المثقف - قضايا

سليم الحسني: وهم الدولة (37): مشكلة المرجعية مع الأمة

salim alhasani2تخضع العلاقة بين المرجعية والأمة الى مؤثرات كثيرة، وهذا من المواضيع المعقدة على مدى التاريخ، لأن العلاقة بين القيادة والجمهور لا يحكمها عامل أو مجموعة عوامل ثابتة، إنما تخضع لمؤثرات متحركة وطارئة، تخرج عن الحسابات والتخطيط والمعقول في حالات كثيرة.

وهذا التاريخ البشري بطوله، يكشف غرائب التجارب في المجتمعات والشعوب. لقد نجحت قيادات بسيطة فيما فشلت قيادات عظيمة، وحدث العكس ايضاً. واتجهت الجموع تدين بالولاء لأشخاص خاوين بينما تخلت عن شخصيات كبيرة، وجرى العكس كذلك. وقد شهد العراق من ذلك الكثير في فتراته التاريخية، وصولاً الى واقعنا الراهن.

في العراق الجديد، اختلت الموازين وارتبكت القيم وشاع اللا معقول. صارت لوثة العقل قداسة يحضى المصاب بها بالتبجيل وصفات المعصومين.. وأصبح المعدم الفقير الجائع يوالي المترف الغارق في النعومة والنعيم، يتقرب اليه يطلب البركة بتقبيل يده، وهذا يتقزز منه ويمسح لمسته الملوثة.. وتحول الإدعاء الى برهان وشهادة لا تقبل التشكيك، وتتحدى كبار العلماء والمجتهدين والمراجع.

في عراق اليوم، صار خطيب المنبر الكاذب الذي يصنع الخرافات، أكثر مقبولية من الخطيب الذي يتحدث بالقرآن والفكر الاسلامي.. فتحولت العمامة بتاريخها ودورها ورمزيتها الى صنعة يحترفها اشباه المتعلمين الذين يجيدون خداع البسطاء.

وفي هذا الجو الفوضوي، كان رجال الاحزاب والكتل يجنون الربح صافياً خالصاً سهلاً، إنها فرصتهم التي لا تعوض، فمعظم الشعب يُشبع جوعه بالركض وراء الخرافة يبحث عنها في الزوايا، ويطلبها من أفواه الخرافيين. وجموع الاتباع يدافعون عن قادتهم السياسيين، ويتوسلون بالعمى والصمم من أجل تنزيههم عن السرقة والفساد والثراء الحرام، وكأنهم لا يريدون أن يتعبوا عقولهم أو يرهقوا إراداتهم بالبحث عن حل لمشاكلهم اليومية، فمنزلة القائد أهم من لقمة العيش، ومكانته أكبر من الكرامة الشخصية.

وفي هذه الساحة، وجد المثقفون المعتاشون مجال العيش الرغيد، فالقلم المجاني الرخيص يدرّ عليهم ربحاً وفيراً، والموقف المتقلب شائع في هذا الاضطراب السياسي، والمديح لمن يدفع.

أمام هذا الواقع المعقد، تتجه الانظار صوب المرجعية العليا، تطلب منها الحل، وهو توجه مشروع وضروري بوصفها القيادة العليا للأمة، وهي صاحبة القرار الذي يحسم القضايا الصعبة.

لكن طلب الموقف من المرجعية، يحتاج الى بوادر من الاستعداد الشعبي لتنفيذ رأي المرجعية، ومع غياب اوضعف هذا الاستعداد الشعبي، فان تدخلها سيكون موضع تساؤل.

وهذه النقطة لها أهميتها البالغة، لأنها تضع المرجعية أمام التردد في العديد من المواقف، حين تريد مواجهة السلبيات في المجتمع من قبيل الخرافة والمرجعيات المصطنعة وغير ذلك، إذ أن استجابة الجمهور تبقى مراهنة غامضة تصل لدرجة المجازفة من قبل المرجع فيما لو أراد اصدار فتواه.

وكمؤشر على ذلك، فان السيد السيستاني طلب من خلال خطب الجمعة عدم انتخاب الوجوه التي جربها الشعب سابقاً، لكن الشيعة رغم حبهم وولائهم له عادوا فكرروا انتخابهم. ثم جلسوا بعد ذلك يشكون حالهم ومصائبهم من هذا البرلمان البائس والحكومة الضعيفة والمسؤولين الفاسدين.

وهذا يعني أن قلوبهم مع مرجعية السيد السيستاني، وأصواتهم للقادة السياسيين، وهذه مشكلة ميدانية كبيرة، تقف حائلاً في طريق بناء الدولة.

وكانت الهفوة الفادحة من قبل الشيخ بشير النجفي، حين تبنى عمار الحكيم ووصفه بانه ابنه وابن المرجعية، وكان ذلك إضعافاً لموقف السيد السيستاني، وخرقاً لتوجيهاته في الانتخابات. خصوصاً وان عمار الحكيم معروف لدى الشعب العراقي بترفه السلطاني وخلوه من الثقافة الدينية والعامة، فانتماؤه للحوزة بالزي الأنيق فقط، والوراثة العائلية لا غير.

إن العلاقة بين الأمة والمرجعية تحتاج الى بذل جهد فاعل وميداني من قبل جهاز المرجعية تجاه الأمة، بمعنى أن تتصدى المرجعية لعناصر التجهيل والخرافة والضعف التي تفتك في عقول وإرادة قطاعات واسعة منها. وعند ذاك يصل مستوى الأمة الى قدرة التمييز، وستكون ملتزمة برأي المرجعية ومستوعبة لتوجهاتها في الظروف الصعبة والمعقدة.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

حقيقة انا معجب جدا بعنوان هذه المقاﻻت...وهم الدوله....ومستوعب لمعانيه سؤال للدكتور ..الاب الذي ﻻ يستطيع ان يسيطر على ابنائه، وهم ايضا ﻻ يطيعونه!هل يحق له ان يكون ابا؟

المهندس اياد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3648 المصادف: 2016-08-31 03:43:02