المثقف - قضايا

إسلاميات بشرى البستاني

saleh alrazukفي كتابها (روائع قرآنية)* تعمد الدكتورة بشرى البستاني للببكاء وذرف الدموع على الحضارة الغريبة الجريحة التي تلفظ أنفساها على مذابح الشهوة والأنانيات. وبالأخص على عتبات الفكر المادي الساقط والفاشل والمحكوم بالرعب والجدب كما تقول، وتنعي علينا الانحطاط الأخلاقي والأرواحي في المشرق حتى أننا حولنا ماهية وجوهر دين الإسلام، الذي جاء لاستكمال مكارم الأخلاق، إلى قيود وموانع وأمراض، وفوق ذلك إلى عنف ودمار.

لا أجد أي غبار على هذا التمهيد العاطفي. فهو يعكس ما في حضارتنا من تضخم  للجانب الأنثوي أو (النسوي وأنا أفضل هذا التعبير لأنه أقرب للمعرفة الاجتماعية من البيولوجيه).

و لكن لا بد أن أنوه أن مادية الغرب ليست محل الإدانة على وجه الإطلاق فالذين حاكموا غاليليو وحكموا عليه بالهرطقة هم من أنصار النظريات الروحية والتفسير فوق الطبيعي للعقل. بينما من نصب له التماثيل وصحح مسار البشرية هم الماديون أنفسهم الذين اخترعوا الانفجار الذري، واكتشفوا الطاقة التدميرية الهائلة والرادعة الموجودة في انشطار النواة. إن المعرفة نسبية ومثلها الأحكام. وهذا مبدأ إسلامي معروف حتى في التشريعات.

فهي ذات فعلية. وخذ على سبيل المثال الحرابة أو القوامة على النساء أو حتى الإفطار في رمضان.

كما يقول ماجد الغرباوي مع انتفاء الشرط يسقط التشريع. ومع ذلك يمكننا أن نتفهم غيرة الدكتورة بشرى البستاني على بقايا التفكير الرومنسي عند الإنسان. فالطاقة النفسية والمواساة والتعاطف الوجداني هي جوانب لها تأثير في اللاشعور، وتصنع المعجزات.

وكما قالت ما معناه: إن التفكير بالرعب غير إنتاج الرعب ذاته (ص17). والإيمان هو الميزان الذي يفاضل بين نوازع الخير والشر والأهداف (ص 17).

فالعبثية التي جاءت نتيجة للحرب العالمية لا تفيد البشرية وتساعد على مزيد من التدهور والعدمية وتوسيع الفراغ والسأم اللامجدي.

بينما الغائية والاهتمام بأسباب الوجود (ضمنا الخالق – بمعناه الرمزي أو بفعاية معناه وحرفيته) يساعدنا على الاهتمام بغائية الجمال ومكامنه (ص 17).

ويقودها ذلك لقفزة واسعة تختصر بها من تاريخنا العقلي معاناة ونكبات حوالي خمس عشرة قرنا. ألف وخمسمائة عاما حافلة بالحروب والصراعات وتآكل الذات من الداخل. ناهيك عن تفكيك وتشويه الصورة.

وتقول بالنتيجة إننا بحاجة لأن نركن أنفسنا لمنهجية إسلامية معاصرة تنقذنا من ضلالات وانحراف الغزو الثقافي وموت الهوية (ص 14). بين قوسين ربما تريد أن تقول الأصالة وهلم جرا من مصطلحات نعرفها حق المعرفة.

فهي نتيجة المخاض الذي بدأ مع عصر التنوير ثم النهضة والإحياء القومي الذي جاء في صيغة إسلامية.

وأرى أن الإسلام هنا خارج السياق. فهو فقط لمجاملة الجموع. ولا أستطيع أن أغض الطرف عن سؤال بمنتهى الأهمية.

ماذا نعني بالإسلام ومنهجية العقل الإسلامي؟.

هل يوجد لدينا نسخة معتمدة أو متفق عليها من الأدوات الإسلامية؟.

وأين يمكن أن نضع ثنائية المقدس والجدلية التاريخية. أمام النص أم تحته؟؟.

وماذا نعني بالنص؟ .

هذه كلها تساؤلات بريئة لم تحاول المؤلفة أن تتعرض لها. كانت تقارب عموميات الموضوع من نظرة إيمانية بلا تفاصيل أو حيثيات. إن مشكلتنا مع الإسلام كما تعترف المؤلفة وتقر أنه يعاني من التشرذم (ص 20). لدينا طوائف ومذاهب متناحرة تقتل بعضها بعضا إن لم تحكم على بعض وجهات النظر والاجتهادات بالتكفير. لقد بدأت الردة في الإسلام مع الخط الأحمر الذي رسمه معاوية ويزيد. أما حروب الردة التي اندلعت في عهد أبي بكر فهي ليست إعلانا عن ردة حقيقة، بل مشاغبات محدودة داخل البيت.

كانت معارك يزيد صدعا قاصما كسر ظهر الإيديولوجيا الإسلامية وغير وجه وشكل الحكم والسلطة وبالتالي مصير ومسار الدولة كلها. ولللأسف إن أجندا الجماعات الجهادية المعاصرة تبدأ من هذه النقطة.

نقطة الفتنة أو منعطفها.

فهي تضع نصب عينها الاستيلاء على الدولة قبل تنقية العقيدة وطرائق الإيمان من الشوائب والغبار الإيديولوجي الناجم عن بعد المسافة التاريخية ببين المنشأ ومنافذ التوزيع. إن الإسلام منهج معرفة (ص 25) ولا توجد أية قوة في العالم مخولة بفرض المعرفة وشروطها قسرا. فالمعرفة تربية وتطوير وتنمية وتحتاج لوقت وليس لفعل راديكالي تخريبي. وتحرير الإنسان من العبوديات المادية المفروضة عليه لها الأولوية قبل تحرير النظام بأكمله لأن نظاما من غير إنسان يؤمن به لن تكون له قيمة أو مردود.

وأريد من التذكير بهذه البديهيات الوصول لنتيجة واضحة..

إن الرسالة الإسلامية بنت ظروفها الحضارية، وتعرضت لتراكمات عبر الحوادث. ولذلك لا يمكن استعمال بقاياها لتحقيق نهضة حقيقية. إن فكرة أن الإسلام هو الحل لم تعد تجدي نفعا. لسبب بسيط أن أدواتنا الإسلامية بحاجة لإعادة تعريف وتحديد.

وليس بمقدور أحد أن يسند هذا الدور لأي جهة من الجهات المعروفة في الميدانين العسكري أو السياسي.

ولذلك يمكنني قراءة دعوة المؤلفة لنشر معارف إسلامية (باسم منهج شامل) أنها دعوة للتأويل والتثقيف وليس لفرض القوة والاستيلاء على الدولة. وما تشير إليه بمفردة العقيدة  (ص 18) لا تعني به أكثر من معنى جوهر الإيمان أو التربية الإسلامية. فصناعة إنسان مسلم مثقف غير صناعة روبوتات إسلاموية  وإذا بدأ الإسلام بشكل دعوي لم تكن الدولة في ذهنه بل الثقافة والتربية. وبكل بساطة أين الدولة في فجر الإسلام؟. لم تكن توجد حدود ولا مؤسسات ولا حتى رئيس دولة.

ولا أظن أن الوحي الذي لا تراه الأعين يمكن أن تسند له أي دور وظيفي في هرم الدولة.

و لكن دخل الإنسان في فترة المدينة بتفاصيل مادية التفت من حول معنى الإيمان بالروح ليكون إيمانا فيزيائيا له تجليات مادية. لقد تدخل الدين لضرورة تنظيم حلفائه في كل شؤون الحياة من النظافة وحتى شراكة المرأة والرجل في السرير. ولا أعتقد أن لدينا فضاء معاصرا يمكنه التلاؤم مع هذه المقتضيات التي عادت لطبيعتها الشخصانية. لقد كانت تلك التوجيهات محكومة بمجتمع الثكنة العسكرية المقاتلة. ولا يمكننا أن نبني مجتمعا مدنيا بشرائع ودساتير دون اللجوء لأسلوب التخفيف والتواؤم. أصلا في الإسلام توجد قاعدة ذهبية: أن الحرب خدعة.

ولا يعني الرسول في هذه الحكمة المكر بحد ذاته. ولكن إيجاد الحل الصحيح للمعضلة الشائكة.

فالوجود له عمق تكويني (ص 29) ويحتم على الإنسان أن يعمل فكره للتوصل إليه، ولتحقيق مبدأ سعادة الإنسانية ( ص 29).

إن ما بحوزتنا اليوم هو دين خاص بشعوب آسيوية منهكة من الأساطير والخرافات والفاقة والنقص. فهو إسلاميات تخلف مثل إشتراكية الفقر سيئة الصيت.

ومثلما أن الفقر ليس حلا مناسبا لمشكلة الطبقات، لن يساعدك التخلف والتنويم المغناطيسي على حل الهزيمة العسكرية والتدهور الاجتماعي. وهذه قضية في الحضارة وليست مسألة شخصية يمكن اختصارها بعلاقة الإنسان مع ربه.

وتتفرع من هذه القضية مقاربة المؤلفة لمسألة  التأويل (ص 26). فقد جزمت في غمرة تدفقها الحماسي أن العرب سبقوا الغرب في دراسة علم معنى المعنى. وبرأيي لا يوجد لدى العرب اهتمام حقيقي بالتأويل. فهم في نتاجهم ركزوا على نقطتين:

الأولى السرديات والأحكام العقلية أو المنطق التجريبي. والأمثلة في تراثنا لا تعد ولا تحصى.  وهي متطورة عن مبدأ قرآني مشهور هو (أحسن القصص) بحيث لا يوجد في وحدات السرد بنية غير نفعية. وأخص بالذكر نتاج المعتزلة كالجاحظ وغيره.

الثانية هي علوم البلاغة. أو الدراسات الأسلوبية التي احتلت دور التأويل والدلالة.

وعلى ما أرى إن فلسفة أو حكمة العرب شكلانية بقليل من المضمون. بعكس الإغريق الذين تحلوا بالحكمة والمنطق، وكانوا صوريين بمقدار ما هم رواقيون.ولذلك كان الإسلام دين تشريعات ولم يدخل تفسير الأحكام إلا في أوقات لاحقة. بينما استمر النتاج الفكري في حدود المقايسة والمقارنة.

ويمكنني القول إنه غلبت على مناهج التفكير عند العرب أساليب الوصف وليس التفكيك. وأهم المدونات الأدبية كانت في تجميع الأخبار وتسجيل السيرة والكشف عن السرقات الأدبية. كما أنه لا يوجد عند المسلمين اهتمام حقيقي بالأسطورة. وهي الرديف لمعنى المعنى ودليل على نشاط المخيلة وغنى الحياة النفسية في اللاشعور. لقد أطلق الإسلام على الخيال ونشاط التصوير أبشع الصفات، وسماها أساطير الأولين، وذمها لأنها كفر وانفصال اغترابي عن الحقيقة.

وكما يقول أ. ب. خالدوف: إن العرب ليسوا مثل غيرهم من الشعوب، فابتداء من القرن السابع للميلاد وصلت إشارة بتحول جعل الثقافة العربية كيانا مختلفا مع نفسه. (ص 13). حتى أن العرب أنفسهم كانوا نسبة ضئيلة ضمن منتجي هذه الثقافة ومستهلكيها. (ص 14). إنه بدخول العرب في الإسلام انفصل جانب المخيلة عن النشاط العقلي وأصبح الشعر تهمة. وتعرض المثال المتبقي من قوة الخيال الإبداعي وهو رسالة الغفران للمعري لحملة مضادة وصلت لدرجة الاتهام بالردة والهرطقة.

ولا يفتح الشهية للنقاش شيء مثل التحليل السيميائي لسورة القمر (ص 43)،

فهو تحليل إبداعي  يكاد يكون إعادة إنتاج للمعنى الفعلي الذي لا يمكن أن نراه بالتفسير الديني للقرآن. لكن المشكلة أننا ننتمي لثقافة شرقية لها منطق خاص تطور مع الزمن بالصوت والمعنى ومن غير الوارد دراستها بأدوات غربية تنتمي لمدراس تفكير مناوئة. وهذه المشكلة ليست خاصة ببشرى البستاني.نحن جميعا نوظف علوم الغرب للكشف عن حكمة المشرق. إنما ما يصح في مجالات الصناعة وعلوم الظاهر لا يصح على علوم الباطن. ولا يوجد من نبه لهذه المشكلة غير مفكرين إثنين.

الأول ضعيف وغير مقبول بسبب مدرسته السياسية وهو زكي الأرسوزي صاحب نظرية الطبيعة الرحمانية للعقل الشرقي.

والثاني كان ضحية للقهر والطغيان السياسي لأسباب مذهبية وهو علي الوردي الذي أكد على دور النسبية في التأويل، ورفض أن يكون العقل محايدا في مواقفه من الحياة.

ولا بد لي من التذكير بما قاله خالدوف: أن اللغة العربية نشأت في جو حروب وصدامات. فقد انتشرت في الوحدات العسكرية أثناء الفتوحات وفي بعض الحاميات داخل أسوار المدن ولم تتحول إلى لغة مجتمع مدني إلا في وقت لاحق ( ص 31).

وعليه إن الشروحات للقرآن لا يمكن التعامل معها بنفس المستوى. ولا بد من االجزم متى وأين صدرت.. في المركز (ضمن الكونتون) أم في الهامش خلال الانفتاح على اقتصاديات وحياة المجتمع المدني.

وترتب على ذلك اكتشاف ذاكرة مختلفة لللإنسان التاريخي كانت تهتم بالزمن الطبيعي وزمن الواقعة الثقافية كما تسجلها المدونة (بتعبير غريازينيفيتش - ص 113)**. ولكن إنه لكل زمن مستوى دلالي ونفسي وبينهما مساحة للمتخيل، هي نقطة الحساب المشتركة مع بنية الذهن الأساسية، وعلى ما أفترض هكذا  تجاوز الزمن الفردي عند الوثنيين معضلته التاريخية مع الوعي بالتاريخي . فقد وفر في هذه المساحة أداة لترويض اللاشعور.

تبقى نقطة أخيرة وهي اهتمام أو تركيز القرآن على الأفعال الحركية والسرد، وتؤكد الدكتورة بشرى البستاني هذه الحقيقة من خلال مثال إعجازي وبلاغي شديد الحصافة وهو سورة الدهر،

فهي تتألف كما تقول من ثلاث مربعات حكائية تتدرج من الترغيب إلى الوعيد والتخويف (ص 93)، ويغلب عليها الأفعال وليس الأسماء (الوظائف وليس الدلائل بلغة تودوروف -  ص 112). وحتى أن ذاكرتها منصفة ومقسومة بين الذكريات (بصيغة الماضي) والمشاهدة (بصيغة الحاضر)، مع أقل قدر ممكن من الأمر والنهي.

لقد وضعت الدكتورة البستاني يدها على الجرح في هذا التحليل الموجز والمدعم بجداول وإحصائيات وبقراءة نسبية.

ولكن أود أن أضيف إن العقل العربي سكوني بطبيعته، يألف ما يخاف منه أو ما يتم فرضه عليه، وتؤكد الدراسات الكولونيالية أن الممانعة للقوة جزء من سيكولوجيا الإنسان العربي.

أما بالنسبة للذهن السردي فهذه صفة مشتركة بين جميع البشر قاطبة. حتى أن العهد الجديد هو سيرة أو مروية تعيد تركيب وقائع حياة السيد المسيح. لقد سبق عرب الجاهلية المسلمين في تحويل الأفكار إلى حكايات، ومن المعروف أن المعلقات لها عمود شعر يبدأ بالوقوف على الأطلال، كتمهيد للسكون والتفكير بالمخاض الوجداني للمأساة، قبل أن ينتقل لفقرة الارتحال في البراري ومواجهة المخاطر وكائنات العالم السفلي.

إن الشعر الكلاسيكي عند العرب اجتماعي وطبقي بفحواه ونفسي بمأساويته ولكنه ينتقل من مدار إلى آخر عن طريق الربط بأفعال حركة تفيد بالكشف عن نقطتين بمنتهى الأهمية: الجزء المفقود والمختفي من الإنسان والجزء الظاهر من الطبيعة. وبينهما يتطور عالم زاخر بالمواقف والخبرات ومن ضمنها التجارب الدهرية وموقف الإنسان الضعيف من فكرة الموت أو الغياب.

لقد جاء القرآن ليؤكد على هذه الفلسفة ويعقلنها، بمعنى أنه وضع لجسم الفكرة رأسا لاهوتيا يخفف من تأثير المحنة ويضع للأشخاص هدفا يسعون نحوه، وهذا حول الارتحال في الشعر إلى كشوفات اجتماعية، بتعبير آخر أصبح الواقع غائيا.

 

د. صالح الرزوق

............................

*روائع القرآن. دار دجلة. عمان. 2014.

**المثاقفة بين العروبة والإسلام. مجموعة مستشرقين. ترجمة حسان إسحق. دار الحصاد ودار الجندي. دمشق. 2000.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3553 المصادف: 2016-05-28 06:32:07