المثقف - قضايا

حتى فوائد القصص يقتلها التعارض في القول

saleh altaeiإلى المتشددين المتعسفين الذين يحرمون اللهو البريء ويمنعون أولادهم من اللهو بحجة أنه حرام أو أنه يلهي عن ذكر الله، إن في تراثنا قصص إنْ صدقت فهي تدلكم على أن في بعض اللهو مكسبا ومغنما إن لم يكن للجسم فللفكر وللعقيدة، وأن التعارض في النقل هو الذي تسبب في تشويه صورتها، فجئتم وأخذتم بأقبحها شكلا وتركتم جمالها، فأصبح الإسلام بسبب التعارض والانتقاء دينا يبدو قائما على مباني التشدد والكراهية والبغضاء دون أن يعطي للنفس فرصة اللهو النقي.

ومن قصص التاريخ التي تبيح اللهو لما فيه من الفائدة، ما نقله ابن إسحاق في السيرة النبوية عن شخص اسمه ركانة، فقال: كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف أشد قريشا، فخلا يوما برسول الله (ص) في بعض شعاب مكة، فقال له رسول الله: يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟

قال: إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك.

فقال له رسول الله: أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟

قال: نعم!

قال رسول الله: فقم حتى أصارعك.

قال: فقام ركانة إليه، فصارعه، فلما بطش به رسول الله (ص) أضجعه لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال ركانة: عد يا محمد، فعاد فصرعه. فقال: يا محمد والله إن هذا للعجب، أتصرعني؟

قال رسول الله (ص): وأعجب من ذلك؛ إن شئت أريكه، إن اتقيت الله، واتبعت أمري؟ قال: وما هو؟ قال: أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني.

قال: فادعها. فدعاها النبي، فأقبلت حتى وقفت بين يديه. فقال لها: ارجعي إلى مكانك، فرجعت إلى مكانها.

قال: فذهب ركانة إلى قومه، فقال: يا بني عبد مناف، ساحروا صاحبكم أهل الأرض فوالله ما رأيت أسحر منه قط، ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع.

وفيها يبدو أن النبي هو الذي طلب مصارعة ركانه، وأن ركانة لم يقتنع بما قاله وأراه له النبي (صلى الله عليه وآله) بعد انتهاء المصارعة، فاتهم النبي بأنه ساحر!

وفي نقل آخر، روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس (رض): أن يزيد بن ركانة صارع النبي (ص)، فصرعه النبي ثلاث مرات، كل مرة على مائة من الغنم، فلما كان في الثالثة، قال: يا محمد ما وضع ظهري إلى الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إلي منك. وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقام عنه رسول (ص)، وردَّ عليه غنمه.

حيث يبدو من هذه الرواية أن الشخص اسمه (يزيد بن ركانة) بينما كان اسمه في رواية ابن إسحاق (ركانة بن عبد يزيد)، مع تعتيم على من طلب المصارعة، ويتضح منها أن الرجل أعلن إسلامه بعد هزيمته!

وفي نقل ثالث، روى الخطيب البغدادي، وصححه الألباني في إرواء الغليل، عن سعيد بن جبير أن أحد أقوى المصارعين العرب؛ واسمه ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي المكي.‏ وكان شديد البأس قوي الجسم معروفا بالقوة في المصارعة بحيث إنه لم يصرعه أحد قط ولم يمس جنبه الأرض مقلوبا قط، وكان قد أعجز الناس، فلم يقدر على صرعه أحد منهم، ولم يصمد بوجهه أحد منهم، حيث كان يهزم كل من تحداه بسهولة ويسر، فأصابه الغرور، وقرر أن يجرب حظه العاثر مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) فجاءه ومعه ثلاثمائة رأس من الغنم، فقال: يا محمد، هل لك أن تصارعني؟

قال رسول الله(ص): وما تجعل لي إن صارعتك؟

قال: مائة من الغنم.

فصارعه، فصرعه!

ثم قال: يا محمد هل لك في العود؟

فقال رسول الله(ص): وما تجعل لي؟

قال: مائة أخرى. فصارعه، فصرعه.

وذكر الثالثة، فقال: يا محمد، ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إليَّ منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقام عنه رسول الله(ص)، ورد عليه غنمه.

ويبدو منها أنه هو الذي طلب من النبي أن يصارعه، وأنه أسلم بعد خسارته الجولة الثالثة!

إن قصة ركانة وما فيها تثبت أنه صارع النبي في مكة المكرمة، وفي أحد شهابها تحديدا، لكن هناك من قال: إن ركانة أسلم عام الفتح في سنة ثمان للهجرة، وتوفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة 42 للهجرة.

وبعد ذلك انشغل المتخصصون بالسنة في تناقض الرواية ومحاولات إثبات الصحيح منها ولم يلتفتوا إلى قيمتها الفكرية والدرس الذي ممكن أن يتعلمه المسلمون منها!

 

صالح الطائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قصصشيقة عن الكرامات و المعجزات. لكن عمليا و ماديا كان الرسول (ص) فارسا و متبن البنبة و لديه إيمان بما يفعل و هذا وحده يكفي للتعويض عن أي خلل بنيوي.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

أحسنت أخي الفاضل كان رسول الله(ص) فارسا حقيقيا وبطلا لاذ الصحابة(رض) بجنبه عند الشدائد وإن كانوا قد قالوا ما قالوا عن ركانة فلأنه كان يفخر بإعلان قوته أما النبي فلم يكن يأبه لموضوع القوة فهي عنده من المدخرات التي يستخدمها في مكانها الصحيح... شكرا لك

صالح الطائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3551 المصادف: 2016-05-26 02:18:30