تكريم القاص د. فرج ياسين

أصداء نصوص قاص الانعتاق والبوح الخفي / صالح هويدي

farajyaseen5هامش: لم يكن محض فرح ذلك الذي داخلني لحظة تسلمي الدعوة للمشاركة

في ملف  الكتابة عن القاص والصديق الجميل فرج ياسين، وأنا مقصي عنه وعن نتاجه ومنبت هواي وصباي منذ ما يقرب من عقدين من السنوات. لكنه الفرح الممزوج بحرج تقصير الذاكرة في ما تقوله من أصداء تلك القراءات، عن الوفاء بمكانة القاص. وهي في النهاية لن تخرج عن كونها شهادة أرجو أن تشفع لي في قلة زادها عن الاحتشاد له بقراءة تفيه حقه؛ قاصاً ذكياً وصوتاً سردياً مثابراً ، ومبدعاً واعياً برسالته، منحازاً للمقهورين، مُديناً جميع مظاهر العنف والتفرقة والإقصاء، بمختلف ألوانه وأزمنته، ومعبراً عن أفق انعتاق الإنسان؛ مبتغاه ومآله في كل ما كتب.

 

أصداء:

تتداخل في ذاكرتي المعطوبة تداعيات لقائي بالقاص فرج ياسين في الموصل(في أغلب الظن) أو في بغداد، إذ لم أكن التقيته وجهاً لوجه من قبل.

أذكر أنه بادرني بتواضع جم وحياء بالغ، ليشكرني عن قراءة لي لإحدى قصصه القصيرة المكتوبة في أثناء حربنا مع إيران. كانت قصة على غير عادة كثير من النصوص المجانية التي ظهرت في تلك المرحلة. لقد اشتغل عليها كاتبها بعناية بالغة وخبرة أدهشتني من قاص لم أقرأ له إلا لماماً. فقد كانت أشبه ما تكون بالصرخة المكتومة أو النص المفخخ، لكاتب مغامر، لم يعد يقوى على الصمت أكثر مما فعل. أما بالنسبة لي فكانت كدرّة الغواص الفرحِ بلُقيته.

ولا شك في أن هذا التوصيف للقصة لم يكن ليتضح منذ القراءة الأولى للقصة ولا للقارئ العادي. فلقد نجح القاص في إكساب نصه إمكانات البوح والإخفاء، متوسلاً بمحمول اللغة  تارة وقوة الإيحاء أخرى، وبطاقات الرمز والإيماض، للتعبير عن الوقوف في صف اللوعة وإدانة الامتهان والعذابات اللاإنسانية ، نشداناً لخلاص إنساني بدا مرهقاً ثقيلاً.

لقد أكسبتني القصة يومها نشوة الفوز بنص مبدع حاذق، لقاص أتقن فن اللعب على أفق توقع القارئ وممارسة فن المخاتلة. لكن هذه المتعة البالغة سرعان ما انقلبت إلى غصة بعد أن أدركت أنني في وضع لا أحسد عليه، إذ لا يمكنني أن أتحدث عن متعة القص فيها، ولا يمكنني أن أقتفي اشتغال القاص الخفي لأدل على جماليات التكنيك؛ لأن في ذلك كشفاً لأسرار اللعبة القصصية، وعلى النحو الذي أتجاوز فيه حدودي الإنسانية والفنية معاً.

من هنا فقد رحت أتبع استراتيجية القاص في الكشف والإرجاء، بطريق الومض والإيماء لما يمكن أن ينطوي عليه النص من إمكانات نجاح وثراء ووعود فنية.

ولقد أكدت لي السنوات القصيرة التي تلت كتابتي عن قصة القاص، قبيل مغادرتي العراق عام 1993 أن ما يميز فرج ياسين عن كثير من مجايليه أوضح من أن يغفل. فلقد امتلك القاص لغة دقيقة، برغم بساطتها ووضوحها، ولا سيما في نصوصه الواقعية المنحازة لبسطاء الناس والمهمشين.

أما قصصه التي تقترب فيها لغته من طاقة الشعر، فقد شهدت انضباطاً فنياً حال دون أن تفلت منه، لتتحول إلى مفردات النسق الشعري، لتفقد وظيفتها السردية.

ولعل من بين ما يمتلكه القاص من خبرات طيبة، قدرته على استبطان دواخل شخصياته القصصية وفهم دخائلها، في ضرب يقترب من حدود التماهي معها، ما يجعله ناجحاً في تحريكها ورسم سلوكها والتعبير عن لوعاتها وصبواتها وجنونها.

لقد نجح فرج ياسين في أن يجعل من الراوي شاهداً على مرحلة تتداعى أمام ناظريه، ليستنبط منها إمكانات الارتقاء بها إلى مستويات الأمثوله عبر الدم والرماد والعسف، ومن خلال الرموز التي شيدت أسطورتها الخاصة وعبرت عن الإصرار الغريب للإنسان العراقي في التمسك بحلمه، من دون أن يكف عن السعي المرهق الحثيث نحو خلاصه.

لقد أرخ فرج ياسين لثيمة الغياب، محتشداً بأساليب التداعي والنجوى الداخلية والانثيالات الجارحة والارتداد، والتنقل الرشيق عبر الأزمنة والأمكنة التي خلق منها معادلات رمزية ناجحة، لا فرق في ذلك أن تكون حيوات إنسانية أو جمادات أو حيوانات أليفة. 

ولعلي لا أنسى ذلك التوظيف الباذخ في إحدى قصص مجموعته القصصية(رماد الأقاويل) التي يشتغل فيها القاص بذكاء على لعبة الكشف والإخفاء بين طفل وأمه، التي تخفي عنه طويلاً موت أبيه في الحرب، ومسايرته لها حتى لحظة انغراس الإبرة في إصبعها وخروج الدم منه، ليجعل من نظرة الطفل إلى صورة الأب الغائب المعلقة التي جاءت في لحظة رؤيته نفسها، تعبيراً فنياً عما يدرك الابن ما حاق بأبيه من مصير جهد في إخفائه عن أمه، مسايرة لها وتعالياً على ألمه ومعاناته، بطريق المشهد البصري، في ضرب من ضروب التقنية السينمائية الناجحة.

 

خاص بالمثقف

.................................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2048 المصادف: 2012-04-14 05:32:20