المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (41): ثقافة اليأس في منهج الشيخ بشير النجفي

salim alhasani2في محاضرة للشيخ بشير النجفي، يتحدث في جانب منها عن الامام المهدي المنتظر، فيصوّره بالرجل المشرد التائه التعيس الذي يتنقل خائفاً في الصحارى والقفار، لا يعرف كيف يتقي حرّ الصيف وبرد الشتاء. ويخلط الشيخ النجفي حديثه بالحسرات والدموع على الامام الغائب عليه السلام.

إن المستمع البسيط للشيخ بشير النجفي، يخرج من مجلسه بمشاعر الانكسار والهزيمة النفسية، وتتصاغر عنده العقيدة المهدوية لتتحول الى صورة مأساوية عن التشرد والضياع والبؤس، وتتضاءل في ذهنه صورة المنقذ العظيم للبشرية، لتصل الى شكل المسكين الجائع بملابس رثة ونظرات خائفة. وحين ترتكز هذه الصورة وتترسخ بحسرات ودموع المتحدث، فان مفهوم (الانتظار) سيتلاشى من الاساس، وستنهار فكرة الانقاذ والعدالة المنشودة والأمل الكبير.

قبل أكثر من نصف قرن من الزمن، أصدر العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي رحمه الله، كتابه الرائع (في انتظار الامام)، وكان الكتاب يضع الشيعي أمام مسؤوليته في زمن الغيبة، فيفتح أمامه الآفاق الكبيرة للعمل الاجتماعي والسياسي والثقافي، ويُفجّر في داخله عوامل التحرك والفعل المؤثر، ويجعله شريكاً مباشراً في المشروع المهدوي.

وقد انتشر كتاب الدكتور الفضلي انتشاراً واسعاً، وأسهم في توعية أجيال متتالية على أصالة التشيع ودوره في الحياة والمجتمع، وأثره في صناعة الانسان الذي يسعى لبناء الدولة العادلة، وتحقيق العدالة في الواقع.

وبعد فترة وجيزة من صدور (في انتظار الامام) كتب الامام الشهيد محمد باقر الصدر (بحث حول المهدي) تناول فيه الظاهرة المهدوية من جوانبها العلمية والعقلية، وقدّم للجيل الاسلامي صورة راقية عن فكرة المنقذ وغيبته وعن واجب المسلمين في زمن الانتظار. في نتيجة تضع الشيعي امام مسؤولياته في التحرك والعمل ليكون بمستوى الانتماء لمدرسة المهدي واهل البيت عليهم السلام.

كما طرح الشهيد الصدر الثاني موسوعته الشهيرة عن الامام المهدي، وبحث فيها الجوانب الاساسية المرتبطة بالامام المنتظر، بدءً من ظروف ما قبل ولادته، وصولاً الى ما بعد ظهوره المرتقب وكيف سيكون عليه شكل المستقبل.

وفي نتاج ضخم من الكتابات والمحاضرات واللقاءات والاحاديث، تحدث السيد محمد حسين فضل الله، عن العقيدة المهدوية، وعن دور الانسان في زمن الانتظار، فصنع أجيالاً من الشباب الذي يعيش همّ العمل الإيجابي، كان منهم شباب المقاومة المضحي من أجل دولته وبلاده ومجتمعه.

عندما نعقد مقارنة بين منهج المدرسة الفكرية التي قادها رموز التشيع الأصيل، وبين منهج الشيخ بشير النجفي فاننا نصاب بصدمة النتيجة على الواقع الاجتماعي في العراق. فالأولى وهي التي استندت الى فكر أهل البيت عليهم السلام الصحيحة توشك ان تضيع وتتلاشى، بينما تنتشر وتتوسع المدرسة الثانية التي ينتمي اليها الشيخ بشير النجفي وغيره الكثير من العلماء والخطباء والمثقفين المعتاشين، وهي المدرسة التي جعلت أئمة أهل البيت قوماً مشردين خائفين ملاحقين، لم يتركوا لنا سوى التعاسة والبؤس والبكاء واليأس.

لقد اسقطت مدرسة الخرافة والتجهيل، تراثاً هائلاً من النتاج الشيعي على مستوى المعارف الاسلامية والفكرية، وبشكل لا نظير له من بين المسلمين على مدى قرون من الزمن.

والأخطر من ذلك، أن دور أئمة البيت قد جرى تحريفه من إحياء الدين والسنة النبوية، وتحويله الى بكائيات وهزائم وانكسارات.

في ظل هذا التدهور الفكري والجهل بمدرسة أهل البيت وتعمد التجهيل والتشويه لمدرستهم، كيف يمكن بناء الانسان والمجتمع والدولة على أسسها الصحيحة؟

إن هذا المنهج التشويهي لعقيدة التشيع وأصالته، هو الذي يجعل المواطن الشيعي عاجزاً عن المطالبة بحقوقه، وقاصراً عن إجبار السياسيين الفاسدين على إحترام حياته وحاضره، فينهبون قوته وقوت عياله، لأنهم ادركوا ان الخرافة والجهل والتخلف، حجبت عنه فكر ومعالم مدرسة أهل البيت الحقيقية، ومن يفقد هذه المعالم، يصبح كائناً تائهاً يسهل التلاعب به وبمشاعره وإرادته، وهذا ما حدث ويحدث.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3652 المصادف: 2016-09-04 04:02:34