المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (58): كرامات وهمية صنعها أعداء اهل البيت

salim alhasani2كثيراً ما نسمع من صُناع الجهل والخرافة من على منابرهم، معاجز وكرامات تحدث مع اشخاص مجهولين، لا يذكرون أسماءهم ولا صفاتهم ولا أماكنهم، لكنهم يوردون الحوادث الخارقة للعادة والنواميس والقوانين الطبيعية. نسمعهم من على منبر المجالس الحسينية وهم يتحدثون عن أسود لا تأكل لحوم السادة، وذئاب تسمع كلام زوار الحسين فتخشع وتحني رؤوسها فتتركهم يمرون بسلام، وعن حيوانات ووحوش ضارية تنقلب طباعها أمام رجال لا يعرفهم أحد ولم يسمع بهم إلا من صُنّاع الخرافات.

وحين يكتب أي كاتب مقالاً يناقش فيه الخرافات والأساطير مستدلاً بآراء كبار العلماء أمثال السيد الخوئي، فان البسطاء المصابون بمرض الخرافة يأخذون رواية الخطيب والرادود ويتركون رأي استاذ الفقهاء المستند الى القرآن والسنة الصحيحة والى الدليل العلمي.

ولدت هذه الظاهرة على أرض العراق منذ ما يقرب من ثلاثة عشر قرناً، على يد قصاص من الزنادقة هو (سيف بن عمر) كما ذكرت ذلك في الحلقة السابقة. ودخلت أساطيره التي كتبها في كتابيه (الفتوح) و (الجمل) مصادر التاريخ الاسلامي فصارت بالنقل والزمان، حقائق تاريخية، لا يناقشها أحد.

وعندما كتشف العلامة العسكري بالدليل والبحث التاريخي كذبها، بعد جهود سنوات طويلة من البحث والتنقيب، وعزم على طباعتها، فانه أعد نفسه لمواجهة ردة فعل شرسة، وقد جاءت بالفعل قوية، لأن ما كشفه شكّل صدمة لأهم مصادر التاريخ الاسلامي، وكانت نتائجه تعني إنهيار تاريخ الطبري وسقوط معظم اجزائه من الإعتبار، وبسقوط الطبري سينهار كتاب الكامل في التاريخ لأبن الاثير، وهكذا يأتي الدور على بقية المصادر التاريخية.

أوضح العسكري كيف ان (سيف بن عمر) اخترع اساطير تكليم الحيوانات لصحابة مختلقين ليس لهم وجود، منها الثيران والأبقار والخيل. ففي أيام معركة القادسية واجه جيش المسلمين الجوع، فخرج (الصحابي عاصم بن عمرو التميمي) ـ وهو من مختلقات سيف ـ يبحث عن ماشية للجند، فسأل أحد الرعاة، فأنكر الراعي وجود ماشية عنده، فاذا بثور ينادي من وراء سور: (كذب والله وها نحن أُولاء)، فسمي ذلك اليوم بيوم (الأباقر).

ومن اساطير (سيف بن عمر) ان بعض الصحابة الذين اختلقهم كانوا في مفاوضاتهم مع الفرس، تنتابهم ما يشبه الغيبوبة، فيجري على لسانهم كلام بلغة الفرس يتلقونه من الملائكة، ثم يُصاب الوفد المفاوض من الفرس بالذعر، فتنهار عزائمه وينتصر المسلمون. وعندما يسأل المسلمون هذا (الصحابي)، يقول لهم أنه لا يدري ما قال ولا يتذكر ما حدث، فقد جرى ذلك عليه وهو في غيبوبة عن الواقع.

ويحكي (سيف بن عمر) عن صحابي اختلقه وجعل فرسه تعبر نهر دجلة بقفزة واحدة بعد أن تتكلم الفرس فتقول (أثب وسورة البقرة) اي أنها أقسمت بسورة البقرة، فحدثت المعجزة والكرامة وحلقت فوق نهر دجلة ووصلت الضفة الأخرى.

على هذا المنهج من الخيال، انتشرت تلك الأساطير في كتب التاريخ، وكان الناس يجتمعون في المجالس منذ تلك الفترة يستمعون الى قصص (سيف بن عمر) وأساطيره، فتزداد في نفوسهم منزلة الأشخاص من القادة والامراء والخلفاء، ويتحولون بنظرهم الى أشخاص مقدسين لهم كراماتهم ومنزلتهم الدينية الخاصة. فلا يجرؤ أحد منهم على مخالفتهم وعصيان أوامرهم أو التشكيك في سلوكهم، ومن ثم القبول بظلمهم وانحرافهم. فيما يجني القصاصون المال والجوائز من الحكام على ترويج هذه الأساطير التي صنعت مجتمعاً يدين لهم بالولاء والطاعة.

ومن تلك المدرسة في التحريف، دخلت أساطيرها الى أوساط الشيعة بالتدريج، وتوسع الخيال والانحراف والتحريف، فظهرت الفرق المتعددة مثل الشيخية والكشفية والبابية والبهائية، وكانت الأخيرة قد انحرفت كلياً عن الاسلام وخرجت عليه. وفي تطور تلك الفرق ظهر اشخاص يدّعون رؤية الامام المهدي، ثم تطور الحال الى كونهم الباب الى المهدي، ثم صاروا يدعون بأنهم المهدي نفسه. كما ظهرت إمرأة شاع أمرها وانتشر أتباعها وهي (قرة العين) فانتقلت على عدة مراحل من الإدعاءات حتى صارت هي الزهراء عليها السلام، وكان اتباعها يفعلون ما تأمرهم فلا يعصون لها أمراً. ولو لا تصدي المرجعية الدينية وقتها لانتشر اتباعها وغطوا معظم الساحة الشيعية.

ويلاحظ القارئ الكريم هذا التشابه بين ما كان يجري سابقاً، وبين ما يجري حالياً من إدعاء المهدوية من قبل بعض الاشخاص، وإدعاء المرجعية من قبل آخرين، وادعاء القداسة من قبل جماعة ثالثة. وقد كان للفرقة الشيرازية التي ظهرت مع مطلع ستينات القرن الماضي دورها في تغذية هذا الاتجاه، وهي في انتشار متزايد في العراق والخليج وغيرهما من البلدان، حيث تتدفق مالاً طائلاً مكّنها من فتح فضائيات عديدة ووسائل اعلام وخطباء يتزايدون وتتزايد معهم الخرافة والتجهيل والأساطير.

ويجب الاشارة الى أن الفرقة الشيرازية قد أحست أن سمعتها مخدوشة في اوساط كثيرة من الشيعة، بعد المواقف الرافضة لمنهجها من قبل المرجع السيد محسن الحكيم، ومن بعده المرجع السيد الخوئي، لذلك لجأت الى التكتم على بعض أشخاصها من الخطباء ورجال الدين، فهم يتظاهرون بأنهم ليسوا من هذه الفرقة، ليتمكنوا من نشر أفكارهم التجهيلية في أوساط الشيعة والتأثير عليها.

والى جانب ذلك جاءتنا الكارثة من الاحزاب والكيانات السياسية، فقد انصرفت عن المجتمع الى السلطة، وألقت ثقلها هناك على الكراسي والمناصب، تتنافس فيما بينهما، وتجني ما تستطيعه من أموال مسروقة وصفقات فاسدة. بينما يعاني المواطن البسيط الاهمال في الخدمات والتعليم والثقافة والإرشاد والتنمية، فاستمر انهيار النظام التعليمي من عهد صدام الى يومنا هذا في مسار من الانتكاسات المفجعة.

قريباً سيأتينا شهر محرم الحرام، وسيبرع صُناع الخرافة والتجهيل، في التعتيم على المضامين الحقيقية لثورة الحسين عليه السلام، فيغطون حركيتها الثورية، وخطها الإسلامي ومدرستها الرسالية، بغلاف سميك من الممارسات الاستعراضية والقصص الخرافية والافكار المشوهة، وكأنها عملية ممنهجة لقتل روح الثورة الحسينية العظيمة.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3665 المصادف: 2016-09-17 15:04:50