المثقف - نصوص أدبية

تلك أيام خلت

alhbib erzayq جاء الليل وجاءت عمتي، وجاء أبناء عمتي، وجاء الظلام. وحده الظلام كان يُسدل غطاء على حيز المكان. فيحولني إلى مخلوق وثني.

عمتي مزهوة بدار أبيها، ترتدي أحلى حللها. لا تزورنا إلا لماما. مساء جميل. تُدخل عمتي علي كثيرا من السرور. حين مجيئها يستعيد البيت عافيته، بهجته، ويخرج عن رتابته.. تُصقل الصواني ويُنفض الفراش.. حنبل رث يعلق على سلك الدار، أو يُنشر ليشبع شمسا على الجدار..قطيفة حرة..طسْت يشعُّ بزينة النحاس الأصفر وفخره.. يتناثر الغبار في كل غرف البيت، تنثر العرائس ماء البئر وتكنس التراب، ينجرف التراب مع طول الأيام فيلحق أذى بأرضية البيت، تكنس العرائس روث البهائم وترميه في المرحاض.

البيت على غير عادته هذا المساء، وضوء "الكانكي"* يكشف عن زواياه المتحجبة، وصوته الرتيب يولد فيَّ من رتابته صخبا غريبا، موسيقى من نوع فريد، نتجمهر حوله - نحن الصغار- وننظر إلى وجوهنا في قاعدته البراقة، محدبة مثل مرآة، لكنها تعكس الوجوه. أفتح فمي فأبدو في شكل غول، أضحك من صورتي حين أراها. أقترب لأرى هذا المخلوق العجيب، هل كنتُه أنا؟ شكل قاعدته المحدب يجعلني كذلك..

يُطلب منا أن نرجع إلى الوراء. ثم لا نهتم، نرجع لحظة ثم نعود، نعود لنحملق في وجوهنا، كم كانت جميلة على تشوهها. وكم كنت أبرز شيطانتي وأنا أحاول بالكاد أن أرفع الكانكي على رأسي، ثقيل وفارع، ذلك المصباح الكبير! ينفخ في شخير..كلما أحسسنا منه وهنا طُلب من أحدنا أن يضيف له نفَسا. مضخة صغيرة. لكمات وتنتهي الحكاية ثم يعود إلى شباب نوره الوضاح.

المصرية صراخ باهر، مكتظة بالضجيج. خرير الشاي يلفت الفضول، شلال ذهبي أو كأنه هو، يُصب في سرب من أكواب ثم يُوزع.. منهم من يأخذ ومنهم من ينتظر. الحضور يتلمظ وحوحات هنا، وحوحات هناك. والشاي معبود الناس جميعا، جلسة بدونه ناقصة، وجوده يثري الحوار.

كثيرا ما تحس الضاوية بفراغ في رأسها فتتساءل ما الذي ينقصها فتتذكر أنه الشاي الذي فعل فعلته بها. ثم تقيم برادا تشربه لوحدها.! أو تنادي برا من يجالسها من نساء البلد. صناعتها للشاي فريدة بامتياز، تحط البراد قبل أن يأتي على فيضه ثم تقلبه مرارا ثم تتركه يستوي، ومن عمامته يبدو في شموخ شيخ عربي أصيل. ذلك الكأس..لا زيف فيه..اتركه يفتر قليلا لتتماسك أعصابه.

جلسنا كثيرا ننتظر جولة ثالثة لبراد مهمل على جمر باهت مخبوء تناثر عليه رماد أبيض يشبه زغب يمام. فتحتُه فوجدته يهدل. في داخله دوامة ثائرة في طريقها إلى الفوار، عندما غطيته سمعته يصطك ويرتج .احرسه ربما يفيض!

ولما فاض الإبريق من على جمره أحدث صوتا مفرحا.. نشوة نضج كل شيء! لا تضعه قبل أن ينضج ! لا تذهب لجلب الماء قبل أن يشتد عضدك لكل شيء أجل ! الخبز الذي تكويه الضاوية يمر عبر مراحل وتخطي مرحلة منه على حساب أخرى يفسد للخبز طعمه. لماذا إذن تلهث البشرية وتحرق مراحل عمرها في تسابق نحو اليأس.

أخي الصغير يفضل أن يشرب في كأسه الأخضر. وأنا لي كأس أحمر أفضله على جميع كؤوس الصينية وأفرد له مكانا خاصا لصونه. بقي لأعوام ثم تكسر. وعندما سألت عن أطرافه في البيت لم أجد لي جوابا، لذلك كلما تذكرت ذلك الكأس ثقلت علي همومي وأُصبت بحال من القنوط. ثم إذا رجعت إلى ذلك الركن الأصيل وجدتني أبكي لوحدي، أبكي على كأسي المفقود ولا من يسمعني. لأنني أخشى أن يسمعني أحد، لأن البكاء ليس من شيم الرجال! والرجال لا يبكون كما يشيع في كل مكان.

هكذا كنت أبكي بصمت. فتذكرت الضاوية وهي تبكي بجهرها على نقيضي، تستحضر الأموات وتشرع تبكي عليهم جميعا بداية من أمها وأخيها. ثم تنتهي بأبيها الذي تركها في هذه الدنيا وحيدة غريبة.. صراخ خنساوي يتعدد فيه وصف الموتى كل بمزيته. انهارتُ على ركبتي الصغيرتين وانسجمت مع بكائها أبكي في صمت فكأنني أنا الذي فقدت أهلي وأحبابي. وطاوعني بكاء رحيم، تستفزني من داخلي كل شكوة من شكواتها. الحزن الذي يجثم على صدرها تسرح اعتقاله بواسطة البكاء، ولا سبيل آخر لذلك، تمنيت لو بقيت تبكي طول النهار، بكاؤها يهيج ما بداخلي من أشجان، ويمنحني فرصة التعبير عن حالي بلسانها الفصيح. تصدح وتصدح ببكاء مليح، وحنجرتها الشجية تفعل بالبكاء كما لو كان تغريدة عصفور أو لغط طفل رضيع، فأنظر إلى حالها وقد أكتمل شوطها الأول ثم تعود لتبكي أمَّها بلحن شجي ومرعب ربما البكاء على الأم أقسى ما في البكاء.أو هكذا علمتني الضاوية.

وأنا أمشي على سطح ذلك المساء حافي القدمين- مسحت دموعي فانفرج ما بداخلي- كان القمر قد دنا في طلوعه بشكل كنت أتوهم صادقا الوصول إليه، بضع خطوات ليس إلا وها القمر. كبير كحجم الحلم. لكنه قريب. يختفي بين جريد، قريب جدا.. بضع خطوات لا أكثر..أتجاوز ظلال نخيل.. ثم ها القمر. في متناول يدي...صدقوني لم أكن أبالغ..ها هو صعد رويدا رويدا، نوره الوضاح يملأ السطح إلا بضع جدران. خياليٌّ شفاف هادئ مريح ونفَّاذ. ينفذ نوره بسهولة إلى وسْط العظام، ثم يستنشق نخاعها المسكون. ويجوس خلاياها المهووسة كالظل تماما أو هو أروح. يستنطقني هذا الوجه المليح.. بدر في تمام اكتماله..

وأنا لا أفقه لغة الطبيعة ولا لغط الطيور حين يعفر جناحيها التراب من سكرة الموت، وسيدي بسكين الذبح يسلها من غمدها ويجربها بالإبهام ماضيةً تقطع الشجر والحجر ثم يذبح حمامين فرخين صغيرين. أجفل وأنسجم مع سكرات الموت. وأتخيلُني عصفورا بريئا تحت سكين سيدي الذي لا يشفق على الطيور رغم حفظه لكتاب الله.

 

.........

الكانكي مصباح كبير يعمل بالنفط له شاش من حرير مزود بمضخة

 

الحبيب ارزيق

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2373   الثلاثاء  05 / 03 / 2013)

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (11)

This comment was minimized by the moderator on the site

استدعاء ايام خلت كانت تحفل بذكريات جميلة يزيح عن الصدر ما تراكم من غبار التعب ومشقات الايام .......... تحياتي للصديق الحبيب ارزيق

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الوفي الاستاذ المبدع حمودي الكناني مرورك قيمة مضافة أضفت على النص سحرا وألقا..دمت بهيا أيها الكريم..مودتي التي لا تنقضي

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي المبدع الحبيب ارزيق

نص بهي بالذاكرة والإسترجاع الحميم .
أبدعتَ أيها الرائع .
محبتي الدائمة .

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الشاعر والكاتب البهي الحبيب ارزيق ، أيها المبجل ، تتشابه عصورنا الطفولية حد تلمس الرائحة ذاتها التي تشيع من خلال الكلمات وشم عطر الموصوفات وكأنه مالتقطته عينا الطفل الحبيب هو ذاته الذي العطر الذي تشممه الطفل الذي هو أنا ، حصل لك ذلك في أرفود وحصل لي في الحلفاية جنوب العراق ، والغريب أنني وأنا أقرأ نصك الوصفي الكبير وطريقة سردك التي تشابه في تداعياتها تداعيات كثيب رملي في صحراء كبيرة إثر صفع الريح ، أيها المبجل ، لا يختلف اثنان على إن طفولة الإنسان تمثل الخزانة الهائلة للكتابة بعد تقدم العمر ، يمكن لأي شخص أن يتحدث ويحكي ولكن ليس كلما يُحكى يكون أدبا أو نصاً ناجحاً ، لقد أخفيت من خلال سردك الوصفي الباهر تلك الإشارات وراء الكلمات ليكون نصا سرديا جميلا يستلم إشارته ويتذوق طعمه القارئ من خلال تلك الشيفرات المدسوسة فيه إن أي نص سردي حكائي يخلو من تلك الشفرات لايعدو أبعد من مثابة حكي رغوي ، الخلاصة أجد أنك قد نجحت نجاحا ملفتا في حملنا على الرحيل مع وصفك الجميل إلى زمن السرد ، أرفود ، وربما تمبكتو وروائح الطوارق، شكرا لك مرة أخرى لقد أمتعني سردك دمت وأرفود بكل خيلر

This comment was minimized by the moderator on the site

اعتذاري لأخي الحبيب عن الهفوات الكتابية في تعليقي
مالتقطته= ما التقطته
تكرار( الذي) في بداية السطر الثالث
كلما= الصحيح كلُ ما

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل والمبدع الكبير سعد الصالحي في مرورك ما يذكي روح البهجة في دواخلي وأعماقي مودتي اللامحدودة

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي البهي ببهاء روحه النقية العفيفة المبدع الكبير عبد الفتاح الصديق الحميم كل ما ورد في تعليقك الجميل أفادني وأطربني سررت أيما سرور عندما أجد ذلك التناغم بين روحينا ..شكرا لك أستاذا وصديقا له الفضل الكبير علي بتوجيهاتك الكريمة..مودتي..وانثر اسمي في هواء العراق سلاما وتحية لكل اهل العراق

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ حبيب
ليتنا نزورك في بيتك البهيّ هذا فقد شوّقتني وأضاء روحي فانوسك المعلّق واشك بانه سينضب زيته ويبقى مضيئا مثل كتاباتك الجميلة

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الشاعر البهي جواد غلوم بيتي حضن دافيء لزورك الكريم..سأمد ذراعي واسعتين لأحضن الضيف الجميل ..مليون مرحى يا سيدي..مودتي التي لا تنقضي

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القديرالحبيب ارزيق. نص باذخ بالذكرى الفرق بين هذا النص والنصوص الاخرى المشبعة برائحة الطفولة والصبا هي حبكتك المتقنة وروح الشعرالذي ينساب انسياب المدمن .. لانك مدمن شعر هنيئا لك اخي ..تحياتي ومحبتي لك

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الكبير والصديق الحميم حسن البصام بحضورك القوي أكون قد تنفست فرحا وبهجة كيف لا وأنت المعلم المقتدر الذي تعلمنا منه الكثير في مجال الكتابة عموما والسرد على وجه الخصوص تحية ود وإخلاص لك أخي الطيب ولمرورك البهي الزكي الذي ترك أثرا محمودا على نفسي..مودتي الفارعة والتي لا تنتهي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2373 المصادف: 2013-03-05 16:42:06