المثقف - قضايا وأراء

التعدد اللغوي واللبس الدلالي وأثره على التعلم / عبد العزيز بلفقير

تقديم:أمام تداخل اللغات واللهجات، وتنوع الأنظمة اللغوية داخل المنطقة الواحدة، ظهر ما يسمى بالتعدد اللغوي

 ليصبح لزاما على مدرس اللغة معرفة ضمنية وصريحة بهذا التعدد، إذا ما أراد أن ينجح في مهمته، أو أن يقوم بوظيفته على أحسن وجه. غير أن هذا التعدد اللغوي وإن كان له فضل في إغناء اللغة ومساعدة المتعلم في عملية التعلم، فإنه قد يؤدي وفي كثير من الأحيان إلى اللبس الدلالي انطلاقا من التداخل بين الأنظمة اللغوية.

وعلى هذا الأساس، تبقى الاستفادة من هذا التنوع ضرورة ملحة وراهنة، بغية استغلال ما يوجد في الأنظمة اللغوية المختلفة من خصائص ومميزات وتوظيفها في تدريس اللغة المراد تعليمها. فأين يتجلى اللبس الدلالي للتعدد اللغوي؟ وكيف يمكننا أن نستغل هذه الظاهرة في تعليم وتعلم اللغات؟ ثم كيف نوظف هذه المعطيات في إطار ما يسمى بديدكتيك اللغات؟

العرض منظم على الشكل التالي: في البداية، نقدم تصورا عاما ومفهوميا عن مفهوم التعدد اللغوي وما يحويه من مفاهيم تتداخل معه. ونقدم بعد ذلك، إشكالية اللبس الدلالي الذي يحدثه التعدد، للننتقل إلى الحديث عن كيفية تجاوز المشكل انطلاقا من استغلال التعدد في العملية التعليمية_ التعلمية، وأخيرا الوصول إلى نتائج يمكن توظيفها في إطار ديدكتيك التعدد اللغوي.

 

نحو تحديد للمفهوم:

التعدد اللغويPurilinguisme :

يشير مفهوم التعدد اللغوي في الأدبيات اللسانية عامة إلى وضعيات تواصلية لغوية مختلفة، تختلف فيها اللغة المستعملة حسب الوضعية والسياق أو الحاجيات والغايات والأهداف، أي أننا نتحدث بأكثر من نظامين لغويين، وعلى هذا الأساس، نجد أن التعدد اللغوي يحتوي ما يسمى بالأحادية اللغة والثنائية اللغوية والازدواجية اللغوية، وهو ما يفرض علينا الوقوف عند كل واحد من هذه المفاهيم.

فالأحادية اللغوية يتم فيها غياب مستوى آخر من الأنظمة اللغوية، أي حضور مستوى واحد وأوحد، غير ان هذا يغيب بشكل أو بآخر، لأن كل لغات العالم تتميز بخاصية التعدد اللغوي، وإن كان هناك اختلاف واضح بين أنظمة اللغة وخصوصية كل دولة على حدى.

أما الثنائية اللغوية يمكن تحديدها بأنها " وضعية لغوية يتناوب فيها متكلمون من مجموعة لغوية ما على نظامين لغويين مختلفين "[1]، إذ نلاحظ أنها ظاهرة أكثر شيوعا في مجموعة من المجتمعات خصوصا العربية التي تتوفر على مجموعة من الأنظمة اللغوية.

وفيما يخص الازدواجية اللغوية (Diglossie)، فيقصد بها "تواجد نظامين أو نوعوين لغويين مختلفين في مجتمع ما تجمع بينهما أواصر قرابة وعلاقة نسب"[2]، وهي بهذا من الظواهر التي تفرض نفسها بحدة داخل المجتمعات بصفة عامة، بل إن معرفتها يعتبر من الأمور الضرورية لمعرفة إنتاج المتعلم من اللغة، ومن تم استغلالها في عملية التعلم. ونشير إلى أن ظاهرة الازدواجية اللغوية سمة تتميز بها كل اللغات ولا تقتصر على لغة معينة دون غيرها.

 

التعدد اللغوي وتباعد المعنى:

يغدو التعدد اللغوي أكثرا تعقيدا من حيت بنيته الداخلية، وهو ما يؤدي -بطبيعة الحال- إلى اللبس الدلالي لدى المتعلمين، وذلك ناتج حسب ما توصلنا إليه من نتائج من خصوصية كل كلمة وما تحمله من ثقافة محيطها وإن كانت مشتركة بين مجموعة من أقطار المعمور.

إن التغيرات التي تطرأ على المفردة في انتقالها من مكان إلى آخر قد يضفي عليها صبغة مغايرة تؤدي إلى اختلافها عن أصلها المنطلق، كما أن "إبدال الحروف وتغيير الحركات والحذف والإضافة والمزج والنحت يجعل التحريف يصل بالكلمة إلى حد يخفي معالم الأصل المنقول عنه. ومن هنا جاء وجود أكثر من متلفظ واحد للدلالة على مسمى واحد. وذلك لتعدد اللهجات العامية والمصادر التي تم النقل عنها. فأصبح لكل معنى من المعاني أو مسمى من المسميات عدة مصطلحات مما يزيد من صعوبة تحديد المعاني الفنية والتعابير والكتابة والنثر، إضافة إلى زيادة الغموض واللبس اللذين يلازمان هذه المصطلحات."[3]

يتضح لنا من هذا القول أن المفردة تعرف انتقالا وتحركا عبر النسق، مما قد يخلق لبسا دلاليا. ومن هذا المنطلق، فإن استعمال اللغات المختلفة داخل القسم من قبل الأستاذ قد يخلق هذا المشكل، خصوصا وإن كان من بيئة مختلفة عن بيئة عينة معينة من التلاميذ.

ونلاحظ كذلك أن كثيرا من الأساتذة لا يلتزمون باللغة الفصحى داخل القسم، أي أن استعمال المدرس للغته أو للهجته قد يظلم متعلمين لا يفهمونها، بل من الممكن أن يقيس عليها المتعلم نظامه اللغوي فيقع في سوء الفهم أو اللبس الدلالي.

وعلى هذا الأساس، يبقى توحيد المصطلحات أمر بالغ الأهمية، لما له من تأثير على تعلم المتعلم، فالتعدد يغني اللغة ولكن يجب الحذر منه عند استعمال الكلمات في سياق معين، فمثلا "ظاهرة الازدواجية في استخدام اللغة أمر على جانب كبير من الخطورة، لأن كثيرا من الخلافات وسوء الفهم بين الناس في الحياة الاجتماعية أو العملية مرده سوء التعبير أو الفهم"[4].

 

استغلال التعدد اللغوي في العملية التعليمية:

من الممكن جدا استعمال وتوظيف التعدد اللغوي في المنظومة التربوية التعليمية، شريطة مراعاة خصوصية المتعلمين وحمولتهم اللغوية والثقافية.

وتعتبر المقارنة والتداخل ميزتين أساسيتين لفهم التعالق القائم بين اللغات وتأثير كل نظام من هذه اللغات على الآخر، غير أن هذا لا يلغي الالتباس الذي قد تحدثه هذه العملية، فالمتعلم يعمل على نقل "بنية اللغة الأولى إلى اللغة الثانية فإذا كان هناك تشابه في بنى اللغتين فهذا يسهل عملية التعلم بينما إذا كان هناك اختلاف سيضطر المتلقي لتغيير عاداته اللغوية ويصبح الفرق والاختلاف مصدرين للخطأ والتداخل"[5].

وتتميز المقارنة التي يقوم بها المتعلم عند محاولته فهم نظام مختلف عما يعرفه عن لغته التي تعلمها وتكلمها منذ نعومة أظافره، بما يسمى معالجة المعطيات انطلاقا من توظيفه لإستراتيجيات معرفية يواجه فيها اللغة المتعلمة، وما مدى تشابه بعض من عناصر الأنظمة اللغوية مع اللغة المراد ضبط نظامها، بعدها يوظف استراتيجيات فوق معرفية يعرف بها ما مدى نجاحه في عملية التعلم، أو فشله في هذه العملية.

وعلى هذا الأساس، يبقى لزاما على مدرس اللغة كيفما كان نوعها الإلمام بالأنظمة اللغوية التي تتداخل مع اللغة التي نود تعليمها، كما يجب أن يعي أن عدم معرفته بهذه المعطيات يؤدي به في غالب الأحيان إلى الفشل في مهمته.

وهذا ما يبرز لنا فشل كثير من الإستراتيجيات التي توارب وتقارب تعليم اللغة، نظرا لإبعادها هذه الجوانب المهمة في اللغات، ونخص بالذكر عدم الاهتمام باللغة الأم بصفة عامة وباللهجات المحلية بصفة خاصة، لأنها تتوفر على عناصر أولية قد تفيد إلى حد كبير في تعليم اللغة بشكل جيد ومضبوط.

إذن، فاستغلال التشابه الموجود في الأنظمة اللغوية المختلفة يعتبر عتبة أساس، وأوليات مهمة في تعلم اللغة المراد تعليمها، خاصة وأن اللغة المتعلمة في بلد تكون في بعض الأحيان قريبة من اللغة الرسمية، وإن كان هناك تباعد بينها وبين ما هو موجود من لغات ولهجات مختلفة.

كذلك، فمعرفة النظام النحوي لهذه اللغات يسعفنا كثيرا في تدريس النحو لفئة مستهدفة، فإذا كان في لغة يعرفها المتعلم ويتحكم في نظامها، أن الفاعل والفعل يتطبقان يسهل على المتعلم فهم الظاهرة صياغة المتنى مثلا، انطلاقا من قيامه بعملية المقارنة والنقل، لكن إذا كان هناك اختلاف يصبح لزاما على المدرس ان يتلافى هذا التداخل، وذلك بشرحه القاعدة بضرب أمثلة على هذا الاختلاف من الدارجة إن اقتضى الأمر ذلك.

 

عبد العزيز بلفقير باحث في علوم التربية واللسانيات

 



[1]محمد الشيباني: اللغة والتواصل التربوي والثقافي، مقاربة نفسية وتربوية (مجموعة من الباحثين)، ص 113.

[2]نفسه.ص.111.

[3]تيسير الكيلاني: اللغة العربية الدارجة وعملية توحيد المصطلح مشاكل وحلول، اللسان العربي، ع. 54. ص.163.

[4]نفسه.ص 163.

[5]رقية دوشين: بعض العناصر الأولية للاكتساب اللغوي عند الطفل، تعليم وتعلم اللغة العربية والتعليم المتعدد، عبد القادر الفاسي الفهري، ج 1، ص.153. 2002.

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2311 الخميس 27 / 12 / 2012)

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال جدير بالقراءة

عبد العزيز المغرب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2305 المصادف: 2012-12-27 05:57:30