المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق وهْمُ الدولة (4): مبادرة المرجعية الشيعية لبناء الوطنية العراقية

salim alhasaniيأخذ البعض على مراجع الشيعة أنهم أفتوا للدفاع عن الدولة العثمانية ضد الاحتلال البريطاني، في حين أن الشيعة كانوا أكثر الشرائح الاجتماعية تعرضاً لظلم العثمانيين. وهذا الرأي يتزايد طرحه في الفترة الحالية، خصوصاً بعد الانتكاسة المؤلمة التي واجهها المواطن العراقي عموماً والشيعي على وجه التحديد على أيدي كبار المسؤولين الشيعة في العراق الجديد. وقد أثار بعض الأخوة الكرام مشكورين هذه النقطة في تعليقاتهم على الحلقات السابقة....

منذ نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، كانت الفكرة الراسخة في أذهان المسلمين هي الخوف من الغرب المسيحي الذي أشعل الحروب الصليبية، وأن ما جرى على المسلمين في الأندلس ليس محدوداً إنما هي حرب طويلة، بدليل الاحتلال الفرنسي لمصر ومن ثم البريطاني لها، وتلاها الاحتلال الفرنسي للجزائر عام 1830. ثم تنامى التوجه الاستعماري، باتفاقية برلين في تموز عام 1878، حين قررت الدول الغربية تقاسم الامبراطوية العثمانية، فيما عرف بـ (مبدأ القوميات)، وهي الاتفاقية التي لم يتوقف عندها الباحثون طويلاً مع أنها كانت أخطر من اتفاقية سايكس بيكو، بل كانت التجربة التي مهدت لها. ففي ضوء اتفاقية برلين، سقطت شرق الاناضول وقفقاسيا بيد روسيا، واحتلت النمسا البوسنة والهرسك، واستولت بريطانيا على قبرص، وفرنسا على تونس والمغرب واستعدت ايطاليا للتوغل في شمال افريقيا.

لقد كانت اتفاقية برلين في حقيقتها تهدف الى منع الأقاليم العربية من الانفصال عن السلطنة العثمانية، واستباق ذلك باستعمارها عسكريا.

...

كان مراجع الشيعة يتابعون الظاهرة الاستعمارية بوعي، وهذا ما تكشفه رسالة كتبوها الى السلطان العثماني (محمد رشاد) قبل احتلال ايطاليا للأرضي الليبية عام 1911، يحذرونه من الخطر الاستعماري، وأن هناك تحركات ومؤشرات من قبل ايطاليا لإحتلال ليبيا، الى جانب المساعي الغربية الأخرى للسيطرة على البلاد الاسلامية. ويعلنون فيها إتخاذهم قراراً باصدار فتاوى الجهاد للدفاع عن بلاد المسلمين، وينصحونه بعدم الوقوع في وهم التعهدات الغربية.

وأهم ما ميز نشاط علماء ومراجع الشيعة في العراق، أنهم اصدروا بيانات وكراسات عديدة شرحوا فيها أهداف الظاهرة الاستعمارية على المستويات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

(فصلتُ الحديث عن ذلك وبالوثائق التاريخية والخطية في كتابي: دور علماء الشيعة في مواجهة الاستعمار).

...

في تلك الفترة من بدايات القرن العشرين، كان مراجع الشيعة يدعون الى ترك الطائفية، وتوحيد الصف الاسلامي، فالطائفية كانت سائدة في تلك الفترة وقبلها، وهي ضاربة الجذور في العراق، خلافاً لما يحاول بعض الكتاب تصويره بأنها برزت بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، ولهذا مجال للحديث قد أتناوله في موضوع مستقل.

...

إن مواقف مراجع الشيعة وعلمائهم من الظاهرة الاستعمارية، كان واضحاً ومحدداً لا نقاش فيه، فلقد رفضوا فكرة استبدال الاحتلال العثماني باحتلال غربي، وكان مشروعهم هو الحفاظ على بلاد المسلمين من السيطرة الأجنبية. وكان هذا الموقف على الضد من النشاط القومي العربي في تلك الفترة والذي كان بقيادات سنية، فقد كان الاتجاه القومي يسعى لتقويض الحكم العثماني واستبداله بالهيمنة الاستعمارية.

وقد توضحت هذه المواقف بشكلها الواضح حتى بعد أن تم الكشف عن اتفاقية سايكس بيكو، فقد أصر القوميون العرب على موقفهم في التنسيق والاستعانة بالاستعمار، بينما ازداد علماء ومراجع الشيعة إصراراً على رفض الاستعمار.

وبدءا من العام 1917، اي قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى، تبنى مراجع الشيعة مشروع (الوطنية العراقية)، واعتبار استقلال العراق الهدف الأهم، وتم تشكيل (جمعية النهضة الاسلامية) برعاية مراجع الدين الشيعة، لهذا الغرض، وكان من أبرز اهدافها، الحصول على استقلال العراق (خاصة) والبلاد العربية (عامة). وكانت هذه الجمعية البداية الحركية الفعلية لنشر الفكرة الوطنية في عراق مستقل.

لقد كان مراجع الشيعة يمتلكون الوعي والاستيعاب للواقع السياسي، وكانت تطلعاتهم واسعة، فالمرجعية في تلك الفترة كانت قائمة على الضوابط الدقيقة، فلا يتولاها إلا من هو مؤهل لها من حيث العمق والعلم والشخصية، وهذا ما منحها القوة والتأثير. أما ما نراه بعد عام 2003 من بروز مرجعيات مصطنعة، فهي ظاهرة غريبة أضرت بالمرجعية والتشيع والشيعة. كما أضر الأشخاص غير المؤهلين في التحكم بقطاعات من الجمهور الشيعي. ولهذا تفصيله في حلقات قادمة.

لها تتمة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3613 المصادف: 2016-07-27 03:05:23