المثقف - قضايا

ابن المُعلمة في المشهد السياسي العراقي

ahmad alkhozaiمع عظيم احترامي لقدسية المُعلم ومهنته النبيلة ..

من الأمور التي شكلت هاجس في فترة الطفولة، ونحن على مقاعد الدراسة الابتدائية، وبقيت عالقة في أذهاننا بعد كل تلك السنين، عقدة لم نقدر على تجاوزها أو القفز عليها، مهما امتلكنا من إمكانيات ذهنية وعملية، وهي (ابن المُعلمة)، ذلك الطالب الذي تميز عنا في كل شيء، واستطاع أن ينال كل الامتيازات، بغض النظر كفاءته، لا لشيء سوى لأنه ابن المُعلمة، حقيقة مازلت قائمة في معظم مدارسنا، نحن الشعوب الفاقدة القدرة على التمييز،بين الخاص والعام، وبين الدين والعرف، وبين الحق والباطل، كنا ننظر إليه بشيء من الخوف والريبة والحسد، لأن أمه كانت تمتلك زمام مصائرنا، ولأن ترتيبه الأول دائما بيننا في شهادة تقيمنا .

هكذا نحن في هذا البلد المسكين، الذي يشعر المسؤول فيه بأنه نصف آلهة، و أن الدم الأزرق يسري في عروقه،هذه الثقافة التي نشئنا عليها منذ طفولتنا، هي جزء من متوالية تاريخية عاشها العراق بعد انقلاب 1968، حين حكمته المدينة، ثم القرية، ثم العشيرة، ثم العائلة، التي قادتنا إلى ما نحن فيه الآن من بؤس خراب .

بعد 9 نيسان 2003 انتقلت هذه الثقافة المريضة،إلى معظم سياسيو الصدفة الذين شكلوا المنظومة الحاكمة للعراق بعد سقوط الصنم، وتحولنا من حكم العائلة الواحدة إلى حكم العائلات، فأصبح المسؤول الذي يتسنم منصب كبير في الدولة يشعر بان المؤسسة التي يديرها ملكا له ولعائلته، و(كانتون) يديره وفق رؤية حزبه وطائفته وقوميته وعائلته، بعيدا عن شيء يسمى، سياسة حكومة،وتوجهات عامة،ومصالح وطنية،هكذا تدار معظم وزاراتنا هذا اليوم، حين أصبحت مرتعا لأبناء المسؤولين وإخوتهم وحتى آبائهم، بعد أن امتلكوا سلطات غير محدودة في هذه الوزارات لا لشيء سوى لأنهم أقرباء الوزير، حتى سيطروا على زمام كل شيء، يعينون وينقلون وينهون خدمات، ويوقعون عقود بملايين الدولارات، ويجوبون بقاع الأرض الجميلة تحت مسمى الايفادات، دون أن يمتلك معظمهم أي مؤهل علمي أو منصب رسمي يمكنهم من فعل ذلك .

ابن المُعلمة، الذي شعرنا ونحن أطفالا بالغبن والظلم اتجاهه، يبدو انه كان أكثر براءة وسذاجة، بعد أن تحول إلى حالة أكثر خطورة وتأثيرا على المجتمع ، حتى أصبح ظاهرة عامة تجتاح مؤسساتنا الحكومية وتعبث بثرواتنا ومصائرنا ومستقبل أبنائنا .

يحكى إن أب لأحد المسؤولين زاره إلى مكان عمله فلم يجده، فما كان منه إلا إن يجلس على مكتب ابنه المسؤول ويطلب عقد اجتماع مع الموظفين، ليحدثهم عن يومياته مع ابنه المسؤول، وعن حكايات شعبية يستلهمون منها العبر والدروس .

يقول المجدد الكبير الشيخ محمد عبدة (إن انعدام السلطة يحدث الفساد).. وهذا هو التفسير الأنضج والأكثر واقعية لما يحدث الآن في العراق الجديد .

 

احمد عواد الخزاعي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3430 المصادف: 2016-01-26 01:35:34