب الصنعة في صناعته، ذلك ان العمل الفني الحقيقي، هو عطاء انساني عام مفتوح، دونما تحديد لمكان أو زمان.. ودور الفنان فيه، هو دور(المنفذ) فحسب.

ومن هنا فأن للناقد أو المؤرخ في الفن وجماليته، دوره الآخر في تشييد هذا الصرح من جوانبه التكميلية المعمارية الأخرى في الشكل والموضوع والمضمون أيضا. (*)- ويتضمن النقد الفني التشكيلي الذي اشتمل عليه الكتاب،على: الوصف، والتفسيـر، والتقييم، و التنظير حول فلسفة الفن ودوره في المجتمع. وفي تعريف الفن، أن هناك تصنيفات عدة للفنون يصعب ان نحيط بها في هذا السياق، لكنها في صورته النهائية كما وصلت إلينا خلال القرن العشرين تقوم افتراضات اساسية: منها الاقرار بوجود منظومة محددة للفنون جمعاء. وهناك تفرقة واجبة بين الفنون والحرف والعلوم. وان الفنون تبحث عن الجمال، وتحاول أن تصل إليه. وكذلك ان الفن يشتمل على كل الأنظمة أو المجالات الإبداعية مثل: الشعر والدراما والموسيقى والرقص والفنون البصرية وتشمل الفنون البصرية على كل النشاطات الإبداعية في الفنون البصرية الرئيسة وهي: الرسم والنحت والعمارة.

ـ وأخيراً إذا قيل إن التمتع بالجمال في الفنون يمكن فهمه على أنه منفعة إنسانية اجتماعية تجمع معها قيمتها الجمالية الممتعة الخالصة الجمال واللذة والمتعة، وإنها قد تجعل منها حافزا ضروريا يوسع من مفهوم ومعنى وأهمية ودور وفاعلية العمل الفني في الحياة التي تفيض بها الفنون الجميلة على الناس. من جمال ممتع ومؤثر، يجمعها إلى المتعة الفنية الخالصة. هذا التذوق ذاته هو إدراك حسي متسام، يعادل أي لذة تأتي من التمتع بالأشياء التي نستعملها. وليس فيها تعارض يتنافى مع القيمة الفنية الحقيقية. فالفنان العراقي في مرحلة التاسيس، كان يعمل بجد واثرة وايمان بالغد المشرق وبافياء السعادة وبالوطن الحر والشعب السعيد. وما يقدمه من صيغ جمالية جديدة.،فهو يبدع شكلاً وينشئ موضوعاً مبتكراً. يجعلنا نلتقط لحظاته ونتعمق فيها حدسياً يكوّن عند الفنان تصوراً مستقراً وجديداً يتمثل بتعبير يتحقق في أثر فني، وذلك هو الإبداع الفني الذي لايمكنه أن يبقى خارج حدود الموقف الانساني،. لايمكنه أن يبقى خارج حدود المجتمع وآماله. ليشارك مخيلة الناس في الوقوف أمام مجمل تاريخي اجتماعي لسير وتشكيلات ومراحل تعاقب وتراكم الوقائع والأحداث والمتغيرات المتعاقبة في التاريخ الاجتماعي للحضارة البشرية. لكي يغدو الأثر الفني وسيلة تواصل وتوحيد بين الأمم، على نطاق واسع.

 

هكذا يمكننا أن نقرأ صفحات مشرقة ومشرفة من تاريخ الفنون التشكيلية المعاصرة في العراق والوطن العربي. وهكذا ستتوضح قيمة الفن وهدفه وغايته ووضوح موقفه. وربما سنرى فنانين عراقيين قادمين يحملون فرشاتهم لكتابة أسمائهم على صخرة التاريخ.

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

 ..............................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4/ 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1707 المصادف: 2011-05-09 10:31:11