سلس نجيب ياسين
رسل جمال
د. صادق السامرائي
وداد فرحان
ابراهيم مشارة
عدوية الهلالي
عبد العزيز كحيل
شاكر فريد حسن

رسالة إلى الشابي

أنبكي لأن زهور الحياة ...

عرائسَ دنيا الغزلْ...

nooradin samood

رسالة إلى الشابي / نورالدين صمود

 

عرفتـُكَ مُذ ْ كنتُ طفلَ المشاعرْ

رأيتكَ ملتهبَ الحسِّ ثائرْ

يلملع شعرُك، كالرَّعدِ، في وجه كلِّ الطُّغاة ْ

ويلمع كالنُّور فوق المَنائرْ...

يهدُّ جـدار الظلامْ

وأَسمعُ صوتكَ كالنسر فوقَ القممْ

ودبّتْ روائعُ شعركَ في كل حسّ

تدغدغ قلبَ المحبِّ الوَلوعْ

بأحلى أغاني الهوى والشبابْ

فخِـلتُـكَ قيسَ المُـعَـنَّى

بليلى ولُـبنَى

وتغمُرُ قلـبَ الكئيبِ الحزينْ

وتُغرقه في بحار الدُّموعْ

ونهرِ الأسَى والضبابْ

ودنْـيا العذابْ

وتقذفُ في مُـهَـج الثائرينْ...

هديرَ البراكين حين تثورْ

فخلتُكَ من جيل عنترةٍ إذ يُلبّي

نداءاتِ عبـس

ويهزمُ ذبيانَ إذ تعتدي

وخلتكَ نِدَّ أبي الطيب المتنبي

يُحرّكُ شَعْرُكَ قلبَ الجَمادْ

ويبعثُ عزْمَا ...

بسيف ابْن حِمدانَ يومَ الطِّـرادْ

فيَجري (الدُّمُستُقُ) منهزمًا مثلَ عبدٍ ذليلْ

(قَفاه، على هجمةِ الذُّلِّ والجبنِ، للوجه لائمْ)1

وفي قلبه حسرةٌ مُرَّةٌ..

على كلّ ما كان رَائمْ

***

أيا مَن تجاوزتَ بالشعر أكبرَ غايهْ

لقد عشتَ عُمْرَكَ بالعَرْضِ حتى النِّهايهْ

تُغني أغاني الحياةْ

فأصْغَتْ لِلَحْـنِكَ كلُّ الحياةْ

وذوَّبتَ فيها الفؤادْ

وأشعلتَ فيها الأناملَ مثلَ الشموعْ

وأغرقتَ كلَّ الصحائفِ في حالكاتِ المدادْ

وغَـسَّلْتَها بالدموعْ

وأغرقتَها في قرارةِ بحرِ الألمْ

وأنبتَّ فيها شَـذِيَّ الوُرُودْ

لأنكَ سـرٌّ تَغلغلَ فِـينَا

وجاوزْتَ كلَّ الحدودْ

وطارتْ أغانيكَ شرقا وغربَا

وأسكرْتَ، من خَمْرها، النَّاسَ عُجْما وعُرْبَا

وجاءَتْ رَوائعُ شعركَ من مشرق الأرضِ مثلَ الضِّيَا

فكانت بآذاننا مثلَ رجْع الصدَى

يجوز أعالي الجبال ... يُحلّق عبْر المدَى

ويَرجِع مغتسلا بالنَّدَى

يُرَجّعه الشرقُ للمغربِ

كوَحْي إله وصوت نبِيّ

وتمضي كآلهةِ الشعر فوق جناح أبولُّو

ومن شُرُفات سماء (الأُولمب) يُطلُّ

وكالنّورمن مطلع الشمس في الفجر حين يَهِلُّ

وكالسيف من غمده إذ يُسَلُّ

فحرّكتَ أعصابَ حِسّي

وألْهبتَ بالعزم كلَّ القلوبْ

وأجريتَ فيها دماء الظّفَرْ

بشعر يَهُزُّ فؤاد الحجرْ

ويجتَثُّ كل الجذوع بفأسِ

كعنترة إذ يُلَبّي

نداءاتِ عبسِ.

***

تموت الخيول الكريمة في حلبة السَّبْقِ ركضَا

وتطوي سنابكُها الأرضَ ومْضَا

وتُوشِك تسبق، في عدْوها، ظِلّها

وتقضي العِجافُ، أمامَ المحاريثِ، مَرْضَى

تُرَوّضها صَفَعَاتُ السِّياط، وكم شربتْ ذُلَّهَا

وتخشَى، إذا الْتفتَتْ، ظِلّها.

***

أيا شاعر الحزن والحبِّ والثورةِ اللاّهبهْ

وجدتَ ظلاما كثيفَا...

يُبرقعُ وجْهَ الوطنْ

وَجَدْتَ عدوّا لَدودَا...

يصبُّ على الشعبِ نارَ المِحَنْ

وجدتَ زهور الحياة ومنْبَعَ شعرِ الغزلْ...

تعيش وراء الجدارِ...

وراء الستارِ...

وراء الخمارِ...

وتقنع بالعيش عيشِ الجواري،

وجدتَ لشِعْـركَ ألفَ مجالْ

يُحسّ به كلُّ قلبِ

فحركتَ كلَّ المشاعرْ

وأنطقتَ كلَّ الحناجرْ

فناح الحزين... على حزنِهِ

وهام المُدلّهُ... في خدنِهِ

وثار السجين... على سجنِهِ

وردّد شعرَكَ كل الرجالْ...

وكلَّ النساءْ

وكلَّ الشبابْ

فشعركَ يختزلُ الحزنَ والحبَّ والثورةَ الثائرهْ

ويقضي على القوّة الجائرهْ

فقد كنتَ في عالَمِ الشعْرِ بحرا عُبابْ

ونحن تُرَى ما عسانا نقولْ

أنندبُ من عدمِ الحزنِ؟ من موتِ ليلٍ العذابْ

أنبكي على أنّ طيف المذلّة أضحَى سَـرابْ

ونبكي على أنّ صانعةَ الذَلِّ والظلمِ صارت يبابْ

أنبكي لأن زهور الحياة ...

عرائسَ دنيا الغزلْ...

ومَن كنَّ للشعر منبعَ وحيٍ يُرَوّي القلوبْ...

وآلهة للخيال الرحيبْ...

ملأنَ جميعَ الربوعْ

كزهر الربيعْ

وزيَّنَ كلَّ الرِّحابْ

فَيَنْبُتُ ورْدُ

إذا ضاع عطرٌ أو اهتزَّ نهدُ

ويبتسم الكون مثل الأملْ

تُرى ماعسانا نقولْ ؟

فهل نستعير من (الدّونكيشوتْ)2

سيوف الخشبْ

ونغزو طواحين ريح

يُصيرها الوهمُ خصما لدودْ

***

أيا وجَعَ الحرفِ إذ يُولدُ

به شُحنةٌ من عذاب المَخاض وعسْر الولادهْ

ويا حسرة السيف إذ يُغمَدُ

بكف الشهيد ويصدأُ في الغمد قبل الشهادهْ

ويا نخلة في السَّما تصعَدُ

وتحجب غابة نخلٍ...

كأنَّ عراجينَها في نحورِ الحسانِ قِلادهْ

ويا شمعة في الدُّجَى تُوقَدُ

تطارد بالنور جيشَ الظلامِ لتمحو سوادهْ

أيا خالد الشعر إنّ الرَّزايَا...

بدُنيا العروبة أضحتْ...

كغابة حزنٍ...كأمواج بحرِ

وقد كان خصم العروبةِ...

...مستعمرًا جائرَ الحكم غاشمْ

يقاومه الشعبُ بالنار تكوي

وبالشعر يوقظُ ماضي العزائمْ

فأصبح خصمُ العروبة أقربَ أبنائها

وقد جاوزوا، في مجال القطيعة، أكبرَ أعدائها

وفي كل يوم نحاول قربًا فنزداد بعدَا

وفي كل يوم نحاول وصلا فنشبع صدَّا

وفي غمرات القطيعةِ ضاعتْ بلادْ

وماتتْ عبادْ

وأضحتْ قصائدنا، في مجالِ الفَخارِ، حِدادْ.

 

-----------------------

1) ذكرى  ميلاد الشابي الـ 118 الذس توفي في 9 أكتوبر 1934.

2) إشارة إلى قول المتنبي في الدمستق قائد جيش الروم في حروبه مع سيف الدولة:

أفي كل يوم ذا الدمستقُ مقبلٌ       قفاه على الإقدام للوجه لائمُ ؟

3) دونكيشوت هو عند الأسبان دون كيخوته وهو بطل أسطوري ألف عنه الكاتب الأسباني سرفنتاس قصة خيالية فكاهية جعل فيها البطل يقاتل أعداء خياليين حتى رأى في طواحين الريح جيوشا.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4054 المصادف: 2017-10-11 11:32:58