المثقف - قضايا

قاسم حسين صالح: (رحمة) في فوق مستوى الشبهات .. ليست مريضة نفسيا!

qassim salihyمن المفارقات ان الناس لا يقبلون على قراءة المقالات والكتب النفسية كاقبالهم على مشاهدة المسلسلات والافلام النفسية. ولقد حظي مسلسل (فوق مستوى الشبهات) الذي عرض في رمضان واعيد عرضه في آب الجاري باقبال لافت، وجرى تسويقه بان (قصته تدور حول امرأة " رحمة" مريضة نفسيا).

ومن متابعتنا للمسلسل في اعادته، وبعيدا عن الجانب الفني الخاص بالأخراج الناجح والتمثيل المميز للفنانة يسرا والممثلين الآخرين، فان الذي يعنينا هنا هو الجانب العلمي الخاص بالأمراض النفسية وضرورة اشاعة الثقافة الصحيحة عنها بين المشاهدين.

 ان المسلسلات والافلام النفسية الرصينة تحرص على تشخيص المرض النفسي المصاب به (بطل) العمل، وان تتطابق اعراضه وافعاله مع خصائص ذلك المرض، لكي يكون واضحا لدى المشاهد ومقنعا له، وخذ على ذلك مثالا فلم(العقل الجميل  Beautiful Mind  )المصاب بالبرانويا، وفلم (رجل المطر) المصاب بالتوحد .. وهذا ما افتقده مسلسل (فوق مستوى الشبهات).فهو لم يحدد نوع المرض النفسي المصابة به بطلة العمل (رحمة)، ولم يكن مقنعا في تجسيد اعراض وافعال ذلك المرض، وترك المشاهد بين حائر ومخمن لهذه الشخصية التي سوقت اعلاميا بانها مريضة نفسيا، الا اذا اعتبرنا جميع القتلة مرضى نفسيا، وهذا ليس بصحيح بدليل ان القانون حدد لهم عقوبة الاعدام والسجن مدى الحياة، باستثناء المصابين بالذهان الحاد .. و(رحمة) سليمة منه تماما.

 ان التحليل السيكولوجي لتصرفات وافعال بطلة النص (رحمة) تشير الى انها تجمع بين شخصيتين، (الزورية) المصابة بالبرانويا، و(المضادة للمجتمع .. السيكوباثية).الأولى تتصف بالحساسية المفرطة، ورفض التسامح عن الاهانات، وشكوك وعدم ثقة بالآخرين، والاستعداد للقتال والمقاومة. والثانية تتصف بالاندفاعية، وعدم النضج الأخلاقي، ونقص الاحساس بالمسؤولية، و(خبل اخلاقي وعقلي تبدو فيه الوظائف الذهنية غير معطلة، ولكن متآزرة قليلا، فيما تكون الأخلاق او المباديء الفعالة للعقل مشوشة او تالفة بشكل غريب) بحسب توصيف الطبيب النفسي البريطاني (ريتشارد).

 ومع ان بعضها ينطبق على (رحمة) لاسيما اعترافها الأخير لنفسها بانها (انظلمت كتير في حياتي)، لكن اعراض الشخصيتين لا يمكن عمليا ان تندمج بالكامل في شخصية واحدة.فضلا عن ذلك فان (رحمة) تحمل دكتوراه في التنمية البشرية! وناشطة سياسيا، وان اسباب هاتين الشخصيتين (الزورية والمضادة للمجتمع)تنشئان في الطفولة او بيولوجيا!.زد على ذلك ان (رحمة )تتمتع بذكاء عالي وقدرة استثانئية على التفكير والتخطيط والتنفيذ لا يمكن ان تتوافر في مريض نفسي!. ولهذه الأسباب فان وصف بطلة المسلسل بانها مريضة نفسيا هو للتسويق الاعلامي، وان المسلسل بالاساس كان قد اعد ليكون مسلسل(جريمة)باعتراف المؤلف .. وهو في هذا السياق كان ناجحا، سيما وان بطلة الجريمة .. امرأة!، مع انه كان ايضا مسلسل خيانات زوجية!

 وهناك خلل علمي آخر يخص اخت (رحمة) المريضة نفسيا.ومع ان المسلسل لم يكشف عن نوع مرضها ولا انواع العلاج التي تأخذها، فان الأعراض التي تصرفت بها توحي بانها مصابة بالآكتئاب من نوع التخشبي: (الصمت، عدم التحرك، فقدان الشهية .. )، وهذا النوع لا يقدم على قتل الآخر لأنه مصاب بشلل الارادة، فيما هي قتلت أختها بتخطيط ذكي ومباغتة بطعنة قاتلة، وبأدراك عقلي! .. ان انتقامها منها تراه مستحقا بكونها السبب فيما جرى لها ولاهلها من مصائب!.

 نرجو ان نكون قد اوضحنا لمن شاهد المسلسل واستفسر منّا عما سبب له المسلسل من عدم وضوح وتشوش معرفي .. مع تقديرنا لكادر المسلسل وتمنياتنا له بالموفقية في اعمال مستقبلية تتوافر فيها المصداقية العلمية و(الوصفة)الطبية، الهادفة الى اشاعة الثقافة الخاصة الأمراض النفسية.

 

ملحوظة: ذكر احد القائمين على المسلسل بانهم عرضوا النص على الطبيب النفسي الدكتور (القط). والأرجح انهم اطلعوه فقط على المشاهد الخاصة بالطبيب النفسي في حواراته مع مراجعاته وهي سليمة علميا.

 

أ.د.قاسم حسين صالح - مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3639 المصادف: 2016-08-22 04:34:34