المثقف - قضايا

صراع القيم

tarik alrobaieأن منظومة القيم السائدة في أي مجتمع تعبر عن التجربة التاريخية بكل أبعادها الروحية والمادية والسياسية لذلك المجتمع . وتحدد الاتجاهات الفكرية والسلوكية لأفراده ضمن نسق ثقافي خاص يحفظ لهم تماسكهم ويصون هويتهم من التشظي . وتندرج هذه القيم ضمن إطار الثقافة العامة التي تميز هذا المجتمع عن سواه، وتكسبه أسلوبه المتفرد في اللغة والمعتقدات والأعراف والتقاليد .. وتؤثر في سلوك أفراده وتمنحهم الشعور بالاستقلال .

 أن الأنماط السلوكية الشائعة في المجتمع والمنسجمة مع قيمه الداخلية من شأنها ان تحدث التوازن النفسي والسلوكي بين أفراد المجتمع، من خلال ترجمة هذه القيم إلى مواقف يومية واتجاهات فكرية متعارف عليها . وبحدوث التناقض بين القيم والسلوك فإن الاضطراب والتخلخل وتشظي الهوية سيكون هو النتيجة الحتمية . ونظرة سريعة إلى تأريخ العراق الحديث سنجد أن هناك عوامل كثيرة أحدثت تصدعا وشروخا في منظومة القيم المجتمعية، لا سيما إبان حقبة الحكم البعثي الصدامي الشمولي التي انتشرت فيها السموم الثقافية وأثرت تأثيرا كبيرا في منظومة القيم الايجابية لتحل محلها قيم أخرى ذات طابع سلبي متماهية مع توجهات الحاكم المتسلط الذي لم يكن يهتم إلا لكرسي السلطة .

إن ما يميز الثقافة العامة للعراقيين اليوم هي إنها تضم مجموعة من القيم المتنافرة والمتعارضة مع بعضها البعض . فعلى سبيل المثال نرى أن هناك توجها نحو الأخذ بأسباب العلم والمعرفة والتكنولوجيا الحديثة يقابله إيمان كبير بالسحر والشعوذة والخرافات، كذلك الدعوة لأن تنال المرأة كافة حقوقها الإنسانية والقانونية، وان تعامل باحترام وقدسية، لكن النظرة الدونية للمرأة والمتجسدة في السلوكيات تكشف عن تناقض فاضح . وبينما يعلو الصوت هادرا مطالبا بأن يكون القانون هو الفيصل الحاسم في حل المشكلات والخلافات نجد أن الثأر والانتقام كقيمة عشائرية تبقى ثابتة ولا يمكن تجاوزها . كذا المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفاسدين من جهة، يقابله منطق الغنيمة والاستحواذ على كل ما تقع عليه اليد من جهة أخرى .

 ان هذا الخليط المتنافر في منظومة قيم الثقافة العراقية برز بوضوح كبير في النخبة السياسية الحاكمة عندما أتيح لها أن تخوض التجربة السياسية فأظهرت كل ما يعتمل في نفسها من أفكار واتجاهات اصطدمت بالواقع الجديد وما يتضمنه من قيم حديثة .

إننا ومنذ العام 2003 نسمع السياسيين في لقاءاتهم الصحفية وخطبهم وهم يؤكدون على إشاعة روح الديمقراطية، والمواطنة، والمساواة وما إلى ذلك من مفاهيم تبشر بعهد جديد وقيم جديدة متماهية مع معطيات العصر الحديث . ولكن على صعيد الممارسة والعمل نرى عكس ما يدعون ويعلنون، فروح الفردية التي يتصف بها السياسيون وإخلاصهم الكامل لأحزابهم، ولقومياتهم وانتماءاتهم العقائدية المتنوعة هي من تبرز واضحة في سلوكياتهم وتوجهاتهم وفي أسلوب حل خلافاتهم المزمنة، وإدارتهم لمؤسسات الدولة .

 إنهم يعيشون أزمة داخلية بين قيمهم المستمدة من روح مجتمعهم والمترسخة في نفوسهم ووجدانهم، وبين ما يرفعونه من شعارات وينادون به من مبادئ  وقيم حديثة لا تتوائم مع قيمهم القديمة، وما حالة الارتباك والفوضى السياسية التي يعيشها العراق اليوم إلا نتيجة لذلك الصراع الحاد . إن الأحزاب السياسية المتشاركة في ادراة الدولة وما يظهر عليها من ارتباك وعجز في تعاطيها مع الأحداث والمتغيرات وتعاملها مع الدستور والقوانين تمثل مرآة عاكسة لطبيعة المجتمع العراقي بكل تناقضاته وأمراضه الاجتماعية، فقيادات تلك الأحزاب والأتباع المؤيدين لها لم يحاولوا ولو مجرد المحاولة أن يتخلصوا من قيمهم السلبية المترسخة في أذهانهم والموجهة لسلوكياتهم، فلم يحققوا أي تقدم يذكر في مستوى الفكر والممارسة لديهم لأنهم عالقون بين قيم البداوة، والعشائرية، والإقليمية، والقومية، والمذهبية، والعبودية من جهة، وقيم الديمقراطية، والمساواة، والمواطنة، والحرية، والقانون من جهة أخرى . ما أدى بهم إلى حالة الانفصام والازدواجية التي نراهم عليها اليوم، وترسيخها أكثر بين أفراد المجتمع العراقي بكافة مكوناته .

إن من يتصدى للعمل السياسي ويجد في نفسه القدرة والكفاءة للقيام بأعباءه الجسيمة وتحمل مسؤولياته الكبيرة وقيادة المجتمع نحو الانسجام والتطور عليه أن يكون متحررا من ارث الماضي وترسباته، وقادرا على تجاوز حالة الانفصام السلوكي والفكري التي يعاني منها المجتمع العراقي نتيجة عقود طويلة من القهر والاستعباد والتشويه المتعمد الذي لحق ببنية الثقافة العراقية، ولكي يكون قدوة للناس ومثالا متجانسا يحتذى به في القول والممارسة عليه أن يتعامل مع الأحداث والمتغيرات وفقا لمعايير أخلاقية ثابتة، وقناعات صحيحة دون صراع بين القيم القديمة، وبين القيم التي يفرضها الواقع الجديد ومعطياته، وإلا فأن النتيجة ستكون صورة مشوهه ومنفرة، وحالة الصراع هذه ستؤدي إلى التشتت والتمزق، وتشظي الهوية الواحدة ومن ثم تقودنا إلى الضياع . العراق اليوم بأمس الحاجة إلى زعماء سياسة بكل ما تحمله كلمة سياسة من معنى ودلالة، متحررين من كل انتماءاتهم الفرعية وقيم مجتمعهم السلبية واضعين مصلحة العراق وشعب العراق فوق كل اعتبار .

 

طارق الربيعي     

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3570 المصادف: 2016-06-14 10:43:37