تكريم القاص د. فرج ياسين

المثقف في حوار مفتوح مع القاص المبدع فرج ياسين (11)

hamodi alkenaniخاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة من الحوار المفتوح مع القاص المبدع فرج ياسين لمناسبة تكريمه، وفيها يجيب على اسئلة الأديب حمودي الكناني.

 

حمودي الكناني، قاص وشاعر / العراق

س110: حمودي الكناني: ليس من السهل الولوج إلى دواخل فرج ياسين الكاتب... أقول هذا وكأني أراه يفتح حقيّبة أوراقه بعدما يعود من عمله يضعها على الطاولة.. يفرك جبهته، يفتح النافذة ويبدأ النظر إلى الشارع الذي يقطع المدينة، مدينة أفكاره، فماذا يرى يا ترى؟

ج110: فرج ياسين: سرّني كثيراً هذا المدخل السردي، فهي طريقة مبتكرة لطرح الأسئلة، سوف تسجلّ باسمك يا عزيزي الكناني، أمّا ما الذي أراه؟ فهو العالم.. أراه عبر الأشياء الصغيرة المحيطة بي، أشجار الحديقة ومرح العصافير، لُعب الأحفاد المنشرة فوق بساط النجيل، وأراه في الباب الموارب وأضواء العربات المتخاطفة من حولي، وفي زعيق الجارة، ومرح الأطفال اللاهيين بالكرة في الساحة المربعة الفسيحة أمام منزلي، أراه في نداءات باعة الخضار المتجولين، وفي صدى أغنيّة يطوف صداها في الجوار ويقبل ليجترح له موطناً في دمي، أراه في مكبرات صوت الجامع القريب وهو يعلن وفاة أحدهم أو أحداهن، فتسارع روحي إلى احتضان اللوّعة الحارّقة، ثم أتذكر أن الحياة ما تزال تحيط بي... أرى العالم.. ألف مَرّة في اليوم بألف صورة وصورة، مّرات يتراءى لي في الوجود العياني ومرات أخرى ينبع من منطقة ما في كياني هي المساحة الحرام، التي لا سبيل لأحد إليها، والتي إليها أروغ حاملاً عدّتي وزوادتي، فأسن قلمي وأحضر رقاعي وأبدأ نتدببج ما شاهدته ووعيته واستبطنته مّما أبكاني وأفرحني أو مما خشيتُ أن تمّر اللحظة من دون أن يكون له صفحة في كتابي، إنني أرى العالم من خلال ثقب صغير، ثقب إبرة.

 

س111: حمودي الكناني: في خضم ازدحام الأفكار ولجّتها، وتزاحم شخوصها، ما هو المنطلق الذي يتخذه فرج ياسين لاختيار شخوصه ورسمها؟

ج111: فرج ياسين: لست من يختار شخصيات القصص، الشخصيّات توجد بقوّة حضورها الذاتي عند احتكاكها بذائقي واصطدامها بإرادة الخلق، ودعني أروي لك هذهِ الحكايّة، في عام 1988 التقيت صديقاً من الحلّة، وسألتهُ همساً عن زميل دراسة من أبناء عمومته، لم أسمع عنه شيئاً منذ افتراقنا بعد التخرّج في عام 1972، وقد هالني أن رأيت علامات الإحراج باديةً على وجهه، ثم أنه اكتفى بأن نفض كفّه في وجهي قائلاً (راح...) ثم أنصرف مسرعاً.

 لم يستغرق هذا المشهد سوى دقيقة واحدة، ولم تكن قبلها لذلك الصديق الغائب أية مزيّة لكي يكون موضوعاً لقصة أكتبها بعد تخطيط وتدقيق، كما أن القصّة حين ولدت بعد ذلك بأشهر، ليس لها أية صلة بتلك الواقعة مع أبن عمه، والقصّة لم تستجب للاستفزاز التي تثيره كلمة (راح) التي قيلت في أطار خوف وتحسّب وكتمان، إذ إن أول ما تبادر إلى ذهني أن زميل الدراسة ذاك ربما هو قتِل أو مسافر وإذا كان مسافراً فلا بد أنه سياسي وجد الفرصة للهرب وهو مطلوب الآن وأبن عمه لا يريد أن يتداول أخباره مع أحد.

 القصّة التي ولدت بعد ذلك لا علاقة لها بهذهِ الحكاية لا من حيث الشخوص ولا الزمن ولا الواقعة ولا المكان، ولكن تلك الدقيقة المصادفة كانت هي التي حرّضت على كتابة قصّة (شمس في الغبار).

 شخوص القصّة إذاً لا يتم اختيارهم اختياراً واعياً إنهم يولدون بطريقتهم الخاصة، أما الذين نلتقيهم ونتحدث معهم ونتأثر بمواقفهم وأساليب حياتهم فإنهم حتى إذا وجدوا في القصص على نحو ما فلا يعني هذا أنهم مُمَثلوَّن كما هم بل كما تقترحه إرادة الخلق في مختبر الأديب.. وأرجوك أن تقرأ هذهِ القصّة، في عالم النت الفسيح إن لم تكن بحوزتك مجموعة (واجهات برّاقة) لكي تكتشف بنفسك أن بطل القصة هو أنا. وأن الحكاية التي رويتها لك لم تكن سوى مرجعيّة نفسيّة لها.

 

س112: حمودي الكناني: ليس المهم أن نكتب إذا ما علمنا أن القلم أداة تمسك بها أصابع ثلاث، يوحي لها العقل فتحركه كيفما يشاء، ولكن المهم معرفة وجهة الكتابة، ولهذا أتساءل هنا، لمن يكتب القاص فرج ياسين؟

ج112: فرج ياسين: لو أن أحداً غيري قيل له أنت تنتمي إلى الواقعيّة الانتقادية، لغضب وأحتدّ وأعلن ضجره من هذهِ (التهمة) لأن المُنتظر أن يقال له أنت حداثي، تجرب آخر تعليقات السرد وتتماهى مع أروع التجريبيّن، وأنك غادرت المدارس البدائية التي كان أصحابها يوصفون بالسذاجة، والواقعية الانتقادية أوّلها.

 أنا وحدي أفتخر وأباهي بأنني كاتب واقعي، انتقادي بصورة ما، منطلقاً من أن كل كتابة هي انتقاديّة حتماً، فأنت لو لم تجد ما هو قاصرٌ أو مختلف أو غير قياسي أو معيب أو خارج على المألوف أو صادم، لما كتبت، وأنت لو لم تكن ساعّياً إلى الجمال والألفة والمحبة والسعادة فتجد قوّة وضعفاً وانحرافاً وتألقاً وكل تلك الثنائيات المؤلّفةِ للوعي الإنساني، لما دلوتَ بدلوك.. وأنت لو لامست أي شيء بالكتابة ستجد أن أول ما يتبادر إلى روعك قضية الكمال، وأنت تريد أن تجعل هذا الكمال قريناً للجمال في عملك الفني.

 أنا كاتب واقعي جعلت من الحياة الاجتماعية السائدة ميداناً لقصصي وشحذت وسائلي الأسلوبيّة لكي تواجه قضايا الفن القصصي وتغدو ملائمة للتغيرّات والفتوحات الجمالية في فن السرد من دون أن أنسى وظيفتي التي تنطلق من رسالة اجتماعيّة وتعبّر عنها.

 

س113: حمودي الكناني: بين الناقد والروائي والقاص والشاعر، بمعنى آخر بين الأديب والناقد نوع من عدم التواد أو الرضا، والأستاذ فرج ياسين يجمع بين الصفتين، فهل يا ترى تصالح فيك الناقد والأديب؟

ج113: فرج ياسين: قلت في مناسبات عدّة، أخرها عبر إجابتي على أحد أسئلة الأصدقاء في المثقف، وفي المقابلة التي أجرتها معي مجلة (إمضاء) المتخصصة في السرد، قلت (أنا معلم نقد في الجامعة ولستُ ناقداً) وعلى الرغم من الاعتراف الذي حظي بهما كتابي النقديين، وعدد قليل من البحوث والمقالات التي نشرتها في المجلاّت المحكمّة أو في المجلات والصحف العامّة إلا أنني ما زلتُ أقول ذلك. مع اعترافي بأن مثولي منذ أواسط التسعينيات في حومّة النقد الأكاديمي قد أزجّى فائدة كبرى لحساسيتي القصصيّة، إذ تعلمت الكثير، وجعلتُ أتخذ معايير علّمية حين التعامل مع نصوصي أو مع نصوص غيري من الأدباء، هذا بشأن الجمع بين الصفتين أما بشأن التصالح بين الصفتين فإنني أقيسه بالفائدة التي حصلت عليها من خلال هذهِ العلاقة الأمر الذي نوهتُ عنه قبل قليل.

 

س114: حمودي الكناني: شخوص القاص فرج ياسين رُسمت بدقة، واختيار ثيمات قصصه بصورة أدق، وكأنه يؤرشف قضايا اجتماعية هامّة بعينها، فهل نجح في مسعاه هذا، أم أنه حاول مجرد محاولة لرسم الدرب ووضع علامات دالة يسير على هداها الآخرون؟

ج114: فرج ياسين: ها أنّ سؤالك هذا ينسجم مع إجابتي على السؤال الثالث في هذهِ الجولة الاستبطانيّة، مع بعض التحفظ على الأرشفة ولو أنك قد أوردتها في سياق التشبيه. أمّا إذا أنصرف الأمر إلى قضيّة النجاح والفشل فهذا أمر منوط بالمتلقي وبالنقد، وفي كل الأحوال فإن ما نشرته من قصص قصيرة وقصيرة جداً على مدى ثلاثين عاماً كان محاولةً لاستغراق وجه الحياة الذي اقتنعتُ به وعاصرته واكتويتُ به وتعلمتُ منه، ومحاولة لاستغراق اشتراطات الفن والانسجام مع معطياته عبر خطوات التطور الكثيرة التي أثرت مسيرة هذا الفن، إذ نبع بعضها من صيرورة التجربة العراقيّة والعربيّة، ورُحّل الآخر من مواطن أخرى فحلّ في بيئاتنا الثقافيّة.

 

س115: حمودي الكناني: المجايلة أمر لا بد من الأخذ به شئنا أم أبينا، فإلى أي جيل ينتمي القاص فرج ياسين؟

ج115: فرج ياسين: أتفق معك على أن اتخاذ المجايلة وحدة قياسيّة في تصنيف طبقات الأدباء لا أقصد المفاضلة بات أمراً ضرورياً ولا بديل له، وهو يساعد على دراسة الحقب والمراحل على نحو ذي خصوصيّة منهجيّة لأنه امتداد للرؤية التاريخية التي تنهض عليها حصيلتنا من الثقافة الأدبيّة مذ كنا طلبة،في المدارس الابتدائية والثانوية وحتى في الجامعة.. أمّا الجيل الذي انتمي إليه، فإذا تم القياس على الحضور الفاعل على مستوى المشاركة والنشر، فأنا سبعيني في الشعر مع أنني من ناحيّة العمر انتمي إلى جيل الستينّات، وأنا سبعيني في القصّة لأنني بدأت نشر القصص في السنتين الأخيرتين من عقد السبعينات، لكنني ثمانيني أيضاً لأن أول مشاركة لي ضمن مجموعة من القصاصين بوصفنا نشكل جيلاً قصصياً واحداً كانت مع أسماء ظهرت في الثمانيّنيات وعلى صفحات مجلة الطليعة الأدبيّة.. إذ رضيتُ أن يشملني الملف ويقدم دراسة عن قصصي مع الزملاء وارد بدر السالم وفيصل عبد الحسن وغيرهم.

 

س116: حمودي الكناني: عن ماذا يُحدّث الأستاذ فرج ياسين طلاّبه بعيداً عن موضوعة الدرس، وهل وجد بينهم من يمتلك موهبة أدبيّة ما، ووجه له النضج وآخذ بيده للسير بثبات على هذا الدرب الطويل؟

ج116: فرج ياسين: لست من المدرسين الذين يخرقون قوانين التعلّم في الدرس، لكن بعض المواد المقررّة تجعلني أذهب إلى قضايا معرفيّة عامّة مستطرداً، إذ قد يحفّز الحديث عن شاعر معين شهيتي فأتحدث عن جيل ذلك الشاعر أو عن مرجعيات عصرهِ الثقافيّة، أو قد يُثير ذكر موضوع ما انفتاحاً على جزئيات أراها مفيدة لثقافة الطلاّب العامّة. وكثيراً ما عرّجت على مدارس الفن ومذاهبه وأعلامه حتى وأنا أدّرس الصفوف الأولى في المتوسطة. وفي حقبة التدريس تلك اكتشفت ورعيتُ عدداً من الطلبة تميز منهم من أصبح بعد ذلك شاعراً أو قاصاً أو باحثاً وعدد الذين حصلوا على الشهادات العليا من تلامذتي.. صار كبير اعتز بأن بعضهم يعمل في جامعة تكريت التي أعمل فيها الآن.

 وفي الجامعة عملت في كليّة التربية للبنات إذ صادفت عدداً من المواهب اللافتة، كُنت عوناً لها في التوجيه والتدريب والممارسة، وكان ذلك دأبي مع كل من يلجأ إليّ في هذا الشأن إذ أن أدباء المدينة في الأقل يعدونني مرجعهم في كل شؤون الإبداع الأدبي. وأحمد الله على ذلك..

 

س117: حمودي الكناني: سؤال مشاغب، روي لي والعهدة على الراوي الذي أخذ عليّ أغلظ الإيمان ألا أبوح باسمه، إن القاص فرج ياسين رجل (معشاق) أي يعشق شخوص قصصه، ولا أقول غير ذلك، فهل هذهِ الرواية لها سند صحيح؟

ج117: فرج ياسين: كم أسعدتني هذهِ الدعابة يا عزيزي المبدع الكناني، لكن السؤال تخلّى عن قوتّه الاستفزازيّة حين أنحرف مضمونه إلى العشق السياقي، فأنت بوصفك قاصاً تعشق شخوصك التي تكتب عنها، وقد قرأت عدداً من قصصك فوجدتك تُعنى برسمها وتمعن في معايشتها وتستقطر حالاتها، وكل ذلك فيما أرى يسمّى عشقاً. وهذا النوع من العشق يعد بوابة الإبداع، ومركز الأداء المتوازن، وكذلك يفعل القاصون والروائيون الذين نقرأ لهم ونعجب بأعمالهم أما صديقنا (الواشي الظريف) فأظنه كان يقصد عشقاً من نوع آخر، ولو لم يكن الأمر كذلك لما أضطر إلى القسم محذّراً إياك من عدم البوح باسمه مع أنه لو أتاح لك ذلك لما أنطوى الأمر على أهميّة ما.. فأنا وأنت وكل المبدعين ما عتمنا نردد في السر والعلن مع محي الدين بن عربي.

 (أدين بدين الحب أنّى توجهت

 ركابه فالحب ديني وايماني)

وألف شكر لك يا عزيزي. 

 

 

 

تابع موضوعك على الفيس بوك وفي تويتر المثقف

 

 

 

 

يمكن توجيه الاسئلة عبر الاميل الاتي

 

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

 

للاطلاع

 

المقف في حوار مفتوح مع القاص المبدع د. فرج ياسين

 

 

 

خاص بالمثقف

 

.................................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (عدد خاص لمناسبة تكريم القاص المبدع فرج ياسين اعتبارا من 14 / 4 / 2012)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2089 المصادف: 2012-05-25 15:16:20