المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (39): مصلحة القادة في بقاء التدهور الاجتماعي

salim alhasani2كثيراً ما يقع اللوم على الفئات البسيطة من المجتمع العراقي، بانها تقف عائقاً أمام عملية التغيير الحقيقي وإنقاذ المجتمع والدولة، فهي سهلة الإنخداع بالألقاب والأسماء والعناوين والمظاهر، وهي تمنح ولاءها المجاني لأشخاص يعيشون في أحسن الظروف على حساب فقرها وتعاستها. وغير ذلك من سلوكيات وممارسات يقع فيها الانسان البسيط، أمام القادة الذين يحملون عناوين السياسة والدين والعشيرة.

وكثيراً ما نصف هذه الشريحة الواسعة من المجتمع، بأنها مسلوبة الإرادة أمام كلمة القائد الرمز الذي عشقوه وقدسوه واطاعوه. فتكون النتيجة إحباطا لدرجة اليأس من إمكانية التغيير، ونظرة مخيفة للمستقبل حيث يبدو فيه العراق وهو ينحدر نحو الانهيار، وهي نظرة واقعية في ضوء الواقع الحالي، فكل عناصر الانهيار المرعب قائمة في العراق.

 ...

لم تنجح مشاريع الوعي والتثقيف التي يسعى اليها قسم من المثقفين، وذلك لأن إمكانية تنفيذها تحتاج الى إمكانات كبيرة، وهذه لا يملكها إلا رجال الدين والسياسة، فهم اصحاب الثروات الطائلة والتأثير الجماهيري والكلمة المسموعة. وهؤلاء لا يمكنهم الخروج على قانون الحاجة الى اتباع وانصار. فالمشروع الذي يتفاعلون معه يجب ان يحقق مكسباً عددياً محسوساً يزيد قاعدتهم الجماهيرية. وعلى هذا فان معظم المشاريع الاجتماعية والثقافية الموجودة هي مشاريع منتمية للجهات الكبيرة المتحكمة في المجتمع والسلطة. بمعنى أن نتائجها يجب ان تكون لمصلحة القائمين عليها أولاً. وعندما نتفحص بعمق طبيعة هذه المشاريع، فاننا نجد أن فوائدها مقترنة بضرر خفي، هو إضعاف إرادة الفرد وتعزيز تبعيته لصاحب المشروع، كما أن مثل هذه المشاريع الثقافية ستُخرّج طبقة من المثقفين والمتعلمين المعتاشين على الترويج للقائد وصاحب المشروع.

صحيح أن هناك مشاريع توعية وتثقيف من قبل بعض رجال الدين والسياسة، لكنها محدودة وثانوية وغير مؤثرة، لأن اصحابها ليسوا من الواجهة التنافسية، وعليه فان امكانياتهم تكون محدودة، ونشاطهم ينحصر في نطاق المنطقة والمدينة والشريحة الضيقة، لذلك تجدها تكافح من أجل البقاء، وعندما يكون همّ المشروع البقاء على قيد الحياة، فان تأثيره يتضاءل بشكل كبير.

إن واحدة من كبريات المشاكل في العراق، هي فكرة الانتماء الشخصي، فالمواطن يجب أن ينتمي لشخص الزعيم، والمشروع يجب ان يتحرك من اجل شخص القائد، والمؤسسة يجب أن تتشكل من الاتباع الموالين للرمز. وحين يبدي أحد المنتمين لهذه المشاريع رأياً ايجابياً بحق قائد آخر أو جهة أخرى، حتى لو كانت في قضية بسيطة، فان عليه أن يجد مكاناً بديلاً، لأن قرار المضايقة أوالطرد سيصدر في اليوم التالي.

وعليه يتربى المنتمون الى مؤسسة ومشروع الرمز على الولاء لشخصه فقط، وعلى الالتزام بمنهجه وحده. وهذا الأمر يسري على المشروع الديني والسياسي، وعلى الاسلاميين والعلمانيين، وعلى السنة والشيعة والكرد وغيرهم.

 ...

في ضوء هذه التربية الصارمة على الانتماء الشخصي، لا يكون (للفكرة) مكان في عقل ووجدان الفرد، إنما يصبح الحيز كله مملوءً بصاحب الفكرة. ويترتب على ذلك، عدم قدرته على التفكير خارج دائرة الانتماء الضيقة، وهذا ما يريده القادة والزعماء.

إن الاسلامي الذي يجد له مبررات شرعية في ربط المشاريع به، يشبهه العلماني في الاستناد الى مبرراته من أجل أن تكون حركته ومشاريعه شخصية تابعة له.

وعلى مستوى الممارسة الحكومية فأن الخراب الذي صنعه الاسلامي لا يختلف عن خراب صاحبه العلماني، فقد اشتركا معاً في صفقات كثيرة. كما اشترك السني والشيعي والكردي في صفقات فساد كثيرة.

إن نبرة النزاهة والحرص التي تطغى على أحاديثهم، هي واحدة في حروفها الكاذبة، فحين يجدّ الجد يتستر بعضهم على بعض في السر، ويهاجمه في العلن، لأنهم وصلوا الى قناعة تامة، بأن الشارع العراقي منقسم على التبعية للقادة، ويكفي أن يصرح هذا القائد حتى يؤيده جمهوره، ثم تضيع الحقيقة وتختفي السرقة ويحترق ملف الفساد. وعندها سيجد أتباع القائد الذي نجى من المحاسبة، شعوراً غامراً بالسعادة، ولا يحزنهم أبداً المال الهائل الذي ضاع من الدولة وهو قوتهم اليومي وقوت عيالهم.

ولا يسأل هؤلاء الاتباع انفسهم، لماذا لا يقوم قادتهم باصلاح كياناتهم من الفاسدين؟ فاذا كانوا حقاً كما يزعمون بانهم ينشدون الاصلاح، فان الواجب يفرض عليهم ان يبدأوا بكياناتهم وكتلهم، وأن يكون الاصلاح حقيقياً وليس إعلامياً شكلياً كما فعله البعض.

يدرك القادة أن الاتباع لا يفكرون بهذه الطريقة، ولا يرغبون بطرح مثل الاسئلة على انفسهم، لأنهم رهنوا إراداتهم بشخص القائد.

وهذا هو الواقع المثالي الذي يخدم القادة، ويسعون للحفاظ عليه، وإبقائه سائداً في المجتمع، فالوعي يعني انفراط الاتباع، وتحسن الخدمات والعيشة الكريمة للمواطن يفهمها معظم القادة على انها الخطوة الأولى لإبتعاد الاتباع عنهم. فلا غرابة بعد ذلك عندما نجد الحرص منهم على إبقاء الوضع متردياً في العراق.

لها تتمة 

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3650 المصادف: 2016-09-02 02:24:28