المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (52) عراق الخرافة

salim alhasaniفي أواسط الثمانينات من القرن الماضي، كان ابن أحد العلماء المعروفين في مدينة قم، يعاني من إهمال والده المنشغل في البحث والتدريس في الحوزة، مما ترك أثراً على نفسية الإبن المراهق، وصار يميل الى العزلة والانطواء، وفي يوم من الأيام أصيب الشاب بحالة ذهول مفاجئة، وبدا وكأنه يتكلم مع شخص غير مرئي، مما أثار قلق أهله وفزعهم، وبعد دقائق عاد الى طبيعته، فأخبرهم بأنه رأى الامام علي عليه السلام يتحدث معه.

تكررت حالة المناجاة هذه عدة مرات، حتى جاء اليوم الذي أخبرهم الفتى المراهق، بأنه على موعد مع الإمام علي، فجهز والده العالم كاميرا للفيديو ودعا بعض مقربيه للحضور الى منزله، بانتظار اللقاء الموعود مع علي بن أبي طالب. وحين حانت لحظة اللقاء دخل الفتى في حالة الذهول والانقطاع عن الحاضرين، ومد يده يصافح الامام علي وتبادل معه التحية، وكانوا يرون الفتى يمد يده الى الفراغ ويحركها، ويجيب من طرفه فقط على السلام والتحية، ثم انتهى اللقاء وعاد الفتى الى عالمنا البشري.

بالتسجيل الموثق بالصوت والصورة، صارت الحادثة غير قابلة للتشكيك والطعن، فدعا هذا العالم بعض العلماء المعروفين لمشاهدة الفيلم الوثائقي الإعجازي، وقد اصيب البعض بالذهول وهم يرون الفتى يمد يده الى الفراغ ويتكلم مع الفراغ ويجيب على الصمت، فتناولوا يده يقبلونها تبركاً لأنها صافحت يد الامام علي بن أبي طالب، فيما جلس بعض العلماء يدارون ضحكاتهم المكتومة على هذا الجو الخرافي والعقول الساذجة.

لن أذكر الاسماء في هذا المقال، خشية أن تتحول الى حقيقة بالتداول، فكل شئ صار ممكناً في عراقنا الخرافي، حيث يتقدم الشخص على الفكرة، ويحدد عُبّاد الأشخاص مواقفهم على أساس الأفراد، وليس الأفكار.

انتشرت هذه الحادثة في أجواء مهمة في مدينة قم، ودارت في ذهن والد الفتى، وهو من العلماء المعروفين، فكرة أن يترك بيته للحفاظ على قدسية المكان، لكنه كان يؤجل الفكرة، حتى تلاشت مع مرور الوقت، وذلك من فضل الله ولطفه بعباده، ولو أنه ترك بيته لصار مزاراً مقدساً الى ما شاء الله من الزمن.

مرت سنوات بعد ذلك، وسقط نظام صدام، وصار عالم الدين هذا يتردد على النجف الأشرف، مع عائلته، وفي يوم صادف أحد الحاضرين في الجلسة الوثائقية ابن العالم ـ وكان يدرك منذ البداية أنها محاولة عابثة من الفتى لنيل الاهتمام ـ فسأله عن الحادثة، فاجابه الشاب بأنه كان يريد ان يضحك على أبيه وأهله.

أذكر هذه الحادثة، وأعتقد ان المطلعين عليها يتذكرونها جيداً، ولا أدري كم من الاشخاص الذين سمعوا عنها في تلك الفترة ولا زالوا يعتقدون بصدق ما حدث؟.

لقد جرى ذلك في أجواء نعتبرها علمية تحترم العقل، ومع ذلك فرضت الكذبة نفسها على قسم من الحاضرين وتوسعت بالنقل الى غيرهم. فكيف يكون الحال في أجواء من التخلف والبساطة والجهل والشعوذة التي يمتهنها الكثيرون حالياً في العراق؟.

ليس للخرافة حدود في التأثير عندما تكون أغلبية المجتمع مستعدة لتقبل الخرافة.

وعندما يتوقف دور العالم والخطيب والمثقف والمتعلم عن مواجهتها، فانها ستتسع بسرعة هائلة، وستتحول بمرور الأيام الى ثابت لا يمكن المساس به.. ثابت يدمر العقول، ويقتل الإرادات في المجتمع.

لم يمر العراق بفترة من الخرافة والجهل والتجهيل، كالتي نعيشها بعد سقوط الدكتاتورية، لقد وضع الظلم الصدامي الشعب العراقي في هوة عميقة من التدني، بحيث صار الشعب مستعداً لقبول الفكرة المجنونة وتحويلها الى حكمة عالية، وأصبح يبحث عن الوهم ليتمسك به كحقيقة ثابتة.

وحين جاءت الطبقة الحاكمة على أنقاض حكمه، فانها زادت من أنقاض الخراب الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهي ماضية في تكديس ركام الدمار يوماً بعد يوم.

صار التخريب مزدوجاً، واحد ينال من الدولة والمجتمع بالسرقات والفساد وتردي الخدمات، وآخر يفتك بالعقول فيحولها الى خواء بائس لا يتقبل إلا صورة الزعيم المصطنع، والفكرة المنحرفة.

إن اليأس سيكون مطبقاً فيما لو أهمل العالم والمثقف والمتعلم دوره في التوعية على مستوييها: محاربة الخرافة، وكشف السياسيين الفاسدين. هذه هي الخطوة الأساسية ونقطة البداية.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3661 المصادف: 2016-09-13 14:08:59