ا. د. ضياء نافع
د. صادق السامرائي
محمد صالح الجبوري
شاكر فريد حسن
جيهان السنباطى

عُلبة الموسيقى

MM80 ما زلتُ أذكرُ ذلك اليومِ البعيدِ القريبِ عندما كنتُ طفلةً صغيرةً لا يتجاوزُ عُمرها العاشرة والنصفِ وقد أتممتُ وقتها شهادتي الإبتدائية وخرجتُ مع والدتي وابنة خالتي ووالدتها للتنزه بعد إنتهاء إمتحاناتي الدراسية فى إحدى الشوارع الحيوية النابضة فى قلبِ أطهر بقعةٍ على وجه الأرضِ . وقتها ركضتُ مع ابنة خالتي وكانت يدينا لا تنفصلُ عن بعضها البعضِ وكأننا روحاً واحدةً لا تعرفُ طريق الفراقِ ولا دروب الغربةِ والتغريبِ وفى أثناء ذلك اللهو العبثيِ الطفوليّ الزوايا عثرنا على متجرٍ لبيع التحف القديمةِ والقيّمةِ فى ذات الوقتِ أوكما نُسميها بالمصرية (الأنتيكات) فركضتُ مهرولةً نحو أمي وأمسكتُ بيدها وطلبتُ منها أن ندخلَ جميعاً لرؤية وإستكشاف المتجر. وبدأت رحلة كولومبوس الطفولية المنحى شكلاً والفلسفية الزوايا والأبعادِ عُمقاً. وقتها عثرتُ على عُلبةٍ موسيقيةٍ لفتت إنتباهي وكانت مستطيلة الزوايا وسوداء اللونِ ومنقوشٌ عليها من الخارجِ بعض الرسومات الجميلة لأقزام سنوهوايت يخوضون فى بحورِ الجليد الأبيض .أدرتُ المفتاح الخارجي للعُلبة وفتحتها فوجدتُ دُميةً على شكلِ راقصة بالية ترقصُ بشكلٍ دائريّ على أنغامِ الموسيقى التي أثرت فى نفسي عميقاً ولم أكن أعرفُ السبب الحقيقي لذلك التأثير وهل هو يرتبطُ بشخصِ راقصة البالية أم بالموسيقى الحزينة الملامحِ التي كانت تتهادى عليها؟. فكرتُ طويلاً وقلتُ فى نفسي أن هناك رابطاً عميقاً بيني وبين تلك الراقصة نتقاسمه سوياً فهي تبدو كالفراشةِ المرحة التي تتألقُ وتتفتحُ براعمها فى زهوعلى أنغامِ موسيقاها ولا يعبأُ من يراها بحقيقة أحزان ذلك القلبِ المحجوبِ خلف صدرها. ترقصُ كالملاكِ فى ثوبٍ أبيض اللونِ كالعروس رمزاً للنقاءِ ولا ندري شيئاً عن خبايا شجون عينيها. أمسكتُ بالعُلبة وركضتُ نحو والدتي وأخبرتها برغبتي فى شرائها فوافقت على الفورِ وعندها قررت ابنة خالتي أن تفعل كما فعلتُ فذهبت تبحث عن عُلبةٍ تُماثلُ عُلبتي شكلاً لكنها لم تجد إلى أن وفقت لشراء عُلبةً موسيقية على شكل بيانوصغير وشكلها فريد الرسمِ إلا أنها لم تلفت إنتباهي وقتها ولم أكن أعرفُ سبباً لذلك .خرجنا من المتجرِ فوجدتُ شُجيرةٍ لزهور عباد الشمسِ الصفراءِ فقطفتُ منها زهرتين وإحتفظتُ بهما فى حقيبتي الطفولية الصغيرة. عُدنا للبيت فى ذلك اليومِ الطويلِ وكنت حزينةٍ لسفر ابنة خالتي بعد يومينِ وهي من كانت تُمثل لي الأخت ورفيقة العُمرِ. وفى تلك اللحظةِ خطرت على رأسي فكرة وشرعتُ فى تنفيذها على الفورِ وهممتُ بالنداءِ على ابنة خالتي فجاءت على الفورِ وجلست أمامي وسألتني ما الأمر؟. قلتُ لها "حبيبتي أنتِ أختي وأنا أرغبُ فى قطع عهداً معكِ على أن نكونَ منذُ هذا اليومِ أختينِ لا أن نكونَ مجرد ابناء خالة وأن لا نفترقَ أبداً مهما كانت الظروفِ والأسبابِ فهل توافقينني الرأيَ؟". قالت لي ببراءة تلك الطفلة التي أحببتها وكانت أختاً لي " نعم أوافق وكيف لا ونحن أختينِ بالفعل". وفى تلك اللحظةِ ضممتها لصدري بعُمق ودفء الصيفِ وبكيتُ لفراقها طويلاً وإنسكبت إحدى دموعي الطفولية الأهدابِ على وريقات زهرة عباد الشمسِ الصفراءِ التي أمسكتها فى يدي وأعطيتُ ابنة خالتي وأختى التي طالما أحببتها وكانت تصغرني بثلاثة سنواتٍ الزهرة الثانية وطلبتُ منها أن نحتفظَ سوياً بالزهرتين وأن نُغلقَ عليهما العُلب الموسيقية التي قمنا بشرائها اليومِ وقلتُ لها أننا سنتخذَ منهما شاهداً ودليلاً على ذلك العهدِ الخالدِ بيننا فوافقت من دون ترددٍ. يومها أمضيتُ ليلتي أتأملُ جبال المدينة المقدسة وأضواء مصابيح المنازلِ التي تُعانقُ عيونها ليلاً وتُصافحُ النجومَ لترقصَ فى سيمفونية اللامدى برفقة الشُهبِ التي رأيتُ منها أثنينِ يسقطانِ بعيداً على إحدى سفوح الجبالِ الشاهقة القامة رمزاً والضاحكة المُحيا عنواناً فى رقصةٍ تنسدلُ أستارها كثوب رفيقتنا راقصة البالية. مضى يومانِ وسافرت ابنة خالتي وبقيتُ وحدي طويلاً ومرت الأيامِ إلى أن عادت ابنة خالتي لزيارتنا بعد عدة أشهرٍ ولم أكن أعرفُ أن تلك الزيارةِ ستحمل فى طياتها أعتاب نهاية قصتنا الطفولية ففى إحدى الأيام شب بيني وبين أختي شجاراً طفولياً حول إحدى روايات لهونا البرئِ وفوجئتُ بها تقولُ لي وهي شامخةً الرأسِ كالصقر الفائز بغنيمتهِ وقد كانت واقفةً أمامي ومُطبقةً على يد أخيها وابن خالتي فى نفس الوقتِ, "أتحسبين أننا قد غدونا إخوةً ؟ نحن مجرد ابناء خالة لا أكثر ولا أقل وسنظل غرباء الدمِ لا نعرفُ بعضنا بعضاً". وقتها تسربت الكلمات هرباً من أطرافِ لساني الصغير ووقفتُ عاجزةً أمامها لا أعرفُ ماذا أقولُ؟ لكني ركضتُ مسرعةً نحوعُلبتي الموسيقية وأمسكتُ بها وفتحتها لأمزقَ زهرة عباد الشمسِ البريئة العينين والتي عانت يومها من ويلات الوأدِ ولا ذنب لها سوى أنها كانت شاهداً على إتفاقٍ عبثيّ الأفاقِ. مرت الأيام ودارت دائرتها وعدنا لأحضان الوطنِ لكنا غدونا أطلالاً لا نعرفُ من أين تبدأُ دائرة رؤية زوايها .وشاءت الأقدار أن نعيشَ سوياً فى ذات المنزلِ الحزينِ فكان الطابق السُفليّ عنوان ابنة خالتي وأسرتها ومكثنا وأسرتي فى الطابق الذي يعلورايتها جسداً لصيق المرمى سكناً بعيد الروحِ دروباً لما بعد حدود وزوايا المسافات والأطوالِ والسنين الضوئية التي تفصلُ بين كوكبي الأرضِ والمريخِ!. عُدت وعادت وبقيت تلك النظرة الساخرة التي طالعتني بها فى يوم رحيل عهدنا كوكباً يُلازمها ويُلازمُ دروب لهجتها القارصة كالحنظلِ لتُتوجَ بحورِ ضحكتها الهازئة الأركانِ فى ديمومة حديثها إذا أمتثلتُ صدفةً فى حضرتها وتلاقينا من وراء حجاب عتبات الدارِ!. إنتهت دائرة حُلمي لتعودَ لجرة بدايتها على أعتاب ثوب راقصة البالية الحزينة ولتغرقَ أسفاري بعيداً فى خضم إطلالتي من بلكونة منزلنا العتيقِ بين عبق جنبات الليلِ. لكن أصداء معزوفات أنغامي السحرية اللونِ تبقى شامخةً لتُصافحَ أستار الحديقة المهجورة الأركانِ والغجرية الشعرِ فى بؤرة تلك الدمعة الطفولية الطرفِ.

 

نيفين ضياء الدين

القاهرة 19\8\2013

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

* ما زلتُ أذكرُ ذلك( اليومِ البعيدِ القريبِ) .
*لا يتجاوزُ عُمرها العاشرة و(النصفِ).
*وكانت (يدينا) لا تنفصلُ عن بعضها البعضِ وكأننا( روحاً واحدةً)...

اسمك جميل سيدتي..وعنوان نصكِ أجمل....
ولكنني أصابُ بإحباطٍ شديد..حين لا أظفر بنشوة إتمام نص جميل ..لزلاته وهناته............
رفقا باللغة ..لو تفادينا التشكيل ....لقضينا على نصف المشكل....
مودتي
وتقديري

This comment was minimized by the moderator on the site

مساء الخير و النور للأديب بو عبدالله فلاح

القصص المؤثرة تتشكل من نبض الحياة و الحياة لا تنتهي دروب حكاياها. أشكرك جزيل الشكر على هذة الكلمات العطرية وعلى هذا التقدير الكريم وأعتذرُ لوجود بعض الأخطاء فى التشكيل اللغوي .

شكراً على مروركم الكريم وعلى مودتكم الرائقة

تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

أين الظاهر ....له بتلات صفر كبتلات زهرة عباد الشمس التي حبستها في علبة راقصة الباليه...يتشكل كل شيء ببراءة الطفولة عهدا كان او اتفاقا ...لكن سرعان ما ينكشف كل شيء وتكون اطلاله مثيرة ومؤلمة ( حياتنا علبة تلك الموسيقى.... ارق المنى واعطر التحيات د. نيفين

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب صاحب الإطلالة المتألقة حمودي الكناني

تحياتي لتقديرك الكريم ولقلمك النابض الذي يلمس ألام النفوس البشرية فيتأثرُ بها و يعرفُ أوجاعها.

لك كل التحية وأشكرك على تقديرك لقصتي المتواضعة ونتمنى أن لا تغيب عنا و عن قرائك
مع خالص شكري و تقديري

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2542 المصادف: 2013-08-21 15:49:30