المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (57): الخرافة من مدرسة الخلفاء الى منابر الشيعة

salim alhasaniأواخر الخمسينات من القرن الماضي انتهى العلامة مرتضى العسكري رحمه الله من بحثه التاريخي حول قضية لم يسبقه اليه أحد. فقد توصل الى وجود ما يقرب من (150) صحابي من صحابة الرسول، لا وجود لهم أصلاً، وقدم بحوثه في مجلدين ضخمين بعنوان (خمسون ومائة صاحبي مختلق)، تناول فيهما دراسة ما يقرب من أربعين من هؤلاء المختلقين، وبقي الجزء الثالث مخطوطاً.

كنت أقضي الساعات الطويلة في مكتبته العامرة، وفي غرفة أرشيفه الخاصة التي يحتفظ فيها بمخطوطاته وملفاته وأوراقه البحثية. وقد كانت تلك السنوات التي قضيتها متتلمذاً على يده، ومسجلاً لذكرياته، من أفضل الفترات التي أنتفعت فيها من حياتي.

كان رحمه الله يُطلعني على بحوثه المخطوطة، وقد كتب الكثير منها بقلم الرصاص، ويوّضح لي كيف بدأ بحثه، وكيف سار فيه، وكيف توصل الى نتائجه.

لم يكن العلامة العسكري، غارقاً في الكتب والمتون القديمة فحسب، إنما كان راصداً اجتماعياً من طراز خاص، فهو يرصد المجتمع الذي يعيش فيه بدقة، ويكتب بعض البحوث تلبية لحاجات المجتمع الثقافية من أجل النهوض به ومعالجة نقاط الخلل فيه. كما كان يتعمق في دراسة طبيعة المجتمعات السابقة وظروفها حين يعود بالبحث لقضية تاريخية. وهذا ما جعله يقدّم منجزاته العلمية الرصينة التي أخذت مكانها المتقدم في عالم البحث والتحقيق والدراسات التاريخية والعقائدية.

عندما كنت أقرأ بعض مسودات الجزء الثالث من كتابه (خمسون ومائة صحابي مختلق) ـ لم يطبع حتى الآن حسب علمي ـ كنت أجد مناقشاته الدقيقة للكثير من الأساطير والخرافات التي وضعها القصاصون فدخلت كتب التاريخ والمصادر المهمة مثل تاريخ الطبري وابن الأثير وابن عساكر، وصارت من المسلمات والحقائق المتداولة، بينما أثبت العسكري أنها مجرد خرافات صنعوها، واختلقوا لها شخصيات وهمية وأدخلوهم في عداد صحابة الرسول. وقد كانت تلك الأساطير والخرافات تختلف عما نشره في المجلدين الأول والثاني من كتابه، مما يعني أن مساحة الخرافة كانت واسعة منذ تلك الفترة المتقدمة من تاريخ الاسلام، وكان يجري اختلاقها وصناعتها لإرضاء الحكام والأمراء، ولمنافسات قبلية وللتكسب المالي والاعتياش وأغراض أخرى.

وقد انتقل قسم من تلك الأساطير والخرافات من مدرسة الخلفاء الى كتب الشيعة، وظلت متداولة جيلاً بعد جيل حتى وصلت الى أيامنا هذه. وقد كتب ذلك السيد العسكري وشرحه وبيّن مصاديقه في مؤلفه الضخم (معالم المدرستين) في فصل (انتشار أحاديث مدرسة الخلافة لدى أتباع مدرسة أهل البيت) في المجلد الثالث من الكتاب. ويعود السبب في ذلك الى ان علماء الشيعة يعتنون بدراسة أحاديث الأحكام بطرق علمية دقيقة صارمة، لكنهم لم يعتمدوا نفس المنهج الصارم مع أحاديث التاريخ والسيرة والأدعية والزيارات.

لن أتحدث في هذا المقال عن المخطوطات والأبحاث غير المنشورة للعلامة العسكري، انما استند الى المطبوع منها، ليكون بمقدور المتابع الباحث عن الحقيقة الرجوع اليها، عملاً بمنهج البحث العلمي وهي إحالة القارئ الى المصدر المعلوم، وليس على طريقة صُنّاع الخرافة باعتمادهم الأحلام واختلاق الأحداث والمعجزات والكرامات ونسبتها الى مجهولات لا شاهد عليها.

تحفل أشهر مصادر التاريخ مثل الطبري وابن الأثير وابن كثير وعشرات غيرها، بذكر وقائع عظيمة جرت على يد (الصحابي القعقاع التميمي)، ويفخر الكثير من الباحثين والمؤرخين وعلماء أهل السنة بفصاحة وبطولة وشجاعة هذا (الصحابي الجليل)، في دفاعه عن الخليفة عثمان ايام الفتنة، وفي مشاركته قائداً لكتيبته في فتح العراق والشام وبلاد فارس. كما تناقلت كتب الأدب أشعاره وخطبه وحواراته المفحمة. وأطلق نظام صدام وغيره من الحكام اسمه على العديد من الفرق والألوية العسكرية.

حدثت على يد هذا الصحابي (القعقاع) الكثير من المعاجز والكرامات، كانت سبباً في تحقيق النصر لجيوش المسلمين في معارك صعبة، كما فتح العديد من المدن والقلاع المستعصية، بكرامة تجري على يديه، وأنقذ جنده من مواقف عديدة كادوا يتعرضون لها للموت عطشاً لكن الله سبحانه يُفجّر له من الصحراء عيون الماء العذبة فيرتوي جنده، ثم تختفي تلك العيون بعد مغادرته.

وفي احدى المعارك مع الفرس كان نهر دجلة هائجاً يقذف بالزبد، فأمر جنده بخوض النهر، غير مبالين بالغرق، وكان كل فارس منهم حين يصيب الإرهاق فرسه، تظهر بقعة من التراب (جرثومة= وهو التراب الذي يحيط بأصل الشجرة) وسط النهر فيستريح عليها، ثم ينطلق يخوض الماء بفرسه فتختفي الجرثومة، حتى سُميّ ذلك اليوم من المعركة (بيوم الجراثيم) لكثرة ما ظهر من تلك البقع الترابية وسط دجلة.

بهذه المعاجز والكرامات حقق الصحابي الجليل (القعقاع بن عمرو بن مالك التميمي) انتصارات كبيرة، وحقن دماء المسلمين في ايام الفتن، وأنقذهم من الملمات، وأرشدهم الى طرق الصواب عند الحيرة والاختلاف.

درس العلامة مرتضى العسكري في انجازه التاريخي الرائع، حياة ذلك الصحابي، وعاد الى أصول الروايات التي ظلت متداولة زهاء ثلاثة عشر قرناً في امهات المصادر التاريخية، محاطة بالاحترام والقداسة، فأثبت ان مصدرها شخص واحد هو (سيف بن عمر التميمي) الذي عاش في العراق أيام الأمويين وكان يعتنق الزندقة، فكتب كتابين هما (الفتوح) و (الجمل)، وصارت من أهم المصادر التي اعتمدها أشهر المؤرخين القدماء من الطبري الى يومنا هذا.

درس العلامة العسكري في جهد علمي مضن وعلى مدى سنوات طويلة، كل ما جاء به (سيف بن عمر) وتتبع رواة أحاديثه واحداً واحداً في جميع مصادر الرجال والتراجم، وقارن بين الروايات التي يرويها سيف وبين غيره من الرواة، وعاد الى مصادر البلدان والأمكنة ليحقق في كل بلد ومدينة ذكرها (سيف) في قصصه، فتوصل الى نتائج قاطعة بأن الصحابي الجليل (القعقاع التميمي) لا وجود له، وأنه شخصية مختلقة اختلقها (سيف بن عمر) ضمن (150) صحابي آخر لا وجود لهم في عالم الحقيقة، فحكى عنهم المعاجز والكرامات والأحاديث المكذوبة عن رسول الله. ودخلت هذه الاحاديث الى كتب الحديث في مدرسة الخلفاء، وتأسست عليها العقائد المنحرفة والقصص الاعجازية والأحكام والفتاوى.

إن من يقرأ كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) ويتأمل فيما يسمعه من صُنّاع الخرافة اليوم على المنابر، سيجد الكثير من التشابه بين خرافات وأساطير (سيف بن عمر) وبين هذه الخرافات والأساطير، لكن الفرق أن الأولى وبحكم الفترة الزمنية كانت تحتاج الى وضع سند للحديث وقد كان يفعل (سيف) ذلك باختلاق سند من رجال وهميين. أما اليوم فلا حاجة للسند الرجالي، يكفي أن يقول صُنّاع الخرافة: (سمعت من فلان، رأيت في الحلم، جاءني شخص نوراني) فهذا هو البديل عن السند، أما القصة فهي تشبه ما تخيله (سيف بن عمر) في أساطيره.

لها تتمة 

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3664 المصادف: 2016-09-16 15:04:50