المثقف - قضايا

مخاطر الاقتصاد الريعي وضرورة التحرر من أغلاله

بشار الزبيديلا يختلف اثنان في أن النفط يشكل لب الاقتصاد العراقي وهو المصدر الرئيسي لدخل الدولة القومي وعلى اعتباره من المصادر الطبيعية فيُعتبر عملياً (اقتصاد ريعي) ويُعرف هذا النوع من الاقتصاد بأنه نمط اقتصادي يعتمد على الموارد المعدنية مثل النفط والغاز والذهب وغيرها من مصادر الثروة الطبيعية وبمعنى أدق فإن اقتصاد الريع هو الاقتصاد الذي يعتمد على مصدر ثروة جاهز يُستخرج في العادة من باطن الأرض ولا يحتاج إلى ‏آليات إنتاجية وتستحوذ السلطة الحاكمة عليه وتحتكر بيعه وتقوم بتوزيع إيراداته على عكس نقيضه (الاقتصاد الإنتاجي) الذي يعتمد على ما ينتجه الإنسان وقد يأخذ الاقتصاد الريعي أشكالاً مختلفة فمثلا الدول التي تسيطر على ثروات دول أخرى هي أيضا دول ريعية وهناك من يرى مثلاً في الأردن دولة ذات اقتصاد ريعي لأن ميزانيتها المالية مبنية على الكثير من مساعدات الدول.

والرَيعُ لغوياً يعني النمو والزيادة وهو أول كل شيء وأفضله ويقال فلان رَيعَ تِجارتهُ أي أَنماها وزادَ فيها وحين يُقرن الريع مع الأرض فهو إشارة إلى خصوبتها وحسب معجم المعاني العربي فإن "الرِّيعُ"  «في الاقتصاد السياسي »  يعني: «الجزء الذي يؤدِيه المستأجر إلى المالك من غلّة الأرض مقابل استغلال قُواها الطبيعية التي لا تقبل الهلاك».

وفيما يخص تاريخ استخدام المصطلح يشير الكاتب والخبير  الاقتصادي العراقي أ.د. ذياب فهد الطائي في مقاله  له تحت عنوان (المظاهر السياسية للاقتصاد الريعي): أن أول من استعمل هذا المصطلح هو عالم الاقتصاد الاسكتلندي آدم سميث في كتابه (ثروة الأمم) ولكن الفيلسوف الألماني كارل ماركس هو أول من استعمله كنمط اقتصادي في كتابه (رأس المال).

ورغم أن هذا النوع من الاقتصاد يدر على الدول بمليارات الدولارات كما هو الحال في دول الخليج والعراق (ولذا الشائع والمعروف هو أن الدول ذات الاقتصاد الريعي دول غنية) ولكن في المقابل هذا الغنى لا يخصص لكل شرائح المجتمع بإنصاف لأن القسمة الناتجة عن الدخل القومي الريعي غير عادلة. كما يشكل هذا النمط الاقتصادي مخاطر جسيمة على الدول التي تعتمد عليه اعتماداً كبيراً ويمكن أن نصنف هذه المخاطر إلى نوعين: (مخاطر ملازمة ومصاحبة للاقتصاد الريعي) ( ومخاطر أخرى قابلة للحدوث في أي لحظة):

يؤدي هذا النوع من الاقتصاد إلى اعتماد الدولة شبه التام على ريع الموارد الطبيعية إلى شلل قطاعات كثيرة مما ينعكس سلباَ على المجتمع. ولذا أخطر ما يمكن ملاحظته في اقتصاد الريع هو تحول المجتمع إلى النمط الاستهلاكي واعتماده على الاستيراد الخارجي ومن جهة أخرى فإن اقتصاد الريع غير قادر على رفع الناتج ‏المحلي وهو أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم البطالة والكسل الاجتماعي. حيث يتحدد في قطاعات معينة لا يتوفر فيها فرص عمل كافية لمواطني الدولة مما يخلق حالة من عدم التوازن في المجتمع.

وبمعنى آخر يؤدي الاقتصاد الريعي إلى تعزيز ثقافة الإتكالية على حساب ثقافة العمل والتحدي وهذا ما يبدوا واضحاً اليوم في الدولة العراقية حيث الكل يطالب بالوظيفة والعمل ومحاسبة الفاسدين على إهدارهم للثروة النفطية ولكن في النهاية الواقع ذاته لا يتغير حيث من جهة ينعدم تنوع وتفرع القطاعات التي بإمكانها أن تستوعب حجم العاطلين عن العمل ومن جهة أخرى أن الثروة الريعية لا يتم توزيعها بعدالة فهي تخضع لسيطرة الحكام ولا يستفيد منها سوى حاشيتهم وهكذا يتم توزيع الريع وفقاً للقرب من السلطة ولهذا السبب مال الدولة محكوم للاحتكار.

ولا يخفى على أحد أن الثروات الطبيعية معرضة للمخاطر في أي وقت والخطورة تأتي من احتمالية نضوبها فيصاب عندها ‏الاقتصاد بالشلل التام.

أن دولة ريعية مثل العراق حيث قوة اقتصادها مرتبطة تماماً بالنفط تقف أمام  خطر خفي فماذا لو قل إنتاج النفط أو قلت حاجة العالم للنفط وأصبحت أسعاره زهيدة ؟ كيف ستتم معالجة هبوط الميزانية المالية للدولة؟ ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الاقتصاد الريعي اقتصاد هش معرض للانهيار في أي لحظة ويتأثر بأقل المتغيرات.

أن القاعدة التي يقف عليها الاقتصاد الريعي هي قاعدة رخوة محكومة للمتغيرات الخارجية والداخلية ولذا أي تغير يحدث في حركة التجارة العالمية سيلقي بتأثيراته على اقتصادات الدول الريعية لأنها لا تتمتع ببنية إنتاجية تعوض أي ركاكة وفجوة في قطاع الثروة المعدنية. فمثلا التجارة الخارجية للدولة العراقية والتي تعتمد على الاستيراد بشكل واضح ستتأثر في النهاية بأي خلل يصيب الاقتصاد الريعي كأن يكون هبوط أسعار النفط أو أسعار العملة التي يتم تداولها في عمليات بيع الثروات المعدنية.

بالإضافة إلى ذلك يُعتبر الاقتصاد الريعي سبب حقيقي ومنطقي للصراع السياسي وتبعاته فهو يخلق تنافساً حاداً بين أفراد السلطة للفوز بامتيازات الريع حتى يصل الأمر لعمليات تهريب غير مشروعة للثروة وهكذا ينتهي الأمر بتسلط الحكام على دخل الدولة ليتفشى الفساد والمحسوبية وحالة من اللاعدالة واللامساواة والسلطوية ويدخل المجتمع في حالة من اليأس والإحباط والعوز المفروض.

يرى بعض خبراء الاقتصاد ومنهم الدكتور ذياب فهد الطائي أن المجتمع الريعي يتسم بالضعف وسهل الانحلال كما أن السلطة الريعية بإمكانياتها المالية الهائلة تستطيع تسيير المجتمع مثلما تريد. وأن الدول الريعية تغلب عليها صفة المركزية وتنخر البيروقراطية فيها المؤسسات وتلقي بظلالها على الأداء الحكومي وتتقاطع هذه مع الديموقراطية بسبب سيطرة قوى فاسدة معينة على القرار الاقتصادي والسياسي للدولة. ويضيف الدكتور ذياب وبما معناه أن الدولة الريعية لا تهتم فيها السلطة الحاكمة بالتعليم كثيراً وأكثر ما يكون التعليم فيها فارغ المضمون ومشتت وأشبه ما يكون لسد فراغ ومثله التعليم الجامعي لأن الدولة ذات الاقتصاد الريعي لا تحتاج للمجتمع المتعلم إذ أن اقتصادها يعتمد على الثروة الريعية التي عادة تكون طبيعية ولا تحتاج إلى مهارات لاستخراجها أو إنتاجها وهكذا مع الاقتصاد الريعي لا يكون هناك مجتمعا صناعياً ولهذا السبب تنعدم القواعد العمالية فيه.

 ولهذه الأسباب وغيرها يُعتبر الاقتصاد الريعي حسب منظور بعض خبراء الاقتصاد عاملاً رئيسياً لفساد الحكومات وقمع الشعوب وعنصراً منتجاً للتداعيات الضاغطة على منظومة القيم الاجتماعية.

ويردف الدكتور ذياب بإن « ارتباط الاقتصاد الريعي سياسيا بالدول الرأسمالية الكبرى وتحويل الدولة الريعية الى تابع يدور في فلك تلك الدول ،ومن الواضح ان الهدف الذي تسعى اليه الدولة الريعية من استمرار العمل على تمتين علاقات التبعية مع الدول الكبرى يهدف الى ضمان حماية خارجية لبقائها في السلطة من اية توجهات عملية لتغيير نظام الحكم وتغيير التركيبة الاجتماعية ».

 وفي المحصلة هناك فرق كبير بين أن يكون المجتمع منتجاً وصلداً متماسكاً وبين أن يكون خائراً مصاباً بالكسل ينتظر عطف السلطة التي تهيمن على الثروات الطبيعية من دون أن تكترث لتحسين الوضع المعيشي لمواطني الدولة. ومن هذا المنطلق ارى أن نهضة العراق تتطلب التحرر من اقتصاد الريع والتوجه نحو تفعيل القطاعات الأخرى مثل الصناعة والزراعة وجعل أفراد المجتمع يجنون أموالهم بقوتهم وعرق جبينهم.

 أن الإقدام على هذا المشروع بالغ الأهمية فنحن نعيش في عالم سريع متقلب من شأنه أن يضعنا أمام مخاطر وتحديات عظيمة دون سابق إنذار وأن الفائدة الجلية من عدم الاعتماد بشكل أساسي على الاقتصاد الريعي هو تقليص أرقام البطالة المخيفة لدينا وتعزيز اقتصاد الدولة الإنتاجي.

أن الإفلات والتحرر من أغلال الاقتصاد الريعي يعني شيوع حالة من النشاط الاجتماعي كما يشجع الدول على الاستثمار في بلادنا مما ينعكس إيجاباً على الأوضاع المعيشية للعاملين في الداخل والمجتمع عامة. فعلى سبيل المثال ماذا لو يتم إعادة تأهيل مصانع النسيج في العراق فكم فرصة عمل سيوفر هذا المشروع؟ أو مثلا التوجه نحو الإصلاح الزراعي وتحقيق الاكتفاء الذاتي ولم لا التصدير.

أن بلد مثل العراق يتزايد فيه عدد السكان بشكل متسارع ويمتلك طاقات شبابية كثيرة بحاجة إلى فك عقدة ولعنة النفط التي لم نحصد منها سوى الخيبات والإخفاقات والتوجه لعقد اتفاقيات استثمارية سليمة وناضجة من شأنها أن تعيد التوازن الاقتصادي والمعيشي للوطن العراقي وتجعل المجتمع العراقي يعتمد على إنتاجه الذاتي وليس فقط على هبات وثروات الأرض التي قد تنقص وتنفذ يوما ما !

أن اعتماد العراق على مصدر واحد في الدخل القومي هو حجر عثرة في طريق النهضة والإصلاح وهذا الأمر سيشيع أنماط الاستهلاك الترفي أكثر وسيرفع بطبقة إلى أعلى المستويات ويرمي بأخرى في أدناها ويحد من عملية إضافة طاقات إنتاجية جديدة. ولذا بسبب فقر وضعف إنتاج الدولة ترتكز اليوم التداعيات الاجتماعية للثروات الطبيعية في العراق والدول النفطية بشكل أساسي على مستويات الترف والإنفاق الشخصي لأن الأشخاص لا يرون في وطنهم شيء آخر غير التعويل على الثروة الجاهزة واعتادوا على العيش بدون تحديات عمل حقيقية على عكس الدول الصناعية ذات الاقتصاد الإنتاجي.

 قد يكون هذا الطرح بسيط المضمون لكن بكل تأكيد قابل للتوسعة والنقاش وهناك خبراء اقتصاديين كُثر لهم رؤية رحبة بهذا الصدد وما كتبته سوى فكرة يستند جوهرها على الدعوة لدعم وتشغيل الاقتصاد الإنتاجي العراقي وتنويع مصادر الدخل وتسخيره للصالح العام من أجل النهوض بواقع بلادنا بالقدر الذي يمكن فيه السيطرة على إفرازات ورواسب الثروة الريعية على المستقبل الاقتصادي والمعيشي للمجمع العراقي والابتعاد خطوة عن التعويل على مصدر واحد للعيش بهدف الولوج إلى عصر النهضة الاقتصادية الدائمة القائمة على القدرة الإنتاجية وأن كان هذا الأمر بالغ  الصعوبة ويتطلب إصلاحا سياسياً شاملاً ونفوساً تحب الخير لوطنها وإرادة شعبية شجاعة مصحوبة برغبة التغيير تفرض نفسها وتضع السلطة أمام خيار (الإصلاح الشامل) لا غير !

 

بشار الزبيدي

أكاديمي عراقي / المانيا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4422 المصادف: 2018-10-14 02:04:10