تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (17)

s4خاص بالمثقف: الحلقة السابعة عشرة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على سؤال الشاعر والاديب سلام كاظم فرج كما يجيب على اسئلة الفنانة التشكيلية ثائرة شمعون البازي.

 

سلام كاظم فرج: أديب وكاتب / العراق

س147:سلام كاظم فرج:أستاذنا الجليل الفنان شوكت الربيعي. في نهاية الستينات وبداية السبعينات شهدت البصرة نهضة فنية ونشاطا تشكيليا ملحوظا.. ومن ابرز النشاطات اللافتة تأسيس جمعية الفنانين العراقيين وإنجاز مجموعة من الاعمال النحتية البارزة كتمثال الشاعر السياب للنحات نداء كاظم. وتماثيل لمنقذ شريدة. وعبد الله شاكر وناصر الزبيدي ومرتضى حداد وعبد الملك عاشور وسواهم كثير. وكان لكم دور فاعل في تلك المرحلة كرئيس جمعية التشكيليين فرع البصرة.. وكنت متابعا لبرنامجكم (أدب وفن) المهم في تلفزيون البصرة في بداية تأسيسه عام 1969 والذي حرصتم على تقديم الاعمال الفنية البارزة للفنانين العراقيين والعرب والعالميين. وقد ساهم برنامجكم في نشر الثقافة التشكيلية إبداعا ونقدا وتأريخا..اكون ممتنا لو تفضلتم بالحديث عن تلك الفترة المهمة من تأريخ البصرة الفيحاء تشكيليا.

ج147:البصرة و روح الأمكنة في الفنون والآداب

بقعة حنين واحدة: (لا أريد هنا التحدث عن حضور البصرة في التاريخ العربي والاسلامي، لان البصرة ظلت عبر التاريخ اكثر المناطق العربية عرضة للغزو والتدمير، بحكم موقعها التاريخى والستراتيجى، و بسبب صراع الحضارات العربية والعثمانية والفارسية والهندية، والبريطانية، ودور القوى الاسستعمارية التى حاولت تجريد الفكر العربي من انسانيته والتغاضي عن وجود فن عربي... كتبنا في (نضران) بلدة البصرة معظم مؤلفاتنا وبحوثنا، ورسمنا أجمل لوحاتنا، وبوحيها نضجت أفكارنا في الأدب والفن، وفي المواقف التي اتخذناها ضمن الرؤية الفنية المعاصرة..

 

لم نكن قبل أن نتنشق هواء مدينة (البصرة) قد بلونا قط بمثل هذا الحب وتلك الرؤية.. وبهؤلاء المبدعين من الشعراء والكتاب والمثقفين: محمود البريكان ومحمود عبد الوهاب وكاظم نعمة التميمي وكاظم الحجاج ومحمد خضير وإحسان السامرائي ومحمود الظاهر ويوسف يعقوب حداد ومحمد راضي جعفر وعبد الكريم راضي جعفر ومحمد صالح عبد الرضا وشاكر العاشور وحميد عبد الباقي ويعرب السعيدي ومزيد الظاهر وعبد الرزاق حسين وعبد الغفور النعمة وحسين عبد اللطيف وحامد البصري وكامل عويد العامري ولطيف البدراوي ومؤيد أبو رغيف.. أما المبدعون في المسرح فهم كثر. من بينهم: الفنانون قصي البصري ومحمد وهيب وحسن الزبيدي وباقر عبد الواحد ولطيف البدراوي وعبد الأمير السلمي وفيصل حسن وأسعد عبد الحسين وياسين علي الياسين وخالد كاظم وعزيز الكعبي وأكرم محمد علي وعبد المجيد الحداد ومحمد علي الحلاق.. وعشرات من الموسيقيين والصحفيين والإذاعيين والملحنين والمطربين وأصحاب مطابع ومكتبات وأسواق ومقاه ودور سينما وملاه ومراقص ونوادٍ وحياة تضج بالمودة والألفة والمسرة والماء والخضراء والعيون السومرية الواسعة و(السمك "الزبيدي" و"الصبور"، السميط، والتمر المعسل، والطرشي المحشي، وتمر "الخلال" المشوي المجفف).. والجداول والسواقي وبساتين أبي الخصيب والتنّومة وجزيرة السندباد وسوق"المغايز" و(ساعة سورين) ومطبعة حداد وجريدة الثغر.. و(الخندك وباب الزبير) و"الومبي والجنينية والعشار والجمهورية والمعقل.. والزبير والفاو وأم قصر".. وكل بقعة أرض ما زال الإنسان البصري الرائع يعيش فوقها بطبيعته السمحاء ومحبته الخالصة وأخلاقه الرفيعة وطموحه السامي وأفكاره المتجذرة ورؤيته العميقة ومستقبله المزهر أبداً في فيض الإبداع.. تتساوى محبة البصرة في عقلي ووجداني بأختها مدينتي، "العمارة"، وكنت أريد أن أعبر عن ذلك الحب بالوفاء.. ولا أدري كيف أنحني لأجمل أسرار الحياة في كل لحظة من الآلام التي علمتني حب الحياة... كذلك لم نكن قبل أن نتنشق هواء مدينة (البصرة) قد بلونا قط بمثل هذا الحب وتلك الرؤية.. وبانتاج هواة الرسامين، الذين ظهروا خلال العقد الثالث والرابع والخامس من العشرين المنصرم، فأزدهر بانتاجهم الفن التشكيلى خلال فترة الثلاثينات وا لاربعينيات من القرن العشرين، ومعهم ظهر مثقفون حاولوا ايجاد نوع من التواصل والخلق الفنى بين واقع المدينة ومداراتها الفنية ومن هولاء الفنان والشاعر - قيصر معتوق – وهو لبناني الاصل - الذي أنجز الكثير من اللوحات في مرسمه على جزيرة (الداكير) المطلة على شط العرب، كما ظهرت رسومات الفنان (هندي الاصل)- جوزيف كونوي (ابو لانس) وهي تخطيطات بالفحم ولوحات على الكارتون نفذها بالباستيل وأخرى بالالوان المائية. ومنها لوحة مازالت محفوظة عند (السيد عبد الرزاق الملاح) لابيه تتجلى فيها واقعية جذابة، اضافة للوحات محفوظة عند ال باش اعيان وال بركات وآل عبد الواحد وكذلك رسومات الفنان (الراهب) - دادي شوغ كيخ - المتاثر بلوحات رامبرانت ومازالت لوحاته الدينية تغطي حيطان دير ومدرسة الكلدان في محلة الباشا وقد اسدل الستار عليه عندما رسم صورة للزعيم عبد الكريم قاسم بعد التغيرات السياسية في البلاد.

 

ظهرت في فترة لاحقة، أعمال شعبية السمات للهواة - محمد كاظم الجزائرى ودينار جبار - في منهجهما الفطري، فرسما ألوانا من تراث البصرة الفولكلوري والطقوس والشعائر الدينية، ملاْوا بها حيطان المقاهي والمنتديات الشعبية، وهي لوحات لم تهتم بالنسب المعروفة في الرسم او تستعمل الالوان الزيتية أو المائية فعوضا ذلك باصباغ النيلة والمعاجين الزيتية والاصباغ المنزلية (البوية).

 

وفى الاول من حزيران عام 1943 أقيم أول معرض للخط العربي فى البصرة دعت له شركة فيلبس للراديو وقد فاز بالجائزه الاولى كل من الفنان عبد الرحمن الذيبان في خط النسخ والفنان الفنان ياسين الشاوى (ابو الفنان طه الشاوى) في خط الثلث والفنان آصف خضير العطار بخط الرقع. وقد ترك الفنان ياسين الشاوي (محاسب سجن البصرة) بصماته على مجموعة من الخطوط الاسلامية الجميلة. ومن آثاره الباقية: (شجرة أسرة باش أعيان المحفوظة فى المكتبة العباسية). وفى الاربعينات ظهرت مجموعة كبيرة من معلمى الرسم مثل الفنان حسون علي المعلم فى مدرسة عاصم بن دلف والفنان عبد الجليل ابراهيم (رسام وموسيقى وممثل مسرحي) والفنان محمد عبد الوهاب (شقيق الاديب القاص محمود عبد الوهاب) الذي نفذ كثيرا من الجداريات والتخطيطات في مرسمة مقابل (مدرسة السيف) والفنان عبد الباقي النائب الذي كانت له آثاره الجميلة من خلال تدريسه لمادة الرسم في المدارس الثانوية. وتميزت لوحاته بالواقعية والفنان توفيق البصرى (ممثل وخطاط) والفنان ابراهيم ناجى (ممثل وخطاط) والفنان المحترف اسماعيل صدقي والفنان محيى الرفاعى...

 

كان الكاتب إحسان وفيق السامرائي، قد حدثنا عن روافد الحركة التشكيلية في البصرة. و نظرا للظروف الاجتماعية والتقاليد الدينية والتخلف الاجتماعي فلم يحفظ التاريخ لنا غير بعض الرسوم والصور التى ظلت بمعية الطبقات البرجوازية المتعلمة دون الشعبية بسبب احتكاكها مع العالم عن طرق التجارة فنقلت لنا الكثير من تلك الثقافات والفنون من استانبول والهند - على شكل صور شخصية او لوحات عن الطبيعة الصامتة حسب عادة ذلك العصر.ونشر الفنان - شاكر حسن أل – سعيد (1928 – 2004) في بحثه عن (تاريخ الحركة التشكيلية في العراق) ان الحركة التشكيلية فى البصرة قد ابتدات بعد قيام الحكم الوطنى فى العراق على يد الفنان - عبد الكريم محمود - الذى عمل سنة 1922 مشرفا على الدروس الفنية والقاء بعض الدروس العملية على طلبة المدارس الاولية في البصرة.

 

أما الفنان - سلمان البصري - فيذكر في بحثه المنشور فى جريدة المرفا الادبية الى ان الحركة التشكيلية فى البصرة قد ظهرت بين اعوام (1925 و1955) لوجود فنانين بصريين مثل (هادي البنك و سليم ايليا) وقد علل دراسته عبر نظرة عمومية اعترف فيها بعدم وجود فن حقيفي لان جل ما قدم تلك الفترة، كان عبارة عن تقليد. اما الفنان محمد راضى عبد الله فقال بان الحركة التشكيلية قد قامت بين عامي 1945 / و 1955 على ايدى الفنانين (مهدى البنك وعبد الباقى النائب وعبد الرزاق الصانع وعبد الرزاق العايش) بسبب تأثر الفنانين البصريين بالدفعات الاولى من الرسامين التشكيلين الذين تخرجوا في معهد الفنون الجميلة ببغداد (فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي) وبحكم ما كانوا يطلعون عليه من تجارب فنية حديثة في أوربا. وشرق آسيا والهند والصين وبلاد فارس... ففي بلاط السريدار خزعل خان امير المحمرة تمت استضافة الفنان قيصرالجّميل شقيق (بيير الجّميل) زعيم حركة الكتائب في لبنان في بدايات القرن العشرين فرسم له ولأبناء أسرته مجموعه من الصورالشخصية، فمنحه الشيخ خزعل مكافأة قدرت بسبع مائة ليرة ذهبية، واللوحات الزيتية موجودة حاليا عند (ورثة حفيده السيد سلمان الشيخ عبد الكريم الشيخ خزعل المحامي) وقد تميزت اللوحات الزيتية بطاقة فنية عالية وباسلوب واقعي جذاب اتخذ البساطة في التعبير.

اما صور السيد طالب باشا النقيب فظلت مع أفراد اسرته ولايعرف مصيرها ولا اسم الفنان!؟ اما مجموعة قصر السيد- سالم آغا جعفر - فضمت روائع من الفن الفارسي والاسلامي ورسومات عن الحريري وخمريات الشاعر عمر الخيام وعددا كبيرا من المجّسمات البارزة المصنوعة من الحجر الجيرى والمرمر الايطالي ولوحات بالحبر الصيني والفحم نفذت نهاية القرن التاسع عشر من قبل فنانين بصريين درسوا على ايد فنانين عرب واجانب (وكانت بلدية البصرة قد اقرت هدم القصر سنة 1977 لبناء منتديات وشاليهات ومسابح على أرضه بحجة ان القصر لايدخل في اطار الابنية الاثرية لان القصر بني في اواخر القرن التاسع عشر!!) وقد جوبه القرار من قبل نقابة الفنانين وجمعية التشكيلين العراقيين بالرفض فتم تشكيل لجنة ضمت كلاً من المهندس منذر البكر رئيس بلدية البصرة والدكتور قاسم الموسوي عميد كليه الهندسة و احسان السامرائي رئيس نقابة الفنانين وهندان الخضيري ممثلة السياحة في البصرة كشفت على القصر و اقرت نقض القرار والطلب من محافظة البصرة الموافقة على تسليمة لنقابة الفنانين على امل تحويله الى معرض دائم للفنون التشكيلية والتراث.

 

الا ان أحداث الحرب العراقية الايرانية عام 1980 وما شابتها من اصوات تحريضية بحجة المعركة دفعت بالاثر الجميل الى الدمار بعد استملاكه من قبل وزاره الاعلام التي عملت على تقويض محتويات القصر من اللوحات والتماثيل والرقش العربي بحجة ترميمه وابدال محتوياته الفنية باعمال معاصرة بدائية، فقضي التعصب الفكرى على تراث من اللوحات والتماثيل والزخرفة الاسلامية كانت احد رموز البصرة المعاصرة، ولم يبق من تراثيات القصر غير تمثالين لأسدين مصنوعين من البرونز كانا يقفان في مدخل القصر جلبا من مدينة - برمنغهام لفنان لم يعرف اسمه - ثم انتهى القصر ليصبح بعد الاحتلال سنة 2003 مقرا للقوات البريطانية الغازية.

 

تحولات رؤى الفن في تجارب فناني البصرة

يمكننا التحدث عن الموقف الواضح في أعمال بعض الفنانين المتواجدين في البصرة. ففي لوحاتهم أنفاس ورؤى مختلفة، بسبب ما كان يخيّم على سياسات الوطن العربي والعالم الثالث والصراع المحتدم بين الثورة العربية المعاصرة، وجوهرها قضية فلسطين، وبين الاستعمار بكافة أشكاله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذه الملاحظة تنسحب على معظم الفنانين العرب. هناك اختلاف واضح في طبيعة المعالجة بين كل فنان في البصرة، بحيث تتلخص بالنتيجة تقنيات متميزة تخضع في شكلها إلى مضمون واضح..

 

إنَّ معظم اتجاهات لوحاتهم، تعبيرية أدبية، وذوات صياغات أسلوبية مختلفة، تقع بين الرمزية وسيمياء السريالية والتجريدية التي لا تزال مضامينها، تنتمي للواقع وترتبط بالصراع داخل الأشياء المتخيلة والمواقف الذهنية.. ولولا عملية الصياغة الشكلية التي خدمت الموضوع، ولولا الموضوع الذي فرض نفسه على اختيار العلاقات البنائية في مساحات وكتل وخطوط وتقنية العمل الفني ذاته. لولا ذلك كله لما تبلورت لديهم بعض القيم الإبداعية التي تشير فيما بعد الى الدلالة في المعطى الفكري والاجتماعي، في عين التقدير الذي يدل على نضوج الشكل العام ووضوح مكونات الأسلوب الأساس التي تظهر الموقف بجلاء وتشخص انتماءه.

 

المهم هنا، هو المدخل إلى فن الستينات وتفجر الحركة التشكيلية وتصاعدها، ابتداء من عام 1964 حيث أقمت أول معرض شخصي في إطار الفن الحديث والتجريد على وجه التخصيص، ولارتباط فن تلك المرحلة بدرجة تطور المجتمع واضمحلال قوى الإنتاج وتدهورها مما دفع الفنانين، وهم في حيوية صبوتهم الناهضة، إلى إحداث انقلابية في الرؤية الفنية، تعويضاً عن الخلل القائم في العلاقات الاجتماعية والقيم والمبادئ والسياسة والاقتصاد وهي أشبه بالتململ الذي يسبق الانفجار وكثير الشبه بالثورة في شكل الأعمال الفنية التي سادت بواكير القرن العشرين في تجارب المبدعين الغربيين. وهناك رأي آخر للفنان الكاتب شاكر حسن سعيد، قال فيه أن (..التاريخ التشكيلي العراقي يفتقر إلى تدوين هوامشه في المحافظات الأخرى، وعلى الأخص مدينة البصرة، كما ورد في كتابه (فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق) الذي أصدره بجزأين عام 1988، وفيه توثيق وتوصيف عن الحركة التشكيلية في البصرة و بعض فنانيها ومعارضهم ومساهمات البعض منهم في تأسيس الجماعات الفنية في بغداد والجماعات الفنية في البصرة بقوله: (يبدو أن احتدام الفكر السبعيني يبدأ في البصرة من مواقع اكثر انهماكا بالوعي العالمي منه في بغداد. ذلك البحث الإنساني الصميمي لدى سلمان البصري إلى جانب جماليات علي طالب الزخرفية والإشارية معا، ثم بحث عجيل مزهر المحيطي وإنسانيات فاروق حسن الملمسية، كل هذه التجليات أخذت تشكل الآن نوعا من الطرح الفني الذي لا يقل عما كانت تحتدم فيه أفكار فناني بغداد. الملمسية بدأت في البصرة بشكل اكثر استغراقا منه في بقية أنحاء العالم من خلال بحوث محمد مهر الدين و عجيل مزهر وفاروق حسن).

بينما كانت مساهمة فناني البصرة كبيرة من خلال عدد من الفنانين الذين ساهموا في تأسيس الجماعات الفنية التي ساهمت بفاعلية (من اجل البحث عن رؤية جديدة) للفن العراقي، فقد ساهم علي طالب في جماعة المجددين innovators  (65-1968) وهي من بين أهم الجماعات الستينية التي غيرت بفاعلية رؤية الفنانين والجمهور تجاه الفن الحديث باتجاه البحث التقني الماتيريالي، وممارسة أقصى مديات الحرية والاستغراق في المعاني والبنى الكامنة في العمل الفني، وكونه ممارسة تمتلك واقعها الخاص وليست ارتدادا عن مؤثرات تفرضها فعاليات خارجية، والانقطاع إلى العمل الفني باعتباره حوارا تقنيا بين الرسام والمادة المستخدمة في إنجاز العمل.

 

وظهرت جماعة الزاوية بجهود إسماعيل فتاح الترك الذي خطط لهذه الجماعة بقصد تأسيس جماعة جديدة تمثل الجماعات الفنية المختلفة وكانت تهدف حسب ما يذكر آل سعيد لاستنهاض همم الشباب للعودة إلى الخط العام للتطور فكانت دعوتها غير المباشرة في وضوح المضمون وعمقه. وساهم الرسامان فيصل لعيبي وصلاح جياد من البصرة بتأسيس جماعة الأكاديميين، وهي جماعة تنتمي إلى تيار لا ينتمي إلى الشكل الفني الحديث ولا لاستلهام التراث بل للمضمون وما يتمخض عنه من معان إنسانية، فارتبط ذلك المضمون بالبعد السياسي والاجتماعي والواقعي في آن واحد فكانت احد التأثيرات الأيديولوجية للخامس من حزيران 1967.

 

ومثل هذه التجارب، هي استمرار واضح لمسيرة جيل البحث العنيد، من فناني العقد السادس، جيل المقتحمين، المكتشفين مجاهل الفن، ومن أبرزهم عاصم فرمان وشداد عبد القهار. وكاووش وهيثم حسن وكل فنان منهم يخوض التجربة الفنية بروح الباحث عن الصياغة المتقدمة في التقنية والرؤية.. من هؤلاء: محمد مهر دين، الذي ولد في البصرة عام 1938 ونشأ في منطقة المعقل حيث أنهى الدراسة الابتدائية والمتوسطة مع زميله النحات نداء كاظم، وانتقل الى بغداد لاكمال دراسته في معهد الفنون الجميلة عام 1959، ثم عين مدرساً للرسم في بغداد في مدرسة العرفان وواصل دراسته في معهد الفنون الجميلة وحصل على زمالة دراسية عام 1961 الى بولونيا وحصل على الماجستير في الرسم وكان استاذه (الكسندر كوبسكي).

 

تأثر بالحركات الفنية في بولونيا واخذ منها الكثير. اقام اول معرض عام 1965 في قاعة (رفعت الجادرجي) وعاد للعراق عام 1967 وتواصلت معارضه حتى وصلت الى19 معرض، وكانت مساهماته كثيرة في داخل العراق وخارجه كباريس ولندن. نشر الكثير من المقالات وطبع له كتاب عن اعماله التشكيلية منذ بداياته حتى عام 2002 وكان يتناول الحياة والفن والنقد عن طريق التشكيل، ساهم في تطوير فن الملصق ويقول عنه الفنان ضياء العزاوي: "تشعرنا ملصقاته بدهشة مباشرة على صعيد الرؤيا السريعة وتنفتح امامنا دون بذل جهد"، اما الناقد شوكت الربيعي فيقول عنه: "يعطي مواده الفنية حساً فنياً لانه يعني تكنيكه جيداً ويخضع نتاجه لعملية عقلية". الفن التشكيلي في العراق، هو خليط متجانس لكن مصادره متنوعة عربية اجنبية، والحركة التشكيلية غنية بما تمتلكه من مناهج متعددة لكن هذا لا يمكننا ان نعطي الحق بامتلاك مدرسة فنية تخص العراق لانها ذات تأثيرات اوربية وحتى الفنانين الرواد نقلوا حضارة الغرب اثناء الدراسة واضافوها الى تجاربهم، فولدت تيارات مختلفة لكن لايمكن ان نسميها مدرسة.

 

كانت هناك بوادر الا انها كانت غير كافية كجماعة الحروفيون الذين ارادوا ان يقحموا الحروف العربية الى لوحاتهم فذلك لايعطي خصوصية، وفي ذلك الوقت نلاحظ فنانين فرنسيين ادخلوا الحرف الانكليزي لكنه ادخاله ضمن اللوحة لا يعطيه خصوصية. مارس الاستاذ جواد سليم عمليتين تقنية وفكرية وحاول ان يستفاد من الارث الحضاري لوادي الرافدين فتجد ان اعماله مستوحاة من تراثنا الحضاري وفي نفس الوقت اخراجه للعمل التقني كان يختلف عن التقنيات الاوربية المعاصرة فحاول ان تكون هناك مزاوجة بين الفن الغربي والقيم الحضارية الفلكلورية للعراق، ولكن جواد سليم كان انسانا واعيا حاول ان يخرج من محليته من خلال تبني طروحات غربية مثل السجين السياسي رمز تمثال الحرية. جواد سليم كان يمتلك وعي، والتأثير بحد ذاته وعي اذ تأثر ببيكاسو، جورج براغ، وفنان لم يعرفه احد هو بورت كلاي. بعد الرجوع من بولونيا عام 1967 اقمت معرض للرسم في شارع السعدون في قاعة تالة وكان عمري لا يتجاوز 25 سنة وكنت متأثراً باساليب بولونية وكان الاكثر تأثيراً واحد من الفنانين الاسبان وهو (انطونيو نابيه) وكنا اعتقد اني امتلك مهارات متقدمة في الفن فحاولت ان اقيم هذا المعرض بمواد مختلفة ذات صبغة تجريدية والحقيقة كان مثار اعجاب معظم الفنانين ولكن بعد ان مشيت في شوارع بغداد توصلت الى ان الاسلوب التجريدي لا يمكن ان اعبر بواسطته على ما يجري في مجتمعنا فتحولت تدريجياً الى ما يسمى الواقعية النقدية من خلال انتقاد كل ما يجري في العراق والعالم وامارس كل الاشياء الفنية ولكن المضمون الفكري كان يتغلب على الشكل.

 

فيجب على الفنان ان يمتلك نوع من الذكاء بحيث يمرر الاشياء دون الحس الذي تمتلكة السلطة. المهم ان نجعل الناس يحسوا انه هناك حالات سلبية في المجتمع او المجتمعات الاخرى فالتجريد الذي اكتسبته من بولونيا لم يعد قادراً على التعبير عن العراق او ما يجري في الخارج. في ذهني مقولة لعبد المجيد لطفي يقول فيها "صمت الاديب ايجابية في بعض الاحيان" ولكن اراكون يقول "لايكفي ان تصمت ولكن عليك ان تعرف كيف تقول شئ اخر"، والحقيقة ان السلطة لديها اجهزة معينة تحاول ان تفهم ما المقصود من هذه السلطة وبالتالي حاولت ان استعمل اسلوب اخر أي ان استعمل رموز معينة وبعدها انتقلت الى التجريد الذي اختفى فيه التشخيص ولكن الفكر الموجود في اللوحة اصبح غامضاً فالمتلقي لن يفهم اللوحة اذا لم يبذل جهد اكبر حتى اني استعملت كتابات غير مقروءة حتى اني اتذكر ان مخلد المختار كان يقول لبعض الجماعات "ماذا يكتب محمد هل يسبنا". العولمة التكنولوجية هي ذات وجهين والعولمة هي حالة موجودة منذ القدم وهي محاولة لتفريغ الانسان من محتواه الفكري والحقيقة ان الدول مجتمعة تحاول افراغ العراق من كل شئ اسمه حضارة وهذا هو هدف العولمة.

 l5

 

الحقيقة انا انظر الى الوجهين ولكن الهدف البعيد هو الذي قلته لك اما الاشياء الغربية كالستلايت واجهزة الاتصال كل ما يمكن ان يخدم الانسان مؤقتاً يمكن ان يمنعوها عنا ولكن الهدف الابعد هو شئ غير انساني. على المستوى التقني كنت معني بمحاولة اكتشاف الاشياء الجديدة ولكن هذا لايعني اني استفدت من العولمة كتقنية ولكن اخذت العولمة من الجاني الثاني وهو الفكري وماذا تريد من العالم ومن اربعة اخماس العالم، وفي واحدة من اللوحات كان خمس اللوحة ملون وهذا فيه رمزية معينة وهو ما يشير الى ادعاء العولمة ان الخمس يعيش واربعة اخماس العالم تضمحل وكل الوسائل التي تتبعها الحتمية سوف تتحقق. حاولت ان اقلب بعض الكتب في الفن الاسلامي وهذا الخط اعجبني كثيراً وحاولت ان استعمله.

 

الحقيقة ان الملصق الجداري يمتاز بانه مباشر واغلب الذين كانوا يطلبون منك ان تعمل لهم ملصق يحب ان تتعامل مع الشارع طالما ان الشارع يمتلك حساً فنياً لابد ان تنزل الى مستواه، لذا وصلت الى مرحلة بان الانسان الذي وصل الى مرحلة متطورة اراد ان يحافظ على مستواه اما تدني المستوى الفني للمجتمع هي ليس من اختصاص الفنان بل من اختصاص مؤسسات الدولة. الحقيقة ان الفن الاكاديمي يقيد الفنان والفن الاكاديمي هو بداية كل فنان ولكن بعد ان يتقدم عليه ان يبحث على تقنيات جديدة. ان من يطلب منك بوستر يطلب منك ان تتنازل عن التقنية المتطورة التي وصلت اليها لتصل الى مستوى الناس في الشارع في الفترة الاخيرة اصبح من المخجل ان تقول ان لدينا أكاديميات فن لان الطلاب لا يريدون ان يتعلموا شئ جديد وكذلك الأساتذة لم يعودوا قادرين على ان يقدموا شئ للطلاب واذكر في الفترة الاخيرة ان احد الاساتذة الذين تم التعاقد معهم (ارتو موسكي) جاء الى العراق ليدرس لفترة معينة ثم غادر وعاد لفترة معينة وقال: "تركت الاكاديمية أكاديميون وفنانون ورجعت اليها مستشرق" الحقيقة انه في احدى المناسبات زارنا احد الفنانين الفرنسيين وكان يهودي على ما اعتقد وعندما لاحظ ان الفن متقدم وهو شئ لم يتوقعه وبعد ذلك كنت احاول ان اجعله يطلع على بعض الاشياء في المعهد فذهبت معه الى قسم الموسيقى وكان احد الطلاب رائعاً جداً وعزف سمفونيات اذهلته ولاحظت عليه نوع من القلق والوجود فاخبرت زملائي الاساتذة: "ان هذا المعهد سوف يرجع للخلف لان هذا الانسان كان قد جاء ليرى كيف يسير الفن العراقي ولماذا هذا التطور في الوقت الذي يريدون فيه مسح كل ثقافة".:

 

كان ضياء العزاوي في البداية عندما كان في العراق كان واحد من افضل الفنانين ولكن في الفترة الاخيرة اصبح تاجراً وكان رافع الناصري؟ لايزال يمتلك امكانية ويتقدم ببطء. الغريب ان الفن التشكيلي انه تطور في الوقت الذي بقي النحت العراقي تشخيصي وهذا ينطبق على اسماعيل فتاح الترك وسعدي الكعبي اعتبر كل تجربته الاخيرة لم يرسم سوى اربعة لوحات. جبر علوان هو احد طلابي وهو كان من الطلاب الكسالى وعندما التقينا في عمان واماكن اخرى اصبح شخصية اخرى تماماً واصبح ذلك الشخص الذي لم اكن اتوقع له يوماً ان يصبح فناناً اكثر من بعض الفنانين الذين خرجوا وهم يمتلكون تقنية جيدة امثال فيصل لعيبي وعفيفة لعيبي، ولكن جبر علوان الذي لم يكن يمتلك 1% من إمكانياتهم التقنية تفوق عليهم جميعاً.

 

الجماعات الفنية في البصرة

 تشكلت في البصرة عدة جماعات فنية مهمة أسهمت في رفد الوعي الفني التقني. وهي: (جماعة البصرة) وأسسها: ادهم إبراهيم وجبار داود ومحمد راضي عبد الله ومحمد الزبيدي وموريس حداد ونجاة حداد و عجيل مزهر وعادلة فاضل وفاروق حسن وسلمان البصري. و أقامت معرضا للمدة 6 - 12/7/1968 في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث. وجماعة الظل: و أسسها كل من سلمان البصري وشاكر حمد وعبد الله شاكر وعلي طالب حمدي ومحمد الزبيدي ومؤيد عبد الصمد عام 1970، و أقامت معرضها الأول في مدينة البصرة، ثم انتقل إلى قاعة المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد للمدة من 25/2 – 1/3/1970 جماعة المثلث: تأسست أواخر عام 1969 و أصدرت بيانا يوضح سياستها وفكرها ومسؤولياتها تجاه الفن العراقي والعالمي وعرض باسمها محمد راضي و عجيل مزهر وفاروق حسن واقامت معرضها الأول في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث من 7 - 13/6/1970 والمسيرة التشكيلية في البصرة ما زالت باتساع...

 

ثائرة شمعون البازي: شاعرة وفنانة تشكيلية / السويد

س148:ثائرة شمعون البازي:نحن نعلم بأن أي عمل فني تسبقه خطوات، فهل تتبع في عملك الفني تلك السياقات المتعارف عليها وهي (الفكرة ثم التخطيط ثم التنفيذ)؟ أم هناك أمور اخرى تتبعها؟

ج148: نعم. هذا ما يتبع في الجانب الأكاديمي. (الفكرة ثم التخطيط ثم التنفيذ)، بل تلك قاعدة تنطبق على سبيل البدء بالعمل الفني والثقافي وحتى في اشغال الفاعلية الابداعية.. أليس الشعر اشتغال في التخييل؟ كذلك في الفن والأدب. وهناك أمور أخرى أتبعها في الأقل ما يتعلق بي شخصيا فقط، أتحدث عنها كشخص ثالث يتمثل بالمتابع الناقد وحسب. (.. تبقى تجربة شوكت الربيعي في الرسم تدل وتشير إلى رسام يعي مادته وله خبرة وممارسة طويلة حساسة في هذا المضمار.. ويبقى ضمن الزمرة المقدسة بين الرسامين العرب المتقدمين في الصياغة والتقنية، وتبقى شخصيته العذبة تصوغ أفكارها وقناعتها بذاتها، وينصت وحده إلى دقات فكره وحده.. وقد طغى عليه فيض من الآلام خلال السنوات الأخيرة التي واجه فيها المجتمع محاولة تهديم البنى التحتية لاقتصاده وثقافته.. واحتلال وطنه وما ترتب على ذلك من مآسي وخراب ودمار وتهديم لبنية المجتمع العراقي من داخله. ولولا صلابة قاعدته النفسية والتاريخية لكان الانهيار أشد واقسى وأمر وأدهى.). تغمر هذا الفنان ثقة صادقة بتجربته، في ضوء نوعية وقيمة علاقة إنتاجه بالبيئة والمجتمع (موضوعاً. ومضموناً). وبالشكل الإنساني عامة. ولكن، هل ينظر إلى تجربته من زاوية أحادية أم يعتقد أنها وحدة فنية متكاملة صادقة في إطار نظام جمالي متقدم، وله نكهته الخاصة؟ وهل يرى فيها نبضاً حيوياً مضافاً إلى مجمل تجاربه السابقة؟ وهل يراها بعين مبدع مكتشف لحقائق مجتمعه ولعناصر تصعيد أسلوبه نحو تجسيد تلك الحقائق؟ الحقائق المستذكرة في أعماق البيئة، المستنبتة في وجدان وعاطفة المبدع التي شيدها خياله عن البدائل التي يحلم بها في الفن المستقبلي.

 إن مفردات عالمه الحقيقي الملقى في الماضي تستيقظ، وتتلبسه وتنسحب على مجمل محاولاته وبحوثه في التصوير والحفر.. إنها حوافز ما زالت تضغط بقوة على حواسه، تجعلنا نتابع جوهر بحثه الاجتماعي خلال الفن، وجوهر توصلاته التقنية، التجريبية، منذ تخرجه في معاهد وأكاديميات بغداد وبرلين وحتى اطلاعنا على ثوابته التقنية والأسلوبية..

وإذا كنا نسعى لفهم مجمل محاولاته التجريبية، بمعاناتها وأساسياتها وتوجهاتها ونجاحها وإخفاقها، فينبغي عدم التحاور معها بمعزل عن أسباب وعوامل وطبيعة نشوئها. لأن مضمون الفن وشكله يتحددان بالشروط الموضوعية للتطور التاريخي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وربما ستشهد دراسة مضافة أخرى، الجوهر الخلاق لانطلاقها وتبلور هويتها. وستقفز نتائج تجربة داود سلمان عناد إلى صميم حقائق العالم الراهنة، ما دام باحثاً صادقاً وفياً أميناً لتجربته، وبحثه عن هويته العربية الإسلامية في إطار إنساني أرحب.

 

س149:ثائرة شمعون البازي: هل مهم عندك أن يفهم الناس أفكارك من خلال ماتقدمه من اعمال فنية؟

ج149: طبعا مهم جدا. ولكن (على قدر أهل العزم تأتي العزائم..)، مسالة فهم الناس للأفكار المطروحة في العمل الفني قضية نسبية. هناك فروق فردية جذرية. والمهم.. هل كان الفنان موفقا بشحن أعماله المنتجة، بما يريد البوح به والافصاح عنه الى الناس، بالشكل المتقدم المؤدي الى وضوح الأفكار، لكي تتم المشاركة البصرية والوجدانية والثقافية والتعبيرية. تلك هي المسالة. فاقرئيها في عيون وكتابات الآخرين: وقال الشاعر والكاتب القصصي (محمد شمسي) صفيّ صباه في مدينة العمارة:

منذ سنوات وأنا مستريح من أسر ميسان والحلفاية والأهوار.. وها أنت يا شوكت تعيدني إلى الأسر ثانيةً.. يا لك من طفل شرير.. طفولته لا تريد أن تغادره وترحل.. متى تكف عن الالتفات إلى الماضي؟ متى تهرب من رؤياك المفزعة هذه؟ إن أسوأ شئ فيك وأجمل شئ في الوقت ذاته، انك في نفس اللحظة التي تكون فيها تحت عجلات المدينة القاسية وظلمتها الداكنة، ترفع الستارة فتعود إلى الماء والشمس والأكواخ والأحزان.. نعود إلى طفولتنا الرعناء، الباهرة الرعونة إلى ميسان، القادرية، الجديدة، السرية إلى كل بقعة من العمارة..

أما الروائي عبد الرزاق المطلبي، وهو من الأصدقاء المقربين الذين أبكروا في الوعي بالرؤية المستنيرة المدركة، فكانوا نخبة أقسمت بالجرأة والرعدة المبدعة.. كتب استذكاره:

شوكت.. نحن اللذان بهرنا معاً.. أتذكر؟ أتذكر أنك يوماً بهرت بداخلك المليء؟.. أنا أذكر.. نعم أذكر.. وأنا الآن حزين وهائج.. صمتي المخبوء في هذا الكون العميق.. الغربة في لوحاتك.. مأخوذ أنا وحزين.. إذ أتذكر ذلك اليوم.. الذي رأيتك تقلب صفحاتك البعيدة والغائرة أمام عيوني، التي دسستها بعيداً في أعتم طيات القلب.. فلقد كنت وكان الذي يجتاحك لحظة فلحظة، وأزماناً أزمانا، يجتاحني.. وهاهي ذي تظلل وجهي ووجهك بأصابع تخرج من الوراء فجأة وتقضمنا كما يقضم الصمت ضوءاً كان يندس في عيوننا المدهوشة من فرط ما تحمل من أهواء كنا نخبئها سراً.. هل أفرح بك؟ نعم.. أأبهر.. نعم.. فأنا أبهر بأعماقي دائماً.. أأبهر.. لا. فأنا أحتدم أعمق الاحتدام، كلما حدقت بأعماق لوحاتك الغزيرة المياه.. آه.. انك حملت كثيراً من الثقل عني.. فما كنت أريد كتابته، تركته فرشاتك فوق الزمن المؤطر بخشب السكون.. لكنك يا صديقي تجتاحني هواجسك الآن.. وترمّض يومي، وتشد عيوني إلى الكامن في العينين المتطلعتين من تلك النافذة الهائلة.. من خرم الإبرة في الجدار الأصم. أنها أعماقك.. أنها أعماقي..أعماق المجتمع.

 أما القاص عبد الستار ناصر، فيقول: لابد من القول وأنت أمام تجربة الفنان شوكت، بأن ملامح هذا المبدع، تحكي قصة لوحاته وكتاباته ونتاجه المتميز، فهو رسام من طراز خاص، انطباعي في اللون، وتجريدي من طراز خاص.. يناقش الجمهور قبل أن يرسم اللوحة، ويناقش اللوحة قبل تظهر إلى الجمهور. وهذا سر نجاحه وسر محبته من قبل الأدباء والنقاد والمثقفين والناس البسطاء الذين يعرفونه. ويلتقون به في مقهى (المرايا) التي كانت ملتقى المبدعين، مؤرخين وشعراء ورسامين وكتاب قصة وروائيين ونحاتين وخزافين وصحفيين وأساتذة جامعات ورؤساء تحرير صحف ومجلات ومسرحيين وموسيقيين. من هؤلاء صديقه الأثير القاص المبدع "سيف الدين الجراح" الذي كتب عنه قائلاً:

(قليلة هي التجارب المبدعة التي تحتفظ بشيء منك. وتضيف شيئاً إليك. ومن هذه القلة النادرة في سنواتنا العجاف، تجربة الربيعي، التي تحتضن بين دفتيها مشاعر وأفكاراً وقلوباً دفاقةً بالوجد والحب والثقافة والمعرفة والحياة.. ورغم انحيازي المعلن لفنه وكتاباته أدعي مطمئناً على ركائز الجودة والامتياز الواضحة في تجربته واكتنازها بالمعرفة في الكشف والتفرد، في الرؤى والخصب والشاعرية والذكريات ذات التأثير الفاعل في مسار التجربة. إن أصالة العمل الذي يطالعنا به في معرض أو في كتاب هي الذائقة الفنية لدى متخصصٍ محترف يعي أدواته الإبداعية وعياً كاملاً ولا نملك إلا الإقرار بأهميتها ودقة جمالها، فالعلاقات المتوازنة بين الذات والموضوع قد تأكدت في مجمل انتاجاته برموزها ودلالاتها الاجتماعية التي أساسها الأم، الطبيعة، المرأة العراقية التي أمتدت أستطالاتها وجذورها لتكون وحدة مع تربة الأرض العراقية والتي هي رمز للحضارة السومرية.. ولعل الفنان يهيبها الثقة التي تشع من رموزها لإيمانه بقدرة المرأة على الخصب والعطاء والنماء. كما توضح ذلك في معرضه (أنا والمرأة والتراث). إن اختلاف النظرة الى تجربة الربيعي والاتفاق معها لدى جمهرة كبيرة من النقاد والمثقفين، تؤكد على ان (الربيعي) فنان على مستوى رفيع من التقنية ومن الرؤية والرؤى.

 

س150:ثائرة شمعون البازي: هل أدى إغترابك إلى تغييرات جوهرية في الأفكار وأسلوب عملك أو تقنياتك؟

ج150: حدث ذلك مع الكثير من الزملاء الفنانين الذين أدى اغترابهم إلى تغييرات جوهرية في سبل تناول الأفكار وتحقيقها على وفق شكل جديد تطور به أسلوب وصياغة أعمالهم الفنية.. ولكن لم يحدث معي وذلك لرسوخ المنطلق والاتجاه والأسلوب. ولم تعد الحاجة الى الارتماء في أحضان أشكال غربية جديدة، ذات رنين مغر بعد الآن. وعن ذلك قال الشاعر الناقد الدكتور محسن اطيمش: (.. هكذا تتحول الأشياء وتكسب جمالية خاصة تقدم لنا "شوكت الربيعي" فناناً متجدداً دائم الحضور، شديد الوعي، شديد القدرة على الإمساك بموضوعه. وإذا كانت كل الأعمال العظيمة في الإبداع تنم عن قلق خفي متعب، فأن أعماله هذه أحسبها طليعة تلك الأعمال. أنها قلق يمتد من جذور تعب الهور ليلامس دم عشتار وخوف جلجامش المشوب بدهشة الكهنة. هو ذا الفنان المبدع، وهذه أعماله الخلاقة.. لم تكن مدنه التي رسمها في ضمير الحلم، كما قال الشاعر عبد المطلب محمود، إلا سنا برق آت من وراء الحلم ذاته.. بل يبدو أن كل شيء لديه قابلاً لأن يكون البرق إياه.. ربما كان ذلك نادراً في تجارب المبدعين، ألا أن سحراً شعرياً تلبسه، جعله يخلق ذلك.

 

س151:ثائرة شمعون البازي: على صعيد العمل الفني، هل واجهتك الصعوبات في بلد الإغتراب؟

ج151: واجهتنا صعوبات جمة ومعاناة حرجة تحدثت عنها بالتفصيل في كتابي طائر الشوف الأصفر الذي أصدره المجمع الثقافي في أبو ظبي عام 2000م. ولولا الحياء لهاجني استعبار في تلك الأيام السود والحمقى اللئام الذين استاسدوا علينا. وحينما تصاب روحي بجرح الجسد وما يثيره " الخوف " في وجداني، من حنين إلى أمي وأخوتي وأطفالي وزوجتي وأهلي وأصدقائي، أراني لا أغادر طفولتي، وأستغيث بالرسم.. 

 

تذكرت كل ذلك.. وتنوعت ملامحي بين أقنعة مختلفة متعددة، وانمحت ببقايا وجوه مغبشة أخرى في ذاكرتي، وهامت روحي تتلمس أفول ضوئها المتخافت وهي ظمأى.. ما أصعب وصف الروح العطشى لمعرفة ملامح الجسد الذي ترتديه، وقد تداخلت صفاتها بين زرقة السماء وزرقة الماء والبحر. بين اخضرار الشجر وانعكاسه على صفحة ماء ساكنة. بين العقل والقلب، بين لب الذاكرة وقشرتها. ولكن صعوبة وصف الروح العطشى للحب تبث اللوعة في الأعماق المسلوبة فتنطفئ لحظة الخلق المرتقبة في " محاجر" الزمن الآتي بفيض التعرف، " محاجر" تفصل ما بين معنى الروح ومعنى الجسد، (معناهما) الذي يبحث عن ملامحهما التي تركاها خلفهما بين زرقة السماء وزرقة الماء وتداخل ألوانهما، حتى انطوت صفحة ما تبقى من ملامح الروح، بين غيوم الأسى الرمادية، ومسطحات ماء هور الذاكرة.

 

كانت تفزعني رؤياها فيما مضى من الزمان الممتلئ بالخوف من قبل.. لكني أشتاق الآن لمرآه. وما بين الفزع من الخوف، والشوق إلى الفرح، تمتد أسفار روحي إلى قعر الأسى المحبط، الذي يفيض حزناً، يتلهى بأوهامي زمناً، بدا لي وكأنه أثقل من أزمان أهل الكهف.. حيث أصبح قلبي المتعب "يبصر" حياتي على شكل شريط سيمائي سريع أراه منطفئاً أمامي.. يا ريبة النفس الموحشة من زمن الخوف المسبوك بياقوت الوهم.. هل أملأ لحظات ما تبقى من عمري بوهم الرعب، وأنا ملقى على سرير الصبر في مستشفى القلوب الكسيرة، في صندوق العناية المركزة.. تخطو أقدام أفكاري إلى أمل موهوم، وهي متهالكة متعبة، لتخلصني من عذاب مجهول مخضّب الرؤى، كأنه أحلام الأطفال الجوعى المنتظرين "جفان" الطعام الذي تعده الأم المعذبة في " قدر الطبيخ " المتخيل، وكان في الحقيقة مليئاً بماء وحصى وأحلام مرتهنة بالصبر والسلوان.. مليئاً بالانتظار والترقب وبسراب الأمل. 

 

 

 لمتابعة حلقات الحوار المفتوح 

 ..............................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1708 المصادف: 2011-05-10 13:24:26