المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق.. وَهْمُ الدولة (11): الشيعي المخدوع بقادته

salim alhasaniيستند الانسان الشيعي الى تراث طويل عريض من الفعل التغييري، تقف في قمته واقعة كربلاء. كما يعيش على فكرة كبيرة تمثل رمز الأمل الواعي في الانتصار متمثلة بالامام المنتظر عليه السلام.

لكن الممارسة الشيعية عبر قرون الزمن، وعلى يد جماعات المعتاشين، حولت العمل التغييري المتحدي الى خنوع قاتل، وجعلت من الأمل الواعي مصدراً للخرافة والجهل. وبذلك فقد الشيعة أهم دعامتين من القوة النادرة على تغيير الواقع وصناعته على أحسن شكل مطلوب.

 ...

في العقود الأولى التي تلت الثورة الحسينية، كان التفاعل معها واعياً، فانتجت العديد من الثورات التي كانت سبباً مهماً في إنهيار الحكم الأموي. لكن مع تقادم الزمن كان الوعي بالثورة الحسينية يتراجع أمام التضخم العاطفي الساذج، فانعكس الاتجاه تماماً، وصار الشيعي الثائر الذي يهدد العروش، هو الانسان المظلوم الذي تضطهده العروش. وكلما يزداد الظلم عليه، يتشدد في تعلقه بالعاطفة الساذجة. وهنا انتعشت ظاهرة المعتاشين على الجرح الحسيني، فكانوا يبرعون في اختلاق الحوادث والروايات وثقافة الأحلام والخرافة، وابتكار أساليب المهرجان العاشورائي، فيما كان وعي الثورة يتراجع وينزوي باستمرار.

لقد تحول الحسين عليه السلام في الوسط الشيعي، من المُلهم والبداية، الى المخدر والنهاية. فصار الشيعة يقصدون قبره الشريف بملايينهم يهتفون (هيهات منا الذلة) ويرجعون منه صامتين مرتاحين ساكنين، في حركة معاكسة لسياق وأهداف الثورة الحسينية. فالحسين عليه السلام، لا يريد لزواره ان يأتوه مندفعين بالعاطفة، ثم يتركون ضريحه وقد انطفأت فيهم العاطفة تماماً، إنما يريد العكس، يريدهم ان ينطلقوا من ضريحه وهم في اوج شعورهم الثوري ضد الظلم والفساد والانحراف.

 ...

بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003، لم يقف قادة الشيعة لينشروا الوعي في الممارسة الحسينية، إنما راحوا يتسابقون على ممارستها بشكلها الساذج، لأنهم أدركوا ان هذا السلوك هو الطريق الأقصر نحو السلطة، بما يوفره من أصوات انتخابية. فكان الابقاء على الجهل طريق القادة نحو السلطة وامتيازاتها. ولم يُفكّر اي قائد منهم بأن ينبه جموع الزوار بأن الثورة الحسينية تعني رفض الظلم، وتعني محاسبة المسؤول وتعني الثورة عليه بالاصلاح الحقيقي، من أجل توفير حقوق الناس في المعيشة والتعليم والحياة. وكيف يُفكر القادة بذلك؟ فهذا يعني أنهم يضعون مستقبلهم السلطوي على منحدر النهاية. وهذا ما يجعل عمار الحكيم مثلاً، يُلقي بنفسه من المنبر الحسيني في حركة استعراضية متقنة، لأنه يعلم أن هذا السقوط الخدّاع، سيرفع من شعبيته.

 ...

أما فيما يتعلق بالامام المنتظر عليه السلام، فقد برع جماعة من ممتهني الدين، الى مساحة واسعة من الخدع. والأسلوب نفسه يتكرر من خلال الاختلاق والكذب على الله ورسوله، ورؤية الاحلام ونشر الخرافات. فتحولت ثقافة الانتظار التي تعني العمل والتحرر والوعي، الى خنوع وعبودية للأشخاص وجهل مطبق.

وأفرزت هذه الظاهرة بروز أشخاص لهم موقعهم المتقدم في الوسط الديني، ولهم اتباعهم الكثر، وكلما زادت الخرافة والجهل إزداد الاتباع سعة، وازداد ارتباطهم بالشخص، بينما تراجع التمسك الحقيقي بالامام المهدي ومدرسة اهل البيت عليهم السلام. فمنح بعضهم نفسه صفة المرجع بادعاءات كاذبة عن علاقته بالمهدي المنتظر، كما هو في نموذج (الصرخي)، واحتل آخر زعامة مقدسة بادعاءات مشابهة، وهكذا هيمن هذا التجهيل على قطاعات واسعة من الشيعة.

 ...

كيف يستطيع هذا الشيعي أن يأخذ حقه في العيش الكريم والتعليم والخدمات والحياة الحرة، وهو الذي تبرع عن طيب خاطر بارادته لأشخاص يصنعون امجادهم الشخصية على بساطته؟.

وكيف يفكر بالثورة الحسينية وبالاصلاح الحسيني الحقيقي، وقد جعل من نفسه تابعاً لشخص يسرق شعار الاصلاح؟

وكيف يفكر هذا الشيعي المخدوع بأن يسعى للحصول على الوعي ويعمل بدافع الأمل نحو التغيير، وقد خضع لشخص يدعي انه الطريق الى المهدي؟

...

هنا يأتي دور المثقف الشيعي، والقضية تتعلق بالشجاعة أولاً، فهل يستطيع ان يواجه ظاهرة التخلف والخداع التي يتعرض لها البسطاء، بكتابات الوعي من دون أن يخاف هذا وذاك من القادة؟

هنا يأتي دور المثقف الشيعي، في كشف ظاهرة الاعتياش الثقافي والديني فيتصدى لها بالشجاعة والصراحة من أجل المحروم الذي يسرقون قوته وقوت عياله ويتركونه هيكلاً مريضاً جيلاً بعد جيلاً.

المسؤولية في هذا المجال يتحملها المثقف، ويتحملها المتعلم، وهذه مواقع التواصل الاجتماعي توفر كل الخدمات في هذا السبيل، فمن يريد خدمة شعبه وقضيته، فليكتب ولا ينتظر.. ومن يُصنف نفسه من اتباع أهل البيت عليهم السلام، فليخطو الخطوة الاولى على طريقهم من دون تردد.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم ... لقد أصبت كبد الحقيقة ... فلقد أستغلت الثورة الحسينية ضد الظلم والعبودية والفقر والذلة الى شعارات وممارسات أستعراضية وخطابية ولطم ونواح على مأساة كربلاء ... حيث أخذنا القشور المتمثلة بالعاطفة بحب آل البيت الكرام ... وتركنا وأبتعدنا عن لب وجوهر الثورة الحسينية ومبادي واقعة كربلاء ... وغذى كما وصفت المعتاشون من الدين والمذهب هذه الشعائر لتكون هي العمود الفقري وألأهم في حادثة مأساة كربلاء وأرادوا السياسيين بالذات الذين أستغلوا الدين والفاجعة بأستشهاد أبي ألأحرار الأمام الحسين رضوان الله عليه .بتهويل الحادثة وعكس مسارها الثوري والغلو فيها وأبعادها عن المسار التي أستشهد فيها سيدنا الحسين ألا وهي مبادي الثورة الحقيقية التي سارت معظم شعوب العالم لتجعلها هدفا لها ولمبادئها الثورية ... في حين أننا أصحاب ومحبي ومريدي الحسين الثائر لم نستفد من مباديء هذه الثورة الحسينية ... وسلكنا دروب متعثرة وجانبية لا تؤدي الى الهدف المنشود رغم أن الذين يقودون الحكم والسلطة محسوبين على خط ألأمام ...ولكن في ألأسم فقط وليس الجوهر .

أبو أثير / بغداد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3620 المصادف: 2016-08-03 03:55:16