المثقف - قضايا

الأثر العمراني على طبيعة السلوك الأجتماعي (1): الأنشطار العمودي للوحدات السكنية في مدينة بغداد

alaa falihaburgeefهناك الكثير من العوامل التي تؤثر في طبيعة تكوين نمط او انماط محددة للسلوك الانساني لتساهم في تشكيل نوع المنظومة القيمية والاخلاقية للفرد ، وتشكل البيئة الناظم الاهم في تكوين شخصية الفرد ، ونعني بالبيئة كل مايحيط بالانسان أبتداءاً من العائلة أنتهائاً بالجانب العمراني الذي يفسر الكثير من هذه السلوكيات وخاصة فيما يتعلق بالنضرة الى الجنس ومايتبعها من تداعيات على مستوى رقي أو أنهيار المنظومة ألاخلاقية للفرد اذاما اخذنا بنضر الاعتبار اراء فرويد في اهمية الجنس كمرجعية اساسية للسلوك.وسأحاول هنا ربط الخلل العمراني وتأثيره في الرؤيا الجنسية للطفل والمراهق لأثبات العلاقة السببية بين نوع وحجم ومساحة المسكن من جهة و ضواهر اجتماعية تتميز بها الاحياء الشعبية (شبه العشوائية) في معظم المدن العربية الكبيرة ومنها مدينة بغداد .

تشكل العشوائيات جزء من المشهد العمراني لمدينة بغداد ومدن عربية اخرى ، وقد استحوذت دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي لها على اهتمام الحكومات للتخلص من اثارها الضارة على كافة الاوجه ومنها عدم الاستقرار السياسي   بسبب ارتفاع مستويات الجريمة والاعمال غير القانونية فيها بالاضافة الى تناقضات سايكولجية خطيرة كالجمع بين التفسخ الاخلاقي والالتزام الديني الذي يصل الى حدود التطرف حيث تجد معظم جماعات الاسلام السياسي حواضن لها في هذه العشوائيات ، يقابله جرائم جنائية كالسرقة والتزوير والاعتدائات الجنسية التي لاتتفق مع أجواء التزمت الديني وامتد الاهتمام بهذه العشوائيات الى المنجز الابداعي ادبيا وفنيا للغوص في اعماقها وكشف مكنوناته، فقد ضهرت العديد من الروايات والافلام السينمائية التي تناولت الواقع الاجتماعي المتردي للعشوائيات ، وأشباه العشوائيات،

تحتوي المدن العربية الكبيرة بما فيها العواصم على عدة مستويات عمرانية تبدأ بأحياء النخبة السياسية المغلقة ذات الحراسة المشددة ومن ثم الاحياء الراقية التي يقطنها رجال الاعمال وكبار الموضفين وفوق المتوسطة التي ينتقل اليها صغار التجار ووجهاء المجتمع والاشخاص الطمحويين للتحول الى اعلى السلم الاجتماعي أو الوضيفي والاحياء الخاصة بسكن الطبقة المتوسطة من المجتمع وأخيرا الاحياء الشعبية المنتظمة والاحياء الشعبية شبه العشوائية التي تتميز بالاكتضاض السكاني وضعف الخدمات البلدية وتماثل الضواهر الاجتماعية بينها وبين العشوائيات رغم توفر الشكل القانوني لانشائها وهو الفرق الثاني بينهما اذا مااعتبرنا ان الفرق الاول يتحدد في التنظيم النسبي للاحياء الشعبية مقارنة بالعشوائيات، ومن اهم الامثلة على اشباه العشوائيات حي امبابة والسيدة في القاهرة والشعلة والحرية الثانية ومدينة الصدرفي بغداد وهي مجال بحثنا.

تعد مدينة الصدر امتداد طبيعي لسلوك سكان العشوائيات العدائي والمتطرف رغم انها من الناحة الرسمية لاتعد من العشوائيات لاستكمالها الشروط القانونية المتعلقة بعملية اعمارها ، ويعود هذا الارتباط الاجتماعي في سلوك الافراد بين سكان مدينة الصدر و العشوائيات المحيطة بها لاسباب تاريخية تتمثل في ضروف تكوين اكبر احياء بغداد من ناحية الكثافة السكانية (2،5-3) ملايين نسمة، حيث تكًون هذاالتجمع السكاني خلال العقدين الرابع والخامس من القرن الماضي بنزوح عائلات فلاحية من جنوب العراق (معضمهم ينحدرون من محافظات ميسان وذي قار) هربا من تسلط الاقطاع على مقدرات عملية الانتاج الزراعي الذي ادى الى افقار الطبقة الفلاحية بالاضافة الى سوء او انعدام الخدمات البلدية والصحية في مناطق سكنهم الاصلية ، فأستوطنوا منطقة في الاطراف الشرقية لمدينة بغداد تسمى (شطيط) ومفردها( شط)- بمعنى النهر في اللهجة العراقية - بحثا عن العمل والاستقرار الذي افتقدوه نتيجة التنقل بين ملاك الاراضي للعمل ، وهو ماينطبق على سكان الاهوار وأن كان الترحال المستمر يعود لأسباب أخرى تتعلق بالمهنة الاساسية التي يزاولونها( صيد السمك وتربية الجاموس).

كان الاصرار على شكل عمراني فريد من نوعه ذو بعد تاريخي ورثه هؤلاء النازحين من أجدادهم السومريين يعود لاسباب سايكولجية تتمثل بالارتباط الوجداني بين سكان جنوب العراق مع نبات القصب و الخوف من المجهول واحتمالات التنقل من جديد اذ ان اغلب السكان لم يكونوا يمتلكون فرصة مؤكدة للعمل في العاصمة   اضافة الى رخص الثمن وسرعة الانجاز مقارنة ببيوت الطين او الطابوق ورغم أن الترحال المستمر سمة مشتركة بين سكان الصحراء اللذين يسكنون الخيم، وسكان الارياف والاهوار لكن الفرق هو أن سكان الصحراء يحملون منازلهم معهم بينما يترك نضرائهم -في الغالب - منازلهم القديمة لبدأوا ببناء منزل جديد أو ترميم الشاغر منها في حالة توفرها ، وتسمى هذه المنازل ب(الصرائف) ومفردها ( صريفة) وهو منزل يتكون في الغالب من فضاء واحد يتم بنائه من القصب على شكل اعمدة ارتفاعها بين 2-3 متر كل عمود يتكون من عدد غير محدد من اعواد القصب المثبت بالحبال والمغروس في الارض محاطة بالحصران (وهي مصنوعة من القصب ايضا) لتكوين الجدران والسقف ، على ان بعض السكان اللذين حصلوا على عمل ثابت استبدلوا هذه المنازل ببيوت الطين وهي دلالة مهمة على الاستقرار وبداية الاندماج في سوق العمل باكتسابهم مهارات جديدة هيأتهم للعمل في قطاعي الصناعة والخدمات، مع بقاء عملية الاندماج الاجتماعي تسير بوتيرة منخفظة يتحمل فيها المهاجرون المسؤلية مناصفة مع البغداديين .

خففت اجرائات الزعيم عبد الكريم قاسم الاصلاحية في الاعوام القليلة لحكمهة 1958-1963 من ضاهرة الهجرة من الريف الى المدينة خاصة بعد اقرار قانون الاصلاح الزراعي ، لكن هذه الاجراءات لم تقنع الكثير من سكان شطيط بالعودة الى مناطقهم الاصلية خاصة بعد أن تكيفوا مع حياتهم الجديدة ، فلجأ قاسم الى تنظيم عملية السكن لهم عبر استحداث مدينة جديدة وعصرية في قياسات ذالك الزمن أسماها مدينة (الثورة) تتكون من بيوت بمساحة 150متر مربع للعائلة الواحدة مع خدمات بلدية متكاملة لاتقل عن مثيلاتها في باقي احياء بغداد.

تغير في بداية الثمانينات أسمها مرة ثالثة الى (مدينة صدام) محاولاً أجراء بعض التحديثات على مدينة الثورة لكنها كانت غير عملية ولم تحدث تطوراً جدياً فيها من قبيل أنشاء جسور كهربائية للمشاة ، وجدير بالملاحظة أن التغير المستمر في أسم هذه الضاحية يشير بوضوح الى محاولة ألاستيلاء المستمرة على هذا التكتل الاجتماعي لما يمثله من ثقل ديموغرافي وبالتالي سياسي وأقتصادي أضيف لها العامل الديني اثر تحوله الى عامل مهم في المعادلة السياسية العراقية بعد الاحتلال ، لتستقر تسميتها حاليا على (مدينة الصدر).

تدهورت الاوضاع الاقتصادية لعموم الشعب العراقي للأعوام 1990-2003 نتيجة للحصار الدولي المفروض علية عقب أجتياح الكويت ، ومن نتائجه توقف شبه كامل لعملية بناء المساكن خاصة مع توقف الدعم الحكومي كقروض الاسكان والمنح فلجأ العراقيون وبالاخص سكان مدينة الصدر بسبب الكثافة السكانية ومعدلات الزواج والولادات العالية الى عملية تحوير المساكن (الانشطار العمودي) ليتحول المنزل الواحد بعملية بسيطة وغير مكلفة نسبياً الى منزلين كل منهما بمساحة75متر مربع أو الى ثلاثة منازل مساحة الواحد 50متر مربع للتغلب على معضلة النمو السكاني، كان لهذا الحل أثار سيئة على مختلف الاصعدة نذكر منها على سبيل المثال الضغط على الخدمات البلدية وتشويه الذوق العمراني لمدينة بغدادلكن الاسوأ هو تأثراتها ألاجتماعية الخطيرة على الرغم من أنه خفف من حدة أزمة السكن بما يوحي بعمق الروابط الاجتماعية لهذه الاسر المنحدرة غالباً من جذور واحدة، وفيما يتعلق ببحثنا - الاثار الاجتماعية - كان أهمها أفتقاد الخصوصية وتأثيرها المباشر على السلوك الجنسي بشكل عام ، ومن المهم الاشارة الى أن سكان الاهوار تاريخياً لم يتمتعوا بهذه الخصوصية النسبية التي يتيحها البناء المنظم الا خلال السنوات العشرين بين عام 1963 وهو العام الذي أكتمل فيه تقريباً بناء مدينة الثورة- وعام 1993 اللذي أنتشرت فيه عملية تحوير للبيوت أقول خصوصية نسبية بسبب صغر مساحة السكن أصلاً التي كانت بالكاد تكفي للعائلة الواحدة المكونة من 6-7 أفراد كمعدل عام ،أما قبل ذالك سواء الفترة التي سكنوا فيها أطراف بغداد أو مناطقهم الاصلية فكان الشعور بالاستقلال المكاني ترفا لايناله حتى الوجهاء منهم وهو مايفسر الكثير من القيم الاجتماعية السائدة وابرزها تمتع المرأة بنوع من الحرية التي تتيح لها أقامة علاقات من نوع ما مع الجنس الاخر قبل الزواج ، ومن المؤلم أن نجد أن عملية (الانشطار العمودي) ماتزال مستمرة في بغداد رغم أنتهاء السبب الاساسي لها وهو الحصار وتوفر ميزانيات هائلة لم يتم أستغلالها للتخلص من العجز في عدد الوحدات السكنية البالغ 2مليون وحدة سكنية لمدينة بغداد وحدها، لترتفع وتيرة الاختلالات الاجتماعية الناتجة عن الحلول المشوهة والمرتجلة لهذا العجز.

يتكون المنزل في الغالب بعد التجزئة من غرفتين وملحقاتها (المطبخ والصحيات) بلا مسافة فاصلة بين مدخل البيت الرئيسي والشارع فباب الغرفة (الهول) مطل على الشارع مباشرة ، وهذه الطريقة توفر أكبر استغلال ممكن للمساحة لكنه من ناحية أخرى يمثل أختراق واضح لما يمكن ان نسميه (الاسرار العائلية) فهي متاحة لكل من يمر في الشارع سواء عن طريق السمع أو اختلاس النضر عبر الباب او الشباك المفتوحان في الغالب للتخفيف من حرارة الجو خاصة مع الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي ، وقد يتكون المنزل - خاصة للمتزوجين الجدد والعوائل الناشئة - من غرفة واحدة مع ملحقاتها بما يتيح وجود مسافة فاصلة (كراج) بين مدخله والشارع تتراوح مساحتها بين 16 - 30 متر مربع وتسمى (طارمة) باللهجة العراقية ، ونادرا مانجد حديقة ملحقة بالمنزل حيث أغفل المخططون منذ البداية اهميتها عندما خصصو مساحة 150متر مربع للمنزل الواحد ، والافتقاد للحديقة المنزلية يجبر السكان في الاستعاضة عنها بالسطح كمتنفس يعوض الشعور بالضيق في المنزل الصغير والفرق واضح بين وضيفة الحديقة والسطح الذي يستخدم غالبا لتخزين المواد والاثاث غير الضروري لعدم وجود مخزن مما يقلص مساحة فضاءة لممارسة اي نشاط ترفيهي او عملي سوى (نشر الغسيل ) هذا الواجب المنزلي الذي يتيح للنساء التنفيس عن كبتهن بصور مختلفة كالتمتع بالغناء تحت سماء بغداد الصافية.

أن تكدس الفائض من اثاث المنزل بصورة فوضوية على السطح يسهل عملية الاختباء فيها وهو مايستغله الاطفال لممارسة بعض الالعاب (الغميضة - بيت بيوت) لتنمي لديهم شعوراًبأن هذا الحيز أقرب للمخبأ السري منه لمكان علني مفتوح كما في الحديقة ، تتسلل هذه العقدة الى العقل اللاواعي ليستمر تأثيرها حتى فترة المراهقة وخاصة لدى الاناث حيث يرتبطن بعلاقة حميمية مع السطح ملاذهن الوحيد ، عكس الذكور اللذين يمكن لهم التنفيس عن فرط الطاقة باللعب في الشارع.

تتحول عقدة المخبأ السري الى أحساس بالذنب مع كل صعود الى السطح لاي سبب كان لدرجة أن ارتكاب اي خطأ اخر لايزيد من هذا الشعور المتغلغل أصلا في الوجدان حتى لو كان هذا الخطأ يمثل خطاً أحمر في العرف الاجتماعي كاللقائات غير الشرعية مع ابناء الجيران من الجنس الاخر واحيانا بين الجنسين التي يساعد على أتمامها تلاصق الاسطح وقلة ارتفاع السياج الفاصل بينهما وتوفر اماكن الاختباء في حالة الاحساس بالخطر لتزيد جميع هذه العوامل من فرص وجود علاقات جنسية غير شرعية سواء كانت جزئية او كاملة، ويبقى العامل الاهم في تمرير هذه الممارسات بلا كثير من تأنيب الضمير بالنسبة لمرتكبيها هو ما يحدث داخل المنزل ،أذ يضطر الاب والام الى ممارسة الجماع بعد أن ينام الاطفال لعدم وجود غرفة خاصة بهم وفي كثير من الاحيان يجبرهم الاهل على النوم لأشباع حاجاتهم الجنسية بوقت مبكر بسبب أرتباط الاب بالعمل الذي يستلزم النهوض مبكراً وهو ماينطبق على الزوجة التي عليها الاستيقاض قبل زوجها لاعداد الفطور ، مع ملاحظة أن الشبق الجنسي الطاغي في المجتمع العراقي يمنعه من الاستفادة من حلول ابتكرتها مجتمعات اخرى سواء للتغلب على هذه المعضلة او لمجرد تنظيم الواجبات الجنسية للرجل بما يحافظ على لياقته كما هو الحال في سوريا حيث تقتصر عملية الجماع بين الزوج والزوجة على ايام العطل وغالبا مايخصص يوم الخميس من كل اسبوع للممارسة الجنسية ، بينما يخصص الاتراك يوم السبت من كل اسبوع لهذه المهمة، لاتنجح مهمة الزوجين دائماً في أجبار أولادهم على النوم ففي بعض الاحيان يتضاهر هؤلاء بالنوم خوفاً من العقاب ليتم زجهم قسراًفي عملية مشاهدة مرعبة لفصول عملية جنسية متكاملة لايفهمون الغاية منها أو يفهمونها بوعي قاصر وهنا يبدأ الاضطراب والشك والفضول تلعب ادوارها المخربة لأهم ركيزة من ركائز القيم الاخلاقية للأسرة والمجتمع (العفة) فمع تأوهات الام التي ترزح تحت ثقل جسد الاب المرتمي عليها كالوحش تتحول الى ضحية في نضر أطفال ومراهقين يعانون من الشبق الجنسي تحت وطأة الهرمونات التي تحفزها تلك المشاهد المليئة باللذة والخوف والالم ، فيبحثون عن طريقة لاشباع رغباتهم بلا كثير من الندم مادام العامل المشترك بين ممارسة الجنس بطريقة شرعية أو غير شرعية هو السرية المطلقة.

 

علاء فالح أبو رغيف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3434 المصادف: 2016-01-30 00:47:47