المثقف - قضايا

طالب عبد الامير: هل يحل الروبوت محل الصحفي؟

talib abdulamirكيف سيكون مضمون الصحافة، اذا لم يقم بممارستها الإنسان، ويترك للآلة ان تقوم بصياغة الخبر وتحريره؟  الجواب، او بعض منه قد يكون مضمراً في مفاصل السؤال نفسه، إذا ما تتبعنا مسار الثورات العلمية التكنلوجية، وما احدثته، ومازالت من تغييرات هامة في جميع فروع الحياة البشرية، والتي جاءت حصيلة لتراكمات الخبرة الانسانية على مر العصور. لكننا قبل ان نلج موضوعة السؤال، التي تطلعنا عليها رسالة ماجستير من جامعة اوربرو السويدية، قدمتها الصحفية العراقية سنا الجزائري، بعنوان " الصحفي الآلي: تهديد ام فرصة"، نود الاشارة الى ان الانسان الآلي، الحديث، او"الروبوت" أُدخل، ومنذ عدة عقود، في انشطة حياتية مختلفة، وبات عاملا مهما لا غنى عنه في مساعدة الانسان في تنفيذ المهام الصعبة والثقيلة، كما هو الحال في الصناعات الكبرى، كإنتاج المكائن والآلات والسيارات، وفي البناء والمواصلات والفضاء والطبابة، بل وحتى في التعليم والفعاليات العسكرية والاعمال المنزلية، الامر الذي يقدم للانسان فرصة كبيرة للالتفات الى نفسه وتطوير قدراته الفكرية وتوسيع مداركه. وما يقصد بالروبوت، هي الآلة أو الجهاز المُبرمج للقيام باعمال غالبيتها فيزياوية وتتطلب جهدا عضليا كبيراً، وليست بالضرورة ان يكون الروبوت على هيئة انسان، بل يأخذ شكله، احياناً، حسب المهمة التي يُبرمج للقيام بها.

قبل عامين اقتحم "الروبوت" عالم الصحافة، في لب عملها، حيث تم في نوفمبر من العام 2014 برمجة إنسان آلي للقيام بكتابة خبر صحفي عن وقوع زلزال اصاب ولاية لوس انجلس الامريكية. ولم يتطلب الوقت لصياغة الخبر ونشره على النت، سوى 3 دقائق منذ وصول المعلومة الى غرفة تحرير صحيفة لوس انجلس تايمز. وفي العام 2015 اقدمت مؤسسة "ميت ميديا" المالكة لحوالي 20 صحيفة في السويد، على إدخال صحفي آلي الى عملها قام بكتابة اخبار تتعلق بالطقس والرياضة، اعقبتها مؤسسات اعلامية سويدية اخرى في هذا السياق.

المدخل الذي تفتتح فيه الجزائري موضوعتها يثير تساؤلاً حول مدى امكانية ان يحل الربوت الصحفي، محل الصحفي الانسان؟ ومدى التأثيرات الناجمة عن ذلك، فيما يتعلق بنوعية الخبر وأمور أخرى، ولكن الاهم في التساؤل هو، هل يجبر هذا التطور الانسان على التخلي عن حلمه بالعمل في مجال احبه، وهو العمل الصحفي؟ هذه الاسئلة التي تتناولها رسالة الماجستير مشروعة للغاية، حيث نعيش اليوم في عالم يدفعنا الى المزيد من الأتمتة والرقمية في جميع انشطة الانسان الحياتية تقريباً. فالآلة التي صنعها الانسان يوماً، ثم اجبرته على تطويرها، اذ منحته قدرة التفكير على مستويات اعلى طور بها من ادوات عمله، (تمادت) في تسيقها سلم التطور الى مستويات بدأت تثير معها مخاوف الانسان من ان تستولي على كيانه، كما يذهب البعض في تصوراته.

ونحن في السنوات الاخيرة شهود عيان على الكيفية التي اتسعت معها دائرة استخدام (العقل) الألكتروني المبرمج وتجاوزت مساحته الايعازات الميكانيكية الى مجالات تنافس عقل الانسان ومجال عمله، واعنى هنا تحديداً في كتابة النص وتصحيحه، والبحث عن المصادر. ورغم ان هذه العملية مازالت في طور التجريب فحسب، فأن ماثيو وايت، استاذ مادة الصحافة في كلية الاعلام ووسائل الاتصال الجماهيري، جامعة نيبارسكا – لينكون، و مؤسس مختبر طائرة بدون طيار لاهداف صحفية، يقول "ان الصحافة اليوم تواجه بداية عهد جديد مع الروبوت"، مشيراً الى ان صحفيين في اماكن مختلفة من العالم يستخدمون هذه الطائرات الصغيرة بدون طيار، والمزودة بكاميرا تعمل وفق ايعازات مبرمجة في جهاز كومبيوتر، لنقل الاخبار. هذه الطائرات ستتم برمجتها في المستقبل القريب، كما يتنبأ ماثيو وايت، لتحلق فوق مناطق حوادث الطرق والحرائق، على سبيل المثال، اذ تطير تلقائيا وتقوم بارسال الاخبار المزودة بالصور الثابتة والمتحركة، من مكان الحادث قبل وصول الصحفي. بل وسيأتي يوم ستتمكن فيه المؤسسات الاعلامية من ارسال روبوتات صحفية الى اماكن الكوارث و النزاعات الساخنة لمواجهة مخاطر المهنة، بدلا من الصحفي الانسان، في التقاط الصور وتوثيق الاحداث، فيما يقوم الصحفي بالتحدث عن مجريات الاحداث هناك، وفق المعطيات على الارض، كما يذهب الى القول.

صاحب فكرة الروبوت الصحفي استاذ في العلوم الطبيعية ولغوي سويدي يدعى سفيركر يوهانسون، توصل في العام 2012 الى كتابة برنامج على الكومبيوتر اسماه "لسي بوت" يعمل وفق منطق الخوارزميات، بمعنى ادخال خطوات رياضية منطقية متسلسلة لحل مسألة ما. جُرّب هذا البرنامج في كتابة مقالات لموسوعة ويكيبيديا، وكتابة تقارير اقتصادية طويلة، ويجري البحث لتطوير البرنامج ليدخل غرفة التحرير الصحفي. وبعد ذلك التاريخ جرت محاولات لبرمجة البروبوت لكتابة اخبار الطقس والرياضة واخبار اقتصادية، وهي معطيات، مفترضة جاهزة، لكن الفكرة تتجه نحو استخدام الروبوت الصحفي في كتابة مقالات فكرية؟!!!.

ان استخدام التقنية الحديثة وادواتها كالكومبيوتر وبرامجه المختلفة دخل ميدان العمل الصحفي منذ عقود خلت، مما احدث نقلة هائلة في سرعة البث الصحفي ونوعيته، والتأكد من مصدر الخبر بدقة وفي التقليل من الوقت والجهد، والتكاليف التي تشكل عاملا اساسيا بالنسبة لمالكي وسائل الاتصال الجاهيري. بالاضافة الى تسهيل امكانية جمع المعلومات و المصادر، الامر الذي ادى الى تطور مهم جداً في نوعية العمل الصحفي. وايضاً في تعامل المتلقي مع المادة الصحفية، فلم يعد الشخص راغباً في قراءة المقالات المطولة في الصحيفة الورقية، او مشاهدة طويلة للاخبار في التلفزيون او الراديو، بل اخذ يجنح الى الاخبار القصيرة المكثفة السريعة والتي غالبا ما ترافقها وسائل ايضاحية، كالصور الثابتة او المتحركة، او الرسم البياني..الخ. وهو ما أسهم في تغيير المنطق الاعلامي التقليدي الذي كان سائداً لحقب طويلة. كما ادى تطور استخدام التقنية الرقمية في الصحافة الى اخراج المتلقى من دائرة مسار التواصل الاحادي، بمعنى انه لم يعد كونه متلقي فحسب، فقد بات له اليوم دور المشارك في صناعة الخبر، اذ اصبح يملك امكانية اختيار ما يخصه من اخبار ومعلومات من خلال هذا الكم المنوع من وسائل الاتصال الجماهيرية. لكن الادهى من ذلك هو اسهام تطور هذه التقنيات في الضغط على الصحفي لأن يقوم باعمال جديدة، تفرض عليه اتقانها. فالى جانب التحرير، عليه تعلم فن التصوير وتقنية الاخراج الالكتروني للنص او عند الارسال الصوتي والصوري، الخ. ومن دون ادنى شك فالكومبيوتر، ومنذ ثمانينات القرن الماضي بات يشكل جزءا لا يتجزأ من عمل الصحفي اليومي، يسهل عليه سرعة الكتابة وحفظ النصوص وتحريرها وتشذيبها وصقلها، ومعالجة الصورة والصوت الخ.

وفي السنوات الاخيرة تزايد عدد ادارات التحرير التي تستخدم الاتمتة في عملها، حيث تقوم برامج التقنية الرقمية على انجاز الاعمال الصحفية خلال لحظات، فيما يتطلب الامر بالنسبة للانسان عدة ساعات. والآن يتجه السعي الى ادخال التقنية الحديثة للاستعاضة عن الصحفي نفسه في صياغة الخبر، الأمر الذي يتطلع اليه رؤساء التحرير بشغف، كونه يتيح امكانية زيادة في الانتاج بتكلفة اقل وبزمن اقصر، فضلا عن ذلك قد  يتطور الامر الى برمجة الروبوت لكتابة قصة خبرية فيها انتقاد الى سياسي معروف، او اختيار كتابة مقالات واخبار حول اعمال العنف والحروب ؟ كما يتسائل ماثيو وايت. بطبيعة الحال هذا الأمر يثير مخاوف امكانية الاستغناء كليا عن عمل الانسان الصحفي، وهذا ما تهدف اليه رسالة المجستير الآنفة الذكر، المكثفة، باثارة النقاش حول مسألة ادخال الأنسان الآلي الى صلب العمل الصحفي والتأثيرات الناجمة عن استخدامه بهذه الطريقة على مستقبل الصحافة، حيث تناولت عرضاً سريعاً لأسئلة طرحتها دراسات سابقة، وهي قليلة بطبيعة الحال، نظراً لحداثة الظاهرة، ناقشت امكانية تطورها وتنبيه الصحفيين وحثهم على التفكير لمجابهة التحديات المحدقة، التي تنشأ خلال سيل التطورات المضطردة في هذا المجال. وتخلص الى استنتاجات، مبنية على مواد جمعتها سنا الجزائري وعلى لقاءات أجرتها مع صحفيين، الى ان دخول الأتمتة ميدان الصحافة ادى الى تشديد الانتاج الرقمي في مكان العمل الصحفي، وأن صحفيين اقل عدداً باتوا ينتجون اعمالا صحفية اكثر من ذي قبل وفي وقت قصير، وباستخدام ادوات تقنية اضافت عبئاً جديداً الى تعدد المهام التقليدية التي يقومون بها. ولكن يبقى التساؤل قائماً، فيما اذا ستعوض الآلة الانسان في كل شئ؟ الإجابة على ذلك تحيلنا الى قرائتين:

الاولى ما ذكره العالم البريطاني ستيفن هوكينز من ان تطوير الذكاء الصناعي الكامل  قد يؤدي الى نهاية العهد البشري. وهذا ما وجد صداه مؤخرا لدى مؤسسة غوغل المالكة حالياً لتقنية "ديب مايند" للذكاء الاصطناعي، اذ حدا بها التخوف من امكانية سيطرة الروبوتات على العقل البشري في يوم ما، الى التفكير بتطوير تقنية لإعاقة عصيان الروبوت، من خلال ايعاز خوارزمي يمنعه من تعلم كيفية منع الانسان من التدخل في ما يقوم به الذكاء الاصطناعي. يذكر ان تقنية "ديب مايند" وهي شركة بريطانية في الاصل، طورت فيها ادارة غوغل بعد امتلاكها لها، برنامجاً لتعلم العاب الفيدو، كما الانسان. وبالفعل قامت هذه التقنية بالتغلب على لاعبين في لعبة "غو".

لكن آلية التدخل لعرقلة الروبوت من التمرد على الاوامر البشرية، بما يشبه فيلم الخيال العلمي "ديتيرمينيتد" ربما ليس بمقدورها ان تكون فعالة في كل الخوارزميات، اي بالمعادلات الرياضية المتسلسلة التي تعطي الايعازات التعليمية للروبوت، وبهذا تبقى المشكلة قائمة، رغم ان هناك الكثيرين ممن يرون بأن أمر سيطرة الألة على الانسان مبالغٌ به.

والثانية ما اشار اليه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت قبل ذلك بقرون، من أن الآلة ليس بمقدورها ان تسيطر على الانسان، لأنه هو من صنعها.  

 

طالب عبد الامير -  كاتب واعلامي من العراق

دراسات عليا بالاعلام والإتصالا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3632 المصادف: 2016-08-15 07:34:51