المثقف - قضايا

إنمـا الأمـم الأخـــلاق

hasan zayedالأخلاق هي حال للنفس راسخة، تصدر عنها الأفعال، سواء أكانت أفعال خير أو أفعال شر، وذلك بسهولة ويسر، دون حاجة إلي تفكير أو روية . ومعني أن الأفعال تصدر دون تفكير أو روية، أنها منطبعة في النفس مجبولة عليها، كأنها تصدر ذاتياً . فهي صورة للنفس الجوانية الباطنة تنعكس تلقائياً علي الهيئة الخارجية للسلوك . وقد تكون تلك الصورة طبيعية من أصل المزاج، وقد تكون مكتسبة بالعادة والمران والتدريب من العالم الخارجي ، ومع الإستمرار صارت ملكة للنفس وخلقاً . ولا ريب أن انطباق الصورة الجوانية مع الصورة الخارجية يدل دلالة واضحة علي الإستقامة مع النفس والإنسجام معها . ويحدث الإضطراب داخل النفس حين يقع الفصام ما بين الداخل والخارج ، ما بين الجواني والبراني، فيكون ما هو خارج النفس بخلاف المطمور داخلها . والأخلاق تعكس ثقافة المجتمعات والشعوب وحضارتها، وبقدر ما تعلو أخلاق مجتمع ما أو شعب ما، تعلو حضارته وتلفت الأنظار إليه، وبقدر ما تنحط أخلاقه وتضيع قيمه،  تنحط حضارته، وتذهب هيبته، وكم سادت أمم ولو كانت كافرة، وعلت على غيرها، بتمسكها بمحاسن الأخلاق، وكم ذلت أمم ولو كانت مسلمة، وضاعت وقهرت بتضييعها لتلك الأخلاق . يقول أحمد شوقي رحمه الله : " إنما الأمم الأخلاق ما بقيت  ****   فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا " . ومن هنا عُدَّت الأخلاق معياراً يمكن الرجوع إليه، والإستناد عليه، للحكم علي الشعوب والأمم . وقد يُرجِع البعض وجود الأخلاق أو انعدامها إلي وجود الدين أو انعدامه، باعتبار أن الأخلاق مصدرها الرئيس هو الدين . وهذا يخالف حقيقة واقعة أشرنا إليها آنفاً، وهي أن هناك أمم سادت رغم كونها كافرة، غير أنها تمسكت بمكارم الأخلاق . إذن فالمسألة ليست لها علاقة بالدين إلا من زاوية أن التمسك بمكارم الأخلاق يواكبه ويصاحبه التمسك بالدين باعتبار وحدة الهدف .

وهذا يحدد لنا أسلوب معالجة الإنحطاط الأخلاقي الذي تعاني منه مجتمعاتنا رغم وجود الدين . فالعلاج ليس بزيادة جرعات الدروس الدينية ـ وإن كانت الدروس مطلوبة وضرورية ولكن في إطار آخر ـ لأن مثل هذه الجرعات تواجه الغلو في الإنحطاط بالغلو في التطرف، فتكون النتيجة مسوخ بشرية شائهة، ليس لها من التدين سوي الشكل، وهي مخوخة من الداخل أخلاقياً . لأن العلاج لم ينصب علي الجانب الأخلاقي، وإنما انصب علي الجانب الديني . فهل معني ذلك أن الأخلاق لا يلزمها دين؟ . بالقطع الأخلاق يلزمها دين ليمثل لها البوصلة والمرجعية . وكذا فإن الدين يلزمه أخلاق كي يُحْسَن استقباله علي النحو الصحيح، ويكون له في النفس أثراً . ولكن لابد من تحديد اتجاه العلاج، هل هو للجانب الديني أم للجانب الأخلاقي ؟ . أنا أتصور أن العلاج يبدأ من الجانب الأخلاقي، أما الدين فإنه موجود، وليس أمامه سوي تهيئة النفوس لاستقباله علي نحو صحيح . وقد قلنا أن الإشكالية في الجانب الأخلاقي هي في عدم انطباق الصورة الداخلية الجوانية، مع الصورة الخارجية البرانية، لأن عدم الإنطباق يحدث اضطراباً وخللاً في الشخصية يجعلها تتصرف علي نحو منحرف . وهذا الإنحراف يدفع إلي المجتمع بقيم منحرفة مثل الكذب والنفاق والرياء والمراءاة والممالئة والإنتهازية والغش والسرقة والوساطة والمحسوبية والتملق والتزييف والإختلاق، والنصب، والإحتيال . تجد هذه الظواهر في الممارسات اليومية، والمعاملات، والمصاهرات، والصداقات، والطقوس الدينية، وعلاقات الدم، بل وحتي في الحب . فكيف نصل إلي حالة التطابق النسبي بين ما هو مطمور في النفس من أصل الطبيعة / الفطرة، وما جري اكتسابه بحكم العادة والدربة من جانب، والسلوك الصادر عن هذه الصورة من جانب آخر؟. بالقطع لن نذهب مع الإفتراض المستحيل القائل بالتخلص من البشر الموجودين الحاملين لآفة الإنحطاط الأخلاقي، ثم نبدأ مع جيل جديد لم تصبه الآفة بعد، لأنه ليس هناك حد فاصل للتدفق البشري المتوالي علي مدار الفمتو / ثانية، ومن ثم فليس هناك جيل جديد، وجيل قديم . وإلف العادة والدربة لهما انتشار فيروسي معدي بمعدلات فائقة، خاصة في ظل خمول مطمور النفس من أصل الطبيعة / الفطرة في مثل هذه البيئات الموبوءة . ثم من هي تلك الفئة التي نجت من الإصابة التي ستقوم بتنفيذ هذا الفصل بين الأجيال لو كان متاحاً؟ .  ومن هنا جري استبعاد هذا الفرض . الفرض الآخر يقول بالعلاج علي الوضع الراهن، أي حمل الأجيال الحاضرة حملاً علي التخلص من حالة الإنحطاط الأخلاقي السائدة، وإعادة بناء الجسور بين الصورة الجوانية للشخص وهيئته الخارجية حتي يستقيم مع نفسه، ويتناغم مع ملكاته، وينعكس ذلك علي سلوكه وتصرفاته . كيف يتأتي ذلك ؟ . لا يتأتي ذلك إلا بالتخلص من التشريعات التي تمثل زوائد دودية متورمة، وإصلاح التشريعات التي بها عوار أو نقص أو عيوب . وسن تشريعات جديدة تتوائم مع الهدف والغاية . ثم فرض سيادة القانون علي الجميع بلا استثناءات مخلة، بحزم وقوة وسرعة ناجزة، وألا يكون هناك من هو في مأمن من العقوبة، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب . عندئذ، وعندئذ فقط، ينصلح الحال، وتنصلح منظومة القيم الأخلاقية ظاهراً وباطناً، ومعها ينصلح حال المجتمع، ويتطور ويسود ويكون له هيبة بين الأمم، فهل إلي ذلك من سبيل؟ ! .

 

بـقـلـم / حـســن زايــــــد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3568 المصادف: 2016-06-12 03:34:54