المثقف - قضايا

علي الوردي (47): العقل البشري قاصر بنيوياً والعقل الباطن يجعله مسيّراً وليس مخيّراً

husan sarmakالعقل البشري قاصر بنيوياً: لم يربط الوردي معضلة الموضوعية الشائكة في الحياة عامة وفي العلوم الإنسانية خاصة بنسبية الحقيقة الاجتماعية أو بزاوية النظر إلى الحقيقة (الهرم متعدّد الأوجه)، ولكنه غاص عميقا في بنية العقل البشري ليكشف أن العجز البشري عن الإمساك بالحقيقة المطلقة يعود إلى نقص متأصل في بنية العقل البشري نفسها . إن ما أسماه بـ (النظرية الجزئية) يعود إلى قدرة العقل المحدودة برغم أن العقل هو من الفروق التي يتميز بها الإنسان عن أخيه الحيوان حسب قوله . يقول الوردي:

(إن من الخطأ أن نُنكر أهمية العقل البشري، وكذلك من الخطأ أن نثق به ثقة مطلقة . ولا بد أن يكون هناك حد وسط بين هذين الطرفين . وهو لا يعيد هذا القصور إلى عوامل بايولوجية أو عرقية ولكن إلى عوامل اجتماعية . فـ (العقل في حقيقة أمره نتاج اجتماعي، وهو صنيعة الثقافة الاجتماعية التي ينشأ فيها الإنسان . فإذا وجدنا إنسانا خرج بتفكيره عن الإطار الذي فرضته عليه الثقافة الاجتماعية فسبب ذلك أنه تأثر بثقافات أخرى . وهو في تأثره هذا يجري على قوانين لا يستطيع التحرّر منها إلّا قليلا . ولو أنه عاش في بيئته المنعزلة ولم يعرف عن غيرها شيئا لوجدناه منسجما إلى حدّ كبير).

 

 التنويم الإجتماعي يدفع العقل البشري إلى الإنحياز:

و(التنويم الاجتماعي) هو واحد من أهم السُبل التي تروّض العقل البشري للرضوخ، ليس للحقيقة النسبية حسب، بل لممارسته الانحياز (دون أن يعلم) . فالمجتمع يسلّط على الإنسان منذ طفولته الباكرة ايحاء مكررا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية وهو بذلك يضع تفكير الإنسان في قوالب معينة يصعب الخروج منها) . وكما يقول (لاندس) أن تسعة أعشار ما نعمل وما نقول وما نفكر وما نشعر منذ استيقاظنا في الصباح حتى رجوعنا إلى فراش النوم في المساء يجري طبق ما يوحي إلينا المجتمع به من قواعد وقيم وآداب وعادات . (وبالمناسبة لم يلتفت الوردي إلى أن المثل الذي يضربه لاندس مشتق من مثل كلاسيكي في أدبيات التحليل النفسي التي ترى أن ما يحكم سلوكنا ليس عشر جبل الثلج الطافي من عقلنا بل التسعة أعشار اللاشعورية الغائصة) . ويعلّق الوردي على افتراض لاندس بالقول:

(نقوم بكل ذلك ونحن نعتقد بأننا مخيرون فيما نعمل وأننا أردنا ذلك وقصدنا إليه وفكرنا فيه قبل البدء به إلى آخر ذلك من أوهام . الواقع أننا نفعل ذلك بناء على ما أوحى به إلينا المنوّم الأكبر، أي المجتمع) .

 

العقل الباطن يجعل الإنسان مسيّراً وليس مخيّراً:

وهذا يحيلنا طبعا إلى معضلة هائلة هي معضلة المخيّر والمسيّر في الحياة الإنسانية معرفة وسلوكا .. وفوق أننا نسيّر من قبل المجتمع وهو (المنوم الاجتماعي الأكبر) كما وصفه الوردي فنحن نسيّر وبدرجة أشد قوة من قبل قوة منوّمة أخرى هي (العقل الباطن) أو اللاشعور . فنحن بحق مخيّرون بالشعور لكننا مسيّرون باللاشعور .  

يقول الوردي:

(إن دراستنا لمحتويات اللاشعور قد تقلب أمام بصرنا وجه العالم فنحن بعد اكتشافنا ما فيه من خفايا سوف نرى الأمور على غير ما كان يراها الآباء والأجداد رحمة الله عليهم . إن اعتماد أسلافنا على العقل الواعي أدّى بهم إلى مساوىء جمّة . فجهلهم بما في اللاشعور من حوافز وكوامن وقيود جعلهم يؤمنون بأن الإنسان قادر على نوال النجاح والفضيلة والحق .. متى أراد وسعى وفكّر.. فهم كانوا يقولون للفاشل: من جدّ وجد، وللمجرم: ارجع إلى عقلك، وللظالم: أليس لك ضمير ؟ وهم في أقوالهم هذه  كلها مخطئون إلى حدّ بعيد) .

 

القوقعة الفكرية تفاقم قصور العقل البشري:

ومن الأطروحات الريادية للوردي في هذا المجال هي موضوعة (القوقعة الفكرية) التي تضيّق زاوية نظر الفرد إلى الحقائق وتجعله متصلّبا في التمسّك بما يعده حقائق قاطعة ونهائية من وجهة نظره . وقد بدأ الوردي طرح هذا المفهوم تحت مصطلح (الإطار الفكري) في عام 1952 وذلك في كتابه (خوارق اللاشعور) حيث أشار في مقدمة الكتاب إلى أن ما نلاحظه من خلافات مستعرة بين البشر حول الحقيقة التي من المفروض أن تكون واحدة وثابتة تعود إلى (الإطار العقلي) الذي يحيط بعقل الفرد ويحدد الكيفية التي ينظر بها إلى الكون من خلاله، ولذلك نجده لا يصدق بأي أمر يقع خارج هذا الإطار . وهذا الإطار متماثل في جميع الناس وسيان في ذلك بين المتعلمين منهم وغير المتعلمين . ويستعين الوردي بمقولة للإمام الغزالي ردّدها الأخير كثيرا في كتبه وهي:

(إن الإنسان يستغرب ما لم يعهده، حتى لو حدثه أحد أنه لو حك خشبة بخشبة، لخرج منها شيء أحمر، بمقدار عدسة، يأكل هذه البلدة وأهلها، ولم يكن رأى النار قط، لاستغرب ذلك وأنكره) .

 

 مرونة (الإطار الفكري) هي التي تحدّد ثقافتنا:

ثم يخصّص الوردي الفصل الأول بأكمله من كتابه هذا لتناول موضوعة الإطار الفكري وفيه يحدد أولا الكيفية التي يتميز بها المثقف عن المتعلّم من خلال مرونة الإطار الفكري الذي يحمله كل منهما، فالمتعلم هو الذي يتعلم أمورا لا تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره، وبهذا فهو لا يزداد من العلم إلا بما يزيد في تعصبه ويضيق من مجال نظره . أما المثقف فهو الذي يمتاز بمرونة إطاره الفكري وحيوية أفكاره المستعدة لتلقي كل فكرة جديدة والتأمل فيها ولتملي وجه الصواب منها . ووفق مرونة هذا الإطار يضع الوردي مقياسا لدرجة ثقافة المثقف حيث يرى أن هذا المقياس يقوم على درجة تحمّل هذا الشخص الذي نسميه مثقفا الآراء المخالفة لآرائه وكيف يستوعبها ودرجة الحساسية التي يبديها تجاهها . ويتكون الجزء الأكبر من الإطار الفكري الذي ينظر الإنسان من خلاله إلى الكون من المصطلحات والمألوفات والمفترضات التي يوحي بها المجتمع إليه ويغرزها في عقله الباطن . فالإنسان إذن يتأثر بها من حيث لا يشعر , فهو حين ينظر إلى ما حوله لا يدرك أن نظرته مقيّدة ومحدودة . وكل يقينه أنه حر في تفكيره .

وتترتب على هذا اليقين نتيجة خطيرة تتمثل في أن الإنسان ما يكاد يرى أحدا يخالفه في رأيه حتى يثور غاضبا ويتحفز للاعتداء عليه . وهو عندما يعتدي على المخالف له بالرأي لا يعد ذلك شيئا ولا ظلما إذ هو يعتقد بأنه يجاهد في سبيل الحقيقة ويكافح ضد الباطل . ويرى الوردي أن أغلب الحروب والاضطهادات التي شنّها البشر بعضهم على بعض في سبيل مذهب من المذاهب الدينية أو السياسية ناتجة عن وجود هذا الإطار اللاشعوري على عقل الإنسان . وقد أكد الوردي كثيرا أن هذا الإطار هو سبب ظاهرة (التعصّب) في السلوك البشري . ويصل الوردي إلى القول أن الإنسان متعصب بطبيعته . يقول الوردي:

(ظن القدماء بأن التعصب أمر طاريء على العقل البشري حيث اعتقدوا بأن العقل ميّال بطبيعته إلى الحياد في النظر والنزاهة في الحكم . فإذا رأوا إلى إنسان يتعصب لرأيه غضبوا عليه ولعنوه . وما دروا بأنهم مثله متعصبون، وأنهم في هذا كمثل ذلك الغراب الذي يعيب غرابا آخر بسواد وجهه، وهو مثله أسود الوجه . تشير الأبحاث الحديثة إلى أن التعصب صفة أصيلة في العقل البشري وأن الحياد أمر طاريء عليه .. فنحن لا يجوز لنا أن نعجب إذن من مثل هذا التعصب في عقل الإنسان . الأولى بنا أن نعجب من وجود الحياد فيه) (336) .

 

د. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

المنحنى البياني لخط تفكير الوردي يتحرك وفق حركة جيبية. صعود و هبوط. تنظير و تحليل ثم مراقبة و ووصف. مثل هذه اللامنهجية في التفكير لا تعني أنه يناقض نفسه. و لكن يلبس لكل حالة لبوسها. كما نقول: لكل مقام مقال.
و لكن عادة علماء الاجتماع الحليين أن يكون العمل كله من حلقات متجانسة. و هو ما لا يتوفر في الوردي.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3465 المصادف: 2016-03-01 01:44:49