المثقف - نصوص أدبية

هو وبرقيّات ملوّنة (3)

rajaa_bakryaهواجس: رجاء بكريّة

بقيت نصف جملة عالقة على سلالم قلبها. انفصلت أوتار الصّوت عن نبض الهواء المباشر.

فمها بقي مفتوحا بنصف شوق. هكذا تصادر الحمامات قطرات البَرَد الّتي تبقى على حافّة النّافذة،على غفلة، بمثل ما ذهب. تدوّرها حول مناقيرها ببطء ثمّ تخبِّئها في جيب سريّة خلف بؤبؤ العين. يحادثها الشّتاء أن تتوقّف عن احتجاز تلك الطابات الصّغيرة، لكنّها لا تسمع سوى أنفاس الرّجل الّذي فهم سرّ الحمامات وبدأ يلاحقها، ويحتجزها على أسلاك نافذته المثلجة. حيث هو يسحج الصّقيع والثّلج، لا مطر ولا شتاء مسالم. صقيع عاصف مثل قبلاته العنيفة، وشوقه السّامق. في أعلى مدينتهِ تقف قلعة شامخة هزمت المغول حين قرّروا سبيها. ابتسم حين فاجأته بفكرة السّبي، "القلاع لاتسبى،(قال لها، وخبّأ شاربيه بسيجار البلّوط الأسود) النساء الجميلات فقط يسبين"، "والرّجال المراوغين أمثالك تسبى أشواك ذقونهم بسهولة، كيف لم يفكّر هولاكو بالبحث عنك وسجنك، لقد أخطأ حين استثناك من أحلامه التوسّعيّة"، ردّت رغبته البريئة في التّعبير الكتابيِّ بغضب.

 بعد ذلك صمت طويلا، ثمّ قلب أعصابه ونبضات قلبه بمثل ما يفعل لورقة خربش عليها كلاما غير مقصود، ونفاها خلف عامود كهرباء معتم من الّتي تمتلىء بها شوارع مدينته ذات القلعة الشّامخة. عبر المسافة التّى تخترق أسواقا وشوارع وأرصفة، جبالا وأودية ومدنا جميلة وبشعة لا ترى سواها قلعته العالية وبردها القاتل. تعشق المنزلقات الخطرة والرّجال المغامرين ولقلعته حكاية، "حين قرّر المغول سبيها..، تلتفت إليه كي تسمع تعليقه، هُوَ يسكت منطويا على ابتسامة حيرى خلف عينيه، فتتابع، "فرّ النّاس من بيوتهم. تركوا مؤونة عامهم، حليهم وبذار حقولهم وتحصّنوا في القلعة. قاطعها، "مثلك كانت ولا تزال عصيّة على الإختراق، وعصيّة على العزل". تلفحه بنظرة حادّة، وترفع يدها كي تسكته، "ترك السّكّان  كلّ شيء كي يحتفظوا بتاريخهم. سلب المغول، ونهبوا ولم يبقوا بذرة  مكانها. كَنَسُوا حتّى الأرصفة من الغبار. حلُمُوا بحفر خندق صغير في طرف القلعة كي يعلنوه تذكارا للنّصر لكن حتّى هذه الحيلة لم تنطل على أناس القلعة، عبر الفتحات الصّغيرة سكبوا الزّيت المغلي والقار على رؤوس جيش هولاكو الجبّار". عند هذه الفاصلة تنتهي حكايتها، تلتفت إليه كي تذكّره، مثل حكاية شهرزاد تماما. يرفع حاجبيه مستنكرا، "وما علاقة شهرزادَكِ بهولاكو"

تبتسم له للمرّة الأولى منذ بدأ يقاطعها، "شهرزاد تحصّنت في ثوب عُرسِها، وبقيت تسكبُ أعراس حكايا في أذن شهريار ألف ليلة وليلة. تنتقل معه من بلد إلى سوق إلى رصيف إلى مغارة إلى مناضل إلى سارق، وترسله إلى الحلم في وسط الحكاية حتّى استولت على نعاس قلبه تماما. حين استيقظت النّشوة بين ساقيه بعد ألف ليلة، وفزّت الرّغبة بين عينيه تحت إسوارة العتمة قرّر أن يسبيها". داعبت شعرات ذقنه، وأعلنت، "تسبيني حرّة، تأخذني بسيف قبلة وخنجر زهرة. هكذا أخذها"

كم رجل أخذ امرأة بخنجر زهرة؟ لا أذكر تاريخ الأزهار في الكتب الّتي أعرفها، لكنّني دائما أراك آت من بعيد بباقة جميلة ذات سيقان قاسية كي لا تذبل سريعا، تضعها في آنية الزّهر. تداعبها برفق وتلتفَّتَ إلي، كان يمكن أن أحصل على زهر بسيقان طريّة، لكن الحقيقة خشيت أن تموت سريعا". فتنتَني، "كم من الرّجال يبحثون لنسائهم عن زهر كالّذي تأتي به إلي؟". داعبتَ أطرافها الحادّة، "عصفور الجنّة، أقصد زهرة عصفور الجنّة". سألتك بلهفة، "إذن لماذا لا أسمع زقزقاتها؟". "هذه العصافير يا حبيبتي وظيفتها أن تبقى صامتة. وظيفتها الطّبيعيّة أن تتأمّلك وتحبّك من بعيد" إنّها الطيور الغربية الّتي تعزف الصّمت، إنّها مثلي تعشق بصمت". هذه المرّة لم تجد ما تبثّه إلى قلبه، فجأة أصابها اختناق، ونزلت دمعة بحجم خرزة من عين واحدة، عينها اليسرى. مسحتها على عجل، وأخبرته أنّها ستموت من التشنّجات الّتي يحدثها كلامه، "ترفّق بشقاوتي لا تخنق منافذي إلى اللّعب، أنا امرأة تمتهن المراوغة بفنيّة ستخرجك عن طورك ذات يوم. أتركني لفضاءاتي ورتّب أنت الحقول الواسعة الخضراء الّتي تفصل جملك عن سياقها. تستهويني مراوغة الوقت الّذي يجمع رسائلنا وكلامنا ولقاءاتنا، وسفرنا اليوميّ إلى سبائك السّنابل والقمح". "لا يزال القمح أخضرا، لن أستطيع أن أصنع لكِ جدائل طويلة من ذهبه الأشقر". عاتبته، "أريد سبائك كستنائيّة، هل نسيت أنّني امرأة شتويّة؟". "لكنّ الكستناء يا حبيبتي مثل القمح يمتلىء بقلب سريّة، ولذلك افترضت أنّك ستقبلين قلب قمحة مكان قلب كستناءة".

ضحكت من أعماق سذاجته وانسحارها بمفرداته. إنّه لا يعرف اللّغة جيّدا ويقصف عمرها في السّطر الواحد ألف قصفة، ورغم ذلك يفاجئها دون توقّف بمفردات تدوّخ المخيّلة. من أين يأتي بأشكالها لا تعرف لكنّها تفهم جيّدا أنّها الجبال الّتي لا تتوقّف عن صبغ قممها بالأبيض تسوّغ لأصابعه وهي تنغمس بالحبر هذا اللّون السّاحر من العبث. إنّها تحبّ الآن أصابعه. ليس قلبه أو فكره أو زهره أو أخطاءه. تحبّ أصابعه وجباله والقلعة الّتي سكب من ثقوبها أناس المدينة الزّيت المغلي على رأس المغول كي يبقوا على ورق تاريخهم حيّا كالزّيت الّذي يرشح من أطراف أصابعه وهو يكتب إليها.

آخر مرّة اعترف لها أنّه اكتشف على غير توقّع أنّه نصف إله. قلّبت الفكرة في رأسها مليون وسبعمائة مرّة ولم يقنعها اكتشافه. فكتبت إليه محتجّة..

"دخيلَك يا نصف إله أعطني مبرّرا واحدا لهذا الإكتشاف. سأصدّقك في حالة واحدة أن تكون العرّافة الّتي تسكن القلعة هي من أوحى إليك بالنّبأ"

يوم وشبرين مرّا، كتب إليها بعدهما كأنّه نصف إله حقّا....

 

جنرال الخريف

"أنا جنرال الخريف، قبّعة رأسي غيوم، ونجوم كتفيّ أوراق غصون بلون الفضّة

أنا جنرال الخريف، سترتي نسيم هواء، وسيفي ساق زهرة متعفّنة.

إنتبهي جيّدا كتاباتُكِ على شكل ولون القلب هذه المرّة أيضا، ألا تلاحظين ذلك؟"

 

أطرقت قليلا وفهمت أنّها شطحات نصف الإله الجديد الّذي يعنيه. أرادت أن تخبره أنّها لا تستظرف سيقان الأزهار المتعفّنة، وأنّ السيوف الّتي يحملها جنرال يجب ألا يفتتّها السّوس في قلب المعركة. قبضت على عروق قلبها بمشابك مفرداته الحالمة وقرّرت أن تكتب إليه صفحات طويلة في لؤم المغول ومكرهم، ستخبره أنّهم أشدّ مكرا منها ومن شهرزاد الّتي يخاف حكاياها، وبأنّه لن يبقى جنرال خريف أو صيف إذا بقي يحرّك الورق الفضيّ الّذي يسحره لهذا الحد ببنصره. وأنّه وأنّه..لكن عليها أن تصمت الآن وتعترف بشكل الجنرال الّذي يخرج إليها من عمق الورق. هي لا تعرف أنّه يلبس قبّعة، وأنّ له نجوم من ورق فضيّة تلمع على كتفيه. وأنّ سترته بدون أقمشة أو خيطان، وأنّها ستؤدّي دور بنيلوب بصنّارة وهميّة حين يذهب إلى الحرب.  ستغزل له سترة من النّسيم الّذي يمرّ فوق سقيفة البيت، أو تحيل الدّمع الّذي ستذرفه على غيابه إلى خيطان هشّة تحيك منها سترة بلون الهواء لينفرط بسهولة فتلوكه من جديد، شأن تلك النّجمات الّتي صنعت من دمعها بساطا طائرا أعادها إلى السّماء"

 

بقيت تحت السّقيفة تنتظر نسيما يمرّ. أيّام ثلاثة نازعها الشّوق. عقارب جائعة أكلت سلاسل الوقت دون توقّف حول خصرها وعنقها الّذي يحبّه.

وفي ساعة متأخّرة من مساء ذلك اليوم خرجت شهرزاد من عباءتها وبدأت تهذي. رنّ هاتفها برقم نصف إله جاءها من الغيم. جاءها هو من إحدى نوافذ القلعة الّتي حلمت بأسوارها ليال طويلة كي يخبرها أنّه الرّجل الصّامت الأخير في العالم يتحدّث، وأنّه أضاف لسترته الحربيّة أزرار ذهبيّة بلون الفَراش الّذي يتطاير من كستناء شَعرِها الشّتوي. 

 

كاتبة وفنّانة تشكيليّة فلسطينيّة

حيفا

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1128  الاثنين 03/08/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1063 المصادف: 2009-08-03 13:48:04