تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (19)

s2خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة عشرة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على اسئلة الإعلامية وداد فرحان، رئيسة تحرير صحيفة بانوراما. كما يجيب على اسئلة الشاعرة صباح القلازين.

 

وداد فرحان:رئيسة تحرير جريدة بانوراما: سيدني/ استراليا

الاستاذ العزيز الفنان المبدع شوكت الربيعي المحترم

تحية طيبة

الفن التشكيلي العراقي، وريث حضارات انسانية كبرى، قدم لتاريخ الفن نماذج ابداعية متفردة كانت لها خصوصيتها الفنية العالية دائما، وبما انكم، وبما قدمتموه لهذا الفن من جهد ابداعي خلاق، وتقفون في اعلى سلم الفن التشكيلي العراقي المعاصر، فأنه يشرفنا كثيرا في جريدة بانوراما الاسترالية الناطقة بالعربية، ان نوجه لكم هذه الدعوة المتواضعة وتتفضلوا بالموافقة على اجراء هذا الحوار معكم، وطيا الاسئلة التي نرجو ان تتكرموا وتجيبوا عليها، وبقبولكم دعوتنا هذه نكون قد استطعنا ايصال افكار واراء احد اهم فنانينا الكبار الى الجمهور العراقي والعربي في استراليا، راجين لكم الموفقية الدائمة في خدمة الفن العراقي الاصيل.

تقبلوا كل احترامنا وتقديرنا.

 

س161: وداد فرحان:جئتم من العمارة، من فيافي الجنوب، أسستم جماعة الجنوب للفنون التشكيلية، وحصلتم على جوائز عديدة تكريما لابداعكم في مجال الفن التشكيلي والكتابة النقدي في الشتات ة، واقمتم عددا كبيرا من المعارض لنتاجكم التشكيلي، كيف تقيمون هذه المسيرة الابداعية؟ وهل هناك ما لم تقله في كتابكم" كتاب الامل" الذي اصدرتموه في عام 2008؟

ج161: نرحب بكم سيدتي الاستاذة وداد فرحان رئيس تحرير جريدة (بانوراما) والى قراء صحيفتكم الغراء كافة. ونشكركم على هذه الالتفاتة الطيبة، مبدين ترحابنا ومعلنين محبتنا ورغبتنا بأن نجيب على أسئلتكم التي تحمل حتما اضافات مهمة في مسيرة الفنون التشكيلية المعاصرة في الوطن العربي وللعراقيين الأباة في الشتات الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس عند مقدرتهم على معاركة الحياة. معركة الحياة القاسية في أمكنة وأزمنة تشعرنا بالجفاف، ولكن الثقة والعزيمة والارادة الحرة هي الأسباب وراء قوة وعزيمة وشكيمة العراقي في كل الأنحاء التي لجاوا اليها مكرهين، وأدهى الضيم ما ضامنا البعد.

وبعد. يا أختي الكريمة: تلك مسيرة ارتكنت وهي في وهجها الذي لن يخفت، في الخلفية الثقافية لمسيرة الفنون الشخصية التي كنا عليها سابقا. وستظل من الحوافز الايجابية للنهوض مجددا في تحريك العقل والوجدان وتوير الخبرة والمقدرة التخيلية للتقدم والتغيير المتواصل والنهوض المستمر لتطوير الحركة الفنية في عالم دائب على التغيير. لقد جمعت على نحو دقيق، بين السيرة الذاتية، والرؤية الفنية. ولم أحاول مصادرة أحدهما على حساب الآخر، كأن أجعل من سيرتنا الذاتية بمثابة المقدمات الأساسية خاصة، عند استذكارنا لما عشنا شطراً منها بين الأهوار حيث منبت الأفكار الأولى.

لقد تحدثت عن سيرتنا الأولى كما ننبش في الذاكرة، مستخرجين (طينها الحرّي) وما نعّول عليه تماماً هو الصدق في عرض تفاصيل الرحلة، رحلة التعب الجميل التي لم أقل لكم أنها انتهت بعد.. بل هي رحلة مستمرة. إذ أن القصب ليس صنواً للفرح، بل هو مبعث الحزن الدائم. هذا الحزن الذي وحده قادراً على أن يفجر قلق الإبداع.. لقد حاولنا أن نزاوج بين رحلة الحياة ورحلة الفن.. ولعل أمتع ما كتبناه هو هذا التدرج في التجربة الفنية بدءاً من الينابيع الأولى حتى معرفته أسرار الفن الحديث.

وقد اشتملت صفحات كتاب الأمل على جانب من أسباب وعوامل ثبات منهج المسيرة الشخصية الفنية في تجربة الفن التشكيلي العامة في العراق. وهناك الكثير مما لم نقله، فيه، و في اليوميات المدهشة والمثيرة في عموم حياتنا عبر مجالات الفنون التشكيلية والوسائل الأدبية ومنها أدب النقد الفني التشكيلي الذي نمارس جانبا مشرقا منه منذ الستينيات من القرن المنصرم. للفترة المحصورة بين السنوات 1958 – 2008م - وتجيء فكرة تكريم المثقف التي نسج خيوطها الحريرية والجميلة، كما نسج الريح على الموج (زرد)، الكاتب والباحث الاستاذ القدير ماجد الغرباوي. وكانت خطوته الرائدة تلك، تعني الكثير جدا من القيم التأسيسية للثقافة الحديثة ومصيرها ومستقبلها. وقد نشرت في صحيفة المثقف الكثير من البحوث والدراسات والمتابعات والحوارات المفتوحة، ما تساعد القاريء على التقرب الى فكرة سؤالكم عن المسيرة الفنية.

 

س162: وداد فرحان:ماذا اعطتكم حياة الاهوار، هل يمكن القول بأنها ظلت لصيقة ذاكرتكم، وماثلا في وعيكم وعطائكم؟

ج162: (كل من في الحياة يطلب صيداً، غير أن الشباك مختلفات). وما كنت أطلبه في حياة الأهوار، لا أكثر من سوى الرسم والقراءة والكتابة وحسب، كحاجتي الى الهواء والماء والطعام.. وكان حضور الفن والقراءة والكتابة، على أشده، عندما أتخيل حالي أعيش بين طيور وأسماك أهوار العمارة، وهو العيش بين عرائش وقصب وبردي وجولان تلك البيئة الساحرة الجمال. تلك الحياة وهبتي المقدرة على فتح بوابات الجمال على امتداد الرؤى الفياضة بالمتعة. إن الإشراقة تعني عند الفنان، لحظة سطوع الذات.. هذا السطوع الذي يأخذنا بعيداً عن طريقٍ حفرته حقب لا تحصى، ليؤدي بها إلى (المتاهة)، حيث تبدأ عملية صراع مدمرة؛ بين أن (توجد تلك الذات، أو لا توجد إطلاقاً.). وتلك هي المحطة الأولى لسفر الذات المبدعة صوب (موتها الخالد).. أنني لم أغادر، ملاعب الطفولة وذكرياتها في كل ما كتبته ورسمته،. وكانت أعماقي تفيض شعراً طفولياً عن الأهوار والطين والفخار والنار وحياة الفلاحين والصيادين وعمال الطابوق ومعالم مدينته العمارة وعن التجربة الغنية فيها، حتى وكأنني كنت أحد أبطالها الأسطوريين الغارقين بين المعقول والحلم، وبين الحقيقة والسحر. فينقلنا كتاب الأمل عبر صفحاته التي كتبتها بلغة متدفقة خلابة تسحبنا إلى سحر الماء وعوالم الهور الرحبة.. كنت أصور تلك الطبيعة، بروحية عاشق ونزعة فنان وبلاغة كاتب، الحياة الداخلية لطفولتنا وبيئتنا وسيرتنا الشخصية التي اعتبرها ضمن كتابة المذكرات، أداة خلاقة وضعتها في إطار فني، فكانت اختباراً للكفاءة والقدرة على التأليف بطريقة الحلم، نرعاها تحت أغشية القلب. لهذا ظل تأثيرها في مجمل حياتنا عميقاً. نستدرجها من الأنا التي ترتبط بقوة داخلية مع الوقائع والأحداث المتعلقة بأفكارنا ونوازع عهدنا وأحزانه. فجعلنا من كتابتنا عنها، فناً له مذاق تجربتنا ومعاناتنا، لكي نكتشف ما في أعماق الذاكرة، من كهوف ومرتفعات ومنحدرات ومياه.. إن طوبوغرافيا مذكراتنا، كانت إشارات ضوئية وذبذبات صوتية آتية من العوالم القابعة في الذات المنسية، " وتنبط " وجه الماء كل برهة، في الأمواج الأكثر انجرافا والأشد تجريداً. بل تماساً للروح وهي في وهجها المبهر، وإحساساً بالغ التأثير والقوة. حتى لنبدو، وقد طغى علينا فيض الألم، مندفعين بحماسة لإنقاذ الطفل المعذب فينا من غرق محتم في أهوار الأحزان التي القيت فيها في وقت مبكر من طفولتي. هذه هي النقطة الممتدة مستقيما بين ذكريات الإنسان وجغرافية الطبيعة وعنصر الزمن، وبين قماشة اللوحة ورموز الألوان وعمق المحتوى وإنسانية الشكل. حيث تتوثق الأحلام والأفكار، ويتواصل شريط الحياة بكل ما تحمل هذه الحياة من معان ودلالات ووقائع ملتهبة في تاريخنا الشخصي. فكنت الباحث في زوايا تاريخي وحضارتي الشخصية إياها بعناوينها ومراياها. انه البحث في كل ذلك، عن عنوان حقيقي وعن ثمة أصالة كما هي بحث عن قضية اكبر من همنا الشخصي، هي ذكرياتنا المحفورة في ثنايا تربة الوطن، وفي جذوره. بل هي ذاكرة الأمة، الأرض والتاريخ والموروث الفكري والثقافي والحضاري لوادي الرافدين الذي وهبنا له كل الإبداع والمنطلقات، فحفرنا محبتنا للوطن في أوصاب القلب والوجدان..

 

س163: وداد فرحان:الهجرة الاجبارية من موقع الزلزال، الى حيث الامان والسلام، ماذا كلفتكم في مسيرتكم الابداعية؟

ج163: ينبغي علينا أن نواجه ذلك بالفعل المضاد. فنبدع بدلا عن الصمت او العويل والندبة والأسى واللوعة والبكاء على الأطلال. البديل عن الكلفة هو الوعي بها. والعمل على خلق القيم والمباديء والأفكار والمنطلقات لفعل التحولات والتغييرباتجاه الابداع. لانتاج الفعل المبدع.

 

س164: وداد فرحان:العراق كان مركزا حضاريا وناضجا لحركة الفنون التشكيلية، ما حجم هذا المركز الان، وهل تعتبر انجازات الفنانين العراقيين في المنافي جزءا من نتاج الفن العراقي، وكثير منهم خرج من العراق من فترات غير قصيرة؟

ج164: نعم.. كان العراق، منذ السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين، وحتى اليوم وما يزال، مركزا حضاريا انسانيا لحركة الثقافة والعلوم والآداب والفنون. وتعتبرانجازات الفنانين العراقيين في المنافي، جزءا مهما وجوهريا من ابداعات الفن العراقي، وله نكهة ومذاق خاص هذه المرة. مهما امتدت وتطاولت سنوات الغياب عن الوطن.

 

 س165: وداد فرحان:ما نوع او كمية الاضافة التي تقدمه هذا "الجديد "الذي نراه في محاولات الرسم والمتابعة الفنية عموما الى خزين الفن العراقي او الانساني؟

ج165: قلت انها كتله قيمية هائلة من العواطف والمشاعر الصادمة والمؤتلفة والمتعارضة والقاسية والحزينة والثورية المنفعلة بواقع مرير قاس ومدمر. ولكن ارادة العراقيين القوية الصلدة، تنبئكم بالتطورات والتحولات النوعية التاسيسية الجوهرية لفن وثقافة عراقية لها خصوصية المرحلة ومناخ التجربة الجديدة بعد الاحتلال والتغرب ومغادرة الوطن. فانشغلت الغاعلية الابداعية بهذاالجانب الانتاجي في ميدان عاركوا فيه كثيرا لانشاء ثوابته وأركاته، وبحثوا في ملامحه وعانوا الكثير لأجل تجاوز الصعوبات وحرق المراحل للوصول الى متنفس جديد يتوقفون عند تخومه للاستعداد الى مرحلة انطلاق جديدة مستقبلية الرؤى والغايات والأهداف، وبوسائل الفنون التشكيلية الحديثة والمتقدمة. ولكن الظروف السياسية واحتلال العراق منذ العام 2003 حال دون استكمال الموضوع.

 

س166: وداد فرحان:يقال ان هناك تقاليد شرقية واخرى غربية في عالم الفنون التشكيلية، اين موقع الفنون التشكيلية في وادي الرافدين من هذه التقاليد؟

ج166: ان معظم حركات واتجاهات فن الموسيقا والفنون التشكيلية والمسرحية والسيمائية، تتضمن خصائص وسمات تميزها عن تجارب الاتجاهات الأخرى. سواء أكانت آتية من الهند والصين واليابان واستراليا، وشرق آسيا. أو من أفريقيا وأوربا وأمريكا وكندا. وموقع الفنون التشكيلية في وادي الرافدين من هذه التقاليد. وموقع تجارب الفنون التشكيلية في العراق، من الحركات الفنية الراهنة في أوربا والغرب عامة والشرق بخاصة هي انها متاثرة جدا بصياغات شكلية أقرب الى التبسيطية والمختزلة والتجريدية التعبيرية يقابلها الفنون الانطباعية والتاثرية والواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية، والتعبيرية والسريالية والرمزية والذهنية والشكلية المحض. الفن العراقي المعاصر هو مجموع تلك الخلاصات السائدة ولكن البحث عن خصوصية تجربة الفن نجدها عند يحيى بن محمود الواسطي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للميلاد. وما دعيت لاحقا بالمدرسة البغدادية. والتي حاول جماعة بغداد للفن المعاصر أن تتبنى هذا التوجه والاتجاه نحو تكوين ملامح فنية تندرج ضمن مفهوم المدرسة البغدادية في الفن. وفي هذه المحاولات اندرجت معظم تجارب الفنانين الشباب في العقد الخامس والسادس والى العقد التاسع من القرن العشرين المنتهي.

 

س167: وداد فرحان: تاريخيا، هل يمكن ان تحدثنا ولو بأختصار عن الملامح الاولى لظهور الفن التشكيلي المعاصر.. واين استقرت تلك الملامح، وما هي صفاتها؟

ج167: كانت تطورات جوهرية قد رافقت المبدعين في مسيرة الفنون الانسانية منذ بداياتها الاولى في حضارة ما بين النهرين في العراق ووادي النيل والشام وفارس والهند والصين وحضارة المايا والهند الصينية. بله تجارب الفن العراقي والعربي المعاصر. كانت أساسا تعنى بتصوير ملامح حضارة المجتمع الناهض والخلفية الثقافية النامية، والتواصل مع تجارب أجيال جديدة قد تحمل قيمة التطور في التجربة الفنية وصياغاتها التجريبية التعبيرية النقدية، وبأشكال حديثة تتصاعد مع المضمون الملتزم بقضايا المجتمع وبروح المستقبل. وتتفاعل مع المفاهيم المستولدة والمستجدة في العلوم و مناهج الفكر وقيم الحضارة السائدة، وكانت هناك روح واحدة تجمعهم واحساس مشترك يقرب بينهم، لم يلبث أن تبلور فى الدعوة الى احياء جوهريات المجد القديم وبعث الروح فى الشعب العربي مع الاعتزاز والشغف بالآثار والدعوة الى الاستقلال والتحرر من الاحتلال الأجنبى.. كذلك ولد مع ولادة التأسيس الثقافي الحديث ما بعد الحرب الأولى لجيل الرواد لذي تتشابه حياتهم الشخصية ومراحل نمو تجربتهم الفنية وظروفها تماما مع سائر الفنانين العرب في شتى أقطارهم مع اختلاف بسيط في الفروق الثقافية الفردية. وحضارة الفنان الشخصية. (*)..

 

س168: وداد فرحان: كيف تقرأون اوضاع النقد الفني التشكيلي، وخصوصا في العراق ازاء واقع النماذج الفنية الجديدة؟

ج168: إن من وظائف النقد الفني التشكيلي الكثيرة، واحدة تحتل مكانا في نطاق الأدب و العلم أكثر مما تحتله في نطاق الفن، لتكوين مدرك للفن كجزء من العملية العضوية للتطور البشري. مما يقودنا الى السؤال عن ماهية الفن. اذا اعتبرناه ليس مجرد أشياء. فهو كائن في كل ما نصنعه لإمتاع حواسنا،. لأن هناك عنصرا جماليا في عملية الإدراك ذاتها. لهذا نجد(أن المعنى الحقيقي لكلمة شكل أو هيئة هو اتخاذ شكل أو هيئة معينة). وهذا هو معنى الشكل في الفن ولا فرق بين البناء المعماري أو التمثال أو الصورة أو القصيدة أو المعزوفة فجميع هذه الأشياء تتخذ شكلا معينا خاصة. وهذا هو شكل أو هيئة العمل الفني). وإن الشكل لا يمكن إدراكه إلا باعتباره لونا ولا يمكن الفصل بين ما نراه كشكل وما نراه كلون لأن اللون هو تفاعل يحدث بين شكل من الأشكال وبين الأشعة الضوئية الساقطة عليه. والتي بها نرى الشكل وما اللون إلا المظهر الخارجي للشكل، ومع ذلك فإن للون دورا هاما يلعبه في الفن لأن له تأثيرا مباشرا على حواسنا. و أن التنوع في المجال اللوني يتمشى مع التنوع في انفعالاتنا. وقد يكون هناك تفسير فسيولوجي لهذا التوازن بين الألوان والإنفعالات. وهذا جزء مهم من قرائتنا للعمل الفني ولأوضاع النقد الفني التشكيلي في العراق ازاء واقع النماذج الفنية الجديدة السائدة في العالم.. الفنانون في العراق يسعون الى تحقيق الهوية الوطنية في تجاربهم واستلهام التراث المشرق لتاريخ امتهم العربية والاسلامية. على سبيل المثال: ان المبدأ الإسلامى الذى يحكم العمارة الإسلامية، هو مبدأ الوحدة. فالإسلام هو دين التوحيد، ووحدة الخالق هى الأساس فى الوجود، وجميع الموجودات والكائنات تعتمد فى وجودها وعلاقاتها على قدرة الواحد القهار ومشيئته. ففى العمارة الإسلامية يتلاشى وهم الفصل بين الدينى والدنيوي. ويرى(بوكارت) أن المدينة الإسلامية وحدة واحدة تتلاشى فيها فردية المنازل كما (يذوب الفرد فى الجماعة.) والخلاصة: إن العمل الفني يرتكز دائما على مبدأين أساسيين هما:(مبدأ الشكل)، وهو مشتق من العالم العضوي ومن الجانب الموضوعي العام لجميع الأعمال الفنية. أما الثاني فهو (مبدأ الإبداع) الذي يختص به عقل الإنسان ويدفعه إلى ابتكار وتذوق ابتكار الرموز والأخيلة والأساطير التي تتخذ لنفسها وجودا عاما. أما الإبتكار فهو وظيفة من وظائف التخيل. ويصل هذان النوعان من النشاط العقلي في تفاعلهما معا إلى ما هو ابعد بكثير من جميع الجوانب النفسية للخبرة الجمالية، غير أن للفن جوانب اخرى، بيولوجية واجتماعية لا يمكن لنا أن نقلل من أهميتها. كما الحياة ذاتها جمالية في منابعها الجوهرية والخفية، اذ أنها ناتجة عن تجسيد الطاقة في شكل لا يكون ماديا فحسب ، بل جماليا أيضا. وهذا هو المبدأ الشكلي الذي نلحظه في تطور الكون ذاته. ويبدو أنه كلما استطاع عالم الطبيعة أن يميط اللثام عن البناء الطبيعي للعالم كلما اعتمد على توافق عددي له جوانبه الجمالية الممتعة. ولا يقل عالم الطبيعة عن عالم الجمال استعدادا في تقبل نظرة إلى الكون ترى أن التباعد بين الخبرة الجمالية وما وراء الجمالية وبين الخبرة العلمية وما وراء العملية هو اساسا تباعد بين ما هو قابل للقياس وما هو غير قابل له. وما بين الملموس وغير الملموس). وهناك مفاهيم مستولدة أدبيا عن مفهوم الجمال، فترى أن (.. الجمال نوع من العبقرية بل هو حقا أرقى من العبقرية أنه يحتاج الى تفسير، فهو من بين الحقائق العظيمة في هذا العالم أنه مثل شروق الشمس أو انعكاس صدفة فضية نسميها القمر على صفحة المياه المظلمة).

وفي تعريف الفن أن هناك تصنيفات عدة للفنون يصعب ان نحيط بها بها في هذا السياق،لكنها في صورته النهائية كما وصلت إلينا خلال القرن العشرين تقوم كما يقول (تتار كيفتش) على ثلاثة افتراضات اساسية: أن هناك منظومة محددة للفنون جمعاء. و أن هناك تفرقة واجبة بين الفنون والحرف والعلوم. وأن الفنون تتميز بأنها تبحث عن الجمال وتحاول أن تصل إليه. وكذلك فان الفن يشتمل على كل الأنظمة أو المجالات الإبداعية كافة مثل: الشعر والدراما والموسيقى والرقص والفنون البصرية وتشمل الفنون البصرية على كل النشاطات الإبداعية في الفنون البصرية الرئيسة وهي: الرسم والنحت والعمارة. والخط العربي والرقش والزخرفة.

 

س169: وداد فرحان: في هذه المرحلة الثورية من تاريخ المنطقة العربية والشرق الاوسط عموما، اصبحت للحرية والثورة معان ومفاهيم جديدة تجاوزت ما هو تقليدي، اين موقع الفنان التشكيلي في رسم وتجسيد الحالة؟

ج169: الفنون التشكيلية في القطرالعراقي والتحولات العامة في المنطقة العربية، وتبلور مواقف وطنية جديدة في التغيير الثوري نحو انظمة جديدة ذوات رؤى شبابية جديد، سيتبعا بالتاكيد مواقف جديدة في الفن والأدب. لقد صعدت أحداث العالم العربي في تونس ومصر والبحرين وليبيا وسورية والعراق المضطربة، صعدت من الوعى الوطنى لدى الشباب، فاتخذوا لهم موقفا جديدا من أشكال النضال السياسي، لتنظيم الجماهير في احتجاجاتها وعصياناتها المدنية، وثباتها البطولي أمام القهر والقتل والتدمير البوليسية بأدواتها القمعية ضد الشعوب المطالبة بالحرية والديمقراطية الحقيقية ودعواتها السلمية في مسيراتها المليونية.. سرعان ما طرحت مطالب وطنية ملحة وعاجلة، كان لها دور كبير في التغيير السياسي مما أسهم في نضوج الوعى الاجتماعي والثقافي القومى وتبلوره، حتى تشكيل حكومات وطنية للدفاع الوطنى. وهذه الأحداث تذكرنا اليوم بما جرى في تاريخ العراق بالمجزرة الرهيبة في (2 مارس 1941) خلال الصدام بين الجيش العراقي والجيش الانكليزى.. ثم فشل وثبة مارس، واعدام قاداتها واعتقال الالاف وفصل المئات من الوطنين المتعاطفين مع الوثبة.. و توسعت رقعة النضال ضد الحكومات المشبوهة بعلاقاتها الاستعمارية خلال الاحلاف والمعاهدات والاتفاقات السرية. وكان للمثقفين العراقيين بشكل خاص، دور كبير في الوعى بالمخاطر والكفاح ضد الاشكال المبطنة للاستعمار الثقافي والاقتصادى والسياسي، وكان للفنانين العرب دور في تهيئة الاذهان لبناء مجتمع جديد، والى نشدان الاستقلال الوطنى والتحرير الاقتصادى والدعوة الى وحدة الامة العربية. الا اننا لابد ان نشير الى أهمية الفكرة حينما تدخل في اطارها التنظيمى خلال حركات وطنية تقودها هيئات وتجمعات تلتقى من حيث المبدا في الجانب الحيوى من الحقوق الانسانية، مع الاختلاف النسبى في وسائل تنفيذها، وضعيا وموضوعيا، من عصر لآخر.. وكان أبرز ما في تلك التنظيمات على اولياتها، ظاهرة وحدة المواقف المعلنة ازاء افكار ومشاعرالمسلمين والعرب، هوية، و حقا مبدئيا، ومصيرا مرتبطا بمفهوم الحرية والاستقلال والوحدة. ان اجتماع مثقفى بيروت في الخامس من شباط عام 1868 م، وتشكيل جمعية سياسية سورية عام 1875 م، بدأت في الكلية البروتستانتية وتم توزيع المنشورات في دمشق وبيروت وطرابلس، لتحريض الشعب على الانتفاضة القومية من أجل نيل الاستقلال والحرية.. ثم كان ظهور حركة الافغانى و الكواكبي، و قيام انتفاضية الاتحاديين عام 1908.. كل هذه الموشرات والاحداث لعبت دورا كبيرا في التاثير على العوامل الاجتماعية وفي الوعى الثقافي وفي مجمل نضال الامة العربي من اجل التحرير القومى، ضمن مرحلة تاريخية مهمة من مراحل كفاح الشعب العربي كله. ان عملية الصراع الوطنى والقومى قد تبلورت واحتدمت ضد الاستعمار البريطانى بعد التجزئة التى أقرها مؤتمر سان ريمو عام 1920. أى بعد التفجرات التى أثارتها الحرب الاولى وما رافقها من تنفيذ مخططات استعمارية للسيطرة على الأمة العربية.. كان رد الفعل، هو طابع التصدى لكل ما جاء به الانكليز من بدع ومفاهيم ووعود كاذبة وتوبيخ. كان هذا الرد، بقيام انتقاضة الثلاثين من حزيران عام 1920 م في العراق وما كان لثورة الفلاحين العراقيين من أثر في مجرى التعامل اليومى في المقاهي والمساجد والبيوت والاسوق.. فازدادت المعارضة الشديدة للانتداب البريطاني من قبل المتعلمين والشعراء والادباء وبعض رجال الدين.. وانتشرت اثار الثورة في انحاء العراق: من جنوبه في الشعيبة والقرنة والنخيلة في البصرة والى الشمال في كفرى وكركوك وراوندوز وكويسنجق والسليمانية. والتهبت في العارضيات والرارنجية وال ازيرج والعمادية.. برز في خضم أحداثها شعراء ألهبوا الحماس وهيأوا ظروف ملائمة لاستمرارية الثورة، منهم محمد مهدى البصير و محمد على اليعقوبى ومحمد رضا وكاظم السودانى وغيرهم كما انعكست بشكل مباشر في المقالات الصحفية والقصص والمسرحيات التى اتسمت بعضها برفض العادات والتقاليد الاجتماعية المختلفة. مثل قصة في سبيل الزواج عام 1922 لمحمود احمد السيد.. وتاثير المسرح – على أولياته – بالثورة حيث بدات المحاولة الاولى بتقديم مسرحية النعمان بن المنذر للشاعر محمد مهدى البصير – وكانت ذا طابع سياسي.

أما الفنانون التشكيليون، فكان دورهم الاجتماعي بسيطا ملموسا في أوساط النخبة المتعلمة، بل كان الفن مقتصرا على محاولات شابة، لبعض الرسامين الهواة، ولايشغلها سوى هوايتهم البسيطة. ولكن مثل هذا التبرير، لايفي بالغرض المقصود منه المشاركة الفاعلة في مجريات وأحداث امته الوطنية والقومية.. امثال: عبد القادر رسام وعثمان بك وناطق مروة - وشوكت الخفاف وحسن سامى و الحاج سليم علي واكرم القيمقجى وناصر عونى ومحمد صالح زكى وعاصم خافظ وعبد الكريم محمود. وكانت مواضيعهم تعتمد على تصوير الطبيعة والمشاهد اليومية باسلوب تقليدى أو طبيعى ليس له وضوح. أما ثورة العشرين فلم يكن لها اثر واضح في لوحاتهم وليس هناك عمل فني يؤكد ذلك الجانب التسجيلي. ان غياب مثل هذا النشاط التصويرى في فترة مهمة من تاريخ تحول العراق السياسي والفكرى في العشرينيات، دليل على وجود نوع من الانغلاق الاجتماعى الذى كان سائدا في العهود االسابقة. وهؤلاء هواة لاتلهيهم عن فنهم أمور أخرى. بحسب منطلقاتهم ووعيهم وظروفهم الشخصية.. ومن هنا ضمر دور الفن واثره في العلاقات النفسية والثقافية والمجتمعيةعامة.. وذلك لا يعود الى عدم اطلاع الرسامين الهواة على ما يجرى في العالم من نشاط انسانى على معراج الفنون واتجاهاتها ومدارسها وصياغاتها. على العكس من ذلك: فان البعض منهم قد درس الفن في الكلية العسكرية في استانبول، التى كانت على صلة ما بحركات ومدارس الفن التشكيلي الكثيرة التى ظهرت في بواكير القرن العشرين.. وكذلك لم يحدث ذلك بسبب عوامل التزمت والشعور بروح الهزيمة بعد الحرب العالمية الأولى، واحتلال العراق، ودخول الانكليز بغداد، و لا لتراكم الظروف القاهرة التى حالت دون التوجه الى القضايا الجمالية والترفيهية، ودون ان يجد فن الرسم مكانه بين النشاطات الثقافية الاخرى، انما لكان الأمر شيئا مغايرا تماما، لو ظهرت محاولات جادة في هذا المضمار لها عقلية مدركة للمكونات والمؤثرات الموضوعية.. وقد تأتي الخلاصة المفترضة: ان الرسامين الهواة لم يشغلهم الفن هما وقضية ولم يستطيعوا تمييز آثارة الفكرية والسياسية لانهم كانوا تحت تاثير معاول الخوف والتردد والنظرة السلفية السائدة في المجتمع.

 وفي ختام هذا اللقاء.. نوقد لكم شموع النور والمحبة لتبقى شاهدا لعطائاتكم ومثابرتكم لخلق لونا تتوجه الكلمات وتؤطره لواعج انسانية معاصرة.

 l8

 

صباح القلازين: شاعرة وناقدة / فلسطين

س170: صباح القلازين:على الفنان أن يكون الرائي والعراف وكاهن هذا العصر كما يقول(رامبو) يخلخل حواسه فيرى بأنفه ويسمع بفمه فيقلب الموازين رأساً على عقب ليكون الفن الأصيل هو بشارة البشارات التي يحملها الفنان الإنسان في معطفه ويجوب بها أصقاع العالم المترامي الأطراف ويبشر بها بعد أن أثقلتنا الهموم وأثخنتنا الجراحات وفتت في عضدنا المآسي. ما هي البشارة التي يحملها الفنان شوكت الربيعي لمحبيه في هذا الخضم المتلاطم من الوطن والعالم أجمع؟

ج170: الفنان مني، هو الذي رأى في موكب الدلالات توهج الذاكرة- هو الذي أشاد تجربة منفعلة بالذاكرة. ونحن نحاول أن نسير في تلك التجربة الفنية، بخطى ثابتة نحو فضاء من الرسم الحديث على وفق أشكال أثارت اهتمام نقدة الفن، بسبب انفعالنا الحساس بصياغة ومعالجة الأشكال ووحداتها التكوينية من حركة وايقاع وخطوط مرنة وحادة وتفاصيل الموضوع التي أخضعها الى معمار وشكل العمل الفني بألوان حارة تلتهب في بؤرة اللوحة أو أطرافها حسب البناء التصويري الذي نشبعه برموز روحية وما ورائية وإشارية مستعينين بحساسية قيمية لجمال اللون والتناغم مع مفاتيح وموتيفات غنائية التقنية ونلجأ أحيانا إلى تحقيق الشكل العام بالإعتماد على معطيات التاشيزم البصرية والملمس الخشن النافر أو الناعم الشفاف حسب حاجتنا الصياغية في البناء العام للعمل الفني.

لهذا فنحن لسنا: (كالراعي الذي يرعى غنمه)، ولسنا (نرعى قطعان اللون في المراعي الجرداء)، وانما نرعى جمالية فسيفساء الكلمات والجمل والمعاني المختارة بدقة وبروح ثملة بالمعاني المحتفلة في خصوصيتها المجتمعية. فأي نوع من الأحلام التي تراودنا في فجر اليوم الثاني لخلق العمل الفني، الذي كان الغائب يحمل في أزمانه، بشارة فجر اليوم التالث للرؤية الفنية المرتقبة في محاجر الابداع..

من يملك زمام حلم الابداع، بعد ظهور سنا فجر اليوم الرابع للخلق على قماشة اللوحة، بعد الآن؟! أهو الشوق والتوق والتفتت جزيئة فأخرى على مسطح قماشة اللوحة ألوانا تستولد الوانا. تستكشف أحزانا، تتهجى كلمات الخلق من الألوان. تنهض منبثقة من بئر الأحزان. الى فيوض معاني المساحات المؤتلفة في معمار العمل الفني المتنامي في مرابع المستقبل.

لم يخلق بعد الآن من يجثم فوق الألوان ليزيح الفتنة والفكرة والتعبير ووضوح المضمون. الكامن في شوق الروح الى تيجان النخل وضفارها المنسدلة على حقول السنابل ومرابع الشلب وذرى الأفكار الحرة في مشكاة الوطن.

ماذا نصنع لهذا الوطن أو ننتج أو نبتكر أو نبدع لاستقلاله؟؟ والبلاد تعج بالمحتلين و تنذر بالتردي والدمار، حيث الناس يستلبون والضحايا بينهم يزدادون بالملايين ما بين شهيد وجريح ومفقود معتقل ومهاجر ومتشرد ومعوق وما بين الثكالى بالملايين والمفجوعات والأرامل والمغتصبات. لا حدّ لما تمتلىء به نفوسهم من الاحباط والانكسار والمرارة والشعور بالخذلان والهوان، ويجمعون على ضرورة توحيد صفوف القوى الخيرة للوقوف بوجه المحتل والمغتصب. والفنان هو الذي راى وعبر عما عاناه شعبه من نير المحتلين. وسيكون بمقدوره التعبير عن الفن الأصيل الذي هو بشارة البشارات التي يحملها الفنان الإنسان في فنه والأديب في أدبه، ويجوب بها الأنحاء.. ليطلق البشارة التي يحملها لمحبيه في هذا الخضم المتلاطم من الوطن والعالم أجمع. وتمّر الدقائق والثواني والأيام، حتى غد ت ثمان سنوات، ويبقى العراق يرفض الهجرة من دمه العربي، وتبقى بغداد زرافة كبرياء. كل طفل فيك يا عراق، بشارة للآتين. يا أحلى وأبهى وطن..

كما نشرت في الصفحة الأخيرة، خاطرة بعنوان، (بيروت في 15 كانون الثاني 1981). في ذكرى " انطفاء بسمة " تركت في أعماقي حزناً مباغتاً. ورقّت روحي فخفت عليها أن تذوب. فكانت تلك الكلمات التي أودعتها " مصّة " من وشل الذكرى، قد خفّفت عن حنايا مهجتي، وجع التذكر. وهذا هو النضار الذي أنشده في الفن والكتابة.

بينما كانت حركة عقارب الساعة عادية، كان لأرض الرافدين علم يرتفع في سماء "بيروت".. وكان أطول نخلة عراقية تجمعت فوق كل سعفةٍ منها آمال وأحلام، وحدائق وفصول وخمور معتقة وبنفسج ينام بين عيني "بلقيس"، بين القطيفة والرخام.. وكان الصديق "عبد الرزاق لفتة " بريق عيونٍ، وخفقان أفئدةٍ.. هذه الألوان مجتمعة تحمل أمنياتها الخاصة.. قبل أن تقترب اللحظة الطاغية. الدقيقة تتجاوز أختها.. الثانية تلحق بالأخرى.. وفجأةً، دوىّ انفجار صاعق توقفت عنده عقارب الساعة وحزنت حرائر العصور السومرية.. كنت أصغي الى المذياع التقط الحروف الأبجدية، أركب شظية فوق شظية. ويلفني وجع وصمت كانا مزيجاً من عطر الذكرى، ومن غمام يسافر على متنه شهداء ترفض أرواحهم أن تسافر، وما علمت بيروت " أن اغتيال فراشة في حقلها.. صار القضية.. " و"بيروت التي قتلتك.. لا تدري جريمتها، وبيروت التي عشقتك تجهل إنها قتلت عشيقتها.. وأطفأت القمر.. ". "إن الذين تورطوا في القتل، كان مرادهم".. ذبح القصيدة.. تهديم تمثال النبوة.. تمزيق لوحة سومري.. ويعرش الصوت العراقي الجميل.. بيروت تجهل أنها قتلت عشيقتها.. وبدأت عقارب الساعة تستعيد حركتها العادية.. وأحاطت بالكنز غلالة صمت.. "أن يقتلوا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب".. أن يأخذوا منك الكتابة والقراءة والطفولة والأماني.. " وظلت "بلقيس"، رمحاً عراقياً.. ونحن غابة خيزران.. نبقى نتذكر كل ذلك بعنفوان المحبة ولن نجعل من التفاصيل إلاّ ملاقط ذهبية للمستقبل، وأمطار حنان لأرض العراق في حدقتيّ الجميلة بغداد.. وتظل أجيال من العشاق تقرأ عنك.. أيتها المعلمة الأصيلة.. "

 

س171: صباح القلازين:المتتبع للمشهد الثقافي العراقي يرى أن طيبه لا يفيح إلا في المنافي وكأن قدركم التطوح في البلاد وأنتم تحملون جرحاً خصيباً وصدعاً لا يرأبه حتى حضن الوطن البراح. هل ساهم المنفى في قدح تجربة الفنان العراقي وإثرائها عموماً؟ وما أثر هذه التجربة المؤلمة على الفنان شوكت الربيعي خاصة؟

ج171: الصورة التي يحملها سؤالكم، واقعية رقيقة في صياغتها، وحزينة في جمال معناها. وتريك العراقي في الحالتين، في شحه والندى. ويفيح طيبه في الحالتين، على أديم أرضه وفي المهجر. وان اختلفت الموازين والمقاييس والأفراد والجماعات. والأزمنة والأمكنة. والبيئة والأوان. وكنا ذات مرة نتحدث في مرسم ارداش كاكافيان في باريس مع نزار القباني بحضور الأديب جليل العطية، ونحن في الذكرى الثالثة لحادثة بلقيس. التي كتبت عنها في مجلة الطليعة التي صدرت في باريس عام 1984. وكنت آنذاك قادما من فرنسا بعد انتهاء الاسبوع الثقافي العراقي في الجزائر. وكان محور حديثنا ما نشرته في الصفحة الأخيرة، بعنوان، (بيروت في 15 كانون الثاني 1981). في ذكرى " انطفاء بسمة " تركت في أعماقي حزناً مباغتاً. ورقّت روحي فخفت عليها أن تذوب. فكانت تلك الكلمات التي أودعتها " مصّة " من وشل الذكرى، قد خفّفت عن حنايا مهجتي، وجع التذكر. وهذا هو النضار الذي أنشده في الفن والكتابة.

بينما كانت حركة عقارب الساعة عادية، كان لأرض الرافدين علم يرتفع في سموات "العراق".. وكان أطول نخلة عراقية تجمعت فوق كل سعفةٍ منها آمال وأحلام، وحدائق وفصول وخمور معتقة وبنفسج ينام بين عيون "أطفالي "، بين القطيفة والرخام.. هذه الألوان مجتمعة تحمل أمنياتها الخاصة.. قبل أن تقترب اللحظة الطاغية. الدقيقة تتجاوز أختها.. الثانية تلحق بالأخرى.. وفجأةً، دوىّ انفجار صاعق توقفت عنده عقارب الساعة وحزنت حرائر العصور السومرية.. كنت أصغي الى المذياع التقط الحروف الأبجدية، أركب شظية فوق شظية. ويلفني وجع وصمت كانا مزيجاً من عطر الذكرى، ومن غمام يسافر على متنه شهداء ترفض أرواحهم أن تسافر، وما علمت بيروت " أن اغتيال فراشة في حقلها.. صار القضية.. " و"بيروت التي قتلتك.. لا تدري جريمتها، وبيروت التي عشقتك تجهل إنها قتلت عشيقتها.. وأطفأت القمر.. ". "إن الذين تورطوا في القتل، كان مرادهم".. ذبح القصيدة.. تهديم تمثال النبوة.. تمزيق لوحة سومري.. ويعرش الصوت العراقي الجميل.. بيروت تجهل أنها قتلت عشيقتها.. وبدأت عقارب الساعة تستعيد حركتها العادية.. وأحاطت بالكنز غلالة صمت.. "أن يقتلوا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب".. أن يأخذوا منك الكتابة والقراءة والطفولة والأماني.. " وظلت "بلقيس"، رمحاً عراقياً.. ونحن غابة خيزران.. نبقى نتذكر كل ذلك بعنفوان المحبة ولن نجعل من التفاصيل إلاّ ملاقط ذهبية للمستقبل، وأمطار حنان لأرض العراق في حدقتيّ الجميلة بغداد.. وتظل يا بغداد أجيال من العشاق تقرأ عنك..أيتها المعلمة الأصيلة.."

وقد ساهم المنفى في قدح واثراء تجربة الأديب وتجربة الفنان العراقي. وتختلف نسبة الغنى والاثراء من أديب لآخر ومن فنان لآخر، بحسب اختصاصه وانتماءاته الفكرية وتنوع مصادر ثقافته العامة، ومستوى تعليمه، وشهاداته الجامعية. وبالنسبة للتشكيليين، فاعتقد أنهم عانوا نفسيا فقط. ولكنهم في حال أفضل بكثير جدا من الأدباء والكتاب والمفكرين والسياسيين المنتمين لأحزاب أخرى غير المتواجدة الآن في الساحة السياسية الراهنة في العراق. وقلة من التشكيليين من عانت من شظف العيش بينما الأدباء والشعراء والروائيون والمبدعون في مجال القص والمقالة والذين اشتغلوا في الصحافة هم الضحايا الحقيقيون الذي واجهوا ظروفا الأشد مرارة وقسوة ومعاناة. من هم من أنتحر وترك خلفه عائلة كبيرة. ومنهم من قتل في بعض الطريق وترك خلقا كثيرا ومنهم من مات كمدا وبالجلطة والسكتة القلبية والدماغية.. نحن لانتحدث هنا عن ذوي الشهادات العليا ممن سافر للعمل في أمريكا وأوربا. ولا عن الذين نالوا البطاقات الخضر. وتزكية بعض السفارات ولا عن المعارضين القدماء الراسخين في المعارضات الوطنية والقومية، سعيا وراء الحرية والديمقراطية والسلام.. ولا.. ولا عن ظروف تاسيس الصحف المهاجرة أو في المهجر.. كذلك، نحن لانتحدث عن الصحافة المهاجرة قبل الاحتلال. وانما الصحافيون الذي غادروا البلاد غصبا واضطهادا وخوفا وتشردا. فكان أن بلغ عدد المهاجرين من المثقفين والناس البسطاء، قد تجاوز الأربعة ملايين مهاجرا ومتشردا والكثير من المغضوب عليهم. وأما عن أثر هذه التجربة المؤلمة علينا. فهي بلا شك، كارثية. ولكنها أخف وطأة من معاناة آخرين ما زالوا يقاسون الأمرين مع عوائلهم، ويعانون معاناة الجوعى والعطشى والمحرومين واليائسين والمحبطين. ونفوسهم مفعمة بالوان من الحذر والتوجس والقلق على مصير عوائلهم ومصير وطنهم. فأصبحوا لا أهل ولا وطن. فما تجيش به نفس الفنان والأديب، من الحنق والشجن والحسرة على آمال مضيعة وخيبات مريرة في أمنيات لم يحالفه الحظ في تحقيقها وبلوغها، هي حوافز جديدة تراكمت على سطح التجارب الفنية والأدبية. وهكذا ظهرت رسوم وتماثيل ومحفورات تختلف من موقف فنان الى آخر. نجد بينهم فنانا تحركه القيم والرؤى والمباديء النبيلة، المعتملة في أعماق روحه، فيحيلها على مسطح اللوحة، عالما متوترا معبرا عن موقفه المباشر الواضح الثري بالإشارات الرمزية المبسطة التي تجسد الفكرة الدالة مباشرة على المضمون، إذ هو يبذر فكرته في رحم التجربة وينفعل بها حتى يولد الموضوع وينمو ويشكل هاجس الفنان في التعبير الفوري عن موقفه مما يجري حوله وفي أعماقه معا. وفي جانب آخر نجد فنانين آخرين هبط عليهم الحظ السعيد فانساهم ذكر هموم شعبهم والاحتلال والمآسي والمعاناة القاتلة التي يمر بها شعبنا في العراق. فئة ثالثة من الفنانين من وازن بين وضعه الجديد وتربة نفسه تربية فنية مستغلا الظروف الجديدة التي قد تساعدة على تطوير فنه فأنتج تحولاته المستجدة والمستولدة من تجارب أوربية يراقبها الآن ويقلدها ويتأثر بها. لعله سيجد نفسه بين تجارب فنانين اوربيين أو أمريكان يعايشهم في الأزمان الجديدة بعد الاحتلال. وتمّر سنوات ثمان عجاف، ويبقى العراق يرفض الهجرة من دمه العربي، وتبقى بغداد زرافة كبرياء. كل طفل فيك يا عراق، بشارة للآتين. يا أحلى وأبهى وطن..

 

س172: صباح القلازين: حين تختمر التجربة وينضج الفنان ينظر بعين الناقد المحنك الى منجزه الفني ويقيمه بعين الرقيب الفذ. هل قال الفنان كل ما أراده وما هو مقدار رضاه عن نفسه فيما قطعه من منجزه الفنى السامق؟

ج172: هنا. وقبل أن نتحدث عن نضوج التجربة، نلقي نظرة على جانب واحد من اهتمامات عالم الفنان: ان وظيفة العجائن اللونية هي لتحقيق تأثير جمالي من نوع خاص يخضع لقواعد الفنان الذاتية، ذلك لان للفن تأثيرا أقوى من تأثير الطبيعة حتى إننا نؤخذ بجمال الألوان متفردة أو مرتبطة ببعضها البعض مثلما تسحرنا الأحجار الكريمة.

إيمانه باستقلالية القيم اللونية عن القيم اللمسية المتجلية في خواص الزجاج والمعدن والمخمل والحرير والشعر والى غير ذلك. واعتداد الفنان بالقيم التشكيلية والفراغية والضوئية فقط بوصفها مجرد وظائف لخدمة اللون. كما أن توزيع الفنان للمساحات اللونية المتجاورة على فراغ اللوحة، بحيث تمثل كل مساحة منها احد العناصر المحددة حتى يكتمل التكوين الفني.

 

كنت عاقد العزم على النجاح منذ أن أنهيت دراسة الفن في بغداد ونشاطاتنا الأخرى في روما وميلانو ولندن وسائر البلدان الأوربية والأفريقية، وشرق الأسيوية. وقد ساعدنا ذلك على بلوغ المرمى، لما كنا نتمتع به من حصافة قوية ودهاء شديد، وقد تكللت مساعينا بالنجاح، فانهالت علينا الثروة وحالفنا التوفيق في حياتنا التي قاربت السبعين عاما، لم تكف يدنا فيها عن الإمساك بفرشاة الرسم وغدوت المصور الأثير لدى أصحاب الكليريهات في ميلانو وسيناكو وروما.. بعد ان اكتسب فني غنائية وجموحا في الألوان والأضواء الالقة المبهرة المتأثرة بالتوجهات والصياغات والمعالجات ما بعد الانطباعية فيما بعد. لقد أمضيت نصف قرن لبلوغ هذه المرحلة المهمة من تطور تجربتي. حيث تعرفت على تجارب فناني الإسبان والطليان وبخاصة، القواعد الفنية التي انتظمت نتيجة بحوث وتجارب بناة فن عصر النهضة: دافنشي ورفائيل، وأنجلو التي اعتمدت على الإيقاع، والانسجام، والتنسيق، والنظام، والهدوء. والخلاصة، فإن قيمة أعمالنا الإبداعية، لا تكمن فيما حققته من تقنية فنية بقدر ما تكمن في مقدرة الخيال، وحيث(.. تختلج الألوان أمام الفرشاة، يصطف اللون كسرب زهور، وينحني لطلتك الرعوية، يمشي خبباً في نور يتقاطر، كحبات البرد).

 

س173: صباح القلازين: الرسم هو لغة لونية شفيفة تصعق محبيها كما صعقة البرق. من من الرسامين في هذا المدى المتناثر صعق الفنان شوكت الربيعي صعقة برقية فقرر أن يحذو حذوه ويكون مشكاته في مشواره الفني الطويل؟

ج173: إن الحديث عن تجارب الفنانين العراقيين ومن بينهم تجربتي في العقود الثلاثة الأخيرة، والفترة التي أعقبتها، لابد وأن يستنير بتجربة المبدع الحقيقي تاريخ الفن والمتاحف وصالات العرض الحديثة في العالم. كنت واقعيا أرسم ما تقع عليه عيناي أكثر من الاهتمام التام بعالم المجهول الدفين في اللبيدو.. اهتممت بالموضوعات الأهوار والفلاحين والمزارعات ولعب الأطفال في الحقول وصيد الأسماك والطيور. ولم يكن اهتمامي منصبا الا على احداث وقضايا المجتمع والناس الذين أعيش بينهم. ويشعرونني بالأمان والطمأنينة وحب الحياة والتطلع للمستقبل. وافردت أكثر لوحاتي لتسجيل الحياة اليومية لبسطاء الناس من القرويين والعمال وأفراد الطبقة الوسطى، ومع تراكم معرفتي التقنية وممارساتي الدائبة على التغيير في تناول طرق التعبير الفنية عن المواضيع الشعبية، كان كل شيء معي قد اكتمل، مع اللمسة الأولى للفرشاة، فثمة ألوان محملة بأبعد مما تعبر عنه، وليس ثمة تقنية حرفية تبعد بنا عن الواقع). وها أنذا تحدد عندي بكل سهولة وتقنية عالية، الأشكال ومعالم المشهد المصور وتوزع الأضواء والظلال بواقعية جلية. ومع ذلك تظل ألواني حارة قوية معبرة عن ثورة تعتلج في الصدور. تعبيرا عن روح الموقف المطلوب في الموضوع لهذا ظهرت في لوحاتي الألوان الساطعة، مؤكدا على اشعاع الضوء الحاد والإضاءة المكثفة والدفء الذي يلف شخوصه باستخدام العجائن اللونية، و بلمسات الفرشاة المتقطعة، وبالتباين الحاذق بين التدرجات اللونية وبالحس الغريزي باللون المناسب للشكل المصور.

لقد نقلت تفاصيل طبيعة الناس في الأهوار بحيوية ومعالجة ماهرة على الإيهام، وأسبغت عليها مزايا أسلوبي الفني، فكنت (مثل الشمس التي توزع ضوءها على كل الأشياء دون تفرقة فتحيل كومة القش إلى رابية من الذهب وقطرة الماء إلى ماسة متألقة والخرقة البالية إلى عباءة أرجوانية)، إذ كنت أوزع الألوان المشعة على كل الأشكال الزاخرة بها اللوحة، فيضفي عليها دون تغييرها، قيمة فنية ضافية، ليبلغ النضوج والتكامل في اسلوبه الفني، وبه قدمت خلاصة تجربتنا المتجسدة في لوحات الحرب والسلام ومجموعة لوحات (أنا والمرأة والتاريخ). سعيا الى دوام القيمة الفنية ونفاذ رؤيتنا للناس والطبيعة والحياة، ولاغرابة في تحقيقنا خصوصية مفردات الاسلوب، فتلك حاسة حدسية وهبة طبيعية من سمات شخصية الفنان العراقي. وامتداد تأثيره إلى تجارب فناني العصر الحديث، ومنهم الفنانون الشباب في العراق اليوم. بعد ان أعددنا بالتحليل سلسلة من التخطيطات الأولية بالفحم والدراسات (الإسكيجات)، بالمواد الملونة.

(.. تفترع الفرشاة تضاريس القلب، الضالع في الأحزان، فتدب وردة فرح، في حقل الظمأ وردة اسمها العراق.) ان الكلمة الصالحة الباقية كما هي اللوحة، تجربة قاسية ومراس متمكن ومعاناة شاقة وادراك عميق وحس مرهف، وهي الى ذلك كل قدرة على التحويل والتطوير، وعلى المزاج ومماشاة المزاج، بحيث يبدو صرفا خالصا، انها قدرة على الخلق والابداع، هذا هو سر الكلمة، ولنقل هذا هو السر في ان يكون الفرد منا اديبا او لايكون (.. فبزغت مشكاة إلهية، في سهوب النفس الحالكة، توسد الأخضر، فتوجع الربيع المنفي فيه).

  

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

.............................................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

......................................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1712 المصادف: 2011-05-14 13:36:56