المثقف - قضايا

مصائبُ عُربٍ عند تركٍ فوائدُ

jawadkadom gloomلم تشهد منطقة الشرق الاوسط وخصوصا العراق وسوريا هجرات طاردة لشعوبها مثلما تحصل الان ليس هربا من الفاقة والجوع والعوز فهذه الحالات قد اعتدنا عليها حتى تكيّفنا معها وصارت جزءا لايتجزأ من معاناتنا اليومية وكأننا تآلفنا مع الحرمان من أساسيات الحياة انما البلوى الكبرى من الحروب المستعرة الطويلة التي تأبى ان تتوقف وما تخلقه تلك الحروب من مآسي التهجير والنزوح وماتطرحه من موتى ومعوّقين وأرامل وأيتام وأزمات لاتحصى يزاد عليها فقدان الامن والطمأنينة في العيش وكأننا لسنا بشراً مثل بقية الشعوب الهانئة السعيدة القانعة بما لديها

اضافة لما تخلفه استمرارية الحرب من انتشار هائل للجريمة المنظّمة والانفلات الامني واتساع العصابات وكثرة المجاميع المسلحة وما ينتج عن ذلك من مظاهر الاسترقاق الانساني والعبودية لأمراء الحروب ورجال العصابات وظهور رؤوس الفساد والخاسئون من الناس والنكرات كي يتحكموا في مصائر الملأ المتعب رقّا واستعبادا وطاعة عمياء وأُجَراء يمارسون القتل والتصفيات الجسدية بمقابل مادي ولو كان ضئيلا مادام الإنسان قد صار بخس القيمة في هذه البقعة المبتلاة بالانظمة الفاسدة والدكتاتوريات

ولأن حب الحياة والتعلّق بها وغريزة البقاء نابتة وموغلة في أعماق الروح البشرية لذا نرى الانسان يتشبث بها مهما كانت مريرة ومأساوية؛ فمن يبصر الموت امامه شاخصا مُبرزا أنيابه ومخالبه سيرضى ان يعيش في برك الدماء ومستنقعات الذلّ والامتهان والخوف حتى لو غطس بكامل جسده ويقبل ان يُظهر رأسه فقط من اجل ان يتنفس لكن عينيه تبقيان تتطلعان الى منفذ وأفق يسعى للوصول اليه هروبا من واقعه المدمّر فيفكّر بالهجرة والملاذ الآمن والمستقرّ البعيد مادام يشيع فيه السلام وهذا ما لمستهُ وأنا أعيش بين ظهرانَي شعبي وجلّ من ألتقيه يتطلع الى ترك بلاده والهجرة والهرب الذي اصبح حلماً لكل انسان يريد الخلاص من هذه التراجيديا اللعينة التي ترفض ان تسدل ستارها ؛ ففي كل آنٍ بل وفي كل يوم تقريباً تردنا الأخبار ان صديقنا فلانا قد فرّ وعائلته الى تركيا واستقرّ هناك واخر يعدّ العدة لبيع كل مخلفاته وتصفية متعلقاته ليلحق بجاره او قريبه الذي توطّن لدى ال عثمان تمهيدا لتتريكه واخر لم يستطع التكيّف مع جيرانه الأتراك ولم يجد غير البحر مركبا ويصارع الموج ويواجه الرياح العاتية عسى ان يحطّ به الأمل الى شاطئ السكينة والهدوء في ارض غير أرضه ومنبت غير منبته

بين حين وآخر أقوم بالاتصال بمعارفي وأصدقائي الذين اختاروا الإقامة في تركيا فيستمر العويل والبكاء والحنين وما عليّ الاّ ان أمارس تهدئة القلوب والأرواح المتلهفة وأعزو هذا الهلع باعتباره طبيعيا خاصة لمن لم يعتد الاغتراب وان هذه الحالات في طريقها الى الزوال ريثما يتكيّف الانسان في حِلّهِ الجديد ويتمرّن على النأي ويجد ضالته من مقربين جدد يأنس بهم مع اني لااخفي رغبتي في الهروب من بلدي ووداعه نهائيا لولا اني مبتلٍ برفيقة عمري العليلة الكسيحة التي لاتقوى على حمل جسدها المثقل بالأسقام وبالكاد تخطو خطوات بمعونة عكّازها

هؤلاء المهاجرون الى الديار العثمانية معظمهم يسكنون المدن النائية والقصبات البعيدة والقرى بسبب ضيق اليد وغلاء بدلات الايجار في المدن الرئيسية بشكل مهول وهناك الكثيرون من سماسرة العقارات الاتراك من يستغل هذه الاعداد الكثيفة من المهاجرين القاطنين في تركيا لابتزاز اموالهم من خلال رفع بدلات الايجار الى حدّ غير معقول اضافة الى تباري الشركات الاستثمارية العقارية لبناء مجمعات سكنية منتشرة في عموم تركيا لبيع العقارات والشقق لذوي المال والموسرين من المهاجرين واستقطاب اموالهم في مشاريع متنوعة اخرى غير العقارات لامتصاص أرصدتهم المالية تصحبها إغراءات لتمكينهم من الحصول على الإقامة الدائمية او الطويلة الامد وربما الوعود باكتساب الجنسية لاحقا

كل ذلك من اجل امتصاص اموالهم وتشغيلها في تنمية الاقتصاد التركي، اما الطبقات المسحوقة من المهاجرين فليس لهم من خلاص الاّ ان يلجأوا الى مهربي البشر الاتراك ليستقلوا القوارب المتهالكة والزوارق المطاطية غير الآمنة لقاء مبالغ ليست زهيدة وتحدثنا الأخبار بان أجرة الفرد الواحد لايصاله الى احدى جزر اليونان عبر بحر " إيجه " تصل الى 1000 دولار اميركي بواسطة الزورق المطاطي بينما تتصاعد في اليخت الأكثر امنا الى 3000 دولار اميركي، فالبقاء في تركيا بلا عمل او مورد مالي شهري منتظم من الصعب احتماله لهذا يضطرّ المهاجر المغلوب على أمرهِ الى المخاطرة بنفسه وأسرته ومواجهة احتمالات الغرق، اما من بقي خائفا من ان يستقلّ المراكب فعليه ان يقطن أمدا طويلا وربما تجاوز الخمس سنوات لينتظر قرارات هيئة الامم المتحدة ومنظمات شؤون اللاجئين أملا في نقله الى بلد آمن

ويحدثني صديق صحفي نرويجي مقيم في أوسلو منذ مايزيد على العقدين وهو من اصول شرق اوسطية زار تركيا مؤخرا والتقى بالكثير ممن ينوي الوصول الى شواطئ اوربا ؛ ومن ضمن ماقام به انه تنكّر بصفة لاجئ وقد رمته الاقدار في مدينة أزمير وأخذ يبحث عن مافيات مهرّبي البشر الذين قال عنهم انهم يسرحون ويمرحون بكل حرية دون خوف او وجل من السلطات التركية او الخشية من حرس الحدود ولهم اماكنهم المعروفة ومقراتهم غير الخفية عن الانظار وقد استشفّ ان معظم المسؤولين الامنيين من خفر السواحل يغضون البصر عن الرحلات غير الشرعية ربما لتخفيف الضغط والزخم من الكثرة الكاثرة من المهاجرين، ورأى بأم عينه مستلزمات الحماية لراكبي البحر غير الشرعيين والادوات الخاصة بالابحار تباع في العلن مثل الزوارق المطاطية باحجامها وقد اشترى من أسواق أزمير قطعة واحدة من سترة النجاة المصنّعة في تركيا وعمل على فتقها وتمزيقها ليرى ما في داخلها من مواد ظنّها تعمل على تعويم الانسان المعرّض للغرق ولشدة دهشته انه رأى امتلاءها وتبطينها بسطوح اسفنجية داخل القماش مما يعرّض اللاجئ الى الغرق لا ان يطفو فوق سطح الماء بحيث يثقل جسده نتيجة امتصاص الماء وتجمّعه داخل الاسفنج وكلنا نتابع كم أغرق البحر من الاطفال والعوائل والشباب المتعطشين للحرية الهاربين من جحيم اوطانهم لقوا مصيرهم في افواه البحر ومزّقتْ اجسادهم حيوانات البحر ولم يسلموا من حيتان البرّ ليقعوا ضحايا الحيتان والقروش المفترسة في البحر

وكل ماتقوله الصديقة الجارة الحميمة جدا لنا تركيا بانها تسيطر تماما على عمليات الهجرة غير الشرعية سواء كانت برّا او بحرا وتسعى الى ايقافها او الحدّ منها على الاقلّ ليس سوى ذرّ الرماد في العيون ايهاما وخديعة مع انها قادرة على ذلك طالما ان تلك الانشطة تدرّ ربحا وفيرا، فلتذهب المواقف الانسانية الى الجحيم مادام غضّ البصر يثري اقتصادها وينمّي ثرواتها ويزيد من استثمارها لصالح مواطنيها ولو على حساب المسحوقين من جيرانها والاّ بماذا نفسر حصول الاتراك على ستة مليار دولار ونصف من الاتحاد الاوروبي عدّا ونقدا لمساهمتها في " احتضان " اللاجئين السوريين والعراقيين في اراضيها ودفع اكثر من مليون لاجئ الى السواحل الاوربية في هجرات متواصلة، والغريب انها لاتكتفي بهذا المبلغ بل تريد زيادته الى مايفوق التسعة مليارات دولار ثمنا وفيرا تنتشي فيه من اتعاب المكدودين التاركين بلادهم بسبب وطيس الحرب التي لاتريد ان تنتهي وحتى لو خفت أوارها هناك على الرفّ ازمات اخرى تقوم المنافع بتنزيلها وتسويقها مثلما ابتكروا داعش والمجموعات المسلحة الهائلة في سوريا لأفراغ الخزين المالي لدى العرب والحصول على مكافآت ومنن الاتحاد الاوروبي وما تغدقه المنظمات الدولية الانسانية الذي يذهب جزء منه في غير قنواته الانسانية

ليس هذا فحسب بل تسعى تركيا الى اعادة اسطوانتها المشروخة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي وهو الحلم التركي الذي يؤرقها منذ أمد بعيد، ومن يدري فربما يتقدم الاتراك خطوات الى الامام بهذا المسعى / الحلم خاصة وان ميركيل الان قد حطّ رحالها عند ال عثمان وكيف ستثمر زيارتها ومحادثاتها مع اوغلو ومع اردوغان

تلك هي مصائب العرب تقع على رؤوسهم هموما وبلوى وكوارث لاتحتمل لكنها بنفس الوقت تدرّ فوائد جمّة على غيرهم مثلما قال جدّنا المتنبي فنحن مصائبنا لنا وحدنا لكنها لدى جيراننا نعمة ورخاء ووجه سعد وبشائر خير

لم يبقَ الاّ ان تطيح بنا مصائب غيرنا ايضا لتزداد أحمالنا اكثر فأكثر فظهورنا غدت محنيّة لمن يعتليها وليتها تنكسر وتنشلّ وتذوي قوتها ويذوب شحم سنامها وينضب نفط ارض العرب لنعيش فقراء غير محسودين وتغض العيون الطامعة وتخفض بصرها عنا كي نعيش بسلام وكفاف العيش

 

جواد غلوم

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
حقاً كلامكم صحيح جداً . لاني زرت تركيا . اسطنبول , وشاهدت بعيني الحقائق والوقائع كما ذكرها صديقكم . شاهدت التجار المتاجرين بالبشر للموت . يشتغلون بشكل علني , ومكاتب تحت مسميات مخادعة , يتنافسون على الضحية القادمة , لقد تقمصت انا وصديق عزيز دور المهاجرين , وكيف كان التنافس بالفوز بنا كضحايا جدد , وكنا نداهرهم بالسعر , وعندما ييأسوا منا يخفضوا السعر الى النصف . انها تجارة رابحة انفتحت على تركيا . اما سترة الانقاذ اسميها كفن الموت , فبدلا من ان تنتفتح بالضغط الهوائي حتى يكون الغريق عائم فوق المياه , يحدث العكس لانها في داخلها اسفنجة تمتلئ بالماء وتكون كالصخرة الثقيلة للموت والغرق . ويلعب اردوغان سياسة شيطانية في ابتزاز الاتحاد الاوربي , بأنه قرر دعم تركيا بمبلغ ثلاثة مليارات يورو , واردوغان يريدها نقداً كاش فوراً , وإلا فقد هدد اوربا بدفع اكثر من 600 ألف مهاجر اليها . اما حلمه في الانضمام الى الاتحاد الاوربي , فأنه اغثاث احلام لا تتحقق منذ اكثر من ثلاثة عقود قدم الطلب , واوربا قدمت المطاليب من اهمها ديموقراطية الحياة العامة , واعتراف بحقوق الاكراد , وحل قضية قبرص
اتمنى كل عراقي قبل ان يقدم على الهجرة ان يقرأ مقالكم الرائع , وارجوا ترويجه على اكثر من وسيلة اعلامية , واذا اقتنع بالمقال لو عشرة افراد , لسجلت حسنة باضعافها . لانها تسعى الى انقاذ المواطنين من مغامرة الموت . اما السؤال لماذا وصل الى اوربا مئات الالاف , الجواب نصفهم حالفهم الحظ , وهؤلاء معرضين اكثريتهم الساحقة للعودة والطرد من اوربا . اما النصف الاخر الثاني , فهؤلاء بقدرتهم المالية العالية تكون الهجرة الى اوربا مثل سفرة سياحية ممتعة . وخاصة كل الدول الاوربية تمنح الاقامة السنوية باجراءات سريعة وفورية بدون المرور بالمخيمات اللاجئين , التي تشبه معسكرات الاعتقال . اذا كان الفرد يملك 100 ألف دولار , اما اذا وظفوا امولهم في اي بلد اوربي , مثل شراء عقارات او فتح مشروعات تجارية , فأن الترحيب سيكون عالياً وحاراً . اهلاً وسهلاً في بلدك الثاني , اما منح الجنسية فانها وقت وجيز يتابعها المحامي , حتى يأتي بها جاهزة على الصحن الطائر , الآن المانيا التي احتضنت اكثر من 800 إلف لاجئ , يبحثون عن هوياتهم الحقيقية وليس المخادعة بتصريحاتهم غير الحقيقية , وقد اضطرت مستشارة المانيا ان تتجرع الهزيمة بالطرد وخسارة حزبها , لذلك صرحت بأن كل اللاجئين وجودهم موقت وسيعودون الى بلدانهم . اما الفئة المختارة منهم , فهؤلاء بنعيم ورغد بسبب اموالهم التي بحوزتهم او الاموال التي سترسل لهم لاحقاً , هذا زمن الحرامي والفاسد والديوث , يعيشون بنعمة الترف والدلال والجنة . اما المغضوب عليهم فيكونوا طعام لحيتان البحر , او لموت بالارهاب الدموي , الذي اصبح قدر العراقي , في حكم المحاصصة الفرهودية , بقيادة الضفادع المعممة
تحياتي لكم بالصحة والعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الاديب الرائع جمعة عبد الله
طابت ايامك
شكرا كثيرا على قراءتك الذكية واضافاتك الواردة في تعليقك ربما لاني غفلت عن بعض المعلومات التي أثريتني بها حقا لما يلاقيه المهاجون من العنت والاستغلال والتعسف من قبل الاتراك
سأقوم بناء على توصيتك وحرصك على تعميم المقال وتوسعة نشره
اكرر شكري وامتناني

جواد غلوم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3444 المصادف: 2016-02-09 00:31:03