المثقف - قضايا

الموضوعية في علم الاجتماع

abdulelah farahبعد أن استقلت العلوم الطبيعية عن الفلسفة، وأخذت بتطوير مناهجها وتقنياتها العلمية. ظهر في القرن 19م، دعوة من قبل علماء الاجتماع الأوائل ك"أوكست كونت" و"إيميل دوركهايم" إلى تفسير المجتمع تفسيرا علميا متخذين من منهج العلوم الطبيعية نموذجا للحياد والموضوعية، باعتبار أن المجتمع مثل الطبيعة تحكمه مجموعة من القوانين يمكن أن تساعد في التحكم بالمجتمع، وهو ما عبر عنه أوكست كونت بقوله "المعرفة من أجل التبؤ، والتنبؤ من أجل التحكم".

فلكي يكون علم الاجتماع علما قائما بذاته، يجب عليه أن يتخلص من الذاتية والأحكام المسبقة والمعايير الأخلاقية، حتى يكون موضوعيا في دراسته للظواهر الاجتماعية. وهو ما عبر عنه إيميل دوركهايم بقوله "فلندرس الوقائع والحقائق باعتبارها أشياء". بمعنى آخر، عزل الذات العالمة أو الباحثة عن الموضوع المدروس والعمل على تشييئها، وذلك باستلهام مناهج العلوم الطبيعية وإسقاطها على الظواهر الاجتماعية والإنسانية بشكل عام. فالموضوعية تعني الإلتزام بالموضوع المعطى كما هو بعيدا عن أي تحيزات أو أراء مسبقة أو رغبات معينة ترتبط مثلا بالإيديولوجيا.

في مقابل هذا التوجه، نجد توجها مخالفا، يرى بأن تحقيق الموضوعية في علم الاجتماع هو أمر صعب تحقيقه عكس ما نجده في العلوم الطبيعية، التي غالبا ما تكون ظواهرها معزولة عن أي تأثير خارجي، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لأن الذات الباحثة في العلوم الاجتماعية هي نفسها الذات المدروسة، فموقع الفرد في البنية الاجتماعية يؤثر على إدراكه وتصوراته حول المجتمع. فالإنسان له مشاعر وأحاسيس وميولات متقلبة خاضعة لسياقات متعددة، وبالدرجة الأولى خاضعة لعامل الزمن. وهذا ما بينه "برنار لايير" في كتابه "الإنسان المتعدد الأبعاد". فإذا قمنا بتجربة، وأخذنا نموذج تقنية الاستمارة تتناول موضوعا ما، وقمنا بتوزيعها على المبحوثين للإجابة عليها وفق سياق معين. ثم أخذنا سياقا آخر، وقمنا بتوزيع نفس الاستمارة على نفس المبحوثين، سنجد أن أجوبتهم في الاستمارة الثانية، تختلف عن أجوبتهم في الاستمارة الأولى، مما يعني أن الظواهر الاجتماعية هي ظواهر متغيرة ومتعددة الأبعاد.

من هنا لا يمكن اعتبار موضوعية العلم حقيقة مطلقة، والسبب أن الأبحاث التي أجريت في سوسيولوجيا المعرفة العلمية في مجال العلم، أظهرت بوضوح أن ظاهرة العلم هي ظاهرة اجتماعية بالدرجة الأولى، فالعلم يتأثر بفعل مجموعة من العوامل الاجتماعية، فالعالم يحمل معه المجتمع في ذاته (التنشئة الاجتماعية) داخلة المختبر، ويتفاعل مع الجماعة العلمية، وأحيانا توجهه رغبات وميولات مثل الشهرة والامتياز والحوافز. إلى جانب ذلك، أنه خاضع لسلطة الأموال التي تمول أبحاثه العلمية.

لذلك نجد أن هناك من الباحثين في علم الاجتماع مثل "بيرى بارنيز" و"بيير بورديو" يدعون إلى التفكير في العلم، لأن هذا الأخير يتأثر بالمجتمع، كما أنه يؤثر في المجتمع، فالتقنية كنتيجة لتطور الأبحاث العلمية تم تجنيدها لخدمة المصالح الشخصية للمؤسسات الاقتصادية، خاصة عندما أصبح الاقتصادي يستثمر في مجال المعلومة لأهداف تسعى للتحكم في الإنسان وتنميطه، وهو ما بينه الأستاذ "حسان الباهي" في كتابه "الذكاء الصناعي" على أنه "من يمتلك المعلومة يمتلك كل شيء"؛ أي أن له القدرة على السيطرة.

وفي ختام هذه الورقة، ومن خلال ما سبق ذكره، فإن علم الاجتماع كعلم هو مطالب بمراجعة وإعادة النظر في المناهج المستلهمة من العلوم الطبيعية، والبحث عن مناهج جديدة تراعي خصوصية الإنسان والمجتمع عامة، نظرا لأن الظواهر الاجتماعية تبقى متميزة عن الظواهر الطبيعية باعتبارها ظواهر متغيرة وليست ساكنة وجامدة.

 

عبد الإله فرح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3430 المصادف: 2016-01-26 11:58:30