المثقف - نصوص أدبية

الجائزة

faysalsalem altalawyلا أدري لماذا يلقبونه عبد الله (الحافي)، مع أنني ما لمحته يوما يسير حافي القدمين مطلقا، رغم أنني أعرفه منذ طفولتي البعيدة، وأعرف أبناءه الذين لا أحصي لهم عدا. كل ما أعرفه ويعرفه غيري من أهل حارتنا أنهم أكثر بيوت الحارة عددا. لكنهم على كثرتهم أبهى أبناء الحارة منظرا، وأكثرهم أناقة وحسن هندام، وليس بينهم حافٍ واحد أبدا.

فبينما يعمل معظم رجال حارتنا حرفيين أجراء بالمياومة، أو عمال بناء أو باعة خضار وفواكه موسميين، يعمل أحدهم أياما ويتعطل عن العمل أياما أكثر منها، فإن عبد الله الحافي كان المحظوظ الوحيد من بينهم جميعا. فقد كان يعمل سائق شاحنة براد، تنقل الخضار والفواكه في رحلات منتظمة إلى دول الخليج، بحيث تستغرق الرحلة الواحدة قرابة أسبوع أو يزيد. يذهب بثلاجته محملة بالخضار والفواكه، ويتقاضى عن كل حمل أجرا مجزيا، وفوق ذلك فإنه لا يعدم وسيلة إضافية للكسب في رحلة العودة، بما يحمله من سلع كهربائية وتحف وعطور ولوازم نسائية وأجهزة خلوية، وغير ذلك من السلع الرائجة حسب الطلب، والتي يقل سعرها هناك كثيرا عن مثيلاتها هنا، هذا إذا وجد لها مثيلات هنا، ولم تكن مقلدة وغير أصلية. وهو بحكم خبرته الطويلة ذهابا وإيابا، ومعرفته الوثيقة برجال الجمارك ومأموري الجوازات، فإنه يعرف كيف يداريهم ويسترضيهم بالهدايا، وتلبية الطلبات في غُدوه ورواحه، فيغضوا الطرف عما يحمل في رحلة عودته، ولا يدققون في تفتيش ثلاجته، وما حوته من سلع مهربة، تتكفل زوجته بتسويقها لجاراتها ومعارفها خلال غيبته بين سفرة وأخرى. ولذلك فإن أبناءه على كثرتهم هم أكثر أبناء الحارة ترفا ولهوا وتباهيا بما أوتوا من نعيم مقيم.

ولبثوا على ذلك حينا من الدهر، حتى كان يوم أعلنت فيه إحدى الجمعيات الخيرية الدولية عن رغبتها في تقديم مساعدات مالية لأهل الحارة، نظرا لما يعانونه من ضيق ذات اليد، بغية معاونتهم في تدبير شؤون حياتهم، ومساعدتهم على تكاليف رعاية أبنائهم، كلٌ بحسب عدد أفراد أسرته، وارتأت أن تتوج تلك المساعدات بجائزة قيمة مقدارها خمسون ألف دولار، تمنح للأسرة التي لديها عشرة من الأبناء أوأكثر.

وراح أهل الحارة يتساءلون باحثين عن صاحب الحظ السعيد، الذي سيفوز بالجائزة دون غيره، وأخذوا يتفقدون بعضهم بعضا، ويحصون أبناء كل واحد من أهل الحارة عَدّا. أبناء فلان وفلان فإذا هم سبعة وثمانية فحسب، فقال أحدهم:

- أولاد عبد الله الحافي تسعة.

- وهل يستحق أبناء عبد الله الحافي مساعدة فوق ما هم فيه من نعيم، الأولى أن ينالها فقير لا يقدر على إعالة أبنائه.

- حقهم أن يشتركوا في المسابقة، فلم تشترط اللجنة المشرفة أن يكون الفائز غنيا أو فقيرا، اشترطت العدد فقط، وأن يكون من أبناء الحارة.

- وهم من أبناء الحارة الأقدمين، فلا يحق لأحد استبعادهم من المنافسة.

- لكنهم مع ذلك لم يصلوا إلى الرقم المطلوب وهو عشرة.

وبلغ الخبر عبد الله الحافي، وكان قد عاد لتوه من إحدى سفراته الخليجية محملا بالبضائع النفيسة المعدة للبيع كعادته، فأطرق طويلا يفكر في وسيلة تمكنه من الظفر بالجائزة، ما دام هو أقرب المرشحين لها، ولا ينقصه سوى ولد واحد لاستكمال الشرط المطلوب.

جلس على شرفة شقته، وأرسل نظره إلى الشقة المقابلة، حيث كانت جارته أم يحيى تداعب طفلها الوحيد، الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وحدث عبد الله الحافي نفسه:

- إن أمه لن تمانع في إعارتي إياه ساعة الإحصاء، خاصة لو وعدتها بنصيبها كاملا عُشر الجائزة، خمسة آلاف دولار كاملة. ثم إن أحدا لن يميزه، فهو أكثر شبها بي من باقي أبنائي.

- الله يخزيك يا شيطان! هو ابني أيضا، لكن كيف يمكن أن أفاتح زوجتي بالأمر؟ وكيف يمكن أن أعترف لها بما اقترفته بحقها من خيانة زوجية؟ وكيف سيكون رد فعلها؟ ربما تغادر البيت وتترك لي التسعة جميعهم. وكيف لي أن أتدبر شؤونهم، وأسهر على رعايتهم، وأنا مسافرمعظم وقتي؟

- لا يمكنني أن أخبرها بشيء، ولن أعرض نفسي للفضيحة، ولتذهب الجائزة إلى الجحيم.

- بل سأجرب أن أصارحها، وأعترف لها أنها غلطة، وأن جارتنا التي أمضت سنوات طوال بلا إنجاب، قد اقتحمت عليَّ الشقة ذات مساء أثناء غيابها والأولاد، بحجة أنها قد حضرت لتسدد لكِ ثمن مشترياتها، التي أوصت عليها من دبي في آخر سفرة، وعندما وجدتني وحدي هددتني بأن تفضحني، وتلم عليَّ الجيران وأهل الحارة جميعا، وتدعي أنني حاولت الاعتداء عليها، إن لم أستجب لرغبتها، فما وجدت سبيلا للتخلص من الفضيحة سوى الرضوخ لطلبها.

وفوق ذلك فأنا أعرف مقدار طمع زوجتي وحبها للمال. سأغريها بعشرة آلاف دولار، إن وافقت على إحضار الصبي، وإضافته إلى أبنائنا ساعة الإحصاء، ولن ينتبه لذلك أحد.

استجمعت قواي، واستحضرت كل شجاعتي دفعة واحدة، فقمت بإقفال نوافذ الشقة وبابها، خشية أن تصرخ زوجتي صرخة، تَلُمُّ فيها الجيران كلهم عليَّ لدى سماعها الخبر، وتوجهت إليها قائلا:

- زوجتي العزيزة: سأعترف لك بسر خطير، لكن عديني أن يكون رد فعلك هادئا دون ضجة أو صراخ يسمعه الجيران، وأنا مستعد للتكفير عن سوء فعلتي، وعن خطيئتي التي ارتكبتها بحقك بالطريقة التي ترضيك.

- ماذا فعلت؟ قل. هل قتلت قتيلا؟ ارتكبت جريمة وتريد أن تخفيها؟

- لو كان الأمر كذلك لهان عندي، وكنت سأدفع ثمنه الذي أستحقه وحدي، ولا أشركك في تبعاته، ليتني فعلت ذلك. لكنني فعلت ما هو أسوأ منه، تعديت عليك أنتِ.

- عليَّ انا! ماذا فعلت؟ قل.

- ليس قبل أن تعديني بتحمل وقع جريمتي بحقك، وأن تستري الأمر حتى لو لم تسامحيني.

- لا تقتلني وتفقدني أعصابي، لم أعد أطيق صبرا، قل كل شيء دفعة واحدة، وليس بالقطارة.

- أقول ما رأيك في يحيى ابن أم يحيى جارتنا؟

- ما به يحيى؟ وما دخل أمه في الموضوع؟

- أقول ماذا لو أحضرناه ليكمل العشرة، ونحصل على الجائزة، ولك منها عشرة آلاف دولار حلال زلال عليكِ.

- ولماذا يحيى؟ وهل ستتخلى لك أمه عن ابنها الوحيد، الذي انتظرته عشر سنوات؟

- نعم. تتخلى، هذه اتركيها لي.

- كيف أتركها لك؟ أفهمني. ألست أنا من سيذهب إليها لإقناعها؟

- بصراحة. يحيى هذا ابني.

- ابنك؟ مبروك! ولِمَ لمْ تخبرني من زمان أنك والد عيال الحارة؟ ومن غير يحيى من أبنائك؟

- لا أحد غيره، وكنت سأخبرك لكنني لم أجد الفرصة المناسبة. لقد كانت ساعة شيطانية، اقتحمت فيها المرأة الشقة عليَّ أثناء غيابكم، وهددتني بالفضيحة إن لم ألبِ رغبتها وكان ما كان.

ما أذهلني وأخرس لساني عن النطق أنها لم تصرخ ولم تضطرب، ولم يكن ردها عنيفا ولا مزلزلا مثلما توقعت، وأن كل مخاوفي وحساباتي لردة فعلها المدمر لم تكن في محلها، فقد راحت تساومني لتتثبت من ضمان حصتها من المبلغ قائلة:

- وهل ستدفع لي عشرة آلاف دولار فعلا؟

- أقسم على ذلك، وفوقها حبة مسك، فما تقولين؟

- موافقة.

- هل أذهب لإحضار الصبي؟

- اذهب. لنرَ إن كانت ستعطيك إياه.

وغادر عبد الله الحافي شقته والدنيا لا تسعه من الفرحة: أولا لأن الموقف مرَّ على خير، وأن زوجته قد كبَّرت عقلها، وتقبلته بقبول حسن، ولم تُحدث له فضيحة مدوية مثلما كان يتوقع، وثانيا لأنه ضمن الفوز بالجائزة. وسار محدثا نفسه:

- لن تنقص سوى خمسة آلاف دولار لأم يحيى، وعشرة آلاف لزوجتي، وسيبقى لي خمسة وثلاثون ألف دولار.

لم يغب طويلا عند جارته أم يحيى، ولم يجد صعوبة في إقناعها بالصفقة، لما بينهما من سابق مودة، ولِما أغراها به من نيل خمسة آلاف دولار.

أمسك بيد الصبي وعاد به إلى بيته، ولم ينس في طريقه أن يُعَرِّج على البقالة، ليشتري له ما لذ وطاب من أصناف الحلوى، يسترضيه بها، حتى يكمل مخططه وينال الجائزة.

وصل شقته هاشًا باشًا، ليقينه أنه قد ظفر بالجائزة دون منازع. ولقيته زوجته على باب الشقة مرحبة بِطَلَّتِه، فقال لها:

- أين الأولاد؟ جَمِّعيهم ريثما أذهب لإحضار لجنة الإحصاء، لتَعُدَّهم وتتأكد من أنهم عشرة، وأننا أولى الناس بالجائزة. فأجابته:

- الأولاد ليسوا هنا.

- وأين ذهبوا؟

- لقد حضر آباؤهم، وأخذ كل واحد منهم ابنه ليضمه إلى من عنده ساعة الإحصاء.

 

فيصل سليم التلاوي

23/2/2015

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
الله درك مااروع هذه القصة الجميلة المتهبة بنار التشويق والاثارة والمتعة , وبهذا الاسلوب السردي الخلاب في عطر لغته الجميلة بالامتاع الرائع في طرافته الحلوة , وفي اسلوب الكوميديا الساخرة , لقد فاقت الوصف والتعبير . وينطبق عليها المثل الشائع , طمعهم قتلهم , وهذه القصة حقاً تستحق جائزة الخمسين الف دولار , وليس عبدالله ( الحافي ) نايم ورجليه بالشمس

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3099 المصادف: 2015-03-01 11:37:42