المثقف - قضايا

من أجل نبذ المهاترات الطائفية والأثنية مهما كانت طبيعتها .. الشرقُ يَشْحذُ السيوفَ ويُشَرْعِنُ وينشرُ التطرف والكراهية

hatef  janabiمن بين أهم سمات الحكماء في اللحظات المصيرية هو الحفاظ على التوازن الداخلي وتغليب العقل على المشاعر، حفاظا على اللياقة وشرف الضمير وتجنب إعطاء خسائر لا مبرر لها، ناهيكم عن تفويت الفرصة على الاستفادة من إذكاء الفتن المذهبية والعِرْقية، وعدم الانخراط عن طريق الفعل وردّ الفعل، في لعبة رُسِمَتْ للمنطقة من خارجها، ومن سوء الحظ أن منفذيها هم من الداخل، حكام وقادة ورجال دين ومُفْتون ومثقفون ووو، يقتاتون على أدوار وسيناريوهات مرسومة، حالما تنتهي خطة لأنها قد نُفّذتْ، أو لانتهاء صلاحيتها، تُسْتَلُّ أخرى، والأهداف واحدة، والأدوات متشابهة، لكنها من رحم المنطقة. إنها حرب علنية مرة وخفية أخرى، لكنها وسخةٌ وتنتمي إلى جيل حروب وخطط جديدة، في خضمها يجري دائما البحث عن منفذين- أدوات، فينشأ بين مُخَطّطِها والداعي إليها وبين الضحية وسيطٌ، على الأرجح جاهل ومغامر ومتخلف أو متصيد في الماء العكر. إنها صراعاتٌ وعمليات استنزافٍ تُنفذ في حلقاتٍ بالوكالة وهذه هي سُنّةُ الحروب الجديدة!

لا تحتاج منطقة الشرقِ الأوسط إلى مبررات لنشوب صراعات دموية جديدة، طالما أن تأجيج الفتن ليس أمرا صعبا، وله مرجعيات طائفية-مذهبية-أثنية، ووسائل إعلامٍ تقوم بترويج وتسويق ما يجرى الإعداد له منذ زمن، كي تقضي على التعايش التاريخي المعتاد بين أبناء المنطقة على اختلافهم وتنوعهم. لهذه الأسباب وسواها الكامنة في خسّة ودناءة وتخلف الدواعي المفترضة لنشوب أي صراع على الخلفية المشار إليها أعلاه، نقول: على العقلاء والمتنورين من الساسة ورجال الدين والمثقفين، الابتعاد قدر المستطاع عن لغة الثأر والمهاترات وصبّ الزيت على النار، وتجنبّ ردود الأفعال الغبية والطائشة، والتركيز على ما هو جوهري وإنساني ومشترك ما بين غالبية الناس.

في الشرق الذي شاءت الأقدارُ أن يتحمل الأبرياءُ والشرفاءُ والمتطلعون إلى أمام وِزْرَ كوْنِهم وُلدوا فيه، تجري منذ زمن تعبئة الدهماء (التحق بهم أيضا وما زال يلتحق نفرٌ من المثقفين وسماسرةِ السياسة والدين والعشيرة)، حيث تجري عملية غسيلِ أدمغة مما علق بها من حصافة الرأي وصحة الضمير(إن وجدت)، ويُصَارُ إلى شحذِ الهمم والعواطف الجياشة، وإعداد الرماح والفؤوس والسيوف والسكاكين والهراواتِ، وترميم الأسلحة الصدئة، واقتناء الجديد منها من أطراف دوليةٍ هي أساسا مَنْ يُحرك هذه الدمى البالية عن بعدـ ويُشجعها على زرع الكراهية والحقد الأعمى، للانقضاض على آخر ما بقى من شيء غير مثلوم أو مهدوم في المنطقة، على صعيد التاريخ والثقافة والوعي والعمارة. إعلامٌ مدفوع تافهٌ منغمسٌ منذ عشرات السنين في وأد المنطقة، وتسفيه الرأي الحصيف المكافح من أجل كرامة مواطني المنطقة، والتمادي في زرع الكراهية والتفرقة المذهبية والإثنية، وتأجيج الفتن، باسم الدين والطائفة والعرق، ولِمَ لا، وقد سبقتْ هؤلاء الخرفانَ الجهلة، سيدَتاهما أوروبا وأميركا بانغماسهما في مثل هذه الصراعات لقرون طويلة مضتْ، بحيث احترق الأخضرُ بسعر اليابس، وساد الظلمُ والظلامية والتوحشُ وعلا صوتُ الطائفة والدين والفاشية والفكر القومي الشوفيني والعنصرية التي راح ضحيتها مئات الملايين من الأرواح.

هذه المهزلةُ تجري على مسمع ومرأى الجميع، من خلال توظيف "الذات الإلهية" زورا وبهتانا، وهي من حيث المرجعية العقائدية ذات وجهين: وجهٌ يُمثل العصبية القبيلية والبداوة والتخلف والجمود الديني والفقهي وتراه متسلحا بهمجية وعدوانية ودعاية مأجورة وفتاوى فقهاء الظلام، ويدعو إلى زِيّ حياتي وعقائدي موحد على كافة الأصعدة. والآخر يبكي على موتاه منذ مئات السنين، ويجتهد في التفنن في أشكال وأساليب الندب، ولم يقدمْ حتى اللحظة بديلا عقلانيا ونظاما سياسيا متحضرا يمكنه أن يجمع حوله العقلاء والمسالمين والمعتدلين وذوي الضمائر الحية، ومَنْ يحلم بأنموذج سياسي-مدني- متحضر متسامح بمؤسساته وإدارته وطريقة تفكيره. الأولُ يُصَدّرُ الإرهابَ والتخلف ويُشوه سمعة المنطقة محليا وإقليميا وعالميا، والثاني يُشيعُ الخرافة. أكيدٌ، ثمة فروق واختلافاتٌ كبيرة فيما بين الوجهين لا يمكن أن تغيب عن بصيرة المراقبين والمتابعين للأحداث.

هناك أسئلة تدور في أذهان الكثيرين. من بينها، لماذا يا تُرى، لا يجري التركيز على فكر ونهج ورسالة وإنسانية الأشخاص الذين يناهضون الظلم والتخلف والطغيان ويدافعون عن حقوق الإنسان في المنطقة، بدلا من التحدث عنهم باسم هذه الطائفة والقومية أو تلك؟ إن التحدث طائفيا ومذهبيا أو أثنيا عن هذا الشخص أو ذاك أو هذا الإنجاز أو ذاك، إنما هو مسعى يُلحق الضرر الفادح بمن فعل خيرا أو ضحى بنفسه دفاعا عن الحق والإنصاف وكرامة بني البشر. وعليه فلابد من تكثيف الجهود والعقول لنبذ الممارسات والتصرفات والمهاترات الطائفية والأثنية مهما كانت طبيعتها. لأنها مَجلبةٌ للبؤس والنحس والتخلف، ولن تنفع أي طرف في شيء.

على العقلاء وأسوياؤ الناس أن ينظروا إلى أن الصراع في المنطقة ليس فقط على صعيد الإرهاب وخصومه، وهذا المذهب أوالقومية، وإنما هو صراع بين التحجر والبربرية وتغييب القيم المدنية والإنسانية من جهة والتحضر وصيانة دور العقل وكرامة الإنسان من جهة أخرى، صراع من أجل مصير ومستقبل المنطقة والأجيال المقبلة، ولابد للمنطقة من أن تُبنى على أساس التعددية المعتمدة على مبدأ التمدن والنظرة المستقبلية لا الماضوية، على العدالة والحرية والمساواة لا على نقيضها. لأنه لا يمكن أن تبتلع هذه الطائفة تلك الطائفة، ولا هذه الملة تلك الملة التي تخالفها في المعتقد والدين واللغة أو طريقة تأويل الأمور وتفسيرها.

على أن هذه الرماح والسيوف والأسلحة التي يرفعها مغامرون ومشبوهون ومرتزقة على الأكثر، وتشجعها قوى خفية وعلنية، إذا ما بقيت الأمورُ على حالها ونهجها، ستقود على الأغلب إلى التناطح والتبارز ثمة المواجهة الماحقة، وحينئذ ستدخل المنطقة في بحر من الدماء، والدمار الشامل، لتعود القهقرى إلى أحضان الجاهلية الأولى، وهي قاب قوسين أو أدنى من هذا التوصيف، وسيتفتت ما لم يتفتتْ، ويُدَمّرُ ما لم يَمسسه الدمارُ بعدُ.

 

د. هاتف جنابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3409 المصادف: 2016-01-05 01:56:17