تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (18)

s3خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على اسئلة الاديب د. صالح الرزوق، واسئلة الشاعرة زهور العربي.

 

د. صالح الرزوق: أديب وكاتب، سورية  

س152: د. صالح الرزوق: تذكر مجلة التشكيلي اسم الفنان شوكت مع الكاتب و الفنان الكبير  جبرا إبراهيم جبرا. السؤال هو: كيف ينظر الربيعي إلى هذه التعددية في الإنتاج: النثر والشعر واللوحة والترجمة. وهل ترك جبرا بصماته عليه بشكل غير مباشر مثلا؟

ج152: سؤالكم يتطلب منا الكثير من الكلام. تريدون التحدث عن حياته الشخصية والإبداعية في مجمل نشاطاته المتعددة في الشعر والقصة والرواية والنقد الفني التشكيلي والترجمة.

وربما في النص التالي سنحاول الأجابة عن ذلك، ضمنا، من بين أنسجة المعالجة التي تجدونها هنا:- ولا يمكن الحديث عنه بمعزل عن سنوات طفولته في بيت لحم بفلسطين. وكانت حرجة، إذ واجه من بواكير حياته صعوبات جمة. إذ كانت الأمطار الغزيرة تداهم البيوتات المتجمعة في الوادي الصغير الذي أطلق عليه (المقدسيون) اسم (جورة العناب) وهو يقع مباشرة خارج أسوار المدينة في الجهة الغربية منها، وحيث تتجمع المياه وتتهادى في هذا المنخفض، فتغرق الطوابق السفلى من المنازل الحجرية المكتظة فيها..

في ذات ليلة عاصفة، وقد تجمعت في أعماق الجورة الأمطار الغزيرة التي صاحبتها ريح عاتية انجرفت جذوع الأشجار والأخشاب المقطوعة والأعمدة المنكسرة والأبواب المتهرئة والسقوف الواهية.. وانتفضت العواطف قبل العقول ودخل الخوف والذعر إلى قلوب العوائل الفقيرة القاطنة في هذا المنخفض، ومن بينها عائلة أنجبت أربعة أطفال كان بينهم "جبرا" الذي لم تكن ترعبه أصوات الرياح والأمطار، وراح ينشط مع أهل الحي في عمليات الإنقاذ طوال ساعات الليل. وعندما انتقلت العائلة إلى حي آخر يدعى "جورة النسناس" تكررت في مواسم الشتاء حالات الفيضان والغرق وجهود الإنقاذ.. وراحت تظهر فيما بعد سني النضج على هيئة حوادث مشابهة في رواياته وكتاباته كما في "صراخ في ليل طويل" وفي "السفينة" وفي "البحث عن وليد مسعود" كما ظهرت في لوحاته "الهلاليات".

نجت العائلة التي قطنت "جورة العناب والنسناس" قبل ذلك بسنوات عديدة. قبيل ولادة (جبرا)، من نكبات تواجه دائماً أحزاناً من نوع خاص، في أحزان وطن مغتصب عانى شعبه الكثير منها بسبب الأحداث السياسية التي مر بها الوطن العربي بعد تدهور الإمبراطورية العثمانية، حتى فترة الانتداب البريطاني بعد وعد بلفور المرتبط أساساً بأوليات معاهدة سايكس-بيكو عام 1916. والى حين تحقيق اللعبة الماكرة الكبرى وتبنى بريطانيا بشكل علني وصريح، إنشاء وطن قومي لليهود (؟) عام 1917. وكان لهذا التدهور أسباب سياسية ارتبطت بمواقف الحركات السياسية العربية المتذبذبة، وفقدت الموقف الصلب الذي بدأته قبل الحرب العالمية الأولى، وأدى هذا الموقف المتنافر المفكك بتداخل أسباب مضمرة أخرى، إلى تقسيم فلسطين فيما بعد.. في ذلك المناخ المضطرب، وفي خضم هذا الصراع ولد "جبرا إبراهيم جبرا" في بيت لحم عام 1920.

كانت الحركة الفنية الفلسطينية عند ولادته، تمر بمرحلة الطفولة. وكان عمر "جبرا" لا يتجاوز الثلاث سنوات عندما سافر أحد رواد الفن الفلسطيني، جمال بدران، للدراسة في القاهرة عام 1922 في مدرسة الفنون والزخارف لدراسة الخط العربي والزخرفة الإسلامية إلى جانب الرسم.. وقد تخرج فيها عام 1927 عائداً إلى فلسطين ليشتغل في التدريس. وتشاء الصدف الجميلة أن يكون "جبرا-الصبي" من تلامذته بعد ذلك بأعوام قلائل. تلقى "جبرا" تعليمه الابتدائي في المدرسة الوطنية بـ"بيت لحم" حتى مرحلة الصف الخامس، حيث كانت نوازعه الفنية قد بدأت بالظهور، ثم انتقلت عائلته إلى القدس وكان عمره لا يتجاوز الثانية عشرة، ودخل المدرسة الرشيدية وفي الصفين الخامس والسادس فيها، تلقن "جبرا" عن أستاذه هناك "جمال بدران" حب الزخرفة الإسلامية والخط العربي، وتعلم منه قواعد المنظور بما فيها معرفة "نقطة التلاشي". وكانت وسيلته المحببة في الرسم هي الألوان المائية والتخطيط بقلم الرصاص.. وقد اشترك في معرض أقيم للطلبة في المدرسة الرشيدية عام 1935 وكانت أغلب أعماله "تخطيطات بقلم الرصاص" وبعض الصور المحققة بالألوان المائية.. وهو يذكر كيف أنه، يوم ذهب إلى المدرسة بعد انتهاء المعرض ليسترجع رسومه، وجد أن معظمها تخاطفته أيد مجهولة.

وقد سبق لصبي "جورة النسناس والعناب" أن شاهد بدائع الخط العربي والزخرفة الإسلامية في معرض عربي كبير أقيم عام 1933 في القدس، في فندق "بالاس" بشارع "مأمن الله" وكان من مغريات المعرض انه استضاف فرقة يوسف وهبي وفاطمة رشدي التي قدمت عدة عروض مسرحية في الهواء الطلق في الليل. وما زال جبرا يذكر انه مع بعض رفاقه كان يرتقي أحد السطوح العالية المجاورة لمشاهدة التمثيل.

تعلق "جبرا" بإستاذه "جمال بدران" كثيراً وقد رسم له أستاذه فيما بعد عام 1938 صورة شخصية بارعة بالقلم الرصاص احتفظ بنسخة فوتوغرافية عنها لعلها ما زالت بين أوراقه في منزل العائلة ببيت لحم حتى اليوم. وكان من الصدف الجميلة أن (جبرا) بعد دخوله الكلية العربية (التي كانت تخرج المعلمين، وهي بالأصل كان تسمى دار المعلمين). التقى عام 1938 بجمال بدران مرة أخرى إذ جعل أستاذا مقيماً.. وللمزيد من التفاصيل راجع مقالة جبرا: "القدس: الزمن المجسد" في كتابه (الرحلة الثامنة) وراجع كذلك كتابه "ينابيع الرؤيا".

عندما انتهى (جبرا) من الدراسة الثانوية في الكلية العربية، درس التربية لسنة أخرى وحصل على دبلوم تربية عام 1938 وكانت الصيغة المتبعة آنذاك في معاملة المتفوقين الأوائل هي أن يرسلوا للدراسة في البعثة التي قررت له. فبقى يعالج عينيه طيلة عام كامل كان يعاني خلاله الكثير من الآلام والأحزان.. وقد عين عندئذ معلماً في المدرسة البكرية والترجمة. وإلى هذه الفترة تعود كتابته الأولى أقاصيصه المهمة "ابنة السماء" وترجمته لحياة الشاعر "شلي" مع ترجمة القسم الأول من رائعته "بروميثيوس طليقاً".

وما أن انقضت تلك الأيام العصيبة من عام 1938 و 1939 وقد شفيت عيناه من الرمد، حتى سافر بحراً والحرب العالمية الثانية قد اندلعت لتوها، ووصل إلى إنكلترا في أوائل تشرين الأول من عام 1939 وتوجه إلى جامعة أكستر ليدرس فيها سنة أكاديمية يقول أنها كانت مهمة جداَ في حياته، وينتقل بعدها إلى فورد ثم إلى كمبردج حيث تخرج بعد سنوات في الأدب الإنكليزي بتفوق. وفي أيام الدراسة في كمبردج التقى برسامين هواة من زملائه الطلبة، شجعوه على الاستمرار بالرسم، فاشترى ألواناً زيتية لأول مرة، وبدأ يرسم معهم ويخطط، ويتابع المعارض ويزور المتاحف وخاصة متحف "فتزوليم" الذي كان من حسن حظه انه يسكن بجواره. وهنا أضاف عنصراً آخر إلى ذلك الحب التلقائي للفن هو عنصر القراءة عنه، إذ جعل يقرأ بكثرة عن الفنون التشكيلية ويقتني الكتب الفنية ويتابع ما ينشر من آراء نقدية في الصحف والمجلات، وتبلورت لديه بعض الرؤى والمواقف الفكرية عن أهمية الفن في الحياة، وفي حياته هو بالذات..

واستمر في ذلك بعد عودته إلى الوطن في مطلع عام 1944 ولكن على نحو متقطع، وكهاوٍ يرسم بأقلام الرصاص والألوان الزيتية حتى عام 1946. وفي هذه السنة توفي والده بعد مرض عضال طويل ودفن في القدس. وعندها بدأت نزعته إلى الرسم تلح عليه إلحاحا شديداً وجعل يرسم بالزيت كثيراً، وكانت محاولاته التعبيرية تنمو باتجاه الرمزية الأقرب إلى السريالية ومنها لوحته "التحية" التي رسمها بالزيت على مادة الورق عام 1946 في نفس الوقت الذي كان يحاضر فيه في (نادي الفنون) عن الفن والشعر والموسيقى، وكانت حصيلة ذلك حتى عام 1948 عدداً كبيراً من اللوحات ما زال معظمها في منزل العائلة في بيت لحم، وأشهرها لوحته "القطاف" وعائلة فلسطينية رسمها بالزيت عام 1948. في أواخر أيلول عام 1948 انتدب للتدريس في المعاهد العالية في العراق، فقدم إلى بغداد واشتغل لمدة عام واحد في الكلية التوجيهية في الأعظمية، (وهي الآن مقر كلية العلوم)، ثم عمل أستاذاً في كلية الآداب والعلوم حتى عام 1952، فكان أحد مؤسسي هذه الكلية، وفي هذه الفترة التقى بالسيدة التي تزوجها عام 1952 وأنجبت له (بعد أن أستأنف الدراسة في جامعة هارفرد بأمريكا ثم عاد إلى بغداد) ولديه سدير عام 1955 وياسر عام 1957.

في بغداد التقى "جبرا" بالشاعر الكبير بلند الحيدري أواخر عام 1948 والذي كان يحدثه كثيراً عن الرسائل التي يستلمها من صديقه نزار سليم، عن جواد سليم الذي عاد من دراسته في لندن أواخر عام 1949.. وتم اللقاء بين جبرا وجواد سليم بالضبط بعد عودته بشهر واحد، في معرض أقيم في المركز الثقافي البريطاني بصحبة بلند الحيدري.. وبدأت صداقة جديدة تربطه بجواد، وتوطدت بسرعة وبخاصة بعد أن أقام (جواد) أول معرض شخصي له في منزل نزار علي جودة في آذار عام 1950 وغدت صداقة متينة تبلور عنها الكثير من المشاريع الثقافية، ومن بينها تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 وقد جمعته هذه بشكل فاعل بالفنانين (لورنا سليم ومحمد الحسني وخالد الرحال وشاكر حسن وفاضل عباس ورسول علوان ومحمد غني حكمت وخليل الورد وقحطان عوني وفرج عبو وميران السعدي وفنانين عديدين آخرين كانت قد قامت بينه وبينهم أواصر الصداقة والجهد الإبداعي).

وقد اشترك "جبرا" في أول معرض أقيم لهذه الجماعة عام 1951 بست لوحات من مجموع 79 لوحة لتسعة فنانين هم بالإضافة إليه: جواد سليم وزوجته لورنا ومحمد الحسني وشاكر حسن وقحطان عوني ونزار علي جودة وريتشارد غناده ومحمود صبري.

كان جبرا وقتها قد أنجز لوحته (وادي الجمل) بـ"بيت لحم" بالزيت عام 1950 ولوحة (إمرأة) التي رسمها بالزيت على الخشب عام 1951 ولوحة (الأقنعة) بالزيت على الورق عام 1951. نوردها على سبيل المثال لا الحصر. لأنها تمثل الفترة التي تأثر كثيراً بأعمال الفنان (جورج روو) باستعارته تحديد الملامح الشخصية بخط عريض وخاصة (الخط الخارجي، الشكل) وظلت هذه التأثيرات مستمرة في لوحاته (السوار) التي رسمها عام 1956. وفي عام 1956 بعد أن قدمت جماعة بغداد للفن الحديث عدة معارض ناجحة اقترح أعضاؤها كتابة بيان مكثف يتضح فيه خطهم العام. وكلفت الجماعة زميلهم (جبرا) بتحريره فكتب ما يلي: ".. تتألف جماعة بغداد للفن الحديث من رسامين ونحاتين، لكل أسلوبه المعين ولكنهم يتفقون في استلهام الجو العراقي لتنمية هذا الأسلوب، فهم يريدون تصوير حياة الناس في شكل جديد، يحدد إدراكهم وملاحظاتهم لحياة هذا البلد الذي ازدهرت فيه حضارات كثيرة واندثرت ثم ازدهرت من جديد.."

"انهم لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطور السائد في العالم ولكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعاً وشخصية متميزة.."

جبرا يؤكد ما ذهبت إليه من رأي واضح بهذا الصدد إذ يقول:

منذ أن فتحت عيني على الحياة حتى اليوم وكتاباتي ونزعاتي الإبداعية كانت متصلة بهذه الحياة المتواترة بما فيها من مصاعب وبما فيها من شظف وبما فيها من فرح، وبما فيها من قسوة تفرض علينا وبما فيها من محاولة لاختراق القسوة الإنسانية لدى الآخرين. وبما فيها من اضطرابات سياسية، بما فيها من طموح.. بما فيها من صراخ وبكاء ورفض. هذه الأشياء كلها كنت أمر من خلالها وأشعر أنها متصلة، وكلما حاولت أن أجعل منها مادة لما أكتب أو في فترة ما، لما أرسم شاعراً باستمرار أن ما حققته إنما هو جزء فقط مما يلتهب في دخيلتي ومما يعمل في خيالي، مؤملاً دائماً أن ثمة في المستقبل مجالاً للمزيد من هذا التكامل وهذه التجربة.."

تنزع إذن قيمة التعبير الفنية لديه إلى الأشكال المبسطة الساعية إلى رؤية تجريدية.. وتحمل وحداتها ومفرداتها الصياغية إشارة إلى روحية واضحة، هي في جوهرها جانب مهم من نظام هندسي، أساسه حركة الأشياء، وأهمها شكل الدائرة، حركة الأشكال في المحتوى.. وهي جزء من تعامله مع العمل الروائي.. والحركة الداخلية في عناصرها الأساسية المكونة للحدث.. فكما يركب عن طريق الكلمة صوراً وأحاديث على الورق لكي يتم عن طريقها إعادة مبدعة لصور من الحياة.. هكذا يسعى كذلك إلى تحقيق هذا المعنى في الرسم. وإذا اللوحات التي رسمها طيلة اشتراكه في معارض جماعة بغداد للفن الحديث على مدى عشرين عاماً تقريباً، هي صدى وتعبير عن التخصص في التصميم العام، وهي استقصاء للذات والفكر، ومن ثم للتجربة الحياتية الباهرة. التي تعني بالنتيجة الاكتشاف وهكذا نجد "جبرا" أيضاً يخوض في غمار الكشف عن الجوانب المضمرة في العملية الإبداعية من خلال فن الرسم.. عله يقتحم أسوار داخله المنيعة.. "مؤملاً دائماً أن ثمة في المستقبل مجالاً للمزيد من هذا التكامل" ولكن أي تكامل يقصده هذا الطاغي في ثراء الروائي المبدع؟.. هذا القيصر الذي تخدمه المفردة حد العبودية؟..

في رأيي أن (مفردة) جبرا في الرواية والشعر والنقد الأدبي، وحتى طعومه الخاصة في الترجمة.. ليست كمفردة الرسم إطلاقاً.. وإن تكن متواصلة أو متممة أو منسحقة تحت وطأة الذات المتوحدة مع الإبداع.. هناك ثمة شيء أعمق من دخوله هذا المعترك الحساس جداً.. عالم اللون.. والبناء والاكتشاف الحقيقي لعناصر الحياة الأولى.. وإلا لماذا لجأ إلى الرسم وقد نجح في الرواية.. أنه الخوف.. الخوف.. الخوف الذي وطنه "مرحلة الكمون" وسببه القسوة البشرية.. السياسة الدولية.. ضياع الوطن.. وانسحاق الآمال دونها.. انه الرغبة في اكتشافه وإعلانه وتدميره. أما المقطع الأخير من السؤال: (هل ترك جبرا بصماته بشكل غير مباشر مثلا). فهذا الأمر لم يحدث أبدا، انما كان الاغناء والاغتناء متبادلا بين صفوة الشعراء والموسيقيين والفنانين التشكيليين والمؤدين والروائيين وكتاب القص والمقالة. أي من الفنانين والأدباء والمثقفين بعامة.

 

س153: د. صالح الرزوق: ما معنى أن تكون متعدد الوجوه و تحمل هوية مركبة. أن تكتب في عدة أجناس و أن ترسم بعدة أساليب؟

ج153: ان التورية في مغزى ومعنى (متعدد الوجوه و تحمل هوية مركبة)، لايعفينا من عدم الإجابة على الشطر الثاني من السؤال (أن تكتب في عدة أجناس و أن ترسم بعدة أساليب). لن نحيل القاريء الى البئر الألى لجبرا ابراهيم جبرا، وان كان فيها الجواب واضحا. ولكننا سنتناول هذا الجانب من وجهة نظرنا نحن وليس وجهات نظر الآخرين. خصوصية "أن نكتب بعدة أجناس وان نرسم بعدة أساليب" كانت جزء من رغبة شديدة لحوحة للتعبير عن الحب المفرط لأفكارنا ومنطلقاتنا سواء في الرسم أم في الكتابة، و سر اهتمامنا بحرية اختيارات أجناس الكتابة كانت محاولة لاحتواء فيوض ما تحمل الطاقة الفكرية من اشتغال للرؤية شبه الشعرية وللوسيلة شبه الروائية وللصياغة التعبيرية شبه الشعرية، أليس هذا التنوع والثراء والتعدد يهبني المقدرة على ولوج البوابات السرية لفضاءات الابداع في تناول أفكارنا بمختلف حيوياتها الاطباقية والاجناسية، قصد التوازن والانسجام..

فقد دأبت "ماتيس" على التدريب اليومي القصدي الذي لاكلل فيه ولا ملل ولا توقف عن دخول تجربة جديدة فأخرى جديدة. لأننا كنا نعتقد بأن التنظيم، استمرار للحس والذكاء.." أنني أنحت الكلمة في نصوصي تمثالا ناطقا. وأرسم أفكاري لغرض تنظيمي بحت، تنسيقاً لشعوري وبحثاً عن أسلوب يناسبني وقد ساعدني ذلك على إنجاز رسومي التي أصبحت مسيطراً عليها في مخيلتي. أنها تسلسل وترتب مشاعري وقد عملت من خلالها للعثور على ذروة أسلوبي".وصف جبرا الحالة التي ولدت فيها لوحاتي في العرض الذي أقمته في قاعة الرواق عام 1984 وكان هو شاهدا عليها. فكتب يقول: (.. تتكامل اللوحات عند شوكت الربيعي فيما يشبه المتوالية الشعرية بحيث يحتاج المشاهد إلى رؤيتها جميعاً ليوالف بين أشتات معانيها في كلٍّ يتنامى ويرفض التوقف عند حد. لكن كل لوحة من لوحاته قصيدة متفردة في حد ذاتها، تحمل في تضاعيفها رموز العمل التكاملي الأكبر. فالفنان هنا يستقصي ماضياً مائجاً باللون والحركة.. بالحدث والانفعال. وهو في كل لوحة يحاول أن يضع شيئاً مركباً من مجموع تجاربه وذكرياته، فتستقل اللوحة من ناحية وتصل بكل اللوحات الأخرى من ناحية أخرى. إنها في معظمها تجربة الأهوار العراقية والرموز التاريخية بتعقيداتها النفسية، بظلمتها واشراقاتها، بقسوتها وروعتها، بمغالبتها الحياة والموت، بتأكيداتها على الإنسان جسداً يتفتت بالجهد ويتوهج بالحب واللوعة)..

"الفنان الذي نحت اسلوبه في الكتابة، وأغنى لوحاته بالألوان للدراسة وخطط للتخطيط ذاته".

من المثير حقاً أن (الربيعي) لم يترك شيئاً وراءه " ماضيه يسير معه " إلاّ وكشفت ذاكرته أسراره، تلك الذاكرة ما تزال قادرة على أن تهدد بإفساد أي متعة راهنة. فهي أكثر أجزائه تفجراً وحساسية.. ومن اليسير جداً عليه، أن يمد يده إليها في أية لحظة يشاء، ليلتقط منها لحظات ما تزال ساخنة لها حرارة " النَفَسْ " الحالي ولذلك شبه "جبرا إبراهيم جبرا " اللوحة لدى "الربيعي" بالشظية المتقطعة من حمم متواترة تطلقها النفس والتي تأتي عادة مدببة حادة، مفعمة برموز مصدرها، الذي قد يهجع مؤقتاً ولكنه لا يخمد..

 

ان الفنان الربيعي يجيد الاتصال بماضيه. ويجيد الاتكاء على هذا الماضي بالرغم من سخونته. ولهذا السبب، فان الكثير من جزيئات هذا الماضي قد تندفع في بعض الأحيان متشظيةً لتبحث عن حيز لها وسط نظام اللوحة. وهذه الجزيئات، بالذات، هي مصدر كل حركة في لوحاته التي تذكرنا بكل عناصر وتفاصيل المأساة وتعلمنا الاحتجاج بقدر ما تعمق صلاتنا ببراءة الأيام الماضية المغتصبة والمفقودة. إن لوحاته هي سجل لانفعالاته المتأخرة في الماضي، ماضيه الشخصي بالذات. فما من لوحةٍ حاول من خلالها استحضار المرأة إلا وجاءت ملغزة وممتلئة بكل ما يقود إلى التساؤل من جهة، والعطب النفسي من جهة أخرى. وفي الوقت ذاته فأن جميع اللوحات التي عالجت معضلات أخرى، جاءت مشرقةً ممتلئة بحيوية تدعو إلى التفاؤل والشعور بالأمل. ترى هل تشكل المرأة بالنسبة لهذا الفنان عازلاً نفسياً بينه وبين رؤية العالم كما أحب أن يراه هو؟. إن نظرة متفحصة للمنظور الذي تعامل من خلاله الفنان مع جسد المرأة، وبالذات مع وجهها يجعلنا، ندرك انه يسعى إلى تغييبها إذا لم نقل إلى إلغاءها، كفعل وكدلالة، ومع ذلك فأنه لم يلغها كأثر وكوقع نفسي..

لقد وجدت نفسي إزاء موقف قياسي لا أحسد عليه، فالربيعي وباعتراف معظم الرسامين الذين رأوا لوحاته الأخيرة أنه ملون بارع، وهو قادر على أن يرسم لوحة ببناء محكم ومن طراز خاص ولا يباريه في ذلك إلا القلة من رسامينا. إضافة إلى كل هذا، فان ما خاض من مشاعر وبوح وأسرار وصلات استذكارية ومواقف نفسية معقدة في لوحاته التجريدية، كان أكثر بكثير من القدر الذي أفضت به لوحاته التشخيصية. ولذلك فقد كنت أكثر وأشد قناعة باعترافي، الذي بحت به للربيعي، والذي هو تعبير عن قرار شخصي، بأن التشخيص ليس هو دائماً، الوسيلة الناجحة لاستذكار الناس والحياة، أحاسيس وأفعالاً ومواقفاً.. والرسم ليس من الوسيلة المناسبة للإمساك بما هو مرئي في الذاكرة..

فهل لابد للثمار الناضجة من حصيد؟..أنها آخر زفرة محترقة من لهاث المكابدين المجروحين العطشى، الخائضين لبن الرؤى.

لا أقرب من هذا الوصف.. فأي فلاة تجمعني بكم يا فضاء المبدعين، سوى الروح. مسترحماً ضوءاً..صوتاً.. حلماً قد يجيء وشيكاً في ركعة، في صلاة. ثمة هاجس يتنفسني لهول ما اقتربت به نحو النور. بل لهول ما دنوت به إلى معنى الموت. فما عدت طفلاً مدللاً أو مراهقاً شبقاً " فتىً من ربيعه " جذلاً تيّاها بشبابه.. إنما أنجبتني مجدداً، ضغوط ذاكرة حضارتي الشخصية، ابتداء من المبدع السومري حتى آخر شهيد عراقي أو عربي سقط بلعبة كبار الساسة " المتدربين " على حساب آلام شعوبهم ومعاناتها في العالم الراهن. فغدوت بفعل رقعة شطرنج أولئك المتدربين في السياسة القميئة، اشتعل حزناً كل لحظة، وكأنني في شيخوخة العصافير المبكرة.. بانتظار عودة كلكامش..

ما أدهش هذا الوصف.. بأي معنىً تفرشون أجوبتكم أمامي.. وبأي مهجةٍ أجيب على أسئلتكم، وفي رحم تجربتي طفل يعدم.. وأمه تهب " فخذيها للقائد كي تسلم ".. فبأي منىً أشرح صدوركم؟. فأنتم مثلي تعانون الكثير.. ونظل جميعاً بلا أجوبة للأسئلة الصعبة الحرجة التي طرحها السالفون الأبعدون المعذبون دون وصول.. لا خيمة تستر أفكارنا من ريح الهاجرة. لا رئة تستوعب هجير الصحراء. فمن أي صخر نحتنا، ومن أي عينٍ نبعنا؟ ومن أي صلصال عدّلنا؟ أَمِنْ رملٍ جبِلّنْا؟ أم مِن طينٍ معنّى؟ وأرواحنا.. من أي نورٍ انبثقت ومن أي وهج سطعت؟.. لقد ضاق بنا ماوسعته أكوان العارفين. وضاقت التفاسير مما وسعنا، حتى إذا سلكنا طريق الوصول، " بيداء أم خضراء" ركبنا موجاً عاتياً صوب المدى.. فأول المطاف أن نعود، وآخر المطاف أن نظل بانتظار الشفيع الغائب الحاضر، الذي يأتي ولا يأتي. (ما أعجب هذا الوصف. لكن، لا أعجب من أن يوجد من يعدو للخلف).

تلك هي خارطة ذاكرتي وتضاريسها المغبشة بفعل قساة العالم. أحدق بها فازداد وجعا.. هي مرآتي، وجودي ومماتي وجرحي القديم.. فهل إلاّ بجرحٍ جديد ينكأ بقايا جرحٍ قديم تشجه وتبضعه وتشرطه ضغوطٌ مضافة أخرى، حتى اينع حرقةً وعذاباً، وأستحيل إلى روح يرقّقها شجو الألم. وأين أطوف بها.. أرمم ما تمزق من نسيجها.. هل أسعى إلى جعلها نقطة في ألف المبتدأ؟ والألف أول الأشياء وآخر الأسماء ومنتهاها.. فهي " تكاشفني" حتى كأنها في نفسي ولا أرى سوى وحشتي من المدى.. أما المدى ذاته فيها، فموزع الأنفاس في متاهات الفضاء، توسدته اليوم غيوماً مرتجاة مبتغاة مشتهاة. ولكن هيهات. إذ كلما أقصد وجهي فلا ملامح أرى، وأسعى إلى روحي فلا ضوء أرى. ولكن العقل يقول بأن حصيد الثمار الناضجة، يعني جني روح الحياة. فهل الغصة بذاك الاستشهاد على مضض، ينجينا من هم التأمل بفاجعة الموت التي نذري رمادها على صفحات مياه الآمال؟. هل نؤمن بحلم الغد، ونجلس على ضفة الحلم. ونشعر بثقل الوحدة تطحننا، فنصبح كرماد العنقاء. فتدعونا ملامح جميع الأشياء باسمنا، وتمس غربتنا عن العالم مساً حنوناً رقيقاً.. وأنّى يكون لنا ذلك دون أن نخلق عالماً من الفن، نكون مسيطرين تماماً على محتواه وشكله وقيمته..

 

س154: د. صالح الرزوق: ماذا تعني هذه الانتفاضة العامة في المشرق العربي وفي العالم الثالث بالنسبة للفنان؟ و لأيهما اسبق بالتأثر الكتابة أم اللوحة؟

ج154: أن تحقيق التعبير عن مثل هذا المصير، مصير امته العربية والاسلامية، خلال فنه، وكتاباته جدير بحياة جديدة تمد جسد الشعوب العربية بدماء الثورة والتحولات الجذرية وانتصار ارادة الحرية نحو التقدم والسلام. ليزدهي بانجازاتها العمر كله. تحقيقاً للذات، واكتفاءً بالذات. وبذلك يجعل من حياة شعبنا العربي بأكملها عملاً فنياً. لا أن يجعل من فنه حياة خاصة، وحسب. وها هو النور البارق الساطع هناك، يهبني شعور عارم بالتحرر من الظلام الذي أغرق أنفاق المسيرة العربية منذ أربعة عقود، ونحن نعبرها باتجاه أعماق الشمس المشعة على قماشة اللوحة ومسطح الورق. فما عاد، العمل الفني، لإمتاع الناظر وحسب، بل هو صوت مغير ووعي عميق بحياةٍ بديلةٍ عن حياة الواقع التي تعبث بها السياسة. فهل يمكن اعتبار ساسة العالم آلهة لا تخطيء في نظرتها للإبداع؟ هذا ما ظننته في البدء. ولكنني اكتشفت، أن الطبقة الاجتماعية: (المسكينو، زمن السومريين) وأنا منهم، حياة تعبث بها أدران الآلهة، وليس الساسة وحسب. وكانت ستظل أشباحاً تطاردنا من الماضي. وقد خيّل إليّ، بأن قواي العقلية، (كما سأتّهم)، مستلبة. وقد خانتني، ولم أستطع أن أرى بوضوح ما يحمله أولئك الموغلون في بحارها من قادة العالم. لم أتبين جيداً حبات الرمل القاتلة التي تشع دماراً من الفصول المعتمة.

وعيت ضعفي وأنا أبحث عن مصيري بين البشر بعيون الوحي الداخلية. ولن أحقق مفردات ذلك المصير، إلا عندما أشيد عالماً من الفن، أكون فيه مسيطراً تماماً على تفاصيله. وأنّى لي ذلك. حتى ولو آمنت بأن القوة في فني، هي رؤيا لحياة جديدة، يغذيها خيال جامح، يتحكم في نمو أنسجتها، وينظر إلى النفس بشكل رقيق.. لعله يعبر عن معالجة القضايا المركزية في المجتمع بشكلٍ رقيق وبوعيٍ مغير عميق.

هكذا حدثت نفسي عن كل ما أفكر به، ازاء ما يحيط بنا من تحولات ثورية جذرية في مجتمعاتنا العربية ابتداء من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية والعراق والبحرين. وحاولت أن أنفذ كل الأحلام المشتهاة لتطلعات الشعب العربي عبر الرسم ولكن وجدت نفسي مسبوقا بالتوجه الى الحرف الساطع كسطوع ثورات الشعوب العربية الراهنة. فما زالت لوحاتي وكتاباتي دون مستوى الوصول إلى حدود التجربة القصوى للتعبير عن التغييرات الحاسمة في ثورات الشعوب العربية الثائرة... حتى لو كان الإبداع يرى ويقرأ في رحم التجربة، باالشهداء وباالفاجعة. الموت ينسج خيوطه حولنا كل لحظة فيجعلني منفياً بإرادتي. حتى لو حفرت بأصابعي طريق (الصد ما رد) الحجري إلى بلاد الموتى. سأبقى ساعياً نحو الأحلام المشتهاة. وهذا جزء من خلاصة ما أردت البوح به لمرآة (أحزان القصب)، وخفي عن الذين كتبوا عنه من قبل. وبهذه المناسبة أتوجه بالتحية الى د. صالح الرزوق على أسئلته التي قادتنا الى الحديث عن التحولات الجذرية القائمة الآن في الوطن العربي، فأتوجه بالتحية والاكبار والاعتزاز الى المبدع القديرالفنان والكاتب الأستاذ عصمت داوستاشي، الذي أصدر العدد السابع من مطبوعته السنوية (معرض × كتاب) بعنوان (ثورة 25 يناير 2011مستمرة) وضم العدد اللوحات التى رسمها خلال الأيام الأولى للثورة.. وقد ترك صفحات الكتاب الخضراء خالية ليكتب عليها متلقى (الكتاب المعرض) الذى يوزع مجانا ذكرياته عن الثورة أو يلصق صورا أو يرسم لوحات ليوميات الثورة. وأهدى (معرض × كتاب) الى شهداء الثورة و شبابها البطل والى ابنه عبد الله (33 سنة) الذى أصيب خلال أحداث جمعة الغضب بخمسين طلقة مطاطية ثم أصيب فى 4مارس أمام مبنى أمن الدولة بالاسكندرية برصاصة حية نفذت من صدره..

شكرا و ألف مبروك للأستاذ الرائد الذي عاصر عدة أجيال شوكت الربيعي.

ثم ألف شكر لصحيفة المثقف على هذه البادرة د. صالح الرزوق.

 l4

 

زهور العربي: شاعرة وناقدة / تونس

أولا: أرحب بك الفنّان المبهر الأستاذ شوكت الرّبيعي وتشرّفت بك جدّا.

س155: زهور العربي: لا شكّ أن هذه الثّورات المشتعلة في العديد من الأوطان العربيّة ستكون لك زادا ثريا كمنطلق للوحاتك بإعتبارك فنّانا تشكيليا؟

ج155: نعم أختي الشاعرة والناقدة العزيزة زهور العربي، سيكون لتلك الأحداث المصيرية في مسيرة شعوبنا العربية، الأثر الكبير والعميق في عواطف ومشاعر الملايين من أبناء امتنا العربية.. هذه الثّورات المشتعلة في العديد من الأوطان العربيّة ستكون لكل الفاعلين في الثقافة والفنون، زادا ثريا كمنطلق لأعمالهم الفنية، وبالنسبة لنا ايضا، ستنعكس بلا ريب في اللوحات والنصوص المدونة لاحقا.

 

س156: زهور العربي: إلى أي مدى أنا محقّة في ذلك سيّدي الكريم؟

ج156: أنت محقة الى أبعد الحدود واقصى مدى الرؤية في السياسة والشعر والنقد الأدبي بخاصة والثقافة والفنون، بعامة.

 

س157: زهور العربي: بإعتباري من تونس الخضراء الحرّة. ما مدى معرفتك بالفن التّشكيلي وروّاده في تونس؟

ج157: معرفتي بتاريخ الفنون والثقافة في تونس وثيقة وعميقة وعلى المستوى الشخصي فان لدي علاقات كثيرة تربطني بمبدعين من تونس من التقيتهم عام 1978 ولحد الآن. إنّ التاكيد على مطلع القرن العشرين على الدوام فى حديثنا عن اجتياح اتجاهات الفن الاوربي للوطن العربي يقودنا الى الحديث عن القطر العربي التونسى واهمية الحضارة العربية الاسلامية فى الحفاظ على البنية الثقافية التونسية. على العكس مما ذهب اليه كتاب الغرب في استمرار تاثير القرطاجيين والروم في الفنون وعادات وتقاليد التونسين الى اليوم.. ان رسوخ الموروث العربي الاسلامى في الفكر والرؤية والفلسفة وفى فنون العمارة والزخرفة والنقش والخزف وفى التكوين والاخلاقي هو الذي حصن الواقع الثقافي والفني الراهن من نتائج الغزو الاستعمارى الفرنسي، فكريا ومسح الأتربة عن أبواب الفكر الحديث وتأثر واخذ وتمثل وتفاعل، فميز طريقه لذاته ساعيا الى البعث وخلق الذات العربية مجددا فى ثقافته وفنونه سواء اكان في الشعر أو في القصة والرواية..

- اذ ظهرت عام 1906 رواية صالح سويس القيروانى الهيفاء الليل كأول مؤشر فى تاريخ القصة التونسية وتلتها محاولات ظهرت في اطار التسلية ومغامرات الكتاب بلا ارضية لمرحلة المقاومة ضد الفرنسيين فان ذلك يعنى تثبيت الجانب التاريخى للفن الذى يستوعب حركة التاريخ ليسجل مرحلة اندلاع الثورة الوطنية من سنة 1952 الى 1954 في روايته ارجوان. كما سجل معركة بنزرت عام 1962 ليضعها في اطارها التارخي (18) وبقدر ما كانت بدايات القصة والرواية مجرد هواية وامتاع الا في بعض ماكتبه على الدوعاجى ومحمد العريبي ومحمود المسدى، فان فن الرسم فى مرحلته الاولى كان مهيئا للامتاع لدى فنانين هواة كالخياشي وابن عصمان ويحيى التركى الرسام الاكثر شهرة بين فنانى الرعيل الاول الذين استخدموا الرسم المسندى. فقد صور يحيى التركى مظاهر الحياة اليومية والعادات الاجتماعية والتقاليد القومية برؤية تسجيلية بعواطف صادقة.. عرضت هذه التجارب على قاعة معهد قرطاج – الصالون التونسى عام 1925 – اى بعد ثلاث سنوات من تاسيس مدرسة الفنون الجميلة (عام 1922).

وعلى امتداد المراحل التاريخية، أي منذ فترة الرواد الأوائل والجيل اللاحق وما بعدهما من أجيال واتجهات ومدارس فنية. ظهرت محاولات رائدة جمعت جهودها ضمن ذلك التوجيه التصوير للمشاهد الطبيعية وعكس الهواجس والعواطف الانسانية من هؤلاء كان الفنانون:- (على بن سالم عمار فرحات جلال بن عبد الله وحاتم المكى مؤكدين في لوحاتهم واثارهم على تصوير الواقع الاجتماعي وطراز المعيشة ورسم الملامح الانسانية والاشخاص فى حركات مختلفة وضمن مشاهد السوق المقهى المشهد والتاكيد على الجوانب الرامزة الى التقاليد والعادات واشكال الازياء الشعبية في تونس... وكانت بعض تجاربهم استمرارا للهموم التقليدية في معالجة اللوحة من حيث الشكل وفى تسجيل مشاهد الطبيعة وطراز العمارة في الاسواق العربية القديمة وفى الجوامع التاريخية الاسلامية وخاصة القيروان.

..اصبحت تونس الغنية بالالوان والاضواء، ارضا محببة للرسامين، منذ بول كليه وحتى اليوم وتتعدد فيها معارض الرسم من ضاحية سيدي بو سعيد الى المنستير مرورا بالعاصمة. ويستقطب احد هذه المعارض المخصص "لرواد الرسم " جموعا غفيرة الى اكروبوليوم قرطاج (الضاحية الشمالية من العاصمة).

وبدأت قصة مدرسة الرسم ابان عهد الحماية الفرنسية بعيد الحرب العالمية الثانية. وكانت جادة الحبيب بورقيبة تسمى تلك الحقبة شارع جول فري وترتادها صنوف شتى من السكان تلتقي دون حواجز طبقية او وطنية او دينية فترى فيها التونسيين والايطاليين والفرنسيين مسلمين ويهود ومسيحيين مختلطين دون تنافر. واعتاد الرسامون على الالتقاء على رصيف "مقهى باريس" الذي لا يزال موجودا، هذه الجادة التي تقع في قلب العاصمة التونسية. وكان يلتقي فيها في الخمسينات الفنانون التونسيون (عبد العزيز القرجي ويحيى التركي وعدد من الفنانين الفرنسيين مثل بيار بوشارل او انطوان كوربورا ورسامون آخرون.

 

س158: زهور العربي: وما رأيك بالفن التّشكيلي التونسي؟

ج158: كان عدد من الشباب قد سافر الى اوربا لدارسة الفن كأول دفعة من الفنانين الذين شكلوا قدرهم بانفسهم في الريادة الحقيقة.. من بينهم: الزبير التركى وعلى بلاعة والقويجى وابراهيم الضحاك وعمارة دبش وهم على قلتهم كانوا منشغلين في البحث عن ملامح في الشخصية التونسية معتدين في الرؤية على استلهام بعض القيم والوحدات والمفردات في التراث يصطفون فيه الجوهريات التى لن يخدمها الاستعمار: قيما حضارية ما تزال شاخصة في فنون العمارة والزخرفة والتزويق والفخار المزجج وفى بدائع الخط العربي. (*) ومع هذه الرغبة الشديدة في البحث والكشف عما هو فى التراث، فهناك قوة دفع اخرى فى واقع الحركة الفنية في العالم لم يستطع الفنانون الانفلات من اسرها وجلبهم ممن اخذ تحصيله الفني في اكاديميات غريبة رفدتهم باتجاهاتها ونزعاتها واساليبها المتعددة المتنوعة.. وتمخض عن ذلك كله اتجاهان بارزان في حركة الفن المعاصرة في تونس:-

(1) الاتجاه التقليدي الاتباعى الطبيعي الواقعى.

(2) الاتجاه الحديث الذى انتشر في اوئل الخمسينات كرد فعل متاخر لما هو مطروح فى اوربا من توصلات اسلوبية كانت منحصرة زمنيا بين عامى 1908- 1950 نقلها طلبة الفن، ومن أبرزهم الفنان بلخوجة والهادى التركى.. وتخرج عدد من الرعيل الثاني، وتشكلت تجمعات فنية.. وظهرت طروحات نظرية بين مفهومى التراث والمعاصرة ومحاولة ايجاد صنف تعبيري عن ذلك في البحث الفنى ذاته، استمرارا لمحاولات ابن عبد الله العزيز القرجى في تمثيل فن المنمنمات..

وتعقدت هذه المسائل بحكم التطور الذي اجتاح العالم بعد الحرب الثانية وظهرت الصراعات الحادة على تقسيم مناطق النفوذ في استراتيجية السياسة الدولية وشاعت ظاهرة الحروب الباردة والممدودة جغرافيا في مناطق معينة من العالم: تلك الصراعات ضَمَنَ الفنان الملتزم بقضايا واحداث العالم التى تشمل ابعادها وتاثيراتها الفكرية جانبا من لغته الداخلية.

لقد تشابكت القرائن بين حرية الفنان الذاتية ومواقف الالتزام ووسائل التعبير عنها واثر ذلك في العملية الابداعية ذاتها وفي تنوع المواضيع واختلاف التقنيات الاسلوبية ولكن شيئا من ذلك لم يتجسد بكامل ثقله في أعمال الفنانين التونسيين على العكس من الشعور والقصائد والرواية والنشاطات الكبرى للامة العربية بالتالى بالقيم الابداعية التى تتمخض عنها، ذلك هو عدم نضوج النقد الفني وتبلوره واحيانا يشكل وجوده اثر متعارضا وتوجهات الشباب الى التمثيل واستيعاب شتى التيارات الجمالية الحديثة التى ترتكز الى التراث الجوهرى في الرؤية والمنطق..

وهكذا تظهر تجارب البكرى وبلخوجة ونجا المهداوى في استلهام الحرف والجميلة العربية كرموز وكوحدات داخل بناء اللوحة وكحركة تطوف داخل ايقاعها المركزى ومدارها البنائي الشكلى.. تغلب على ذلك التيار نزعات مبسطة لونا ومساحة وكتلة وذات جمالية رقيقة بمفرادتها واشكالها ومن ابرز ممثليه: محمود السهيلى وحسن الصوفى وشقرون والنحات الادى السلمة وعمر بن محمود ورفيق الكامل ورضا بالطيب وحياة بوطيبة في احتماماتها البيسكولوجية.  يبسط الرسام السهيلى لوحاته، مختزلا الالوان الى درجة كبيرة تستحيل معها اللون الرمادية حساسية تتخللها درجات اخرى تلتمع من جزء لاخر.. بينما تنفرش المساحات العريضة النقية الالوان على قماش اللوحة لدى الفنان الصوفى بحس تجريدى وبناء هندسى مغلق.

 

س159: زهور العربي: مَن من الفنّانين التّشكيليين التّونسيين يعجبك؟

ج159: تحيلنامنحوتات الفنان القدير الهادي السلمى ذات البناء المبسط في معمارها الداخلى الموحية بنصبيتها ومساقطها العمودية بالسمو والثقل العمودى الرامز الى شموخ المحتوى وبالتوازن الكتلى الجزئي داخل المنحوتة ذاتها.. تحيلنا الى الرموز في رؤيتها الفكرية رمزية في اشارتها الى المحتوى..أما الشكل لديه، فهو وان يبدو متكئا على استلهام مفردات جياكوميتى شكلا، الا ان منحوتاته تحمل خوصيتها التقنية المركبة في صياغة اسلوبية بنائية من هيئات مختلفة الوحدات يساعدة في ذلك طبيعة المادة المستخدمة.

تنتمى لوحات على عيسى و ناصر بن الشيخ بمحاولتها التجريبية المتعددة وفى ابتكار صياغتها يتحرك اللون فيها كعنصر رئيسى تارة وتنفجر الخطوط بحركتها الحيوية كعنصر ثانوى تارة أخرى ويتردد ابن الشيخ بين استلهامه الحرف العربي وبين ضغوط التجريدية الشكلي وعن ضؤها اللوني.

 تضاف الى ذلك اعمال بسير الاخضر والمنصت بن عمر برمزيتهما الطاغية على الشكل العام المشحون باشارات ادبية تعبيرية مع الاختلاف في تحقيق العمل الفنى. فالاخضر يستخدم مساحات مبسطة بألوان مختزلة يشير بها اثر الرؤية المسطحة، المحتوى او مضمون العمل ذاته بينما تبدو طريقة معالجة الاشخاص والهيئات مضمرة معقدة مركبة.تنتمى لوحات محمد مطيمط والصادق قمش الى هذا الاتجاه كذلك حتى يبدو للمتتبع ان هنالك توجها في هذا الحصر الشكلى للمواضع المعالجة يشير حتما هذه الاسماء السهلى المطيمط الاخضر قمش.

وفي فن الحفر الكرافيك بتقنياته المختلفة ووسائل تحقيقة المتعددة تكون اعمال ابراهيم الضحاك الحفار البارع بهذه الرؤية الصحراوية والبعد الفلسفي وبهذه الصياغة التى استشفت من الرؤية والفلسفة أفقها وتوجهها، تكون قد وجدت شكلها الحقيقي من فيض الجوهر العربي الخلاق ومن خصوصية الذات الافريقية.. ينتمي الى هذا المنطق من حيث البحث لا من حيث الشكل الفنان الحفار البارع المتميز محمد بن مفتاح حيث تتوضح مقدرته على الصياغة والصناعة وثراء المادة وغناها التقنى كما عكست تعماله حساسية في التخطيط وخصبا في التصور الخيال معا.

 ينتمى الفنان المبدع الهادى اللبان، الى الحفارين القلائل الساعين في تجربتهم لكشف اسرار التقنيات التى يتيحها هذا النمط الحساس من الانتاج الفنى.. وان كان اللبان اقل صبرا من بن مفتاح على صنعته لكنه، أغزر رموزا في طرح أفكاره وتحميلها بعدا نضاليا ملتزما يوحى أحيانا بالماساوية التى يخلقها خلل وقتي ونسبي في الحياة..

إنّ بحث الجيل الجديد من فناني تونس في الخصوصية الوطنية سيقود بالنتيجة الى الثراء والتنوع في الاشكال الفنية التى يعاني من استلامها وفيها ما يفصله عن قضية موقفه وخصوصيته في مسالة الابداع وفى نطاق التجربة ذاتها.

تسعى في ذلك الاتجاه جماعة السبعين: محمد مطيمط وصادق قمش وعامر مقنى وعبد المجيد البكرى وبلقاسم الاخضر وجلال السكراوى باحثين عن التوازن بين المعطى في الشكل الجاهز وبين المعطى في المحتوى الوطنى وتاكيده ووضوح اتجاهه في أعمالهم الفنية.. وقد يستغرق ضنك البحث زمنا لكى يجيبوا مع الفنانين العرب على أسئلة المستقبل. مع دوام التزام العديد من الفنانين بالتّجريد كخيار فنّي مثل: رشيد الفخفاخ وابراهيم العزّاببي والناصر بن الشيخ ولطفي الأرناؤوط وسمير التريكي ونجيب بلخوجة وغيرهم.

 

س160: زهور العربي: ما اسم آخر لوحة رسمتها؟؟

ج160: بورتريه / وجه أمي (راسقية كاطع حسن الشحمانية الربيعية) 1920 - 2010- وبورتريه أخي الأصغر خليل كريم ربح الشحماني الربيعي (1950- 2011)، وتخطيطات اسكيجات عن ثورة تونس وثورة مصر وجعلت منهما رموزا لإنتفاضات وثورات الشعوب المضطهدة والتي تقاوم من أجل نيل حريتها واستقلالها وبناء مستقبلها.

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

..............................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com  

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي وكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ماهي البصمة الخاصة بنتاجات شوكت الربيعي ؟وكيف يعرف البصمة من منظوره الخاص؟

هدى الزبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1711 المصادف: 2011-05-13 10:32:03