تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (20)

s8خاص بالمثقف: الحلقة العشرون من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على اسئلة د. وسماء الأغا كما يجيب على اسئلة كل من الشاعر محمد زريويل والأديب سردار محمد سعيد.

 

أ. د. وسماء الأغا: رسامة تشكيلية / العراق

س174: أ. د. وسماء الأغا: ماذا يعني بالنسبة لابداعاتك الادبية والفنية انتماؤك الى منطقة حضارية موغلة في القدم (هي حضارة وادي الرافدين)؟

ج174: كانت بلاد ما بين النهرين من أولى المراكز الحضارية في العالم. و كانت الحاجة للدفاع عن الحياة، والزراعة والري، قد جعل سكان ما بين النهرين القدماء يسورون مدنهم و يمدون قنوات الري وشبكات الجداول والأنهر الصغيرة. و بعد سنة 6000 ق.م. ظهرت المستوطنات التي أصبحت مدناً في الألفية الرابعة ق.م. و أقدم هذه المستوطنات البشرية هناك (أريدو) وأوروك (وركاء)في الجنوب حيث أقيم بها معابد من الطوب الطيني و كانت مزينة بمشغولات معدنية و أحجار و أخترعت بها الكتابة السومرية، و كان السومريون مسؤولين عن الثقافة الأولى هناك. و التي انتشرت وامتدت شمالاً لأعالي الفرات. و(أوروك أو أورك أو أرك) هي مدينة سومرية تبعد عن مدينة أور 35 ميل. وتسمي: وركاء. ظهرت فيها حضارة ماقبل التاريخ، حيث كان يصنع بها الفخار غير الملون على الدولاب (عجلة الفخار) الذي اخترعوه أول مرة. كما صنعت الأوعية المعدنية. وكان خامس ملوكها جلجامش. وكانت مؤلا لعبادة (الإله أتو). وكان فيها معبد (أي أنا) الأبيض وهو عبارة عن مصطبة. واشتهرت بالأختام الغائرة. وكانت المدينة عاصمة لإقليم بابل السفلي. إلا أنها فقدت أهميتها بعد ظهور دولة أور فيها بقايا كما إخترعت بها الكتابة المسمارية وكانت عبارة عن صور بسيطة للأشياء على تجفف تحت الشمس أو تحرق. أتبع فيها الخط المسماري. وكانت هذه المخطوطات اللوحية ترجع لسنة 3500ق.م. وكانت هذه الكتابة قد سبقت ظهور الأبجدية بأكثر من 1500 سنة. وظلت سائدة حتي القرن الأول الميلادي. و ظهرت تلك الكتابات أولا في جنوب وادي الرافدين لدى السومريين. وكانت ملائمة لكتابة اللغة الأكادية التي يتحدث بها البابليون والآشوريون. و تم اختراع الكتابة التصويرية في بلاد ما بين النهرين قبل استخدام هيئات مستدقة النهايات تشبه المسمار حيث كانت تدون بالنقش علي ألواح من الطين. و تطورت الكتابة من استعمال الصور إلى استعمال الأنماط المنحوتة بالمسامير والتي تعرف بالكتابة المسمارية. وأول كتابة تم التعرف عليها هي الكتابة السومرية والتي لا تمت بصلة إلى أي لغة معاصرة. وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكدية، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين العربية والعبرية. وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين(الحيثيين) واللغة الفارسية القديمة، التي كانت تستعمل حتى نهاية القرن الأول الميلادي. وكان من بين أهم المدن السومرية التي نشأت وقتها: (أدب و ايزينوكيش ولارسا وأور ومدينة إيسن 2017 ـ 1026(ق.م)". وحظيت المدن العراقية القديمة تلك، باهتمام الباحثين في الآثار والتاريخ القديم. و تناولت قبل هذا، مدناً مهمة مثل بابل وآشور ونينوى: وعرضت الدور الحضاري لتلك المدن التي اتصفت حضاراتها بالخلق والإبداع بشكل شامل ولأكثر من عصر واحد. وإنها كانت مؤثرة بشكل واضح في الحضارات المجاورة.). هنا.. ولدت في بطن هذي الأرض المباركة حضاريا. وأما الحديث عن الكتابة وعن أول ادب انساني في التاريخ قد ظهر هنا في هذه الأرض التي باركها الانسان.. ففي زمن ما من الألفية الرابعة قبل الميلاد، ظهرت الحاجة الملحة في بلاد ما بين النهرين لتسجيل المعاملات التجارية المتشابكة الأطراف في مختلف المدائن، عندما لم تعد ذاكرة الصفوة الحاكمة كافية لرصد وتذكر هذه الأمور الحسابية التجارية، وعندما ألح هذا المطلب على عقول رجال الإدارة والتجار في سومر، شاعت بين القوم عبارات من قبيل "سوف أسجل هذا الأمر كتابة". ويؤمن الكاتب (أندرو روبنسون) بأن الكتابة ظهرت أول ما ظهرت كان في بلاد الرافدين، لكن في ضوء اكتشافات البروفيسور (جونتر دراير)- مدير المعهد الألماني- في منطقة أبيدوس في صعيد مصر، ظهرت الكتابة في مصر حوالي 3500-3400 ق.م، وفي بلاد سومر في عام 3300 ق.م،(دلت الاكتشافات الأثرية، أنه تم العثور على أشكال أقدم للكتابة السومرية قبل أربعة آلاف وخمسمائة عام ق.م وليس 3300 ق.م، كما كان يظن من قبل.)

وتم جمع الألواح الطينية التي دونت فوقها العلوم والمعارف وآداب الحضارة العراقية القديمة. وكان السومريون و البابليون والآشوريون بالعراق يصنعون من عجينة الصلصال (مسحوق الكاولين) ألواحهم الطينية الشهيرة التي كانوا يكتبون عليها بقطعة من الحجر أشبه بشكل المسمار أو بآلة مدببة من البوص بلغتهم السومرية. فيضغطون بها على وجه اللوح وهو لين طري.. بعدها تجفف تحت الشمس ثم تحرق هذه الألواح في كورة أشبه بكور الطابوق والفخاريات الشعبية الآن. وشاعت كثيرا في الأوساط الشعبية تنوع الأختام الشخصية والرسمية: حيث ظهراستخدام الأختام المنقوشة بتصميم بسيط منذ سنة 5000 ق.م. وكانت تطبع على الأبواب المخصصة لحيازة وحفظ السلع. وعلى الأكياس والسلال التي كانت تنقل بنهري دجلة والفرات. وفي عام 3500 ق.م. تم اختراع الختم الأسطواني ويظهر هذا الحجر الاخضر والذي طوله 3.9 سنتيمترا والذي يعود تاريخه إلى 2300 ق.م. وعليه الآلهة من ذكور وإناث وتم التعرف عليهم من خلال خوذاتهم ذوات القرون كالإلهة عشتار وإله الشمس شمش وإله الماء إنكي يتبعه وزيره.

كتب العلامة الكبير الأستاذ طه باقر في الترجمة الحرفية لنص الملحمة، (الترجمة التي شاركه فيها بشير فرنسيس الذي كان يعمل مديرا للتفتيش في المديرية العامة) (بوسعنا أن نسميها الأوديسة البابلية) من حيث إنها كالاوديسة الهومرية تخلد أقدم قصص الأبطال والبطولة وتزخر بالمادة الأسطورية والدينية).(4) إنها تزخر بالمادة الأسطورية والدينية، وهذا هو بيت القصيد وذلك على الرغم من أن خطاب طه باقر لا يريد أن يقيم لنا حدودا فاصلة بين الدين والأسطورة. على صعيد النص: يرقى تاريخ اكتشاف الملحمة إلى أواسط القرن الماضي، فقد عثر على القسم الأعظم من الملحمة في خزانة الكتب العائدة الى الإله (نبو) إله الحكمة والكتابة، في مكتبة قصر الملك الآشوري آشور بانيبال (668- 633ق.م) وقد عثر عليها فريق المنقبين الأوائل في خرائب نينوى في شمال العراق. ثانيا: يصفها الباحثون بين شوامخ الأدب العالمي. ثالثا: أقدم نوع من أدب الملاحم البطولي في تاريخ جميع الحضارات الذي يضم كلا من (أوستن ليرد) و(هرمز رسام) و(جورج سميث) وتوالت الكشوفات في مواقع أخرى.

إن نص ملحمة جلجامش، الذي هو أكثر من نص إذا أخذنا بتعريف الاثنولوجي الفرنسي كلود ليفي سترويس للنص الميثولوجي. وبوحداته التكوينية السمينة، هو رؤية للوجود الانساني وقلقه، وقد تمكن باقر من ترجمتها في كتاب يمكن وصفه على الطريقة الأدونيسية بأنه (أم الكتب القديمة)

فالملحمة في شكلها الناجز تظهر على أنها:

أولا: أحسن نموذج يمثل لنا أدب العراق القديم.       

ثانيا: يصفها الباحثون بين شوامخ الأدب العالمي.

ثالثا: أقدم نوع من أدب الملاحم البطولي في تاريخ جميع الحضارات

 

 قال العلامة الكبير الأستاذ الدكتور عبد الرضا علي وقوله شهادة نعتز بها ونفتخر: (لقد رافق هذا السامقُ جلجامشَ في رحلتهِ بحثاً عن الخلود، وشاركَ في دفع حصان طروادة بريشته، وصاحبَ عوليسَ في إبحاره، واستمع إلى شكسبير وهو يغنّي سونيتاته، وشارك الجواهري في حنينه إلى طين دجلته وفراته، وأنشد قصائد السيّاب في اغترابه، وغاص في أهوار العمارة والبصرة فاستخرج منها بعض اللآلئ، لكنّه لم يستأثر بها، إنّما وزّعها على المريدين من أخوان الصفا وصعاليك المجد، فكان يقسّمُ بينهم لوحاته التي رسمها بدمه، وكأنّه عروة الصعاليك حين كان يقسّم جسمه بين أصحابه:

وإنّي امرؤٌ عافي إنائيَ شركة ٌ

وأنتَ امرؤٌ عافي إنائكَ واحدُ

أقسّمُ جسمي في جسوم ٍ كثيرة ٍ

وأحسو قَراحَ الماءِ، والماءُ باردُ

 

لقد أغنى شوكت الربيعي حياتنا بالريشة والقلم، فهل نحنُ قادرون على أن نردَّ بعض ما له علينا من دَين الإغناء"

وهذا زاد وفير ونعمة فضيلة كبرى وطعام لي في رحلة الشتاء والصيف.

 

س175: أ. د. وسماء الأغا: هل كان للموروث الحضاري الرافديني تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة على نتاجاتك الفنية أو الادبية؟

ج175: الذاكرة منغمرة بأعماق التاريخ وفيوضه، ومن تفاصيل تلك الفيوض والينابيع، كانت جوهريات الموروث الحضاري الرافديني، وما لها من تأثيرات مباشرة و غير مباشرة على نتاجاتنا الفنية و الادبية.

كان أكثر الفنانين العراقيين تاثرا باسطورة جلجامش هو المبدع الدكتور ماهود أحمد وهو الذي رسم صورا توضيحية مهمة لكتاب الأستاذ الجليل طه باقر كما أنجز الكثير من رسومه الكرافيكية الرائعة في البومات عديدة عن ملحمة جلجامش منذ السبعينات ولحد عام 2010 حيث أنجز مجموعة جدديدة للحفر عن اسطورة جلجامش بالسود والبيض. وبحجوم 50 × 70 سم. وبالنسبة لي فقد اقمت معرضا شخصيا بعنوان أنال والمراة والتاريخ استوحيت خلال لوحاته معاناة المرأة السومرية والبابلية والاكدية والآشورية. وأقمت المعرض على قاعة خالد الجادر التابعة لكليريات الدكتور البغدادي.

 

س176: أ. د. وسماء الأغا: من هم الاشخاص الذين تأثر بهم شوكت الربيعي في انتاجاته الادبية؟

ج176: قرأت الكثير وتأملت مناهج من كتب في الفنون الزمانية والمكانية. وفي أدب النقد الفني التشكيلي، من العرب والافرنج. شرقا وغربا. ولكنني لم أجد نفسي منقادة الى منهج هذا الباحث أو ذلك الكاتب، الا في ما يتعلق بمنهجية الواقعية النقدية وتجربة (بليخانوف) التي تجاوزتها المرحلة الراهنة كثيرا، ولكننا نحاول تطويرها والحاقها بمستجدات الواقع القائم بكل تحولاته المنهجية المستحدثة ومفاهيمه الجمالية، في عالم دائب على التغيير. كان من بين أهم الخطوات نحو الفن الحديث في أوربا، ظهور تجربة الرسام الفرنسي (بول سيزان 1839-1906) الذي كان يعتمد تثبيت (لحظات خاطفة) من تفاعل العقل الواعي واللاواعي، في ومضات سطوح الاشياء المرئية وسطوعها وعتامتها، وبذلك تمكن ان يفصل (إدراكه الحسي) بالطبيعة، وماتفعله (وراء ذلك الحس) أي (إثارة التراكمات) المترسبة في العقل اللاواعي بعكس الفنان (مونيه) الذي اعتمد تأثيرات الضوء المباشرة وفعلها الفيزياوي على الحواس (شبكية العين بالحصر) في هذا الصراع بين ماترسله الحواس الى العقل الواعي، وماتثيره من (كوامن) في العقل الباطن في اعمال الفنانين بيكاسو(1881- 1973) وجورج براك (1879 - 1957) وظهور التكعبية، و(ماتيس1869-1954) واسلوب فليمنج و جماعة (الوحشيين) (أطلق الناقد لويس نوكسيل هذا الاسم عليهم عام 1905). كان هذا الاسلوب حسب ماعبر عنه (ماتيس) يعتمد (التعبير) أي اعتماد تفاعل (العقل اللاواعي) كما يحدث في بعض (الاحلام) مع العقل الواعي، ويقول، العمل الفني (فكري) أي اعتماد (الوعي) الذي يتضمن فعل (التنظيم) أي وضوح الصورة و (التعبير) أي نقاء الحس (فعل اللاوعي) (هربرت ريد/الموجز ص/32). "إن رسامي الشرق كـانوا من بين أفضل أولئك الـذين تمكنـوا من تحويل أنـاملهم إلى عدسات!". ولقـد أقـامت في المغرب وتونس والجزائر خلال القرن التاسع عشر نخبة من كبار المستشرقين والرسامين الغـربيين الـذين انبهـروا بثراء البيئـة الاجتماعيـة الإسلامية، وترك العديد منهم لوحات وأعمالا ناطقة تعبر عن انجذابهم إلى سحر هـذه البيئة وعمقهـا وأصالتها وثرائها بالتراث المتميز، وكان من أبرز هؤلاء "دولاكروا" و"فرومنتين"و "سكاسريو"و "إيتيان ديني" وغيرهم من الذين أضافوا لمعروضات المتاحف الوطنية للفنون الجميلة أعمالا رائعة. ولقد بلغ تأثر بعضهم بهذه البيئـة حد التمسك بالإقامة الدائمة هناك لتدريس الطريقة الغـربية في التعبير الانطباعي في المدارس الوطنية للفنون الجميلة بالعاصمة الجزائرية والتونسية والمغربية. ولقـد ذهب الرسام الفرنسي الشهير "إيتيان ديني" في تأثره بهذا التراث إلى حد إشهار إسلامه عام 1913 وسمى نفسـه "نـاصر الـدين"، ومـات عقب أدائه لفريضة الحج عام 1929 ودفن في مدينـة بوسعادة الجزائرية بعد أن أقام عدة معارض فنية في الجزائر وبـاريس أبرز من خـلالها عمق التراث الإسـلامي وأبعاده الحضارية والإنسانية.

ولعل السمة الأساسية في فنون أقطار المغرب العربي الإسلامي الحديث، التي تبرز جليا في معظم الأعمال المعروضة في المتاحف وبيوتات الفن - تكمن في أنها عبّرت بعمق من منابع الفن الإسلامي الأصيل الذي كتب له أن يتطور على نحو مثير للإعجـاب في دول المغرب الإسلامي كافة. وكانت فنون كتابة آيات القرآن الكريم بالخط العربي، المصبوبة في أطر من الزخارف الهندسية المتشابكة، إلى جـانب تصـوير المساجد والجوامع والأحياء الشعبيـة، تمثل المادة الرئيسـة التي تنـاولها الفنانون ببراعة وثـراء. ويمكن أن ينسب للفنانين الجزائريين فضل المساهمة البناءة في تطوير شكل الحرف العربي وأبعاد الهندسة الزخرفية بشكل مستمر خلال فترة متميزة دفعتهم فيها وطنيتهم إلى الإبداع أثناء سعيهم الدءوب للتعبير عن انتمائهم وهويتهم.

وكانت محصلـة هذه الجهود قد تمثلت بظهور فنانين من ذوي الاتجاهات الفنية المتميزة، أثروا الحركة الفنيـة بمجموعات مهمة من التحف التشكيلية. وقـد تكـون أبـرز سمات الفن الانطبـاعي هي تلك التي يتضح فيها الارتباط الوثيق والتناسق البنائي بين فن كتابة الخط وأبعاد الزخرفة الهندسية. ولعل من الخطأ التصور إن المدارس التشكيلية هي امتداد لنظيراتها المشرقية العربية أو الإسلامية، لأن المشاهد المتمعن في نتاجاتها سرعان ما يقع على تميزها الذي فـرضته ظروف المنطقة وإيحاءاتها ومدلولاتها. وعلى الرغم من التركيـز على الجانب الانتمائي في الفن التشكيلي فإن الفنانين لم يكـونوا متحجـرين وصادين عن التأثر بالمدارس الفنيـة الغربية وأساليبها في التعبير الانطباعي. ولقد سعى العديد منهم إلى توظيف هذا التزاوج بين المدرستين لتجـديد الدم الذي كـان يجري بحيوية في عروق الحركة الفنية المغاربية.. وضمن هـذه البيئة من التمسك بالأصل والتراث، والانفتاح المقنن على الغرب، ترعـرع العديد من الفنانين التشكيليين المغاربيين. وربما سيكون بحثنا في التنظير للفنون التشكيلية العربية والنقد الفني عنها، هو المفتاح الضروري لفهم تنظيرات فن المغرب الإسلامي وما فيه من لغة رمزية خاصة.). وهو المفتاح أيضا الوضوح محاولات النقد الفني التي واكبت مسيرة الفنون التشكيلية في مشرق الوطن العربي.

 

س177: أ. د. وسماء الأغا: لماذا عنونت أحد كتبك ب(طائر الشوف الاصفر)،ولماذا الاصفر؟

ولماذا لم يكن العنوان(طائر الشوق الازرق)؟بوصفه لون الماء وهو لون الاله انكي او ايا سيد المياه العذبة في الحضارة الرافدينية.

ج177: إن أساس التناغم الجمالي في إدراك ميزة فن التصويرالتعبيري يعتمد على عناصــــــر مثل اللون، الخط الشكل والفراغ، هذه العناصــــر تعطي نوعية خاصـــة مــــن "الانفعالات النفسية" حسب إستخدامها علــــــى سطح اللوحة، وعلى هذه الاســاس فالفـنان يخـتـار أشــكـاله الفنية بحرية تامة ليعبر مــن خلالها عـن الــرموز الخفـية وهــذه العناصـــر هي نوع من "الإعتناق". في أواخر القـرن التاسع عشر طورت نظريات وأفكــــــــار عديدة حول الفن البصري عن طريق العديد من المصــورين والنحاتين وعلماء النفس والشعراء وغيرهم وجاء العــالم النفساني " ثيودور ليبـــس" الذي عاش بين الفترة 1851 –1914 ليوسع مفهومه عن احدى النظريات القديمة والتي كانت مـهـجورة في ذلك الوقـت ألا وهـــي نظرية (التقمص العاطفي المتطابق") أقرب في معناها الى (التماهي)، وتعني دمج المرء نفسه في شخص أو جماعـة دمجا يـنـشأ عـنه ارتـبـاط عاطفي وثيق ". استطاع "ثيودور ليبس" من خلال "نظرياته في مجال علم النفس ان يـحـرك إلى الامام ويحســــن مسالة مفــهوم "الإدراك الحسي" عندالانسان. الفنان العراقي اليوم من خــلال لوحاته يؤكد وبقصد ابتعـــــاده الجــذرى والمتطرف، عن قواعد المدارس الفنية والفكرية لاوروبية التقليدية، لعله يقترب أكثر من الاعمال الفنية والفكرية لشعوب قديمة مثل الفن الافريقي وفنون الشرق القديم وغيرها. ويدافع بقوة عــن الفن والفـكر الفطـــــري المهجور، لـهذا السبب فـإن ألألـــوان والأشكال في لوحاته متحررة من المفهوم الإختباري، من خلال رسـم مواضيع بسيطة ومألوفة وتحويلها إلى مشاهد بصرية مغرية أي تحويل البسيط والمألوف إلى"الاسطورة" وقصد في أعماله الفنية: (سواء رسـم اللوحة أو الكتابة) الوصول الى مرحلة "الفهم" وليس الغرض منها "اللهو" أو " التسلية" لأن القصد من وجود "الفن" هو "التغيير". كان بحثه هو نوع من الكشف الدائم عن ذاتـــه وهذه العــمليــة تدفعه لأن يخــوض التـجــربة وفيها الكثير من زخم التعبير عن اغتراب إنســــان هذه العصر، (ربما بحكم ضغوط ما قراه وليس بحكم المعاناة الشخصية المفتعلة لدى البعض في أحيان كثيرة) إلا أنه يشعر بالاغتراب. كأنه أبعد أو قذف إلى فضـاء بعيد ومعزول ولايمكن التاكد من هذه الصفة إلا في شعره. وهي الميزة التي نتمنى أن تعطي أعمـــاله الفنية جمـــالا، كما في بعض قصائده، متماثلة بالأجواء النفسيــة " فرانز كافكا" هذه التجربة، قد تحمل نوعا من " فلسفة سرية" كانت مرتكنة في مرحلة الكمون الطفولية. هكذا أجدني ميالا للون الذي حمله طائر الشوف صاحب البصر الحادالذي يرى عن بعد 800م من مكان طيرانه فيهبط كالصاروخ بقوة انطلاقته نحو الأسماك في الأهوار وعرف عن ألوان ريشه، تميزه باللون الأصفر والأوكر ومشتقاتهما بدرجاتهما اللونية.

 

س178: أ. د. وسماء الأغا: ما أجمل اللحظات التي عاش بها المبدع الكبير شوكت الربيعي؟

ج178: أجمل اللحظات التي كنت أعيشها، هي تلك التي أنجز بعدها اللوحة الواحدة. أو تلك التي أصدر بعدها كتابا من كتبي في المطبعة. أو أنتهي بعدها من كتابة مقالة أو بحث أو دراسة. أو أنجز معرضا لأعمالي. وتلك اللحظات الساحرة التي ولد خلالها أطفالي رواء ورفاء وربى وكريم والحفيدات: رواء الصغيرة على أسم عمتها - وشيماء – وجيرالدين – آلاء - وآيات. ويهوين الرسم والموسيقا.

 

 س179: أ. د. وسماء الأغا: ما رأيك بالفن العراقي الآن، بوصفك ناقدا ومؤرخا للفن العراقي والعربي؟

ج179: "للاشياء مظهر وجــوهر". القشرة والنواة، القناع والحــقيقة. من خــــلال لمس القشرة لانستطيع تحديد نوعيــة النواة لذلك نحن نعيش المظهر الخارجي للاشياء بـدون أن نفهم الجوهر، المظـهر هو القناع الذي يعيق رؤيـــتنا للحقيقة" الحقيقة " كلمة غامضة ومكتنفة بالألغاز.. دائمــا تذكرني بمركــز الجاذبيـة. "الحقيقة" دائما في حالة الحركة وهي موجودة في مكان ما.). في هذا الاتجاه، يحاول البعض أن يتشبه بتجارب أولئك الكبار في أحلك فترات العالم دمارا وحروبا وفجائعية. لعله يعري الواقع الظاهري المعاش ويخلع القناع عنه ويفضح الجوانــــــب المزيفة منه ليصل الى الجوهر، وهو من خلال لوحاته ربما يسعى لرسم مواضيع صريحة في الموضوع وانفعالية في الشكل وبالعكس معه يمكن أن يحدث ذلك: الوجـوه والأجســــاد مشـوهـة تعزيزا للتعبير عن الشهـوة والـنزق والغضـب، بعض المواضـيع مثيرة ومروعة..وهي مواضـيع اشبعت دراسة في تعــبريتها، ورمزيتها، عن التعاســة الذاتية التي حققت في بعض جوانبها لوحات (ما بعد احتلال العراق). دون ذكر أحد من الفنانين بعينه، فالكل عانى وتشرد وتعذب وانكوى ولكن بدرجات متفاوتة ومختلفة من فنان لآخر. ومنهم على العكس، من انفتحت أمامهم مغاليق التجربة ليبدع في محاولات جديدة سيكون لها تأثيرها في مجمل مسيرة الفن العراقي الراهن في الظروف القائمة المعروفة لدى الجميع. الآن نحن نشهد صفحات جديدة منفصلة عما كانت سائدة في الفترة السابقة عدا التجارب الراسخة في الفن العراقي قبل الاحتلال. محمد غني وعيدان الشيخلي وعبد الرحيم الوكيل وليث فتاح وحمد سلطان وهيثم حسن في النحت وفي الرسم سعد الطائي ومحمد مهر دين وماهود أحمد ورافع الناصري، وابراهيم العبدلي وسعدي الكعبي وفاروق حسن وكامل حسين البصري وشداد عبد القهار وستار كاووش، ووسماء الأغا، على سبيل المثال لا الحصر. ولا يمكن أن نغفل ذكر التجارب السابقة بأبطالها وابداعاتهم عبر المسيرة الفنية التاسيسية نذكر منهم: البعض من الرواد الذين كانوا في مرحلة تحول دقيق في استلهام قضايا الظروف الاجتماعية والسياسية والبئية العراقية، وعكسوا قدرة الفنان الجوهرية في استيعاب التقنية والاستعارة والصياغة، تلك الروافد التي اغنت كثيرا الأعمال الفنية المنتجة، ومواضيعها. فهم ساهموا بترسيخ القيم الانسانية للحركة التشكيلية العراقية، امثال أكرم شكري وعطا صبري قاسم ناجي ومحمود عبد الكريم ومديحة عمر وعيسى حنا و وفائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي و وخالد الجادر وشاكر حسن آل سعيد وخالد الرحال وهاشم الخطاط وجميل حمودي ومحمد الحسني وكاظم حيدر ومحمود صبري ورسول علوان وفرج عبو ومحمد غني حكمت وعبد الرحمن الكيلاني واسماعيل فتاح ونوري الرواي وطارق مظلوم ونزار سليم ونزيهة سليم ونجيب يونس وغالب ناهي وغازي السعودي ومبران السعدي وخليل الورد و صالح القره غولي وعبد الجبار البنا وخلود سيف وغيرهم كثير من الاسماء التي استطاعت ان تؤسس وتخطو بثقة باتجاه تأصيل التجربة الفنية وايجاد علاقات جديدة بين المتلقين والفنانين، فضلا عن الهدف الاساس بخلق رؤية جمالية وابداعية، الى جانب تأصيل قواعد عمل الفنان المهنية وحرفياته المختلفة. ومنها أعضاء جماعة الرواد وجماعة الانطباعيين وجماعة بغداد للفن المعاصر: جواد سليم ولورنا سليم ومحمود صبري وجبرا ابراهيم جبرا ومحمد الحسني وشاكر حسن سعيد وبوغوص بابلانيان وجبرا ابراهيم جبرا ورسول علوان وعلي الشعلان ولورنا سليم وفاضل عباس ونزيهة سليم وفرج عبو وقحطان عوني (وكان رساماً ومعمارياً في نفس الوقت)، في حين عرض من النحاتين: جواد سليم خالد الرحال وخليل الورد، بينما كان كل من محمد غني حكمت وطارق مظلوم قد عرضا رسوماً ومنحوتات في آن واحد.

l18

 

 

محمد زريويل: شاعر وكاتب / المغرب

س180: محمد زريويل: الأستاذ الكبير شوكت الربيعي، أنتجتم كتابات عديدة حول الفن التشكيلي بصفة عامة واستنتجنا استجلاءكم للمقاصد و الغايات الجمالية والمعرفية والنظرية فيها، ومن ثم وقفنا على التركيب البناء والتحليل المركز، ترى كيف تعطون قيمة نقدية أكثر لكتاباتكم حول فـن التشكيل بصفة عامة؟

ج180: وهل ترى في كتاباتنا التي قرأتم جانبا منها، أو عنها، بحاجة الى قيمة نقدية أكثر؟ دون أن يقابلها قوة حجمية وكيانية قيمية كبيرة تجعل من الكتابة عنها أمرا يحتاج الى قيمة نقدية أكبر. كنا نتمنى ذلك في حضور اوبرالي تاريخي مهيب للحركات التشكيلية العربية المعاصرة المرتكزة الى رؤية وخصوصية وهوية متميزة بين تجارب الفنون الانسانية الأخرى. لنبدا من السطر الأول من الكلمة الأولى: أقرأ. ولكن التجارب الصعبة في ظل الظروف الحرجة، قد تمنح أحياناً فرص البحث عن صفات وشروط تقويمية للأثر الفني وتمهد الظروف لوضوح قيمتها الفنية، وتتيح لأولياتها الانطلاق في تجربة الخطأ والصواب، حتى تكون لنفسها تقاليد محلية (وطنية) في جوف التقاليد الأدبية السائدة. ومن هنا كانت محاولات بعض الفنانين المثقفين، أو المهتمين بالأدب، أن يغامروا في البدء وأن يخطوا خطواتهم الأولى في مجال نطلق عليه مجازاً "النقد الفني التشكيلي".. ذلك لأن مفرداته وأسسه ومنطلقاته، تظل في تأثيرها مرتبطةً برموز الأدب، ولكن بقيمة وأهمية جماليات الفن التشكيلي الى حد ما. وكان من المؤكد أنها بحاجة الى مقومات أساسية أخرى في نقد الجمال المعاصر، لكي تبلور رؤيتها النقدية.. ومن الصعب الوقوف أمام الأثر الفني ونقده دون امتلاك ثقافة معمقة بالتاريخ والاجتماع والاقتصاد والجغرافية والسياسة وبالعلوم الإنسانية والاركيلوجية والميثولوجية.

من هذه النقطة، كانت بداية ما أطلقنا على تسميته (النقد الفني التشكيلي الانطباعي) في الثلاثينات من القرن العشرين. وقد وجدت مثل هذه المحاولة ظروفها وبيئتها في مصر، بحكم انفتاحها على ثقافة الغرب قبل غيرها، ودخول (الطباعة والكتابة) إليها بفترة طويلة سبقت سواها من الأقطار العربية. كما ساهمت (الترجمة) بشكل جوهري بهذا المجال مع تحفظنا على الأهداف والمقاصد والأسباب التي وراء ذلك، منذ حملة (نابليون على مصر) واستمراراً بحملات الاستشراق في المغرب العربي.

إن ما ندعوه النقد الفني الذي نحن بصدد التحدث عن بدايته، هو كتابة آراء فنانين قبل كل شئ وكما هو الحال في المغرب العربي كله، وفي العراق وسورية ولبنان. فهو إذاً مرتبط على نحوٍ ما بجوهر بحث الفنان ذاته ومنطلقاته ومبادئه الخاصة. وقد يكون الناقد عندنا هو بالأساس فناناً، فهل في تجرده عن هذه الملاحظة، سيكون قد عثر على واحدة من مفرداته النقدية وحقق جانباً من موقفه السليم في تكوين عناصر العمل النقدي الإبداعي؟ وهل سيجلو عن الأثر الفني قيمته الجمالية ويوضح جوانبها الإبداعية؟..

 لقد أطلقت تسمية "أدب النقد الفني التشكيلي " منذ بواكير العقد السادس من القرن العشرين المنصرم على هذا النهج النقدي الجديد، في الكتابة عن أعمال فناني الواقعية النقدية وهي تعني أساليب التعبير المستحدثة في صياغة المقدرة النقدية المستولدة عن - معادل التجربة الفنية بأكملها موضوعيا. وأنت ربما قرأت عما يغيب صوت الشاعر الغنائي ويدفع بالقصيدة الغنائية باتجاه أشكال التعبير الموضوعي المعروف في الأجناس الأدبية غير الغنائية.

"بنية أدب النقد الفني التشكيلي" في عملية النقد الفني الكلية كالقصيدة الحداثوية، التي تقوم في الأساس على تمتين الروابط التقنية والتداخلات الزمنية أو الفكرية في العمل الفني، والاستعانة بمقدرة الخيال. وإقامة علاقات خيالية بين وحدات المعمار وأجزائه في الشكل العام للأثر الفني. ويشير الباحثون في النقد الفني إلى ذلك بمصطلحات عديدة كالتفكيك والتهشيم وعادة بناء الوحدات المجزأة في التصميم العام الذي يشير ويدل على طريقة قراءة التجربة، كبديل أفرزته حداثة الواقعية النقدية، عن سائر قيم ومباديء النقد منذ عام 1002 للفنان الناقد فازاري في ايطاليا. وذلك يشبه تفكك التسلسل المعروف في القصيدة الكلاسيكية، ويعلل البعض ظاهرة التفكيك هذه، بما يواجهه الشاعر و الفنان المحدث من ثقافة محطمة ومجزأة، دفعته إلى البحث عن مبادئ خيالية جديدة، وإشكالية فنية أكثر ملاءمة لعصر ديناميكي، ذي رؤية مستقبلية مفعمة بالحيوية وبتجدد الحياة..

وهكذا صارت معايير اللوحة الفنية كالعبارة الشعرية، مجموعة من الأرابيسكات، واقتربت لغة الشعر من تجريدات الرياضة والموسيقا، وأصبح على مشاهد العمل الفني أو قارئ الشعر أن يجد علاقات خيالية ممتعة بين جمل تتجاور في القصيدة بلا روابط أو تسلسل زمني أو سببي، وأصبح عمل الشاعر في قصيدة الحداثة هو "وضع شيء بجانب آخر" وأصبح للتجاوز هذا، تأثير مبدأ "هوبكنس" للقافية نفسه، الذي يقوم على المشابهة المتشابهة والمشابهة المتغايرة، والذي اعتمده ياكبسون في دراسته للشعر. وهكذا تتداخل وشائج بحثنا عن صورة للنقد الفني على صلة وثيقة بالبحث عن علاقات خيالية ممتعة، تسهم بتوضيح القيمة الفنية وغايتها وهدفها وقيمتها الجمالية. إن الناقد الفني الذي يؤبه به ليس بالأمر اليسير، وانما الانزلاق في النقد هو الأمر الهين ومما يضاف من صعوبة هذا النقد فيما يتعلق بالفن الحديث إن حضارتنا الراهنة لم تستطع أن تصنع لأنفسنا كوناً نطمئن إليه. وما نسميه بالطراز في الفنون السابقة، لم ينشاً إلا استناداً لكون معين.. لذلك فإن الفن الحديث وإن كان قد خلق تيارات عدة واتسم بلهجة تميزه.. "إلا انه لم يصل الى خلق طراز يحدد قوالبه".

 

س181: محمد زريويل: إلى أي حد تكون كتابات شوكت الربيعي وإنتاجاته قد ساهمت بشكل كبير في إرساء مشروع النقد التشكيلي العربي بصفة خاصة؟

ج181: في بدايات اهتماماتي بالكتابة عن التجارب الفنية في العراق، كنت قد بدأت أجرب محاولة نجاح او اخفاق توجهاتي النقدية، بنفسي.. بتجربتي. بمناقشة ما أراه صوابا عمن سواه. ولم أستعن باية مرقعة من مراقع الدراسات النقدية في الفنون التشكيلية، وبخاصة دراسات الجمال عند بن حيان التوحيدي والكتب المتعلقة بمعالجة " سيكولوجية الأسلوب"، الذي أشار إلى أن الشكل في الفنون التشكيلية يجب أن يكون مكانياً، أما الأدب الذي يستعمل اللغة المؤلفة من كلمات متتالية تتقدم عبر زمن ما... يجب أن يعتمد على شكل ما من التسلسل القصصي. لكن الناقد يرى أن أعمالاً أدبية كبيرة صدرت في القرن العشرين: (نشيد الكانتونات) لعزرا باوند و(الأرض والخراب) لأليوت، و(يولسيس) لجيمس جويس و(التخلص من الزمن الضائع) لمارسيل بروست، قلبت هذا المنظور، وصار الشعر الحديث في رأي فرانك" يتميز بشكل جمالي يعتمد على منطق مكاني، بحيث صار يتطلب من القارئ إعادة تنظيم كاملة لتفكيره، في اللغة التي باتت في القصيدة الحديثة -عاكسة- وأصبحت الرابطة بين المعاني فيها -أي في القصيدة الحديثة- لا تتم إلا بإدراك القارئ للمجموعات الكلامية في آن واحد من حيث المكان (ونحن عندما نقرؤها متتالية من حيث التسلسل الزمني فإنها لا تملك أي علاقة مفهومة بين بعضها والبعض الآخر). ويعيدنا الأمر إلى ما ذكرناه سابقاً من أن القصيدة الحديثة تعتمد على مجموعة من الجمل المتجاورة والتي تخلو من أدوات الربط وتكون بمجموعها كاللوحة في الفن التشكيلي، ومن الجدير بالذكر هنا أن النية الفضائية أو المكانية للقصيدة، والقائمة على التوازي، صارت مع جيرار هوبكنس وياكوبسون وتودوروف من المسلمات أو البديهيات المعروفة عبر تاريخ الفن وحتى اليوم. ابتداء من العصر الكلاسيكي لفن النحت والعمارة اليونانية، وعصر النهضة الإيطالي، ثم فن أوربا الغربية حتى نهاية القرن التاسع عشر، حاول الفنانون تمثيل العالم الموضوعي ذي الأبعاد الثلاثة وإعادة إنتاج عمليات الطبيعة وبضمنها الإنسان، بدقة محببة، أما في الفترات غير (الطبيعية) التي تتمثل بفنون الشعوب البدائية، والنحت الفرعوني، والفن الشرقي، والفن البيزنطي، والنحت القوطي، وفي القرن العشرين، فإن الفنان فيها ينبذ عالم الأبعاد الثلاثة ويعود إلى السطح المستوى، ثم يحول الطبيعة ومن ضمنها الإنسان إلى أشكال وخطوط هندسية وألوان مجردة...). إن الحديث في هذا الإطار يقودنا إلى التحدث عن " بليخانوف " (1873-1918) وبداهة وحقيقة ما كتبه في تفسير سبب الفن ودلالته. وهو أول كاتب روسي يطبق النهج الماركسي على دراسة علم الجمال وأصول الفن والأدب والنقد الأدبي. وفي محاولته إثبات عدم أحادية الاعتماد على الجانب الاقتصادي أكثر مما ينبغي. ويورد أقوالاً لماركس وانجلز بهذا الصدد. وهو بهذا إنما يحاول إثبات أن العناصر المختلفة في البناء الثقافي العلوي "تمارس أيضاً تأثيرها في مجرى الصراعات التاريخية وفي كثير من الحالات في تحديد شكلها" "توماس مونرو" في كتابه "التطور في الفنون".. يقول "بييردي بوادفرو": " الواقعية تعبر عن إرادة مجتمعٍ نامٍ في أن يحيا. أما الرمزية والتجريد، فهما (على النقيض من ذلك)، من خصائص مجتمع يفتقر إلى الثقة بالنفس ". ولقد كان المجتمع السوفيتي في أول عهده بالثورة بأمس الحاجة إلى اتخاذ مثل هذه المواقف التي تجسدت في الروح الجماعي والبطل الإيجابي في القصة والرواية والمسرح والرقص الشعبي والفنون التشكيلية. كما هي حاجتنا الماسة في الوطن العربي، ونحن في مرحلة التحول الاجتماعي والاقتصادي، إذ تبقى روح الواقعية المتجددة، المواكبة لحداثة العصر، إحدى النماذج الجيدة القادرة على التعبير عن آمال ومستقبل الأمة العربية.

ماذا وراء هذه القضية التي بحثتها من قبل؟. أجبت عن نفسي (لا بد لي) من إعادة النظر في الموقف مرة أخرى ومرات عديدة. صحيح أن ذلك العالم يؤجج في ذاتي بعض القيم الجمالية، ويعيد لي القدرة على رؤية الأشياء مجدداً بروعتها وجمالها ووضوحها وقيمها الحقيقية.. ولكنني أعود في النهاية مختضاً منهوكاً بهزات الحياة، ولن يفيدني هذا السفر المتوحد بالفناء.. وهكذا "تنعكس" أمامي مرة أخرى، القيم الاجتماعية وتتجلى بوضوح، تلك التصدعات الرهيبة من سوء التنظيم الاقتصادي والتناقض الطبقي الذي يسود العالم..

لا تزال العلاقات الاقتصادية منذ أمد بعيد، وستظل لأجيال عديدة، تحتل مكانة مهمة في التحولات الاجتماعية والثقافية والدينية والنفسية والفنية، لأي مجتمع من المجتمعات النامية، التي تحملت أعباء التجزئة والتخلف والتبعية السياسية للاحتكارات البترولية الدولية، وخاصةً، المجتمع العربي في أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية المريضة، وتقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ بين الدول الغربية ذات المصلحة.. صحيح أن لهذه العوامل تأثيرات في الفنون والثقافة عامة وفي فن التصوير خاصة، إلاّ أنها ليست العامل الأحادي الحاسم في الإنجاز الفني.. ومادام الفن، جزءً من عملية حركة الثقافة في البناء الحضاري، فأن تنظيم قيمته وأشكاله، يعتبر شرطاً مهماً في تشكيل التاريخ الشامل للمجتمع العربي. وتنسحب هذه الملاحظة على الشعر والقصة والرواية والمسرح والموسيقى وسائر النشاطات الإنسانية.

وحتى المقارنة بين الشعر والموسيقا وبين الأدب والفنون التشكيلية، قد غدت اتكاءات بالية قديمة، لأن أدب القرن الحادي والعشرين هجر شكله الزماني ليصير إلى الشكل المكاني، وكما أن بعد العمق (البعد الثالث) اختفى من فنون القرن العشرين التشكيلية و اضمحل أيضاً من التاريخ في تكوينه لمضمون الأعمال الفنية. ومن هنا نسعى الى ايجاد ارضية مادية تنبثق عن مكوناتها المعرفية قيمة روحية تنطلق بالشكال الكستولدة المستحدثة نح مصيرها المستقبلي ورؤياها لواقعية الشعرية.

 

س182: محمد زريويل: ألا يظن معي الأستاذ والفنان التشكيلي الكبير شوكت الربيعي أن ساحة النقد الفني التشكيلي العربي تشكو فراغا كبيرا؟

ج182: ما أكثرهم أولئك الذين يدعون أنهم نقدة فن لامعون متميزون. لو يسمعون بأكلة أو شربة بعمان أصبح جمعهم بعمان. وعندما تحين ساعة الجد والبحث والدراسة يختفون في كهوف التفاخر الأجوف، وكأنهم يغيبون في عاصفة رمل الربع الخالي. والنقاد الحقيقيون وحدهم الذين يعانون من "ليل المحبين الطويل."

 

س183: محمد زريويل: يتحول مع النقد ما كان لغة واصفة إلى لغة موصوفة، فكيف تتحول اللوحة من تحفة فنية إلى إنتاج قابل للنقد رغم أن جماليتها تعفيها من المساءلة النقدية؟

ج183: للعلم. نحن نضع هنا قاعدة منهجية، تقول: ان أي عمل فني لابد وأن يكون مسبوقا بشرط نقدية، كذلك فان أي كتابة نقدية ستكون مسبوقة بشروط جمالية تتعلق بقيم العمل الفني ووظيفته وغايته ومجال تأثيره في التجربة الشخصية اللاحقة، أو ربما في تجارب الأخرين..

إن استقراء ما كتب في تاريخ الفنون التشكيلية العربية المعاصرة، يؤكد هذه الحقيقة، كذلك في الشعر: وحسبنا أن نشير إلى أن معلقة امرئ القيس المؤلفة من قرابة ثمانين بيتاً. يتقاسمها السرد والوصف. ليكونا صوراً سردية، في الأبيات الثلاثة الباقية منها. وقد أورد الباحث الدكتور "جلال خياط" خبر القصيدة التي يرويها صاحب الجمهرة، والتي تنسب إلى الجن- ونعتها بأنها تصف حياة وقصة متكاملة ولكنها تتخذ الشعر الغنائي طريقاً لعرضها. ثم أضاف قائلاً: أن "أكثر المعلقات والقصائد الجاهلية لا تخلو من حادثة يقصها الشاعر ولكنها لا تستقطب حدثاً واحداً نامياً بصراع وحبكة وحوار". إن استخدام صيغة السرد في الشعر العربي القديم، كقصيدة "الأعشى" في الإشادة بوفاء "السموأل" والحوار المروي والمسرود في العديد من القصائد سيما قصائد "حاتم الطائي"، دفع بعض الباحثين إلى القول بوجود الملحمي في الشعر العربي القديم.، كما دفع البعض الآخر إلى معارضة الغنائية بـ"الفروسية" التي وجدوها في بعض المطولات في هذا الشعر لخلصوا إلى القول بوجود "الحبك" في الشعر الجاهلي، ويعود هذا الرأي في جذوره إلى "البستاني" الذي ترجم إلياذة هوميروس، والذي أكد في تقديمه لها أن الشعر العربي القديم عرف الشعر القصصي.) والتفت رواد قصيدة الحداثة صوب مذاهب ومدارس شعرية أخرى، كالواقعية والتصويرية. وهذا ما فعله أيضا التشكيليون بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى دخولهم الألفية الثالثة. واستكشاف قيم الشكل الجديدة في الفن الحديث.

 

سردار محمد سعيد: شاعر وكاتب عراقي / الهند

الفنان القدير شوكت الربيعي، تحياتي، ويسرني أن ألتقيك محاورا، واسمح لي أن اتوقف معك لمدة قد تطول آخذا من وقتك، غير أني أطمح في ردودك القيمة، و لا بد من شكر المثقف على مبادرته وشكري لك سلفا.

سأبدأ حواري بشكل غير مألوف، فأسألك عن الفانوس.

أقصد عندما كان الفانوس وسيلة الإضاءة المعروفة لدى البشر كانت هناك جهود حثيثة لتصنيع المولد والإستعاضة عن الفانوس والقنديل، أعني: بدء البشر يبحثون عن الجديد والمفيد والممتع للحياة وقد نجحوا. الفن ساير العقل البشري تطوره فظهر ما يسمى بالفن الحديث الذي بدأ يحس بالجديد حتى قبل ظهوره مثال ذلك مجموعة المرفوضين، وسؤالي:

 

س184: سردار محمد سعيد: كيف ترى مستقبل الفن في بلداننا ونحن لم نزل بعيدين عن مسايرة تطورات العقل البشري (لا أقصد الإستعمال بل التفاعل ولا أقصد النخبة بل الناس)؟

ج184: أحييك أخي الرائع الأستاذ سردار، وأشكرك جدا على اهدائك قطعة من كبدك، شعرا لمشافاة أوجاعي التي لاتلتئم. لابد من نشوء مركز رؤية حضارية متقدمة للأدب والفن والثقافة عامة، يجتمع فيها قطبا الأخلاقيات والجماليات ويتماهيان في بوتقة معرفية واحدة. من هنا نفتح نافذة على على مفردات موضوعك الحيوي الذي هو حائل منذ سنوات، وما زال ينهشه التخلف ويبدو للرائي، ثقبا في الجدار الصديء، يطل من خرمته الى الخارج فلا يرى سوى صحراء مديدة من البوار. وهكذا هو وصف واقع الفنون الراهنة في الوطن العربي، والناس لما تزل في التنائي المتباعد عن التفاعل بطبيعة العصر القائمة.

 

س185: سردار محمد سعيد: لا أريد أن أحل محل من كتب في الفن وضرورته وتاريخه فلست هربرت ريد أو أرنست فشر، ولكن هل تعتقد أن أولى ضرورات الفن هو المتعة؟

ج185: هو متعة وموقف يثير المتعة وهو قيمة جمالية تثير المتعة وهو صرخة بوجه الطغاة تثير متعة التصدي والمجابهة وهو مبدا الرأي الحر الذي يثير رغبة واليمالن بالحرية. الفن بهذا الوصف يعني الرؤية المستقبلية ويعني التغيير والتحولات الجذرية. فيكون كالمرأة وعاء للنسل والمتعة والأنسية والموقف المتحضر المتطور ويغدو اسلوب حياة.

 

س186: سردار محمد سعيد: ما الذي يجبر انسانا على شراء لوحة بآلاف الدولارات؟

ج186: قوة الفن وسحره وجماليته الكامنة، التي تقتحم حجب المادة الشهودية لتعبرعن قيمة وجدانية سامية مرتبطة بسمو الذائقة الفنية التي تدفع الانسان النموذج، الى شراء لوحة بآلاف الدولارات. وفي الوقت ذاته، هي رأسمال للمستقبل.

 

س187: سردار محمد سعيد: بيكاسو كان ملونا أكثر منه مفكرا وكان دالي مفكرا أكثر من كونه ملونا، فهل ترى اليوم لم يعد هناك مجال إلآ بمزج الإثنين معا؟

ج187: نعم هذا صحيح جدا.

 

س188: سردار محمد سعيد: هل ترى بعد محاولاتنا تجاوز مرحلة المولد الحراري إلى المولد الذي يعمل بالطاقة الذرية يقتضي أن يكون التشكيل موازيا لهذا التوجه؟

ج188: الفنون تسعى بشباب مبدعيها، أن تواكب هذه التحولات العلمية والتقنية، ولكن القواعد الساسية تبقى هي ركائز المنطلقات كافة حتى التكنو ذرية منها.

 

س189: سردار محمد سعيد:لكن بعض الأسس لا تزال قائمة مثلا لا يزال السريربعدد الأرجل نفسه، ولا زالت العجلة بحاجة لمحور لكي تدور، فكيف نعاير تشكيليا بالأسس الخالدة والجديد الذي يفوق الخيال؟

ج189: في الفن كان مسقط الرؤية قد تغير واختلف، فرجل الفضاء ينام حرا سائبا بلا جاذبية سوى انه مشدود أو مربوط الى جدار بحبل دقيق. وكل فلاح لا يرسمه الفنان الحديث ينام واقفا كما في لوحات شاجال ولا كما في لوحات بروجيل ولا في لوحات وسماء الأغا. والمحدثين الآن، وليس بأربعة أرجل أو أربع عجلات.

 

شكري لك على تجشمك عناء الرد وتقديري

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

..............................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

...........................

خاص بالمثقف

 الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011) 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1713 المصادف: 2011-05-15 13:00:09