المثقف - قضايا

هل الدولة ظاهرة نبوية ام ظاهرة بشرية؟

الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر طرح فكرة كون الدولة "ظاهرة نبوية" نشات على يد الانبياء، يقول السيد الشهيد الصدر "رضوان الله عليه": "ان الدولة ظاهرة اجتماعية اصيلة في حياة الانسان، وقد نشات هذه الظاهرة على يد الانبياء ورسالات السماء، واتخذت صنعتها السوية،ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الانساني وتوجيهه من خلال ماحققه الانبياء في هذاالمجال من تنظيم اجتماعي قائم على اساس الحق والعدل، يستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح، قال تعالى: (كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ومااختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ماجاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم) (البقرة، 213) "(1)

  وهناك نظريات كثيرة تحدثت عن نشاة الدولة في حياة الانسان، منها: نظرية التطور التاريخي، نظرية العائلة، نظرية القوة ويقابلها في التراث الفقهي عند المسلمين " نظرية الغلبة "، نظرية العقد الاجتماعي. والدولة في اللغة بالفتح والضم من دال يدول، يراد بها مادار وانقلب من حال الى حال، فيقال دالت له الدولة اي صارت اليه، وتداولته الايدي اي تعاقبته، وهذه المعنى اللغوي للدولة الذي يشي بعدم كونها مستقرة، هو اقرب الى مفهوم السلطة منه الى مفهوم الدولة وبنفس هذا المعنى الذي يشي بعدم الثبات والاستقرار، تحدث امير المؤمنين في عهده الى مالك الاشتر:

" ثم اعلم يامالك اني قد وجهتك الى بلاد قد جرت عليها دول قبلك " فالسلطة والنظام السياسي هي المتغير، اما الدولة فهي مفهوم وكيان ثابت، وكثير من الكتاب يخلط بين مفهوم الدولة والسلطة السياسية. . عرفت الدولة بالمعنى الاصطلاحي بتعاريف كثيرة، ومن هذه التعاريف تعريف عبدالحميد متولي بان الدولة: " عبارة عن ذلك الشخص المعنوي الذي يمثل قانونا امة تقطن ارضا معينة وبيده السلطة العامة".(2)

 

الدولة في الاسلام دولة مدنية بمرجعية اسلامية

كثيرا ماترد في كتابات العلمانيين صورة مشوهة للدولة الاسلامية، معتبرينها دولة دينية ثيوقراطية على انموذج الدولة الدينية في القرون الوسطى، والتي ادت بعد صراع طويل الى ازاحتها، وابعاد نموذجها المتخلف والظلامي، وعزلها في دائرة ضيقة من دوائر الحياة، بعيدا عن ادارة الدولة والسياسة، مدعمين هذه الصورة الظلامية، من واقع الحركات التكفيرية التي اختطفت الاسلام، ومارست القهر والظلم وقطع الاعناق، واكل الاكباد والقلوب، وسبي النساء،وتفجير الناس في الشوارع والاسواق والبيوت والمساجد.

  فهل حقا هذه صورة الدولة في الاسلام، هل كانت دولة المدينة التي اقامها رسول الله (ص) على هذه الشاكلة، الم تراعي فيها الحقوق، وتصان فيها الكرامات، هل كانت دولة علي (ع) على هذه الشاكلة، الم يحم عليا حديدة وقربها من يد اخية، فضج ضجيج ذي دنف من المها وكاد ان يحترق من حرارتها، هل تجد صورة من العدل كهذه في كل الدنيا.

الدولة في الاسلام دولة مدنية يخضع فيها الحاكم والمحكوم لدستور تسري مواده على الجميع، فكيف تكون دولة دستورية كهذه دولة ثيوقراطية دينية. والحركات المتطرفة حينما تطرح فكرة الحاكمية لم تميز بين السلطة والدولة، فالحاكمية تعني ان الدولة محكومة بالتشريع الالهي، اي ان لها مرجعية الهية، اما السلطة فهي زمنية وهي حق الامة، والامام علي (ع) عندما رد على مقولة الخوارج  طليعة الحركات التكفيرية " لاحكم الا لله " فقال (ع): " كلمة حق يرد بها باطل، اي ان حاكمية الله في التشريع والدولة تستمد مرجعيتها التشريعية من الله، هذا حق، ولكن ويكمل الامام (ع) قوله:"ولكن هؤلاء يقولون لاامرة الا لله (اي لاسلطة سياسية)، وانه لابد للناس من امير بر اوفاجر يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الاجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتؤمن به السبل، ويؤخذ للضعيف من القوي حتى يستريح به بر ويستراح من فاجر".

 فهذه الوظائف تقوم بها كل النظم السياسية، والامام (ع) يتحدث عن دولة مدنية تسع الجميع المؤمن والكافر، والحاكمون فيها بشر يقومون بوظائف الدولة من حماية الناس وحفظ الحدود وحفظ ممتلكات الناس وارواحهم . فالدولة الاسلامية دولة مدنية بمرجعية اسلامية.

 

المبررات التي طرحها السيد الصدر من كون الدولة ظاهرة نبوية

والمبررات التي قدمها السيد الشهيد الامام محمد باقر الصدرمن كون الدولة ظاهرة نبوية، هي استناده الى الاية: "كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ومااختلف فيه الا الذين اوتوه من بعد ماجاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين امنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم" البقرة، 213، فالاية تؤكد ان البشرية مرت بثلاث مراحل:

1- مرحلة الفطرة(الامة الواحدة)

2- مرحلة الاختلاف

3-مرحلة رفع الاختلاف على يد الانبياء

والحكم يرتبط بالاختلاف ورفعه، فالقاضي يحكم بين المتخاصمين ليرفع الاختلاف، وهكذا هو الامر مع الحاكم، مع السلطة التنفيذية، انما لرفع اختلاف المحكومين،وهذا الدور قام به الانبياء كما اشارت الاية الكريمة. وايضا استند الامام الشهيد الصدرالى الواقع التاريخي للانبياء الذين حكموا كما في مثال داود وسليمان، والذين ناضلوا من اجل اسقاط المستبدين واقامة الحكم العادل كما في موسى (ع)، ولاننس دور النبي يوسف عليه السلام الذي وضع خطة سباعية لانقاذ الدولة المصرية من انهيار اقتصادي محقق وبسبب نجاحه، طلب من الملك ان يكون على خزائن الارض، اي كان وزيرا للمالية ووزيرا للتموين. فالانبياء لم يكونوا مجرد دعاة لتوحيد الله تعالى، وان كانت هذه مهمتهم الاساسية.تجارب الحكم والدولة لم تكن بعيدة عن توجيهات الانبياء .

حتى ان بعض الباحثين يرى ان حمورابي هو النبي ابراهيم (ع)، فالقوانين الموجودة فيمسلة حمورابي فيها احكام شرعية تنسجم مع القران والتوراة مثل " العين بالعين " وفيها ايضا قوانين جائرة وليس الجور من الانبياء وتعاليمهم، الجور ياتي من تحريف البشر لهذه التشريعات السماوية. وحمورابي تعني "حامة الرب" اي خليل الرب. ابراهيم الذي جاء بالصحف " صحف ابراهيم وموسى " اين هي صحفه؟ حرفت، شوهت، ضاعت.

  بعض الكتاب يقول:" دولة النبي سليمان لايمكن اعتبارها دولة بالمعنى المالوف، وانما هي نموذج استثنائي تديره الجن وتشغل مواقعه الوظيفية الطيور، كالهدهد، وماشابه ذلك من امور عجائبية، خلاف الحديث عن الدولة بمفهومها البشري العادي "

 اقول: كونها دولة حدثت فيها هذه الامور العجائبية لايلغي كونها دولة بشرية، كانت على رقعة جغرافية محددة، ولها شعب من البشر،وتحكمها  سلطة سياسية، فهي تمتلك كل مقومات الدولة البشرية.والرسول الاكرم توج محاولات الانبياء باقامة دولته في المدينة.

وان كنت اميل الى الراي الذي طرحه الشهيد الصدر، والذي اراه لايلغي كون الدولة ظاهرة اجتماعية افرزتها حاجات الاجتماع الانساني، ولكن الانبياء كانوا القادة والرواد، ولكنني لااثبت وبضرس قاطع كون الدولة ظاهرة نبوية ولاانفي ذلك.

 

زعيم الخيرالله

...........................

المصادر

1- نقلا عن كتاب لمحات فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية في ايران.

2- نقلا عن السيد حسن بحر العلوم (جدلية الثيوقراطية والديمقراطية) ص 339.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3475 المصادف: 2016-03-11 00:30:52