المثقف - قضايا

ثلاثية البتر والمسخ والاخصاء في الإصلاح التربوي

mahjob alnasibiمن اوكد مقدمات المنظومات التربوية ان يتم بناؤها على مراعاة مشكلات المجتمع وتطلعاته اذ ان ذلك يسمح للفرد بادراك مبادئ المجتمع وقيمه وعاداته مراعاة لاهم بعد من ابعاد المنظومات التربوية وهو حماية ما يتمايز به شعب على البقية في محيطه العربي (التكويني) والاسلامي (العقائدي)

و المشروع المجتمعي الذي ينبني عليه الاصلاح التربوي الذي ينفّذه ناجي جلول نيابة عن "المعلمية" ليس الا محاولة لتكريس مقولة قصر التربية على الاعداد للحياة والقطع مع فكرة أن التربية هي الحياة في امتداداتها الثلاث: خبرات الماضي ومشكلات الحاضر وتوقعات المستقبل

وفي غفلة بل تغافل المجتمع تعمد "طاقم التسيير الجديد"الموكول له مهام تنفيذية تغييب الاساس الثقافي للمجتمع او ما يسمى الثقافة المحلية للمجتمع بما هي خبرات ومعارف مقبولة اجتماعيا تم تهذيبها وتشذيبها وتعديلها من خلال التلاقح مع ضاغطات الواقع والتواترات الخارجية لتشكل خصوصية شعب على رقعة معينة من الارض يتمايز بها عن البقية وهو ما يسهل حشره في منطق عولمي مدمّر

لا يمكن لاي مجتمع ان يتطور بمعزل عن خبرات الماضي ولا يمكن له تحديد مسارات تقدمه دون حل مشكلات الحاضر الضاغطة ولا يمكن حل تلك المشكلات دون تحديد توقعات للمستقبل والاجابة عن سؤال ماهي ملامح الفرد التونسي الذي نروم تنشئته ليشكل في جملة مفرداته المجتمع المنشود

ومشروع "اصلاح االمنظومة التربوية " في تونس يتنزل في اطار مشروع مجتمعي معد سلفا احتوته ورقات تقديم الوثيقة التوجيهية لمخطط التنمية 2016-2020 الصادر عن وزارة التعاون الدولي والاستثمار الصفحة السابعة في نقاطه الثلاث:

- قيم دافعة الى التطور والنماء وتتضمن بناء مشروع حضاري؟؟و استرجاع الثقة في المستقبل؟؟؟و ترسيخ القيم الدينية الحضارية المبنية على الاعتدال والتسامح والمساهمة الفاعلة للمرأة والعناية بالشباب والطفولة؟؟؟

- ترسيخ الحكم الرشيد وتفصيله ترسيخ الحكم الرشيد؟؟؟المشاركة الجماعية كشرط مسبق للتنمية والارتقاء بمبادئ الشفافية والمساءلة وتأمين فاعلية وكفاءة الادارة في معالجة قضايا التنمية

- ترسيخ مقومات الديمقراطية وحقوق الانسان ومن ضمن بنوده ترسيخ أركان الديمقارطية والتعددية وتكريس قواعد احترام حقوق الانسان وحفظ كرامة الفرد وحماية الحريات الفردية والعامة وبسط الامن وضمان حرية العلم والنفاذ إلى المعلومة والخبر وتدعيم الحوار والتشاور والالتزام بحقوق شهداء وجرحى الثورة وشهداء المؤسستين الأمنية والعسكرية

وعلى امتداد هذه الوثيقة (1) الصادرة في 9 سبتمبر 2015 لم ترد أي إشارة الى المنظومة التربوية مما يؤكد نظرة القائمين على تنفيذ ماهو معد سلفا الى التعليم فهو –في نطرهم- عالة على الدولة وقطاع غير منتج ولا دور له في التنمية مغفلين بذلك ان المنظومة التربوية هي التنمية وأن اشتقاق أهدافها هو ترجمة لاحتياجات المجتمع وطموحاته ومتطلباته وتوقه للتحرر الاقتصادي بل ان التربية تسبق التنمية اذ لا يتعزز الاستقرار والاستقلال الا متى بنيت الشخصية القاعدية للفرد التونسي المالك لناصية قراره المتمكن من أدوات تجعله يقطع من التبعية والتخلف المجهز بمصدات امان فكرية وثقافية ومعرفية يستمدها من زخم مراكمات وجدانية نفسية تشكل في تاريخيتها خصوصية هذا الفرد في فضائه المحلي فالوطني فالعربي فالاقليمي فالدولي

ثم كانت الوثيقة التوجيهية (2) في نسختها النهائية بتاريخ 15 سبتمبر 2015 تأكيدا على هذا التوجه الاذلالي للتونسين استهانة برأس المال البشري السيالة لتونس واخصاء لاية إمكانية تفرّد وتمايز من حيث الشكل ومن حيث المضمون

فمن حيث الشكل وعلى 91 صفحة كان نصيب المنظومة التربوية منها نصف صفحة (الصفحة 57) ومثلها للتكوين المهني

ومن حيث المضمون فان ما ورد في هذه الوثيقة هو التوجهات الكبرى في:

-   العناية بمنظومة التربية ما قبل المدرسية    

- تعميم الأقسام التحضيرية

-   إقرار إجراءات وتدابير عملية تمكن من الحد من ظاهرة الفشل المدرسي والتقليص من نسب التسرب والفشل المدرسي إلى أدنى المستويات.

- جملة من التدابير والإجراءات ذات العلاقة خاصة بالمجالات التالية:

أ‌- مراجعة الزمن المدرسي

ب‌- تطوير الأنشطة الثقافية والرياضية في الوسط المدرسي

ت‌- القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية عبر تشديد المراقبة في هذا المجال وفقا للتراتيب القانونية مع العمل عل تدعيم دور المجتمع المدني وجمعيات الأولياء في هذا المجال.  

ث‌- التأكيد على الدور الريادي للدولة في مجال ضمان مجانية واجبارية التعليم في مرحلتي ما قبل الدارسة والتعليم الأساسي مع معاضدة هذه الجهود من قبل القطاع الخاص.

ج‌- إيلاء عناية خاصة للوسط المدرسي لاسيما في مجالات النقل المدرسي خاصة في المناطق الداخلية والأوساط الريفية وكذلك للطفولة ذات الاحتياجات الخصوصية وتأمينها ضد الانزلاقات والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر والحد من ظاهرة العنف

هذه الإجراءات تعود جذورها الى مرجعيات غير التي يتوق اليها التونسيون اذ هي تتنزل في اطار:

- مشروع التعلم للجميع الذي اقرته الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي سنة 2000 ويتوجب على كل الدول المشاركة فيه ومنها تونس الإيفاء بكل تعهداتها قبل موفى شهر ديسمبر 2015

- مقررات القمة العربية جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في 2004 ثم في 2009 والتي حددت مستويات التطوير في التعلم ما قبل المدرسي والتعليم الأساسي ومحو الامية لدى الكبار والتعليم الفني والمهني والتعليم الثانوي العام التعليم العالي والبحث العلمي في اطار ما يعرف بانجازالاصلاح التربوي الشامل؟؟ والاهتمام بنوعية التعليم وجودته جنبا الى جنب مع الاهتمام بالكم(راجع كلمة عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية في مقدمة نشرية(3) "خطة تطوير التعليم في الوطن العربي،التربية والتعليم العالي والبحث العلمي)

- خطة العمل تونس الاتحاد الاروبي 2013-2017 في ما يتعلق بإصلاح التعليم وإعادة الاعتبار للتكوين المهني(4)

مثل هذا الاهتمام؟؟؟ وبمثل هذه الشاكلة من اخصاء مقصود لهذه الأرض حتى لا تنجب ونثر للملح على تربتها حتى لا تنتج وقد فعلها الرومان يوم احرقوا قرطاج ونثروا الملح على ارضها وهذه الإجراءات ماهي الا تمهيد لعملية بتر كاملة واستئصال لخصوصية وتقاسيم المجتمع عبر توجيه الرأي العام التونسي الى مخرجات مشتركة بين كل الشعوب (5)وهي :

- المخرجات المعرفية التذكر/ الفهم/ التطبيق/التحليل/التركيب/ إصدار الحكم

- المخرجات المهارية : الدقة/ السرعة/ الإتقان/

و يتم تغييب المخرجات التي تحافظ على وجود المجتمعات وتحميه من الانبتات والضياع والتيه الاجتماعي وهذه المحرجات هي:

- المخرجات الوجدانية : استقبال المثير/ الاستجابة/ القبول/التنظيم/إعطاء قيمة/ تمثيل/

- المخرجات غير المعرفية : الاتجاهات الفردية / الاتجاهات الاجتماعية / الاتجاهات الاقتصادية

ان ما يقع من عمليات تسمى اصلاحا انما هي تهجين لابناء التونسيين في سياق عولمي بطريقة تجعل من المجتمع متقبلا للمؤثرات الخارجية دون اي مناعة قد يكتسبها من "الخصوصية الثقافية" والمنظومة القيمة المتوارثة والتي خضعت لتفاعلات طويلة حتى استقام أمر المجتمع عليها ومنها تصاغ القوانين والتشريعات التي تنظم الحياة ...و تناسى الوكلاء الجدد ان الانحلال القيمي وضرب مقومات المشترك بين التونسيين هو الذي ولّد الارهاب وهو ذاته الذي ولّد الانبتات والانسلاخ ..فان كان الارهابي يتحدث "لغة" غير "لغة عموم التوانسة فان المنبتين يتحدثون ايضا لغة غير لغة عموم التوانسة وان كان الارهابي لا ولاء له للارض وللمجتمع فان المنبت والمستعمل لغير لغة المجتمع ولاؤه للاخر حتى ان كليهما يشتركان في تكفير المجتمع أحدهما يكفره سياسيا والثاني يكفره ثقافيا

اي مسخ مشوه يراد صنعه وتشكيل المجتمع عليه؟؟؟ هل بتغييب تقاسيم المجتمع يمكن تجنب خبرات ومعارف شاذة ومرفوضة لم يألفها المجتمع؟؟؟؟ هل ﺤﺼﺭ ﺍلمتغيرﺍﺕ ﺍلدﺍﺨﻠﻴﺔ ﻭالتوترات الخاﺭﺠﻴـﺔ ﺍلتي ﺘﺘﺤﻜﻡ ﻓﻲ ﺩﻴﻨﺎميكية ﺘﻁﻭﺭمجتمعنا في مسارات ثورة 17 ديسمبر يكون بهذه الإجراءات التقنية الفنية؟؟هل بمثل هذه القرارات ﻴﻤﻜـﻥ التنبؤ بما سيكون عليه المجتمع خلال عقد من الزمن وما يمكن ان يشهده ﻤﻥ ﻅﻭﺍﻫﺭ وسلوكات وتوجهات للرأي العام؟؟ كيف يمكن مقاومة الارهاب والمنظومة التربوية كل مهمتها بين بتر العناصر الصالحة والتي تمثل مصدات امان للمجتمع؟؟؟وبين اخصاء مبرمج للفرد التونسي المتمسك بارضه المتشبت بتاريخه العامل على تطوير واقعه وجعل المنظومة التربوية على الهامش لا علاقة لها باهتمامات الشعب وطموحاته

ان المنظومة التربوية ليست مجموعة ليست مجموعة الوسائل البشرية والمادية والمؤسسات التي يوكل اليها المجتمع تربية الناشئة (المدرسة والمعلمين) بل هي "تعريف اصعب مما نتصور"(6) وما يقع اليومفي تونس ليس الا نتاجا لازمة اسقاطات لبرامج مفروضة من الخارج ولن تكون باي حال حلولا لمواجهتها

 

بقلم مجحوب النصيبي

.....................

المراجع:

1- تقديم الوثيقة التوجيهية لمخطط التنمية 2016-2020،9 سبتمبر 2015 وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي

2- مشروع الوثيقة التوجيهية 2020 لمخطط التنمية -2016، 15 سبتمبر 2015

3- كلمة عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية في مقدمة نشرية "خطة تطوير التعليم في الوطن العربي،التربية والتعليم العالي والبحث العلمي)

4- RELATIONS TUNISIE - UNION EUROPÉENNE : UN PARTENARIAT PRIVILÉGIE PLAN D’ACTION 2013-2017  

5- تجارب الدول في الإصلاح التربوي، الفصل الثامن

6- ارسطو

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3434 المصادف: 2016-01-30 00:34:09