المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق: وَهْمُ الدولة (5): الوطنية الضائعة على أيدي القادة

salim alhasaniدافع قادة الكيانات الشيعية بعد الاحتلال الاميركي للعراق عام 2003، عن مواقفهم في سرعة توليهم مناصب السلطة، بأنهم لم يرغبوا في تكرر تجربة ما بعد ثورة العشرين إبان الإحتلال البريطاني. وهو تبرير يُقنع الغالبية الفقيرة من شيعة العراق التي عانت التهميش والاقصاء طوال عمر الدولة العراقية.

 لكن الحقيقة أن الدافع يختلف تماماً عن هذا التبرير الشائع. فلقد سارع هؤلاء الى تولي المناصب بسرعة فائقة مدفوعين بمشاريع شخصية صرفة، حتى أنها لم تعبر عن الحزب والكيان الذي ينتمون إليه، إنما جعلوا الكيان جسر عبور لهم نحو السلطة، ينطبق هذا على قادة حزب الدعوة والمجلس الاعلى وحزب الفضيلة والتيار الصدري والشخصيات المستقلة.

إن الطموح الشخصي لقيادات هذه الكيانات، كان هو العامل الوحيد في دخول العملية السياسية، ولأنهم كانوا بحاجة الى رافعة للوصول الى السلطة، فان احزابهم وكياناتهم كانت هي الرافعة.

 ...

لا يمكن مقارنة التجربة البريطانية مع التجربة الأميركية من حيث مواقف القيادات الشيعية، ففي الأولى لم يكن العراق قد تحدد بعد على شكل دولة، وكان توجه بريطانيا يميل الى جعله مستعمرة ضمن بقية مستعمراتها، وكان النموذج المطروح آنذاك هو الهند. وهذا ما جعل المرجعية الدينية تبذل جهدها الكبير باتجاه واحد، هو تحويله الى دولة وطنية مستقلة استقلالاً تاماً. وهذا ما تؤكده الفتاوى الكثيرة التي اصدروها في رفض المشاريع التي طرحها الحاكم البريطاني على العراق، ومنها الاستفتاء على جعل العراق مستعمرة تحت الحكم البريطاني، او تعيين حاكم عربي شكلي لكن القرارات تبقى لبريطانيا.

لست بصدد استعراض الأحداث الطويلة والوقائع المزدحمة لتلك الفترة، لكني ألخصها بأن المرجعية الدينية، وقفت عند نقطتين أساسيتين:

ـ الاستقلال العراقي التام.

ـ الحكم الوطني بدستور يحدده مجلس تأسيسي عراقي منتخب من الشعب.

وعلى هذا الأساس ظهر الحراك الجماهيري في بغداد والفرات الأوسط ومناطق أخرى، ودام ما يقرب من ثلاث سنوات ساخنة، انتهت باعلان الثورة ضد الاحتلال في الثلاثين من حزيران 1920 بفتوى المرجعية. وقد كانت تلك السنوات الثلاث هي الفترة الفعلية لصناعة الشعور الوطني في العراق.

 ...

وقد كانت الحركة الوطنية تلك تواجه المشكلة الطائفية من جهة، والسياسة الاستعمارية من جهة ثانية، وهذا ما أثر عليها وجعلها تقدم أول تنازل، وهو استيراد ملك غير عراقي هو فيصل بن الشريف حسين، حيث كان هو الخيار المقبول. وقد كان ذلك خطأً لا يمكن تبريره، فرغم كل الوعود والضمانات التي أخذها القادة عليه، إلا أنه خضع للقرار الاستعماري البريطاني، فنشأت الملكية العراقية والتي سادها التوجه الطائفي. وحين تبرز الطائفية فان المشاعر الوطنية تنزوي داخل العقول والنفوس، وتتحول الى شعارات صوتية وقصائد مهرجانية وهتافات للضجيج وليس للبناء.

 ...

نقطة تشابه من بعض الوجوه، بين التجربتين، فقد شكل الحاكم البريطاني في العراق، حكومة صورية ـ تشبه مجلس الحكم الذي شكله بريمر ـ برئاسة رجل الدين عبد الرحمن الكيلاني وكان شيخاً طاعناً في السن، وقد واجه التظاهرات الجماهيرية التي خرجت استجابة لفتاوى مراجع الدين برفض أي معاهدة مع بريطانيا، بشدة، وخاطب وفداً من المتظاهرين: (ما شأنكم أنتم؟.. أنا صاحب البلاد). وكانت تلك العبارة إيذاناً بأن الوطنية الوليدة، ليس مقدراً لها أن تعيش في هذا العراق.

ثم جاءت التيارات القومية واليسارية والإسلامية، لتعزز عملية التقويض الوطني من خلال الايديلوجيا، وهو موضوع الحلقة القادمة.

لها تتمة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3613 المصادف: 2016-07-27 03:28:33