المثقف - قضايا

محمد غاني: فنجان قهوة على شاطئ بحر التدبر

mohamad ghaniغالبا ما يهجم علي خاطر فكري يسائلني في مختلف اللحظات التأملية التي أستمتع فيها بفنجان قهوة فكرية، على شاطئ بحر التدبر تحت شمس المعاني، فيقول لي مستغربا: لماذا أمة الإسلام أمرت بالقراءة في حين آثرت الغرق في بحر الجهالة والحال أن أراد منها ربها الغوص في بحر الاستبصار والروية والنظر والفكر والملاحظة والتدبر.

أول ما يتبادر إلى الذهن حين أسترجع حال المعارف والأصدقاء الذين آثرو عدم المضي قدما في درب البحث العلمي لمظنة طول الطريق وامتداد السبيل، في حين أن الأغلب الغالب ينتظر النتيجة ويتوقع الحصيلة في أقرب الأوقات فهل يشكل هذا بالفعل عائقا لدى شبابنا ومراهقينا ينفرهم من سبيل التنور بمشكاة النبوة "القراءة"؟ وإن كان الأمر كذلك فكيف السبيل الى التوعية ببطلان هذا العائق أو قل بوهمية هذا الحاجز وسرابيته؟

لا شك أن الحكمة الصينية التي فاه بها حكيم وفيلسوف الشرق لاو تزو صادقة حيث قال في بلاغة كبيرة"رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة" في إشارة الى أهمية المثابرة في الطريق مع استحضار أن النتائج تأتي حتما لكن بعد صبر ومشقة ومن عرف ما قصد هان عليه ما وجد.

و حتى نفهم أن هذا الطول المهول الذي يتبدى لنا عند الحديث عن درب البحث العلمي ليس الا سرابا، وأن ذلك التمطط الذي يلوح عند استحضار سبيل المدارسة والبحث والملاحظة العلمية ليس الا محظ وهم وتوهم، أستحضر قولة بديعة للروائي الأمريكي الكبير والتر إليوت " المثابرة .. ليست سباقاً طويلا ، وإنما هي مجموعة من السباقات القصيرة .. سباق إثر سباق".

فإن دلت حكمته على شيء فإنما تدل على تبصره الكبير ووعيه الدقيق بخبايا النفس الإنسانية وما تحاوله مرارا وتكرارا مع كل من راودته نفسه خوض طريق شاق من أجل بلوغ هدف عظيم بغض النظر عن دينه وديانته، أو جنسه وعرقه، فإن هاته النفس تصور له ذلك الطريق مملوئا بالأشواك، لكن تلك الأشواك حتى وإن كانت فإنها مما يحتمل من أجل بلوغ هدف أسمى ومراد أرقى، حيث أن د جمال الدين القادري بودشيش  غالبا ما يردد حكمة بليغة أجدها من صميم موضوعنا في هذا المقال وهو أن "من عرف أنه إن تجاوز تلك الأشواك سيصل على عين صافية  سيحاول تفادي تلك الأشواك في طريقه الى أن يبلغ هدفه ولن يكون وجود تلك الأشواك مثبطا له في سبيله، وحتى إن أصابه بعض منها مع تفاديه لها فإنه سيصبر لعلمه بفوائد وبرودة الماء الذي حين سيصله سيروي عطشه".

وتذهب الناقدة الأمريكية مولي هاسكل الى نفس المعنى حين تردد "إعتقادي أنني أتحمل ما لا يحتمل .. هو الذي يساعدني على الاستمرار".

و نحت الكاتبة الأفرو أمريكية توني كيد بمبارا نفس المنحى حين أبدعت قائلة "إلى أولئك الذين يعتقدون – أحياناً – أن الأمان .. هو أن يعيشوا مع التذمر .. والشكوى .. وأن يتعاونوا في تحمل الأحزان .. وأن يشتركوا في جلد ذزاتهم .. إليهم جميعاً .. أقول .. أريحوا قلوبكم .. وسيروا خطى المستقبل .. أصحاء .. سليمي العقل .. سيروا هكذا جميعاً"

من خلال أقوال من سبق من عميقي التبصر سواء الفكري أو الروحي يمكن القول أنه لا مناص من استحضار الهدف والمبتغى "و هو خلق مجتمع قارئ" بجميع فئاته سواء المفكرة أو المنظرة أو العاملة، الشباب والشياب، من أجل تجشم طول الطريق ولا طول هناك وإنما هو كما رأينا مع الروائي الأمريكي والتر إيلوت سراب ووهم.

 

د محمد غاني، باحث في الأكسيولوجيا والديونطولوجيا.

......................

هوامش

- لاو تزو – حكيم صيني شهير من زعماء الطاوية عاش خلال القرن السابع الميلادي.

- والتر إليوت – روائي أمريكي مسيحي كاتوليكي  عاش خلال نهاية القرن تاسع عشر.

- د جمال الدين القادري بودشيش  - أكاديمي مغربي وباحث في التصوف دكتوراه من دار الحديث الحسنية حول زوايا التصوف بالمغرب ونجل شيخ الطريقة القادرية البودشيشية.

- مولي هاسكل – كاتبة وناقدة سينميائية أمريكية  معاصرة ولدت سنة 1939.

- توني كيد بمبارا –أستاذة جامعية وناشطة اجتماعية ومعدة برامج وثائقية وكاتبة أفرو أمريكية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3632 المصادف: 2016-08-15 07:37:15