المثقف - قضايا

دمقرطة العقل العربي

hasan zayedهناك سؤال لابد له من إجابة مؤداه: هل العقلية العربية عقلية ديمقراطية؟ . فإن لم تكن كذلك، فهل هي مهيأة ومؤهلة لممارسة الديمقراطية؟. الغرب يتهمنا بأننا أصحاب عقلية سلطوية مستبدة، وأن العقلية العربية ليست ديمقراطية، وأنها غير مؤهلة لتلك الممارسة ولا مهيأة لها . والعقلية الغربية وإن كانت قد انطلقت في حكمها من التاريخ والواقع المعاش، إلا أنها تصادر علي المستقبل، ولا تعترف بالظروف والملابسات التي وقعت في الماضي، والتي إن تغيرت لتهيأت العقلية العربية للتأهيل والممارسة الديمقراطية . واللهاث وراء الديمقراطية، ليس لأنها أفضل النظم السياسية الآن، ولكن لأنها أفضل النظام السياسية الفاسدة، بتعبيرأفلاطون، لأنها تحمل في أحشاءها جنيناً شائهاً، يصعب الخلاص منه . وبالعودة إلي العقلية العربية سنجد أنها واجهت إشكاليات عميقة ، بدأت بتغييب الشوري بعد حكم الخلفاء الراشدين، وزيادة حدة الجدل حول ما إذا كانت ملزمة من عدمه وكانت  كونها غير ملزمة  هي الممارسة العملية لإلغائها، إذ لا معني لشوري غير ملزمة، سوي الحكم في ظل غياب جموع الشعب . وعندما قامت الدولة الأموية قامت بقوة السلاح والجبر، علي  حساب الخلافة الراشدة، وليس باختيار الناس، وكانت تؤخذ البيعة عنوة وقهراً، من خليفة إلي آخر، كما كانت تُفرض الطاعة فرضاً، إما بقوة السلاح، أو بتأويلات لنصوص دينية، فجري خلق الخوف من السلطة خلقاً، وإيثار الإنصياع لها ومسايرتها طلباً للسلامة، وخشية إبداء الرأي تجنباً للبطش والتنكيل . وقد سقطت الدولة الأموية تحت سطوة السيف العباسي، وجاءت الدولة العباسية بقضها وقضيضها علي أنقاض الدولة الأموية . ثم انهارت الدولة العباسية بفعل الضربات الخارجية . وقامت العديد من الدول الإسلامية  أي التي يدين أغلب سكانها بالإسلام  في شرق العالم الإسلامي وغربه، وهي محملة بذات الإرث، وهو إرث القيام والسقوط بفعل السيف والقوة الباطشة، مع تهميش دور الشعب في الحكم والسياسة إن لم يكن انعدامه . طبعاً هناك فترات استثنائية لايقاس عليها، وتؤكد القاعدة ولا تنفيها .  ثم جاءت الحقبة الإستخرابية  الإستعمارية  بتبعاتها الكارثية . وقد كان في مقدمة هذه الحقبة وقاطرتها الإحتلال التركي للعالم العربي، الذي سمي تدليساً الخلافة العثمانية  . وقد فرض أنظمة حكم تابعة له قائمة علي  الإستبداد والتسلط والنهب والفساد . وقد جاء الإستعمار الغربي للبلاد العربية ليزيد من حالة البؤس والنكد التي يعاني منها المواطن العربي، علي مستوي الآداء السياسي، والآداء الإقتصادي، وكذا الآداء الثقافي والحضاري . وهنا يأتي السؤال عن وضعية العقلية العربية في ظل هذه الظروف، ظروف الفقر والجهل والمرض والمظالم والقهر السياسي والإجتماعي؟. هل تتخلق في ظلها عقليات مبدعة حرة مبتكرة، لديها المساحة الكافية للتفكير، والمساحة الكافية للتعبير، والقدرة علي إحداث التغيير والتطوير؟ . بالقطع لا . لأن هذه الظروف لا تتخلق فيها سوي عقليات متخلفة تعاني الغياب الكامل . ولقد ساهم في هذا التغييب حالة الأمية المتفشية علي نحو وبائي بين أبناء الأمة . هذا بخلاف سيادة الفقه الإسلامي الناتج عن سيادة هذه الأجواء، فقه التسليم والطاعة والإستسلام للأمير المتغلب قهراً، حتي ولو كان فاسقاً، رغم مخالفة ذلك للنص القرآني: " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾، هذا بخلاف الشوري غير الملزمة التي لامعني لوجودها . فبدلاً من التنازع والإختلاف والتفاعل الذي يحيي العقول، فُرضت سياسات الخنوع، والخوف من السلطة ومسايرتها، واللامبالاة السياسية، والعجز عن إبداء الرأي، والطاعة العمياء، والإغتراب عن الواقع . في هذه الأجواء، دخلت جماعات ما يُعرف بالإسلام السياسي علي الخط، وجعلت تصطاد في الماء العكر، وتعبث بالعقول المكدودة بالجهل والتخلف، من زاوية الدين .  وفي قمة المجتمع دار صراع غير مفهوم بين أنصار الدولة المدنية، وأنصار الدولة الدينية . حيث يذهب أنصار الدولة المدنية إلي ضرورة  وحتمية  فصل الدين عن الدولة، وحصر الدين في المساجد، علي نحو ما جري في أوروبا حين حصرت الدين داخل الكنيسة . وأنصار الدولة الدينية يذهبون إلي القول بأن الإسلام دين ودولة، ولا سيادة إلا لله، ولا حكم إلا لله، ولا مُشَرِّع إلا الله . وهؤلاء يتهمون أولئك بالكفر والزندقة، وأولئك يتهمون هؤلاء بالرجعية والتخلف . ومن هنا انشغل العقل العربي في غير معركة، وفوتنا علي أنفسنا فرصاً تاريخية كان يمكن أن تحدث فارقاً نوعياً علي مستوي النظام السياسي العربي، فالإسلام بطبيعته لا ينحبس داخل زوايا المساجد من ناحية، وهو قد جاء لإسعاد المسلم وتيسير حياته والحفاظ علي حقوقه وواجباته دون الحكم بالحق الإلهي من ناحية أخري . ولنا أن تنساءل هنا مرة أخري: هل العقلية العربية عقلية غير ديمقراطية بطبيعتها؟ . الإجابة: أن الظروف والملابسات التاريخية التي مرت بها هذه العقلية علي مدار قرون، والظروف الداخلية، والضغوط الخارجية، هي التي دفعت بالعقلية العربية إلي هذا الركن الضيق من الحياة الذي أصبح يمثل مأزقاً لها في هذا العصر. وهي مهيأة لإستقبال هذا النظام والتفاعل معه إذا أحسنا تأهيلها وفقاً للمناهج العلمية المعتبرة . ولا ضير من الإلتجاء إلي الإرث الثقافي والفكري الغربي للإستعانة به، ما دمنا نفتقر إلي مخزون خاص في هذا الإتجاه . وبذلك يمكن دمقرطة العقل العربي ليواكب العصر .

 

حسن زايد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3570 المصادف: 2016-06-14 10:41:27